Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ كتاب: البيوع ٣٨١٧ - (٣٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ). أَخْبَرَنَا مَعْمُرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ فَهَ: ((مَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ)). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ. ٣٨١٨ - (٣١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ)). فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ؟ فَقَالَ: أَلاَ تَرَاهُمْ يَتَبَايَعُونَ بِالذَّهَبِ، وَالطَّعَامُ مُرْجَأُ؟ وَلَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ: مُرْجَأٌ . ٣٨١٩ - (٣٢) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ. حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ قَالَ: ((مَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ)». الغلاء نصيب العامة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، ولو أنهم عملوا بأمر النبي ◌َّ لم يبيعوا البضائع حتى تصل إلى البلاد، وحتى يقبضها البائع، فتقل الأرباح المتوسطة، وترخص الأثمان في السوق. ٣١ - (٠٠٠) - قوله: (ألا تراهم يتبايعون بالذهب) إلخ بيان لسبب النهي عن البيع قبل القبض، وحاصله أن البيع قبل القبض يتضمن بيع الذهب بالذهب متفاضلاً، وذلك أن الرجل إذا اشترى طعاماً بمائة دينار مثلاً، ودفعها للبائع ولم يقبض منه الطعام، ثم باع الطعام لآخر بمائة وعشرين ديناراً وقبضها، والطعام في يد البائع، فكأنه باع مائة دينار بمائة وعشرين ديناراً، لأنه أدى إلى البائع الأول مائة دينار، ولم يأخذ الطعام في عوضه، بل أخذ مائة وعشرين ديناراً من المشتري الثاني عوضاً عما أدى إلى البائع الأول، وهذا التفسير لقول ابن عباس مأخوذ من كلام الحافظ في فتح الباري (٤: ٢٩٢). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن هذا التعليل اجتهاد من ابن عباس على ما يظهر، وإنما العلة المنصوصة في ذلك ما رويناه في حديث عبد الله بن عمرو رضيها، وهو أن البيع قبل القبض يتضمن ربح ما لم يضمن، فلا يرد على الحنفية أن العلة التي ذكرها ابن عباس تشمل العقار أيضاً، والله أعلم. قوله: (والطعام مرجأ) يعني: مؤخر، والمراد أن الطعام لما سقط من البين لكونه مرجأ، صار ذلك مبادلة الذهب بالذهب متفاضلاً، أو مؤجلاً، كما قدمنا شرحه. ٣٤٢ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٨٢٠ - (٣٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ نَبْتَاعُ الطَّعَامَ. فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ. إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ. قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ. ٣٨٢١ - (٣٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ (وَاللَّفْظ لَهُ). حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّهَ قَالَ: ((مَنِ اشْتَرَىْ طَعَاماً فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ)». قَالَ: وَكُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ جِزَافاً. فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ بِ ◌ّهِ أَنْ نَبِيعَهُ، حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَکَانِهِ . ٣٣ - (١٥٢٧) - قوله: (عن ابن عمر) أخرجه البخاري في البيوع، باب الكيل على البائع والمعطي، وباب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة، وباب بيع الطعام قبل أن يقبض، وباب من رأى إذا اشترى طعاماً جزافاً أن لا يبيعه حتى يؤويه إلى رحله، وفي المحاربين، باب كم التعزير والأدب، وأخرجه مالك في البيوع، باب العينة وما شابهها، وأبو داود في البيوع، باب بيع الطعام قبل أن يستوفى، والنسائي في البيوع، باب النهي عن بيع ما اشتري من الطعام بكيل حتى يستوفى، وباب بيع ما يشترى من طعام جزافاً قبل أن ينقل من مكانه، وأحمد في مسند ابن عمر طًا (٢: ٢٢، ٦٣ و٦٤). قوله: (إلى مكان سواه) ظاهره أن مجرد قبض المشتري المبيع لا يكفي لجواز بيعه، بل يجب أيضاً أن يحوله إلى مكان آخر، ولكن قال العيني في العمدة (٥: ٤٨٧) إن الإيواء المذكور في الحديث (يعني: نقل المبيع من مكان المبيع إلى غيره، وقد عبر عنه بالإيواء إلى الرحال في بعض الروايات كما سيأتي) عبارة عن القبض. وقد صرح الحافظ في الفتح (٤: ٢٩٣) أن الجمهور لم يقيدوا جواز البيع بالإيواء إلى الرحال، لأنه خرج في الحديث مخرج الغالب، فتحصل منه أن المقصود أن لا يبيع المشتري ما اشتراه إلى غيره حتى يقبضه فإن قبضه جاز له البيع، سواء نقله إلى مكان غيره أو لم ينقل، وقد اتفق عليه العلماء. (١٥٢٧) - قوله: (جزافاً) هو بكسر الجيم مصدر من جازف يجازف، وقيل: هو بضم الجيم، وقيل: بفتحها، ولكن الكسر أفصح وأقيس، ومعناه الشراء بدون كيل أو وزن. وأصله معرب من لفظ الفارسية: ((كَزاف)) ومن ثم جعله بعضهم مضموم الجيم، لأن الكاف الفارسية في أصل الكلمة مضمومة، ولكنهم بعد ما عربوه وبنوا منه فعلاً أجروا فيه القياس الصرفي وهو كسر الجيم، فصار أفصح، كما يظهر من تاج العروس للزبيدي. ثم قد اتفق الجمهور على أن ذكر الجزاف في الحديث بيان للواقع، وليس قيداً لحرمة البيع قبل القبض، فيحرم البيع قبل القبض فيما بِيعَ مكايلة أو موازنة، كما يحرم فيما بيع مجازفة، لأن ٣٤٣ كتاب : البيوع ٣٨٢٢ - (٣٥) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَ لَ قَالَ: (مَنِ اشْتَرَىُ طَعَاماً فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ وَيَقْبِضَهُ)). ٣٨٢٣ - (٣٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرِ (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ. وَقَالَ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَلِهِ: ((مَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ)». ٣٨٢٤ - (٣٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَىَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُمْ كَانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَرَ، إِذَا اشْتَرَوْا طَعَاماً جِزَافاً، أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يُحَوِّلُوهُ. ٣٨٢٥ - (٣٨) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدٍ رَسُولِ اللهِ وَلَ، إِذَا ابْتَاعُوا الطَّعَامَ جِزَافاً، يُضْرَبُونَ فِي أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ. وَذُلِكَ حَتَّى يُؤْرُوهُ إِلَىْ رِحَالِهِمْ. ألفاظ الحديث في الروايات السابقة عامة تشمل المجازفات والمكايلات جميعاً، ولأنه قد روي عن ابن عمر هذا الحديث بلفظ: ((أن رسول الله وَّلل نهى أن يبيع أحد طعاماً اشتراه بكيل حتى يستوفيه)) أخرجه أبو داود والنسائي، وسكت عليه أبو داود، والمنذري في تلخيصه (٥: ١٣٨، رقم: ٣٣٤٩). فقد جاء فيه التنصيص على أن بيع المكيل قبل القبض حرام أيضاً، فتبين أن ذكر الجزاف في حديث الباب ليس قيداً للحكم، وإنما لبيان ما كانوا يفعلونه في الغالب. ودل هذا الحديث بإشارته على جواز البيع مجازفة، لأن الحديث لم ينه عن المجازفة، وإنما وقع النهي عن بيع المبيع قبل قبضه، وقد اتفق جمهور العلماء على جواز أصل المجازفة في البيع، على اختلاف بينهم في تفاصيلها. أما الحنفية فجواز المجازفة عندهم مقيد بغير الأموال الربوية إذا بيعت بجنسها، فأما الأموال الربوية فلا يجوز فيها المجازفة إذا بيعت بجنسها، لأنه يحتمل التفاضل، وهو ربا، وعدم الجواز في الأموال الربوية مقيد أيضاً بما يدخل تحت الكيل منها، وأما ما لا يدخل تحت الكيل، كحفنة بحفنتين، فيجوز، إلا ما روي عن محمد أنه كره التمرة بالتمرتين وقال: ما حرم في الكثير حرم في القليل، راجع فتح القدير (٥: ٨٦). ٣٨ - (٠٠٠) - قوله: (يضربون) يعني يعزرون على مخالفتهم لحكم الشرع في بيعهم قبل القبض، قال الحافظ في كتاب المحاربين من الفتح (١٢: ١٥٩): ((ويستفاد منه جواز تأديب من خالف الأمر الشرعي، فتعاطي العقود الفاسدة بالضرب، ومشروعية إقامة المحتسب في ٣٤٤ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَشْتَرِي الطَّعَامِ جِزَافاً، فَيَحْمِلُّهُ إِلَى أَهْلِهِ. ٣٨٢٦ - (٣٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْد اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِ﴿ قَالَ: ((مَنِ اشْتَرَى طَعَاماً فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ)) . الأسواق، والضرب المذكور محمول على من خالف الأمر بعد العلم به)). ٣٩ - (١٥٢٨) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث مما انفرد مسلم بإخراجه من بين الأئمة الستة، وأخرجه أيضاً مالك في الموطأ بلاغاً، في البيوع، باب العينة وما يشبهها، وأحمد في مسند أبي هريرة (٣: ٣٢٩ و٣٣٧ و٣٤٩). قوله: (فلا يبعه حتى يكتاله) وهذا إذا اشتراه مكايلة، فأما إذا اشتراه مجازفة فلا يجب الاكتيال، وإنما يجب قبض المشار إليه فقط. ثم لوكالة البائع بعد البيع بحضرة المشتري فالصحيح أنه يكفي عن اكتيال المشتري، ويجوز له التصرف فيه بعد قبضه من بيع أو هبة أو نحوه كما في الهداية. وقال بعض العلماء الحنفية: لا يكفي ذلك عن اكتيال المشتري، بل يجب عليه أن يكتاله مرة ثانية لنفسه، وقبل ذلك لا يجوز له التصرف فيه، واستدلوا بما أخرجه ابن ماجه وابن أبي شيبة وإسحاق عن جابر أن النبي ◌ّ ((نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع وصاع المشتري)»، وأعل هذا الحديث بمحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ولكنه متلقى بقبول المجتهدين. ولكن الصحيح أن مراد الحديث بجريان الصاعين أن لا يبيع أحد ما اشتره حتى يكتاله، فيجب الكيل على البائع أولاً لنفسه إذا كان ابتاعه مكايلة، ثم يجب الكيل على المشتري منه إذا ابتاعه مكايلة كذلك، فتعدد الكيل إنما هو باعتبار الصفقتين، وليس مراد الحديث أن يجري الصاعان في صفقة واحدة. وإنما اشترط الاكتيال على المشتري لكونه من تمام القبض في المكيل والموزون إذا وقع البيع مكايلة، فلا يجوز التصرف فيه بالبيع ونحوه قبل الكيل أو الوزن. ويدل على هذا المعنى ما أخرجه البزار عن أبي هريرة ربه قال: ((نهى رسول الله وَليلةٍ عن الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع والمشتري، فيكون لصاحبه الزيادة وعليه النقصان)» ذكره الزيلعي في نصب الراية، والحافظ في الدراية، وقال: إسناده جيد. وهذا يدل على أن العلة في النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، إنما هو امتياز حق البائع عن حق المشتري، وبالعكس. وذلك يحصل بصاع واحد إذا كان بحضرة المشتري، وإنما يجب تعدد الصاعين عند تعدد الصفقتين، والله أعلم. ٣٤٥ کتاب: البيوع وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ : ((مَنِ ابْتَاعَ)) . ٣٨٢٧ - (٤٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ. حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ: ثم قد ذكر البابرتي في العناية (٥: ٢٦٧) ما ملخصه أن من اشترى المكيل والموزون وأراد التصرف فإن ذلك على أربعة أقسام: الأول: أنه اشترى مكايلة وباع مكايلة، فحينئذ يجري فيه الصاعان، صاع المشتري الأول لنفسه وصاع المشتري الثاني لنفسه، لأنه يحتمل أن يزيد على المشروط، وذلك للبائع، والتصرف في مال الغير حرام فيجب التحرز عنه. والثاني: أنه اشترى مجازفة وباع كذلك، وحينئذ لا حاجة فيه إلى الكيل لعدم الافتقار إلى تعيين المقدار. الثالث: أنه اشترى مكايلة وباع مجازفة، وحينئذ يحتاج المشتري الأول إلى الكيل ولا يحتاج الثاني . الرابع: أنه اشترى مجازفة وباع مكايلة، وحينئذ لا يحتاج المشتري الأول إلى الكيل ويحتاج الثاني. ثم ليعلم أن ما ذكرناه من أن كيل البائع بحضرة المشتري يكفي عن اكتيال المشتري، إنما هو فيما إذا كان الكيل بعد البيع، فأما قبل البيع فلا، فقد صرح ابن الهمام أن الطعام لو كيل بحضرة الرجل، ثم اشتراه في المجلس، ثم باعه مكايلة قبل أن يكتاله بعد شرائه لا يجوز هذا البيع (يعني الثاني) سواء اكتاله للمشتري منه أو لا، لأنه لما لم يكتل بعد شرائه هو لم يكن قابضاً، فبيعه بيع ما لم يقبض، فلا يجوز، راجع فتح القدير (٥: ٢٦٩) وراجع أيضاً إعلاء السنن (١٤ : ١٧٦ إلى ١٨٢) باب النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، تجد فيه بحثاً مبسوطاً في المسألة. ومال شيخ مشايخنا الأنور تقُّ إلى أنه لا يجب تعدد الكيلين في الصفقتين أيضاً فلو اشترى رجل طعاماً مكايلة، واكتاله بحضرة رجل يشاهده، ثم اشتراه ذلك الرجل منه، كفاه عن إعادة الكيل، لأن المطلوب كون المبيع معلوماً، وقد حصل، نعم إن كاله يستحب له ذلك. فلا حاجة إلى تعدد الكيل في الصفقتين أيضاً، فكأن الشيخ تخلّفُ حمل حديث ابن ماجه على الاستحباب، وراجع باب الكيل على البائع والمعطي من بيوع فيض الباري (٣: ٣٢٠). ٤٠ - (٠٠٠) - قوله: (قال لمروان) يعني ابن الحكم بن أبي العاص القرشي الأموي، ذكره الحافظ فيمن له رؤية من الصحابة، كان يعد من الفقهاء وأخرج له البخاري في صحيحه، وكان كاتباً ليسدنا عثمان ظته، وقصته في سبب قتله رُه مشهورة والله أعلم بها، ثم شهد الجمل مع ٣٤٦ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَحْلَلْتَ بَيْعَ الرِّبَا. فَقَالَ مَرْوَانُ: مَا فَعَلْتُ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكِ. وَقَدْ عائشة رضيُنا، ثم صفين مع معاوية رظُبه، ثم ولي إمرة المدينة لمعاوية رضيُبه، ثم لم يزل بها إلى أن أخرجهم ابن الزبير في أوائل إمرة يزيد بن معاوية، فكان ذلك من أسباب وقعة الحرة، وبقي بالشام إلى أن مات معاوية بن يزيد بن معاوية، فبايعه بعض أهل الشام في قصة طويلة، ثم كانت الوقعة بينه وبين الضحاك بن قيس وكان أميراً لابن الزبير فانتصر مروان وقتل الضحاك، واستوثق له ملك الشام، ثم توجه إلى مصر فاستولى عليها ثم بغته الموت، فعهد إلى ولده عبد الملك، فكانت مدته في الخلافة قدر نصف سنة، ومات في شهر رمضان سنة خمس وستين، وراجع الإصابة (٣: ٤٥٥ و٤٥٦) وقصته الآتية لعلها وقعت حينما تولى مروان إمرة المدينة لمعاوية رضيته، لأن أبا هريرة ظبه كان معه بالمدينة، والله أعلم. قوله: (أحللت بيع الربا) وزاد أحمد قبله: ((إن صكاك التجار خرجت فاستأذن التجار مروان في بيعها، فأذن لهم، فدخل أبو هريرة، فقال له: أذنت في بيع الربا)) كذا في مسند أحمد (٢: ٣٢٩). قوله: (أحللت بيع الصكاك) الصك في اللغة الكتاب، كما في القاموس، وهو معرب أصله بالفارسية: (چك) وكان يستعمل لكل كتاب فيه وعد بدين أو مال، وكانت الأرزاق تسمى صكاكاً، لأنها كانت تخرج مكتوبة، كما في تاج العروس (٧: ١٥٣)، وقال العلامة الباجي في المنتقى: ((الصكوك الرقاع مكتوب فيها أعطيات الطعام وغيرها مما تعطيه الأمراء للناس، فمنها ما يكون بعمل كأرزاق القضاة والعمال، ومنها ما يكون بغير عمل كالعطاء لأهل الحاجة)) قلت: وهي التي سميت في الأزمنة المتأخرة براآت، قال الشامي في رد المحتار (٤: ١٧) ((جمع براءة، وهي الأوراق التي يكتبها كتّاب الديوان على العاملين على البلاد بحظ، كعطاء، أو على الأكارين بقدر ما عليهم، وسميت براءة لأنه يبرأ بدفع ما فيها)). وقد دل حديث الباب على حرمة بيع الصكاك لكونه بيعاً قبل القبض، أو بيع ما ليس عند الإنسان، ولأن العطاء لا يملكه صاحبه إلا بعد قبضه، وغاية ما في الباب أن يكون ديناً مستحقاً على بيت المال، وبيع الدين من غير من عليه الدين لا يجوز، وهو مذهب الحنفية، وقد صرح به الإمام محمد كثّفُ في موطئه (ص ٣٥٤ و٣٥٥) وقد عقد له باباً وترجمه: ((باب الرجل يكون له العطايا أو الدين على الرجل، فيبيعه قبل أن يقبضه)) وذكر فيه حديث جميل المؤذن حيث قال لسعيد بن المسيب: ((إني رجل اشترى هذه الأرزاق التي يعطيها الناس بالجار (١)، فأبتاعُ منها ما شاء الله، ثم أريد أن أبيع الطعام المضمون عليَّ إلى ذلك الأجل)) فقال له سعيد ((أتريد أن توفيهم (١) الجار مدينة بساحل البحر بينه وبين المدينة يوم وليلة، كان يجمع فيه الطعام، ثم يفرق على الناس بصكاك. كذا في التعليق الممجد. ٣٤٧ كتاب : البيوع نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى. قَالَ: فَخَطَبَ مَرْوَانُ النَّاسَ، فَنَهَى عَنْ بَيْعِهَا . من تلك الأرزاق التي ابتعت؟)) قال: ((نعم)) فنهاه عن ذلك. ثم قال محمد تَّهُ بعد نقل هذا الأثر: ((قال محمد: لا ينبغي للرجل إذا كان له دين أن يبيعه حتى يستوفيه، لأنه غرر، فلا يدري أيخرج أم لا يخرج؟ وهو قول أبي حنيفة تَّقُ)). فتبين منه أن مذهب الحنفية حرمة بيع الصكاك وبه صرح الحصكفي في الدر المختار، فقال: ((بيع البراآت التي يكتبها الديوان على العمال لا يصح)) ولكنه جوز بيع حظوظ الأئمة، وفرق بين البراآت وبين حظوظ الأئمة بما لم يتضح لي وجهه، ونقل ابن عابدين عن صاحب النهر قوله: ((وحظ الإمام لا يملك قبل القبض فأنى يصح بيعه؟)) ثم أيده بقوله: ((وأما بيع حظ الإمام فالوجه ما ذكره من عدم صحة بيعه)) وكل ذلك يدل على أن الحنفية لا يجوز عندهم بيع الصكاك، وهو مفاد حديث الباب. وأما الشافعية فيجوز عندهم بيع الصكاك، ولكن لا يجوز لمن اشتراها أن يبيعها إلى ثالث قبل أن يقبض ما فيها، وتأول النووي تَُّ حديث الباب بأنه محمول على أن المشتري ممن خرج له الصك باعه لثالث قبل أن يقبضه المشتري، فكان النهي عن البيع الثاني لا عن الأول، لأن الذي خرجت له مالك لذلك ملكاً مستقراً، وليس هو بمشتر، فلا يمتنع بيعه قبل القبض. وبذلك تأول البيهقي كثّفُهُ في سننه (٥: ٣١٤) حيث ذكر عن الشعبي كثّفُهُ أنه لم يكن يرى بأساً ببيع الرزق، ويقول: ((لا يبيعه الذي اشتراه حتى يقبضه)) ثم قال البيهقي: ((وهذا هو المراد إن شاء الله بما روي في ذلك عن عمر رظ﴿به)) يعني به حديث حكيم بن حزام أنه ابتاع طعاماً أمر به عمر بن الخطاب للناس فباع حكيم الطعام قبل أن يستوفيه، فسمع بذلك عمر بن الخطاب ظرائه فرد عليه، وقال: لا تبع طعاماً ابتعته حتى تستوفيه. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: هذا التأويل الذي اختاره البيهقي والنووي وغيرهما من الشافعية بعيد عن لفظ الحديث، فإنه قد روى أحمد في مسنده (٢: ٣٢٩): ((إن صكاك التجار خرجت فاستأذن التجار مروان في بيعها، فأذن لهم)) فإنه يدل على أن القضية كانت مع الذين خرجت الصكاك بأسمائهم، فأذن لهم مروان ببيعها، واعترض عليه أو هريرة نظر ته، فظاهر حديث الباب صريح في تحريم بيع الصكاك مطلقاً عند أبي هريرة رضيته، وعليه عمل الحنفية رحمهم الله. مبحث بيع الحقوق المجردة ومما يقارب مسألة الباب مسألة بيع الحقوق المجردة، وأصبحت هذه المسألة لها أهمية كبيرة في عصرنا، فإن أنواعاً من بيع الحقوق شائعة اليوم، فلا بد من معرفة حكمها الشرعي، وقد ذكر الفقهاء أن بيع الحقوق المجردة، أو الاعتياض عنها لا يجوز، ثم قد أجاز بعضهم ٣٤٨ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ سُلَيْمَانُ: فَنَظَرْتُ إِلَى حَرَسٍ يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ. الاعتياض عن بعض الحقوق، واستثنوها من القاعدة العامة، وطالما مكثت أفكر في عبارات الفقهاء في هذا الباب، وأبحث عن كلمة الفصل فيه، فلم أظفر بما تتنقح به المسألة، فإن أنواع الحقوق كثيرة، وعبارات الفقهاء فيها مختلفة، ولم أجد كلمة جامعة تشمل جميع أنواع الحقوق، ثم تلخص لي أن هناك أربعة أنواع للحقوق، لا ينبغي أن يلتبس بعضها ببعض : ١ - الحقوق الشرعية: وهي الحقوق التي ثبتت من الشارع، ولا مدخل فيها للقياس ولا تنتقل ممن ثبت له إلى غيره مثل حق الشفعة، وحق الولاء، وحق النسب، وحق القصاص، وخيار المخيرة، وحق الطلاق، وما إلى ذلك، فجملة الكلام في مثل هذه الحقوق أنه لا يجري فيها البيع ولا الانتقال من رجل إلى آخر بعوض أو بغير عوض، ولكن تجري في بعضها المصالحة على مال فيجوز الصلح من دم العمد بمال، ويجوز التخارج في الميراث، ويجوز الطلاق على مال. ولكن لا يجوز لأحد أن يبيع حقه من غيره بمعنى أن ينقل حقه إلى غيره بطريق البيع. ومأخذ هذا الحكم نهيه وَّر عن بيع الولاء وهبته، وقد مر في كتاب العتق. ٢ - حقوق استيفاء المال: وهي الحقوق التي تثبت لصالحها بعقود يعقدها هو أو غيره، مثل رجل باع شيئاً، فثبت له حق استيفاء الثمن، أو أقرض أحداً، فثبت له حق استيفاء الدين، أو أعلنت الحكومة له بجائزة، فثبت له حق استيفائها، فبيع مثل هذه الحقوق ليس بيعاً للحقوق في الحقيقة، وإنما هو بيع لمال يتعلق به ذلك الحق، وإنه لا يجوز عند الحنفية رحمهم الله تعالى لكونه بيع الدين من غير من عليه الدين، أو لكونه بيع ما ليس عند الإنسان، ويدخل في هذا القسم بيع العطايا والأرزاق والبراآت وبيع حظوظ الأئمة، وبيع الجامكية كما حققه الشامي في رد المحتار. ومأخذ هذا الحكم أحاديث النهي عن البيع قبل القبض، وآثار في النهي عن بيع الصكاك، كما في قضية أبي هريرة رق ◌ُه في حديث الباب. حكم الكمبيالات: ويتعلق بهذا النوع ما يتعامل به البنوك والمؤسسات المالية في عصرنا من قطع الكمبيالات (Bills of Exchange) ويسمى بالأردية ((هندي))، وذلك أن البائع يبيع بضاعته بثمن مؤجل، فيكتب له المشتري وثيقةً بأنه يؤدي الثمن يوم كذا في شهر كذا، تسمى هذه الوثيقة كمبيالة، ويسمى تاريخ أداء الثمن نضج الكمبيالة، فيأخذ البائع هذه الكمبيالة ويذهب بها إلى البنك فيشتريها البنك منه بأقل من الثمن المكتوب فيها، ويسمى هذا البيع ((قطع الكمبيالة))، ثم هذا البنك ربما يبيع هذه الكمبيالة إلى رجل أو بنك آخر، فيقطعها بأكثر مما قطعها البنك الأول، لكون مدة النضج أقرب، وهكذا ربما تجري على كمبيالة واحدة بياعات كثيرة قبل نضجها، وكلما كان النضج أبعد، كان سعر القطع أكثر، وكلما كان النضج أقرب، كان سعر القطع أخفض. فإن ٣٤٩ كتاب: البيوع حمل زيد مثلاً إلى بنك كمبيالة ذات مالية مائة روبية، وكان نضجها بعد ثلاثة أشهر، فإن البنك يقطعها بسعر الخمسة في المائة، فيعطي زيداً خمساً وتسعين روبية، ثم يبيعها البنك إلى آخر بعد شهر مثلاً، فيقطعها ذلك الآخر بسعر الأربعة في المائة، ويعطيه ستاً وتسعين روبية، لكون مدة النضج قريبة، وهكذا تتفاوت أسعار القطع بالنظر إلى قرب مدة النضج وبعدها . وهذه المعاملة غير جائزة، لكونها بيع الدين من غير من عليه الدين، أو لكونها مبادلة النقود بالنقود متفاضلة ومؤجلة، وحرمته منصوصة في أحاديث ربا الفضل. ولكن هذه المعاملة يمكن تصحيحها بتغيير طريقها، وذلك أن يوكل التاجر البنك باستيفاء دينه من المشتري ويدفع إليه أجرة على ذلك، ثم يستقرض منه مبلغ الكمبيالة، ويأذن له أن يستوفي هذا القرض مما يقبض من المشتري بعد نضج الكمبيالة. فتكون هناك معاملتان مستقلتان: الأولى معاملة التوكيل باستيفاء الدين بالأجرة المعينة، والثانية: معاملة الاستقراض من البنك والإذن باستيفاء القرض من الدين المرجو وصوله بعد نضج الكمبيالة، ولا يجوز أن تكون إحدى المعاملتين شرطاً للأخرى لئلا تكون صفقة في صفقة، فتصح كلتا المعاملتين على أسس شرعية، أما الأولى فلكونها توكيلاً بالأجرة، وذلك جائز، وأما الثانية فلكونها استقراضاً من غير شرط زيادة، وهو جائز أيضاً. وقد أفتى بصحة مثل هذه المعاملة شيخ مشايخنا حكيم الأمة التهانوي تقذفُ تعالى في إمداد الفتاوى. ولما كان قطع الكمبيالات من أهم وظائف البنوك، ومعظم التجارات اليوم تجري على هذا الأساس، فلو قدر الله تعالى أن تطهر البنوك من الربا وتجري على أسس الشركة أو المضاربة، فيمكن أن تعامل بالكمبيالات حسب ما ذكرنا، والله سبحانه أعلم. ٣ - الحقوق التي هي منافع بنفسها: والنوع الثالث من الحقوق هي الحقوق التي هي منافع مقصودة بنفسها، مثل حق المرور على الطريق، وحق المسيل وحق التعلي وغير ذلك، واختلفت فيها الروايات عن الحنفية. فأما حق المسيل وحق التعلي فلم أر من الفقهاء الحنفية من جوز بيعهما، وذكر صاحب الهداية وابن الهمام أن في حق المرور روايتين: الأول: رواية عدم جواز بيعه، وهي رواية الزيادات، واختارها الفقيه أبو الليث، والثانية: رواية جواز بيعه، وهي رواية ابن سماعة ورواية كتاب القسمة، وذكر صاحب الهداية وجه الفرق بين حق التعلي وحق المرور على رواية الجواز أن حق التعلي يتعلق بعين لا تبقى وهو البناء، فأشبه المنافع، وأما حق المرور فإنه يتعلق بعين تبقى، وهو الأرض، فأشبه الأعيان، وذكر وجه الفرق بين المرور وحق المسيل بأن المسيل إن كان على السطح فإنه نظير حق التعلي، وإن كان على الأرض فهو مجهول لجهالة محله، لاختلاف التسييل بقلة الماء وكثرته، راجع باب البيع الفاسد من الهداية وشروحها . ويؤخذ من كلام صاحب الهداية هذا أن الحق إذا كان متعلقاً بعين تبقى يجوز بيعه بشرط ٣٥٠ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أن يكون معلوم المقدار، ولا تكون الجهالة فيه مفضية إلى المنازعة، ولأجل هذا جاز بيع حق المرور على رواية ابن سماعة وغيره. ٤ - الحقوق التي تتعلق بإجازات مكتوبة: والنوع الرابع من الحقوق عبارة عن حق الاستفادة بإجازات كتبها المجيز على ورقة، فثبتت الإجازة لكل من يحملها، مثل طوابع البريد فإنها عبارة عن إجازة استعمال البريد، ومثل تذاكر القطار والطائرة والأتوبيسات، فإنها عبارة عن إجازة استعمالها لكل من يحملها، ولم أر عند الفقهاء حكماً صريحاً لبيع مثل هذه الحقوق، ولكن الذي يظهر أن الإجازة المكتوبة إن كانت مقتصرة على من أعطاها باسمه الخاص، فلا يجوز بيعها، كما في تذاكر الطائرة فإنها تكون مخصوصة بالاسم، فلا يجوز بيعها لكون الشركة إنما رضيت بعقد الإجارة مع رجل مخصوص، فلا يجوز له أن ينقل هذا الحق إلى غيره. وأما إذا كانت الإجازة غير مخصوصة باسم رجل، فينبغي أن يجوز بيع ورقة الإجازة، مثل طوابع البريد، فإنها لا تكون لرجل مخصوص، وهي في الحقيقة عبارة عن استيجار البريد لإرسال الرسائل أو غيرها من الأشياء، فلو اشتراها رجل من مكتب البريد ثم باعها إلى آخر، فلا وجه للمنع فيه، وينبغي أن يجوز فيه الاسترباح أيضاً، إما لأن الطوابع عين قائمة، وإما لأنها حقوق في ضمن الأعيان، ففارقت الحقوق المجردة، وإما لأن الربح الذي يحصل لبائعه أجرة ما عمل في الحصول على الطوابع، فأشبهت أجرة السمسار وكذلك حكم التذاكر التي لا تكون باسم مخصوص، بل تكون إجازتها مفتوحة لكل من يحملها . ويدخل في هذا النوع رخصة الإيراد (امبورت لائسنس) وهي ورقة تسمح بها الحكومة تاجراً لإيراد البضاعات من خارج المملكة، ولا تسمح معظم الحكومات اليوم بإيراد البضاعات من الخارج إلا لمن كانت عنده هذه الرخصة، والذي يظهر أن هذا نوع من الحجر على التجار، ولا تستحسنه الشريعة الإسلامية إلا لضرورة، ولكن الواقع في معظم البلاد هكذا، فالسؤال الذي ينشأ في الظروف الحاضرة: هل يجوز لحامل رخصة الإيراد أن يبيع هذه الرخصة إلى تاجر آخر؟ وهل يجوز الاسترباح على ذلك؟ فمن علماء عصرنا من منع ذلك، لكونه بيعاً لحق مجرد، والحق المجرد ليس مالاً، فلا يجوز بيعه. ولكن الذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه - والله سبحانه أعلم - أن هذه الرخصة إن كانت باسم رجل مخصوص، حتى لا تسمح الحكومة لرجل آخر باستعمالها، فلا شبهة في عدم جواز بيعها، لأن بيعه يؤدي حينئذ إلى الكذب والخديعة، فإن مشتري الرخصة سيستعملها باسم البائع لا باسم نفسه، ولأن الإذن إنما حصل لرجل مخصوص، فلا يحل له أن ينقل ذلك إلى غيره . ٣٥١ كتاب: البيوع وأما إذا كانت الرخصة لكل من يحملها، ولا تختص باسم دون اسم، فالذي يظهر أن حكمها حكم طوابع البريد، فيجوز بيعها والاسترباح عليها، والله أعلم. والمتعارف في بلادنا اليوم أن الرخصة تكون مختصة باسم دون اسم، وظاهر حكم بيعه عدم الجواز، ويمكن الطريق المشروع فيه أن يجعل حامل الرخصة من يريد شراءها وكيلاً له في استعمالها، فإذا وردت البضاعة باعها منه بربح، أو يجعل من يريد شراءها حامل الرخصة وكيلاً له في الإيراد، فيورد البضاعات باسمه، ويكون العقد في الحقيقة للموكل، فإذا وردت البضاعات أدى حامل الرخصة أجرة الوكالة، والله سبحانه أعلم. ٥ - حقوق إحداث عقد أو إبقائه: والنوع الخامس من الحقوق هي الحقوق التي يستحق بها صاحبها أن يحدث عقداً مع غيره أو يبقيه، مثل خلو الحوانيت وحق القرار، وحق الوظائف السلطانية، وقد جوز بعض الفقهاء الاعتياض عنهما، ويندرج في هذا القسم حقوق الطبع والنشر، وقد ألف والدي مولانا الشيخ المفتي محمد شفيع كثّفُ رسالة باسم («ثمرات التقطيف في حقوق التأليف)) أفتى فيها بعدم جواز بيع حقوق الطبع والنشر، وقد طبعت هذه الرسالة في كتابه (جواهر الفقه) وحاصل فتواه أن المؤلف يستطيع أن يبيع مسودته من ناشر بما شاء من ثمن، ولكن الناشر إذا طبع كتاباً فلا يحل له أن يمنع غيره عن طبعه ونشره، ولا يجوز له أن يبيع حقوق طبعه لأن من اشترى كتاباً ملك جميع ما فيه، فله الخيار في إعادة طبعه أيضاً، ولا ضرر فيه للناشر الأول، غاية ما في الباب أن يكون فيه تقليل ربحه، وتقليل الربح ليس ضرراً في الحقيقة، وتخصيص الناشر الأول بحق طبع الكتاب نوع من الاحتكار، وليس له غرض إلا أن يتحكم بسعره على الناس، وفيه ضرر للعامة، وتضييق لنطاق العلم. ويدخل في هذا القسم حق خلو المتجر (كدول) أيضاً، فقد شاع في عصرنا بيع الأسماء التجارية، فمن اشتهر اسم متجره بأن المشترين يميلون إلى ذلك الاسم يبيع اسم متجره فقط، وهو في الحقيقة بيع لإحداث العقود مع المشترين بهذا الاسم الخاص، وقد أفتى حكيم الأمة مولانا الشيخ أشرف علي التهانوي كثّفُ بأن هذا البيع سعة، وقاسه على جواز النزول عن الوظائف بمال، وقد طبعت فتواه هذه في حوادث الفتاوى (٤: ٦٩). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ولم يتنقح لي حكم بيع هذا النوع من الحقوق، ففي القلب منه تردد، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمراً، ومن شاء التحقيق في هذا الباب فليراجع رد المحتار (٤: ١٩ إلى ٢٤) في مبحث النزول عن الوظائف بمال، وخلو الحوانيت، والكدك، ومشد المسكة، وتنقيح الحامدية (٢: ٢١٨) وشرح الأشباه والنظائر للحموي (ص: ١٢٥ و ١٢٦) ورسائل ابن عابدين (٢: ١٥٤) في رسالة تحرير العبارة. هذا ما تلخص لي، وليس هذا موضع بسط المسألة فإنها تحتاج إلى تأليف مستقل، وفيما لخصته هنا كفاية للطالبين، وضبط ٣٥٢ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٨٢٨ - (٤١) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا رَوْحٌ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج. حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِذَا ابْتَعْتَ طَعَاماً، فَلاَ تَبِعْهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ)). (٩) - باب: تحريم بيع صبرة التمر المجهولة القدر بتمر ٣٨٢٩ - (٤٢) حدّثني أَبُو الظَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. حَذَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ؛ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ قَالَ: سَمِعَتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ، لاَ يُعْلَمُ مَكِيلَتُهَا، بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ. ٣٨٣٠ - (٠٠٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ، بِمِثْلِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرُ: مِنَ التَّمْرِ. فِي آخِرِ الْحَدِيثِ. المنهاج للمحققين، وفق الله امرأ يقوم بالتأليف في هذا الباب، ويوضح الحق بما فيه شفاء للصدور، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. ٤١ - (١٥٢٩) - قوله: (سمع جابر بن عبد الله) هذا الحديث مما انفرد بإخراجه مسلم من بين الصحاح الستة . [(٩) - باب: تحريم بيع صبرة التمر المجهولة القدر بتمر ... ] ٤٢ - (١٥٣٠) - قوله: (سمعت جابر بن عبد الله) هذا الحديث أخرجه أيضاً النسائي في البيوع، باب بيع الصبرة من التمر، وباب بيع الصبرة من الطعام، ولم يخرجه غيرهما من أصحاب الصحاح الستة. قوله: (عن بيع الصبرة من التمر) ولفظ النسائي: ((لا تباع الصبرة من الطعام بالصبرة من الطعام، ولا الصبرة من الطعام بالكيل المسمى من الطعام) والمراد أن التمر إذا بيع بالتمر فالواجب أن يكون كل منهما مساوياً للآخر في الكيل، فإذا كانت إحدى الصبرتين جزافاً لا يعلم قدرها، والأخرى معلومة الكيل، فيمكن أن يكون بينهما تفاضل، وهو عين الربا، ومنه استنبط الفقهاء قاعدة، وهي أن الجهل بالمماثلة في هذا الباب كحقيقة المفاضلة، لقوله وله: ((إلا سواء بسواء))، ولم يحصل تحقق المساواة مع الجهل، وحكم الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير وسائر الربويات إذا بيع بعضها ببعض، حكم التمر بالتمر، قاله النووي. ٣٥٣ كتاب : البيوع (١٠) - باب: ثبوت خيار المجلس للمتبايعين ٣٨٣١ - (٤٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ قَالَ: ((الْبِيِّعَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ، مَا لَمْ تَفَرَّقَا . (١٠) - باب: ثبوت خيار المجلس للمتبايعين ٤٣ - (١٥٣١) - قوله: (عن ابن عمر) أخرجه البخاري في البيوع، باب كم يجوز الخيار، وباب إذا لم يوقت في الخيار هل يجوز البيع، وباب إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع، وباب إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع، وباب البيعان بالخيار ما لم يفترقا، وأخرجه مالك في باب بيع الخيار، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه كلهم في البيوع، باب خيار المتبايعين. وفي الباب حديث حكيم بن حزام أيضاً، وسيأتي في باب الصدق في البيع إن شاء الله. وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص بهذا المعنى، أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي. قوله: (ما لم يتفرقا) استدل به الشافعي وأحمد رحمهما الله على ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، والمراد من التفرق في الحديث عندهم التفرق بالأبدان، والبيع لا يلزم عندهم بمجرد الإيجاب القبول، بل يثبت لكل واحد من المتبايعين خيار فسخ البيع، حتى ينقضي مجلس البيع، ويتفرقا بالأبدان، فإذا تفرقا سقط خيار المجلس ولزم البيع. وهذا القول مروي عن سعيد بن المسيب والزهري وعطاء وطاوس وشريح والشعبي والأوزاعي وابن أبي ذئب وسفيان بن عيينة وابن أبي مليكة والحسن البصري وهشام بن يوسف وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وأبي عبيد ومحمد بن جرير الطبري وأهل الظاهر، كما في المغني لابن قدامة (٣: ٥٦٣) والتعليق الممجد (ص: ٣٤٠). وأما الحنفية والمالكية فلا يقولون بخيار المجلس، وإنما يتم عندهم البيع بالإيجاب والقبول، ولا خيار لأحدهما بعد ذلك إلا بالشرط أو الرؤية أو العيب. وهو قول أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف ومالك بن أنس وسفيان الثوري وإبراهيم النخعي وربيعة الرأي، كما في الجوهر النقي ٥: ٢٧٢ والتعليق الممجد (ص: ٣٤٠). استدل الحنفية والمالكية بقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فإن العقد هو الإيجاب والقبول، وقد أمر الله سبحانه كلا المتعاقدين بإيفائه، وخيار المجلس ينافي إيفاءه، وبقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِحَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] والتجارة بالتراضي قد تمت بالإيجاب القبول، فليس لأحدهما أن يستبد بفسخها بغير رضا الآخر، وبقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوّأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٣٥٤ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٢٨٢] والتبايع هو الإيجاب والقبول، فشرع الإشهاد عليه، فلو كان البيع لم يتم بالإيجاب والقبول لم يكن للإشهاد عليه وجه، وراجع لتفصيل هذه الأدلة أحكام القرآن للجصاص تحت قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً﴾ [النساء: ٢٩] واستدلوا أيضاً بأحاديث وآثار تالية : - ١ - قد مر في الباب السابق حديث ابن عباس رضيها: ((من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه)) فاستدل به الطحاوي تقَّفُ في شرح معاني الآثار (٢: ٢٠٥) على نفي خيار المجلس، وقال: ((فكان ذلك دليلاً على أنه إذا قبضه حل له بيعه، وقد يكون قابضاً له قبل افتراق بدنه وبدن بائعه)) والحاصل أنه لو كان خيار التجلس ثابتاً لما جاز البيع بمجرد القبض، ولما جعل القبض غاية للنهي عن البيع بل كان الافتراق بعد القبض هو الغاية، فلما جعل النبي ◌َّ القبض غاية النهي تبين أن البيع ينعقد بمجرد الإيجاب والقبول، فإذا قبض المشتري المبيع بعد ذلك متصلاً جاز له بيعه، سواء انقضى المجلس أو لا . ٢ - أخرج البخاري عن ابن عمر قال: ((كنا مع النبي ◌َّر في سفر، فكنت على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم فيزجره عمر ويرده، فقال النبي ◌َّ لعمر: بعنيه، فقال: هو لك يا رسول الله! قال رسول الله وَله: بعنيه، فباعه من رسول الله وَّه، فقال رسول الله وَلير: هو لك يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت)) وترجم عليه البخاري: ((باب إذا اشترى شيئاً فوهب من ساعته قبل أن يتفرقا)). واستدل به شيخنا العثماني في إعلاء السنن (١٤: ١٦) على نفي خيار المجلس وقال: ((ألا ترى أن سيدنا رسول الله وَّله وهب الجمل من ساعته لابن عمر قبل التفرق، ولو لم يكن الجمل له لما وهبه، حتى يهب له بافتراق الأبدان، ولا يظن بالنبي وَلقر أنه وهب ما فيه لأحد خيار)) ولشيخنا العثماني كثُّ ههنا مناقشات مع ابن حزم، وليراجع لها إعلاء السنن. ٣ - أخرج عبد الرزاق والبيهقي وابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب قال: ((إنما البيع عن صفقة أو خيار)) استدل به شمس الأئمة السرخسي على نفي خيار المجلس، فقال في باب الاستبراء من بيوع المبسوط (١٣: ١٥٦): ((والصفقة هي النافذة اللازمة. فتبين أن البيع نوعان: لازم، وغير لازم بشرط الخيار فيه، فمن قال بأن الخيار يثبت في كل بيع فقد خالف هذا الحديث)) وأعل البيهقي في سننه (٥: ٢٧٢)، وابن حزم في المحلى (٨: ٣٦٣) هذا الأثر بأنه مرسل، فإن الشعبي لم يسمع من عمر، وأعله ابن حزم أيضاً بأنه مروي عن الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، أو شيخ من بني كنانة، وهو مجهول. قلنا: أما الإرسال فإنه لا يضر الحنفية والمالكية، ولا سيما إرسال الشعبي، فإنه لا يكاد يرسل إلا عن ثقة. وأما الحجاج بن أرطاة أو شيخ من بني كنانة، فإن الأثر قد روى عن غيرهما أيضاً، فإن البيهقي أخرجه عن مطرف بن ٣٥٥ كتاب: البيوع طريف عن الشعبي، وقد رواه الشافعي في الأم (٣: ٨) عن أبي يوسف عن مطرف عن الشعبي، وعلقه الإمام محمد كثّفُ في الحجة على أهل المدينة (٢: ٦٩١) وجعله ((حديث عمر بن الخطاب ربه المعروف المشهور)) ويظهر من مصنف عبد الرزاق (٨: ٥٢) أن عمر رضيالله قال ذلك بمنى، وقال في أوله: ((اسمعوا ما أقول لكم، ولا تقولوا: قال عمر، وقال عمر إلخ)) مما يدل على اهتمامه به، وبالجملة، تعدد طرق الحديث وكونه معروفاً مشهوراً على لسان الإمام محمد واحتجاجه به مما يدل على أن الأثر يصلح للاحتجاج. ٤ - أخرج مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا يجزي ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه)) وقد مر في آخر كتاب العتق بتخريجه، واستدل به الإمام أبو بكر الجصاص تغلَهُ في أحكام القرآن (٢: ٢١٧) فقال: ((واتفق الفقهاء على أنه لا يحتاج إلى استيناف عتق بعد الشرى، وأنه متى صح له الملك عتق عليه، فالنبي وَلّر أوجب عتقه بالشرى من غير شرط الفرقة)). وأما حديث الباب فقد ذكر الحنفية والمالكية في تأويله وجوهاً تتلخص في أربعة: ١ - إن التفريق على نوعين: تفرق بالأبدان، وتفرق بالكلام، فالمراد في الحديث هو الثاني دون الأول، والمراد من التفرق بالكلام أن يقول أحدهما: بعت، ويقول الآخر: اشتريت، والحديث يدل على خيار القبول، دون خيار المجلس، فكلما تكلم أحدهما بالإيجاب كان للآخر الخيار في أن يقبله أو يرده، وكان للموجب الخيار في أن يبقي إيجابه أو يفسخه، فالمتبايعان كلاهما بالخيار، ما لم يقبل الآخر، فإذا قبل الآخر فقد تفرقا بالكلام وانتهى خيارهما وهذا التفسير مأثور عن إبراهيم النخعي، كما أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والطحاوي رحمهم الله، وبه يقول الإمام محمد كُّ وأبو حنيفة كما صرح في موطئه وكتاب الحجة له. وقد أتى الحنفية بشواهد على أن التفرق يكون بالكلام، كما يكون بالأبدان، فمنها قوله تعالى: ﴿وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِشَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدٍ مَا جَآَ نْهُمُ الْبَيْنَةُ ﴾ [البينة: ٤] ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣] فإن التفرق المراد ههنا هو التفرق بالأقوال لا بالأبدان، ومنها ما ذكره الجصاص في أحكام القرآن (٢: ١٩): ((ويقال: تشاور القوم في كذا، فافترقوا عن كذا، يراد به الاجتماع على قول والرضى به وإن كانوا مجتمعين في المجلس)). ونظيره ما أخرجه ابن حزم في المحلى (١١: ١١٤ و١١٥) في أحكام أهل البغي (مسألة: ٢١٥٩) عن سعيد بن المسيب، وذكر قتل سيدنا عمر رُه وقصة طويلة في قتل عبيد الله بن عمر رضيه الهرمزان وجفينة وابنة أبي لؤلؤة، وفيه «فلما ولي عثمان رضيه قال: أشيروا عليّ في هذا الرجل الذي فتق في الإسلام ما فتق، يعني عبيد الله، فأشار عليه المهاجرون أن يقتله وقال ٣٥٦ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم جماعة من الناس: قتل عمر بالأمس، وتريدون أن تتبعوه ابنه اليوم، فقام عمرو بن العاص تنظرُته، فقال: يا أمير المؤمنين! إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الأمر ولك على الناس من سلطان، إنما كان هذا الأمر ولا سلطان لك، فاصفح عنه يا أمير المؤمنين، قال: فتفرق الناس على خطبة عمرو، وودى عثمان الرجلين والجارية)) ورواه عبد الرزاق أيضاً، والذهلي في الزهريات من طريق معمر عن سعيد بن المسيب به، وسنده صحيح كما في سير إعلاء السنن (١٢ : ٤٩٦) فقوله: ((تفرق الناس على خطبة عمرو)) معناه أنهم تفرقوا بالكلام، واجتمعوا على قول عمرو بن العاص وظُبه، وليس المراد منه التفرق بالأبدان. قال الحنفية: فلما كان حمل التفرق على التفرق بالأبدان معروفاً في اللغة، جاز أن يكون مراداً في الحديث نظراً إلى الأدلة التي أسلفناها في نفي خيار المجلس، وأيدوا ذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة، كما في المحلى (٨: ٣٦٢) عن أبي هريرة عن النبي ◌ّير: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا من بيعهما أو يكون بيعهما بخيار)) فإن التفرق من البيع ليس إلا التفرق بالقول، وقد حقق شيخنا العثماني في إعلاء السنن (١٢: ١٢) أن هذا الحديث صالح للاحتجاج. ٢ - والتأويل الثاني ما ذكره الطحاوي تثّثُ عن الإمام أبي يوسف، والقاضي عيسى بن أبان رحمهما الله، وهو أن المراد بالتفرق في الحديث هو التفرق بالأبدان، دون التفرق بالكلام ولكن المراد بالخيار هو خيار القبول، دون خيار المجلس، ومعنى الحديث: أنه كلما تكلم أحد المتبايعين بالإيجاب، فللآخر خيار القبول، ما داما في المجلس، فإن تفرقا بالأبدان بطل الإيجاب ولم يبق للآخر خيار القبول على أساس ذلك الإيجاب الذي تكلم به الأول قبل التفرق بالأبدان، ولا يرتبط بعد المجلس قبوله من إيجابه، بل يحتاج إلى إيجاب مستأنف. وهذا التفسير من أبي يوسف كثّفُ قد جعله شيخ مشايخنا الأنور كَثُ في العرف الشذي ألطف من تفسير محمد نگآتهُ . ٣ - والتأويل الثالث ما اختاره إمام العصر الشيخ محمد أنور شاه الكشميري تَّثُ حيث قال في باب كم يجوز الخيار من فيض الباري ٣: ٢١٠: ((والأولى عندي أن يقال: إن المراد من التفرق التفرق بالأبدان، كما هو عندهم، ولكنه كناية عن التفرق بالقول، والفراغ عن العقد، لأنهما بعد فراغهما عن العقد في مكنة من التفرق بالأبدان، فالتفرق بالأبدان مكنى به، والتفرق بالأقوال مكنى عنه، وقد مر منا عن قريب أن اللفظ في الكناية لا يخرج عن المعنى الموضوع له، وإن كان الغرض في لوازمه وروادفه، وإن شئت قلت: إن التفرق بالأبدان عنوان للتفرق بالأقوال، وصادق عليه صدق العنوان على المعنون)). ومحصل هذه التأويلات الثلاثة أن المراد من الخيار في الحديث هو خيار القبول، دون خيار المجلس، وقد أيدوا ذلك بدلیلین. ٣٥٧ كتاب: البيوع الأول: إن لفظ ((البيعان)) في الحديث صيغة اسم فاعل، ولا تطلق هذه الصيغة إلا وقت وقوع الفعل، ولا تطلق بعد ذلك إلا مجازاً، فلو حملنا الخيار في الحديث على خيار المجلس صار لفظ ((البيعان)) مجازاً باعتبار ما كان، ولو حملناه على خيار القبول كان حقيقة، والحقيقة أولى من المجاز(١). والثاني: أنه قد وقع في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أبي داود (حديث: ٣٣١١) والترمذي: ((المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله)) فقد سمى رسول الله صل﴿ فسخ البيع في المجلس إقالة، ولا تكون الإقالة إلا بعد تمام البيع، فظهر أن البيع كان قد تم قبل انقضاء المجلس، حتى صار الفسخ بعد ذلك إقالة، ولو كان هناك خيار المجلس لما سماه رسول الله صل# إقالة. وأما ما اعترض عليه الشافعية من أن هذا الحديث يدل على ثبوت خيار المجلس، لأنه صريح في أن المفارقة مؤثرة في سقوط الخيار ولزوم البيع، ولذلك نهى رسول الله* عن المفارقة خشية سقوط الخيار، فلو لم تكن المفارقة مؤثرة في سقوط الخيار لما نهى عنه رسول الله وَالية فقد أجاب عنه الحنفية بأن بقاء المجلس وانقضاءه وإن لم يكن مؤثراً في إثبات الخيار وسقوطه قضاء، ولكنه مؤثر مروءة، وذلك أن أحد المتبايعين إذا استقال الآخر بعد تمام البيع متصلاً، فربما يستحي الآخر من رد طلبه ما دام المجلس قائماً، أما بعد انقضاء المجلس فلا، فإنما نهى النبي ولو عن المفارقة خشية الاستقالة من هذه الجهة، لا من جهة أنها مؤثرة في سقوط الخيار قضاء . وقد فسر بعض الحنفية هذا الحديث بطريق آخر، وهو أن المراد من المفارقة في قوله وليتى : ((ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله)) هي الفرقة بالكلام أيضاً، وذلك أن البائع قد يسبق على لسانه من ثمن المبيع ما هو أقل منه، فيقول: خمسة دراهم مكان العشرة، فأرشد الشرع المشتري أن لا يعجل في الفرقة بالأقوال، ولا يتسارع بالقبول حتى يمهله، فإن كان الثمن هو الثمن فله أن يقبله، وإن كان سبق عن لسانه والثمن فوقه فإن شاء أخذه بذلك الثمن، وإن شاء رده، ومثله كثيراً ما يقع في البياعات، وحينئذ تكون الاستقالة على المعنى اللغوي، وهو الفسخ مطلقاً، ذكر هذا التوجيه مولانا الشيخ بدر عالم كثُّ في البدر الساري (٣: ٢١٢). ٤ - والتأويل الرابع لأصل الحديث ما اختاره شيخ الهند مولانا الشيخ محمود الحسن (١) إلى هنا كتبت في حياة والدتي رحمها الله تعالى، ثم توفيت الرابع والعشرين من رجب سنة ١٤٠٠ هـ الموافق الثامن والعشرين من شهر مايو ١٩٨١ م - اللهم أرضها وارض عنها وأدخلها الجنة واغفر لها مغفرة ظاهرة وباطنة . ٣٥٨ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قدس سره، وهو أن خيار المجلس ثابت عندنا أيضاً، لكنه مشروط برضاء صاحبه، فإن في الخيار مراتب: منها ما تثبت ولا تتوقف على رضاء أحد، وتلك أعلى مراتبه، ومنها ما تثبت وتتوقف على رضاء الآخر، كما في الإقالة، وتلك دونها، فهذه المرتبة هي المراد ههنا، وحينئذ معنى الحديث أن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا، أي بخيار يتوقف على رضاء الآخر، ويصير ذلك إقالة يحرز بها صاحبها أجرها، لقول النبي ويلقى: ((من أقال مسلماً في بيعته أقال الله عثراته يوم القيامة)) فإن قلت: إذا حملت الحديث على الإقالة، فما معنى التقييد بالمجلس؟ فإنها مستحبة في الأحوال كلها؟ قلت: هب، ولكن هذا الخيار أوكد في المجلس، وإن استحب له أن يقيل بعد أيضاً، وذلك لأن المجلس إذا لم يتبدل والمبيع لم يزل بعينه لم يتصرف فيه المشتري بشيء، ثم أراد أن يرده لما رآى فيه مصلحة، فالأولى له أن يقيله ويرد منه بيعه، فإن إباءه حينئذ أبعد عن المروءة، كيف؟ وإنه لم يدخل في سلعته نقصاً، بخلاف ما إذا تبدل المجلس، فإنه لا يأمن من أن يكون تصرف فيه بشيء، وحينئذ لا ترد عليه قصة أبي برزة الأسلمي رضيه، لأنه إنما أمره برد البيع لكونه أقرب إلى المروءة، لا أن البيع لم يتم عنده، ولو لم نحملها على هذا المعنى لم تستقم على مذهب الشافعية أيضاً، فإنهما وإن بقيا في السفينة من ليلتهما، لكن لا بد أن يكونا قاما لحوائجهما، وبذلك يتبدل المجلس عند الشافعية أيضاً، فيلزم أن لا يكون الخيار لهما عنده أيضاً، ولكنه أراد - والله أعلم - أنكما لما كنتما في سفينة واحدة فلم تتفرقا تفرقاً يوجب الإباء عن رد البيع، فيستحب له أن يرضى بالإقالة، ولا يرهق أخاه من أمره عسراً، وحينئذ معنى قوله: ((لا يحل له أن يفارقه)) أي لا يحل له على وجه الكمال، فإن الحل أيضاً على مراتب، فقد ورد في الحديث أن الصدقة لا تحل لذي مرة سوي، وفي آخر: أنها لا تحل لغني، وفي آخر: أنها لا تحل لمن عنده قوت يومه وليلته. وحاصل الجميع أن الصدقة إنما تليق بمن لا يكون مكتسباً معتملاً، وأما من كان ذا مرة سوياً فأولى له أن يكتسب من عمل يديه، وهو مراد قوله: ((لا تحل له)) نعم، من كان غنياً ذا نصاب، فهذا هو الذي لا تحل له الصدقة أصلاً. وبالجملة فالمفارقة البدنية مخافة الإقالة أبعد من المروءة، والخيار الذي يبقى في المجلس بعد تمام العقد هو الذي لا يستبد به أحدهما، والسر في ذلك أن الشرع إنما أراد أن يتم العقد عن تراض، كما أخرجه الترمذي مرفوعاً، قال: ((لا يتفرقن عن بيع إلا عن تراض))، ألا ترى أن النبي ◌َ﴾ خير أعرابياً بعد البيع، كما عند الترمذي، مع أنه لم يكن له خيار، وذلك لأنه أراد أن يكون صاحبه في اطمئنان نفس وبرد قلب، فثبت مما ذكرنا أن خيار المجلس لا دخل له في تمام العقد، فإذا أوجب أحدهما وقبله الآخر فقد تم العقد، ولم يبق خيار أصلاً، ولكنه يثبت له الخبار في المجلس استحباباً، تحصيلاً لكمال التراضي. وهذا التقرير ملخص من البدر الساري حاشية فيض الباري (٣: ٢١٢ و٢١٣). ٣٥٩ کتاب: البيوع إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: لخصت للطالبين ههنا أقوى ما قيل في دلائل الحنفية في هذه المسألة، ولكن الحقيقة أن قلبي لا ينشرح لما قاله الحنفية في الاعتذار عن حديث الباب، ففي جميع دلائلهم وتأويلاتهم عندي نظر، لأن ابن عمر تها فهم من هذا الحديث التفرق بالأبدان وأن موضوعه ثبوت خيار المجلس، كما سيأتي عند المصنف تغَّهُ أنه: ((كان إذا بايع رجلاً فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيهة، ثم رجع إليه)) ويؤيده ما أخرجه المصنف في الحديث الآتي والبخاري في باب إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع عن ابن عمر عن رسول الله وَلي أنه قال: ((إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً، أو يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع)) وهذا اللفظ كله مرفوع، ولا مجال فيه لأحد من التأويلات الأربعة إلا بتعسف. وقد أخرج أبو داود وغيره عن أبي الوضيء - واسمه عباد بن نسيب ــ قال: غزونا غزوة لنا، فنزلنا منزلاً، فباع صاحب لنا فرساً بغلام، ثم أقاما بقية يومهما وليلتهما، فلما أصبحا من الغد حضر الرحيل، قام إلى فرسه يسرجه فندم، فأتى الرجل، وأخذه بالبيع، فأبى الرجل أن يدفعه إليه، فقال: ((بيني وبينك أبو برزة، صاحب النبي ◌َّ﴾، فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر، فقالا له هذه القصة، فقال: أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله وَله؟ قال رسول الله وَالله : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا .... ما أراكما افترقتما)) فظهر أن الصحابة رضيه فهموا من الحديث ثبوت خيار المجلس على اختلاف بينهم في تفسير المجلس، وما فهم الصحابة من الحديث أولى بالقبول. وقال الشيخ اللكنوي تكَفُ في التعليق الممجد: ((ولعل المنصف الغير المتعصب يستيقن بعد إحاطة الكلام في الجوانب في هذا البحث والمتأمل فيما ذكرنا كون أولى الأقوال ما فهمه الصحابيان الجليلان، وفهم الصحابي وإن لم يكن حجة لكنه أولى من فهم غيره بلا شبهة، وإن كان كل من الأقوال مستنداً إلى حجة)). قوله: (إلا بيع الخيار) اختلف العلماء في تفسير هذا الاستثناء، ففسره كل من الحنفية والشافعية على وفق مذهبه. أما الحنفية فالمراد من الخيار ههنا خيار الشرط عندهم، والمعنى عندهم أن البيع يلزم بالتفرق (على اختلاف في تفسيره) إلا أن يشترط أحد المتبايعين الخيار، فلا يلزم البيع، وإنما يمتد الخيار إلى ما بعد التفرق أيضاً. وبهذا التفسير أخذ بعض الشافعية أيضاً، وحكاه بن عبد البر عن أبي ثور، كما في فتح الباري (٤: ٢٨٠). وأما معظم الشافعية فقالوا: هو استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق، والمراد أنهما إن اختارا إمضاء البيع قبل التفرق لزم البيع حينئذ، وبطل اعتبار التفرق، فالتقدير: إلا البيع الذي جرى فيه التخاير، وطريق التخاير على هذا التفسير عند الشافعية أن يقول أحدهما للآخر بعد الإيجاب والقبول: (اختر))، فإذا قال أحدهما: (اختر)) وأجاب الآخر: ((اخترت)) تم العقد ٣٦٠ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٨٣٢ - (٠٠٠) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالاَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ). ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ . حَدَّثَنَا أَبِي. كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ. حِ وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالاَ: حَدَّثْنًا إِسْمَاعِيلُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ وَأَبُو كَامِلٍ . قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ) جَمِيعاً عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ. أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ. كِلاَهُمَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ، نَحْوَ حَدِيثٍ مَالِكِ عَنْ نَافِعِ . ٣٨٣٣ - (٤٤) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَه؛ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلاَنِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَّارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعاً، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ. فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذُلِكَ، فَقَدْ وَجَب الْبَيْعُ. وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ». وانتهى خيار المجلس، ولم يبق لأحدهما خيار الفسخ وإن لم يتفرقا بالأبدان، ويؤيد هذا التفسير ما أخرجه المصنف في الحديث الآتي، والبخاري في باب إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع عن ابن عمر ◌ًا عن رسول الله وَلّ أنه قال: ((إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم. يتفرقا وكانا جميعاً، أو يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع)) فإن قوله وتقليل: ((أو خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع)) ظاهر في هذا التفسير. ومن الشافعية من جمع بين التفسيرين، فقال: قوله: ((إلا أن يكون بيع خيار)) أي: هما بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا فيلزم البيع، ولو قبل التفرق، وإلا أن يكون البيع بشرط الخيار، فيمتد الخيار إلى ما بعد التفرق. ويؤيد هذا التفسير رواية عبد الرزاق عن سفيان عند البخاري بلفظ: ((إلا بيع الخيار أو يقول لصاحبه اختر)) إن حملنا (أو) على التقسيم لا على الشك، فكأنه أراد بالإستثناء الأول خيار الشرط، وبالثاني التخاير الذي ينتهي به خيار المجلس، وراجع فتح الباري باب إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع (٤: ٢٧٩ و٢٨٠)، والله أعلم. ٤٤ - (٠٠٠) - قوله: (فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع) قدمنا أنه كالصريح في أن المراد بالتخيير ههنا التخاير، وهو قول أحدهما للآخر: اختر، وقول الآخر: اخترت، وبه يلزم العقد عند الشافعية قبل أن يتفرقا بالأبدان، وقد أجاب عنه العيني تغذّته بأنه محمول على خيار القبول، والمراد من الحديث أنه إذا أوجب أحد المتعاقدين صار الآخر