Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
كتاب : المساقاة
طَعَاماً بِنَسِيئَةٍ. فَأَعْطَاهُ دِرْعاً لَهُ رَهْناً .
٤٠٩١ - (١٢٥) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا
عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتِ: اشْتَرَى
رَسُولُ اللّهِ وَّهِ مِنْ يَهُوَدِيِّ طَعَامَاً. وَرَهَنَهُ دِرْعاً مِنْ حَدِيدٍ .
٤٠٩٢ - (١٢٦) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ. حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الأَعْمَشِ. قَالَ: ذَكَرْنَا الرَّهْنَ فِي السَّلَم عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ.
فَقَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿وَ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيِّ طَعَاماً
إِلَى أَجَلٍ. وَرَهَنَهُ دِرْعاً لَهُ مِنْ حَدِيدٍ .
قوله: (طعاماً) ورد عند البخاري في الجهاد والمغازي أنه كان ثلاثين صاعاً من الشعير،
وكذلك رواه ابن ماجه وأحمد وغيرهما عن ابن عباس. وأخرجه الترمذي والنسائي عن ابن
عباس، فذكرا عشرين صاعاً، وجمع بينهما الحافظ في رهن الفتح (٥: ٩٩) بأنه كان دون
الثلاثين، فجبر الكسر تارة، وألغى أخرى. ووقع لابن حبان من طريق شيبان، عن قتادة، عن
أنس أن قيمة الطعام كانت ديناراً. كذا في فتح الباري.
قوله: (فأعطاه درعاً) الدرع بالكسر يذكر ويؤنث، وفيه جواز رهن آلة الحرب عند أهل
الذمة، ويقاس عليه بيعه معهم إذا كان الذمي مأموناً، فأما أهل الحرب فلا يجوز أن يباع السلاح
إليهم، ولا أن يرهن عندهم، وراجع شرح النووي، وفتح الباري.
قوله: (رهنا) استدل به الجمهور على جواز الرهن في الحضر، وقال مجاهد، وداود،
وأهل الظاهر: لا يجوز الرهن إلا في السفر، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ
تَجِدُواْ كَلِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فإنه قيد الرهن بكون الرجل على سفر. وأجاب عنه
الجمهور بأنه خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له. أما عند الحنفية فظاهر، لأن المفاهيم ليست
بحجة عندهم، وأما الشافعية، فلأنه قد عارضه منطوق حديث الباب، والمنطوق راجح على
المفهوم.
١٢٦ - (٠٠٠) - قوله: (أخبرنا المخزومي) الظاهر أنه أبو هشام مغيرة بن سلمة
المخزومي: ثقة، ثبت من العباد الصالحين، قال علي بن المديني: ((ما رأيت قرشياً أفضل منه،
ولا أشد تواضعاً، وربما رأيته قد خرق البوري وموضع ركبتيه مثل مبرك البعير، وأخبرني بعض
جيرانه أنه كان يصلي طول الليل)) استشهد به البخاري في الصحيح، وروى له في الأدب وغيره،
وروى له الباقون. كذا في تهذيب الكمال للمزي (٧: ١/٦٨٠).
قوله: (الرهن في السلم) ذكر الحافظ في البيوع أن السلم ههنا بمعنى القرض، وليس
بمعناه العرفي، قلت: ولكن يؤخذ منه جواز الرهن في السلم أيضاً، ولهذا قال الحافظ نفسه في

٦٠٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٠٩٣ - (٠٠٠) حدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ، مِثْلَهُ. وَلَمْ
يَذْكُرْ: مِنْ حَدِيدٍ .
(٢٥) - باب: السَّلَم
٤٠٩٤ - (١٢٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو النَّاقِدُ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى) (قَالَ عَمْرٌو:
حَدَّثَنَا. وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ،
عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ،
كتاب السلم من الفتح (٤: ٣٥٨): ((وفي الحديث رد على من قال: إن الرهن في السلم لا
يجوز، وقد أخرج الإسماعيلي من طريق ابن نمير عن الأعمش: أن رجلاً قال لإبراهيم النخعي:
إن سعيد بن جبير يقول: إن الرهن في السلم هو الربا المضمون، فرد عليه إبراهيم بهذا
الحديث ... ورويت كراهة ذلك عن ابن عمر، والحسن، والأوزاعي، وهي إحدى الروايتين عن
أحمد، ورخص فيه الباقون، والحجة فيه قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ تُسَنَّى
فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى أن قال: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] واللفظ عام، فيه حل السلم
في عمومه، لأنه أحد نوعي البيع)).
ثم قال الحافظ: ((واستدل لأحمد بما رواه أبو داود من حديث أبي سعيد: من أسلم في
شيء فلا يصرفه إلى غيره. وجه الدلالة منه أنه لا يأمن هلاك الرهن في يده بعدوان، فيصير
مستوفياً لحقه من غير المسلم فيه. وروى الدارقطني من حديث ابن عمر، رفعه: ((من أسلف في
شيء فلا يشترط على صاحبه غير قضائه))، وإسناده ضعيف، ولو صح فهو محمول على شرط
ينافي مقتضى العقد، والله أعلم)).
(٢٥) - باب: السلم
١٢٧ - (١٦٠٤) - قوله: (عن ابن أبي نجيح) هو بفتح النون، وكسر الجيم، غير مصغر،
اسمه عبد الله، كذا ضبطه في المغني، وهو صاحب التفسير المعروف، من ثقات رجال الجماعة
رمي بالقدر، ولكنه مقبول في الحديث.
قوله: (عبد الله بن كثير) هو الداري المكي، أبو معبد القارىء، مولى عمرو بن علقمة
الكناني، وكان عطاراً بمكة، وأهل مكة يقولون للعطار: داري، وقيل: بل هو من ولد الدار بن
هانىء، رهط تميم الداري، وكان من قراء أهل مكة، وهو ثقة في الحديث، وراجع التهذيب
(٥: ٣٦٧ و٣٦٨). وقيل: المراد ههنا: هو عبد الله بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، ولكنه
مرجح، كما حققه الحافظ في الفتح ٤: ٣٥٥.
قوله: (عن أبي المنهال) بكسر الميم، وهو عبد الرحمن بن مطعم البناني، المكي، كان

٦٠٣
كتاب: المساقاة
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍٍ. قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ وَّهِ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي النِّمَارِ، السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ،
فَقَالَ: (مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ،
بصرياً نزل مكة، وثقه جماعة، مات سنة ست ومائة.
قوله: (عن ابن عباس) أخرجه أيضاً: البخاري في السلم، باب السلم في كيل معلوم،
وباب السلم في وزن معلوم، وباب السلم إلى أجل معلوم، والترمذي (رقم: ٢٣١١) في البيوع،
باب ما جاء في السلف في الطعام والتمر، وأبو داود (رقم: ٣٤٦٣) في الإجارة، باب في
السلف، والنسائي في البيوع، باب السلف في الثمار، وأخرجه ابن ماجه في التجارات (رقم:
٢٢٨٠)، باب السلف في كيل معلوم.
قوله: (وهم يسلفون) السلم والسلف (بفتحتين) واحد وزناً ومنعى، وذكر الماوردي أن
(السلف) لغة أهل العراق، و(السلم) لغة أهل الحجاز. والسلم شرعاً بيع آجل بعاجل، وقد عرّفه
بعضهم بأنه بيع موصوف في الذمة، واتفق العلماء على مشروعيته، إلا ما حكي عن ابن
المسيب(١) هذا ملخص ما في فتح الباري (٤: ٣٥٥).
وقال السرخسي في المبسوط (١٢: ١٢٤): ((وإنما سمي هذا العقد به (يعني: بالسلف
والسلم) لكونه معجلاً على وقته، فإن أوان البيع ما بعد وجود المعقود عليه في ملك العاقد،
وإنما يقبل السلم في العادة فيما ليس بموجود في ملكه، فلكون العقد معجلاً على وقته سمي
سلماً وسلفاً، والقياس يأبى جوازه، لأنه بيع المعدوم، وبيع ما هو موجود غير مملوك للعاقد
باطل، فبيع المعدوم أولى بالبطلان، ولكنا تركنا القياس بالكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله
تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال ابن
عباس رضيّ: أشهد أن السلم المؤجل في كتاب الله تعالى، أنزل فيه أطول آية، وتلا هذه الآية)).
قوله: (السنة والسنتين) منصوب بنزع الخافض، يعني: إلى السنة والسنتين، وزاد معمر عن
ابن أبي نجيح عند عبد الرزاق (٨: ٤): (والثلاث سنين).
قوله: (في كيل معلوم، ووزن معلوم) استدل به ابن حزم في المحلى (٩: ١٠٦) على أن
السلم لا يجوز إلا في المكيلات أو الموزونات، وقال جمهور الفقهاء: إنه يجوز في المزروعات
والعدديات المتقاربة أيضاً، بشرط تعيين الذرع، أو العدد، لأن خصوصية الكيل والوزن لا دخل
لهما في جواز السلم، وإنما المجوز هو كون المسَلَّمْ فيه معلوماً، وهو متحقق في المزروعات
والعدديات المتقاربة .
(١) كذا في فتح الباري، ولكن أخرج عبد الرزاق في مصنفه (٨: ٦) عن ابن المسيب أنه سئل عن سلف الحنطة
والكرابيس، والثياب، فقال: (ذرع معلوم إلى أجل معلوم، والحنطة بكيل معلوم إلى أجل معلوم) وهو
صريح في أنه يقول بجواز السلم في المزروعات، فضلاً عن المقدريات، فليتنبه.

٦٠٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ).
فإن قيل: إن السلم إنما شرع على خلاف القياس، فلا يقاس عليه غيره، فالجواب: أن
جواز السلم في المزروعات لا يحتاج فيه إلى قياس واجتهاد، وإنما ثبت بدلالة النص في حديث
الباب، للقطع بأن سبب شرعيته هو الحاجة الماسة إلى أخذ العاجل بالآجل، وهي ثابتة من
البزازين في المذروع، كما في أصحاب المكيلات والموزونات. يفهم ذلك كل من سمع سبب
المشروعية المنقول في أثناء الأحاديث، سواء كان له رتبة الاجتهاد، أو لم يكن، فلذا كان ثبوت
السلم في المزروعات. بدلالة النصوص المتضمنة للسبب، كذا حققه الحافظ في الفتح.
وأخرج البيهقي في سننه (٦: ٢٦) عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس في السلف في
الكرابيس. قال: إذا كان ذرع معلوم إلى أجل معلوم فلا بأس، مما يدل على أن السلم لا
يختص جوازه بالمكيل والموزون، والله سبحانه أعلم.
قوله: (إلى أجل معلوم) استدل به الحنفية على أن السلم لا يجوز إلا إذا كان المسَلَّمُ فيه
مؤجلاً، ولا يصح السلم حالاً، وهو قول مالك وأحمد والأوزاعي، كما في مغني ابن قدامة
(٤: ٣٢١) خلافاً للشافعي تغَّهُ، فإنه يقول: إن ذكر الأجل في هذا الحديث ليس لكونه شرطاً
لجواز العقد، وإنما المراد أنه إن كان مؤجلاً فليكن إلى أجل معلوم، ولأنه عقد يصح مؤجلاً،
فجوازه حالاً أولى، لأنه من الغرر أبعد.
وأجاب عنه الموفق ابن قدامة بأن السلم إنما جاز رخصة للرفق، ولا يحصل الرفق إلا
بالأجل، فإذا انتفى الأجل انتفى الرفق، فلا يصح، ولأن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه، أما
الاسم فلأنه يسمى (سلماً) و(سلفاً) لتعجل أحد العوضين وتأخر الآخر، أما المعنى فإن الشارع
أرخص فيه للحاجة الداعية إليه، ومع حضور ما يبيعه حالاً لا حاجةً إلى السلم، فلا يثبت،
بخلاف بيوع الأعيان، فإنها لم تثبت على خلاف الأصل لمعنى يختص بالتأجيل.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: لا يرجع هذا الخلاف إلى كثير طائل، فإنه إن أراد أحد
عقد البيع حالاً عقده بلفظ البيع، لا بلفظ السلم، ثم إن شاء المشتري استلم المبيع في مجلس
آخر، ولا يمنع ذلك كون البيع حالاً، كما هو ظاهر.
ثم إن الحديث قد صرح باشتراط تعيين القدر والأجل لجواز السلم، وأضاف إليه الفقهاء
عدة شروط بدلالة النص، وذلك لأن ترك إعلام القدر والأجل يفضي إلى المنازعة، التي تمنع
البائع عن التسليم والتسلم، فدل ذلك على أن كل جهالة تفضي إلى النزاع يجب إزالتها
بالإعلام، فوجب تعيين الجنس، والنوع، والصفة. فهذه الشرائط الخمسة مما اتفق عليه أكثر
الفقهاء، وزاد أبو حنيفة تَقْلَتُ تعيين مكان الإيفاء فيما له حمل ومؤونة، لأن جهالته ربما تفضي
إلى المنازعة أيضاً، وهو أحد قولي الشافعي. وقال أحمد، وأبو يوسف، ومحمد رحمهم الله:
لا يشترط ذلك، وإنما يجب الإيفاء في مكان العقد، وهو القول الثاني للشافعي أيضاً، وراجع

٦٠٥
كتاب: المساقاة
٤٠٩٥ _ (١٢٨) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحِ.
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ
وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ. فَقَالَ لَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَه: «مَنْ أَسْلَفَ فَلاَ يُسْلِفْ إِلَّ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ،
وَوَزْنٍ مَعْلُومِ».
٤٠٩٦ - (٠٠٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم.
جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ. وَلَمْ
يَذْكُرْ ((إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ)).
لتحقيق هذا الخلاف مبسوط السرخسي (١٢: ١٢٧ و١٢٨) ومغني ابن قدامة (٤: ٣٢٣).
وزاد أبو حنيفة أيضاً أن يكون السلم فيه موجوداً من حين العقد إلى حلول الأجل، وهو
قول الثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، وخالفهم الجمهور، فقالوا: لا يشترط إلا وجوده
عند حلول الأجل، فيجوز أن يسلم في الرطب في أوان الشتاء، وهو قول مالك، والشافعي،
وأحمد، وإسحاق رحمهم الله، كما في المغني (٤: ٣٢٦)، واستدل شيخنا العثماني تقذفُ على
مذهب الحنفية في إعلاء السنن (١٤: ٣١٤) بما أخرجه البخاري عن أبي البختري، عن ابن
عباس أنه سئل عن السلم في النخل، فقال: ((نهى رسول الله وَّل عن بيع النخل حتى يؤكل منه))
ولكن حمله المالكية على السلم في ثمر بستان معلوم، فإنه يجوز عندهم بعد بدو صلاحه،
ويؤيده ما أخرجه أبو داود وابن ماجه عن ابن عمر، قال: ((لا نسلم في نخل قبل أن يطلع، فإن
رجلاً أسلم في حديقة نخل قبل أن تطلع، فلم تطلع ذلك العام شيئاً، فقال المشتري: هو لي
حتى تطلع، وقال البائع: إنما بعتك هذه السنة، فاختصما إلى رسول الله وَله، فقال: اردد عليه
ما أخذت منه، ولا تسلموا في نخل حتى يبدو صلاحه)) وهذا الحديث وإن كان فيه ضعف عند
الحافظ، كما في الفتح (٤: ٣٥٨) فقد سكت عنه أبو داود والمنذري، وقد تأيد بما رواه الإمام
أبو حنيفة من جبلة بن سحيم، عن ابن عمر، كما في إعلاء السنن (١٤: ٣١٤)، والظاهر أن هذا
الحديث أدل على مذهب مالك منه على مذهب أبي حنيفة، ويرى أن مذهب الجمهور في هذا
الباب أوفق بالتيسير الذي شرع له السلم، ولا سيما في زماننا هذا، ولذلك قد وسع شيخ
مشايخنا التهانوي تعلّقُ في العمل بقول الجمهور في هذا الباب، للضرورة. راجع إمداد الفتاوى
(٣ : ١٠٦) قبيل مبحث البيع بالوفاء.
(٠٠٠) - قوله: (جميعاً عن ابن عيينة) كذا في النسخ الموجودة عندنا، ولكن ذكر النووي
أنه وقع في رواية ابن ماهان عن مسلم: (ابن علية) بدل (ابن عيينة)، وهو أصح، لأن ابن عيينة
قد ذكر في حديثه: (إلى أجل معلوم) كما هو ظاهر من أول أحاديث الباب، ولم يذكره عبد
الوارث، كما هو ظاهر من ثاني أحاديث الباب، وإن هذه الرواية موافقة لرواية عبد الوارث في

٦٠٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٠٩٧ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. كِلاَهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنٍ أَبِي نَجِيحٍ،
بِإِسْنَادِهِمْ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. يَذْكُرُ فِيهِ "إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ)).
(٢٦) - باب: تحريم الاحتكار في الأقوات
٤٠٩٨ _ (١٢٩) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْتَبِ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ
بِلاَلٍ) عَنْ يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ) قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ مَعْمَراً قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلهِ: ((مَنِ احْتَكَرَ
عدم ذكر الأجل، كما هو مصرح في هذه الرواية. هذه خلاصة ما قاله النووي، ويؤيده أن
البخاري أخرج هذه الرواية من طريق ابن علية، عن ابن أبي نجيح، ولم يذكر فيه الأجل، راجع
أول حديث من كتاب السلم في صحيحه، والله أعلم.
(٢٦) - باب: تحريم الاحتكار في الأقوات
١٢٩ - (١٦٠٥) - قوله: (أن معمراً قال) أخرجه أيضاً الترمذي في البيوع، باب ما جاء في
الاحتكار، رقم ١٢٦٧، وأبو داود في الإجارة، باب النهي عن الحكرة، (رقم: ٣٤٤٧) وابن
ماجه في التجارات، باب الحكرة والجلب، (رقم: ٢١٥٤)، والدارمي في البيوع، باب النهي
عن الاحتكار، (رقم: ٢٥٤٦)، وأحمد في مسنده (٣: ٤٥٢ و٦: ٤٠٠).
ومعمر هذا: هو معمر بن عبد الله بن نضلة، كما هو مصرح عند ابن ماجه، وهو من
الصحابة، وقد مرت ترجمته في باب بيع الطعام مثلاً بمثل .
قوله: (من احتكر) الاحتكار لغة: احتباس الشيء انتظاراً لغلائه، والاسم: الحكرة، بضم
الحاء، وسكون الكاف، كما في القاموس، وشرعاً: اشتراء طعام ونحوه، وحبسه إلى الغلاء،
كذا عرفه ابن عابدين في رد المحتار (٥: ٢٨٢).
ثم ذهب أكثر الفقهاء إلى أن حرمة الاحتكار مختصة بالأقوات، فلا يحرم الاحتكار في
غيرها، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، ومالك، وأحمد، رحمهم الله، راجع رد المحتار (٥ :
٢٨٢)، ومغني ابن قدامة (٤: ٢٤٤)، وشرح النووي والأبي تحت هذا الحديث.
وقال ابن قدامة: ((الاحتكار المحرم ما اجتمع فيه ثلاثة شروط: أحدها: أن يشترى، فلو
جلب شيئاً، أو أدخل من غلته شيئاً، فادخره لم يكن محتكراً ... والثاني: أن يكون المشترى
قوتاً، فأما الإدام، والحلواء، والعسل، والزيت، وأعلاف البهائم فليس فيها احتكار محرم ...
الثالث: أن يضيق على الناس بشرائه، ولا يحصل ذلك إلا بأمرين: أحدهما: يكون في بلد
يضيق بأهله الاحتكار كالحرمين والثغور ... وإن البلاد الواسعة الكثيرة المرافق والجلب،

٦٠٧
كتاب: المساقاة
فَهُوَ خَاطِىءٌ)). فَقِيلَ لِسَعِيدٍ :
....
كبغداد، والبصرة، ومصر، لا يحرم فيها الاحتكار، لأن ذلك لا يؤثر فيها غالباً .... الثاني: أن
يكون في حال الضيق بأن يدخل البلد قافلة، فيتبادر ذو الأموال، فيشترونها ويضيقون على
الناس، فأما إن اشتراه في حال الاتساع والرخص على وجه لا يضيق على أحد فليس بمحرم)).
وأما أبو يوسف تَّثُ، فلا يخص حرمة الاحتكار بالأقوات، فيقول: كل ما أضر بالعامة
حبسه فهو احتكار ممنوع، كما في رد المحتار (٥: ٢٨٢).
ولعل الجمهور قصروا حرمة الاحتكار إلى الطعام نظراً إلى معنى كلمة ((الاحتكار)) في
اللغة، فإنها موضوعة في أصل اللغة لاحتباس الطعام خاصة، قال ابن منظور في لسان العرب
(٥: ٢٨٥): ((الحكر: ادخار الطعام للتربص، وصاحبه محتكر)) ثم نقل عن ابن سيدة:
((الاحتكار: جمع الطعام ونحوه مما يؤكل، واحتباسه انتظار وقت الغلاء به)) ولأن معمراً رضا ئه
كان يحتكر في غير الأقوات، وهو راوي هذا الحديث.
وأما أبو يوسف غَفُهُ، فلعله رأى أن المادة ربما تستعمل في غير الطعام أيضاً، فيقال:
(«الحكر للماء المستنقع في وقبة من الأرض، لأنه يحكر، أي: يجمع ويحبس، كما ذكره
الزمخشري في الفائق (١: ٢٨٠)، وأشار إلى أنه مأخوذ من احتكار الطعام)) ولما كان السبب في
تحريم الاحتكار دفع الضرر عن العامة، ورفع الضيق على الناس، ولهذا جاز الاحتكار في حال
الاتساع، كما عرفت عن ابن قدامة، فليكن الأمر دائراً على هذا السبب، لا على خصوص بعض
الأجناس، فإن الضرر بحبس غير الأقوات في بعض الأحوال أشد، وإن حاجة الناس إليها أكثر.
والذي يبدو لهذا العبد الضعيف - عفا الله عنه - أن حرمة احتكار الطعام ثابتة بالحديث من
غير شك، فكان أمراً تشريعياً معمولاً به إلى الأبد، لأن حاجة الناس إلى الطعام أكثر منها إلى
غيره، وأما احتكار الأشياء الأخرى فيفوض إلى رأي الحاكم، فإن رأى في احتكارها ضرراً
شديداً نظير الضرر في الطعام، منعه وإلا أجازه، والله سبحانه أعلم.
قوله: (فهو خاطىء) يعني: هو آثم عاص، كذا شرحه النووي وغيره، والفرق بين
المخطىء، والخاطىء: أن المخطىء من أراد الصواب فصار إلى غيره، والخاطىء: من تعمد
لما لا ينبغي، كذا ذكره الجوهري في الصحاح (١: ٤٧) فالمعنى: لا يجترىء على هذا الفعل
الشنيع إلا من تعمد هذه المعصية واعتادها، ففيه دلالة على تغليظ إثمه، فإنه لا يرتكبه إلا
العصاة .
وقد وردت في ذم الاحتكار أحاديث أخرى:
فمنها ما أخرجه ابن ماجه في التجارات (رقم: ٢١٥٣) عن عمر بن الخطاب نظريته قال:
قال رسول الله ◌َ﴾: ((الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون)) وأخرجه الدارمي أيضاً في البيوع
(رقم: ٢٥٤٧) ومداره على عليّ بن زيد بن جدعان، وفيه كلام مشهور.

٦٠٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَإِنَّكَ تَحْتَكِرُ؟ قَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ مَعْمَراً الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ هُذَا الْحَدِيثَ كَانَ يَحْتَكِرُ.
٤٠٩٩ - (١٣٠) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَنِيُّ. حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ
مُحَمَّدٍ بْنِ عَجْلاَنَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. قَالَ: ((لاَ يَخْتَكِرُ إِلَّ خَاطِىٌ)).
٤١٠٠ - (٠٠٠) قَالَ إِبْرَاهِيمُ: قَالَ مُسْلِمٌ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ عَمْرِو بْنِ
عَوْنٍ. أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمْرٍو بْنِ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ أَبِي مَعْمَرٍ، أَحَدٍ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ. قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ. فَذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى.
ومنها ما أخرجه ابن ماجه في التجارات (رقم: ٢١٥٥) عن عمر بن الخطاب، قال:
سمعت رسول الله وسلم يقول: ((من احتكر على المسلمين طعاماً ضربه الله بالجذام والإفلاس))
وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (١: ٢١) في قصة عن فروخ مولى عثمان: ((أن عمر تظلُبه، وهو
يومئذ أمير المؤمنين خرج إلى المسجد فرأى طعاماً منثوراً، فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: طعام
جلب إلينا، قال: بارك الله فيه، وفيمن جلبه، قيل: يا أمير المؤمنين! فإنه قد احتكر، قال: ومن
احتكره؟ قالوا: فروخ مولى عثمان، وفلان مولى عمر، فأرسل إليهما، فدعاهما، فقال: ما
حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا: يا أمير المؤمنين! نشتري بأموالنا ونبيع، فقال عمر:
سمعت رسول الله ◌َلا يقول: ((من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالإفلاس أو بجذام))،
فقال فروخ عند ذلك: يا أمير المؤمنين! أعاهد الله وأعاهدك أن لا أعود في طعام أبداً، وأما
مولى عمر، فقال: إنما نشتري بأموالنا ونبيع، قال أبو يحيى: فلقد رأيت مولى عمر مجذوماً))
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: ((إسناده صحيح، ورجاله موثقون)).
قوله: (فإنك تحتكر) هذا يدل على أن معمراً نظبه، وتلميذه سعيد بن المسيب كانا
يحتكران في غير الأقوات، وهو من أقوى الأدلة على أن الحرمة مختصة بالأقوات، لأن راوي
الحديث من الصحابة أعرف بمعنى الحديث.
ثم استدلال ابن المسيب على جواز الاحتكار في غير الأقوات بعمل معمر ضاه، يدل على
أن عمل الراوي بخلاف الحديث له دخل كبير في معرفة معنى الحديث، والله سبحانه أعلم.
(٠٠٠) - قوله: (قال إبراهيم) هو تلميذ الإمام مسلم.
قوله: (حدثني بعض أصحابنا) أبهم الإمام مسلم شيخه، ولكن إيراد هذا الحديث في
الصحيح دليل على كونه ثقة، وقد جاء مسمى في رواية أبي داود، فرواه عن وهب ابن بقية، عن
خالد بن عبد الله، وقد وقع مثل ذلك للمصنف في أربعة عشر حديثاً من صحيحه، وقد عده بعض
العلماء من منقطعات صحيح مسلم، وقدمنا أن ذلك لا يسمى منقطعاً في أصول الحديث، وإنما

٦٠٩
كتاب: المساقاة
(٢٧) - باب: النهي عن الحلف في البيع
٤١٠١ - (١٣١) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ الأُمَوِيُّ. ح وَحَدَّثَنِي
أَبُو الظَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالاَ: أَخْبَرَنَّا ابْنُ وَهْبٍ. كِلاَهُمَا عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنٍ
شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ يَقُولُ: ((الْخَلِفُ
مِنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ. مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ)).
هو رواية عن مجهول، وإنما يفعل المصنف هكذا في المتابعة، فلا يقدح في صحة أصل
الحديث، ولا سيما إذا تعين المجهول بروايات أخرى، والله أعلم.
(٢٧) - باب: النهي عن الحلف في البيع
١٣١ - (١٦٠٦) - قوله: (أبو صفوان الأموي) اسمه عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن
مروان بن الحكم، وهو ثقة عند الجميع، وقال عليّ بن المديني: كان أفقه قرشي رأيته، كذا في
التهذيب (٥: ٢٣٨).
قوله: (كلاهما عن يونس) هو يونس بن يزيد الأيلي، من أشهر تلامذة الزهري، وقد أنكر
عليه بعض المحدثين في بعض رواياته، غير أن أكثرهم وثقوه في الزهري، وقد جعله بعضهم
بمثابة معمر، ورجحه بعضهم عليه، وراجع التهذيب (١١ : ٤٥٠).
قوله: (أن أبا هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في البيوع، باب يمحق الله الربا إلخ،
وأبو داود في البيوع، باب كراهية اليمين في البيع (رقم: ٣١٩٥) والنسائي في البيوع، باب
المنفق سلعته بالحلف الكاذب.
قوله: (مَنْفَقَةٌ) بفتح الميم والفاء، وسكون النون، مفعلة من النفاق بفتح النون، وهو
الرواج، ضد الكساد، وهو مصدراً استعير للفاعل مبالغة، وقد حكاه بعضهم بضم الميم وفتح
النون، وكسر الفاء المشددة: (منفقة) على كونه اسم فاعل مؤنث من التنفيق، وهو الترويج،
ولكن رواية أكثر المحدثين على الأول.
قوله: (مَمْحَقَةٌ) هو كالأول في الوزن، مفعلة من المحق، وهو النقص والإبطال، وحكي
أيضاً على كونه اسم فاعل من التمحيق، ولكن الأول أصوب.
قوله: (للربح) كذا وقع عند مسلم، وتابعه الإسماعيلي على ذلك، ووقع عند البخاري من
طريق الليث: (للبركة) وتابعه عنبسة بن خالد عند أبي داود، ورواه الليث عند الإسماعيلي بلفظ
(ممحقة للكسب) وتابعه ابن وهب عند النسائي، ومال الإسماعيلي إلى ترجيح هذه الرواية، وأن
من رواه بلفظ البركة أورده بالمعنى، لأن الكسب إذا محق محقت البركة. كذا في فتح الباري
(٤ : ٢٦٦) .

٦١٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤١٠٢ - (١٣٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرِيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
(وَاللَّغْظُ لابْنٍ أَبِي شَيْبَةَ) (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) عَنِ
الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ
رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ. فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ)).
(٢٨) - باب: الشُّفْعَة
٤١٠٣ - (١٣٣) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُس. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ
جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ:
١٣٢ - (١٦٠٧) - قوله: (عن الوليد بن كثير) من رواة الجماعة، ثقة غير أنه من الإباضية،
وهي فرقة من الخوارج، وراجع التهذيب (١١: ١٤٨).
قوله: (عن معبد بن كعب) هو أصغر أبناء كعب بن مالك الصحابي المشهور، ذكره ابن
حبان في الثقات، وله في صحيح البخاري حديث واحد عن أبي قتادة، قال: ((مر على النبي وَل
بجنازة، فقال: مستريح ومستراح منه)) الحديث، وراجع تهذيب الكمال للمزي (٨: ٦٧٤).
قوله: (عن أبي قتادة) أخرجه أيضاً النسائي في البيوع، باب المنفق سلعته بالحلف
الكاذب، وابن ماجه في التجارات، باب كراهية الأيمان في الشراء والبيع (رقم: ٢٢٠٩).
وقد دل الحديثان على كراهية الحلف في البيع، لأن الحلف إن كان كاذباً فهو عين
الحرام، وإن كان صادقاً فإن الرجل إذا اعتاد ذلك تدرج إلى الكاذب منه، فكره ذلك سداً
للذريعة، ولأن حقيقة الحلف: هو جعل الشيء في ذمة الله، أو في شهادته، وكل ذلك لا يناسب
في أمور دنيوية تافهة.
وقال الإمام ولي الله الدهلوي تقذفُهُ: ((يكره إكثار الحلف في البيع لشيئين: كونه مظنة لتغرير
المتعاملين، وكونه سبباً لزوال تعظيم اسم الله من القلب، والحلف الكاذب منفقة للسلعة، لأن
مبنى الإنفاق على تدليس المشتري، وممحقة للبركة، لأن مبنى البركة على توجه دعاء الملائكة
إليه، وقد تباعدت بالمعصية، بل دعت إليه)) وراجع حجة الله البالغة (٢: ١١٢).
(٢٨) - باب: الشفعة
١٣٣ - (١٦٠٨) - قوله: (عن جابر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الشفعة، باب الشفعة
فيما لم يقسم، وفي البيوع، باب بيع الشريك من شريكه، وباب بيع الأرض والدور والعروض
مشاعاً، وفي الشركة، باب الشركة في الأرضين، وباب إذا قسم الشركاء الدور أو غيرها، وفي
الحيل، باب الهبة والشفعة، وأخرجه الترمذي في الأحكام، باب إذا حدت الحدود فلا شفعة،
(رقم: ١٣٧٠)، وباب الشفعة للغائب (رقم: ١٣٦٩)، وفي البيوع، باب ما جاء في أرض

٦١١
كتاب: المساقاة
قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ له: ((مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعَةٍ أَوْ نَخْلٍ، فَلَيْسَ لَّهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ
شَرِيكَهُ. فَإِنْ رَضِيَ أَخَذَ. وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ)) .
المشترك يريد بعضهم بيع نصيب بعض، (رقم: ١٣١٢)، وأبو داود في البيوع، باب في الشفعة،
(رقم: ٣٥١٣ و٣٥١٤)، والنسائي في البيوع، باب بيع المشاع، وباب الشركة في النخيل،
وباب الشركة في الرباع، وباب ذكر الشفعة وأحكامها، وابن ماجه في الشفعة، باب من باع
رباعاً فليؤذن شريكه، (رقم: ٢٤٩٢).
قوله: (في رَبْعَةٍ) بفتح الراء وسكون الباء، الدار أو المنزل، والربع والربعة كلاهما
بمعنى، وأصلهما في المنزل الذي كانوا يسكنونه في فصل الربيع، ثم استعمل لكل دار.
قوله: (وإن كره ترك) استدل به أحمد كثّفُ في أحد قوليه على أن الشفيع أذا أذن بالبيع قبل
العقد وعفا عن الشفعة سقطت شفعته، فلا يجوز له بعد البيع أن يطالب بالشفعة، وهو قول
الحكم، والثوري، وأبي عبيد، وأبي خيثمة، وطائفة من أهل الحديث، وذلك لأن الحديث قد
أمر بعرض المبيع على الشريك، فلولا أن الشفعة تسقط بإذنه، لم يكن لهذا العرض معنىً،
وأصرح منه قوله علَّلا في الرواية الآتية: ((فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به)) فإن مفهومه أنه لا
يكون أحق به إذا كان قد أذن له بالبيع.
وقال الجمهور: لا تسقط الشفعة بالإذن قبل البيع، وهو قول أبي حنيفة، ومالك،
والشافعي، وعثمان البتي رحمهم الله، وهو رواية عن أحمد. ووجه هذا القول أن الشفعة حق لا
يثبت إلا بعد البيع، فلا يعتد بإسقاطه قبل ثبوته، كما لو أسقطت المرأة صداقها قبل التزويج.
وأما الحديث فإن الاستدلال به استدلال بالمفهوم، وليس حجة عند الحنفية، ولأنه يحتمل أنه
أراد العرض عليه ليبتاع ذلك إن أراد، فتخف عليه المؤونة، لا إسقاط حقه من شفعته. هذا
ملخص ما في المغني لابن قدامة (٤: ٣٧٩ و٣٨٠)، وإعلاء السنن (١٧ : ٧ و٨) بزيادة وحذف
من عندي .
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ظاهر حديث الباب يؤيد القول الأول، أما عند من يعتبر
المفهوم حجة فظاهر، وأما عند من لا يراه حجة، كالحنفية، فلأنه ليس استدلالاً بالمفهوم، فإن
حكم المفهوم عند الحنفية أن المسكوت عنه يبقى على أصله، وظاهر أن الأصلي عدم الشفعة،
وإنما تثبت الشفعة على خلاف القياس فيما أثبتها النبي ◌َّجر، ويبقى ما عداه على الأصلي، وإنما
أثبت النبي ◌َّ الشفعة في هذا الحديث في صورة خاصة، وهي ما إذا باع الأرض، ولم يؤذن
شريكه، فأما إذا باعه بعد الاستئذان منه، فالحديث ساكت عنه، فتبقى على أصله، وهو عدم
الشفعة. ولم أجد لهذا جواباً شافياً عند أهل القول الثاني.
وتأول شيخنا العثماني كثُّهُ في إعلاء السنن (١٧: ٧) في حديث الباب بقوله: ((معناه أنه

٦١٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤١٠٤ - (١٣٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لابْنِ نُمَيْرٍ) (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ). حَذَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: قَضَى
رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ. رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ. لاَ يَحِلُّ لُهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى
يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ. فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ. فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ.
٤١٠٥ - (١٣٥) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج؛ أَنَّ أَبَا
الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((الشُّفْعَّةُ فِي كُلِّ
شِرْءٍ فِي أَرْضٍ أَوْ رَبْعِ أَوْ حَائِطٍ. لاَ يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ فَيَأْخُذَ أَوْ
يَدَعَ. فَإِنْ أَبِى فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ)).
لا يحل لأحد أن يقصد إضرار شريكه بإخفاء البيع عنه، بل ينبغي له أن يطلعه عليه، لأنه لا فائدة
له في إخفائه، إذ لو أخفاه عنه كان أحق بالشفعة حين يطلع عليه، ولا يسقط به حقه، فأي فائدة
في الإخفاء؟)) وإذا كان الحديث مسوقاً للغرض المذكور، وكان معناه ما ذكرنا فلا يدل على
سقوط حق الشفعة بالاطلاع .. لأن الحديث ساكت عن هذا البحث، غير متعرض له، كما لا
يخفى .
ولكن هذا التأويل لا يطمئن إليه القلب بالنظر إلى سياق الحديث، والله أعلم.
١٣٤ - (٠٠٠) - قوله: (رَبْعَةٍ أو حائطٍ) بدل من قوله: (كل شركة) يعني أن الشفعة ثابتة في
كل دار أو حائط إذا كان كل واحد منهما مشاعاً. ثم قيده الشافعية والحنابلة بما يمكن قسمته،
فإن كان مما لا يمكن قسمته فلا تثبت فيه الشفعة عندهم، كالحمام الصغير، والرحى الصغيرة،
والطريق الضيقة، وخالفهم الحنفية والمالكية فأثبتوا الشفعة فيما لا يمكن قسمته أيضاً، والمسألة
مبسوطة في المغني لابن قدامة (٤: ٣١٣).
١٣٥ - (٠٠٠) - قوله: (الشفعة) اعلم أن لفظ (الشفعة) مأخوذ من (الشفع) الذي هو ضد
الوتر، لما فيه من ضم عدد إلى عدد، أو شيء إلى شيء، وذكر ابن فارس أن مادة (الشفع) تدل
على مقارنة الشيئين، ومنه الشفع خلاف الوتر، تقول: كان فرداً فشفعته، ومنه ناقة شفوع، وهي
التي تجمع بين محلبين في حلبة واحدة، ومنه شفاعة الرجل لآخر، لأن الشفيع يكون ثاني
المشفوع له في تحصيل مطلبه، ومنه استعيرت الكلمة لشفعة الدار والأرض، لأن الشفيع يضم
الدار المشفوعة إلى ملكه، وراجع معجم مقاييس اللغة لابن فارس (٣: ٢٠١)، والجمهرة لابن
دريد (٣: ٦٠).
قوله: (في كل شرك) يعني: من غير المنقولات، كما يدل عليه تفسيره بقوله: (في أرض،
أو ربع، أو حائط) وهو قول الأئمة الأربعة، وجمهور الفقهاء، أنه لا يثبت الشفعة إلا في غير

٦١٣
كتاب: المساقاة
المنقولات، وتفرد ابن حزم، ومن وافقه من أهل الظاهر، فأثبت الشفعة في كل مشاع منقول أو
غير منقول، وحكاه أيضاً عن الحسن وابن سيرين، وعبد الملك بن يعلي، وعثمان البتي، كما
في المحلى (٩: ٨٦) وقد أخطأ الشوكاني في نيل الأوطار (٥: ٢٨١) خطأ فاحشاً في نسبة هذا
القول إلى أبي حنيفة ومالك رحمهما الله، فإنهما لا يقولان بثبوت الشفعة في المنقولات أصلاً،
وإن هذه النسبة من أعاجيب الشوكاني.
استدل ابن حزم على مذهبه بما أخرجه البخاري وغيره عن جابر: (أن النبي ◌َّ قضى
بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) فإن عموم قوله: (كل
ما لم يقسم) يشمل المنقولات. وأجاب عنه الجمهور بأن الحديث مسوق لبيان حكم الدور
والأرضين، كما يدل عليه قوله في نفس هذا الحديث: ((فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا
شفعة)) فلا حجة فيه على ما قاله.
وأورد ابن حزم آثاراً متعددةً لتأييد مذهبه، ولكن أجاب عنه شيخنا العثماني كَثَّهُ في إعلاء
السنن (١٧ : ٣ و٤) بما فيه كفاية ومقنع.
ودليل الجمهور ما أخرجه البزار من طريق أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله وَل :
(لا شفعة إلا في ربع أو حائط) ذكره الزيلعي في نصب الراية (٤: ١٧٨) والحافظ في التلخيص
٣: ٥٥ وذکر أن سنده جید.
وقد أخرج البيهقي في سننه (٦: ١٠٩) من طريق أبي حنيفة، عن عطاء، عن أبي هريرة
مرفوعاً: ((لا شفعة إلا في دار أو عقار)) ذكره الحافظ في التلخيص (٣: ٥٥) ولم يعله بشيء،
ولكن ضعفه البيهقي لرواة بعد أبي حنيفة، وإخرجه الإمام محمد في الآثار من طريق أبي حنيفة
موقوفاً على إبراهيم النخعي، كما في جامع المسانيد (٢: ٥١) ولعل ذلك هو الصحيح.
مسألة الشفعة للجار:
واستدل الجمهور بحديث الباب على أنه لا شفعة إلا للشريك في المبيع، لأن الحديث لم
يذكر غيره، وهو قول مالك، والشافعي وأحمد رحمهم الله، وهو مروي عن عمر، وعثمان،
وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري، ويحيى الأنصاري وأبي
الزناد، وربيعة والمغيرة بن عبد الرحمن، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر،
رحمهم الله تعالى، كما في المغني لابن قدامة (٥: ٣٠٨)، وهو قول عبيد الله بن الحسن،
والإمامية من الشيعة، كما في نيل الأوطار (٥: ٢٨١).
وقال أبو حنيفة تغذَثُهُ، تثبت الشفعة لأصناف ثلاثة: الأول: الشريك في نفس المبيع،
والثاني: الشريك في حقوق المبيع، مثل الشرب والممر، والثالث: الجار الملاصق، ويقدم

٦١٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الأول على الثاني، والثاني على الثالث، ومثل هذا القول مروى أيضاً عن ابن سيرين، وابن
شبرمة، وابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، والعترة، كما في المغني، والنيل.
وجمع الإمام ولي الله الدهلوي بين المذهبين، فقال في حجة الله البالغة (٢: ١١٣):
((وأرى أن الشفعة شفعتان، شفعة يجب للمالك أن يعرضها على الشفيع فيما بينه وبين الله، وأن
يؤثره على غيره، ولا يجبر عليها في القضاء، وهي للجار الذي ليس بشريك، وشفعة يجبر عليها
في القضاء، وهي للجار الشريك فقط، وهذا وجه الجمع بين الأحاديث المختلفة في الباب)).
استدل الجمهور بما أخرجه البخاري وغيره عن جابر: ((أن النبي ◌َّ قضى بالشفعة في كل
ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة)).
واستدل الحنفية في ثبوت الشفعة للخليط في حقوق المبيع بعين هذا الحديث، فإنه يدل
عندهم على أن الشفعة تستحق بالشركة، سواء كانت الشركة في نفس المبيع، أو في حقه، أما
الأول فظاهر، وأما الثاني فلقوله: ((وصرفت الطرق)) إذ لو لم يكن الشركة في نفس المبيع موجبة
للشفعة لم يحتج إلى قوله: ((وصرفت الطرق))، فدل ذلك على أن الشفعة كما تستحق بالشركة في
نفس المبيع، تستحق بالشركة في الطريق، ثم تتعدى إلى الشركة في الشرب والمسيل بدلالة
النص.
وأما الشفعة للجار فاستدل فيه الحنفية بما يأتي:
١ - عن جابر بن عبد الله فيها، قال: قال رسول الله وَله: «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر
بها وإن كان غائباً، إذا كان طريقهما واحداً)) أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من طريق
عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر. قال الترمذي: ((ولا نعلم أحداً روى هذا
الحديث غير عبد الملك بن أبي سليمان ... وقد تكلم شعبة في عبد الملك من أجل هذا
الحديث، وعبد الملك ثقة مأمون عند أهل الحديث، لا نعلم أحداً تكلم فيه غير شعبة من أجل
هذا الحديث)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن ثناء علماء الحديث على عبد الملك بن أبي سليمان
معروف في كتب الرجال، فذكره سفيان في عداد الحفاظ، وسماه الثوري (الميزان) يعني أنه
ميزان في معرفة صحيح الحديث من سقيمه، ووثقه يحيى بن معين، وابن عمار الموصلي،
والعجلي، وابن سعد، وأبو زرعة، والنسائي، والترمذي، وأخرج حديثه مسلم، واستشهد به
البخاري، بما يتلخص منه أنه ثقة متقن فقيه، وراجع التهذيب (٦: ٣٩٦ إلى ٣٩٨).
وأما قدح شعبة في حديثه هذا، فلعله زعمه معارضاً لحديث جابر المذكور في الباب،
والحق أنه لا معارضة بينهما، فإن حديث الباب يتحدث عن الشفعة لصنف واحد، وهو
الشريك، وهذا يتحدث عن صنف آخر، وهو الجار.

٦١٥
كتاب: المساقاة
ثم إن هذا الحديث يثبت الشفعة للجار الذي هو شريك للبائع في طريقه، فدلالته على
ثبوت الشفعة للخليط في مرافق المبيع أظهر من دلالته على شفعة الجار، وستأتي للجار دلائل
أخرى.
٢ - عن أبي رافع مولى النبي ◌َّر: أنه سمع النبي ◌َّ- يقول: ((الجار أحق بسقبه)) أخرجه
البخاري في الشفعة، باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع، وأخرجه إسحاق بن راهويه في
مسنده بلفظ: ((الجار أحق بشفعته)) كما في نصب الراية للزيلعي (٤: ١٧٥)، فاندفع ما أوله به
الشافعية من أن المراد حقوق الجوار في غير الشفعة.
وأجاب عنه الشافعية أيضاً بأن المراد من (الجار) في هذا الحديث هو الجار الشريك،
دون غيره، واحتجوا على ذلك بما أخرجه البخاري عن عمرو بن الشريد، قال: ((وقفت على
سعد بن أبي وقاص، فجاء المسور بن مخرمة، فوضع يده على إحدى منكبي، إذ جاء أبو رافع
مولى النبي ◌َّة، فقال: يا سعد! ابتع مني بيتيّ في دارك، فقال سعد: والله ما أبتاعهما، فقال
المسور: والله لتبتاعنهما، فقال سعد: والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة، قال أبو
رافع: لقد أعطيت بهما خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت رسول الله وَلو يقول: ((الجار أحق
بسقبه)) ما أعطيتكها بأربعة آلاف، وأنا أعطي بها خمسمائة دينار، فأعطاها إياه)) فإن سعد بن أبي
وقاص كان شريكاً لأبي رافع في داره، وفيه ذكر أبو رافع هذا الحديث، فظهر أن المراد منه
الجار الشريك.
ولكن قصة رافع وسعد لا تصلح مخصصة لعموم الحديث، فإن لفظ ((الجار)) في الحديث
عام لكل جار، سواء كان شريكاً أو لا، وإن استعمال الصحابي حديثاً عاماً في واقعة مخصوصة
لا يدل على أن حكمه خاص بتلك الواقعة، وإنما العبرة في الفقه لعموم لفظ الحديث.
ثم يرد هذا التأويل أيضاً ما أخرجه النسائي وابن ماجه عن حسين المعلم، عن عمرو بن
شعيب، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه أن رجلاً قال: ((يا رسول الله أرضي ليس فيها لأحد
شرك. ولا قسم إلا الجوار، فقال: الجار أحق بشفعة ما كان)) فإنه صريح في ثبوت الشفعة
للجار الذي لا يشارك البائع في المبيع .
واعترض الحافظ في الفتح (٥: ٣٦١) أخيراً بأن حديث ((الجار أحق بسقبه)) لو حمل على
شفعة الجار غير الشريك، لكان هو أحق بالشفعة من الشريك، لأن النبي ◌َلو جعله أحق بالشفعة
من كل من سواه، مع أن القائلين بالشفعة للجار لا يقدمونه على الشريك، ولكن الخلوص من
هذا الاعتراض سهل، فإن الأحقية في الحديث إضافية، والمراد أن الجار أحق من المشتري، لا
أنه أحق من الشريك. ويدل على ذلك ما أخرجه الطحاوي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة عن

٦١٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٢٩) - باب: غرز الخشب في جدار الجار
٤١٠٦ - (١٣٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنِ الأَعْرَجِ،
شريح، قال: ((الخليط أحق من الشفيع، والشفيع أحق من الجار، والجار ممن سواه)) ذكره
الزيلعي في نصب الراية (٤ : ١٧٦).
٣ - عن سمرة بن جندب رضيُه، أن النبي و لو قال: ((جار الدار أحق بدار الجار، والأرض))
أخرجه الترمذي في الأحكام، وأبو داود في البيوع، والنسائي في الشروط، وقال الترمذي: هذا
حديث حسن صحيح، ورواه أحمد في مسنده، والطبراني في معجمه، وابن أبي شيبة في مصنفه،
وفي بعض ألفاظهم: ((جار الدار أحق بشفعة الدار)) وأخرجه أيضاً ابن حبان في النوع السادس
والثلاثين من صحيحه، ثم أجاب عنه بأنه إنما ورد في الجار الذي يكون شريكاً، دون الجار
الذي ليس بشريك، واستدل عليه بقصة أبي رافع، وسعد رؤيتها، وقد أسلفنا الجواب عنه.
وأما قوله ظلِّل في حديث جابر: ((فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة)) فتأويله
عند الحنفية أن الشفعة لا تثبت بعد القسمة بسبب الشركة، ولا ينافي ذلك ثبوتها بسبب آخر،
كالجوار.
وقال شيخنا العثماني في إعلاء السنن (١٧: ١٢): ((والحاصل أن أبا حنيفة يؤول قوله:
((إذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة)) والشافعي والشوكاني يؤولان قوله: ((الجار أحق
بسقبه) ولما نظرنا إلى علة مشروعية الشفعة، وهو دفع الضرر، كان تأويل أبي حنيفة أرجح، لأن
المرء كما يتضرر من شريكه يتضرر من جاره أيضاً)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وليس هذا التعليل لتعدية حكم المنصوص إلى غير
المنصوص، وإنما هو لترجيح أحد التأويلين المحتملين في النصوص، فلا يرد عليه أن الشفعة
ثابتة على خلاف القياس، فلا تتعدى إلى غير المنصوص، فتدبر.
ومن هنا يتبين بطلان ما ادعاه بعض المعاصرين من أنه يجوز إثبات الشفعة لأصناف
أخرى، غير هذه الأصناف الثلاثة، كالمزارع والمستكري، بجامع دفع الضرر.
(٢٩) - باب: غرز الخشب في جدار الجار
١٣٦ - (١٦٠٩) - قوله: (عن الأعرج) يعني: عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، كما هو
مصرح عند ابن ماجه، وأحمد في مسنده (٢: ٤٦٣) وهو من ثقات أصحاب أبي هريرة نظ ◌ُه،
وسئل ابن المديني عن أعلى أصحاب أبي هريرة، فبدأ بابن المسيب، وذكر جماعة، قيل له:
فالأعرج؟ قال: دون هؤلاء، وهو ثقة، كذا في تهذيب التهذيب (٦: ٢٩٠).

٦١٧
كتاب: المساقاة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ قَالَ: ((لاَ يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي
جِدَارِهِ».
وقد روى هذا الحديث غير واحد عن طريق مالك، عن الزهري، عن الأعرج، ورواه
خالد بن مخلد عن مالك، عن أبي الزناد بدل الزهري، وقال بشر بن عمرو: ((عن مالك، عن
الزهري، عن أبي سلمة)) بدل الأعرج، ووافقه هشام بن يوسف، عن مالك، ومعمر عن الزهري،
ورواه الدارقطني في الغرائب، وقال: ((المحفوظ عن مالك الأول)) وقال في العلل: رواه هشام
الدستوائي عن معمر، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بدل الأعرج، والمحفوظ عن
الزهري عن الأعرج، وبذلك جزم ابن عبد البر أيضاً، ثم أشار إلى أنه يحتمل أن يكون عند
الزهري عن الجميع. كذا في فتح الباري (٥: ٧٩).
قوله: (عن أبي هريرة) أخرجه أيضاً البخاري في المظالم، باب لا يمنع جار جاره أن يغرز
خشبة في جداره، وفي الأشربة، باب الشرب من فم السقاء، وأبو داود في أواخر الأقضية
(رقم: ٣٤٨٧)، والترمذي في الأحكام، باب ما جاء في الرجل يضع على حائط جاره خشباً،
وابن ماجه في الأحكام، باب الرجل يضع خشبة على جدار جاره، (رقم: ٢٣٣٥)، ومالك في
الأقضية، القضاء في المرفق، وأحمد في مسنده (٢: ٢٤٠ و٤٦٣)، وهذا اللفظ مروي أيضاً عن
مجمع بن يزيد عند ابن ماجه في الباب المذكور، وعند أحمد في حديث مجمع بن يزيد من
مسنده (٣: ٤٨٠).
قوله: (لا يَمْنَعْ) بالجزم على أنه نهي، وروي بالرفع على أنه خبر بمعنى النهي، ورواه
أحمد بلفظ (لا يمنعن) بزيادة نون التأكيد، وهو يؤيد رواية الجزم.
قوله: (أن يغرز خشبة) روي (خشبة) على التنكير والإفراد، و (خشبه) بالإضافة والجمع،
وحكى النووي من عبد الغني بن سعيد أنه قال: ((كل الناس يقوله بالجمع إلا الطحاوي)) ولكن
تعقبه الحافظ في الفتح (٥: ٧٩) بأن أبا ذر من رواة الصحيح رواه بالإفراد.
ثم ذكر الأبي في شرح صحيح مسلم (٤: ٣١١) عن شيخه أنه ليس المراد بالغرز المندوب
إليه في الحديث ليبني الجار فوق ذلك، لأن ذلك معلوم كونه مضراً بجدار الجار، وإنما المعنى
أن يغرز الخشبة للتسقيف فقط. ويؤيده ما أخرجه الطبري في تهذيب الآثار (رقم: ١١٥١) من
طريق أبي الزناد بلفظ: ((إذا سأل أحدكم أخوه أن يلزق بجداره خشبات فليدعه)) .
قوله: (في جداره) حمله أحمد وإسحاق على الوجوب، فلا يجوز المنع عندهما في حال
من الأحوال، وهو قول ابن حبيب من المالكية، والشافعي في القديم، وبعض أهل الظاهر.
وقال مالك وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد: إن الأمر في حديث الباب للندب، والنهي
للتنزيه، فلا يجوز لأحد أن يغرز خشبة على جدار جاره إلا بإذن منه، ويندب لمالك الجدار أن
يأذن له بذلك، فإن امتنع لم يجبر على ذلك قضاء.

٦١٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
استدل الحنابلة ومن وافقهم بحديث الباب، فإنه نهي، وظاهره التحريم، وأيدوا قولهم بما
أخرجه ابن ماجه (رقم: ٢٣٣٦) وأحمد في مسنده (٣: ٤٨٠) عن عكرمة بن سلمة: ((أن أخوين
من بلمغيرة أعتق أحدهما أن لا يغرز خشباً في جداره، فأقبل مجمع بن يزيد، ورجال كثير من
الأنصار، فقالوا: نشهد أن رسول الله وَل قال: ((لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في
جداره))، فقال: يا أخي! إنك مقضي لك عليّ، وقد حلفت، فاجعل أسطواناً دون حائطي أو
جداري، فاجعل عليه خشبك)) فإن ظاهر هذا الحديث أن الأنصار حملوه على الوجوب.
وكذلك استدلوا بما أخرجه مالك في الموطأ في باب القضاء في المرافق عن عمرو بن
يحيى المازني، عن أبيه: ((أن الضحاك بن خليفة ساق خليجاً له من العريض، وأراد أن يمر به
في أرض محمد بن مسلمة، فأبى محمد، فقال له الضحاك: لم تمنعني؟ وهو لك منفعة، تشرب
به أولاً وآخراً، ولا يضرك، فأبى محمد، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعا عمر
محمد بن مسلمة، فأمره أن يخلي سبيله، فقال محمد: لا، والله، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما
ينفعه، وهو لك نافع تسقي به أولاً وآخراً، وهو لا يضرك، فقال محمد بن مسلمة: لا والله،
فقال عمر: والله ليمرن به، ولو على بطنك، فأمره عمر أن يمر به، ففعل الضحاك)).
وكذلك أخرج مالك في نفس هذا الباب من الموطأ، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه
أنه قال: ((كان في حائط جده ربيع لعبد الرحمن بن عوف، فأراد عبد الرحمن بن عوف أن يحوله
إلى ناحية من الحائط هي أقرب إلى أرضه، فمنعه صاحب الحائط، فكلم عبد الرحمن ابن عوف
عمر بن الخطاب في ذلك، فقضى عمر لعبد الرحمن بن عوف بتحويله)).
وإن ظاهر هاتين القصتين أن سيدنا عمر ظله حمل حديث الباب على ظاهره من
الوجوب، وعداه إلى كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره إذا لم تكن فيه مضرة
ظاهرة للمالك.
وقد أخرج البيهقي في كتاب الصلح من سننه (٦: ٦٩) عن يحيى بن جعدة، قال: ((أراد
رجل بالمدينة أن يضع خشبته على جدار صاحبه بغير إذنه، فمنعه، فإذا من شئت من الأنصار
يحدثون عن رسول الله يسير أنه نهاه أن يمنعه، فجبر على ذلك)).
وهذا يدل أيضاً على أن الأنصار حملوا الحديث على الوجوب، لا على الندب فقط.
وأما الجمهور فاستدلوا بحديث: ((لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفس منه)) وبما
سيأتي في الباب الآتي: ((من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع
أرضين)) وغير ذلك من الأحاديث التي تحرم التصرف في مال الغير إلا بإذنه، ومما يدل على
کون حديث الباب للندب أمور :

٦١٩
كتاب: المساقاة
الأول: أن أبا داود قد أخرج حديث الباب بلفظ: ((إذا استأذن أحدكم أخاه أن يغرز خشبة
في جداره، فلا يمنعه)) وإنه يدل على أن الاستئذان لازم لمن أراد غرز الخشبة، ولو كان ذلك
من حقوقه اللازمة لما احتيج إلى الاستئذان. ثم إن النبي ◌ّ نهى المالك عن المنع، وذلك يدل
على أن منعه مؤثر، وإن كان منعه غير مؤثر في القضاء، لما خوطب بالنهي، فهذا كله مع
الأحاديث العامة التي تحرم التصرف في ملك الغير يدل على أن الجار لا يستحق غرز الخشبة
بدون إذن المالك، ولكن النبي ◌َّل# أمر المسلمين في كثير من الأشياء بالرفق والمسامحة، لا من
حيث الشارع والقاضي، بل من حيث المرشد والهادي، وإن حديث الباب من جملتها، وبه قال
الطحاوي في مشكل الآثار (٣: ١٥٣).
والثاني: أن البخاري قد أخرج حديث الباب في كتاب الأشربة عن عكرمة عن أبي هريرة،
بلفظ: ((نهى رسول الله وَّر عن الشرب من فم السقاء، وأن يمنع جاره أن يغرز خشبة في جداره))
وإن النهي عن الشرب من فم السقاء ليس إلا للإرشاد، فليكن النهي الثاني كذلك.
والثالث: أن هذا الحديث مروي عن أبي شريح الكعبي تظله عند الطبراني، في الكبير
بلفظ: ((ماذا يرجو الجار من جاره إذا لم يرفقه بأطراف خشبة في جداره)) ذكره الهيثمي في
الزوائد (٤: ١٦٠)، وضعفه بسبب عبد الله بن سعيد القبري، ولكن استدل به ابن جرير الطبري
في تهذيب الآثار (٣: ٧٩٠) على ندب هذا الأمر، فقال: ((فدل ◌َ لّ بذلك أن إرفاق الرجل جاره
بحمل أطراف خشبته على جداره من أخلاق الناس، وجميل أفعالهم، لا أن ذلك حق واجب له
عليه)) واستدلال مثل ابن جرير بهذا الحديث يدل على صحته عنده.
وأما ما استدل به الحنابلة وغيرهم من أقضية عمر نظ ◌ُله، والأنصار، فحكايات أحوال لا
عموم لها، وأجاب عنها الإمام ابن عبد البر كَّهُ في التمهيد (١٠: ٢٣١) بقوله: ((وإذا وجد
الخلاف بين الصحابة في ذلك، وجب النظر، والنظر في هذه المسألة يدل على صحة ما ذهب
إليه مالك ومن قال بقوله. والدليل على ذلك قول رسول الله وَ *: إن دماؤكم، وأموالكم
وأعراضكم عليكم حرام، يعني أموال بعضكم على بعض ... وقال وَ لاول: ((إن الله حرم من
المؤمن دمه وماله، وعرضه، وأن لا يظن به إلا الخير))، وقال ◌َ لّر: ((لا يحل مال امرىء مسلم
إلا عن طيب نفس منه)). والأصول في هذا كثيرة جداً، ولهذه الأصول الجسام، ولمثلها من
الكتاب والسنة حمل أهل العلم هذا الحديث على الندب والفضل والإحسان، لا على الوجوب،
لتستعمل أخباره وسنته وَ # كلها، وهكذا يجب على العالم، ما وجد إلى ذلك سبيلاً)).
على أن ابن جرير الطبري تَلَقُ أعلّ أثر عمر رَؤُه في قصة الضحاك بن خليفة بالانقطاع،
وبأنه لا يمكّن من مثله أن يقول: والله ليمرن به على بطنك، وعارضه بأثر لعبد الله بن عمرو،
راجع تهذيب الآثار (٣: ٧٩٤).

٦٢٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللَّهِ، لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ
أَكْتَافِكُمْ.
٤١٠٧ - (٠٠٠ ) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو
الظَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُس. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ
حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
(٣٠) - باب: تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها
٤١٠٨ - (١٣٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالُوا:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ
سَعْدِ السَّاعِدِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ:
هذا، والذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه: أن الحكم الأصلي في هذا الباب ما
ذهب إليه الجمهور، ولكن لا يبعد أن يجوز للحاكم في خصوص بعض الواقعات أن يقضي بما
يرى فيه مصلحة، فإن الرجل ربما يضطر إلى بعض التصرفات في أرض الغير، ولا تضره رأساً،
ولكن المالك لا يرضى بذلك عناداً منه، وفي مثل هذه الواقعات لو قضى حاكمٌ بما قضى به
عمر رَّه كان في فسحة من ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (ثم يقول أبو هريرة) وزاد الترمذي وابن ماجه قبله: ((فلما حدثهم أبو هريرة طأطأوا
رؤوسهم)) ورواه أبو داود، فاقتصر على قوله: ((فنكسوا))، وبهاتين الروايتين يتبين وجه قول أبي
هريرة: ((مالي أراكم عنها معرضين)).
قوله: (لأرمين) ورواه أبو داود بلفظ: ((لألقينها)) يعني: لأشيعن هذه المقالة فيكم،
ولأفزعنكم بها، كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه، ليستيقظ من غفلته، ويمكن أيضاً أن
يكون مراده أني أقضي فيكم بهذا الحديث رغم كراهيتكم له، فإن أبا هريرة قال ذلك حين كان
يلي إمرة المدينة من قبل مروان، ذكره الحافظ عن إمام الحرمين، والله أعلم.
قوله: (بين أكتافكم) جمع كتف بالتاء، وروي ((أكنافكم)) بالنون، جمع كنف، وهو
الجانب، ولكن أكثر الروايات على الأول.
(٣٠) - باب: تحريم الظلم وغصب الأرض
١٣٧ - (١٦١٠) - قوله: (عن سعيد بن زيد) أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وفي بيته
أسلم سيدنا عمر ته، لأنه كان زوج أخته فاطمة، وقال سعيد بن حبيب: ((كان مقام أبي بكر،
وعمر، وعثمان، وعليّ، وسعد، وسعيد، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف مع النبي وَلّ