Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
كتاب : المساقاة
الذهب المركب جاز العقد، فيكون ما زاد من الذهب المفرد مقابلاً لغير الذهب، فلا يتحقق
التفاضل في مبادلة الذهب بالذهب، وإن كان الذهب المفرد مساوياً للذهب المركب، أو أقل
منه، فالبيع باطل. أما إذا كان أقل فالبطلان ظاهر، لظهور التفاضل، وأما إذا كان مساوياً، فلأن
الذهب حينئذٍ يكون مقابلاً للذهب، ويبقى غير الذهب خالياً عن العوض، وأما إذا لم يعرف قدر
المركب فالبيع فاسد أيضاً، خلافاً لزفر كثافه، كما في المبسوط السرخسي (١٤ : ٥).
وقال مالك كفّفه: إن كان غير الذهب تبعاً للذهب جاز بيعه بمثل الذهب وزناً، وكذلك إن
كان الذهب تبعاً لغير الذهب جاز بيعه كسائر السلع، واختلفوا في التبع، فقيل: الثلث وقيل:
أدنى، وقيل: النصف. وراجع شرح الأبي (٤: ٢٧٢) لتفصيل مذهبهم.
وقال حماد بن أبي سليمان: لا بأس بهذا البيع، سواء قل الثمن، أو كثر، حكاه النووي
والخطابي، فأما قول حماد ◌َّقُ فأحاديث تحريم ربا الفضل حجة عليه .
وأما الشافعي وأحمد، ومن وافقهما فاستدلوا بحديث فضالة في الباب، فإن النبي ◌َّو لم
يأذن ببيع القلادة إلا بعد ما نزع الذهب منها، وقد وقع التصريح في الحديث الآتي بقوله عليّا:
(لا تباع حتى تفصل) وهو عام فيما إذا كان الثمن أقل أو أكثر.
واستدل الحنفية رحمهم الله بوجوده:
١ - قال الإمام محمد بن الحسن في كتابه، (الحجة على أهل المدينة) (٢: ٥٧٥ و٥٧٦):
((إنما قال رسول الله وَله: ((الفضة بالفضة وزناً بوزن))، فإذا اشترى سيفاً محلى، ووزن حليته مائة
درهم، بمائة درهم، قلنا: هذا باطل، لأنه اشترى فضة بوزنها، وبقي السيف بغير ثمن، ولا بد
له من الثمن، فإن جعلنا له من ثمنه صارت الفضة بأقل من وزنها، فيبطل البيع، حتى يكون
الثمن من الفضة أكثر من الفضة التي في السيف، فيكون الفضة بالفضة، والحمائل والجفن بباقي
الفضة)) .
والحاصل: أنه لا شك أن المقصود من حرمة بيع القلادة بالذهب، هو الاحتراز من
التفاضل في مبادلة الذهب بالذهب، فإنه حرام بالحديث المعروف، فلتكن الحرمة مقصورة على
ما يوجد فيه التفاضل، أو شبهته، وأما إذا علمنا قطعاً بأن الثمن زائد على وزن الذهب المركب،
فقد أمنا من التفاضل وشبهته، فلا تتأتى الحرمة هناك.
٢ - قد رويت عن جماعة من الصحابة رضيه روايات تدل على جواز مثل هذا البيع:
فمنها ما أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢: ١٩٨) من طريق علي بن شيبة،
قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير عن ابن

٥٦٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عباس، قال: اشترى السيف المحلى بالفضة، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة بلفظ: لا بأس ببيع
السيف المحلى بالدراهم.
ومنها: ما أخرجه ابن أبي شيبة عن طارق بن شهاب، وهو ممن رأى النبي ◌َّ: ((كنا نبيع
السيف المحلى بالفضة، ونشتريه)).
ومنها: ما أخرجه ابن حزم في المحلى (٨: ٤٩٦) من طريق شعبة، عن عمارة بن أبي
حفصة، عن المغيرة بن حنين، قال: ((سمعت عليّ بن أبي طالب - وهو يخطب - إذ أتاه رجل،
فقال: يا أمير المؤمنين! إن بأرضنا قوماً يأكلون الربا، قال عليّ: وما ذلك؟ قال: يبيعون خامات
مخلوطة بذهب وفضة بورق، فنكس على رأسه، وقال: لا، أي: لا بأس به)).
ومنها ما أخرجه ابن حزم أيضاً من طريق سعيد بن منصور، عن جرير بن عبد الحميد، عن
السماك بن موسى، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه (يعني أنساً رَُّله): ((أن عمر أعطاه آنية
خسروانية مجموعة بالذهب، فقال عمر: اذهب، فبعها واشترط رضانا، فباعها من يهودي
بضعف وزنها، ثم أخبر عمر، فقال له عمر: اذهب، فاردده، لا، إلا بزنته)) قال ابن حزم:
((وعمر راعى وزن الفضة، وألغى الذهب إلا أنه أجاز الصرف بخيار رضاه بعد افتراق
المتصارفين، وأنس وحده راعى أكثر من الوزن، وأجاز الخيار في الصرف)).
ومنها: ما أخرجه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي، قال: كان خباب قيناً، وكان ربما
اشترى السيف المحلى بالورق.
٣ - قد روي عن أجلة التابعين جواز هذا البيع، فقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه (٨:
٦٩، حديث: ١٤٣٤٦) عن إبراهيم النخعي، قال: ((إذا كانت الحلية أقل من الثمن فلا بأس
به)» .
وأخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢: ١٩٨) عن خالد بن أبي عمران أنه سأل
القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله عن اشتراء الثوب المنسوج بالذهب، بالذهب، فقالا :
يصح اشتراؤه بالذهب.
وأخرج ابن حزم في المحلى عن الحكم بن عتيبة في السيف المحلى بالدراهم: (إن كانت
الدراهم أكثر من الحلية فلا بأس به) قال ابن حزم: وروينا مثله أيضاً عن الحسن وإبراهيم.
وأخرج ابن حزم أيضاً عن ابن سيرين وقتادة: ((لا بأس بشراء السيف المفضض، والخوان
المفضض، والقدح، بالدراهم)).
قال العلامة الكوثري تخلُّ في النكت الطريفة (ص: ٢١٤، مسألة: ١٠٥): ((ومن لا يرى
حجة في أقوال الصحابة ظنّه وآثار التابعين لا يبالي بنبذ تلك الآثار، لكن أبا حنيفة ليس ممن لا
يلتفت إلى أقوال الصحابة وآثار التابعين، فتبين أن لأبي حنيفة أسوة حسنة بهؤلاء)).

٥٦٣
كتاب: المساقاة
٤٠٥٢ - (٩٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ أَبِي شُجَاعِ سَعِيدٍ بْنِ يَزِيدَ،
عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ حَنَشِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ. قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ
خَيْبَرَ، قِلاَدَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَاراً. فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ. فَفَصَّلْتُهَا. فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ
عَشَرَ دِينَاراً. فَذَكَرْتُ ذُلِكَ لِلنَّبِيِّ نَِّ فَقَالَ: ((لاَ تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ)).
وأما حديث فضالة في النهي فهو محمول عند الحنفية على ما إذا كان الذهب المفرد أقل
من الذهب المركب، أو مساوياً له، ويظهر ذلك بقصة فضالة نفسه في الرواية الآتية أنه اشترى
قلادة فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، وأعطى ثمنها اثني عشر ديناراً فقط، فحينئذٍ منعه النبي وَّه.
وأما قوله ظلّلها: ((لا تباع حتى تفصل)) فمحمول عند الحنفية على الإرشاد، لا على التشريع، فإنه
قلما يوجد في العوام من يفرق بين المعاملات بهذه الفروق الدقيقة، فخشي إن أجاز ذلك أن يقع
العوام في ربا الفضل، فأرشدهم إلى بيع الذهب بالذهب مفرداً، لئلا يبقى أي خطر للتفاضل،
ولذلك قال له: بعد الفصل: ((الذهب بالذهب وزناً بوزن)) فدل ذلك على أن العلة الأصلية في
حكم فصل الذهب عن غيره هي الحصول على يقين من المساواة، فإن تحصل هذا اليقين بطريق
آخر، فلا حرمة إذن، والله سبحانه أعلم.
(٩٠) - (٠٠٠) - قوله: (حدثنا ليث) يعني: الليث بن سعد الإمام المشهور، وقد وقع
التصريح بذلك عند الطحاوي.
قوله: (عن أبي شجاع) هو سعيد بن يزيد الحميري القتباني الإسكندراني، ليس له في
صحيح مسلم إلا هذا الحديث الواحد، ولم يخرج له البخاري، وأخرج له أبو داود، والترمذي
والنسائي، قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة، وقال أبو داود: كان له شأن،
وقال ابن يونس: مات بالإسكندرية سنة أربع وخمسين ومائة، وكان من العباد المجتهدين، ثقة
في الحديث، كذا في التهذيب (٤: ١٠١).
قوله: (عن خالد بن أبي عمران) التجيبي، مولاهم، أبو عمر التونسي. قاضي إفريقية،
وليس له عند مسلم إلا هذا الحديث الواحد، كما ذكره المزي في تهذيب الكمال (٢: ١٨٢)،
وذكر عن ابن سعد، قال: كان ثقة إن شاء الله، وكان لا يدلس، وقال أبو حاتم: لا بأس به،
وقال أبو سعيد ابن يونس: كان فقيه أهل المغرب، ومفتي أهل مصر، وكان يقال: إنه مستجاب
الدعوة عرف ذلك له في غير موطن، وقال القاسم بن حبش: كان فقيهاً عالماً، وقال ابن يونس:
توفي بإفريقية سنة خمس وعشرين ومائة .
قوله: (عن حنش الصنعاني) قال ابن المديني: حنش الذي روى عن فضالة: هو حنش بن
عليّ الصنعاني، وليس هو حنش بن المعتمر الكناني، صاحب عليّ نَظ ◌ُله، ولا حنش ابن ربيعة
الذي صلى خلف عليّ، ولا حنش صاحب التيمي، وقال ابن يونس: كان مع عليّ بالكوفة،

٥٦٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٠٥٣ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مُبَارَكٍ،
عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ ، نَحْوَهُ.
٤٠٥٤ - (٩١) حدّثنا قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنِ ابْنٍ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الْجُلاَحِ
أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي حَنَشٌ الصَّنْعَانِيُّ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ. قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ يَوْمَ
خَيْبَرَ نُبَايِعُ الْيَهُودَ، الْوُقِيَّةَ الذَّهَبَ بِالدِّينَارِيْنِ وَالثَّلاثَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((لاَ تَبِيعُوا
الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، إِلاَّ وَزْناً بِوَزْنٍ)).
٤٠٥٥ _ (٩٢) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ
الْمَعَافِرِيِّ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَغَيْرِهِمَا؛
وقدم مصر، وغزا المغرب مع رويفع بن ثابت ويقال: إن جامع سرقسطة من بنائه، وثقه
يعقوب بن سفيان، وابن حبان، والعجلي، وأبو زرعة، وراجع التهذيب (٣: ٥٨) وزاد المزي
في تهذيب الكمال أنه غزا الأندلس مع موسى بن نصير، وكان فيمن ثار مع ابن الزبير على عبد
الملك بن مروان، فأتي به إلى عبد الملك بن مروان في وثاق، فعفا عنه، وكان أول من ولي
عشور إفريقية في الإسلام، توفي بإفريقية سنة مائة، روى له الجماعة إلا البخاري، وليس له أيضاً
عند مسلم إلا هذا الحديث الواحد، فيا ذكره العلامة الكوثري في النكت الطريفة، (ص:
٢١٢). فهذا الحديث فيه ثلاثة رجال من أفراد مسلم.
٩١ - (٠٠٠) - قوله: (عن ابن أبي جعفر) يعني: عبيد الله بن أبي جعفر المصري، أبو بكر
الفقيه، مولى بني كنانة، من فقهاء التابعين، رأى عبد الله بن الحارث بن جزء، وثقه النسائي وأبو
حاتم وابن حبان والعجلي، ونقل صاحب الميزان عن أحمد، أنه قال: ليس بقوي، كذا في
التهذيب (٧: ٦).
قوله: (عن الجُلاحِ أبي كثير) الجلاح بضم الجيم وتخفيف اللام اسمه، كما في التقريب،
وهو مولى لعمر بن العزيز بن مروان.
٩٢ - (٠٠٠) - قوله: (عن قرة بن عبد الرحمن المعافري) بفتح الميم وكسر الفاء، نسبة إلى
معافر بن يعفر، كما في المغني، وروي عن الأوزاعي أنه قال: ما أحد أعلم بالزهري من قرة بن
عبد الرحمن، والصحيح أنه قال: إنه أعلم بحال الزهري، لا بحديثه، كما حققه الحافظ في
التهذيب. وقال الجوزجاني عن أحمد: منكر الحديث جداً، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين :
ضعيف الحديث، وقال أبو زرعة: الأحاديث التي يرويها مناكير، وقال أبو حاتم والنسائي: ليس
بالقوي، وقال أبو داود: في حديثه نكارة، وقال ابن عدي: لم أر له حديثاً منكراً جداً، وأرجو
أنه لا بأس به، وروي عن أكثرهم توثيقه أيضاً، وراجع له التهذيب (٨: ٣٧١ و٣٧٢) وإنما روى
عنه مسلم ههنا مقروناً بعمرو بن الحارث.

٥٦٥
كتاب : المساقاة
أَنَّ عَامِرَ بْنَ يَحْيِى الْمَعَافِرِيَّ أَخْبَرَهُمْ، عَنْ حَنَشِ؛ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ فِي
غَزْوَةٍ. فَطَارَتْ لِي وَلأَصْحَابِي قِلاَدَةٌ فِيهَا ذَهَبَّ وَوَرِقٌ وَجَوْهَرٌ. فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهَا.
فَسَأَلْتُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ فَقَالَ: انْزَعْ ذَهَبَهَا فَاجْعَلْهُ فِي كِفَّةٍ. وَاجْعَلْ ذَهَبَكَ فِي كِفَّةٍ. ثُمَّ لاَ
تَأْخُذَنَّ إِلَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ فِ يهَ يَقُولُ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ فَلاَ يَأْخُذَنَّ إِلَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ)» .
(١٨) - باب: بيع الطعام مثلاً بمثل
٤٠٥٦ - (٩٣) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي
عَمْرٌو. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الظَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا النَّصْرِ
حَدَّثَهُ؛ أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَّهُ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّهُ أَرْسَلَ غُلاَمَهُ بِصَاعٍ قَمْحِ.
فَقَالَ: بِعْهُ ثُمَّ اشْتَرٍ بِهِ شَعِيراً. فَذَهَبَ الْغُلاَمُ فَأَخَذَ صَاعاً وَزِيَادَةَ بَعْضٍ صَاعٍ. فَلَّمَّا جَّاءَ
قوله: (عامر بن يحيى المعافري) المصري، وهو أيضاً من أفراد مسلم، فإنه لم يخرج له
شيئاً غير هذا الحديث، وقد وثقه أبو داود والنسائي، وابن حبان، توفي سنة ١٢٠ هـ كما في
التهذيب .
قوله: (فطارت لي) كذا في رواية مسلم، والمراد: أصابتني، وحصلت لي من القسمة
ويقال: اقترعنا، فطار لي كذا، أي حصل لي سهمي كذا، والطائر: الحظ والنصيب المشهور.
كذا في جامع الأصول لابن أثير (١: ٥٥٨). وفي رواية يونس عند الطحاوي (٢: ١٩٦):
(فصارت لي) وهو أظهر إن صح.
قوله: (فاجعله في كِفَّةٍ) فيه لغتان: كسر الكاف، وضمها كما في المصباح، والكسر
أشهر، والمعنى: كفة الميزان.
(١٨) - باب: بيع الطعام مثلاً بمثل
٩٣ - (١٥٩٢) - قوله: (هارون بن معروف) هو المروزي، أبو علي الخزاز الضرير، نزيل
بغداد، وثقه غير واحد، وروى عنه أبو داود، قال: رأيت في المنام، قيل لي: من آثر الحديث
على القرآن عذب، قال: فظننت أن ذهاب بصري من ذلك، مات سنة ٢٣١ هـ.
قوله: (عن معمر بن عبد الله) هو معمر بن عبد الله بن نافع بن نضلة القرشي العدوي، من
الصحابة المهاجرين، أسلم قديماً، وهاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة، فأقام بها، ثم قدم
المدينة بعد ذلك، كذا في الإصابة (٣: ٤٢٨)، وقد ورد أنه حلق رأس رسول الله ولهم في حجة
الوداع، كما في التهذيب (١٠: ٢٤٦)، وحديثه هذا لم يخرجه غير مسلم من الأئمة الستة.

٥٦٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مَعْمَراً أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْتَ ذُلِكَ؟ انْطَلِقْ فَرُدَّهُ. وَلاَ تَأْخُذَنَّ إِلاَّ مِثْلاً
بِمِثْلٍ. فَإِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ)). قَالَ: وَكَانَ
طَعَامُنَا، يَوْمَئِذٍ، الشَّعِيرَ. قِيلَ لَهُ: فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ. قَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِعٌ.
٤٠٥٧ - (٩٤) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ
بِلاَلٍ) عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ؛
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَاهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ
قوله: (فإنه ليس بمثله) يعني: ليس من جنسه، والمراد: أن القمح والشعير جنسان، فلا
يحرم فيهما التفاضل، لقوله ظلّل: ((إذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم))، فلماذا تريد
أن تفسخ هذا البيع؟
قوله: (إني أخاف أن يُضَارعَ)، يعني: أخاف أن يشابه هذا البيع المنهي عنه من الربا،
لكون الحنطة والشعير متقاربين، ولإطلاق لفظ الطعام على كل واحد منهما، وهذا تورع واحتياط
منه ربه، وإلا فالحديث في جواز مثله واضح.
وحمله مالك تخلفُ على الفتوى، فقال: لا يجوز التفاضل في بيع الحنطة بالشعير لتقارب
منفعتهما، وإن الحنطة والشعير والسلت جنس واحد عنده، وكذا الخل والنبيد جنس واحد عنده،
لتقارب المنافع، كما في شرح الدردير على مختصر الخليل، وحاشيته للصاوي (٣: ٧٤) وهو
قول سعيد بن جبير أيضاً، كما في المغني لابن قدامة (٤: ٥) وخالفه الجمهور، وجماعة من
المالكية أنفسهم، كالسيوري، وتلميذه عبد الحميد الصائغ فيما حكى عنهما الصاوي.
ولا حجة لمالك في حديث الباب، لأن قوله: (إني أخاف أن أضارع) صريح في كون
عمله مبنياً على الورع والتقوى، وقد صح عن النبي وَّل خلافه، ويقول القرطبي كثُّ في شرح
هذا الحديث: ((ولا حجة فيه لمعمر فيما احتج به، لأنه يلزم عليه أن لا يباع التمر بالحنطة
متفاضلاً، لأن الجميع طعام، فلم يبق إلا أن يكون المراد: (بالطعام مع الجنس) وقد بين دول
اختلاف الأجناس في حديث عبادة، وقد فصل فيه الشعير عن البر، ثم قال بعد ذلك: فإذا
اختلف فبيعوا كيف شئتم، ثم الظاهر من فتيا معمر أنها كانت تقية وخوفا)) حكاه الأبي (٤ :
٢٧٥) ثم رده بأن التمر لا يقاس على الشعير لتباين المنافع، ولكن رده هذا غير ناهض، لأن
الحديث أفرد الشعير من البر، وذلك صريح في كونهما جنسين.
واحتج مالك في الموطأ بآثار سليمان بن يسار، وعبد الرحمن بن الأسود، وابن معيقيب،
ولكن يمكن حملها على التورع أيضاً، والله سبحانه أعلم.
٩٤ - (١٥٩٣) - قوله: (أن أبا هريرة وأبا سعيد حدثاه) هذا الحديث أخرجه البخاري في
البيوع، باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه، وفي الوكالة، باب الوكالة في الصرف والميزان،

٥٦٧
كتاب: المساقاة
بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيِّ الأَنْصَارِيَّ فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ. فَقَدِمَ بِتَمْرِ جَنِيبٍ. فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾: ((أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هُكَذَا؟)) قَالَ: لاَ، وَاللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَشْتَرِي
الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنَ الْجَمْعِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((لاَ تَفْعَلُوا. وَلَكِنْ مِثْلاَ بِمِثْلٍ. أَوْ بِيعُوا
هذَا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هُذَا. وَكَذْلِكَ الْمِيزَانُ)).
وفي المغازي، باب استعمال النبي وَّر على أهل خيبر، وفي الاعتصام، باب إذا اجتهد العامل
أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول من غير علم، فحكمه مردود، وأخرجه مالك في البيوع، باب
ما يكره من بيع التمر، والنسائي في البيوع، باب بيع التمر بالتمر متفاضلاً، والدارمي في البيوع،
باب في النهي عن بيع الطعام إلا مثلاً بمثل، (رقم: ٢٥٨٠).
قوله: (بعث أخا بني عدي) اسمه سواد بن غزية (بوزن عطية) كما صرح به في رواية
الدراوردي عند أبي عوانة، والدارقطني، نبه عليه الحافظ في الفتح (٤: ٣٣٤) وروى ابن
إسحاق أن رسول الله وَلير عدل الصفوف في يوم بدر، وفي يده قدح، فمر بسواد بن غزية، فطعن
في بطنه؛ فقال (يعني سواد بن غزية): أوجعتني فأقدني، فكشف عن بطنه، فاعتنقه وقبل
بطنه وقر، فدعا له بخير، وراجع الإصابة (٣: ٩٤).
قوله: (بتمر جنيب) بوزن الحبيب، نوع من أعلى التمر، كما فسره النووي، وقال مالك:
هو الكبيس، وقال الطحاوي: هو الطيب، وقيل: الصلب، وقيل: الذي أخرج منه حشفه
ورديئه، يعني المنتقى، وقال غيرهم: هو الذي لا يخلط بغيره، بخلاف الجمع.
قوله: (أَكَلُّ تمرٍ خيبر هكذا؟) فيه أن الاستخبار عن أحوال بلد آخر، وعما يوجد فيه من
الأطعمة والثمار ليس من فضول الكلام ولا اللغو منه.
قوله: (من الجمع) يعني: من المخلوط الذي يجمع الجيد والرديء.
قوله: (لا تفعلوا) فيه دليل على أن الذي ارتكب المحظور لجهالة معذور في أحكام
الآخرة، ولذلك لم يلمه النبي ◌َّير على فعله السابق، وإنما أمره في المستقبل أن لا يعود، ولكنه
غير معذور في أحكام الدنيا، فلا يصح العقد الفاسد أو الباطل بعذر الجهالة، ولذلك أمر
النبي ◌َّ برد هذا التمر وفسخ البيع فيما سيأتي من طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد، والظاهر أن
القصة واحدة، والله أعلم.
قوله: (كذلك الميزان) تقدم أن هذا اللفظ دليل الحنفية في تعليلهم بالقدر، وتقدم أيضاً ما
رواه الحاكم عن أبي سعيد بلفظ: ((كذلك ما يكال ويوزن أيضاً)) وهو أصرح، وأجاب عنه
النووي تَُّ بقوله: ((معناه: وكذلك الميزان، لا يجوز التفاضل فيه فيما كان ربوياً موزوناً))
وحاصله: أن الموزونات إنما تكون ربوية إذا كانت من المطعومات، ولكنه تقييد لمطلق لفظ
الحديث، فيحتاج إلى دليل، وقد أشبعنا الكلام على هذه المسألة ودلائل الحنفية والشافعية في
شرح أول حديث من باب الربا .

٥٦٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٠٥٨ _ (٩٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُذْرِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّةِ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً عَلَى خَيْبَرَ. فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ
جَنِيبٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَكُلُّ تَمْرٍ خَيْبَرَ هُكَذَا؟)) فَقَالَ: لاَ، وَاللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ!
إِنَّا لَنَأَخُذُ الصَّاعَ مِنْ هُذَا بِالصَّاعَيْنِ. وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلاثَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَ: ((فَلاَ تَفْعَلْ،
بعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ. ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيباً» .
٤٠٥٩ _ (٩٦) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحِ الْوُحَاظِيُّ.
حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةٌ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سهْلِ التَّمِيمِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِّمُنِ الدَّارِمِيُّ
(وَاللَّفْظُ لَهُمَا). جَمِيعاً عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ. حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ (وَهُوَ ابْنُ سَلَّم). أَخْبَرَنِي
يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ). قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ
يَقُولُ: جَاءَ بِلاَلٌ بِتَمْرِ بَرْنِيٌّ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّرَ: ((مِنْ أَيْنَ هُذَا؟)) فَقَالَ بِلاَلٌ: تَمْرٌ،
كَانَ عِنْدَنَا، رَدِيءٌ. فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ. لِمَطْعَمِ النَّبِيِّ ◌َ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، عِنْدَ
ذُلِكَ «أَوَّهْ.
٩٥ - (٠٠٠) - قوله: (بالثلاثة) كذا في رواية مسلم، وفي رواية البخاري في البيوع:
(بالثلاث)، وقال الحافظ في الفتح: ((وكلاهما جائز، لأن الصاع يذكر ويؤنث)).
٩٦ - (١٥٩٤) - قوله: (الوحاظي) بضم الواو، وتخفيف الحاء كما في التقريب وكنيته أبو
زكريا، ثقة عند الأكثرين، ولكنه رمي بكونه جهمياً، وصاحب رأي، ضعفه أحمد بن حنبل،
والعقيلي، وهو من رجال الستة إلا النسائي، وراجع التهذيب (١١: ٢٢٩) وتهذيب الكمال (٨:
١/٧٥٢).
قوله: (الدارمي) هو الإمام المشهور، صاحب السنن، روى عنه مسلم ثلاثة وسبعين
حديثاً، والبخاري في غير الجامع، وروي أن الإمام البخاري كثُّ لما بلغه نعي الدارمي نكس
رأسه ثم رفع، واسترجع، وجعل تسيل دموعه على خديه ثم أنشأ يقول:
إن تبق تفجع بالأحبة كلهم
وفناء نفسك، لا أبالك، أفجع
كذا في التهذيب (٥: ٢٩٦).
قوله: (بتمر بَرْنِيٌّ) نوع من التمر، وهو من أجود ما يوجد بالمدينة، يسمى بهذا الاسم حتى
الآن.
قوله: (أَوَّة) كلمة حزن وتوجع، وفيها لغات بسطها الأبي والنووي، والمشهور المثبت

٥٦٩
كتاب: المساقاة
عَيْنُ الرِّبًا. لاَ تَفْعَلْ. وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ الثَّمْرَ فَبِعْهُ بِبَيْعِ آخَرَ. ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ)).
لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ سَهْلٍ فِي حَدِيثِهِ: عِنْدَ ذُلِكَ.
٤٠٦٠ - (٩٧) وحدّثنا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ
أَبِي قَزَعَةَ الْبَاهِلِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللّهِ نَّه بِتَهْرٍ. فَقَالَ:
((مَا هُذَا التَّمْرُ مِنْ تَمْرِنَا)) فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِعْنَا تَمْرَنَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ مِنْ هُذَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ: (هُذَا الرِّبَا. فَرُذُوهُ. ثُمَّ بِيعُوا تَمْرَنَا وَاشْتَرُوا لَنَا مِنْ هُذَا)) .
٤٠٦١ - (٩٨) حدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ
شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ عَلَى عَهْدِ
رَسُولِ اللَّهِ وَلَّ. وَهُوَ الْخِلْطُ مِنَ التَّمْرِ. فَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ. فَّبَلَغَ ذُلِكَ
رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ فَقَالَ: ((لاَ صَاعَيْ تَمْرٍ بِصَاعٍ. وَلاَ صَاعَيْ حِنْطَةٍ بِصَاعٍ. وَلاَ دِرْهَمَ
بِدِرْهَمَيْنِ)).
هنا : فتح الهمزة، وتشديد الواو المفتوحة، وسكون الهاء.
قوله: (عين الربا) يعني: أن ما تعاملتم هو عين الربا المحرم.
٩٧ - (٠٠٠) - قوله: (الحسن بن أعين) اسمه الحسن بن محمد بن أعين، وقد نسب هنا
إلى جده، وأعين، بفتح الياء، لا بضمها .
قوله: (حدثنا مَعْقِلٌ) هو معقل بن عبيد الله الجزري الحراني، وثقه أحمد بن حنبل وابن
معين، والنسائي، وضعفه معاوية بن صالح، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يخطىء
ولم يفحش خطؤه فيستحق الترك. كذا في التهذيب (١٠: ٢٣٤).
٩٨ - (١٥٩٥) - قوله: (عن شيبان، عن يحيى) شيبان: هو ابن عبد الرحمن التميمي، أبو
معاوية البصري، ويحيى: هو ابن أبي كثير، كلاهما معروف.
قوله: (عن أبي سعيد) حديثه هذا أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع الخلط من التمر،
والنسائي في البيوع، باب بيع التمر بالتمر متفاضلاً، وابن ماجه في التجارات، باب الصرف.
قوله: (كنا نرزق) بالبناء للمجهول، يعني: نعطي، وكان هذا العطاء مما كان رسول الله وَ له
يقسمه فيهم مما أفاء الله عليهم من خيبر، كما في فتح الباري (٤: ٢٦٤).
قوله: (تمر الجمع) بفتح الجيم وسكون الميم، فسر بالخلط، يعني المخلوط بأنواع شتى،
وقيل: هو كل لون من النخيل لا يعرف اسمه، وفسره في المغرب بالدقل، لأنه يجمع من
خمسين نخلة، والغالب في مثل ذلك أن يكون رديئه أكثر من جيده.
قوله: (لا صاعي تمر) منصوب على كونه اسم لا لنفي الجنس، والنفي بمعنى النهي.

٥٧٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٠٦٢ _ (٩٩) حدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَعِيدٍ
الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ. قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسِ عَنِ الصَّرْفِ؟ فَقَالَ: أَيَداً بِيَدٍ؟ قُلْتُ:
نَعَمْ. قَالَ: فَلاَ بَأْسَ بِهِ. فَأَخْبَرْتُ أَبَا سَعِيدٍ. فَقُلْتُ: إِنِّي سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ؟
فَقَالَ: أَيداً بِيَدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَلاَ بَأْسَ بِهِ. قَالَ: أَوَ قَالَ ذُلِكَ؟ إِنَّا سَنَكْتُبُ إِلَيْهِ فَلاَ
يُفْتِيكُمُوهُ. قَالَ: فَوَاللَّهِ! لَقَدْ جَاءَ بَعْضُ فِتْيَانِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَه بِتَمْرٍ فَأَنْكَرَهُ. فَقَالَ: ((كَأَنَّ
هُذَا لَيْسَ مِنْ تَمْرِ أَرْضِنَا)). قَالَ: كَانَ فِي تَمْرِ أَرْضِنَا (أَوْ فِي تَمْرِنَا)، الْعَامَ، بَعْضُ الشَّيْءِ،
فَأَخَذْتُ هُذَا وَزِدْتُ بَعْضَ الزِّيَادَةِ. فَقَالَ: ((أَضْعَفْتَ أَرْبَيْتَ. لاَ تَقْرَبَنَّ هُذَا. إِذَا رَابَكَ مِنْ
تَمْرِكَ شَيْءٍ فَبِعْهُ. ثُمَّ اشْتَرِ الَّذِي تُرِيدُ مِنَ التَّمْرِ)).
٤٠٦٣ - (١٠٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى. أَخْبَرَنَا دَاوُدُ، عَنْ
أَبِي نَضْرَةَ. قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ؟ فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْساً. فَإِنِّي لَقَاعِدٌ
عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الصَّرْفِ؟ فَقَالَ: مَا زَادَ فَهُوَ رِباً. فَأَنْكَرْتُ ذُلِكَ،
لِقَوْلِهِمَا. فَقَالَ: لاَ أُحَدِّثُكَ إِلَّ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ ثَـ جَاءَهُ صَاحِبُ نَخْلِهِ بِصَاعٍ
٩٩ - (١٥٩٤) - قوله: (عن الصرف) الصرف في الأصل: مبادلة الثمن بالثمن، سواء كان
متفاضلاً أو متساوياً، وكان ابن عباس رضيما يرى جواز الصرف في كلتا الصورتين، فكان يبيح
التفاضل في الصرف، دون النسيئة، وسيأتي دليله والكلام عليه بعد حديثين إن شاء الله تعالى.
وقصة ابن عباس مع أبي سعيد هذه قد أخرجها البخاري في البيوع، باب بيع الفضة
بالفضة، وباب بيع الدينار بالدينار نسأ، ومالك في البيوع، باب بيع الذهب بالفضة تبراً وعيناً،
والنسائي في باب بيع الفضة بالذهب.
قوله: (بعض الشيء) يعني: كان في تمرنا شيء من الرداءة في هذه السنة فأردت شراء
الجید بها .
قوله: (إذا رابك) رابني الشيء، وأرابني: يعني شككني وأوهمني الريبة فيه، فإذا استيقنته
قلت: رابني، بغير ألف، كذا في مجمع البحار.
١٠٠ - (٠٠٠) - قوله: (أخبرنا داود) يعني ابن أبي هند البصري، ثقة معروف، وقال ابن
حبان: كان من خيار أهل البصرة من المتقنين في الروايات، إلا أنه كان يهم إذا حدث من
حفظه، وراجع التهذيب (٣: ٢٠٤).
قوله: (فلم يَرَيًا به بأساً) يعني: لم يريا بالتفاضل فيه بأساً .
قوله: (فأنكرت ذلك لقولهما) يعني: أنكرت قول أبي سعيد، لما كنت سمعته من ابن عمر
وابن عباس، ضَّ جميعاً.

٥٧١
كتاب: المساقاة
مِنْ تَمْرِ طَيِّبٍ. وَكَانَ تَمْرُ النَّبِّ وَ هُذَا اللَّوْنَ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَّ: ((أَنَّىَ لَكَ هُذَا؟)) قَالَ:
انْطَلَقْتُ بِصَاعَيْنِ فَاشْتَرَيْتُ بِهِ هُذَا الصَّاعَ. فَإِنَّ سِعْرَ هُذَا فِي السُّوقِ كَذَا. وَسِعْرَ هُذَا كَذَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((وَيْلَكَ! أَزْبَيْتَ. إِذَا أَرَدْتَ ذُلِكَ فَبِعْ تَمْرَكَ بِسِلْعَةٍ. ثُمَّ اشْتَرٍ بِسِلْعَتِكَ
أَيَّ تَمْرِ شِئْتَ)).
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَالثَّمْرُ بِالتَّمْرِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ رِباً أَم الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ؟ قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ
عُمَرَ، بَعْدُ، فَتَهَانِي. وَلَمْ آتِ ابْنَ عَبَّاسٍ. قَالَ: فَحَدَّثَنِيَ أَبُو الصَّهْبَاءِ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ
عَنْهُ بِمَكَّةَ، فَكَرِهَهُ.
قوله: (هذا اللون) يعني النوع، وكأنه كان بين يديه حينئذ تمر من ذلك النوع، فأشار إليه،
أو أشار إلى ما هو المعروف من التمر حينئذ. ثم إنه رُه تأدب في ذكر تمر النبي وَّل، حيث لم
يقل: إنه كان أردأ من التمر الذي جاء به صاحب نخله، ولكن قال: (هذا اللون)، وفيه حسن
أدبه څته .
قوله: (وسِعْرَ هذا كذا) يعني: كان سعر هذا الطيب ضعف ذلك التمر.
قوله: (فنهاني) فيه تصريح بأن ابن عمر قد رجع عن قوله في الصرف بعد ما سمع
الحديث .
قوله: (فكرهه) ظاهره أن ابن عباس رجع عن قوله، كما رجع ابن عمر، وقد أخرج
الحاكم عن أبي مجلز قال: ((كان ابن عباس لا يرى به بأساً زماناً من عمره، ما كان منه عيناً
بعين، يداً بيد، وكان يقول: إنما الربا في النسيئة، فلقيه أبو سعيد الخدري، فقال له: يا ابن
عباس! ألا تتقي الله؟ إلى متى تؤكل الناس الربا؟ أما بلغك أن رسول الله وَّر قال ذات يوم،
وهو عند زوجته أم سلمة: ((إني لأشتهي تمر عجوة، فبعثت صاعين من تمر إلى رجل من
الأنصار، فجاء بدل صاعين صاع من تمر عجوة، فقامت، فقدمته إلى رسول الله وصلاليه، فلما رآه
أعجبه، فتناول تمرة، ثم أمسك، فقال: من أين لكم هذا؟ فقالت أم سلمة: بعثت صاعين من
تمر إلى رجل من الأنصار، فأتانا بدل صاعين هذا الصاع الواحد، وها هو كل، فألقى التمرة بين
يديه، فقال: ردوه، لا حاجة لي فيه، التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير،
والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يداً بيد، عيناً بعين، مثلاً بمثل، فمن زاد فهو رباً))، ثم قال:
كذلك ما يكال ويوزن أيضاً، فقال ابن عباس: جزاك الله يا أبا سعيد الجنة، فإنك ذكرتني أمراً
كنت نسيته أستغفر الله، وأتوب إليه، فكان ينهى عنه بعد ذلك أشد النهي)».
قال الحاكم في مستدركه (٢: ٤٣) بعد إخراجه: «هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه بهذه
السياقة)) وتعقبه الذهبي، فقال: ((قلت: حيان، فيه ضعف، وليس بالحجة))، وقد أشبعنا الكلام
على إسناده تحت أول حديث من باب الربا، بما يدل على أنه خبر مقبول إن شاء الله تعالى.

٥٧٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٠٦٤ - (١٠١) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. جَمِيعاً
عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ (وَاللَّفْظُ لابْنِ عَبَّدٍ) قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي صَالِحٍ.
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ.
ويتأيد هذا الحديث بما أخرجه الطبراني في مسند أسامة من معجمه الكبير (١: ١٤٢،
رقم: ٤٥٤): ((حدثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم عبد السلام بن حرب، عن مغيرة يعني ابن
مقسم، عن عبد الرحمن بن نعم أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس، فشهد على رسول الله وَالآ.
أنه قال: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة مثلاً مثلاً فمن زاد فقد أربى))، فقال ابن عباس:
أتوب إلى الله عز وجل مما كنت أفتي به، ثم رجع، وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، وأكثرهم من
رجال الجماعة .
وكذلك أخرج عبد الرزاق في مصنفه (٨: ١١٨) عن زياد قال: ((كنت مع ابن عباس
بالطائف، فرجع عن الصرف قبل أن يموت بسبعين يوماً)) وزياد هذا إن كان زياد بن صبيح، أو
زياد أبو يحيى المكي، فكلاهما ثقة، كما في التهذيب (٣: ٣٧٤ و٣٩١)، وإن كان زياد بن
عمر، فهو مجهول، كان في الميزان (٢: ٩٢)، وإن كان غيرهم فلا أعرفه(١).
وقد أخرج وكيع بن خلف بن حيان من طريق ابن شبرمة عن عبد الرحمن الأزدي، قال:
(مرّضت ابن عباس بالطائف، فسمعته يقول: اللهم إني أتوب إليك من قولي في الصرف)) راجع
أخبار القضاة لوكيع (٣: ٤٨) في ترجمة عبد الله بن شبرمة.
وكذلك روى رجوعه جابر بن زيد، كما حكاه السرخسي في المبسوط (١٢: ١١٢)،
وأسنده الطبراني في الكبير (١: ١٤٢ و١٤٣) بطرق مختلفة، وروى الطبراني رجوعه أيضاً عن
أبي الجوزاء، وبكر بن عبد الله المزني، وأخرج عن أبي أسيد الساعدي حديثاً عن ابن عباس
قال: ((شيء كنت أقوله برأيي ولم أسمع فيه شيئاً)) ذكره الهيثمي في الزوائد (٤: ٤) ((وقال:
إسناده حسن)) ولكن يعارضه ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨: ١١٨) من طريق ابن عيينة،
عن فرات القزاز، قال: ((دخلنا على سعيد بن جبير نعوده فقال له عبد الملك الزراد: كان ابن
عباس نزل عن الصرف، فقال سعيد: عهدي به قبل أن يموت بستة وثلاثين ليلة، وهو يقوله))
ورجاله ثقات.
وبالجملة، فرجوع ابن عباس مختلف فيه، ولكن مثبت الرجوع أولى من النافي، ولا سيما
إذا تأيد الرجوع بحديث مسلم هذا، وبعدة روايات صحيحة أو حسنة، والله سبحانه أعلم.
(١) وذكر المحقق الشيخ الأعظمي في تعليقه على المصنف أنه مولى ابن عباس، ولا يبدو صحيحاً، وأرى أنه
قد وقع في التهذيب (٣: ٣٩٢) تصحيف، فقال: ((مولى ابن عباس)) وإنما هو ((مولى ابن عياش)) ذكره
الحافظ في (٣: ٣٦٧) من التهذيب، ولا علاقة له بحديث ابن عباس هذا، فليتنبه، والله أعلم.

٥٧٣
كتاب: المساقاة
مَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبى. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسِ يَقُولُ غَيْرَ هُذَا. فَقَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ ابْنَ
عَبَّاسِ. فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ هُذَا الَّذِي تَقُولُ أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِ أَوْ وَجَدْتَهُ فِي
كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. وَلَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ.
وَلْكِنَّ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: ((الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ)).
٤٠٦٥ - (١٠٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
وَابْنُ أَبِي عُمَرَ (وَاللَّفْظُ لِعَمْرِو) (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ
عُيَيْنَةَ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أَنَّ
النَّبِيَّ وَّرَ قَالَ: ((إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ)).
١٠١ - (١٥٩٦) - قوله: (الربا في النسيئة) وفي الرواية الآتية: ((إنما الربا في النسيئة)) وفي
التالية بعدها: ((لا ربا فيما كان يداً بيد)) مما هو صريح في الحصر، وبه استدل ابن عباس على
أن التفاضل في البيع ليس برباً إذا كان يداً بيد.
وأجاب عنه الجمهور بوجوه مختلفة :
١ - قال شمس الأئمة السرخسي تغلّفُ في المبسوط: ((وتأويل حديث أسامة بن زيد ظ نه أن
النبي ◌ّل سئل عن مبادلة الحنطة بالشعير، والذهب بالفضة، فقال النبي وَقول: لا ربا إلا في
النسيئة، فهذا بناء على ما تقدم من السؤال، فكأن الراوي سمع قول رسول الله وَّل، ولم يسمع
ما تقدم من السؤال، أو لم يشتغل بنقله)) فالخلاصة: أن هذا الحديث إنما يبين حكم مبادلة
الأموال الربوية بغير جنسها، وحديث أبي سعيد وغيره يمنع التفاضل في بيعها بجنسها .
٢ - قال الحافظ في الفتح (٤: ٣١٩): ((وقيل: المعنى في قوله (لا ربا) الربا الأغلظ
الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد)) وحاصله أن الربا الذي حرمه القرآن الكريم، وآذن
عليه بحرب من الله ورسوله، هو الذي يكون في القرض والنسيئة. أما ربا الفضل الذي نهي عنه
في حديث أبي سعيد وعبادة وغيرهما، فليس إثمه بمثابة إثم ربا النسيئة.
٣ - قال ابن رشد في بداية المجتهد (٢: ١٦٣): ((وأما حديث ابن عباس فإنه ليس بنص
في ذلك، لأنه روي فيه لفظان، أحدهما: أنه قال: ((إنما الربا في النسيئة))، وهذا ليس يفهم منه
إجازة التفاضل إلا من باب دليل الخطاب، وهو ضعيف، ولا سيما إذا عارضه النص، وأما
اللفظ الآخر وهو: ((لا ربا إلا في النسيئة))، فهو أقوى من هذا اللفظ، لأن ظاهره يقتضي أن ما
عدا النسيئة فليس بربا، لكن يحتمل أن يريد بقوله: ((لا ربا إلا في النسيئة))، من جهة أنه الواقع
في الأكثر، وإذا كان هذا محتملاً، والأول نص، وجب تأويله على الجهة التي يصح الجمع
بینھما)).

٥٧٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٠٦٦ - (١٠٣) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم.
حَدَّثَنَا بَهْزٌ. قَالاَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَّنْ
أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: ((لاَ رِباً فِيمَا كَانَ يَداً بِيَدٍ» .
٤٠٦٧ - (١٠٤) حدّثنا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى. حَدَّثَنَا هِقْلٌ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. قَالَ:
حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ؛ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُذْرِيَّ لَقِيَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَكَ
فِي الصَّرْفِ، أَشَيْئاً سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَهَ، أَمْ شَيْئاً وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَلاَّ. لاَ أَقُولُ. أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ. وَأَمَّا كِتَابُ اللَّهِ فَلاَ
أَعْلَمُهُ. وَلَكِنْ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ قَالَ: ((أَلاَ إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ)).
(١٩) - باب: لعن آكل الربا ومؤكله
٤٠٦٨ - (١٠٥) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ)
(قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) عَنْ مُغِيرَةَ. قَالَ: سَأَلَ شِبَاكِ إِبْرَاهِيمَ .
فَحَدَّثَنَا، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: لَعَنَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ. قَالَ:
قُلْتُ: وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ؟ قَالَ: إِنَّمَا نُحَدِّثُ بِمَا سَمِعْنَا .
٤٠٦٩ - (١٠٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَان بْنُ أَبِي شَيْبَةً.
وكل واحد من هذه الأجوبة سائغ محتمل، ولا بد من المصير إليها عند ورود الأحاديث
الصحيحة المتكاثرة على حرمة التفاضل بين الأموال الربوية إذا بيعت بجنسها .
(١٩) - باب: لعن آكل الربا وموكله
١٠٥ - (١٥٩٧) - قوله: (سأل شِبَاٌ) بكسر الشين وتخفيف الباء، هو الضبي الكوفي
الأعمى، روى عن إبراهيم النخعي، والشعبي، وأبي الضحى، وعنه مغيرة بن مقسم، وفضيل بن
غزوان، ونهشل بن مجمع، ولم يخرج له مسلم شيئاً، وإنما جاء ذكره في هذا الحديث، وهو
ثقة، وثقه النسائي وابن حبان، وابن سعد، وابن شاهين، وعثمان بن أبي شيبة، وراجع التهذيب
(٤ : ٣٠٢ و ٣٠٣).
قوله: (عن عبد الله) أخرجه أبو داود، (رقم: ٣٣٣٣) في البيوع، باب في آكل الربا
وموكله، والترمذي، (رقم: ١٢٠٦) في البيوع، باب ما جاء في آكل الربا، وابن ماجه، (رقم:
٢٢٧٧) في التجارات، باب التغليظ في الربا، وقال الترمذي: حسن صحيح.
قوله: (ومُؤكِلِهِ) يعني: الذي يؤدي الربا إلى غيره، فإثم عقد الربا والتعامل به سواء في كل
من الآخذ والمعطي، ثم أخذ الربا أشد من الإعطاء، لما فيه من التمتع بالحرام، ولهذا جاز

٥٧٥
كتاب: المساقاة
قَالُوا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ آكِلَ الرِّبَا،
وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ.
(٢٠) - باب: أخذ الحلال وترك الشبهات
٤٠٧٠ _ (١٠٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرِ الْهَمْدَانِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا
زَكَرِيَّاءُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ. قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ
يَقُولُ: (وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ) ((إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ
إعطاءه عند الضرورة الشديدة، كما في شرح الأشباه والنظائر للحموي وغيره.
قوله: (وكاتِبَهُ) لأن كتابة الربا إعانة عليه، ومن هنا ظهر أن التوظف في البنوك الربوية لا
يجوز، فإن كان عمل الموظف في البنك ما يعين على الربا، كالكتابة أو الحساب فذلك حرام
لوجهين: الأول: إعانة على المعصية، والثاني: أخذ الأجرة من المال الحرام، فإن معظم دخل
البنوك حرام مستجلب بالربا، وأما إذا كان العمل لا علاقة له بالربا فإنه حرام للوجه الثاني
فحسب، فإذا وجد بنك معظم دخله حلال، جاز فيه التوظف للنوع الثاني من الأعمال، والله
أعلم.
١٠٦ - (١٥٩٩) - قوله: (عن جابر) لم يخرج هذا الحديث غير مسلم من بين الأئمة
الستة .
(٢٠) - باب: أخذ الحلال وترك الشبهات
١٠٧ - (١٥٩٩) - قوله: (عن النعمان بن بشير) أخرجه البخاري في الإيمان، باب فضل
من استبرء لدينه، وفي البيوع، باب الحلال بين، وأبو داود، (رقم: ٣٣٢٩ و٣٣٣٠) في البيوع،
باب في اجتناب الشبهات، والنسائي في البيوع، باب اجتناب الشبهات في الكسب، والترمذي،
(رقم: ١٢٠٥) في البيوع، باب ما جاء في ترك الشبهات، وابن ماجه في الفتن، باب.
قوله: (وأهوى النعمان بإصبعيه) تأكيداً لسماعه منه ويّ، وقال الحافظ في الفتح (١:
١١٧): ((وفي هذا رد لقول الواقدي ومن تبعه أن النعمان لا يصح سماعه من رسول الله وَئيل،
وفيه دليل على صحة تحمل الصبي المميز، لأن النبي و لو مات، وللنعمان ثمان سنين)).
ثم قال الحافظ: ((ادعى أبو عمرو الداني أن هذا الحديث لم يروه عن النبي صل غير
النعمان بن بشير، فإن أراد: من وجه صحيح، فمسلم، وإلا فقد رويناه من حديث ابن عمر
وعمار في الأوسط للطبراني، ومن حديث ابن عباس في الكبير له، ومن حديث واثلة في
الترغيب للأصبهاني، وفي أسانيدها مقال. وادعى أيضاً أنه لم يروه عن النعمان بن بشير غير
الشعبي، وليس كما قال، فقد رواه عن النعمان أيضاً خيثمة بن عبد الرحمن عند أحمد وغيره،

٥٧٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ. فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ.
وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ.
وعبد الملك بن عمير عند أبي عوانة وغيره، وسماك بن حرب عند الطبراني، لكنه مشهور عن
الشعبي، رواه عنه جمع جم من الكوفيين، ورواه عنه من البصريين عبد الله بن عون، وقد ساق
البخاري إسناده في البيوع)).
قوله: (وبينهما مشتبهات) كذا في النسخ الموجودة عندي، ولكن ذكر الحافظان العيني
والعسقلاني رحمهما الله أن مسلماً إنما رواه بلفظ (مشبهات) على البناء للمفعول من باب
التفعيل .
وقد ذكر العيني كثّفُ في عمدة القاري (١ : ٣٤٥) أن الحدیث ورد بخمس روايات:
الأول: (مشتبهات) بوزن مفتعلات، يعني المشكلات من الأمور، لما فيه من شبه الطرفين
المتخالفين، فيشبه مرة هذا، ومرة هذا.
الثانية: (متشبهات)، بوزن متفعلات، كما في رواية الطبري، وهي في المغني كالأولى،
غير أن فيها معنى التكلف.
الثالثة: (مشبهات) على البناء للمفعول من التشبيه، وهي رواية السمرقندي، ورواية مسلم،
والمعنى أنها مشبهات بغيرها، مما لم يتيقن فيه حكمها على التعيين، ويقال: معناها: مشبهات
بالحلال .
الرابعة: (مشبهات) على البناء للفاعل من التشبيه، ومعناها: أنها تشبه أنفسها بالحلال.
والخامسة: (مشبهات) على البناء للفاعل من الإشباه، ومعناها مثل الرابعة.
قوله: (اتَّقَى الشبهات) بضم الشين والباء، جمع شبهة، والمراد ترك ما يشتبه كونه حلالاً ،
وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
قوله: (استبرأ لدينه وعرضه) يعني: طلب البراءة لدينه وعرضه من الذم الشرعي، والإثم.
قوله: (ومن وقع في الشبهات) يعني: ارتكب الأمور المشتبهة.
قوله: (وقع في الحرام) وهذا يكون لأحد وجهين: أحدهما أنه إذا عود نفسه عدم التحرز
مما يشتبه، أثر ذلك في استهانته، وعدم المبالاة بأمور الدين فوقع في الحرام مع العلم به .
وقيل: إن من أكثرَ الوقوع في الشبهات أظلم قلبه عليه لفقدان نور العلم والورع، فيقع في
الحرام، ولا يشعر به .
وثانيهما: أن من اشتبه عليه الحكم في مسألة، فارتكبها بدون تحقيق أو سؤال، فيمكن أن
يكون ذلك الفعل حراماً في نفس الأمر، فحينئذ صار الوقوع في الشبهة وقوعاً في الحرام، والله
أعلم .

٥٧٧
كتاب: المساقاة
عظيم موقع هذا الحديث:
قال العيني: ((أجمع العلماء على عظم موقع هذا الحديث، وأنه أحد الأحاديث التي عليها
مدار الإسلام. وقالت جماعة: هو ثلث الإسلام، وإن الإسلام يدور عليه، وعلى حديث:
((الأعمال بالنيات))، وحديث: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، وقال أبو داود: يدور
على أربعة أحاديث: هذه الثلاثة، وحديث: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)).
قالوا: سبب عظم موقعه أنه ظلَلا نبه فيه على صلاح المطعم والمشرب، والملبس والمنكح،
وغيرها، وأنه ينبغي أن يكون حلالاً، وأرشد إلى معرفة الحلال، وأنه ينبغي ترك المشتبهات،
فإنه سبب لحماية دينه وعرضه، وحذر من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل
بالحمى، ثم بين أهم الأمور، وهو مراعاة القلب)).
وقال ابن العربي: ((يمكن أن ينتزع من هذا الحديث وحده جميع الأحكام)) وقال القرطبي:
((لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره، وعلى تعلق جميع الأعمال بالقلب، فمن هنا
يمكن أن يرد عليه جميع الأحكام)) وراجع لهذه الأقوال عمدة القاري (١: ٣٤٨).
أقوال العلماء في تفسير الحديث:
ثم قد اختلفت عبارات العلماء في تفسير هذه المشتبهات، وكيفية الحذر منها، فهناك
أقوال أربعة :
١ - قال الخطابي في معالم السنن (٥: ٦): ((ومعنى قوله: (وبينهما أمور مشتبهات) أي
أنها تشتبه على بعض الناس دون بعض، وليس أنها في ذوات أنفسها مشتبهة لا بيان لها في جملة
أصول الشريعة، فإن الله تعالى لم يترك شيئاً يجب له فيها حكم، إلا وقد جعل فيه بياناً، ونصب
عليه دليلاً. ولكن البيان ضربان: بيان جلي، يعرفه عامة الناس كافة، وبيان خفي، لا يعرفه إلا
الخاص من العلماء، الذين عنوا بعلم الأصول، فاستدركوا معاني النصوص، وعرفوا طرق
القياس والاستنباط، ورد الشيء إلى المثل والنظير)).
قال: ((ودليل صحة ما قلناه، وأن هذه الأمور ليست في أنفسها مشتبهة: قوله: (لا يعرفها
كثير من الناس) وقد عقل ببيان فحواه أن بعض الناس يعرفونها، وإن كانوا قليلي العدد، فإذا
صار معلوماً عند بعضهم، فليس بمشتبه في نفسه، ولكن الواجب على من اشتبه عليه أن يتوقف،
ويستبرىء الشك، ولا يقدم إلا على بصيرة، فإنه إن أقدم على الشيء قبل التثبت والتبين لم يأمن
أن يقع في المحرم عليه، وذلك معنى الحمى، وضربه المثل به)).
وحاصل ما قال الخطابي أن كون هذه الأمور مشتبهة إضافي، بالنسبة إلى من لا يعرف
حكمها، والمراد من توقي الشبهات أن لا يقدم عليها إلا على بصيرة، فإن تبين له الحكم جاز له
الإقدام .

٥٧٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢ - إن المراد من المشتبهات ما تعارضت فيه أدلة الحل والحرمة، فإن رجح المجتهد
جانب الحلة لدليل بدا له، فإن هذه الحلة مشتبهة أيضاً، فالورع أن لا يقدم عليها لإمكان الخطأ
في اجتهاده. وإلى هذا المعنى يشير النووي تَُّ حيث يقول: ((فإذا تردد الشيء بين الحل
والحرمة ولم يكن نص ولا إجماع، اجتهد فيه المجتهد، فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، فإذا
ألحقه به صار حلالاً أو حراماً، وقد يكون دليله غير خال عن الاجتهاد، فیکون الورع تركه».
حاصل ذلك أن المراد من المشتبهات: هى الأمور الاجتهادية التي لم يرد فيها نص،
والمراد من توقي الشبهات الأخذ بالورع والاحتياط على سبيل التقوى، لا على سبيل الفتوى.
٣ - حكى العيني عن المأزري وغيره أن المراد من المشتبهات هي الأمور المكروهة،
والمقصود من الحديث الحض على تجنبها، فإن كثيراً من الناس لا يبالون بتعاطي المكروهات،
زعماً منهم بأنها ليست محرمة، فنبه الحديث على أن عملهم هذا يفضي إلى تعاطي المحرمات.
٤ - وقال بعض العلماء: إن المراد من المشتبهات، هي الأمور المباحة التي يحسن التورع
عنها، ومن ثم كان النبي وَلّ، والخلفاء بعده، وأكثر أصحابه كانوا يزهدون في المباحات،
فرفضوا التنعم بطيب الأطعمة، ولين اللباس، وحسن المساكن، وتلبسوا بضدها من خشونة
العيش، كما هو معلوم منقول من سيرهم.
تفصيل صور الاشتباه وأحكامها:
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: أما القول الثالث والرابع فضعيف، لأن المكروه والمباح
بمعزل عن المشتبهات، فتعين القولان الأولان، ولكن الذي يظهر أن المراد في الحديث جميع
صور الاشتباه في المسألة، والحكم الإجمالي في جميعها: هو الحذر والتوقي عن الوقوع فيها،
ثم هذا التوقي واجب في بعض الصور، ومستحب في الصور الأخرى.
وتفصيل ذلك أن الاشتباه لا يخلو إما أن يقع لعامي، أو لمجتهد، فإن وقع لعامي، فلا
يخلو، إما أن يقع لعدم معرفته بالحكم، وعدم سؤاله المجتهد عنه، فحكم التوقي حينئذٍ
للوجوب، فلا يجوز له الإقدام على المتشابهات، وإما أن يقع لاختلاف المفتين فيه، ولا سبيل
لترجيح أحد المفتين على الآخر علماً وورعاً، فحكم التوقي حينئذٍ للاستحباب.
وأما إذا وقع الاشتباه لمجتهد، فلا يخلو، إما أن يقع بسبب عدم اجتهاده في خصوص
تلك المسألة، فحكمه في تلك المسألة حكم العامي، وإما أن يقع بسبب تعارض الأدلة، وعدم
رجحان بعضها على بعض، فالتوقي واجب عليه أيضاً، لأن المحرم راجح على المبيح عند
استواء الأدلة، وإما أن يقع بسبب تعارض الأدلة مع ترجيح الإباحة على التحريم، فحينئذٍ يكون
التوقي مستحباً، والله سبحانه أعلم.

٥٧٩
كتاب: المساقاة
كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى. يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ. أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَّى. أَلاَ وَإِنَّ
حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ. أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ
فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ. أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ)).
قوله: (كالراعي يرعى حول الحمى) الحمى، بكسر الحاء، كل موضع حظره السلطان
لنفسه، ومنع الغير من الدخول فيه، وأكثر ما يستعمل في مراعي البهائم.
قال الحافظ في الفتح (١: ١١٨): ((وفي اختصاص التمثيل بذلك نكتة، وهي أن ملوك
العرب كانوا يحمون لمراعي مواشيهم أماكن مختصة، يتوعدون من يرعى فيها بغير إذنهم بالعقوبة
الشديدة، فمثل لهم النبي ◌ُّ بما هو مشهور عندهم، فالخائف من العقوبة المراقب لرضا الملك
يبعد عن ذلك الحمى خشية أن تقع مواشيه في شيء منه، فبعده أسلم له، ولو اشتد حذره، وغير
الخائف المراقب يقرب منه ويرعى من جوانبه، فلا يأمن أن تنفرد الشاذة، فتقع فيه بغير اختياره،
أو يمحل المكان الذي هو فيه ويقع الخصب في الحمى، فلا يملك نفسه أن يقع فيه، فالله
سبحانه هو الملك حقاً، وحماه محارمه)).
وقال شيخ مشايخنا الأنور كثّفُهُ: ((وعندنا يجوز الحمى للإمام فقط، كما كان عمر عظاته بنى
ربضة لخيل الجهاد، دون غيره، أما الملوك فكانوا يتخذون الحمى لأنفسهم، وذلك محظور في
الشرع، وأما حمى الله تعالى، فهو مطلوب لله تعالى أن لا يرعى عبده حوله، ففيه تشبيه محمود
بمذموم، ولا ينبغي أخذ المسائل والأحكام من التشبيهات، فاعلمه، فإنه مهم، وقد يغلط فيه
الناس، ثم الحديث إنما جاء على عرف الملوك وعاداتهم)) كذا في فيض الباري (١: ١٥٤).
ثم قد حكى أبو عمرو الداني عن بعض العلماء أن هذا التمثيل مدرج من كلام الشعبي،
وليس جزء للحديث، وقد رد عليهم الحافظ في الفتح وحقق أنه من كلام النبي وَل.
قوله: (مضغة) هو في اللغة قدر ما يمضغ، وعبر بها هنا عن مقدار القلب، فإنه صغير في
الرؤية، مع أن صلاح سائر البدن وفساده تابع له .
قوله: (إذا صلحت) بفتح اللام، وهو الأفصح، وحكى الفراء فيه الضم أيضاً، وهو ضد
الفساد، واتفقوا على أن اللام تضم في الماضي إذا صار الصلاح له هيئة لازمة الشرف ونحوه،
كذا في فتح الباري.
قوله: (ألا، وهي القلب) فإن نسبة القلب إلى سائر الجسد كنسبة الأمير إلى المأمور، وهو
الأصل، والأعضاء كالفروع له، وهو معدن العلوم والمعارف والأخلاق والملكات وهو بعد فنائه
في اللذات والهوى يسمى نفساً، كما في فيض الباري (١: ١٥٤).
واستدل به النووي تَخْلُهُ على أن العقل محله القلب، دون الدماغ، وفيه خلاف مشهور لا
نريد التشاغل به، غير أن الحديث غير دال على كون القلب محلاً للعقل، فإن مراد الحديث أن

٥٨٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٠٧١ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٤٠٧٢ - (٠٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ وَأَبِي فَرْوَةً
الْهَمْدَانِيِّ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْقَارِيَّ) عَنِ
ابْنِ عَجْلاَنَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ سَعِيدٍ. كُلُّهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ
النَّبِّ وَهَ بِهِذَا الْحَدِيثِ. غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ زَكَرِيَّاءَ أَتَمُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ، وَأَكْثَرُ.
٤٠٧٣ - (١٠٨) حدّثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
جَدِّي. حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلاَلٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ
عَامِرِ الشَّعْبِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ نُعْمَانَ بْنَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ، صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ وَهُوَ يَخْطُبُ
النَّاسَ بِحِمْصَ. وَهُوَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَه يَقُولُ: ((الْحَلَاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ)).
فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، إِلَى قَوْلِهِ: ((يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ).
(٢١) - باب: بيع البعير واستثناء ركوبه
٤٠٧٤ - (١٠٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ،
عَنْ عَامِرٍ. حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا. فَأَرَادَ أَنْ
يُسَيِّبَهُ. قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ◌َ.
القلب معدن الملكات والأخلاق، فإذا صلحت هذه الملكات والأخلاق الكامنة في القلب
صلحت أعمال الجوارح، وإن فسدت هذه الملكات صارت أعمال الجوارح جريئة على
المعاصي والمنكرات، ولا علاقة للحديث بكونه محلاً للعقل أصلاً .
وإن هذا الحديث أصل في علم الأخلاق والإحسان، ووجه تعلقه بما قبله كما ذكره
الحافظ، أن الأصل في الاتقاء والوقوع هو ما كان بالقلب، لأنه عماد البدن، والله سبحانه
أعلم.
(٢١) - باب: بيع البعير واستثناء ركوبه
١٩ - (٧١٥) - قوله: (حدثني جابر بن عبد الله) قد تقدم هذا الحديث في كتاب الرضاع،
باب استحباب نكاح البكر، وقد أسلفنا هناك تخريجه، وتقدمت سائر أجزاء القصة هناك أيضاً،
فراجع ذلك الباب لشرحها، ونريد أن نقتصر هنا على مسألة الشرط في البيع إن شاء الله تعالى.
قوله: (فأراد أن يُسَيِّبَهُ) أي: يطلقه، وليس المراد أن يجعله سائبة لا يركبه أحد كما كانوا
يفعلون في الجاهلية، لأنه لا يجوز في الإسلام. كذا في فتح الباري (٥: ٢٢٩).