Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١
كتاب: الهبات
رَسُولِ اللّهِ وَهِ بِالْعُمْرَى لِصَاحِبِهَا. فَقَضَى بِذَلِكَ طَارِقٌ. ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَخْبَرَهُ
ذُلِكَ. وَأَخْبَرَهُ بِشَهَادَةٍ جَابِرٍ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: صَدَقَ جَابِرٌ. فَأَمْضَى ذُلِكَ طَارِقٌ. فَإِنَّ
ذُلِكَ الْحَائِطَ لِبَنِي الْمُعْمَرِ حَتَّى الْيَوْمِ.
٤١٧٥ - ١٢/٢٩ - حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لأَبِي
بَكْرٍ) (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ أَبُوَ بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ) عَنْ عَمْرٍو، عَنْ
سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ طَارِقاً قَضَى بِالْعُمْرَى لِلْوَارِثِ. لِقَوْلِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ وَهِ.
٤١٧٦ - ١٣/٣٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنٍ
عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ. قَالَ: ((الْعُمْرَىُ جَائِزَةٌ)).
٤١٧٧ - ١٤/٣١ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ.
مولاه، فصعد على منبر رسول الله وَل﴿ يخطب عليه، وليس هو من صالح من تقدم علينا، ولكنا
ابتلينا به. وسئل أبو زرعة عن طارق هذا، فقال: ثقة. كذا في تهذيب تاريخ ابن عساكر (٧:
٤١).
قوله: (ثم كتب إلى عبد الملك) - يعني: عبد الملك بن مروان بن الحكم الخليفة المعروف
من خلفاء بني أمية -، وكان من الفقهاء المحدثين، قيل لابن عمر: من نسأل بعدكم؟ قال: إن
لمروان ابنا فقيهاً، فسلوه، وروي عن نافع أنه قال: ((لقد رأيت المدينة وما بها أشد تشميراً، ولا
أفقه، ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك، أو قال: ولا أطول صلاة، ولا أطلب للعلم)) وكان
عابداً ناسكاً قبل الخلافة. خطب يوماً خطبة بليغة، ثم قطعها وبكى، ثم قال: يا رب! إن ذنوبي
عظيمة، وإن قليل عفوك أعظم منها فامح بقليل عفوك عظيم ذنوبي، فبلغ ذلك الحسن البصري،
فبكى، وقال: لو كان كلام يكتب بالذهب لكتب هذا، وكانت الفتنة من يوم مات معاوية بن يزيد
إلى أن استقام الناس لعبد الملك تسع سنين، ثم ملك عبد الملك ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر
إلا ليلتين، ومات في النصف من شوال (سنة: ٨٦) وأربعة أشهر، إلا ليلتين، ومات في النصف
من شوال (سنة: ٨٦). أخرج عنه البخاري في الأدب المفرد. كذا في التهذيب (٦: ٤٢٢
و ٤٢٣).
٢٩ - (٠٠٠) - قوله: (عن عمرو) - يعني: ابن دينار.
٣٠ - (٠٠٠) - قوله: (حدثنا محمد بن جعفر) يعني غندرا، وقد مر ترجمته في باب جواز
بيع الحيوان بالحيوان متفاضلاً .
٣١ - (٠٠٠) - قوله: (يحيى بن حبيب الحارثي) هو: يحيى بن حبيب بن عربي الحارثي،
٨٢
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ). حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابٍِ، عَنِ
النَّبِيِّ نَِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((الْعُمْرَىْ مِيرَاثٌ لأَهْلِهَا)).
٤١٧٨ - ١٥/٣٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّصْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
عَنِ النَّبِّ ◌َِّ. قَالَ: ((الْعُمْرَىُ جَائِزَةٌ)).
أبو زكريا البصري، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة مأمون قل شيخ رأيت بالبصرة
مثله، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة ثمان وأربعين
ومائتين، روى له الجماعة إلا البخاري.
قوله: (حدثنا خالد) هو: خالد بن الحارث بن عبيد بن سليمان الهجيمي (بضم الهاء وفتح
الجيم) البصري، قال القطان: ما رأيت خيراً من سفيان وخالد بن الحارث، وقال الأثرم عن
أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال أبو زرعة: كان يقال له: خالد الصدق، وكان من
عقلاء الناس ودهاتهم. ولد (سنة: ١١٩هـ) كذا في التهذيب (٣: ٨٣).
قوله: (حدثنا سعيد) - يعني سعيد بن أبي عروبة -، المحدث المشهور، من أثبت تلامذة
قتادة، ولكنه اختلط في آخر عمره، ولذلك لا يحتج إلا بما روى عنه القدماء، مثل يزيد بن
زريع، وابن المبارك، ويعتبر برواية المتأخرين عنه، دون الاحتجاج بها. وأثبت الناس عنه ابن
زريع، وخالد بن الحارث، ويحيى بن سعيد، ونظراؤهم. وقال أحمد: كان يقول بالقدر
ويكتمه، وقال العجلي: كان لا يدعو إليه، وكان ثقة. هذا ملخص ما في التهذيب (٤: ٦٣ إلى
٦٥).
مضرعنْه،
٣٢ - (١٦٢٦) - قوله: (عن النضر بن أنس) هو ابن لأنس بن مالك الصحابي
بصري تابعي ثقة أخرج عنه الجماعة.
قوله: (عن بشير بن نهيك) بشير: بفتح الباء، ونهيك: بفتح النون، وكسر الهاء، السدوسي
البصري، من تلامذة أبي هريرة، وثقه النسائي والعجلي وأحمد وابن سعد وابن حبان، وقال أبو
حاتم: لا يحتج بحديثه، وقد أخرجه عنه الجماعة، وذكره خليفة بن خياط في الطبقة الثانية من
قراء أهل البصرة كذا في التهذيب ١: ٤٢٠ ولم أجد له ذكراً في غاية النهاية لابن الجزري، والله
أعلم.
فائدة في الرقبى
إن الرقبى عند الجمهور کالعمرى، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، فتنعقد هبة، وروي عن
أبي حنيفة ومحمد أنهما أبطلا الرقبى، والصحيح أنهما إنما أبطلا الرقبى إذا كانت الهبة معلقة
٨٣
كتاب: الهبات
٤١٧٩ - ٠٠٠ /١٦ - وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ).
حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: (مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا)) أَوْ قَالَ: ((جَائِزَةٌ)).
على موت الواهب، مثل أن يقول: وهبتك هذه الدار بشرط أن أموت قبلك، فهذه هبة فاسدة،
وأما إذا قال: هذه الدار لك منجزة بشرط أنك إن مت قبلي فهي راجعة إلي، فحكمه حكم
العمرى عند الطرفين أيضاً، والذي يتحصل لي: إن هذا النزاع لفظي، فإن قولهم: ((أرقبتك هذه
الدار)) كان يستعمل في عرف أهل الكوفة بمعنى الهبة المعلقة بموت الواهب، فأبطلها أبو حنيفة
من أجل هذا، وكان العرف في عهده عليه السلام أنها بمعنى العمرى، يعني: أنها هبة منجزة
بشرط رجوعها إلى الواهب، فأمضى الهبة، وأفسد الشرط، حيث قال وَالقر: ((الرقبى لمن أرقبها))
أخرجه النسائي عن جابر، وزيد بن ثابت، وابن عمر رضيّه، وأما في عرف أهل الكوفة، فإن
الرقبى إذا أطلقت لا يراد منها إلا الهبة المعلقة بالموت، وهي تعليق للملك على خطر، فأبطله
أبو حنيفة رأساً، وإليه يشير شيخ مشايخنا الأنور تَغْلَفُ حيث يقول: ((كان ذلك هو العرف في عهد
النبي وَّر، ولعله تغير في عهد أبي حنيفة، والشيء إذا كان مبنياً على العرف يتبدل حكمه بتبدل
العرف لا محالة)) كذا في فيض الباري (٤: ٣٨٠)، وراجع لتفصيل أطراف المسألة إعلاء السنن
(١٦ : ١٢٤) والمعتصر لأبي المحاسن (٢٥٧/١).
قد تم شرح كتاب الهبة بفضل الله سبحانه وحسن توفيقه ضحى يوم الثلاثاء الثاني من شهر
جمادى الثانية، (سنة ١٤٠٤ هـ)، وفقنا الله سبحانه لإتمام باقي الأبواب، إنه على كل شيء
قدير .
٨٤
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
كتاب: الوصية
كتاب: الوصية
أصل الوصية من قولهم: وصى الشيء وصياً: إذا اتصل. وقال الأصمعي: وصى الشيء
يصي (على وزن يقي) اتصل، ووصاه غيره يصيه: وصله، أي فهو لازم ومتعد، كذا في تاج
العروس (١٠: ٣٩٢)، وإنما سميت الوصية وصية، لأنه وصل ما كان في حياته بما بعده، حكاه
النووي عن الأزهري.
وكانت الوصية في الجاهلية لا تتقيد بشرائط أو قواعد، فيكون الرجل له المكنة الكاملة في
قدر ما يوصي به، وتعيين من يوصي إليه، ويقول الدكتور جواد علي في كتابه (المفصل في تاريخ
العرب قبل الإسلام) (٥: ٥٦١).
((والوصية: ما أوصيت به، وسميت وصية لاتصالها بأمر الميت، وذلك بأن يكتب الرجل
ما يراه بشأن ما يتركه بعد وفاته، ويكون من يعهد إليه أمر تنفيذ ما جاء في الوصية وصياً، ولم
يكن صاحب الوصية مقيداً بقيود بالنسبة لكيفية توزيع ثروته، لأن المال ملك صاحبه، وله أن
يتصرف به كيف يشاء. ويجوز للموصى إن شاء حرمان من يشاء من الورثة الشرعيين من إرثهم،
وإشراك من يشاء في الإرث، وله أن يوصي بإعطاء كل إرثه إلى شخص واحد، وأن يحرم من
الإرث كل المستحقين الشرعيين)) .
فأبطل الإسلام عادة أهل الجاهلية، وقيد الوصية بشروط لا يجوز للموصي أن يتعداها،
ويقول الإمام الشيخ ولي الله الدهلوي كنُّ في حجة الله البالغة (٢: ١١٦):
((لما كان الناس في الجاهلية يضارون في الوصية، ولا يتبعون في ذلك الحكمة الواجبة،
فمنهم من ترك الحق والأوجب مواساته، واختار الأبعد برأيه الأبتر، وجب أن يسد هذا الباب،
ووجب عند ذلك أن يعتبر المظان الكلية، بحسب القرابات، دون الخصوصيات الطارئة بحسب
الأشخاص، فلما تقرر أمر المواريث قطعاً لمنازعتهم، وسداً لضغائنهم، كان من حكمه أن لا
يسوغ الوصية لوارث، إذ في ذلك مناقضة للحد المضروب)).
وقال قبل ذلك: ((وأيضاً فالحكمة أن يأخذ ماله من بعده أقرب الناس منه، وأولاهم به،
٨٥
كتاب: الوصية
٤١٨٠ - ١/١ - حدّثنا أَبُو خَيْئَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ (وَاللَّفْظُ
لابْنِ الْمُثَنَّى) قَالاَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِىءٍ
وأنصرهم له ... ومع ذلك فكثيراً ما تقع أمور توجب مواساة غيرهم، وكثيراً ما يوجب خصوص
الحال أن يختار غيرهم، فلا بد من ضرب حد لا يتجاوزه الناس، وهو الثلث، لأنه لا بد من
ترجيح الورثة، وذلك بأن يكون لهم أكثر من النصف، فضرب لهم الثلثين، ولغيرهم الثلث)).
١ - (١٦٢٧) - قوله: (العنزي) بفتح الحين، والنون، نسبة إلى عنزة، وهو حي من ربيعة،
كما في الأنساب للسمعاني (٩: ٣٩١)، ومحمد بن المثنى هذا تقدم مراراً، وهو من أثبات
المحدثين بالبصرة، روى عنه الجماعة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان صاحب كتاب
لا يقرأ إلا من كتابه .
قوله: (عن عبيد الله) يعني: ابن عمر العمري، تقدم قبيل باب الرجوع في الصدقة والهبة.
قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في أول كتاب الوصايا، ومالك في
الوصية، باب الأمر بالوصية، وأبو داود في الوصايا: باب ما جاء فيما يؤمر به من الوصية،
(رقم: ٢٨٦٢)، والترمذي في الجنائز، باب ما جاء في الحث على الوصية، (رقم: ٩٧٤)،
والنسائي في الوصايا، باب الكراهة في تأخير الوصية، وابن ماجه في الوصايا، باب الحث على
الوصية، (رقم: ٢٦٩٩)، والدارمي في الوصايا، باب من استحب الوصية، (رقم: ٣١٧٩).
قوله: (ما حق امرئ) يعني: لا يحق لامرئ مسلم إلخ ومراده عند الجمهور أن من كان
عليه دين أو عنده وديعة، أو عليه واجب ولا يقدر على أدائه بنفسه، فإنه يجب عليه أن يوصي
بذلك، ولا يدل ذلك على وجوب الوصية لغير الوارث، فإن قوله غيّل: ((له شيء يريد أن يوصي
فيه)) صريح في أن الحكم خاص بمن يريد أن يوصي بشيء، ولو كان الحكم واجباً لما قيده
بالإرادة. وهو قول الأئمة الأربعة، والشعبي، والنخعي، والثوري، وغيرهم.
وقالت جماعة: إن الوصية واجبة للأقربين الذين لا يرثون، وهو قول داود الظاهري،
وحكى عن مسروق، وطاؤس، وإياس، وقتادة وابن جرير. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ
إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٨٠] وبحديث ابن
عمر في الباب. فأما الحديث فقد أجبنا عنه، وأما الآية فإنها منسوخة في قول الجمهور بآية
الميراث، وكانت الوصية واجبة قبل نزول الميراث، فلما نزلت أحكام الميراث استغني عنها
بها. ويدل على ذلك أن الآية ذكرت الوصية للوالدين، ولا تجوز الوصية للوالدين اليوم
بالإجماع، لأنهما من الورثة، ولا وصية للوارث، فظهر أن الآية منسوخة بضرب السهام
للوالدين في آية المواريث.
٨٦
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مُسْلِمٍ، لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ، يَبِتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلَّ وَوَصِيَتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ)).
ثم اختلف القائلون بوجوب الوصية في تعيين من تجب عليه الوصية من أصحاب الأموال،
هل تجب على كل من ترك شيئاً، ولو تافهاً يسيراً؟ أو يختص الوجوب بمن ترك مالاً كثيراً؟
وعلى الثاني ما هو حد القليل والكثير؟ وكذلك اختلفوا فيمن تجب له الوصية؟ وهل تنفذ الوصية
لغير القرابة أو لا؟ أقوال بسطها الحافظ في الفتح (٥: ٢٦٣ و٢٦٥)، راجعها من شاء. أما
الجمهور فلا تجب عندهم الوصية لغير الورثة، ولكنها مستحبة لمن أراد، وظاهر حديث الباب
دليل لهم، لأن الوصية فيه مشروطة بإرادة الموصي كما تقدم. وراجع للتفصيل إعلاء السنن
(١٨: ٢٩١ و٢٩٢)، وفتح الباري (٥: ٢٦٤ و٢٦٥)، وعمدة القاري (٦: ٤٧١)، والله أعلم.
قوله: (مسلم) وكذا وقع في أكثر الروايات، بلفظ: ((مسلم))، وليس هذا اللفظ موجوداً في
رواية أحمد، عن إسحاق بن عيسى، عن مالك، والوصف بالمسلم ههنا خرج مخرج الغالب،
فلا مفهوم له، فتجوز وصية الكافر أيضاً. كذا أفاد الحافظان - العيني والعسقلاني - رحمهما الله .
ولا حاجة عندي إلى هذا التأويل، لأن الحديث لا يبحث عن جواز الوصية أو نفاذها، وإنما
يبين وجوب الوصية أو استحبابها شرعاً، ولا يتوجه الوجوب ولا الاستحباب إلى كافر، فلا
مانع من كون قيد المسلم احترازياً، والله سبحانه أعلم.
قوله: (له شيء) استدل به الجمهور على صحة الوصية بالمنافع كصحتها بالمال، ومنعها
ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وداود الظاهري، وأتباعه، واختاره ابن عبد البر. كذا في عمدة
القاري (٦: ٤٧٥).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ومذهب الحنفية جواز الوصية في المنافع إذا كانت قابلةً
للتمليك في حياة الموصي، وصورتها أن يوصي بسكني داره، أو بغلة بستانه لمدة معلومة، أو
للأبد، فإن خرجت رقبة الدار أو السبتان من الثلث سُلِّما إلى الموصى إليه، وإلا فتقسم الدار
أثلاثاً بطريق المهايأة، بأن يسكنها الموصى إليه ثلث مدة معلومة، ويسكنها الورثة ثلثيها؛ وإما
بطريق التجزئة، فيكون ثلثها للموصى إليه، وثلثاها للورثة. وأما الغلة فتقسم، فتكون له ثلث
الغلة كل سنة، لا يقسم نفس البستان إلا عند أبي يوسف تقذفُ. هذا ملخص ما في رد المحتار
لابن عابدين (٥: ٤٥٩ و٤٨٩)، والله أعلم.
قوله: (يبيت ليلتين) قال الحافظ: ((تقديره: أن يبيت، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَيْهِ،
يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ﴾ [سورة الروم، الآية: ١٠٦] الآية. ويجوز أن يكون (يبيت) صفة لمسلم، وبه جزم
الطيبي قال: هي صفة ثانية)).
قوله: (مكتوبة عنده) استدل به أحمد، ومحمد بن نصر المروزي من الشافعية على جواز
الاعتماد على الكتابة والخط، ولو لم يقترن ذلك بالشهادة، وهذا عندهم خاص بالوصية لثبوت
الخبر فيها، دون غيرها من الأحكام. وأما الجمهور فيشترط عندهم الإشهاد ولا تثبت الوصية
٨٧
كتاب: الوصية
٤١٨١ - ٢/٢ - وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي. كِلاَهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهِذَا
الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالاَ: ((وَلَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ) وَلَمْ يَقُولاً: ((يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ)).
٤١٨٢ - ٣/٣ - وحدّثنا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ). ح
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلٌ (يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ). كِلاَهُمَا عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنِي
أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِيِ يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ. حَدَّثَا
ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ اللَّيْثِيُّ: ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي
فُدَيْكٍ. أُخْبَرَنَا هِشَامٌ (يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ). كُلَّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرٍ، عَنِ النَّبِيِّ لَهُ.
بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَقَالُوا جَمِيعاً: (لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ)) إِلَّ فِي حَدِيثٍ أَيُّوبَ فَإِنَّهُ قَالَ:
(يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ)) كَرِوَايَةِ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ.
٤١٨٣ - ٤/٤ - حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي
عَمْرٌو (وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَه
قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ ثَلاَثَ لَيَالٍ إِلَّ وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ
مَكْتُوبٌ)) .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلِ قَالَ ذُلِكَ، إِلاَّ
وَعِنْدِي وَصِيَّتِي .
بالكتابة بدون الإشهاد، يعني: في القضاء. وحجتهم قول الله تعالى: ﴿شَهِدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ
أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ١٠٦] الآية.
وأما حديث الباب فقد أجاب عنه الجمهور بأنه لا تعرض فيه لاشتراط الإشهاد وعدمه،
والمراد: أن تكون الوصية مكتوبة بشرائطها المعروفة، ومنها الإشهاد، فلا يدل ذلك على نفي
الاشتراط .
ثم قال القرطبي: ((ذكر الكتابة مبالغة في زيادة التوثق، وإلا فالوصية المشهود بها متفق
عليها، ولو لم تكن مكتوبة)) هذا ملخص ما في فتح الباري (٥: ٢٦٦)، والعمدة (٦: ٤٧٥).
٣ - (٠٠٠) - قوله: (الجحدري) بفتح الجيم، تقدم في باب بيع البعير واستثناء ركوبه.
٤ - (٠٠٠) - قوله: (إلا وعندي وصيتي) هذا معارض بظاهره لما أخرجه ابن المنذر بإسناد
صحيح عن نافع، قال: (قيل لابن عمر في مرض موته: ألا توصي؟ قال: أما مالي فالله يعلم ما
كنت أصنع فيه، وأما رباعي فلا أحب أن يشارك ولدي فيها أحد)) فإنه صريح في أنه لم يوص
بشيء في آخر حياته.
٨٨
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤١٨٤ - ٥/٠٠٠ - وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي
يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي. حَدَّثَنِي
عُقَيْلٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ.
كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ.
(١) - باب: الوصية بالثلث
٤١٨٥ - ١/٥ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ
وجمع بينها الحافظ في الفتح (٥: ٢٦٦) بالحمل على أنه كان يكتب وصيته ويتعاهدها،
ثم صار ينجز ما كان يوصي به معلقاً، يعني: يعمل بوصيته بنفسه، حتى لم يبق له مما أوصى به
إلا وقد فعله بنفسه، وإليه يشير قوله في حديث ابن المنذر: ((أما مالي فالله يعلم ما كنت أصنع
فيه)) ولعل الحامل له على ذلك حديثه في الرقاق: ((إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح)) فصار ينجز ما
يريد التصدق به، فلم يحتج إلى وصية في آخر حياته، وقد ثبت أنه وقف بعض دوره، فبهذا
يحصل التوفيق، والله أعلم.
(٠٠٠) - قوله: (أبو الطاهر) اسمه: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح، كان
فقيهاً من الصالحين، أكثر عن عبد الله بن وهب. وحرملة: هو ابن يحيى بن عبد الله بن حرملة،
من تلامذة الشافعي، والمكثرين عن عبد الله بن وهب.
(١) - باب: الوصية بالثلث
٥ - (١٦٢٨) - قوله: (حدثنا يحيى بن يحيى التميمي) هو: يحيى بن بكير، أبو زكرياء
النيسابوري من تلامذة الإمام مالك، وأساتذة البخاري والترمذي. وليس هو يحيى بن يحيى
الأندلسي، راوي الموطأ عن مالك، فإنه لم يخرج عنه أحد من الأئمة الستة، وربما يقول
مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، فيظن من لا علم له بالرجال أنه يحيى
الأندلسي، وإنما المراد يحيى بن يحيى التميمي هذا، وهو من حفاظ المحدثين وهو من سادات
أهل زمانه علماً، وديناً، وفضلاً، ونسكاً، وإتقاناً. قال محمد بن أسلم الطوسي: رأيت النبي وَل
في النوم، فقلت: عمن أكتب؟ قال: عن يحيى، راجع لترجمته التهذيب (١١: ٢٩٧ - ٢٩٩).
قوله: (إبراهيم بن سعد) يعني: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهري، أبو إسحاق المدني نزيل بغداد، ولي بيت المال ببغداد للرشيد، قال صالح بن جزرة:
حديثه عن الزهري ليس بذاك، لأنه كان صغيراً حين سمع من الزهري، ولكن قال ابن عدي:
((هو من ثقات المسلمين، حدث عنه جماعة من الأئمة، ولم يختلف أحد في الكتابة عنه، وقول
من تكلم فيه تحامل، وله أحاديث صالحة مستقيمة عن الزهري وغيره)) كذا في التهذيب (١ : ٢٢
٠
٨٩
كتاب: الوصية
شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، مِنْ
و١٢٣)، قلت: قد أخرج عنه البخاري ومسلم، والجماعة، وذلك يؤيد قول ابن عدي، وترجم
له الخطيب ترجمة ضافية، ذكر فيها أنه كان يبيح الغناء بالعود، وقد تركه بعض أصحاب الحديث
من أجل ذلك، فحلف أن لا يحدث بحديث إلا وقد غنى قبله، راجع تاريخ بغداد (٦: ٨٤)،
والله سبحانه أعلم.
قوله: (عن أبيه) يعني: سعد بن أبي وقاص ◌ُبه، وحديثه هذا أخرجه البخاري في
الجنائز، باب رثاء النبي 18 باب قول النبي وقالير: ((اللهم أمض لأصحابي هجرتهم))، وفي
المغازي، باب حجة الوداع، وفي النفقات، باب فضل النفقة على الأهل، وفي المرضى باب
وضع اليد على المريض، وباب قول المريض إني وجع، وفي الدعوات، باب الدعاء يرفع الوباء
والوجع، وفي الفرائض، باب ميراث البنات، وفي الوصايا باب أن يترك ورثته أغنياء خير،
وباب الوصية بالثلث، وأخرجه النسائي في الوصايا، باب الوصية بالثلث، وابن ماجه في
الوصايا، باب الوصية بالثلث، (رقم: ٢٧٠٨)، والترمذي في الجنائز: باب ما جاء في الوصية
بالثلث والربع، وأبو داود في الوصايا، باب ما لا يجوز للموصي في ما له، (رقم: ٢٧٤٤).
قوله: (في حجة الوداع) هذا صريح في كون هذه الواقعة في حجة الوداع، وعليه اتفق أكثر
أصحاب الزهري، وشذ ابن عيينة، فذكر هذه القصة في فتح مكة فيما أخرجه الترمذي وغيره
عنه، ويؤيده ما أخرجه أحمد (٤: ٦٠)، والبزار، والبخاري في التاريخ من حديث عمرو بن
القاري: ((أن رسول الله وَ﴿ قدم، فخلف سعداً مريضاً، حيث خرج إلى جنين، فلما قدم من
الجعرانة معتمراً دخل عليه وهو مغلوب، فقال: يا رسول الله! إن لي مالاً، وإني أورث كلالة،
أفأوصي بمالي؟ الحديث)) وفيه: ((قلت: يا رسول الله أميت أنا بالدار التي خرجت منها مهاجراً؟
قال: لا، إني لأرجو أن يرفعك الله، حتى ينتفع بكل أقوام)) الحديث، ذكره الحافظ في الفتح
(٥: ٢٧٠)، وجمع بينهما بحملهما على وقعتين.
ولكن القلب لا يطمئن بأن هذه الواقعة وقعت مرتين، وكيف ينسى مثل سعد بن أبي قاص
ما قال له ول﴿ قبل سنتين في أمر الوصية، حتى يسأله مرة أخرى عن عين ما سأله في فتح مكة؟
فالأظهر ما ذكره الحافظ عن المحققين أن ابن عيينة قد وهم في تاريخ هذه الواقعة، حيث ذكرها
في فتح مكة، والصحيح ما ذكره أكثر أصحاب الزهري من أنها وقعت في حجة الوداع، وبه جزم
البيهقي، كما في عمدة القاري (٤: ٩٩) وأما حديث عمرو بن القاري ففيه عبد اللّه بن عثمان بن
خثيم، وهو وإن كان من رواة مسلم غير أنه جعله ابن المديني منكر الحديث، وقال ابن معين:
أحاديثه ليست بالقوية، وقال فيه النسائي مرة: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في الثقات، ولكن
قال: كان يخطئ، كما في تهذيب التهذيب (٥: ٣١٥)، وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ٤:
٢١٣ هذا الحديث، فقال: ((وفيه عارض عمر بن القاري، ولم يجرحه أحد، ولم يوثقه.
٩٠
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَجَع أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَلَغَنِي مَا تَرَىُ مِنَ الْوَجَعِ. وَأَنَا ذُو
مَالٍ. وَلاَ يَرِثُنِي إِلَّ ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ. أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: ((لاَ)) قَالَ: قُلْتُ:
وربما يخطر بالبال أن أحد الرواة في حديث عمرو بن القاري خلط قصة سعد بقصة
جابر رضيّا، فقد تقدم في باب الكلالة أن مثل هذا الكلام جرى بين جابر وبين رسول الله وَ ل،
ويدل على ذلك قوله: ((وإني أورث كلالة)) ولم يكن سعد بن أبي وقاص كلالة، وإنما يحفظ هذا
القول من جابر نظُه، والله سبحانه أعلم.
قوله: (من وجع) الوجع: اسم لكل مرض، والعرب تسمي كل مرض وجعاً، كما ذكره
المنذري في تلخيصه لأبي داود (٤: ١٤٥).
قوله: (أشفيت منه على الموت) يعني: قاربت وأشرفت، قال الهروي: يقال أشفى على
الشيء وأشاف عليه: إذا قاربة، وحكى أن القتيبيّ قال: ولا يكاد يقال: أشفى إلا في الشر، كذا
في تلخيص أبي داود للمنذري، وأصله من الشفا، بفتح الشين، وهو حد الشيء وجانبه فكأنه
قال: بلغت حد الموت.
قوله: (بلغني ما ترى من الوجع) فيه أن حكاية المريض حاله لا ينافي الصبر المأمور به،
وإنما المذموم الشكوى وعدم الرضا بالقضاء.
قوله: (وأنا ذو مال) قال المنذري: ((فيه إباحة جمع المال، إذ هذه الصيغة لا تقع عرفاً إلا
للمال الكثير، وإن صح أطلاقه لغة على القليل)) قلت: ذكر الحافظ في الفتح (٥: ٢٧٥) أنه قد
وقع في بعض طرقه صريحاً: ((وأنا ذومال كثير)).
قوله: (ولا يرثني إلا ابنة لي) قال العيني في العمدة (٤: ٩٩): ((اسمها عائشة، كذا ذكرها
الخطيب وغيره، وليست بالتي روى عنها مالك، تيك أخت هذه، وهي تابعية، وعائشة لها
صحبة)) وقال الحافظ في الفتح (٥: ٢٧٥): ((لكن لم يذكر أحد من النسابين لسعد بنتا تسمى
عائشة غير هذه، وذكروا أن أكبر بناته أم الحكم الكبرى، وأمها بنت شهاب بن عبد الله بن
الحارث بن زهرة. وذكروا له بنات أخرى أمهاتهن متأخرات الإسلام بعد الوفاة النبوية، فالظاهر
أن البنت المشار إليها هي أم الحكم المذكورة، لتقدم تزويج سعد بأمها، ولم أر من حرر ذلك)).
وقال النووي: ((وقوله: ولا يرثني إلا ابنة لي: أي: ولا يرثني من الولد وخواص الورثة،
وإلا فقد كان له عصبة، وقيل: معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض)).
قوله: (أفأتصدق بثلثي مالي؟) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار، ويحتمل أن
يريد به الصدقة منجزة، أو معلقة بما بعد الموت، وسيأتي في بعض الروايات: ((أفأوصي)) وذلك
یعین احتمال تعليقه بالموت.
٩١
كتاب: الوصية
أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: ((لاَ. الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ.
قوله: (أفأتصدق بشطره) يعني بنصفه، وقد ورد لفظ النصف مصرحاً في رواية معصب بن
سعد، وستأتي عند المصنف.
قوله: (قال: لا) وأخرج النسائي من طريق أبي عبد الرحمن السلمي هذا الحديث، وفيه:
(فقال: أوصيت؟ فقلت: نعم، قال: بكم؟ قلت: بمالي كله، قال: فما تركت لولدك؟)) وفيه:
((أوص بالعشر، قال: فما زال يقول وأقول، حتى قال: أوص بالثلث)) كذا في فتح الباري (٥:
٢٧٢).
قوله: (الثلث، والثلث كثير) يجوز في ((الثلث)) الأول النصب والرفع. فالنصب على
الإغراء، أو على تقدير: أعط الثلث، والرفع على أنه فاعل، أي: يكفيك الثلث، أو على أنه
مبتدأ محذوف الخبر، أو عكسه، يعني: الثلث كاف مثلاً.
وأما (الثلث) الثاني فهو مرفوع على كونه مبتدأ، و(كثير) خبره، وهو بالثاء المثلثة، وقد
رواه بعضهم (كبير) والمعنى واحد. كذا في شرح النووي، وعمدة القاري (٤: ١٠١).
ثم يحتمل أن يكون المراد بقوله: (الثلث كثير) أن الثلث أقصى ما يجوز، ولكن يستحب
أن ينقص عنه، ويحتمل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل، أي: كثير أجره، ويحتمل
أن يكون معناه: إنه كثير غير قليل، وعلى الأول عول ابن عباس كما سيأتي عند المصنف،
ورجح الشافعي الثالث، كما في فتح الباري (٥: ٢٧٢)، والظاهر أن الاحتمال الثاني أبعد
الثلاثة .
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: أخذ الحنفية بقول ابن عباس الآتي عند المصنف: ((لو أن
الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله ( قال: الثلث، والثلث كثير)) فالمستحب
عندهم أن لا يتسغرق الثلث بالوصية، بل ينقص منه شيئاً، وإن كان الورثة أغنياء، ويستحب ترك
الوصية أصلاً إذا كان الورثة فقراء، وكل ذلك مصرح في الدر المختار ورد المحتار (٥: ٤٦١)،
ويمثله قال أحمد بن حنبل، كما في المغني لابن قدامة (٦: ٤١٧)، وفي المسألة أقوال أخرى
بسطها العيني في الجنائز من عمدة القاري (٥: ١٠١)، وذكر آثاراً عن عدة من الصحابة
والتابعين، مثل أبي بكر، وعمر، وأنس ظه، كلهم أوصوا بأقل من الثلث.
وأما الزيادة على الثلث فباطلة بإجماع المسلمين إلا أن يجيزها الورثة، ولا يكون فيهم
صبي أو مجنون، وذلك لقوله لفعلِّلا: ((الثلث كثير))، ولما أخرجه ابن ماجه (رقم: ٢٧٠٩) عن
أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم، زيادةً
لكم في أعمالكم)) وفي إسناده طلحة بن عمرو الحضرمي، ضعفه غير واحد، ولم أجد أحداً
يوثقه، راجع التهذيب (٥: ٢٣) ولكن لهذا الحديث شواهد متعددة عن أبي الدرداء عند أحمد،
٩٢
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِنَّكَ أَنْ تَذَرْ
والبزار، وعن معاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وخالد بن عبيد السلمي عند الطبراني، ذكرها
الهيثمي في مجمع الزوائد.
وأحسن ما روي في ذلك ما أخرجه الطبراني عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً: ((إن الرجل
المسلم ليصنع في ثلثه عند موته خيراً، فيوفي الله بذلك زكاته)) قال الهيثمي: رجاله رجال
الصحيح، وما أخرجه الطبراني أيضاً عن خالد بن عبيد السلمي مرفوعاً: ((إن الله عز وجل
أعطاكم عند وفاتكم ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم)) وإسناده حسن، كما علق عليه الهيثمي في
مجمع الزوائد (٤: ٢١٢).
وهذا كله إذا كان للموصي ورثة، فإن لم يكن له ورثة، لا من ذوي الفروض والعصبات،
ولا من ذوي الأرحام، فحينئذ تنفذ وصيته في أكثر من الثلث بالغة ما بلغت، هذا هو المختار
عند الحنفية، كما صرح به الحصكفي في الدر المختار، وابن عابدين في حاشيته (٥: ٤٦١)،
وهو قول إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل في رواية، وروي ذلك عن علي، وابن مسعود،
وأبي موسى، وشريك، وعبيدة، ومسروق، والحسن وأبي العالية، كما في عمدة القاري (٤:
١٠١).
وخالفهم الشافعية والمالكية، فقالوا: لا تنفذ وصيته في أكثر من الثلث، ويذهب ما زاد
على الثلث إلى بيت مال المسلمين، لأن بيت المال عصبة من لا عصبة له.
وحجة الحنفية ما رواه عمرو بن شرحبيل، قال: قال لي عبد الله بن مسعود: ((إنكم من
أحرى حي بالكوفة أن يموت أحدكم ولا يدع عصبة، ولا رحماً، فما يمنعه إذا كان كذلك أني
يضع ما له في الفقراء والمساكين)) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩: ٦٩ رقم: ١٦٣٧١)،
وسعيد بن منصور في سننه (٣، رقم: ٢١٤ و٢١٥)، وذكره الهيثمي في الزوائد (٤: ٢١٢) عن
الطبراني، وقال: رجاله رجال الصحيح.
وأصرح منه ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩: ٦٩ و٧٠، رقم: ١٦٣٧٤) من طرق
معمر، عن مغيرة، عن إبراهيم أن ابن مسعود قال لرجل: ((يا معشر أهل اليمن! مما يموت
الرجل منكم لا يعلم أن أصله من العرب، ولا يدري ممن هو؟ فمن كان كذلك فحضره الموت،
فإنه یوصي بماله کله حيث شاء)).
وأما حديث الباب فقد بين رسول الله وَّر علة عدم الزيادة على الثلث، وهي: ((إنك أن تذر
ورثتك أغنياء خير إلخ)) وهذه العلة مفقودة فيمن لا وارث له، والله سبحانه أعلم.
قوله: (إنك أن تذر) يجوز فيه وجهان: الأول أن تكون لفظة ((إن)) مكسورة الهمزة بمعنى
الشرط، وعليه يكون قوله ((تذر)) مجزوماً، وقوله ((خير من أن تذرهم)) تقديره: ((فهو خير من أن
٩٣
كتاب: الوصية
وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ. وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً
تذرهم)) لئلا يخلو الشرط عن فاء الجزاء، ومثل هذا الحذف معروف في كلام العرب، وذكر
الحافظان - العيني والعسقلاني - عن ابن مالك أن ذلك لا يختص بالشعر.
والوجه الثاني: أن تكون لفظة ((أن)) مفتوحة الهمزة، ناصبة المضارع، وعليه فيكون قوله:
((تذر)) منصوباً، وتقع جملة مبتدأة بتأويل المصدر، وقوله: ((خير)) خبره.
هذا من جهة النحو، وأما من جهة الرواية، فقال ابن الجوزي: سمعناه من رواة الحديث
بكسر ((إن))، وقال القرطبي: روايتنا بفتح الهمزة، وقد وهم من كسرها، حكاهما العيني في
العمدة (٤: ١٠٠)، وذكر النووي عن القاضي: ((روينا قوله: أن تذر ورثتك بفتح الهمزة
وكسرها، وكلاهما صحيح)) فتلخص أن كلا الوجيهين جائز نحواً ورواية، غير أن الوجه الثاني لا
يحتاج إلى حذف في الكلام، كما يحتاج إليه الأول، فينبغي أن يكون الثاني راجحاً، لأن الأصل
عدم التقدير، والله أعلم.
قوله: (ورثتك) قال ابن المنير: إنما عبر له 98 بلفظ الورثة، ولم يقل: أن تدع بنتك)) مع
أنه لم يكن له يومئذ إلا ابنة واحدة، لكون الوارث حينئذ لم يتحقق، لأن سعداً إنما قال ذلك بناء
على موته في ذلك المرض، وبقائها بعده، حتى ترثه، وكان من الجائز أن تموت هي قبله،
فأجاب وَّو بكلام كلي مطابق لكل حالة. ولم يخص بنتا من غيرها.
وقال الفاكهي: إنما عبر ◌ّر بالورثة، لأنه اطلع على أن سعداً سيعيش، ويأتيه أولاد غير
البنت المذكورة.
وقد حكى الحافظ في الفتح (٥: ٢٧٣) القولين، ثم قال: ((وليس قوله: أن تدع بنتك
متعيناً، لأن ميراثه لم يكن منحصراً فيها، فقد كان لأخيه عتبة بن أبي وقاص أولاد إذ ذاك، منهم
هاشم بن عتبة الصحابي الذي قتل بصفين، فجاز التعبير بالورثة لتدخل البنت وغيرها ممن يرث
لو وقع موته إذ ذاك أو بعد ذلك)).
قوله: (عالة) أي: فقراء، وقال ابن التين: العالة: جمع عائل، وقيل: العائل: الكثير
العيال، حكاه الكسائي، وليس بمعروف، بل العائل: الفقير، وقيل: العيل والعالة: الفقر، كذا
في عمدة القاري (٤: ١٠٠)، والفعل منه: عال يعيل: إذا افتقر، كذا في فتح الباري: (٢٧٣).
قوله: (يتكففون الناس) يعني: يطلبون الصدقة من أكف الناس وقيل: يسألونهم بأكفهم،
يقال: تكفف الناس، واستكف: إذا بسط كفه للسؤال، أو سأل ما يكف عنه الجوع، أو سأل
كفا كفا من طعام. كذا في شرح الكرماني (١٢ : ٦١)، وفتح الباري.
قوله: (ولست تنفق نفقة) دفع لما يتوهم من أن الثواب كله في التصدق على الأجانب أو
الإيصاء لهم، فبين ◌َّر أن النفقة على العيال موجب للأجر أيضاً.
٩٤
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا. حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ)) قَالَ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: ((إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلاَ تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ،
إِلَّ ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً. وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ.
قوله: (تبتغي بها وجه الله) فيه دليل على أن ثواب الواجب يزداد باستحضار نية القربى،
لأن الإنفاق على الزوجة واجب، وفي فعله الأجر، فإذا نوى به ابتغاء وجه الله ازداد أجره
بذلك، أفاده الحافظ عن ابن أبي جمرة تَُّهُ، وهو من كبار الصوفية.
قوله: (في في امرأتك) يعني: في فم امرأتك. قال النووي: ((وفيه أن المباح إذا قصد به
وجه الله تعالى صار طاعة، ويثاب عليه، وقد نبه وير على هذا بقوله: حتى اللقمة تجعلها في في
امرأتك، لأن زوجة الإنسان هي من أخص حظوظه الدنيوية، وشهواته وملاذه المباحة، وإذا
وضع اللقمة فيها، فإنما يكون ذلك في العادة عند الملاعبة، والملاطفة، والتلذذ بالمباح، فهذه
الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة. وأمور الآخرة، ومع هذا فأخبره وَلهو أنه إذا قصد بهذه اللقمة
وجه الله تعالى حصل له الأجر بذلك، فغير هذه الحالة أولى بحصول الأجر إذا أراد وجه الله
تعالی)).
((ويتضمن ذلك أن الإنسان إذا فعل شيئاً أصله على الإباحة، وقصد به وجه الله تعالى يثاب
عليه، وذلك كالأكل بنية التقوي على طاعة الله تعالى، والنوم للاستراحة، ليقوم إلى العبادة
نشيطاً، والاستمتاع بزوجته وجاريته ليكف نفسه وبصره ونحوهما عن الحرام، وليقضي حقها،
وليحصل ولداً صالحاً، وهذا معنى قوله {وَلقر: (وفي بضع أحدكم صدقة))، والله أعلم.
قوله: (أخلف بعد أصحابي؟) على صيغة المجهول، يعني أخلف في مكة بعد أصحابي
المهاجرين المنصرفين معك؟ قال أبو عمر: يحتمل أن يكون لما سمع النبي وَل# يقول: إنك لن
تنفق نفقة، و((تنفق)) فعل مستقبل، أيقن أنه لا يموت من مرضه ذلك، أو ظن ذلك فاستفهمه: هل
يبقى بعد أصحابه؟ فأجابه بَلير. وقال القرطبي: هذا الاستفهام إنما صدر من سعد ظُه مخافة
المقام بمكة إلى الوفاة، فيكون قادحاً في هجرته، كما نص عليه في بعض الروايات إذ قال:
خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، فأجابه ◌َللتر بأن ذلك لا يكون، وأنه يطول عمره،
كذا في عمدة القاري (٤: ١٠٠).
قوله: (لعك تخلف) يعني يطول عمرك، وكلمة (لعل) وإن كانت للترجي ولكنها من الله
للأمر الواقع، وكذلك إذ وردت على لسان رسوله غالباً. وقد وقع الأمر كما أخبر النبي وَّرِ، فإن
سعداً عاش بعد ذلك أكثر من أربعين سنة، بل قريباً من خمسين، لأنه مات سنة خمس وخمسين
من الهجرة، وقيل: سنة ثمان وخمسين، وهو المشهور، فيكون عاش بعد حجة الوداع خمساً
وأربعين أو ثمانياً وأربعين. كذا في فتح الباري (٥: ٢٧٤).
قوله: (حتى ينفع بك أقوام) إلخ: الظاهر أن (ينفع) ههنا مبني للمجهول، فتضم ياؤه، لأن
٩٥
كتاب: الوصية
اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ. وَلاَ تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ. لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ)).
النفع في المجرد لا يستعمل لازماً، وكذلك (يضر)، وقد وقع في غيره من الروايات: ((حتى
ينتفع بك أقوام)) وهو مبني للمعروف، لأن الانتفاع لازم.
ثم اختلفوا في المراد بانتفاع أقوام، وتضرر آخرين، فقال بعضهم: المنتفعون هم
المسلمون، بفتح سعد العراق وفارس، والمتضررون: سيدنا الحسين بن علي ومن معه، حيث
قتلهم ابن لسعد، وهو عمر بن سعد، ولكن رده الحافظ بأنه تكلف بنسبة ما فعله عمر بن سعد
إلى أبيه، قال الحافظ: وأقوى من ذلك ما رواه الطحاوي من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج،
عن أبيه، أنه سأل عامر بن سعد عن قول النبي ◌َّر هذا، فقال: لما أمر سعد على العراق أتى
بقوم ارتدوا، فاستتابهم، فتاب بعضهم، وامتنع بعضهم، فقتلهم، فانتفع به من تاب، وحصل
الضرر للآخرين.
وذكر العيني هذه الرواية وزاد: ((قال الطحاوي: ومثل هذا لم يقله عامر استنباطاً، وإنما
هو توقيف، إما أن يكون سمعه من أبيه، أو ممن يصلح له أخذ ذلك عنه)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: كل ما نفع به سعد أحدا أو ضر أحدا خلال حياته بعد
ذلك فإنه دخل في عموم قول النبي ◌َّر، فيمكن أن يكون عامر بن سعد ذكر قصة المرتدين
لاندراجها تحت هذا العموم؛ وظاهر أن فتح القادسية مما انتفع به المسلمون، وتضرر به
الكفار، فيحتمل أن يكون هو المراد، وإن نفعه للمسلمين وضرره بالكفار أعم وأشمل من قصة
المرتدين، فهو أصلح لكونه مراد النبي ◌َّر، وبه جزم الكرماني في شرح البخاري (٧: ٩٠).
قوله: (اللهم أمض لأصحابي هجرتهم) بقطع الهمزة، يقال: أمضيت الأمر، أي: أنفذته،
والمعنى: تمم الهجرة لأصحابي، ولا تنقص لهم من أجرها شيئاً .
قوله: (لكن البائس) يجوز أن تكون (لكن) مخففة، و(البائس) مرفوعاً، ويجوز أن تكون
مشددة، و(البائس) منصوباً بها .
والبائس: هو الذي عليه أثر البؤس، أي: الفقر والعيلة، وقال الأصيلي: البائس الذي ناله
البؤس، وقد يكون بمعنى مفعول، كقوله: عيشة راضية، أي: مرضية. كذا في عمدة القاري.
والظاهر أنه ليس المراد من لفظ: (البائس) كونه فقيراً من حيث المال، وإنما استعمل النبي وَلـ
هذه الكلمة تحسراً عليه، وترحماً له، وربما يستعمل مثل هذا الكلام لأجل الترحم فقط، وإن
كان الرجل غنياً من حيث المال، والله سبحانه أعلم.
قوله: (سعد بن خولة) تقدم ذكره في حديث سبيعة الأسلمية في الطلاق، وإنما ترحم عليه
النبي وَلقر لأنّه مات بمكة على خلاف ما تمناه من أن يموت في دار هجرته.
٩٦
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: رَثَى لَهُ رَسُولُ اللّهِ وَلَه مِنْ أَنْ تُوُنِّيَ بِمَكَّةً.
وقد ذكر النووي في شرحه أن العلماء اختلفوا في قصة سعد بن خولة، فقال عيسى بن
دينار: لم يهاجر من مكة حتى مات بها، وذكر البخاري وغيره أنه هاجر وشهد بدراً، ثم انصرف
إلى مكة، ومات بها، وقال ابن هشام: إنه هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية وشهد بدراً وغيرها،
وتوفي بمكة في حجة الوداع سنة عشر، قيل: توفي بها سنة سبع في الهدنة، خرج مجتازاً من
المدينة، فعلى هذا وعلى قول عيسى بن دينار، سبب بؤسه سقوط هجرته لرجوعه مختاراً، وموته
بها .
وأما على قول الآخرين، فإنه لم يرجع من هجرته باختياره، وإنما جاء من المدينة المنورة
حاجاً، فقدر أجله هناك، ومع ذلك ترحم عليه رسول الله وَلغيره فاستدل به بعض العلماء أن
المهاجر إن مات في غير دار هجرته، سقط ثواب الموت في دار الهجرة، وإن كان الخروج من
غير اختيار منه، فإنه إن كان له ثواب الموت في دار الهجرة لما ترحم عليه رسول الله وله .
ولكن في هذا الاستدلال نظر، فإن المعهود من الشريعة أنها لا تنقص أجر المرء بما لا
يدخل تحت اختياره، وأما ترحم النبي ◌َّاللّه عليه، فيمكن أن يكون لوقوع موته على خلاف ما
تمناه، وهذا كما أن الرجل إذا وصل إلى مكة مريضاً، فإنه يجلس في بيته، ولا يستطيع أن يأتي
إلى المسجد الحرام، فإنه يؤجر في صلواته مثل ما يؤجر في المسجد الحرام، ومع ذلك يتمنى
أن يصح، فيدخل المسجد، ويتحسر له الناس بجلوسه في البيت، لا لأنه قد انتقص أجره، بل
لأنه لم يقع له ما تمناه، والله سبحانه أعلم.
قوله: (رثى له رسول الله وَّ﴾) يعني: ترحم عليه، ورق له، وهذا من كلام سعد بن أبي
وقاص، قد صرح به البخاري في كتاب الدعوات، ولكن أفاد أبو داود الطيالسي في روايته لهذا
الحديث عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري أن قائله الزهري، وذكره الحافظ في جنائز الفتح (٣:
١٣٢)، وقال: ((ويؤيده أن هاشم بن هاشم، وسعد بن إبراهيم رويا هذا الحديث عن عامر بن
سعد، فلم يذكرا ذلك فيه، وكذا في رواية عائشة بنت سعد عن أبيها)).
قوله: (أن توفي بمكة) بفتح الهمزة للتعليل، وأغرب الداودي، فتردد فيه، فقال: إن كان
بالفتح ففيه دلالة على أنه أقام بمكة بعد الصدر من حجته، ثم مات، وإن کان بالکسر ففیه دلیل
على أنه قيل له إنه يريد التخلف بعد الصدر، فخشي عليه أن يدركه أجله بمكة، ذكره الحافظ في
مناقب الفتح (٧: ٢١٠) ثم قال: ((والمضبوط المحفوظ بالفتح، لكن ليس فيه دلالة على أنه أقدم
بعد حجه، لأن السياق يدل على أنه مات قبل الحج)).
قلت: ولفظ مسلم في الباب صريح في الرد على الداودي، فإنه لا يمكن فيه كسر الهمزة،
والله سبحانه أعلم.
٩٧
كتاب: الوصية
٤١٨٦ - ٢/٠٠٠ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ.
ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرْ.
كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٤١٨٧ - ٣/٠٠٠ - وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، عَنْ
سُفْيَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ. قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ونَ عَلَيَّ
يَعُودُنِي. فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ. وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ النَّبِيِّ وَّهِ فِي سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ. غَيْرَ
أَنَّهُ قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا .
٤١٨٨ - ٤/٦ - وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ.
حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: مَرِضتُ فَأَرْسَلْتُ إِلَى
النَّبِيِّ وَّهِ. فَقُلْتُ: دَغْنِي أَقْسِمْ مَالِي حَيْثُ شِئْتُ. فَأَبَى. قُلْتُ: فَالنِّصْفُ؟ فَأَبَى. قُلْتُ:
فَالثُّلُثَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ بَعْدَ الثُّلُثِ.
قَالَ: فَكَانَ، بَعْدُ، الثُّلُثُ جَائِزاً.
٤١٨٩ - ٥/٠٠٠ - وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ: فَكَانَ، بَعْدُ، القُلُثُ
جائزاً .
(٠٠٠) - قوله: (أبو داود الحفري) بفتح الحاء والفاء، نسبة إلى حفر، وهو موضع
بالكوفة، واسمه عمر بن سعد بن عبيد، قال ابن المديني: ما أعلم أني رأيت بالكوفة أعبد من
أبي داود الحفري، وقال وكيع: إن كان يدفع بأحد في زماننا - يعني البلاء والنوازل - فبأبي
داود، وقال العجلي: كان رجلاً صالحاً متعبداً حافظاً لحديثه ثبتاً، وكان فقيراً متعففاً، والذي
ظهر له من الحديث ثلاثة آلاف، قال عثمان بن أبي شيبة: كنا عنده في غرفته وهو يملي، فلما
فرغ قلت له: أترب الكتاب؟ قال: لا، الغرفة بالكراء، كذا في التهذيب (٧: ٤٥٢)، وحكى
المزي عن أبي حمدون المقري، قال دفنا أبو داود الحفري، وتركنا بابه مفتوحاً، ما كان في
البيت شيء، مات (سنة: ٢٠٣هـ)، روى له الجماعة سوى البخاري، كذا في تهذيب الكمال
للمزي (٦ : ٥٠٦).
٦ - (٠٠٠) - قوله: (فأرسلت إلى النبي ( *) ظاهره أنه لم يشافهه بَّظهر، ولكنه غير مراد،
نظراً إلى الروايات الكثيرة، فالمراد أني أرسلت إليه ◌َير ليأتيني فلما أتى، سألته، فأجاب، والله
سبحانه أعلم.
٩٨
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤١٩٠ - ٦/٧ - وحدّثني الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ. حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ
عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ◌ََّ فَقُلْتُ:
أُوْصِي بِمَالِي كُلِّهِ. قَالَ: ((لاَ)). قُلْتُ: فَالنَّصْفِ. قَالَ: ((لاَ) فَقُلْتُ: أَبِلِتُّلُثِ؟ فَقَالَ: ((نَعَمْ.
وَالُّلُثُ کَثِيرٌ)).
٤١٩١ - ٧/٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ. حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ
السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْحِمْيَرِيِّ، عَنْ ثَلاَثَةٍ مِنْ وَلَدِ
سَعْدٍ. كُلَّهُمْ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ دَخَلَ عَلَى سَعْدٍ يَعُودُهُ بِمََّةَ. فَبَكَىْ. قَالَ: ((مَا
يُبْكِيكَ؟)) فَقَالَ: قَدْ خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا. كَمَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً. اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدً» ثَلاَثَ مِرَارٍ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!
إِنَّ لِي مَالاً كَثِيراً. وَإِنَّمَا يَرِثُنِي ابْنَتِي. أَفْأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: ((لاَ)) قَالَ: فَبِالقُلُثَيْنِ؟ قَالَ:
((لَ) قَالَ: فَالنَّصْفِ؟ قَالَ: ((لاَ)) قَالَ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: ((الثُّلُثُ. وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ. إِنَّ صَدَقَتَكَ مِنْ
مَالِكَ صَدَقَةٌ. وَإِنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى عِيَالِكَ صَدَقَةٌ وَإِنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأَتُكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ. وَإِنَّكَ أَنْ
تَدَعَ أَهْلَكَ بِخَيْرِ (أَوْ قَالَ: بِعَيْشٍ)، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ يَتَكَفَّقُونَ النَّاسَ)) وَقَالَ بِيَدِهِ .
٧ - (٠٠٠) - قوله: (عن زائدة) يعني: زائدة بن قدامة، أبا الصلت الكوفي، من الحفاظ
المعروفين، وذكر ابن حبان في الثقات أنه لا يعد السماع حتى يسمعه ثلاث مرات، وذكر
الطيالسي وغيره أنه كان لا يحدث قد ريا، ولا صاحب بدعة، وقال أحمد: إذا سمعت الحديث
عن زائدة وزهير فلا تبال أن لا تسمعه من غيرهما، إلا حديث أبي إسحاق، مات في أرض
الروم غازياً (سنة: ١٦٠هـ) كذا في التهذيب (٣: ٣٠٦ و٣٠٧).
٨ - (٠٠٠) - قوله: (حدثنا الثقفي) يعني: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي البصري، من
أشهر تلامذة أيوب السختياني، وأثبتهم فيه، اختلط في آخر عمره، مات (سنة: ١٩٤هـ). كذا
في التهذيب.
قوله: (السختياني) بفتح السين، وسكون الخاء، وكسر التاء، نسبة إلى عمل السختيان،
وبيعه، وهو جلد الضأن، وأيوب السختياني من الثقات الحفاظ الذين لا يسئل عن مثلهم،
واسمه: أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني، أبو بكر البصري، مولى عنزة، ويقال: مولى
عنه .
جهينة، وهو من التابعين، رأى أنس بن مالك
، أكثر
قوله: (عن ثلاثة من ولد سعد) وهم: عامر، ومصعب، ومحمد، وكان لسعد
من عشرة بنين. واثنتا عشرة بنتاً، ذكره الحافظ في الفتح (٥: ٢٧٣) عن ابن سعد.
قوله: (وقال بيده) يعني: أشار بيده، توضيحاً لمعنى التكفف.
٩٩
كتاب: الوصية
٤١٩٢ - ٨/٩ - وحدّثني أَبُو الرَّبِيع الْعَتَكِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمِّنِ الْحِمْيَرِيِّ، عَنْ ثَلاثَةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ. قَالُوا:
مَرِضَ سَعْدٌ بِمَكَّةَ. فَأَتَاهُ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يَعُودُهُ. بِنَحْوِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ .
قوله: (أبو الربيع العتكي) بفتح التاء، اسمه: سليمان بن داود العتكي، أبو الربيع الزهراني
البصري الحافظ، سكن بغداد، قال الحافظ في التهذيب (٤: ١٩١): لا أعلم أحداً تكلم فيه،
بخلاف ما زعم ابن خراش.
٩ - (٠٠٠) - قوله: (حدثنا حماد) هو: حماد بن زيد، من أئمة الناس في عهده بالبصرة،
وليس هو حماد بن سلمة، (وكانا في عصر واحد بالبصرة) لأن أبا الربيع العتكي لا يروى عن
حماد بن سلمة، قال المزي في تهذيب الكمال ٢: ١٦٥: ((قد اشترك في الرواية عن الحمادين
جماعة، وانفرد بالرواية عن كل واحد منهم جماعة، إلا أن عفان لا يروي عن حماد ابن زيد،
إلا وينسبه في روايته عنه، وقد يروي عن حماد بن سلمة، فلا ينسبه، وكذلك حجاج بن
المنهال، وهدبة بن خالد، وأما سليمان بن حرب فعلى العكس من ذلك، وكذلك عارم. وممن
انفرد بالرواية عن حماد بن زيد: أحمد بن عبدة الضبي، وأبو الربيع الزهراني، وقتيبة، ومسدد،
وعامة من ذكرناه في ترجمته دون ترجمة حماد بن سلمة، فإنه لم يرو أحد منهم عن حماد بن
سلمة» وتمامه فيه.
وإن حماد بن زيد أحفظ من حماد بن سلمة، ولذلك أخرج البخاري عن الأول دون
الثاني، إلا تعليقاً، وإن حماد بن زيد هذا يعد من المتثبتين في أيوب خاصة وقيل: حماد بن
سلمة أوثق من ابن زيد. ومن طريف ما يحكى في ذلك عن عبد الله بن معاوية الجمحي أنه
قال: ((حدثنا حماد بن سلمة بن دينار، وحماد بن زيد بن درهم، وفضل ابن سلمة على زيد
كفضل الدينار على الدرهم)) وأوله ابن حبان بأن حماد بن سلمة أفضل، وأدين، وأورع من حماد
بن زيد، لا أنه أوثق منه في الحديث وكان حماد بن سلمة لكثرة عبادته ونسكه يعد من الأبدال،
وقال شهاب بن معمر البلخي: إن علامة الأبدال أن لا يولد لهم، وتزوج حماد بن سلمة سبعين
امرأة فلم يولد له، كذا في التهذيب (٣: ١٣).
قوله: (عن ثلاثة من ولد سعد قالوا) هذا مرسل من أبناء سعد، لأنهم تابعيون، وقد ذكر
مسلم طريقه الموصول في الرواية السابقة، وقال النووي: ((إنما ذكر مسلم هذه الروايات
المختلفة في وصله وإرساله ليبين اختلاف الرواة في ذلك. قال القاضي: وهذا وشبهه من العلل
التي وعد مسلم في خطبة كتابه أنه يذكرها في مواضعها، فظن ظانون أنه يأتي بها مفردة، وأنه
توفي قبل ذكرها، والصواب أنه ذكرها في تضاعيف كتابه، كما أوضحناه في أول هذا الشرح،
ولا يقدح هذا الخلاف في صحة هذه الرواية، ولا في صحة أصل الحديث، لأن أصل الحديث
ثابت من طرق من غير جهة حميد، عن أولاد سعد، وثبت وصله عنهم في بعض الطرق التي
١٠٠
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤١٩٣ - ٩/٠٠٠ - وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا هِشَامٌ،
عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ. حَدَّثَنِي ثَلاثَةٌ مِنْ وَلَدِ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ. كُلُّهُمْ
يُحَدِّثُنِيهِ بِمِثْلٍ حَدِيثِ صَاحِبهِ. فَقَالَ: مَرِضَ سَعْدٌ بِمَكَّةَ. فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ◌َهِ يَعُودُهُ. بِمِثْلٍ
حَدِيثٍ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدِ الْحِمْيَرِيِّ.
٤١٩٤ - ١٠/١٠ - حدّثني إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ. أَخْبَرَنَا عِيسَى (يَعْنِي ابْنَ
يُونُسَ). ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو
كُرَيْب. حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. كُلَّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: لَوْ أَنَّ
النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ،
ذكرها مسلم، وقد قدمنا في أول هذا الشرح أن الحديث إذا روي متصلاً ومرسلاً، فالصحيح
الذي عليه المحققون أنه محكوم باتصاله، لأنها زيادة ثقة. وقد عرض الدارقطني بتضعيف هذه
الرواية، وقد سبق الجواب عن اعتراضه الآن، وفي مواضع نحو هذا، والله أعلم)).
(٠٠٠) - قوله: (عن محمد) الظاهر أنه محمد بن سيرين.
١٠ - (١٦٢٩) - قوله: (عن ابن عباس) هذا الأثر أخرجه أيضاً البخاري في الوصايا، باب
الوصية بالثلث، والنسائي في الوصايا، باب الوصية بالثلث.
قوله: (لو أن الناس غضوا) يعني نقصوا، و(لو) للتمني، فلا يحتاج إلى جواب، وإن كان
للشرط فالجزاء محذوف، يعني: أنهم لو نقصوا من الثلث إلى الربع كان خيراً لهم وأحب إلي،
وكذلك رواه الإسماعيلي بلفظ: (كان أحب إلي، وفي رواية أخرى: (كان أحب إلى
رسول الله ◌َة)، حكاه الحافظ في الفتح ٥: ٢٧٧.
و(الغض) و(الغضاضة) من باب نصر: النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾
يعني: انقص من جهارته، كذا في مجمع البحار للفتني.
وفي هذا الأثر حجة للحنفية لاستحباب نقص الوصية من الثلث، وإن كان الورثة أغنياء،
كما أسلفنا فى حديث سعد رضيبه .
قوله: (من الثلث إلى الربع) هذا اجتهاد من ابن عباس ◌ًّا في قدر النقص من الثلث، وقد
رويت عن غيره مقادير مختلفة، فعن أبي بكر ربه أنه أوصى بالخمس، وقال: إن الله تعالى
رضي من غنائم المؤمنين بالخمس، وقال معمر عن قتادة: أوصى عمر رضيُله بالربع، وقال
إسحاق: السنة: الربع، وروي عن علي ◌َُّه: ((لأن أوصي بالخمس أحب إلى من الربع، ولأن
أوصى بالربع أحب إلى من الثلث)) واختار آخرون السدس، وقال إبراهيم: كانوا يكرهون أن
يوصوا مثل نصيب أحد الورثة حتى يكون أقل، وكان السدس أحب إليهم من الثلث، واختار