Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
كتاب: المساقاة
٣٩٩١ _ (٤٢) حدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ،
عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ. قَالَ: سَأَلْتُ جَابِراً عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ؟ قَالَ: زَجَرَ النَّبِيُّ ونَ عَنْ
ذلِكَ.
(١٠) - باب: الأمر بقتل الكلاب. وبيان نسخه.
وبيان تحريم اقتنائها، إلا لصيد أو زرع أو ماشية ونحو ذلك
٣٩٩٢ - (٤٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلاَبِ.
٣٩٩٣ - (٤٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ،
٤٢ - (١٥٦٩) - قوله: (سألت جابراً) أخرجه أيضاً أبو داود، (رقم: ٣٤٧٩) في البيوع،
باب في ثمن السنور، والترمذي، (رقم: ١٢٧٩) في البيوع، باب ما جاء في كراهية ثمن الكلب
والسنور، والنسائي في البيوع، باب ما استثني من بيع الكلب.
قوله: (والسنور) استدل به من قال بحرمة بيع السنور، وروي ذلك عن أبي هريرة
وطاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد، وبه أخذ ابن حزم في المحلى (٩: ١٣) واتفق الأئمة
الأربعة وجمهور من سواهم على جواز بيعه، وحملوا النهي في حديث الباب على التنزيه، وهو
أصح ما قيل فيه .
واعتذر بعض العلماء عن حديث الباب بطرق أخرى، فقيل: ذكر السنور في هذا الحديث
ضعيف، ولكن رده النووي، والعيني، وغيرهما لقوة سنده، وقيل: الحديث محمول على الهر
المتوحش الذي لا يقدر على تسليمه، وقيل: إن النهي عن ذلك كان في ابتداء الإسلام حين كان
السنور محكوماً بنجاسته، ثم لما حكم بطهارته حل ثمنه، وذكر البيهقي في سننه (٦: ١١) هذين
القولين ثم قال: ((وليس على واحد من هذين القولين دلالة بينة)). والصحيح ما ذكرنا من أن
النهي محمول على التنزيه، ليعتاد الناس هبته وإعارته.
(١٠) - باب: الأمر بقتل الكلاب، وبيان نسخه إلخ
٤٣ - (١٥٧٠) - قوله: (عن ابن عمر) أخرجه أيضاً البخاري في بدء الخلق، باب إذا وقع
الذباب في شراب أحدكم إلخ، ومالك في الاستئذان، باب ما جاء في أمر الكلاب، والترمذي،
(رقم: ١٤٨٨) في الصيد، باب ما جاء من أمسك كلباً ما ينقص من أجره، والنسائي في الصيد،
باب الأمر بقتل الكلاب، وابن ماجه في الصيد، باب قتل الكلاب وأحمد، في مسنده (٢: ٢٢
و٢٣ و١٠١ و١١٣ و١٣٣ و١٤٤ و١٤٦) والدارمي (رقم: ٢٠١٣) في الصيد، باب في قتل
الكلاب .

٥٠٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بِقَتْلِ الْكِلاَبِ. فَأَرْسَلَ فِي أَقْطَارِ
الْمَدِينَةِ أَنْ تُقْتَلَ .
٣٩٩٤ - (٤٥) وحدّثني حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ. حَدَّثَنَا بِشْرٌ (يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ). حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ (وَهُوَ ابْنُ أُمَيَّةَ) عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَأْمُرُ بِقَتْلِ
الْكِلاَبِ. فَتَنْبَعِثُ فِي الْمَدِينَةِ وَأَظْرَّافِهَا فَلاَ نَدَعُ كَلْباً إِلَّ قَتَلْنَاهُ. حَتَّى إِنَّا لَنَقْتُلُ كَلْبَ الْمُرَيَّةَ
مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، يَتْبَعُهَا .
قوله: (أمر بقتل الكلاب) احتج به مالك تخلّثُ في جواز قتل الكلاب، إلا ما استثني منها،
ولم ير حكم القتل منسوخاً، وقام الإجماع على قتل الكلب العقور منها، واختلفوا في قتل ما لا
ضرر فيه، فجوزه مالك، ومنعه الجمهور، لما سيأتي من أن النبي وال نسخ الحكم بقتلها، ولما
روي عن عبد الله ابن مغفل مرفوعاً: ((لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها)) رواه
أصحاب السنن الأربعة. وروي عن الحسن وإبراهيم أنهما يكرهان صيد الكلب الأسود البهيم،
وإليه ذهب أحمد، وبعض الشافعية، قالوا: لا يحل الصيد إذا قتله. وعند أبي حنيفة ومالك
والشافعي: يحل.
وقال أبو عمر: والذي نختاره أن لا يقتل منها شيء إذا لم يضر، لنهيه أن يتخذ شيء فيه
روح غرضاً، وحديث الذي سقى الكلب، ولقوله: في كل كبد حر آجر، وترك قتلها في كل
الأمصار، وفيها العلماء ومن لا يسامح في شيء من المنكر والمعاصي الظاهرة. هذا ملخص ما
في عمدة القاري (٧: ٣٠٥).
مسألة: ذكر في الباب الحادي والعشرين من كراهية عالمكيرية (٥: ٣٦٠): ((قرية فيها
كلاب كثيرة، ولأهل القرية منها ضرر يؤمر أرباب الكلاب أن يقتلوا الكلاب، فإن أبوا رفع الأمر
إلى القاضي، حتى يلزمهم ذلك. كذا في محيط السرخسي)) قلت: ويدل عليه فعل عثمان نظّ
ته ،
وقد مر في مبحث بيع الكلب.
وفيه قبل ذلك: ((ولو كان لرجل كلب عقور يعض كل من يمر عليه، فلأهل القرية أن
يقتلوه، فإن تقدم أهل القرية إلى صاحب الكلب، ولم يقتله، ثم عض إنسان فهو ضامن، وإن
عضه قبل التقدم لم يضمن)).
٤٥ _ (٠٠٠) - قوله: (فَتَنْبعِثُ) يعني: نثور، فننتشر، وانبعث الرجل: إذا ثار، ومضى ذاهباً
لقضاء حاجته، كما في مجمع البحار.
قوله: (كلب المَرَيَّةِ) بضم الميم، وفتح الراء، وتشديد الياء، تصغير المرأة والأصل:
المريأة، كما في مجمع البحار، وشرح ذهني، وسيأتي في حديث جابر: ((حتى أن المرأة تقدم
من البادية بكلبها)) .

٥٠٣
كتاب: المساقاة
٣٩٩٥ - (٤٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ،
عَنِ ابْنٍ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلاَبِ. إِلَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ غَنَم، أَوْ
مَاشِيَةٍ. فَقِيلَ لابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ
زَرْعاً .
٣٩٩٦ - (٤٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ. ح وَحَدَّثَنِي
إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ
سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَّه بِقَتْلِ الْكِلَابِ. حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ تَقْدَمُ
مِنَ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَتَقْتُلُهُ. ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ نَّهِ عَنْ قَتْلِهَا. وَقَالَ:
٤٦ - (١٥٧١) - قوله: (إن لأبي هريرة زرعاً) تمسك به بعض ملاحدة عصرنا، وقالوا: إن
الصحابة كانوا يشكون في رواية غيرهم عن رسول الله وَليلة، ويتهمونهم - والعياذ بالله - بوضع
الحديث وفق ما يحبون، فلا حجة في الأحاديث رأساً. وقد اغتَرَّ بهم بعض المنتمين إلى
الإسلام أيضاً، فذكروا هذه الوقائع في كتبهم، طعناً منهم في الأحاديث، وتعريضاً على
الصحابة .
والحق أن قول ابن عمر هذا ليس من الطعن في أبي هريرة في شيء، وقال النووي تخّهُ :
((ليس هذا توهيناً لرواية أبي هريرة، ولا شكاً فيها، بل معناه: أنه لما كان صاحب زرع وحرث،
اعتنى بذلك، وحفظه، وأتقنه، والعادة أن المبتلى بشيء يتقنه ما لا يتقن غيره، ويتعرف من
أحكامه ما لا يعرفه غيره. وقد ذكر مسلم هذه الزيادة - وهي اتخاذه للزرع - من رواية ابن
المغفل، ومن رواية سفيان بن أبي زهير، عن النبي وَلّ، وذكرها أيضاً مسلم من رواية ابن
الحكم، واسمه عبد الرحمن بن أبي نعم البجلي، عن ابن عمر، فيحتمل أن ابن عمر لما سمعها
من أبي هريرة، وتحققها عن النبي وَّ رواها عنه بعد ذلك، وزادها في حديثه الذي كان يرويه
بدونها)). ولو كان منشؤ ابن عمر الاعتراض على أبي هريرة، أو الطعن في روايته، كما زعمه
هؤلاء الملاحدة، لما روى هذه الزيادة بنفسه، أعاذنا الله من سوء الفهم وزيغ الفكر.
٤٧ - (١٥٧٢) - قوله: (سمع جابر بن عبد الله) أخرجه أيضاً أبو داود، (رقم: ٢٨٤٦) في
الصيد، باب في اتخاذ الكلب للصيد وغيره.
قوله: (فنقتله) قال الشيخ محمد ذهني: ((أمر بقتل الكلاب، لما رآهم يستأنسون بها
استئناس الهر، فشدد عليهم أولاً في ذلك، ثم خفف)) ومن أمثلة التشديد في ذلك ما أخرجه
أحمد في مسنده (٦: ٣٩١) عن أبي رافع، وقال: ((أمرني رسول الله وَليل أن أقتل الكلاب،
فخرجت أقتلها، لا أرى كلباً إلا قتلته، فإذا كلب يدور ببيت، فذهبت لأقتله، فناداني إنسان من
جوف البيت: يا عبد الله، ما تريد أن تصنع؟ قال: قلت: أريد أن أقتل هذا الكلب، فقالت: إني

٥٠٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ. فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ)).
٣٩٩٧ - (٤٨) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي
التَّيَّاحِ. سَمِعَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ الْمُغَفَّلِ. قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهَ بِقَتْلِ
الْكِلاَبِ. ثُمَّ قَالَ: (مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلاَبِ؟)) ثُمَّ رَخَّصََ فِي كُلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ.
٣٩٩٨ - (٤٩) وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ). ح
وَحَذَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ. حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَخِّدَّثَنَا إِسْجَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا النَّضْرُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ.
وَقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ يَحْيَى: وَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الْغَنَمِ وَالصَّيْدِ وَالزَّرْعِ.
امرأة مضيعة، وإن هذا الكلب يطرد عني السبع، ويؤذنني بالجائي، فأت النبي ◌َّ، فاذكر ذلك
له، قال: فأتيت النبي ◌َّ﴿، فذكرت ذلك له، فأمرني بقتله)). وفي رواية أخرى عند أحمد (٦:
٩): ((فقال: يا أبا رافع، اقتله، فإنما يمنعهن الله عز وجل)) يعني: يحفظهن.
قوله: (عليكم بالأسود البهيم) معنى البهيم، شديد السواد، والحاصل أنه وَّل أمر بقتل
الكلاب كلها في مبدء الأمر، ثم خص القتل بالأسود البهيم، ثم رخص فيه أيضاً .
وقال الخطابي في غريب الحديث (٢: ١٤٢): ((فأما نهي النبي ◌َّر عن ذبح الحيوان إلا
المأكلة فهذا غير داخل في معناه، وإنما يقع ذلك على وجهين أحدهما: أن يتلعب الرجل بالشيء
منها، ويولع بتعذيبه وذبحه، ثم يرمي به لا يأكله، والوجه الآخر: أن يكون ذلك في الحيوان
الذي لا يؤكل لحمه، ولا ضرر على الناس في بقائه، كالهدهد، والصرد)).
قوله: (فإنه شيطان) قال النووي: ((ليس المراد بالحديث إخراجه عن جنس الكلاب، ولهذا
لو ولغ في إناء وجب غسله كما يغسل من ولوغ الكلب الأبيض)) وذكر العيني في العمدة (٦ :
٣٠٥) أن المراد من كونه شيطاناً أنه بعيد عن المنافع، قريب من المضرة، ثم قال العيني: ((وهذه
أمور لا تدرك بنظر، ولا يوصل إليها بقياس، وإنما ينتهي إلى ما جاء عن الشارع)).
٤٨ - (١٥٧٣) - قوله: (عن ابن المغفل) أخرجه المصنف في الطهارة، باب حكم ولوغ
الكلب أيضاً، وأخرجه أبو داود، (رقم: ٢٨٤٥) في الصيد، باب ما جاء في اتخاذ الكلب
للصيد، والترمذي، (رقم: ١٤٨٦ و١٤٨٩) في الصيد، باب ما جاء في قتل الكلاب، وباب ما
جاء من أمسك كلباً ما ينقص من أجر، وابن ماجه في الصيد، باب قتل الكلاب.
قوله: (وكلب الغنم) وزاد المصنف بهذا السند بعينه في الطهارة: ((وقال: إذا ولغ الكلب
في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة في التراب.

٥٠٥
كتاب: المساقاة
٣٩٩٩ - (٥٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: (( منِ اقْتَنَى كَلْباً إِلَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارِي،َ نَقَصَ مِنْ
عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيرَاطَانٍ)).
٥٠ - (١٥٧٤) - قوله: (عن ابن عمر) أخرجه البخاري في الصيد، باب من اقتنى كلباً ليس
بكلب صيد أو ماشية، ومالك في الاستئذان، باب ما جاء في أمر الكلاب، والترمذي، (رقم:
١٤٨٧) في الصيد، باب من أمسك كلباً إلخ، والنسائي في الصيد، باب الرخصة في إمساك
الكلب للماشية، وباب الرخصة في إمساك الكلب للصيد، وباب الرخصة في إمساك الكلب
للحرث.
قوله: (من اقتنى) اقتنى الشيء: إذا اتخذه للادخار.
قوله: (إلا كَلّبَ ماشية) قال الأبي ناقلاً عن القاضي عياض: ((المراد بكلب الماشية
المأذون في اتخاذه: الكلب الذي يسرح معها، لا الذي يحفظها من السارق، وبكلب الزرع
الذي يحفظه من الوحش بالليل أو بالنهار، لا الذي يحفظه من السارق)) ولم أفهم وجه هذا
الفرق.
قوله: (أو ضَاري) تقديره: أو كلب ضار، وهو من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة،
ووقع في بعض النسخ: ((أو ضارياً)) وهو ظاهر الإعراب.
والكلب الضاري: هو الكلب المعود بالصيد، يقال: ضرى الكلب، كخشى، إذا تعود،
وأضراه صاحبه: أي عوده، وأضراه به: أي أغراه أيضاً. كذا في جامع الأصول لابن أثير (٧:
٤٩) وقال النووي: ((ومنه قول عمر: إن للحم ضراوة كضراوة الخمر، قال جماعة: معناه: أن له
عادة ينزع إليها كعادة الخمر)).
قوله: (نقص من عمله) لفظ (نقص) يستعمل لازماً ومعتدياً، وهو هنا لازم، بدليل رفع
((قيراطان))، وروي: ((قيراطين)) وحينئذ يكون متعدياً، كما في مجمع البحار (٣: ٣٩٠) قلت:
وضمير الفاعل حينئذ يرجع إلى الكلب، أو إلى الرجل المقتفي، والله أعلم.
قوله: (كل يوم قيراطان) القيراط: نصف عشر الدينار في أكثر البلاد، وعند أهل الشام
جزء من أربعة وعشرين منه، كذا في مجمع البحار (٣: ١٣٤)، وقد وقع في رواية ابن أبي
حرملة ((قيراط)) بدل ((قيراطان)) فقيل: يحتمل أنه في نوعين من الكلاب أحدهما أشد أذى من
الآخر، ولمعنى فيهما، أو يكون ذلك مختلفاً باختلاف المواضع، فيكون القيراطان في المدينة
خاصة، لزيادة فضلها، والقيراط في غيرها، أو القيراطان في المدائن ونحوها من القرى،
والقيراط في البوادي، أو يكون ذلك في زمنين، فذكر القيراط أولاً، ثم زاد التغليط، فذكر
القيراطين. كذا حققه النووي. وذكر الحافظ في المزارعة من الفتح (٥: ٥) أن الحكم للزائد
منهما، لكونه حفظ ما لم يحفظه الآخر، وهو الأوجه عندي.

٥٠٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٠٠٠ - (٥١) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالُوا:
ثم اختلفوا في محل نقص القيراطين، فقيل: ينقص قيراط من عمل النهار، وقيراط من
عمل الليل، أو قيراط من عمل الفرض، وقيراط من عمل النفل. والذي يظهر لهذا العبد
الضعيف عفا الله عنه: أنه لا سبيل إلى تعيين هذا بالقياس، فإنه مثله يتوقف على السماع، ولم
يوجد، فلسنا بحاجة إلى تعيين ذلك، ومقصود الشارع أن اقتناء الكلب بدون حاجة ينقص من
عمل الرجل قيراطين كل يوم، فيجب أن يحذر منه، وليس عندنا ما نتحقق به قدر القيراطين، ولا
تعيين أعمال ينقص منها ذلك القدر، فلا حاجة إلى الخوض في أمثال هذه المباحث، ويعجبني
قول الأبي تَغَفُهُ: ((والله أعلم بما أراد رسول الله وَّر، وذكر القيراط هنا تقدير لمقدار، الله أعلم
به، والمراد به نقص جزء ما)) .
ثم ذكروا في سبب نقصان الأجر وجوهاً: فقيل: سببه امتناع دخول الملائكة بسببه، وقيل:
ما يلحق المارين من الأذى، من ترويع الكلب لهم، وقصده إياهم، وقيل: إن ذلك عقوبة له
لاتخاذه ما نهي عن اتخاذه، وعصيانه في ذلك، وقيل: لما يبتلى به من ولوغه في غفلة صاحبه،
ولا يغسله بالماء والتراب. كذا في شرح النووي.
ثم الظاهر من هذه الأحاديث عدم جواز اقتناء الكلب إلا لحاجات استثناها رسول الله وَ اليه،
وذكر ابن عبد البر تخلفه أن هذه الأحاديث تدل على كراهة ذلك، ولا تدل على التحريم، لأنها لا
تذكر إلا نقصان الأجر، والمحرم لا بد فيه من إثم، ولكن رد عليه الحافظ في المزارعة من الفتح
(٥: ٥) بأن نقصان الأجر نوع من الإثم، أو المراد بنقصان الأجر في الحديث، أن الإثم
الحاصل باتخاذه يوازي قدر قيراط أو قيراطين من أجر.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ومما يؤيد الحافظ الأحاديث التي ذكر فيها أن الملائكة
لا تدخل بيتاً فيه صورة، أو كلب، والظاهر أن امتناع الملائكة لا يكون إلا بما فيه إثم.
ثم اتفق العلماء على جواز اقتناء الكلب للصيد، أو لحفاظة الزرع، والمواشي، وهل
يقاس عليه حفاظة الدور والبيوت؟ فذكر الحافظ في الفتح (٥: ٦) أن الأصح عند الشافعية إباحة
اتخاذ الكلاب لحفظ الدرب، إلحاقاً للمنصوص بما في معناه، كما أشار إليه ابن عبد البر،
وكذلك نقل العيني في العمدة (٥: ٧١٤) جوازه عن الشافعية، ولم يتعقبه بشيء، مما يدل على
جوازه عنده. بل أجاز ابن عبد البر اقتناءه لجلب المنافع، ودفع المضار، فتتمحض عنده الكراهة
لغير حاجة، كما في فتح الباري، وبمثله صرح فقهاء الحنفية، ففي كراهية الفتاوى العالمكيرية
(٥: ٣٦١): ((وفي الأجناس: لا ينبغي أن يتخذ كلباً، إلا أن يخاف من اللصوص أو غيرهم،
وكذا الأسد، والفهد، والضبع، وجميع السباع، وهذا قياس قول أبي يوسف تغلّثهُ، كذا في
الخلاصة، ويجب أن يعلم بأن اقتناء الكلب لأجل الحرس جائز شرعاً، وكذلك اقتناؤه
للاصطياد مباح، وكذلك اقتناؤه لحفظ الزرع والماشية جائز. كذا في الذخيرة)).

٥٠٧
كتاب: المساقاة
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ. قَالَ: (مَنِ اقْتَنَى كَلْباً،
إِلَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيَرَاطَانٍ».
٤٠٠١ - (٥٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرِ (قَالَ
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنْ
عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: (مَنِ اقْتَنَى كَلْباً إِلَّ كَلْبَ
ضَارِيَةٍ أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِرَاطَانٍ)) .
٤٠٠٢ - (٥٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ (قَالَ
يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ مُحَمَّدٍ) (وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةُ) عَنْ
سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَليهِ قَالَ: ((مَنِ اقْتَنَى كَلْباً إِلَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ
كَلْبَ صَيْدٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيرَاطٌ)).
قَالَ عَبْدُ اللَّهُ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ((أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ)).
٤٠٠٣ - (٥٤) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي
سُفْيَانَ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((مَنِ اقْتَنَى كَلْباً إِلَّ كَلْبَ ضَارٍ أَوْ
مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيَرَاطَانٍ)) .
قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ((أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ)) وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ.
٤٠٠٤ - (٥٥) حدّثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ. حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ. أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ
وأما الحكمة في النهي عن اقتناءه، فقد قال الشيخ ولي الله الدهلوي: ((والسر في ذلك أنه
يشبه الشيطان، بجبلته، لأن ديدنه لعب وغضب، وإطراح في النجاسات، وإيذاء للناس، ويقبل
الإلهام من الشياطين، فرأى منهم صدوداً وتهاوناً، ولم يكن سبيل إلى النهي عنه بالكلية،
لضرورة الزرع، والماشية، والحراسة، والصيد، فعالج ذلك باشتراط أتم الطهارات)) وراجع
حجة الله البالغة (١ : ١٨٥) مبحث في تطهير النجاسات.
وذكر الدميري في حياة الحيوان (٢: ٢٢٦) أن الجيفة أحب إلى الكلب من اللحم
الغريض، ويأكل العذرة، ويرجع في قيئه. وذكر حكيم الأمة مولانا الشيخ أشرف علي
التهانوي كثُّهُ في بعض مواعظه أن من عيوب الكلب أنه تعوزه الحمية الجنسية، فإنه يعادي أبناء
جنسه، وكلما كان في موضع، وجاء فيه كلب آخر، طرده ولم يتحمله .
ثم إن الكلب تتبعه أمراض وأدواء كثيرة، وفي لعابه سمية تضر بالإنسان، فالاجتناب عن
اقتنائه، إلا لحاجة، فيه حكم كثيرة، والله سبحانه أعلم.

٥٠٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَيُّمَا أَهْلِ دَارِ اتَّخَذُوا كَلْباً إِلَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ كَلْبَ صَائِدٍ، نَقَصَ مِنْ
عَمَلِهِمْ، كُلَّ يَوْمِ، قِيَرَاطَانٍ)).
٤٠٠٥ - (٥٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى) قَالاً:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْحَكَمِ. قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ
يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: (مَنِ اتَّخَذَ كَلْباً إِلَّ كَلْبَ زَرْعٍ أَوْ غَنَمْ أَوْ صَيْدٍ، يَنْقُصُ مِنْ
أَجْرِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيرَاٌ)).
٤٠٠٦ - (٥٧) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ◌َ.
قَالَ: ((مَنِ اقْتَنَّى كَلْبَاً لَيْسَ بِكَلْبٍ صَيْدٍ وَلاَ مَاشِيَةٍ وَلاَ أَرْضٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ
قِيْرَاطَانٍ، كُلَّ يَوْمٍ)).
وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي الطَّاهِرِ: ((وَلاَ أَرْضٍ)).
٤٠٠٧ - (٥٨) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له: ((مَنِ اتَّخَذَ كَلْباً، إِلَّ
كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيرَاٌ)).
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذُكِرَ لابْنِ عُمَرَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا هُرَيْرَةَ! كَانَ
صَاحِبَ زَرْعِ.
٤٠٠٨ - (٥٩) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ
الدَّسْتَوَائِيُّ. حَذَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَمْسَكَ كَلْباً فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيرَاظُ. إِلَّ كَلْبَ حَرْثٍ
أَوْ مَاشِیةٍ)).
٤٠٠٩ - (٠٠٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا
٥٩ - (٠٠٠) - قوله: (عن أبي هريرة) أخرجه البخاري في الحرث والمزارعة، باب اقتناء
الكلب للحرث، وفي بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم إلخ وأبو داود، (رقم:
٢٨٤٤) في الصيد، باب في اتخاذ الكلب للصيد وغيره، والترمذي (رقم: ١٤٩٠) في الصيد،
باب ما جاء فيمن أمسك كلباً، والنسائي في الصيد، باب الرخصة في إمساك الكلب للحرث.
وابن ماجه في الصيد، باب النهي عن اقتناء الكلب.

٥٠٩
كتاب : المساقاة
الأَوْزَاعِيُّ. حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ. حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ. حَدَّثَنِي أَبُو
هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَهِ، بِمِثْلِهِ.
٤٠١٠ - (٠٠٠) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ. حَدَّثَنَا حَرْبٌ. حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ ، مِثْلَهُ.
٤٠١١ - (٦٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ (يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ) عَنْ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ. حَدَّثَنَا أَبُو رَزِينِ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ :
((مَنِ اتَّخَذَ كَلْباً لَيْسِّ بِكَلْبٍ صَيْدٍ وَلاَ غَنَمِ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيرَاٌ)) .
٤٠١٢ - (٦١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ
خُصَيْفَةَ؛ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ (وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ شَنُوءَةَ
٦٠ - (٠٠٠) - قوله: (عن إسماعيل بن سميع) مصغراً، وهو أبو محمد الحنفي الكوفي،
بياع الثياب السابرية، وكان على مذهب البيهسيين من الخوارج، وهم من الخوارج الصفرية،
وهو موافق لهم في الخروج على أئمة الجوز، وكل من لا يعتقد معتقدهم عندهم كافر، لكن
خالفهم بأنه يقول: إن صاحب الكبيرة لا يكفر، إلا إذا رفع إلى الإمام، فأقيم عليه الحد، فإنه
حينئذ يحكم بكفره، وقال أبو نعيم: إسماعيل بهيسي جاور المسجد أربعين سنة، ولم ير في
جمعة ولا جماعة، وقال محمد بن حميد، عن جرير: كان يرى رأي الخوارج، كتبت عنه، ثم
تركته، وقال ابن عينية: كان بيهسياً، فلم أذهب إليه، ولم أقربه.
وأما في رواية الحديث فوثقه غير واحد، قال الأزدي: كان مذموم الرأي، غير مرضي
المذهب، يرى رأى الخوارج، فأما الحديث فلم يكن به بأس فيه، وقال ابن سعد: كان ثقة إن
شاء الله، وقال أحمد: ثقة، وتركه زائدة لمذهبه، وقال القطان: لم يكن به بأس في الحديث،
وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة مأمون، وقال البخاري: أما في الحديث فلم يكن به
بأس، وذكر البخاري في تفسير سورة نوح تعليقاً عن عظمة، ووصله ابن أبي حاتم من طريق
إسماعيل هذا، كذا في تهذيب التهذيب (١: ٣٠٥ و ٣٠٦).
٦١ - (١٥٧٦) - قوله: (سمع سفيان بن أبي زهير) أخرجه البخاري في الحرث والمزارعة،
باب اقتناء الكلب للحرث، وفي بدء الخلق، قبيل كتاب الأنبياء، ومالك في الاستئذان، باب ما
جاء في أمر الكلاب، والنسائي في الصيد، باب الرخصة في إمساك الكلب والماشية، وابن ماجه
في الصيد، باب النهي عن اقتناء الكلب، وأحمد في مسنده (٥: ٢١٩ و٢٢٠).
وسفيان بن أبي زهير من الصحابة، واسم أبيه الفرد، ترجمه الحافظ في الإصابة ترجمة
قصيرة .

٥١٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَ لِ) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَه يَقُولُ: ((مَنِ اقْتَنَى كَلْباً لاَ يُغْنِي
عَنْهُ زَرْعاً وَلاَ ضَرْعاً، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيرَاٌ)) .
قَالَ: أَنْتَ سَمِعْتَ هُذَا مِنْ رَسُولِ اللّهِ وَهَ؟ قَالَ: إِي، وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ!
٤٠١٣ - (٠٠٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ،
عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ. أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ؛ أَنَّهُ وَفَدَ عَلَيْهِمْ سُفْيَانُ بْنُ أَبِي زُهَيْرٍ
الشََّتِيُّ. فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّله . بِمِثْلِهِ.
(١١) - باب: حل أجرة الحجامة
٤٠١٤ - (٦٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالُوا:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ) عَنْ حُمَيْدٍ. قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ كَسْبٍ
الْحَجَّامِ؟ فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ. حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةً.
قوله: (زَرْعَاً، ولا ضَرْعَاً) المراد من الضرع، المواشي، يعني به استثناء كلب الزرع
والماشية .
قوله: (الشنيء) نسبةً إلى شنوءة، وروي: (شنوى) بإبدال الهمزة واواً على التخفيف،
وروي: (شنوئي) والكل صحيح.
(١١) - باب: حِلّ أجرة الحجامة
٦٢ - (١٥٧٧) - قوله: (يعنون ابن جعفر) هو إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري
الزرقي، مولاهم، وهو من أهل المدينة، قدم بغداد، فلم يزل بها حتى مات سنة ١٨٠ هـ، وثقه
أحمد، وأبو زرعة، والنسائي، وابن معين، وابن المديني وغيرهم، كما في التهذيب (١ :
٢٨٧) .
قوله: (سئل أنس بن مالك) أخرجه البخاري في البيوع، باب ذكر الحجام، وباب من
أجرى الأمصار على ما يتعارفون بينهم، وفي الإجارة، باب ضريبة العبد، وتعاهد ضرائب
الإماء، وباب من كلم موالي العبد أن يخففوا من خراجه، وفي الطب، باب الحجامة من الداء،
وأخرجه مالك في الاستئذان، باب ما جاء في الحجامة، وأجرة الحجام، وأبو داود (رقم:
٣٢٢٤) في البيوع، باب في كسب الحجام، والترمذي رقم ١٢٧٨ في البيوع، باب ما جاء في
الرخصة في كسب الحجام، وابن ماجه في البيوع، باب كسب الحجام.
قوله: (حجمه أبو طيبة) اسمه نافع على الصحيح، فقد روى أحمد في مسند محيصة بن
مسعود، (أنه كان له غلام حجام يقال له نافع أبو طيبة)، ورواه ابن السكن والطبراني أيضاً، كما

٥١١
كتاب : المساقاة
فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنٍ مِنْ طَعَامٍ. وَكَلَّمَ أَهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ. وَقَالَ: ((إِنَّ أَفْضَلَ مَا
تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ. أَوْ هُوِّ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ)) .
في إجارة فتح الباري (٤: ٣٧٧). وحكى ابن عبد البر أن اسمه دينار، ووهموه في ذلك، لأن
ديناراً الحجام تابعي روى عن أبي طيبة، لا أنه اسم أبي طيبة، وذكر البغوي في معجم الصحابة
بإسناد ضعيف أن اسم أبي طيبة ميسرة. وذكر ابن الحذاء في رجال الموطأ أنه عاش مائة وثلاثاً
وأربعين سنة وراجع فتح الباري، والإصابة (٤: ١١٤ و١١٥).
قوله: (فأمر له بصاعين) يعني من تمر، كما هو مصرح عند البخاري في البيوع من رواية
مالك عند حميد، وأعطاه الأجر عليَّ رضي الله تعالى عنه، كما هو مصرح في حديث علي عند
الترمذي وابن ماجه .
ودل الحديث على جواز أجرة الحجام، وهو قول الجمهور كما مر قبل باب واحد، وحمل
الجمهور أحاديث النهي على التنزيه، لما في هذا الكسب من الدناءة والتلوث بالنجاسات، وذكر
ابن الجوزي أن أجر الحجام إنما كره، لأنه من الأشياء التي تجب للمسلم على المسلم إعانة له
عند الاحتياج له، فما كان ينبغي له أن يأخذ على ذلك أجراً. وجمع ابن العربي بين قوله ظلَّلا:
(كسب الحجام خبيث) وبين إعطائه الحجام أجرته، بأن محل الجواز ما إذا كانت الأجرة على
عمل معلوم، ويحمل الزجر على ما إذا كان على عمل مجهول. ومنهم من ادعى النسخ، وأنه
كان حراماً، ثم أبيح، وجنح إلى ذلك الطحاوي. هذا ملخص ما في فتح الباري (٤: ٣٧٦).
واعترض ابن المنير على الاستدلال بهذا الحديث على جواز أجرة الحجامة، بأن إعطاء
الأجرة على الحجامة لا يدل على تصويبه، لأن المحتجم يحتاج إليه، بخلاف الحجام، لأن له
أن يختار كسباً آخر، ورده الحافظ في بيوع الفتح (٤: ٢٧٢) بأنه إن أراد بالتصويب التحسين
والندب، فهو كما قال، وإن أراد التجويز فلا، فإنه يسوغ للمستعمل تعاطيها للضرورة، ومن
لازم تعاطيها للمحتجم تعاطي الحجام لها .
قوله: (فوضعوا عنه من خراجه) الخراج هنا: ما كان يجعل المولى على عبده من غلة
معينة يكسبها له كل يوم: ويقال لها الضريبة أيضاً. وقد أخرج ابن أبي شيبة أنه وير قال للحجام:
كم خراجك؟ قال: صاعان، قال: فوضع عنه صاعاً. حكاه الحافظ في إجارة الفتح (٤ :
٣٧٨).
قوله: (إن أفضل ما تداويتم به الحجامة) الظاهر أن الأفضلية هنا ليست شرعية، بل هي
طبية وتجربية، وقد وقع عند النسائي بلفظ: ((خير ما تداويتم به الحجامة)).
قال الحافظ في طب الفتح (١٠: ١٢٧): ((قال أهل المعرفة: الخطاب بذلك لأهل
الحجاز، ومن كان في معناهم من أهل البلاد الحارة، لأن دماءهم رقيقة، وتميل إلى ظاهر

٥١٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٠١٥ - (٦٣) حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا مَرْوَانُ (يَعْنِي الْفَزَارِيَّ) عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ:
سُئِلَ أَنَسٌِّ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ؟ فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ
وَالْقُسْطُ الْبَحْرِيُّ. وَلاَ تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ)).
الأبدان لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح البدن. ويؤخذ من هذا الخطاب أيضاً لغير
الشيوخ، لقلة الحرارة في أبدانهم، وقد أخرج الطبري بسند صحيح، عن ابن سيرين قال: إذا بلغ
الرجل أربعين سنة لم يحتجم، قال الطبري: ذلك أنه يصير من حينئذ في انتقاص من عمره،
وانحلال من قوى جسده، فلا ينبغي له أن يزيده وهياً بإخراج الدم اهـ. وهو محمول على من لم
تتعين حاجته إليه، وعلى من لم يعتد به، وقد قال ابن سينا في أرجوزته :
فلا يكن يقطع تلك العادة
ومن يكن تعودا الفصاده
ثم أشار إلى أنه يقلل ذلك بالتدريج، إلى أن ينقطع جملة في عشر الثمانين)).
٦٣ - (٠٠٠) - قوله: (القسط البحري) بضم القاف، ويقال له: كست أيضاً، وتقدم في
الطلاق، قبيل كتاب اللعان أنه نوع من البحور، وقال ابن العربي: ((القسط نوعان: هندي، وهو
أسود، وبحري، وهو أبيض، والهندي أشدهما حرارة)) وقد وقع الترغيب في الحديث إلى
كليهما، فالقسط البحري مصرح هنا، وأما الهندي فقد أخرج البخاري في الطب، باب السعوط
بالقسط الهندي، عن أم قيس بنت محصن قالت: سمعت النبي وَّل يقول: ((عليكم بهذا العود
الهندي)).
قال الحافظ في الفتح (١٠: ١٢٥): ((وهو محمول على أنه وصف لكل ما يلائمه، فحيث
وصف الهندي كان الاحتياج في المعالجة إلى دواء شديد الحرارة، وحيث وصف البحري، كان
دور ذلك في الحرارة، لأن الهندي كما تقدم، أشد حرارة من البحري، وقال ابن سينا: القسط
حار في الثالثة، ويابس في الثانية)).
قوله: (ولا تعذبوا صبيانكم بالغمز) بفتح الغين، معناه: لا تغمزوا حلق الصبيّ بسبب
العذرة، وكانت نساء العرب يفعلن ذلك علاجاً للعذرة. والعذرة، بضم العين، وسكون الدال:
وجع في الحلق يعتري الصبيان غالباً. وقيل: هي قرحة تخرج بين الأذن والحلق، أو في الحزم
الذي بين الأنف والحلق. قيل: سميت بذلك لأنها تخرج غالباً عند طلوع العذرة وهي خمسة
كواكب تحت الشعرى العبور؟ ويقال لها: العذارى أيضاً، وطلوعها يقع وسط الحر.
وقد استشكل معالجتها بالقسط مع كونه حاراً، والعذرة إنما تعرض في زمن الحر
بالصبيان، وأمزجتهم حارة، لا سيما وقُظْرُ الحجاز حار. وأجيب بأن مادة العذرة دم يغلب عليه
البلغم وفي القسط تجفيف للرطوبة، وقد يكون نفعه في هذا الدواء بالخاصية، وأيضاً، فالأدوية
الحارة بالعرض كثيراً، بل وبالذات أيضاً. وقد ذكر ابن سينا في معالجة سقوط اللهاة القسط مع

٥١٣
كتاب: المساقاة
٤٠١٦ _ (٦٤) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشِ. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
حُمَيْدٍ. قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً يَقُولُ: دَعَا النَّبِيُّ وَِّ غُلاَمَاً لَنَا حَجَّاماً. فَحَجَمَهُ. فَأَمَرَ لَهُ بِضَاعِ
أَوْ مُدِّ أَوْ مُذَّيْنٍ. وَكَلَّمَ فِيهِ. فَخُفِّفَ عَنْ ضَرِيبَتِهِ.
٤٠١٧ - (٦٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم. ح وَحَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ. كِلاَهُمَا عَنْ وُهَيْبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهاخْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَاسْتَعَطَ.
٤٠١٨ - (٦٦) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ). قَالاً:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: حَجَمَ
الشب اليماني وغيره. على أننا لو لم نجد شيئاً من التوجيهات لكان أمر المعجزة خارجاً عن
القواعد الطبية. كذا في فتح الباري (١٠: ١٢٥).
٦٤ - (٠٠٠) - قوله: (بصاع، أو مد، أو مدين) شك من شعبة، ووقع في رواية آدم عنه
عند البخاري في الإجارة: ((بصاع، أو صاعين، أو مد، أو مدين)) وكذلك وقع الشك عنده أيضاً
في رواية سفيان، وفيها: ((بصاع أو صاعين)) ولم يذكر المد. وقد تقدم في رواية إسماعيل بن
جعفر أول الباب الجزم بالصاعين، وأخرجه البخاري في البيوع من طريق مالك، وفيه الجزم
بالصاع.
ولعل السبب في هذا الاختلاف والشك أن النبي وسير أعطاه صاعاً، ووضع صاعاً من
خراجه، كما تقدم من رواية ابن أبي شيبة أن خراجه كان صاعين وإليه أشار الحافظ في الفتح
(٤ : ٣٧٨)، والله سبحانه أعلم.
٦٥ - (٠٠٠) - قوله: (عن ابن عباس) أخرجه البخاري في البيوع، باب ذكر الحجام، وفي
الإجارة، باب خراج الحجام، وفي الطب، باب السعوط، وأبو داود، (رقم: ٣٤٢٣)، وابن
ماجه، كلاهما في البيوع، باب كسب الحجام.
قوله: (واسْتَعَطَ) هو صيغة ماض من الافتعال، وسينه أصلية، يعني: استعمل السعوط.
والسعوط، بفتح السين: ما يجعل في الأنف من الدواء. وطريق الاستعاط: أن يستلقي الرجل
على ظهره، ويجعل بين كتفيه ما يرفعهما، ليخدر رأسه، ويقطر في أنفه ماء، أو دهناً في دواء،
ليتمكن بذلك من الوصول إلى دماغه، لاستخراج ما فيه من الداء بالعطاس. كذا في فتح الباري
(١٠ : ١٢٤).
ولعل ذكر الاستعاط في هذا الحديث جاء في سياق ما تداوى به رسول الله وَطقر، فذكر ابن
عباس رضيها منه الحجامة، والاستعاط.

٥١٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
النَّبِيَّ وََّ عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ. فَأَعْطَاهُ النَِّيُّ ◌َهِ أَجْرَهُ. وَكَلَّمَ سَيِّدَهُ فَخَفَّفَ عَنْهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ .
وَلَوْ كَانَ سُحْتَاً لَمْ يُعْطِهِ النَِّيُّ ◌َِّ.
(١٢) - باب: تحريم بيع الخمر
٤٠١٩ - (٦٧) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ
عَبْدِ الأَعْلَى أَبُو هَمَّام. حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ.
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَليهِ يَخْطُبُ بِالمَدِينَةِ قَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَرِّضُ
بِالْخَمْرِ. وَلَعَلَّ اللَّهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْراً. فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ .
٦٦ - (٠٠٠) - قوله: (ولو كان سحتاً لم يعطه) يعني: لو كانت أجرة الحجام حراماً لم
يعطه النبي وَل، وفيه تقوية لمذهب الجمهور، من حل أجرة الحجامة، والله سبحانه أعلم.
(١٢) - باب: تحريم بيع الخمر
٦٧ - (١٥٧٨) - قوله: (سعيد الجريري) بضم الجيم مصغراً، نسبة إلى جرير بن عباد بن
ضبيعة، كما في المقني للفتني وهو سعيد بن إياس الجريري، تقدم ذكره مراراً في هذا الكتاب،
وهو ثقة اتفق عليه الشيخان، لكنه تغير في آخر عمره، ذكره الحافظ في التهذيب (٤: ٦).
قوله: (عن أبي سعيد الخدري) هذا الحديث مما تفرد بإخراجه مسلم من بين الأئمة الستة،
وأخرجه أيضاً البيهقي (٦: ١١) في البيوع، باب تحريم التجارة في الخمر، بهذا الطريق
واللفظ .
قوله: (يُعَرِّضُ بالخمر) يعني: يشير إلى قبحها وكراهيتها، من غير تصريح بالحرمة مما يدل
على أنها سوف تجعل حراماً. ومن قبيل هذا التعريض قوله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ
نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَا﴾ [النحل: ٦٧] فإنه تعالى عطف فيه السكر على الرزق الحسن، وهو
يعرض بأن الخمر ليس من الرزق الحسن، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾
[البقرة: ٢١٩] فإنه يشير من غير تصريح بالحرمة، إلى استحباب تركها، فإن العقل يقتضي ترك ما كان
ضرره أكثر من نفعه، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣].
ووقع في رواية ذكرها رزين: ((لما نزلت: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ
كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن ◌َّفْعِهِمًا﴾ [البقرة: ٢١٩]، قال رسول الله وَّيه: يا أيها الناس:
إن الله يعرض بالخمر)) ذكره ابن الأثير في جامع الأصول (٥: ١١٣).
وأخرجه ابن جرير في تفسيره (٢: ٢٠٤) عن الربيع بن أنس قوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمًا﴾، قال: لما نزلت هذه الآية
قال رسول الله ◌ّية: إن ربكم مقدم في تحريم الخمر، قال: ثم نزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا

٥١٥
كتاب: المساقاة
فَلْيَبِعْهُ وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ)). قَالَ: فَمَا لَبِثْنَا إِلاَّ يَسِيراً حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ وََّ: ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ
الْخَمْرَ. فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هُذِهِ الْآيَةُ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلاَ يَشْرَبْ وَلاَ يَبِغْ)). قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ
تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، قال النبي ◌َّ: إن ربكم مقدم في
تحريم الخمر، قال: ثم نزلت: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّ الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ
الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩١]، فحرمت الخمر عند ذلك» .
قوله: (فليَيِعْهُ) فيه بذل النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم، لأنه وَّ نصحهم في تعجيل
الانتفاع بالخمر مادامت حلالاً. والحديث دليل أيضاً على كون الإباحة أصلاً في الأشياء، ما لم
تنزل حرمة .
قوله: (فلا يشرب ولا يبع) أما حرمة شرب الخمر والانتفاع بها فثابتة قطعاً، وستجيء
المسائل المتعلقة بذلك في كتاب الأشربة إن شاء الله تعالى.
وأما بيع الخمر وشراؤها فحرام أيضاً عند الفقهاء بأسرهم، وحكى الموفق ابن قدامة في
المغني (٤: ٢٢٤) الإجماع على ذلك.
ولكن الخمر عند الحنفية: هي النيء من ماء العنب فقط، إذا اشتد وغلا، كما سيأتي في
الأشربة إن شاء الله فيحرم بيعها مطلقاً، وأما الأشربة المحرمة، أو المسكرة الأخرى فبيعها
منعقد عند أبي حنيفة، غير أنه يكره لأن المنهي عنه في الحديث هو بيع الخمر، ولا يطلق اسم
الخمر إلا على النيء من ماء العنب، فبقي المتقوم في غيرها من الأشربة على أصله. وقال أبو
يوسف ومحمد رحمهما الله: المطبوخ من عصير العنب، ونقيع التمر، ونقيع الزبيب في حكم
الخمر، فلا ينعقد بيع هذه الأشربة الثلاثة أيضاً، وينعقد بيع ما سواها، هذا ملخص ما في
الهداية، وفتح القدير (٨: ١٥٩ و١٦٠) وقد ذكر ابن عابدين الشامي تخلّفُهُ أن الفتوى على قول
أبي حنيفة في البيع، راجع رد المحتار (٥: ٣٢٣) من كتاب الأشربة.
وحاصل ذلك أن البيع باطل على القول المختار عند الحنفية في الخمر، يعني النيء من
ماء العنب فقط، وبيع الأشربة المحرمة أو المسكرة منعقد عندهم مع الكراهة، والظاهر أن هذه
الكراهة إنما تثبت إذا تعاطاه الرجل لغرض غير مشروع، وأما إذا تعاطاه لغرض مشروع،
كالدواء، والضماد وغيره فيما يجوز استعماله فيه، فالظاهر أن لا كراهة أيضاً.
وإنما نبهتُ على هذا لأن ((الكحول)) المسكرة (ALCOHALS) اليوم صارت تستعمل في
معظم الأدوية، ولأغراض كيمياوية أخرى، ولا تستغني عنها كثير من الصناعات الحديثة، وقد
عمت بها البلوى، واشتدت إليها الحاجة، والحكم فيها على قول أبي حنيفة سهل، لأنها إن لم
تكن مصنوعة من النيء من ماء العنب، فلا يحرم بيعها عنده، والذي ظهر لي أن معظم هذه
الكحول لا تصنع من العنب، بل تصنع من غيرها. وراجعت له دائرة المعارف البريطانية
المطبوعة (١٩٥٠ م، ١ : ٥٤٤)، فوجدت فيها جدولاً للمواد التي تصنع منها هذه الكحول،

٥١٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا، فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، فَسَفَكُوهَا.
٤٠٢٠ - (٦٨) حدّثنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ
أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ وَعْلَةَ (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ)؛ أَنَّهُ جَاءَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ. ح
وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ (وَالَلَّفْظُ لَهُ). أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبِ. أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنْسٍ وَغَيْرُهُ، عَنْ
زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحمُنِ بْنِ وَعْلةَ السَّبىءَ (مِنْ أَهْلِ مِصْرَ)؛ أَنَّهُ سَأَلِّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عَبَّاسٍ عَمَّا يُعْصَرُ مِنَ الْعِنَبِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ رَجُلاً أَهْدَىْ لِرَسُولِ اللَّهِ وَهُ
فذكر في جملتها العسل، والدبس، والحب، والشعير، والجودار، وعصير أناناس (التفاح
الصوبري)، والسلفات، والكبريتات، ولم يذكر فيها العنب والتمر.
فالحاصل أن هذه (الكحول)) لو لم تكن مصنوعة من العنب والتمر، فبيعها للأغراض
الكيمياوية جائز باتفاق بين أبي حنيفة وصاحبيه، وإن كانت مصنوعة من التمر أو من المطبوخ من
عصير العنب، فكذلك عند أبي حنيفة، خلافاً لصاحبيه، ولو كانت مصنوعة من العنب النيء
فبيعها حرام عندهم جميعاً، والظاهر أن معظم ((الكحول)) لا تصنع من عنب، ولا تمر، فينبغي أن
يجوز بيعها لأغراض مشروعة في قول علماء الحنفية جميعاً .
وأما على قول الشافعية فلا يجوز استعمال الأشربة المحرمة للدواء صرفاً، ولكن إذا كانت
مستهلكة مع دواء آخر، فيجوز التداوي بها عندهم إن عرف بنفعها وتعيينها، بأن لا يغني عنه
طاهر، كما صرح به الرملي في نهاية المحتاج (٨: ١٢)، فلينظر: هل يجوز بيعها عندهم في
هذه الحالة؟
قوله: (فسفكوها) استدل به الأئمة الثلاثة على منع تخليل الخمر، وستأتي المسألة
بتفاصيلها في كتاب الأشربة إن شاء الله تعالى.
٦٨ - (١٥٧٩) - قوله: (عن عبد الرحمن بن وعلة) هذا الحديث أخرجه أيضاً مالك في
الأشربة، باب ما جاء في تحريم الخمر، والنسائي في البيوع، باب بيع الخمر، والدارمي في
الأشربة، باب النهي عن الخمر وشرائها، (رقم: ٢١٠٩) وأحمد في مسند ابن عباس (١: ٢٣٠
و ٢٤٤ و ٣٢٤ و ٣٥٨).
قوله: (سأل عبد الله بن عباس) وفي رواية فليح عن زيد بن أسلم عند أحمد (١: ٢٤٤):
((عن عبد الرحمن بن وعلة قال: سألت ابن عباس، فقلت: إنا بأرض لنا بها الكروم، وإن أكثر
غلاتها الخمر، فقال إلخ)).
قوله: (إن رجلاً أهدى) اسمه أبو عامر الثقفي، كما هو مصرح في رواية الإمام أبي حنيفة
في جامع المسانيد ٢: ٦١ وفي رواية القعقاع بن حكيم عند الدارمي (٢: ٤٠)، وأحمد (١:
٢٣٠): ((كان لرسول الله ◌َّل صديق من ثقيف، أو دوس، فلقيه بمكة عام الفتح براوية خمر

٥١٧
كتاب: المساقاة
رَاوِيَةَ خَمْرٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟)) قَالَ: لاَ. فَسَارَّ
إِنْسَاناً. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((بِمَ سَارَزْتَهُ؟)) فَقَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا. فَقَالَ: ((إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ
شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا)) قَالَ:
يهديها إليه)) وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن زيد بن أسلم عند أحمد (١: ٣٢٣): ((إن
رجلاً خرج والخمر حلال، فأهدى لرسول الله وَل* راوية خمر، فأقبل يقتادها على بعير، حتى
وجد رسول الله ﴿ ﴿ جالساً، فقال ما هذا معك؟ قال: راوية خمر أهديتها لك إلخ)).
قوله: (راوية خمر) الراوية: هي المزادة، أي القربة، لأنها تروي صاحبها، وقيل: البعير،
كذا في مجمع البحار، وحكى النووي القولين، ثم رجح الأول، لأن الراوي سماها في أول
الحديث راوية، وفي آخره: مزادة.
قوله: (هل علمت أن الله قد حرمها) تقدم في رواية أحمد أن هذا المهدي كان قد خرج
من عند رسول الله وَر قبل تحريم الخمر، ولذلك سأله رسول الله وَلّر عن ذلك، ووقع في رواية
فليح عند أحمد (١: ٢٤٤) ((فقال له رسول الله وسلو: هل علمت أن الله حرمها بعدك؟)).
وقال النووي: ((لعل السؤال كان ليعرف حاله، فإن كان عالماً بتحريمها أنكر عليها
هديتها، وإمساكها، وحملها، وعزره على ذلك، فلما أخبره أنه كان جاهلاً بذلك عذره،
والظاهر أن هذه القضية كانت على قرب تحريم الخمر قبل اشتهار ذلك وفي هذا أن من ارتكب
معصية جاهلاً تحريمها لا إثم عليه، ولا تعزیر)).
قوله: (فسارَّ إنساناً) وكان هذا الإنسان غلاماً له، كما هو مصرح في رواية القعقاع عند
أحمد (١: ٢٣٠) وكان يقود بعيره، كما هو مصرح في رواية عبد الرحمن بن إسحاق عند أحمد
(١ : ٣٢٤) .
قوله: (بم ساررته؟) قال الأبي: ((فيه أن على العالم أن يكشف عما يظن أن باطنه خلاف
ظاهره، إذا خاف أن يجري فيه ما لا يجوز، لأنه قام بباله أن مسارته في شأنها، وقد سبق من
جهله بالحكم ما سبق، فاستكشف فإذا الأمر كما ظن، وليس هذا من التجسس، وكشف
الأسرار، وكثرة السؤال، لأن المذموم من ذلك إنما هو فيما لا يختص بالإنسان، ولا يلزمه
القيام به، وأما ما يختص بالإنسان، أو يلزمه القيام به، والنظر فيه، فعليه البحث والكشف، لئلا
يجري من ذلك ما يضره، أو يضاف إليه ما لا يرضاه)).
قوله: (إن الذي حرم شربها حرم بيعها) قال الأبي: ((الأظهر أنه خبر عن الله تعالى، وأنه
حرم الأمرين لا أنه خبر عن العلة)) قال العبد الضعيف عفا الله عنه: فلا يصح الاستدلال به على
بطلان بيع سائر المحرمات، أو النجاسات، كما استدل به بعضهم، وسيجيء الكلام على هذه
المسألة قريباً إن شاء الله.

٥١٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَفَتَحَ الْمَزَادَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا .
٤٠٢١ - (٠٠٠) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ،
عَنْ يَحْيِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ وَعْلَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَلِهِ. مِثْلَهُ.
٤٠٢٢ - (٦٩) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا .
وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ.
قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَاتُ مِنْ آخِرٍ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ فَ لَ﴿ فَاقْتَرَأَ هُنَّ عَلَى
النَّاسِ. ثُمَّ نَهَى عَنِ التِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ.
قوله: (ففتح المزادة) وفي رواية قتيبة عن مالك عند النسائي: ((ففتح المزادتين)) ويمكن
الجمع بأن اللام في حديث الباب للجنس. وفي رواية القعقاع عند الدارمي وأحمد: ((فأمر بها،
فأفرغت في البطحاء، وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق عند أحمد: ((فأمر بعزالي المزادة،
ففتحت، فخرجت في التراب، فنظرت إليها في البطحاء ما فيها شيء)).
٦٩ - (١٥٨٠) - قوله: (عن عائشة) أخرجه البخاري في المساجد، باب تحريم تجارة
الخمر في المسجد، وفي البيوع، باب آكل الربا وشاهده وكاتبه، وباب تحريم التجارة في
الخمر، وفي تفسير سورة البقرة، باب وأحل الله البيع وحرم الربا، وباب يمحق الله الربا، وباب
فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وأخرجه أبو داود في الإجارة، باب في ثمن الخمر والميتة،
(رقم: ٣٤٩٠)، والنسائي في البيوع، باب بيع الخمر، وابن ماجه في الأشربة، باب التجارة في
الخمر، والدارمي في البيوع، باب في النهي عن بيع الخمر، وأحمد في مسند عائشة (٦: ٤٦
و ١٠٠ و١٨٦ و١٩٠ و٢٧٨).
قوله: (الآيات من آخر سورة البقرة) تعني آيات الربا، وقد صرحت به عائشة في الرواية
الآتية .
قوله: (فَاقْتَرَأَهُنَّ على الناس، ثم نهى) ظاهره أن تحريم تجارة الخمر بعد نزول آيات
الربا، ولكن تحريم الخمر في سورة المائدة، وهي نزلت قبل آية الربا بمدة طويلة، فإن آية الربا
آخر ما نزل، أو من أواخر ما نزل، فيحتمل أن يكون هذا النهي عن التجارة متأخراً عن
تحريمها، ويحتمل أنه أخبر بتحريم التجارة حين حرمت الخمر، ثم أخبر به مرة أخرى بعد نزول
آية الربا توكيداً، ومبالغةً في إشاعته ولعله حضر المجلس من لم يكن بلغه تحريم التجارة فيها ،
كذا حققه النووي، والحافظان العيني والعسقلاني رحمهم الله.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: قد ثبت إعلان حرمة التجارة في الخمر عند فتح مكة،
بدليل حديث ابن عباس السابق، فقد أسلفنا في شرحه أن تلك الواقعة كانت بمكة بعام الفتح،

٥١٩
كتاب : المساقاة
٤٠٢٣ - (٧٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ
لأَبِي كُرَيْبٍ) (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الْآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فِي
الرِّبَا، قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ.
(١٣) - باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
٤٠٢٤ - (٧١) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ
عَطَّاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ وَ لَهَ يَقُولُ، عَامَ الْفَتْحِ،
كما هو مصرح عند الدارمي وأحمد، وكذلك سيأتي في حديث جابر أن النبي وقلّ أعلن بحرمة
الخمر بمكة عام الفتح، فظهر أن تحريم التجارة في الخمر كان قبل حرمة الربا بكثير، ثم قال واَية
في حديث ابن عباس السابق: (إن الذي حرم شربها حرم بيعها) وظاهره أن حرمة الشرب وحرمة
البيع مقارنتان زماناً، وقد روى الإمام أبو حنيفة هذا الحديث بما هو صريح في ذلك، فقال:
(عن محمد بن قيس: أن رجلاً من ثقيف يكنى أبا عامر كان يهدي للنبي وقّ كل عام راوية من
الخمر، وأهدى إليه في العام الذي حرمت فيه الخمر راوية، كما كان يهدي له، فقال رسول
الله ◌َله: يا أبا عامر! إن الله تعالى قد حرم الخمر، فلا حاجة لنا بخمرك، قال: خذها، فبعها،
واستعن بثمنها على حاجتك، فقال رسول الله وَلقول: يا أبا عامر إن الله قد حرم شربها وبيعها وأكل
ثمنها) كذا في جامع مسانيد الإمام للخوارزمي (٢: ٦١)، ويدل عليه أيضاً ما مر في أول الباب
من حديث أبي سعيد الخدري، وفيه: ((فمن أدركته هذه الآية، وعنده منها شيء فلا يشرب ولا
يبع)) فإنه صريح في وقوع تحريم الشرب والبيع معاً، ويدل عليه أيضاً أن الصحابة سفكوا
خمورهم عند نزول آية المائدة، حتى أمر النبي و لتر بإهراق خمر الأيتام، فلو كان البيع إذ ذاك
جائزاً لما أضاعوا أموالهم.
فالقول بتأخر تحريم التجارة في الخمر عن تحريم شربها قول لا تساعده الروايات،
والصحيح أن تحريم البيع كان مقارناً لتحريم الشرب، وإنما أعلن رسول الله وسل* ذلك عند نزول
آية الربا تذكيراً، وتأكيداً، لا تأسيساً، والله سبحانه أعلم.
٧٠ - (٠٠٠) - قوله: (عن الأعمش، عن مسلم) مسلم هذا: هو ابن صبيح، وكنيته أبو
الضحى، فذكره منصور في الرواية السابقة بكنيته، وذكر الأعمش هنا باسمه .
[(١٣) - باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام]
٧١ - (١٥٨١) - قوله: (عن جابر بن عبد الله) أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع الميتة
والأصنام، وفي المغازي، باب منزل النبي وَلّر يوم الفتح، والترمذي في البيوع، باب ما جاء في

٥٢٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَهُوَ بِمَكَّةَ: ((إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ
بيع جلود الميتة، (رقم: ١٢٩٧) وأبو داود في الإجارة، باب في ثمن الخمر والميتة، (رقم:
٣٤٨٦)، والنسائي في البيوع، باب بيع الخنزير، وابن ماجه في التجارات، باب ما لا يحل
بيعه، (رقم: ٢١٦٧).
قوله: (إن الله ورسوله حرم) كان القياس: (حرما) بصيغة التثنية، وكذلك رواه ابن مردويه
في تفسيره من طريق الليث، ولكن معظم الروايات وردت بصيغة الإفراد، وأما أبو داود فروى:
(إن الله حرم) وليس فيه: (ورسوله).
وقد وجه القرطبي في (المفهم) رواية الباب أن النبي ◌َّ تأدب مع الله سبحانه، فلم يجمع
بينه وبين اسم الله تعالى في ضمير الاثنين، وقد روي عنه وَلّ أنه أنكر خطيباً قال في خطبته:
(ومن يعصهما فقد غوى) فقال بَّر: (بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله).
وقد رد الحافظان العيني والعسقلاني على هذا التوجيه بأنه قد ثبت في الصحيح تثنية
الضمير في غير حديث، ففي الصحيحين من حديث أنس رَظُبه: (فنادى منادي رسول الله وَله: إن
الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر) وروى أبو داود من حديث ابن مسعود أن رسول الله وله
كان إذا تشهد قال: (الحمد لله نحمده ونستعينه إلخ) وفيه: (من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن
يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه).
ثم أجاب الحافظان عن أصل الإشكال بأن صيغة المفرد في مثل هذا جائزة، وفيه إشارة
إلى أن أمر الله وأمر رسوله واحد، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُ: أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]
والقياس أن يكون: (أن يرضوهما) والمختار في هذا أنه كانت هناك جملتان، فحذفت الأولى
منهما لدلالة الثانية عليها، والتقدير عند سيبويه: (والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن
يرضوه)، وهو كقول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأي مختلف
هذه خلاصة ما في فتح الباري (٥: ٣٥٢) وعمدة القاري (٥: ٦٠٥).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: الإفراد والتثنية كلاهما جائزان في مثل هذا، أما التثنية
فعلى الأصل، وأما الإفراد فعلى ما أول به سيبويه. والذي يظهر لي أن النبي ولو كانت له شؤون
مختلفة، فإذا غلب عليه شأن التأدب مع الله سبحانه رجح تقطيع الكلام وأنكر على خطيب جمع
بينه وبين الله سبحانه بصيغة التثنية، وكلما غلب عليه شأن الرحمة على العباد، وتوحد أمره وأمر
الله، أجاز صيغة التثنية ولم يكن المراد في شيء من الأحوال تحريم أحد الطريقين أو المنع منه
مطلقاً، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (والميتة) بفتح الميم، هي التي تموت حتف أنفها من غير ذكاة شرعية، وقد وقع