Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
كتاب : المساقاة
الإجماع على تحريم لحم الميتة وعدم جواز بيعه، إلا ما استثني منها بالحديث من السمك
والجراد.
وقد اختلف العلماء في غير لحم الميتة، فقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله إن ما لا تحله
الحياة لا ينجس بالموت، فيجوز بيعه والانتفاع به كالشعر، والصوف، والظفر، والقرن
والحافر، والعظم.
وأما الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى فذهبا إلى نجاسة سائر أجزاء الميتة، وعدم جواز
بيعها مطلقاً، سواء منها اللحم والشعر وغيره، واستدلا بعموم حديث الباب.
واستدل العيني تَّفُ في عمدة القاري (٥: ٦٠٦) على مذهب الحنفية والمالكية بأن
النبي ◌َ لو كان له مشط من عاج، وهو عظم الفيل، وهو غير مأكول، فدل على طهارة عظمه وما
أشبهه. واعترض عليه الشافعية بأن المراد من العاج في الحديث عظم السمك، وهو الذيل.
وأجاب عنه العيني بأن قال الجوهري: العاج: عظم الفيل، وكذا قاله في العباب. وفي
المحكم: ((العاج: أنياب الفيل، ولا يسمى غير الناب عاجاً، وقال الخطابي: العاج: الذيل،
وهو خطأ)) وفي العباب: الذيل: ظهر السلحفاة البحرية، تتخذ منها السوار والخاتم وغيرهما،
وقال جرير:
ترى العبس الحولي جوناً بلوغها
لها مسكاً من غير عاج ولا ذبل
فهذا يدل على أن العاج غير الذبل.
وقد روى الدارقطني من حديث ابن عباس، قال: ((إنما حرم رسول الله وَلو من الميتة
لحمها، فأما الجلد والشعر والصوف فلا بأس به)).
وروى أيضاً من حديث أم سلمة ◌ُنا، تقول: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((لا بأس
بمسك الميتة إذا دبغ، ولا بأس بصوفها وشعرها وقرونها إذا غسل بالماء)).
واعترض على الحديثين بأن في إسناد الأول عبد الجبار بن مسلم، وضعفه الدارقطني،
وفي إسناد الثاني: يوسف بن أبي السفر، قال الدارقطني: هو متروك.
وأجاب عنه العيني في العمدة (٥: ٦٠٧) بأن عبد الجبار بن مسلم ذكره ابن حبان في
الثقات، وأما يوسف، فإنه لا يؤثر فيه الجرح إلا بعد بيان جهته، فإن الجرح المبهم غير مقبول
عند الحذاق من الأصوليين، وكان هو كاتب الأوزاعي.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: أما عبد الجبار بن مسلم فقد ذكر الذهبي في الميزان أنه
ضعيف ولا أعرفه، ولكن علق عليه الحافظ في لسان الميزان (٣: ٣٨٩) بما يأتي: ((وذكره ابن

٥٢٢٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَالْخِنْزِيرِ
حبان في الثقات، فقال: هو أخو الوليد بن مسلم، يروي عن الزهري، عن عبيد الله، عن بن
عباس رضيًّا، قال: إنما حرم من الميتة لحمها، رواه محمد بن عبد الرحمن ابن سهم عن الوليد بن
مسلم، عن أخيه. وعجيب من قول المؤلف (يعني الذهبي) لا أعرفه، وله ترجمة في تاريخ ابن
عساكر، وساق حديثه المذكور من طرق، وفي بعضها: قال تمَّام: لم يسند عبد الجبار بن مسلم
إلا هذا الحديث، قلت: ولم يرو عنه غير الوليد، وقال يعقوب ابن سفيان في تاريخه: سألت
هشام بن عمار عنه، فقال: كان يركب الخيل، ويتنزه، ويتصيد، وهذا الوصف مع رواية أخيه
عنه یرفع جهالة عينه)) .
وأما يوسف بن أبي السفر، أبو الفيض، الدمشقي فالظاهر أن الجرح فيه صحيح، قد
ضعفه الدارقطني، والحاكم، ويحيى بن معين والجوزجاني، والنسائي والدولابي، والساجي،
والعقيلي، ودحيم، وابن عدّي، ونسبه بعضهم إلى الكذب، وساق له الذهبي في الميزان (٤:
٤٦٦) متوناً منكرة لم يتابع عليها، وذكر الحافظ في اللسان (٦: ٣٢٣) عن ابن عبد البر، قال:
((أجمعوا على أنه منكر الحديث)) ولم أجد أحداً وثقه.
ولكن يكفي لصحة استدلال الحنفية قول ابن عباس ، وما تقدم أن النبي و لو كان له
مشط من عاج.
واستدل بهذا الحديث أيضاً على أنه لا يجوز بيع ميتة الآدمي مطلقاً سواء فيه المسلم
والكافر، أما المسلم فلشرفه وفضله، حتى أنه لا يجوز الانتفاع بشيء من شعره وجلده وجميع
أجزائه. وأما الكافر فلأن نوفل بن عبد الله بن المغيرة لما اقتحم الخندق وقتل، غلب المسلمون
على جسده، فأراد المشركون أن يشتروه منهم، فقال وَلجر: لا حاجة لنا بجسده، ولا بثمنه،
فخلى بينهم وبينه، ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل السير. قال ابن هشام: أعطوا رسول الله وَل
بجسده عشرة آلاف درهم فيما بلغني عن الزهري. وروى الترمذي من حديث ابن عباس أن
المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين، فأبى النبي ◌َّ أن يبيعهم، كذا في عمدة
القاري (٥ : ٦٠٦).
وقد استدل بعضهم بهذا الحديث على نجاسة ميتة الآدمي، إذ هو محرم الأكل والبيع، ولا
ينتفع به. ولكن رد عليه العيني تغذّفُ بأن عموم الحديث مخصوص بقوله وَل﴾: ((لا تنجسوا
موتاكم، فإن المسلم لا ينجس حياً ولا ميتاً)) رواه الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس،
وقال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.
قوله: (والخنزير) قد وقع الإجماع على العمل بهذا الحديث في المنع من بيع الخنزير،
وذكر النووي والحافظ في الفتح (٥: ٣٥٢) عن العلماء أن العلة في منع بيع الميتة والخمر
والخنزير النجاسة، فيتعدى ذلك إلى كل نجاسة، ولذلك ذكر العيني عن القرطبي أن الشافعية

٥٢٣
كتاب: المساقاة
وَالأَصْنَامِ)) فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ
والمالكية لا يجيزون بيع ما كان محرماً نجساً فيه منفعة، كالزبل، والعذرة: وهو مذهب أحمد،
كما في المغنى لابن قدامة ٤: ٢٥٦.
وأما أبو حنيفة تَُّهُ، والكوفيون، والطبري رحمهم الله، فقد ذهبوا إلى جواز بيع السرقين
والعذرة كما في عمدة القاري، ورد المحتار (٤: ١١٦) وكل ما فيه منفعة مباحة لأن مدار حلة
البيع ليس على طهارة المبيع عندهم، وإنما مداره على كونه منتفعاً به في صورة ما، فكل ما
كانت فيه منفعة مباحة جاز بيعه، والعلة في تحريم الميتة والخنزير والخمر حرمة الانتفاع بهذه
الأشياء.
ثم إن سائر أجزاء الخنزير نجسة لا يحل الانتفاع بها في صورة ما، ولكن أجاز فقهاء
الحنفية استعمال شعوره للخرز للضرورة، فإن ذلك العمل لا يتأتى بدونه، وذكر صاحب الهداية
في باب البيع الفاسد أنه لا يجوز بيعها مع جواز الانتفاع بها لأنها توجد مباحة الأصل، فلا
ضرورة إلى البيع، ولكن قال الفقيه أبو الليث: ((فلو لم يوجد إلا بالشراء جاز شراؤه الشمول
الحاجة إليه)) ذكره ابن الهمام في فتح القدير (٥: ٢٠٢) وزاد البابرتي في العناية: ((لكن الثمن لا
یطیب للبائع)).
وقد راج في عصرنا استعمال شعور الخنزير في الفرشات التي تصبغ بها الجدران، فهل
يجوز ذلك قياساً على جواز الخرز بها؟ الظاهر: لا، لأن الضرورة إنما تتأتى إذا لم يمكن العمل
بدونها، كما قدمنا عن الهداية. وأما عمل الفرشات فيمكن بشعور سوى شعر الخنزير، فلم
تتحقق الضرورة، والذي أرى أن لا يجوز اليوم الخرز بشعر الخنزير أيضاً، لأنه قد أمكن الآن
الخرز بغيره، فقد ظهرت اليوم مواد كثيرة يمكن استعمالها في الخرز بدل شعر الخنزير، وحرمة
الخنزير منصوصة قطعاً، فلا سبيل إلى المساهمة في أمره، والله سبحانه أعلم. ثم رأيت في ذلك
نصاً من العلامة المقدسي تَغْذَهُ حيث قال: ((وفي زماننا استغنوا عنه، أي فلا يجوز استعماله
لزوال الضرورة الباعثة للحكم بالطهارة» حكاه ابن عابدين في رد المحتار (١ : ٢٠٦) طبع مصر.
فالحمد لله على الموافقة.
قوله: (والأصنام) جمع صنم، وهو الوثن، وفرق بعضهم بينهما بأن الوثن ما له جثة،
والصنم ما كان مصوراً، فبينهما عموم وخصوص وجهي، فإن كانت الجثة مصورة فهي وثن،
وصنم جميعاً، كما في فتح الباري (٤: ٣٤١).
وظهر من ذلك أن الصورة إذا لم يكن لها جثة، كالصور المرسومة على القرطاس وغيره،
داخلة في الأصنام، وإن لم تكن داخلة في الأوثان، فلا يجوز بيعها بهذا الحديث. ولكن هذا
المنع إنما هو في بيع الصورة بقصد الصورة، وأما إذا كسر الصنم وأمكن الانتفاع برضاضه فبيعه

٥٢٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يُظْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: ((لاَ. هُوَ حَرَامٌ)) ثُمَّ قَالَ
جائز عند بعض الحنفية والشافعية رحمهم الله، وكذلك الحكم في الصلبان، كما في عمدة
القاري (٥ : ٦٠٦).
قوله: (يطلى بها السفن) ذكرت ههنا ثلاث طرق للانتفاع بشحم الميتة: الأولى: تطلية
السفن، ولعلهم كانوا يفعلون ذلك لصيانة السفن عن مضار هواء البحر، والثانية: الادهان بها
للجلود، وكانوا يضمدون شحم الميتة على الجلود لإحكامها، وفي قوله: (يدهن بها الجلود)
نسختان: تشديد الدال على كونه من باب الافتعال، وتشديد الهاء على كونه من باب التفعيل،
ذكرهما علي القاري في المرقاة (٦: ٣٩). والطريقة الثالثة: هي الاستصباح، يعني تنوير
المصابيح بها، وإيقاد السرج منها، والمقصود أن شحم الميتة ينتفع به بهذه الطرق، فهل يجوز
بيعها؟
قوله: (لا، هو حرام) قال أكثر الشافعية: إن هذا الضمير المرفوع راجع إلى بيع الشحم
دون الانتفاع به، فيجوز عندهم الانتفاع بشحم الميتة بالطرق المذكورة، أو بغيرها، ولكن لا
يجوز بيعه، كما صرح به النووي والحافظ وغيرهما. وأما الجمهور - ومنهم الحنفية - فعلى أن
شحم الميتة لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به أصلاً، فكأنهم جعلوا الضمير راجعاً إلى الانتفاع
بالطريق المذكورة، ويؤيد الجمهور لفظ ابن ماجه: (لا، هن حرام).
وقد ذكر الحافظ في الفتح (٤: ٣٥٢) أن الخطابي تغلفهُ استدل على جواز الانتفاع بشحم
الميتة بإجماعهم على أن من ماتت له دابة ساغ له إطعامها لكلاب الصيد، فكذلك يسوغ دهن
السفينة بشحم الميتة، ولا فرق.
وأجاب عنه شيخنا في إعلاء السنن (١٤: ٨٥) بأننا لا نجوز الإطعام، وإنما نجوز أن
تطعمه الكلاب بأنفسها، ولا نتعرض لهم بالمنع من ذلك، لأن الكلاب ليست مكلفة.
وأما الزيت والسمن ونحوهما من الأدهان التي أصابتها نجاسة خارجية ففيها خلاف بين
العلماء، فقال أحمد بن حنبل، وعبد الملك بن الماجشون، وأحمد بن صالح: لا يجوز الانتفاع
بشيء من ذلك، وقال الجمهور: يجوز الانتفاع بها في غير الأكل، وهو قول أبي حنيفة
وأصحابه، ومالك، والشافعي، والثوري، والليث بن سعد، وروي نحوه عن علي، وابن عمر،
وأبي موسى، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، كما في شرح النووي، وأجاز أبو حنيفة
والليث بيع الزيت النجس إذا بينه .
ولعل الفرق، على مذهب الحنفية، بين شحم الميتة والزيت النجس: أن حرمة الانتفاع
بشحم الميتة منصوصة في هذا الحديث، لزيادة التنفير عنها، ولم يرد نص على حرمة الانتفاع بما
تنجس بأسباب خارجية، ولا ينبغي أن يقاس على شحم الميتة، لأن الشريعة بالغت في التنفير

٥٢٥
كتاب: المساقاة
رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهَ، عِنْدَ ذُلِكَ: ((قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ. إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا.
أَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ. فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ)) .
٤٠٢٥ - (٠٠٠ ) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ. قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللّهِ وَ عَامَ الْفَتْحَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ (يَعْنِي أَبَا عَاصِم)
عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ. حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ. قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ عَطَاءٌ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بَّنَ
عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَله، عَامَ الْفَتْحِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ.
٤٠٢٦ - (٧٢) حدّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
(وَاللَّفْظ لأَبِي بَكْرٍ). قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنٍ
عَبَّاسٍ، قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْراً. فَقَالَ:
عن الخمر، والخنزير، والميتة، فجعلت عينها نجساً، وليس الأمر كذلك في المتنجسات
الأخرى، والله أعلم.
قوله: (أَجْمَلُوهُ) يعني: أذابوه، والإجمال، والتجميل، والجمل من باب نصر: إذابة
الشحم، والجميل: الشحم يذاب فكلما قطر وكف على الخبز، ثم أعيد، كذا في لسان العرب
(١٣ : ١٣٤).
قوله: (ثم باعوه) وإنما فعلوا ذلك ليزول عنه اسم الشحم، ويصير ودكاً، فإن العرب إنما
تسميه شحماً قبل الإذابة، وأما بعد الإذابة فهو ودك، وراجع المرقاة (٦: ٤٠) ودل الحديث
على أن مجرد تغير الإسم لا يؤثر في حل الشيء وحرمته، ما لم تتغير حقيقته.
(٠٠٠) - قوله: (كتب إليَّ عطاء) فيه تصريح بأن يزيد بن أبي حبيب لم يسمعه من عطاء،
وإنما كتب به إليه، فالعنعنة في الرواية السابقة محمولة على الكتابة، والله أعلم.
٧٢ - (١٥٨٢) - قوله: (عن ابن عباس) أخرجه البخاري في البيوع، باب لا يذاب شحم
الميتة ولا يباع، والنسائي في الفرع والعتيرة، باب النهي عن الانتفاع بما حرم الله عز وجل،
وابن ماجه في الأشربة، باب التجارة في الخمر.
قوله: (أن سَمُرَةَ بَاعَ خَمْرَاً) وفي رواية الحميدي عند البخاري: (أن فلاناً باع خمراً)
والمراد منه سمرة بدليل رواية مسلم وغيره، وسمرة هذا: هو سمرة بن جندب رضي ◌ُه، كما وقع
مصرحاً في رواية الزعفراني عند البيهقي.
واختلف العلماء في كيفية بيع سمرة بن جندب رُّه الخمر، على أربعة أقوال:
١ - إنه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية، فباعها منهم، معتقداً جواز ذلك، وهذا

٥٢٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ. أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ. حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ
الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا)).
٤٠٢٧ - (٠٠٠) حدّثنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبْعٍ. حَدَّثَنَا رَوْحٌ (يَعْنِي
ابْنَ الْقَاسِمِ) عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ ، مِثْلَهُ.
٤٠٢٨ - (٧٣) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةً. حَدَّثَنَا
ابْنُ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
حكاه ابن الجوزي عن ابن ناصر، ورجحه، وقال: كان ينبغي له أن يوليهم بيعها، فلا يدخل في
محظور، وإن أخذ أثمانها منهم بعد ذلك، لأنه لم يتعاط محرماً، ويكون شبيهاً بقصة بريرة،
حيث قال: هو عليها صدقة، ولنا هدية.
٢ - وقال الخطابي يجوز أن يكون باع العصير ممن يتخذه خمراً، والعصير يسمى خمراً،
كما قد يسمى العنب به، لأنه يؤول إليه، وقال: ولا يظن بسمرة أنه باع عين الخمر بعد أن شاع
تحريمها، وإنما باع العصير.
أو يمكن أيضاً أن يكون خلل الخمر، ثم باع الخل، معتقداً جوازه، كما هو مذهب أبي
حنيفة، وأما إنكار عمر على ذلك، فيمكن أن لا يجوز التخليل عنده، كما هو مذهب
الشافعي تكلّتُهُ .
٤ - قال الإسماعيلي: إن سمرة علم بتحريم الخمر، ولم يعلم تحريم بيعها، ولذلك اقتصر
عمر ر ◌ُه على ذمه دون عقوبته .
وقد رجح القرطبي وابن الجوزي الوجه الأول. ثم ذكر ابن الجوزي أن سمرة كان والياً
لعمر على البصرة، ولكن رد عليه الحافظ في الفتح (٤: ٣٤٤) بأن سمرة إنما ولي على البصرة
لزياد وابنه عبيد الله بعد عمر بدهر، وولاة البصرة لعمر قد ضبطوا، وليس منهم سمرة، ويحتمل أن
يكون بعض أمرائها استعمل سمرة على قبض الجزية، والله أعلم. هذا ملخص ما في فتح الباري.
قوله: (قاتل الله سَمُرَةَ) قال ابن الأثير في جامع الأصول (١: ٤٥١): (أي: قتله، وهو في
الأصل: فاعل من القتل، ويستعمل في الدعاء على الإنسان، وقيل: معناه: عاداه الله، والأصل
الأول) قلت: وربما تطلق هذه الكلمة، ولا يراد بها معناها الأصلي، ولا الدعاء على الإنسان،
وإنما تطلق على طريق البساطة في الكلام، كقولهم (تربت يداك) و(رغم أنفك) و(ويحك)
و(ويلك) فالظاهر أن عمر ربه إنما أطلقها بهذا الطريق، ولم يرد بها الدعاء حقيقة، وهو الظن
بالصحابة
٧٣ - (١٥٨٣) - قوله: (عن أبي هريرة) أخرجه أيضاً البخاري في البيوع، باب لا يذاب
شحم الميتة ولا يباع.

٥٢٧
كتاب: المساقاة
عَنْ رَسُولِ اللّهِ بَلِهِ. قَالَ: ((قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ. حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا
أَثْمَانَھَا» .
٤٠٢٩ - (٧٤) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: («قَاتَلَ اللَّهُ
الْيَهُودُ. حُرِّمَ عَلَيْهِمُ الشَّحْمُ فَبَاغُوهُ وَأَكَلُوا ثَمَنَهُ)).
قوله: (فباعوها) يعني بالحيلة المذكورة من إذابة الشحم. واستدل به من حرم استعمال
الحيل مطلقاً، والحق - كما قال الآلوسي في روح المعاني (٢٣: ٢٠٩) تحت قوله تعالى:
﴿فَأَضْرِب ◌ِّهِ، وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] - أن الحيلة كلما أوجبت إبطال حكمة شرعية لا تقبل، كحيلة
سقوط الزكاة، وسقوط الاستبراء، وأما إذا توصل بها الرجل إلى ما يجوز فعله، ودفع المكروه
بها عن نفسه، وعن غيره، فلا بأس بها، وقال السرخسي تَغْلَفُ في كتاب الحيل من المبسوط
(٣٠: ٢١٠): ((فالحاصل أن ما يتخلص به الرجل من الحرام، أو يتوصل به إلى الحلال من
الحيل، فهو حسن، وإنما يكره ذلك أن يحتال في حق الرجل، حتى يبطله، أو في باطل حتى
يموهه، أو في حق حتى يدخل فيه شبهة، فما كان على هذا السبيل فهو مكروه، وما كان على
السبيل الذي قلنا أولاً، فلا بأس به)) واستدل على جواز الحيلة المشروعة بقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْتًا
فَأَضْرِبِ بِهِ، وَلَا تَحْنَثُّ﴾ [ص: ٤٤] فإن ذلك تعليم حيلة، وبقوله تعالى: ﴿فَلَنَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ
السِّقَايَةً فِ رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠] فإنه حيلة، وجاء السرخسي ◌َُّ بعدة أحاديث وآثار تدل على
جوازها .
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ومن أقوى ما يدل على جواز الحيلة المشروعة ما أخرجه
الشيخان والنسائي عن أبي سعيد وأبي هريرة: ((أن رسول الله وَلقر استعمل رجلاً على خيبر،
فجاءهم بتمر جنيب، فقال: أكل ثمر خيبر هكذا؟ قال: إنا لنأخذ الصاع بالصاعين، والصاعين
بالثلاث، قال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً)) وسيأتي الحديث عند
المصنف في باب بيع الطعام مثلاً بمثل، وإنما هو تعليم حيلة للتوصل إلى طريق حلال، فما كان
من هذا القبيل فهو جائز قطعاً، وأما حيلة اليهود في تحليل السبت وبيع الشحوم وأكل ثمنها،
فكانت من قبيل إبطال الحكمة الشرعية، فإن الشريعة قصدت منعهم عن الصيد يوم السبت، وعن
أكل الشحوم وبيعها، ففعلوا ما حصل منه ذلك بعينه، وإنما غيروا الطريق أو التعبير، وقدمنا أن
مجرد تغيير الاسم لا يؤثر في حل الشيء وحرمته، حتى تتغير حقيقته، فمن أجل ذلك عابهم
رسول الله وَير، والله أعلم.
٧٤ - (٠٠٠) - قوله: (وأكلوا ثمنه) وزاد أبو داود وأحمد في حديث ابن عباس: ((وإن الله
إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه)) فاستدل به من حرم بيع كل محرم الأكل، وأجاب
عنه المارديني في الجوهر النقي: ((إن قوله: إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه، خرج على شحوم

٥٢٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١٤) - باب: الربا
الميتة التي حرم أكلها والانتفاع بشيء منها، وكذا الخمر، أي إذا حرم أكل شيء ولم يبح
الإنتفاع به حرم ثمنه، ولم يعن ما أبيح الإنتفاع به، بدليل إجماعهم على بيع الهر، والفهد،
والسباع المتخذة للصيد، والحمر الأهلية، وقال ابن حزم: وممن أجاز بيع المائع تقع فيه
النجاسة والإنتفاع به عليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وأبو موسى الأشعري، وأبو سعيد
الخدري، والقاسم، وسالم، وعطاء، والليث، وأبو حنيفة، وسفيان، وإسحاق، وغيرهم))
وراجع أيضاً إعلاء السنن (١٤: ٨١ إلى ٨٣) باب حرمة بيع الخمر والميتة والخنزير. والله
سبحانه وتعالى أعلم.
(١٤) - باب: الربا
أريد قبل الشروع في شرح أحاديث الربا أن آتي بمقالة تتحدث عن حقيقة الربا وأقسامه،
وأدلة حرمته، وحكم ما يتعامل به اليوم باسم ((الفائدة))، فإن أسواق العالم اليوم قد أكتظت
بالمعاملات الربوية، وقامت طائفة تدعي أن هذه المعاملات لا تدخل في الربا الذي نهى عنه
القرآن والسنة، فلا بد من الاطلاع على ما قيل أو يقال في عصرنا هذا، وتفنيد ما يثار حول
حرمة الربا من شبه عقلية أو نقلية.
معاني كلمة الربا:
فالربا في اللغة: الزيادة، وقد أطلقت هذه الكلمة في القرآن والسنة على خمسة معان:
الأول: ربا النسيئة، وهو أخذ الزيادة على القرض، وبهذا المعنى جاءت آيات الربا في
أواخر سورة البقرة.
الثاني: ربا الفضل، يعني الزيادة في مبادلة مالين متحدي القدر والجنس، وهذا المعنى هو
المراد في أحاديث هذا الباب، وسيأتي تفصيله في الكلام على تلك الأحاديث إن شاء الله
تعالی.
الثالث: أن يهدي الرجل إلى آخر شيئاً بنية أن يكافئه ذلك الرجل بأكثر، وقد ذهبت جماعة
من المفسرين إلى أن هذا المعنى هو المراد في قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَيْتُم مِّن رِّبًا لِيَرْبُواْ فِىِّ أَمَوَلِ
النَّاسِ فَلَ يَرّيُواْ عِندَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وراجع تفسير ابن جرير (٢١: ٢٧).
الرابع: كل معاملة مالية غير مشروعة، وقد ذهبت جماعة من المفسرين إلى أن هذا المعنى
هو المراد في قوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرَّواْ وَقَدْ نُهُواْ عَنَّهُ﴾ [النساء: ١٥٩] وراجع تفسير القرطبي (٣:
٣٤٨)، وبهذا المعنى أول كثير من المفسرين آية الروم، كما في تفسير ابن جرير (٢١: ٢٧).
الخامس: قد أطلقت كلمة الربا في بعض الأحيان على كل عمل غير مشروع يتضمن معنى

٥٢٩
كتاب: المساقاة
.
٠٠٠
..
الزيادة في صورة من الصور، كما في الحديث المرفوع: ((إن أربى الربا استطالة الرجل في عرض
أخيه)) وراجع كنز العمال (٢: ٢١٤، رقم: ٤٦٣٢)، وكذلك أخرج ابن أبي حاتم في علله (١ :
٣٩٨، رقم: ١١٩٣) عن الحسن مرسلاً: ((ما زاد من الدعوة على يومين فهو رباً)) وكذلك أخرج
أحمد عن ابن عباس مرفوعاً: ((السلف في حبل الحبلة رباً)) كما في الفتح الرباني (١٥: ٨٣)،
ولا شك أن كلمة الربا إنما أطلقت في هذه الأحاديث على عمل غير مشروع، وليس هو من ربا
النسيئة في شيء.
ولكن استعمال هذه الكلمة في هذه المعاني الثلاث الأخيرة شاذ، على كونه مجازياً،
وأكثر ما تستعمل الكلمة في معنى النسيئة أو ربا الفضل، فأما ربا الفضل فأحكامه مشروحة في
أحاديث هذا الباب، وسيأتي الكلام عليها في شرحها إن شاء الله، فلنقتصر في هذه المقالة على
ربا النسيئة، وهو الذي حرمه القرآن الكريم، وأوعد عليه في الكتاب والسنة بمواعيد شديدة
عنيفة، وهو الذي راجت سوقه في عصرنا الحاضر في أكثر المعاملات المالية.
ربا النسيئة وأقسامه:
وقد عرفه الإمام أبو بكر الجصاص تقَّهُ في أحكام القرآن (١: ٥٥٧) بقوله: ((هو القرض
المشروط فيه الأجل، وزيادة مال على المستقرض)) وإن هذا التعريف يشمل سائر أنواع ربا
النسيئة. وكان هذا الربا محرماً في سائر الأديان السماوية، وتوجد نصوص تحريمه حتى الآن في
مجموعة الكتاب المقدس. وراجع سفر الخروج (٢٢: ٢٥)، وسفر الأحبار (٢٥: ٣٥)، وسفر
التثنية (٢٣: ٢٠)، من أسفار التوراة، وزبور داود ظلّلا (١٥: ٥) وسفر أمثال سليمان ظلَّلا
(٢٨: ٨)، وسفر نحمياه (٥: ٧)، وسفر حزقيل ظَّلا (١٨: ٨ و١٣ و١٧ و٢٢: ١٢).
وقد قامت في عصرنا شرذمة من المتجددين المستغربين، تدعي أن ربا البنوك والمؤسسات
التجارية الأخرى، ليست ربا منهياً عنه، وأولوا آيات الربا وأحاديثه بتأويلات مختلفة:
فقالت جماعة منهم: إنما المحرم من الربا ما جاوز قدره على أصل القرض، فأما إذا
اشترطت الزيادة اليسيرة على رأس المال فإنها ليست محرمة، واعتلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوْاْ أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣٠] قالوا: إن الله سبحانه وتعالى قيد
النهي عن الربا بكونه أضعافاً مضاعفةً، فظهر أن مطلق الربا ليس بحرام.
وإنّ هذا النوع من الاستدلال يقل من أن يذكر في كتاب علمي، أو يرد عليه بأدلة علمية،
غير أن الجهل قد شاع في عصرنا، فجعل الناس يغترون بأمثال هذه الدلائل، فأردنا أن نأتي
بتفنيدها ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة .
فالحق أن الآيات القرآنية والأحاديث الثابتة ناطقة بأن الربا حرام مطلقاً، سواء كان قليلاً

٥٣٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٠٠
قدره، أو كثيراً، وأما قوله تعالى: ﴿أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ﴾ فليس قيد لحرمة الربا، وإنما هو بيان
الصورة مخصوصة من الربا كانت رائجة عند العرب، وليس المراد منه أن الربا جائز إن لم يكن
أضعاف رأس المال، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِتَابَتِى ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] فإنه لا يستلزم أن
بيع الآيات الإلهية جائز إذا كان الثمن كثيراً. فكما إن قيد الثمن القليل ليس احترازياً في هذه
الآية، فكذلك قيد الأضعاف ليس احترازياً في الآية المذكورة. ويدل على ذلك دلائل تالية:
١ - قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ اُلِبَوَاْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:
٢٧٨] فإنه أمر بترك كل مقدار من الربا، دون أي تفصيل بين القليل والكثير.
٢ - قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ اُلْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِّيَوْ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فإنه يدل على أن الربا حرام
مطلقاً، ولا فرق بين قليله وكثيره.
٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُهُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]
فإنه صريح في أن الدائن لا حق له إلا في رأس المال وكل ما زاد عليه فهو رباً حرام، وقد دل
قوله تعالى: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ أن كل زيادة على رأس المال داخل في الظلم، سواء
كانت تلك الزيادة قليلة أو كثيرة، ولذلك يقول قتادة بن دعامة الدوسي - التابعي المفسر الكبير
- تَذَتُهُ: ((ما كان لهم من دين فجعل لهم أن يأخذوا رؤوس أموالهم، ولا يزدادوا عليه شيئاً)) كما
في تفسير ابن جرير (٣: ٦٧).
٤ - قد أخرج ابن أبي حاتم والشافعي عن عمرو بن الأحوص، أن رسول الله وَ لّم قال:
((ألا إن كل رباً كان في الجاهلية موضوع عنكم كله، لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا
تظلمون، وأول رباً موضوع ربا العباس بن عبد المطلب كله)) ذكره ابن كثير في تفسيره (١ :
٣٣١) .
٥ - ذكر البخاري في كتاب الاستقراض، باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى، قول ابن
عمر ◌ًِّا، تعليقاً: ((قال ابن عمر في القرض إلى أجل لا بأس به، وإن أعطى أفضل من دراهمه
ما لم يشترط)) ودل ذلك على أن اشتراط الأفضل من الدراهم رباً عند ابن عمر، فظهر أن
الصحابة وّ كانوا يعتبرون كل زيادة على القرض رباً، ويحرمونها .
٦ - أخرج الحارث ابن أبي أسامة في مسنده عن علي رضيبه مرفوعاً: ((كل قرض جر منفعة
فهو رباً)) ذكره السيوطي في الجامع الصغير (٦: ٩٤، رقم: ٦٣٣٦)، وضعفه المناوي في فيض
القدير ٥: ٢٨ ولكن جعله العزيزي في السراج المنير (٣: ٨٦) حسناً لغيره، لتعدد طرقه .
٧ - أخرج البيهقي في سننه (٥: ٣٥٠) عن فضالة بن عبيد رَّه موقوفاً: ((كل قرض جر
منفعة فهو وجه من وجوه الربا)).

٥٣١
كتاب: المساقاة
٠٠
٨ - أخرج مالك في الموطأ، باب حرّم الله الربا، عن ابن عمر قال: ((من أسلف سلفاً فلا
يشترط إلا قضاؤه)).
٩ - أخرج مالك أيضاً في الباب المذكور أن عبد الله بن مسعود رضيالله كان يقول: ((من
أسلف سلفاً فلا يشترط أفضل منه، وإن كان قبضة من علف فهو رباً)).
١٠ - أخرج البخاري (١: ٥٣٨) في المناقب، باب مناقب عبد الله بن سلام عن أبي بردة،
قال: ((أتيت المدينة، فلقيت عبد الله بن سلام، فقال: ألا تجيء؟ فأطعمك سويقاً وتمراً؟ وتدخل
في بيت؟ ثم قال إنك بأرض الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق، فأهدى إليك حمل
تبن، أو حمل شعير، أو حمل قت، فلا تأخذه، فإنه رباً)).
فانظر كيف جعل عبد الله بن سلام كل زيادة على أصل الدين رباً؟ مع أنها لم تكن
مشروطة في أصل العقد، ولكنه جعلها رباً لكونها معروفة فيما بينهم، والمعروف كالمشروط.
١١ - أخرج البيهقي في سننه (٥: ٣٥٠) عن يزيد بن أبي يحيى، قال سألت أنس بن
مالك، فقلت: يا أبا حمزة، الرجل منا يقرض أخاه المال، فيهدي إليه، فقال: قال رسول
الله ◌َله: ((إذا أقرض أحدكم قرضاً، فأهدى إليه طبقاً، فلا يقبله، أو حمله على دابة، فلا
يركبها، إلا أن يكون بينه وبينه قبل ذلك)).
١٢ - أخرج البيهقي أيضاً عن ابن سيرين، قال: قال رجل لابن مسعود: إني استسلفت من
رجل خمسمائة، على أن أعيره ظهر فرسي، فقال عبد الله: ((ما أصاب منه فهو ربا)) ومراسيل ابن
سيرين من أصح المراسيل.
١٣ - أخرج البيهقي أيضاً عن ابن عباس أنه قال في رجل كان له على رجل عشرون درهماً
فجعل يهدي إليه، وجعل كلما أهدى إليه هدية باعها، حتى بلغ ثمنها ثلاثة عشر درهماً فقال ابن
عباس: ((لا تأخذ منه إلا سبعة دراهم)).
وإن أمثال ذلك كثيرة في ذخيرة الأحاديث والآثار، وفيما ذكرنا كفاية لطالب حق، وإن
هذه الدلائل بأجمعها تدل على أنه لم يكن بين الربا القليل أو الكثير أي فرق، لا في القرآن،
ولا في السنة، ولا عند الصحابة الكرام الذين كانوا أول من تلقى أحكام الشريعة من فم الشارع
عليه الصلاة والسلام.
الفرق بين ديون الاستثمار وديون الاستهلاك:
وهناك جماعة أخرى من المتجددين، تعتل لجواز ربا البنوك بالتفريق بين ديون الاستثمار،
وديون الاستهلاك، وتقول: كان الناس في الجاهلية وفي عهد الرسول وَل يستدينون لحاجاتهم
الوقتية، وأغراضهم الشخصية ولم يكن غرض المستقرض إلا استهلاك ما استقرضه في سد

٥٣٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حاجته الوقتية، كسد الفاقات، ومعالجة المرضى، وتكفين الأموات، فمطالبة الزيادة على مثل
هذه الديون كانت قساوة وظلماً، ومن ثم نهى عنها الله سبحانه وتعال أشد النهي وآذن عليها
بحرب من الله ورسوله .
وأما البنوك والمؤسسات المالية الحديثة، فلا يكون المستقرض فيها رجلاً معدماً أو
مفلساً، ولا يستقرض لسد حاجته الشخصية، وإنما يكون المستقرضون فيها رجالاً أثرياء، ولا
يستقرضون الأموال إلا للتجارة أو الاستثمار، ويحصلون بها على أرباح جمة، وأموال موفرة،
فلو طالبهم المقرض بزيادة على رأس المال لم يكن ذلك من القساوة والظلم في شيء، ولا
يوجد فيه ذلك المعنى الذي حرم لأجله الربا .
خلاصة ما قالوا: إن القرض على نوعين:
الأول: قرض استهلاك، وذلك ما قصد به المستقرض سد حاجته الشخصية، واستهلاك ما
استقرضه فيها .
والثاني: قرض استثمار، وذلك ما قصد به المستقرض التجارة فيه، أو الاستثمار به
والاسترباح منه .
فيقولون: إن الربا المحرم إنما هو زيادة شرطت في قرض استهلاك، وأما الزيادة
المشروطة في قرض استثمار، فليس رباً وإنما هو ما يسمى في علم الاقتصاد (فائدة) (Interest).
ودليلهم في ذلك: أن قرض الاستثمار لم يكن موجوداً ولا متصوراً في عهد نزول القرآن،
وإنما هو شيء محدث، تعامل به الناس بعد الثورة الصناعية في أوربا، فلا يمكن أن يكون
المراد من الربا في القرآن الزيادة المأخوذة على هذا النوع المحدث من القرض، الذي لم يكن
موجوداً حينئذ وإنما أراد القرآن بالربا: الزيادة في النوع الأول من القرض، فإنه كان شائعاً في
عهد نزول القرآن .
ولكن هذا الاستهلاك منهم باطل، وذلك لأنه يقوم على أساسين :
الأول: إن قرض الاستثمار لم يكن موجوداً في عهد نزول القرآن.
والثاني: أن ما لم يكن موجوداً في عهد نزول القرآن، لا يمكن أن يحرمه القرآن. وكلا
هذين الأساسين باطل. أما الثاني فبطلانه ظاهر، وذلك أن القرآن الكريم حينما يحرم شيئاً،
يحرم حقيقته، وإن كانت تلك الحقيقة موجودة في عهد نزوله في صورة مخصوصة، فلا يقتضي
ذلك أن تكون الصور الأخرى من تلك الحقيقة خارجة عن النهي والحرمة، بل تكون الحرمة
واقعة على تلك الحقيقة، مهما تغيرت صورها في الأزمنة الآتية.
ومثاله أن القرآن الكريم لما حرم الخمر، فقد حرم حقيقتها، دون صورها الموجودة في

٥٣٣
كتاب: المساقاة
٠٠
عهد نزوله بخصوصها، فهل يجوز لعاقل أن يقول: إنما الحرام تلك الصور المخصوصة من
الخمر، التي كانت موجودة في عهد نزول القرآن؟ والتي كانت تصنع بالأيدي؟ ولا تحرم هذه
الخمور الحديثة التي تصنع بالماكينات، والطرق الكيمياوية؟
وكذلك لما حرم القرآن الربا فقد حرم حقيقته، وهي: (الزيادة المشروطة ولم يحرم الصور
الموجودة منه في عهد نزوله بخصوصها، فتدخل في الحرمة كل صورة تصدق عليها هذه
الحقيقة، سواء كانت تلك الصورة موجودة عند نزول القرآن، أو كانت محدثة فيما بعد من
الزمان).
وأما الأساس الثاني: وهو أن قرض الاستثمار لم يكن موجوداً في عهد الجاهلية، وفي
عهد الرسول اليه والصحابة، فباطل أيضاً. ونسوق ههنا بعض الأمثلة من قرض الاستثمار في
تلك الأزمنة :
١ - أخرج ابن جرير عن ابن جريج، قال: (كانت بنو عمرو بن عمير بن عوف يأخذون
الربا من بني المغيرة، وكانت بنو المغيرة يربون لهم في الجاهلية، فجاء الإسلام ولهم عليهم مال
كثير) وراجع الدر المنثور (١: ٣٦٦).
وكانت هذه القبائل في الجاهلية كالشركات المساهمة اليوم، تجمع الأموال وتتجر بها،
فلم تكن هذه الديون ديوناً شخصية، وإنما كانت ديوناً إجتماعية.
٢ - أخرج البخاري (١: ١٤٤١) في الجهاد، باب بركة الغازي في ماله، عن عبد الله بن
الزبير أن أباه الزبير بن عوام ظه قال له يوم الجمل: (إني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلوماً،
وإن من أكبر همي لديني، أفترى دَيْنُنَا يبقي من مالنا شيئاً؟، فقال: يا بني! بع ما لنا، واقض
ديني) وفيه أن عبد الله بن الزبير قال: (إنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال،
فيستودعه إياه، فيقول: لا، ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة).
وشرحه الحافظ في الفتح (٦: ١٦٢) بقوله: (أي وما كان يقبض من أحد وديعة، إلا إن
رضي صاحبها أن يجعلها في ذمته، وكان غرضه بذلك أنه كان يخشى على المال أن يضيع،
فيظن به التقصير في حفظه، فرأى أن يجعله مضموناً، فيكون أوثق لصاحب المال وأبقى
طروءته، زاد ابن بطال: وليطيب له ربح ذلك المال).
وإن عمل الزبير بن العوام رضيهله هذا يشابه طريق عمل البنوك اليوم، فإنه كان يجعل ودائعه
ديناً عليه، لتكون مضمونة، ولكي يجوز له التجارة فيها، وكانت هذه الديون ديون استثمار،
كديون البنك، وقد صرح عبد الله بن الزبير ◌ًا في روايته عند البخاري، وعند ابن سعد في
طبقاته (٣: ١٠٩): ((فحسبت ما عليه من الدين، فوجدته ألفي ألف، ومائتي ألف)). وظاهر أن

٥٣٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
هذه المبالغ الخطيرة لم تكن عند الزبير بن عوام ظلبه لسد حاجة شخصية وقتية، وإنما كانت
للاستثمار، كما صرح به ابن بطال فيما حكى عنه الحافظ. فكيف يصح أن يقال في ديون
الاستثمار: إنها لم تكن موجودة ولا متصورة حتى الثورة الصناعية في أوروبا؟
٣ - ذكر الطبري بسنده في تاريخه: ((إن هند ابنة عتبة قامت إلى عمر بن الخطاب نظر ته،
فاستقرضته من بيت المال أربعة آلاف تتجر فيها، وتضمنها، فأقرضها، فخرجت إلى بلاد كلب،
فاشترت وباعت)) راجع تاريخ الأمم والملوك للطبري (٣: ٨٧) في وقائع سنة ثلاث وعشرين من
الهجرة .
٤ - أخرج البيهقي في قصة أن المقداد بن الأسود به استقرض من عثمان بن عفان سبعة
آلاف درهم، راجع السنن الكبرى (١٠: ١٨٤) كتاب الشهادات، باب النكول ورد اليمين.
والظاهر أن هذا الاستقراض لم يكن لسد جوع وقتي، أو لتجهيز ميت أو تكفينه، فإن سبعة آلاف
درهم لا تستقرض لمثل هذه الحاجات، وإنما كان قرض استثمار، لأن المقداد بن الأسود رض اته
لم يكن من فقراء الصحابة، بل كان من أغنيائهم، فإنه كان الرجل الوحيد في غزوة بدر، الذي
كان راكباً على فرس، كما صرح به الحافظ في الإصابة والتهذيب، ولا سيما بعد غزوة خيبر،
فقد أخرج ابن سعد في طبقاته (٣: ١٦٣) عن موسى بن يعقوب، عن عمته، عن أمها قالت:
(بعنا طعمة المقداد التي أطعمه رسول الله وَل بخيبر خمسة عشر وسقاً شعيراً من معاوية بن أبي
سفيان بمائة ألف درهم)).
٥ - أخرج ابن سعد عن إبراهيم في قصة أن عمر بن الخطاب رضيلأنه كان يتجر وهو خليفة،
وجهز عيراً إلى الشام، فبعث إلى عبد الرحمن بن عوف، يستقرضه أربعة آلاف درهم. راجع
طبقات ابن سعد (٣: ٢٧٨) ترجمة عمر بن الخطاب
وهذا مثال صريح للاستقراض وللتجارة.
٦ - أخرج ابن سعد أيضاً في طبقاته (٣: ٣٥٨) من طريق الواقدي عن عثمان بن عروة،
قال: (كان عمر بن الخطاب قد استسلف من بيت المال ثمانين ألفاً، فدعا عبد الله بن عمر،
فقال: بع فيها أموال عمر، فإن وفت، وإلا فسل بني عدي، فإن وفت، وإلا فسل قريشاً، ولا
تعدهم، قال عبد الرحمن بن عوف: ألا تستقرضها من بيت المال حتى تؤديها؟ فقال عمر: معاذ
الله أن تقول أنت وأصحابك بعدي: أما نحن فقد تركنا نصيبنا لعمر، فتعزوني بذلك، فتتبعني
تبعته، وأقع في أمر لا ينجيني إلا المخرج منه. ثم قال لعبد الله بن عمر: اضمنها، فضمنها،
قال: فلم يدفن عمر حتى أشهد بها ابن عمر على نفسه أهل الشورى، وعدة من الأنصار، وما
مضت جمعة بعد أن دفن عمر حتى حمل ابن عمر المال إلى عثمان بن عفان، وأحضر الشهود
على البراءة بدفع المال).

٥٣٥
كتاب : المساقاة
٧ - أخرج مالك في باب القراض من موطئه أنه: ((خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن
الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة،
فرحب بهما وسهل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى، ههنا من
مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه، فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق، ثم
تبيعانه، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، فيكون لكما الربح، فقالا: وددنا نفعل، وكتب
إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا، فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر بن
الخطاب قال: أكل الجيش أسلفة مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير
المؤمنين، فأسلفكما! أديا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك
يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص المال أو هلك لضمناه، فقال عمر: أدياه، فسكت عبد الله،
وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين! لو جعلته قراضاً؛
فقال عمر: قد جعلته قراضاً)).
ولا شك أن هذا القرض الذي أقرضه أبو موسى الأشعري قالُله من بيت المال كان القصد
الاستثمار.
٨ - أخرج أحمد والبزار والطبراني في الكبير عن عبد الرحمن بن أبي بكر أن رسول الله وَ ل
قال: ((يدعو الله بصاحب الدين يوم القيامة، حتى يوقف بين يديه، فيقال: يا ابن آدم: فيما
أخذت هذا الدين؟ وفيما ضيعت حقوق الناس؟ فيقول: يا رب: إنك تعلم أني أخذته، فلم آكل،
ولم أشرب، ولم ألبس، ولم أصنع، ولكن أني على إما حرق، وإما سرق، وإما وضيعة، فيقول
الله: صدق عبدي، أنا أحق من قضى عنك اليوم إلخ)) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ :
١٣٣)، كتاب البيوع، باب فيمن نوى قضي دينه واهتم به، وقال: ((وفيه صدقة الدقيقي)) وثقه
مسلم بن إبراهيم، وضعفه جماعة.
فهذا الحديث صريح في أن المستقرض لم يأكل ما استقرضه، ولم ينتفع به في حوائجه
الشخصية، ولكن جعله في التجارة، فأصابته وضيعة.
وإن هذه الأمثلة كافية لإثبات أن ديون الاستثمار ليست من الأشياء المحدثة التي وجدت
بعد الثورة الصناعية في أوروبا، وإنما كانت رائجة فيما بين الناس منذ عهد الجاهلية، وبقيت
رائجة في عهد رسول الله بَير، وفي عهد الصحابة غير أن الجاهليين كانوا يأخذون عليها الربا،
وانسد بابه بعد الإسلام.
مفاسد الربا في ديون الاستثمار:
وأما قولهم: إن المستقرضين في ديون الاستثمار يكونون رجالاً أثرياء، ويحصلون بها على

٥٣٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أرباح كثيرة فلو طالبهم المستقرض بزيادة على رأس المال فلا حرج في ذلك، فالجواب عنه على
و جھین :
أما الأول: فإن رفع الظلم حكمة عظيمة لحرمة الربا وليست علة لها، والحكم إنما يدار
على العلة، لا على الحكمة. وهذا الأمر ظاهر للعلماء الراسخين، لا يحتاج إلى بيان، ولكن
كثيراً من أصحاب الظاهر لا يفهمون الفرق بين العلة والحكمة، فلنضرب لذلك مثلاً:
كل أحد يشاهد اليوم أن الحكمة قد وضعت على ملتقيات الشوارع إشارات كهربائية تحمر
مرة، وتخضر أخرى، وقد أمرت جميع المراكب السارية على الشوارع أن تقف كلما رأت تلك
الإشارات حمراء، وتسير إذا رأتها خضراء. والحكمة لحكم الوقوف حفظ المراكب عن
الاصطدام، وعلته حمرة القمقمة، فحكم الوقوف لا يدور مع حكمته، وإنما يدور مع علته،
ولذلك إن جاءت سيارة مثلاً، ورأت القمقمة الحمراء وجب عليها الوقوف وإن لم يكن هناك أي
خطر للاصطدام، ولا يسع لسائقها أن يقول: إنما كان حكم الوقوف لصيانة الناس عن
المصادمة، فحيث لا خطر للمصادمة، جاز لنا أن نعبر الشارع رغم حمرة القمقمة.
فكذلك رفع الظلم حكمة لحرمة الربا؛ ولكن حكم الحرمة لا يدور معها، فلو سلمنا انتفاء
الظلم في صور الربا، فلا يستلزم ذلك جوازه، لبقاء علته، وهي: الزيادة المشروطة في القرض.
وقد قال رسول الله وَله: ((كل قرض جر منفعةً فهو رباً)) أخرجه الحارث ابن أبي أسامة عن
علي رَُّله مرفوعاً، كما ذكره السيوطي في الجامع الصغير (١: ٩٤، رقم: ٦٣٣٦)، وضعفه
المناوي في فيض القدير (٥: ٢٨)، وجعله العزيزي في السراج المنير (٣: ٨٦) حسناً لغيره،
لتعدد طرقه .
وأخرج البيهقي في سننه الكبرى (٥: ٣٥٠) عن فضالة بن عبيد موقوفاً: ((كل قرض جر
منفعةً فهو وجه من وجوه الربا)).
وإن هذه الأحاديث تبين علة حرمة الربا، فالحكم يدار عليها، وتكون كل زيادة على
القرض رباً، سواء اتضح لنا وجه الظلم فيها، أو لم يتضح.
وأما الثاني: فلا يصح أن يقال: إنه لا ظلم في ربا الاستثمار، فإنه إذا استدان الرجل من
أحد شيئاً، وجعله في التجارة، فالتجارة تحتمل الوضيعة والخسران، كما تحتمل الربح والنفع،
وإن الرجل المرابي يأخذ الربا في كلتا الصورتين، ولا يقل الظلم فيه عن ظلم الربا في ديون
الاستهلاك .
والإنصاف أن ينظر الدائن في دينه: هل يقرض ذلك إعانة للمستقرض؟ أو يريد أن يشاركه
في أرباحه؟ فإن كان المقصود هو الأول، فلا حق له إلا في رأس المال، وإن كان المقصود هو

٥٣٧
كتاب: المساقاة
٤٠٣٠ - (٧٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ أَبِي
سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ .
الثاني، فالإنصاف أن يشاركه في أخطار التجارة أيضاً، ولا يطالبه بالربح إلا إذا ربحت تجارته،
وإنما يمكن ذلك في المضاربة، دون الربا وليس الربا إلا حيلةً قبيحةً لإحراز نفسه عن أخطار
التجارة، والانتفاء بأرباحها، فإنه يضمن لصاحب المال بفائدة معينة، ويقطع النظر عن العامل
الذي يتحمل مشاق العمل، ويطالبه بتلك الفائدة المعينة، ولو أصبح ذلك العامل مفلساً بالوضيعة
في تجارته .
ثم إن نظام البنوك الرائجة اليوم، الذي يسير على أساس الربا، له من المفاسد ما لا يعد
ولا يحصى فإنه يفسد نظام توزيع الثروة على الناس، ويجعل الأموال دولةً بين الأغنياء فحسب،
ويعوق الأسواق عن مسيرها الطبيعي، ويجعلها مملوكةً الأثرياء معدودين، وليس هذا موضع بسط
تلك المفاسد، وفي هذه الإشارات كفاية للطالب ههنا إن شاء الله، ومن شاء البسط في هذه
المسألة فعليه بالكتب المستقلة المؤلفة في موضوع الربا ومفاسده، ومنها كتاب ((مسألة سود))
باللغة الأردية، لوالدي العلامة المفتي محمد شفيع كثّتُهُ، وكتبت في آخره مقالةً شرحت فيها
مفاسد ربا البنوك ببسط وتفصيل، وقد وقعت بعض الإشارات مني في هذا الصدد، في أول
كتاب البيوع أيضاً فالحق: أن الربا حرام مطلقاً، سواء كان تعامله في ديون الاستهلاك، أو في
ديون الاستثمار. وأما نظام البنوك فيمكن أن يجري اليوم على أساس الشركة أو المضاربة بدل
الربا، وقد وضعت لجنة من علماء الشريعة وعلماء الاقتصاد في باكستان مخططاً مضبوطاً لهذا
الغرض، وكنت أنا عضواً من أعضاء تلك اللجنة، وقد نشر تقرير تلك اللجنة باللغتين: الأردية
والإنكليزية، من قبل مجلس الفكر الإسلامي لحكومة باكستان، فمن شاء فليراجعه، والله سبحانه
أعلم .
٧٥ - (١٥٨٤) - قوله: (عن أبي سعيد الخدري) أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع
الخلط من التمر، وباب بيع الفضة بالفضة، وباب بيع الدينار بالدينار نسأ، ومالك في البيوع،
باب بيع الذهب بالفضة تبراً وعيناً، والترمذي، (رقم: ١٢٤١) في البيوع، باب ما جاء في
الصرف، والنسائي في البيوع، باب بيع الفضة بالذهب، والذهب بالفضة، وابن ماجه (رقم:
٢٢٥٦) في التجارات، باب الصرف، وما لا يجوز متفاضلاً، وأحمد في مسند أبي سعيد
الخدري رضيته (٣: ٤ و٥١ و٦١ و٧٢).
قوله: (لا تبيعوا الذهب بالذهب) إلخ قد ذكر ههنا تحريم التفاضل والنسيئة في مبادلة
شيئين: الذهب بالذهب والفضة بالفضة، وسيأتي في حديث عبادة بن الصامت ظه ذكر أربعة
أشياء معهما، وهي: البر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، فصارت هذه
الأشياء ستة، وقد نص الحديث على حرمة التفاضل والنسيئة في كل واحد منها، إذا بيع بجنسه،

٥٣٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ويسمى ربا الفضل، ويقال له ربا السنة أيضاً، لأن هذا النوع من الربا لم يذكره القرآن الكريم
نصاً، وإنما عرفت حرمته بالسنة.
الحكمة في تحريم ربا الفضل:
وأما الحكمة في تحريم ربا الفضل، فهو سد ذريعة ربا النسيئة، كما صرح به في حديث
أبي سعيد الخدري رظُّه، عن النبي وّل قال: ((لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، فإني أخاف عليكم
الرما)) كما في كنز العمال (٢: ٢٣١، رقم: ٤٩٦٤ و٤٩٦٥)، والرما: هو الربا، فظهر بهذا
الحديث أنه * نهاهم عن ربا الفضل، لما يخاف عليهم من ربا النسيئة، وقد شرحه الإمام ابن
القيم كثّلهُ بكلام دقيق، فنحكبه ههنا بلفظه:
((وذلك أنهم إذا باعوا درهماً بدرهمين، ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين، إما
في الجودة، وإما في السكة، وإما في الثقل والخفة وغير ذلك تدرجوا بالربح المعجل فيها إلى
الربح المؤخر، وهو عين ربا النسيئة، وهذه ذريعة قريبة جداً، فمن حكمة الشارع أن سد عليهم
هذه الذريعة، ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقداً ونسيئةً ... وأما الأصناف الأربعة المطعومة،
فحاجة الناس إليها أعظم من حاجتهم إلى غيرها، لأنها أقوات العالم، وما يصلحها، فمن رعاية
مصالح العباد أن منعوا من بيع بعضها ببعض ألى أجل، سواء اتحد الجنس أو اختلف، ومنعوا
من بيع بعضها ببعض حالاً متفاضلاً، وإن اختلفت صفاتها، وجوز لهم التفاضل فيها مع اختلاف
أجناسها. وسر ذلك - والله أعلم - أنه لو جوز بيع بعضها ببعض نسأ لم يفعل ذلك أحد إلا إذا
ربح، وحينئذ تسمح نفسه ببيعها حالة لطمعه في الربح، فيعز الطعام على المحتاج، ويشتد
ضرره، وعامة أهل الأرض ليس عندهم دراهم ولا دنانير، لا سيما أهل العمود والبوادي، وإنما
يتناقلون الطعام بالطعام)).
((فكان من رحمة الشارع بهم وحكمته أن منعهم من ربا النسأ فيها كما منعهم من ربا النسأ
في الأثمان، إذ لو جوز لهم النسأ فيها لدخلها: (إما أن تقضي وإما أن تربي) فيصير الصاع
الواحد لو أخذ قفزاناً كثيرة فقطموا عن النسأ، ثم فطموا عن بيعها متفاضلاً يداً بيد، إذ تَجُرُّهُم
حلاوة الربح وظفر الكسب إلى التجارة فيها نسأ، وهو عين المفسدة)).
((وهذا بخلاف الجنسين المتباينين، فإن حقائقهما ومقاصدهما مختلفة، ففي إلزامهم
المساواة في بيعها إضرار بهم، ولا يفعلونه في تجويز النسأ ذريعة إلى (إما أن تقضي وإما أن
تربي)، فكان من تمام رعاية مصالحهم أن قصرهم على بيعها يداً بيد كيف شاء، فحصلت لهم
مصلحة المبادلة، واندفعت عنهم مفسدة (إما أن تقضي وإما أن تربي) وهذا بخلاف ما إذا بيعت
بالدراهم أو غيرها من الموزونات نسأ، فإن الحاجة داعية إلى ذلك، فلو منعوا منه لأضر بهم،
ولا متنع السلم الذي هو من مصالحهم فيما هم محتاجون إليه أكثر من غيرهم، والشريعة لا تأتي

٥٣٩
كتاب: المساقاة
بهذا، وليس بهم حاجة في بيع هذه الأصناف بعضها ببعض نسأ، وهو ذريعة قريبة إلى مفسدة
الربا، فأبيح لهم في جميع ذلك ما تدعو إليه حاجتهم، وليس بذريعة إلى مفسدة راجحة، ومنعوا
مما لا تدعو الحاجة إليه، ويتذرع به غالباً إلى مفسدة راجحة.
((ويوضح ذلك أن من عنده صنف من هذه الأشياء، وهو محتاج إلى الصنف الآخر، فإنه
يحتاج إلى بيعه بالدراهم، ليشتري الصنف الآخر ... أو ببيعه بذلك الصنف نفسه بما يساوي،
وعلى كلا التقديرين يحتاج إلى بيعه حالاً، بخلاف ما إذا كان مكن من النسأ، فإنه حينئذ يبيعه
بفضل، ويحتاج أن يشتري الصنف الآخر بفضل، لأن صاحب ذلك الصنف يربي عليه كما أربى
هو على غيره، فينشأ من النسأ تضرر بكل واحد منهما ... وإذا تأملت ما حرم فيه النسأ رأيته إما
صنفاً واحداً، أو صنفين مقصودهما واحد، أو متقارب، كالدراهم والدنانير، والبر والشعير،
والتمر والزبيب. فإذا تباعدت المقاصد لم يحرم النسأ، كالبر والثياب، والحديد والزيت)).
(( .... وسر المسألة أنهم منعوا من التجارة في الأثمان بجنسها، لأن ذلك يفسد عليهم
مقصود الأثمان، ومنعوا من التجارة في الأقوات بجنسها، لأن ذلك يفسد عليهم مقصود
الأقوات ... فظهرت حكمة تحريم ربا النسأ في الجنس والجنسين، وربا الفضل في الجنس
الواحد، وأن تحريم المقاصد، وتحريم الآخر تحريم الوسائل وسد الذرائع، وهذا لم يبح شيء
من ربا النسيئة، وأما ربا الفضل، فأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة، كالعرايا فإن ما حرم سداً
للذريعة أخف مما حرم لتحريم المقاصد)).
وراجع لمزيد البحث إعلام الموقعين (٢: ١٠٠ إلى ١٠٤) وما بعده.
اختلاف الفقهاء في علة ربا الفضل:
ثم إن حرمة التفاضل والنسيئة مقتصرة في الحديث على الأشياء الستة المذكورة، فاختلفت
فيه أنظار الفقهاء، فقال طاوس وقتادة: إن الحرمة مقصورة على هذه الأشياء ولا تتعدى إلى
غيرها، وبه قال داود الظاهري ونفاة القياس، كما في المغني لابن قدامة (٤: ٢) وهو قول
الشعبي ومسروق، وعثمان البتي أيضاً، كما في عمدة القاري (٥: ٤٩٠). فيجوز عندهم بيع
الذرة بالذرة متفاضلاً، لأن الحديث لم يذكر الحرمة إلا في الأشياء الستة، فيبقى ما عداها على
أصل الإباحة، لقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
واتفق القائلون بالقياس على أن الحرمة في هذه الأشياء الستة معللة بعلة، فكلما وجدت
تلك العلة في غيرها من الأشياء، ثبتت الحرمة، لأن القياس دليل شرعي، فيجب استخراج علة
هذا الحكم وإثباته في كل موضع وجدت العلة فيه، ثم اختلف المعللون في تعيين العلة على
أقوال :

٥٤٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١ - إن العلة في الذهب والفضة الوزن مع الجنس، وفي الأشياء الأربعة: الكيل مع
الجنس، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، والثوري، والنخعي، والزهري، وإسحاق بن راهويه.
فعلى هذا القول يجري الربا في كل من مكيل أو موزون إذا بيع بجنسه، مطعوماً كان أو
غير مطعوم، كالحبوب، والنورة، والقطن، والصوف، والورس، والحناء، والعصفر، والحديد،
والنحاس، ونحو ذلك.
٢ - إن العلة في الذهب والفضة الثمنية مع اتحاد الجنس، وفيما عداها كونها مطعومة مع
اتحاد الجنس، وهو قول الشافعي تقذفه، وهو رواية عن أحمد، ودليلهم ما سيأتي في المتن عن
معمر بن عبد الله: ((أن النبي 9َّ نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل)) ولأن الطعم وصف
شرف، إذ به قوام الأبدان، والثمنية وصف شرف، إذ بها قوام الأموال، فيقتضي التعليل بهما .
فعلى هذا القول يجري ربا الفضل في سائر المطعومات، سواء كانت مكيلة، أو موزونة أو
عددية، كالتفاح والرمان، والبيض وغيرها .
٣ - إن العلة في الذهب والفضة الثمنية مع الجنس، وفيما عداها الادخار مع الجنس، وهو
قول المالكية، وزاد بعضهم الاقتيات مع الادخار، فإن كان الشيء مدخراً غير مقتات، حرم
التفاضل فيه عند بعضهم، وجاز عند آخرين، وإلى تعليل المالكية مال الشيخ ولي الله الدهلوي
في المصفى (١ : ٣٤٧).
واستدلوا بأنه لو كان المقصود الطعم وحده لاكتفي في الحديث بالتنبيه على ذلك بالنص
على واحد من تلك الأصناف الأربعة، فلما ذكر منها عدداً علم أنه قصد بكل واحد منها التنبيه
على ما في معناه، وهي كلها يجمعها الاقتيات والادخار. أما البر والشعير فنبه بهما على أصناف
الحبوب المدخرة، ونبه بالتمر على جميع أنواع الحلاوات المدخرة، كالسكر، والعسل،
والزبيب، ونبه بالملح على جميع التوابل المدخرة لإصلاح الطعام، وأيضاً، فإنهم قالوا: لما
كان معقول المعنى في الربا إنما هو أن لا يغبن بعض الناس بعضاً، وأن تحفظ أموالهم فواجب
أن يكون ذلك في أصول المعايش، وهي الأقوات. كذا في بداية المجتهد (٢: ١٣٠ و١٣١).
٤ - إن العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوماً ومكيلاً أو موزوناً، مع الجنس، فلا
يجري الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن، كالبيض، وسائر العدديات المطعومة، ولا فيما ليس
بمطعوم، سواء كانت مكيلة أو موزونة، كالزعفران، والحديد والنحاس وغيره. وهو قول
سعيد بن المسيب، ورواية عن أحمد، وبه قال الشافعي في القديم، كما في المغني لابن قدامة
(٤ : ٥) .
واستدلوا بما روي عن سعيد بن المسيب، عن رسول الله وَل38، أنه قال: ((لا ربا إلا فيما