Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ كتاب : الطلاق هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: طُلِّقَتْ خَالَتِي. فَأَرَادَتْ أَنْ تَجْدَّ نَخْلَهَا. فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ. فَأَتَّتِ النَّبِيَّ وَِّ فَقَالَ: ((بَلَىْ. فَجُدِّي نَخْلَكِ. فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفً)) . وأخرجه أبو داود في الطلاق، باب في المبتوتة تخرج بالنهار، (رقم: ٢٢٩٧)، والنسائي والدارمي في الطلاق، باب خروج المتوفى عنها بالنهار، وأحمد (٣: ٣٢١) في مسند جابر، وابن ماجه في الطلاق، باب هل تخرج المرأة في عدتها؟ والبيهقي في العدد، باب كيفية سكنى المطلقة والمتوفى عنها . قوله: (طلقت خالتي) لم أقف على تسميتها، وقال الحافظ في التلخيص: ذكرها أبو موسى في ذيل الصحابة في المبهمات، كذا في بذل المجهود. قوله: (أن تجد نخلها) جد النخل يجدها بضم الجيم في المضارع جداً وجداداً إذا قطع ثمرتها، قاله ابن الأثير في جامع الأصول. قوله: (فزجرها رجل) لم أطلع على تسميته، وإنما زجرها زعماً منه أنه لا يحل لها الخروج لكونها في العدة. قوله: (بلى فجدي نخلك) هذا لفظ مسلم وابن ماجه وأحمد ولفظ أبي داود والدارمي: «اخرجي فجدي نخلك)). قوله: (فإنك عسى أن تصدقي) ولفظ أبي داود والدارمي: ((لعلك أن تصدقي منه)). قوله: (أو تفعلي معروفاً) ولفظ أبي داود: (أو تفعلي خيراً)، ولفظ الدارمي: ((أو تصنعي معروفاً)) ولعل وجه الفرق بين الصدقة والمعروف أن يكون المراد من الصدقة الصدقة الواجبة، والمراد من المعروف أن تتطوع، ويمكن أيضاً أن الصدقة يجب فيها التمليك وفعل المعروف يمكن بطرق أخرى غير التمليك. وإنما قال لها النبي ◌َّر ذلك لأنه كان يعلم أنها صاحبة خير يعهد منها المعروف، أو أجابها بما فيه إرشاد لها إلى الصدقة والتطوع، ولا يخفى ما فيه من لطف وحكمة. مسألة خروج المعتدة بالنهار: اتفق أكثر العلماء على أن المتوفى عنها زوجها يجوز لها الخروج بالنهار في عدتها، واختلفوا في المعتدة المطلقة، فقال الشافعي ومالك وأحمد والليث: يجوز لها أيضاً أن تخرج بالنهار لحاجتها، واحتجوا بحديث جابر في الباب، فإنه وَّر أذن لخالته بالخروج لجداد نخلها، وأما أبو حنيفة تَغْلُ فتمسك بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَن يَأْتِنَ ◌ِفَحِشَةٍ أُمِنَةٍ﴾ وهذا ٢٢٢ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٨) - باب: انقضاء عدة المتوفي عنها زوجها، وغيرها، بوضع الحمل ٣٧٠٦ - (٥٦) وحدّثني أَبُو الظَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى (وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ) (قَالَ حَرْمَلَةُ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ أَبُو الظَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ) حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ أَبَاهُ كَتَبَ النهي القطعي صريح في عدم جواز خروج المطلقات حتى تنقضي عدتهن، ولم يرد مثل ذلك في المتوفى عنها زوجها، والقياس أنها لا تستحق النفقة في عدتها، فيباح لها الخروج في النهار لمعيشتها، وأما المطلقة فإن النفقة دارّة عليها من قبل زوجها، فلا تحتاج إلى الخروج. وأما حديث الباب فخبر واحد لا يصح به تخصيص الكتاب أو تقييده، ويحتمل أن تكون خالة جابر ويه محتاجة إلى الخروج لنفقتها بأن كانت قد اختلعت من زوجها على نفقة عدتها، وفي أمثالها يجوز لها الخروج كما صرح به في الهداية وفتح القدير (٣: ٢٩٧). ويمكن أيضاً أن يكون و * أذن لها بذلك حين لم تنزل أحكام العدة، فقد كان مبدأ الأمر زمان لم يكن الإحداد يجب في كل العدة، لما أخرج الطحاوي (٢: ٤٤) عن أسماء بنت عميس قالت: ((لما أصيب جعفر أمرني رسول الله و له: تسكني ثلاثاً، ثم اصنعي ما شئت)) فظهر منه أن الإحداد على موت الزوج حينئذ لم يكن إلا لثلاثة أيام، ثم نسخه حديث أم حبيبة: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج، أربعة أشهر وعشراً)) أخرجه مسلم بعد بابين . والدليل على ذلك أن جابراً رهبه روى حديث الباب، ثم أفتى بخلاف ذلك فيما أخرجه الطحاوي (٢: ٤٦) بسند فيه ابن لهيعة قال حدثنا أبو الزبير قال ((سألت جابراً: أتعتد المطلقة والمتوفى عنها زوجها أم تخرجان؟ فقال جابر: لا، فقلت أتتربصان حيث أرادتا؟ فقال جابر: لا)) وأخرج أيضاً من نفس هذا الطريق عن جابر أنه قال في المطلقة: ((إنها لا تعتكف ولا المتوفى عنها زوجها ولا تخرجان من بيوتهما حتى توفيا أجلهما)» قال الطحاوي: «فهذا جابر بن عبد الله قد روى عن النبي ◌ّر في إذنه لخالته في الخروج في جداد نخلها في عدتها، ثم قد قال هو بخلاف ذلك، فهذا دليل على ثبوت نسخ ذلك عنده)) والله أعلم. (٨) باب: انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، وغيرها، بوضع الحمل ٥٦ - (١٤٨٤) - قوله: (وحدثني أبو الطاهر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الطلاق، وفي تفسير سورة الطلاق وترجم عليه في كليهما (باب ﴿وَأَوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: ٤])، وأخرجه مالك والنسائي والترمذي والبيهقي كلهم في باب عدة الحامل، وأحمد في مسند أم سلمة (٦: ٣٢٠، ومسند سبيعة ٦ : ٤٣٢). ٢٢٣ كتاب: الطلاق إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَرْقَمِ الزُّهْرِيِّ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الأَسْلَمِيَّةِ، فَيَسْأَلَهَا عَنْ حَدِيثِهَا وَعَمَّا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللّهِ وَهِ. حِينَ اسْتَفْتَتْهُ. فَكَتَبَ عُمِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ يُخْبِرُهُ؛ أَنَّ سُبَيْعَةَ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ. وَهُوَ فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ. وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً. فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةٍ الْوَدَاعِ. وَهِيَ حَامِلٌ. فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ. فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ. فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكِ (رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ) فَقَالَ لَهَا: مَالِي أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً؟ لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكَاحَ. إِنَّكِ، وَاللَّهِ، مَا أَنْتِ بِنَاكِحِ حَتَّى تَمُرَّ قوله: (إلى عمر بن عبد الله بن الأرقم) هو الزهري المدني، مقبول من الثامنة كما في التقريب، ولعل عبيد الله كتب إليه في هذا الأمر لأنه كان بالكوفة، وعمر بن عبد الله بالمدينة، وكانت سبيعة بالمدينة أيضاً . قوله: (سبيعة بنت الحارث) روى عنها فقهاء أهل المدينة والكوفة من التابعين، وروى عنها عبد الله بن عمر قول رسول الله وثر: ((من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت فإنه لا يموت بها أحد إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة)) أخرجه ابن مندة ويحيى الحماني في مسنده، وزعم العقيلي أن التي روى عنها ابن عمر غير من روي عنها حديث الباب، ورده ابن عبد البر في الإستيعاب، وركن الحافظ في الإصابة إلى قول العقيلي، والله أعلم. قوله: (سعد بن خولة) القرشي العامري، وكان من السابقين إلى الإسلام هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية كما في أسد الغابة وهو الذي قال فيه وّل﴿ لسعد بن أبي وقاص: ((لكن البائس سعد بن خولة)) أخرجه البخاري وعقد له باباً في الجنائز وسيأتي عند المصنف في الوصية، وإنما رثى له ﴿ لكونه مات بمكة في حجة الوداع، ولم يرجع إلى دار هجرته. قوله: (وهو في بني عامر بن لؤي) قال الحافظ في الإصابة: ((من بني مالك ابن حسل بن عامر بن لؤي، وقيل من حلفائهم، وقيل من مواليهم، قال ابن هشام: هو فارسي من اليمن حالف بني عامر. قوله: (فلم تنشب) بضم التاء من باب الإفعال، أي: لم تمكث كثيراً حتى وضعت حملها . قوله: (فلما تعلت من نفاسها) يقال: تعلمت المرأة من نفاسها: إذا ارتفعت منه وطهرت من دمها، ويجوز أن يكون من قولهم تعلى الرجل: إذا برأ من علته. كذا في حاشية الذهني. قوله: (أبو السنابل بن بعكك) بكافين على وزن جعفر، اسمه حبة، وقيل: عمرو، وقيل: عامر، وقيل: أصرم، كما في الإصابة، وذكر ابن الأثير في أسد الغابة أنه من مسلمة الفتح وكان شاعراً، وقيل: إنه عاش بعد النبي ◌َّ زمناً، والله أعلم. قوله: (إنك والله ما أنت بناكح) وقد ورد في رواية البخاري أن أبا السنابل نفسه كان قد ٢٢٤ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذُلِكَ، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَي﴿ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذُلِكَ؟ فَأَقْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي. وَأَمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِي. خطبها من قبل، ولكنه قال ذلك لما خطبها أبو البشر بن الحارث، وهو رجل أشب منه، فخاف أبو السنابل أنها تركن إليه، وكان أهلها غُيَّبَاً، ورجا إذا جاء أهلها أن يؤثروه بها، وكل ذلك مصرح في رواية مالك في موطئه . قوله: (حين أمسيت) فيه أن خروج المرأة للحاجة يستحب أن يكون في الليل، لكونه أستر لها، فإن سبيعة انتظرت إلى المساء، ثم خرجت للاستفتاء. قوله: (فأفتاني بأني قد حللت) فيه حجة ظاهرة لقول جمهور الفقهاء أن المتوفى عنها زوجها تنقضي عدتها بوضع الحمل إذا كانت حاملة حين وفاة زوجها. وهو مذهب الأئمة الأربعة وجمهور فقهاء الأمصار من السلف الخلف، إلا ما روي عن علي وابن عباس وسحنون من المالكية، فإنهم يقولون: عدتها آخِرُ الأجلين من وضع الحمل ومن أربعة أشهر وعشر، ومعناه: أنها إن وضعت قبل مضي أربعة أشهر وعشر تربصت إلى انقضائها، ولا تحل بمجرد الوضع، وإن اتقضت المدة قبل الوضع تربصت إلى الوضع، أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن علي بسند صحيح، كما حكاه الحافظ في الفتح (٩: ٤١٨) والسبب الحامل له على ذلك الحرص على العمل بالآيتين اللتين تعارض عمومهما، فقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرْبَصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] يشمل الحامل وغيرها، كما أن قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَثُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ عام أيضاً يشمل المطلقة والمتوفى عنها، فجمع هؤلاء بين العمومين بقصر الثانية على المطلقة بقرينة ذكر عدد المطلقات كالآيسة والصغيرة قبلهما، ثم لم يهملوا ما تناولته الآية الثانية من العموم، لكن قصروه على من مضت عليها العدة ولم تضع، فكان تخصيص بعض العموم أولى وأقرب إلى العمل بمقتضى الآيتين من إلغاء أحدهما في حق بعض من شمله العموم. ولكن حجة الجمهور حديث سبيعة فإنه صريح في ذلك، وذكر الحافظ في الفتح عن ابن مسعود أن آية الطلاق نزلت بعد آية البقرة، يعني أنها مخصصة لها فإنها أخرجت منها بعض متناولاتها . قوله: (حين وضعت حملي) دل على أن انقضاء العدة يكون بمجرد الوضع على أي صفة كان من مضغة أو علقة أو سقط سواء استبان خلق الآدمي أولاً، وهو قول الجمهور، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا تنقضي العدة بوضع قطعة لحم ليس فيها صورة بينة ولا خفية، ولكن رد عليه الحافظ في الفتح وانتصر لمذهب الجمهور. ٢٢٥ كتاب : الطلاق قَالَ ابْنُ شِهَابِ: فَلاَ أَرَىْ بَأُساً أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ. وَإِنْ كَانَتْ فِي دَمِهَا. غَيْرَ أَنْ لاَ يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَظْهُرَ. ٣٧٠٧ _ (٥٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ. أَخْبَرَنِيَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ وَابْنَ عَبَّاسٍ اجْتَمَعَا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَهُمَا يَذْكُرَانِ الْمَرْأَةَ تُنْفَسُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: عِدَّتُهَا آخِرُ الأَجَلَيْنِ. وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَدْ حَلَّتْ. فَجَعَلاَ يَتَنَازَعَانِ ذُلِكَ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي (يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ) فَبَعَثُوا كُرَيْباً (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) إِلَى أُمّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ ذُلِكَ؟ فَجَاءَهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ؛ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: إِنَّ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ. وَإِنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ. فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ. ٣٧٠٨ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. قَالاَ: حَدَّثْنَا يَزِيدُ بْنُ هُّارُونَ. كِلاَهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهُذَا الإِسْنَادٍ. غَيْرَ أَنَّ اللَّيْثَ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَأَرْسَلُوا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ. وَلَمْ يُسَمِّ كُرَيْباً. قوله: (وإن كانت في دمها) وبه قال جمهور الفقهاء، وخالفهم الشعبي والحسن وحماد بن سلمة وإبراهيم النخعي كما حكى عنهم النووي والحافظ، فقالوا: لا يصح زواجها حتى تطهر من نفاسها، واحتجوا بأن سبيعة إنما تزوجت بعد ما تعلت من نفاسها، وحجة الجمهور في قولها : ((فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي)). ٥٧ - (١٤٨٥) - قوله: (فقال ابن عباس) إلخ قال الحافظ: ((ويقال: إنه رجع عنه، ويقويه أن المنقول عن أتباعه وفاق الجماعة في ذلك)). قوله: (وقال أبو سلمة) إلخ فيه أن المفضول يسع له خلاف الأفضل في الفقهيات، فإن أبا سلمة من التابعين وابن عباس من الصحابة. قوله: (بعد وفاة زوجها بليال) كذا أبهم الراوي المدة في روايات مسلم، وبعضهم عينوا . المدة واختلفوا فيه اختلافاً كثيراً، فروي أنها وضعت بعد وفاة زوجها بشهرين كما في رواية أحمد، وروى البخاري بعد أربعين ليلة، وروى النسائي بعد عشرين ليلة، وروي غيرها، قال الحافظ بعد ما ساق هذه الروايات: والجمع بين هذه الروايات متعذر لاتحاد القصة، ولعل هذا هو السر في إبهام من أبهم المدة. قوله: (فأمرها أن تتزوج) فيه دليل الحنفية على أن النكاح يصح بدون ولي وبعبارات النساء، لما تقدم من رواية مالك في موطئه أن أهلها كانوا غيبا، فأذن لها رسول الله وقتلالقول بالتزوج قبل مجيء أوليائها، وقد مرت المسألة بتفاصيلها في كتاب النكاح، والحمد لله. ٢٢٦ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٩) - باب: وجوب الإحداد في عدة الوفاة، وتحريمه في غير ذلك، إلا ثلاثة أيام ٣٧٠٩ - (٥٨) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ. عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هذِهِ الأَحَادِيثَ الثَّلاثَةَ. قَالَ: قَالَتْ زَيْنَبُ: دُّخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وََّ، حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ. فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ. خَلُوَقٌ أَوْ غَيْرُهُ. فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً. ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا. ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ، مَالِي بِالطيِّبِ مِنْ حَاجَةٍ. غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ (٩) باب: وجوب الإحداد في عدة الوفاة، ... إلخ ٥٨ - (١٤٨٦) - قوله: (وحدثنا يحيى بن يحيى) إلخ هذا الحديث أخرجه البخاري في الطلاق، باب تحد المتوفى عنها أربعة أشهر وعشراً، وباب الكحل للحادة، وباب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ إلخ، وفي الجنائز، باب حد المرأة على غير زوجها، والنسائي في الطلاق، باب ترك الزينة للحادة المسلمة دون النصرانية، وباب الكحل للحادة، وأبو داود في الطلاق، باب إحداد المتوفى عنها زوجها، والترمذي في الطلاق، باب ما جاء في عدة المتوفى عنها زوجها، ومالك في الطلاق، باب ما جاء في الإحداد، وأحمد في مسند أم حبيبة (٦: ٤٢٦) والدارمي في الطلاق رقم: (٢٢٨٩ و٢٢٩٠) باب في إحداد المرأة على زوجها . قوله: (زينب بنت أبي سلمة) هي ربيبة رسول الله وَ لل بنت أم سلمة رضيًّا، وقد مرت ترجمتها في كتاب الرضاع. قوله: (بهذه الأحاديث الثلاثة) يعني: التي تأتي واحدة بعد واحدة فالأول حديث أم حبيبة، والثاني حديث زينب بنت جحش، والثالث حديث عائشة. قوله: (حين توفي أبوها أبو سفيان) كذا في رواية الصحاح، ووقع عند الدارمي من طريق هاشم بن القاسم عن شعبة: ((أن أخا لها مات، أو حميماً لها)) وعليه فإن هذه القصة وقعت لأم حبيبة عند وفاة أخيها يزيد بن أبي سفيان، ومال الحافظ في جنائز الفتح ٣: ١١٧ إلى أن القصة تعددت عند وفاة أخيها يزيد، ثم عند وفاة أبيها أبي سفيان، فكلتا الروايتين صحيحتان، والله أعلم . قوله: (خلوق) بفتح الخاء نوع من الطيب يتخذ من الزعفران وغيره، قاله الزبيدي في تاج العروس، وقال الأبي: وهو العنبر أيضاً. قوله: (مست بعارضيها) قال السنوسي: هما الوجه فوق الذقن إلى ما دون الأذن، وقال الأبي: العوارض الأسنان وأطلقت هنا على الخدين مجازاً، لأنهما عليهما، فهو من مجاز المجاورة أو من تسمية الشيء بما كان من سببه ٢٢٧ كتاب : الطلاق يَقُولُ، عَلَى الْمِنْبَرِ: ((لاَ يَحِلُّ لإِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلَّ عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)). قَالَتْ زَيْنَبُ: ثمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا. فَدَعَتْ بِطِيب فَمَسَّتْ مِنْهُ. ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّه، مَالِي بِالطَّبِ مِنْ حَاجَةٍ. غَيْرَ أَنِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَه يَقُولُ، عَلَى الْمِنْبِ: ((لاَ يَحِلُّ لإِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، قوله: (ثم دخلت على زينب) ظاهره أن هذه القصة الثانية وقعت بعد قصة أم حبيبة، ولكنه لا يصح ذلك، لأن زينب بنت جحش ماتت قبل أبي سفيان بأكثر من عشر سنين على الصحيح المشهور عند أهل العلم بالأخبار، فيحمل على أنها لم ترد بلفظ ((ثم)) ترتيب الوقائع، وإنما أرادت ترتيب الأخبار، وقد وقع في رواية أبي داود بلفظ ((ودخلت)) وذلك لا يقتضي الترتيب، كذا في كتاب الجنائز من فتح الباري (٣: ١١٧). قوله: (حين توفي أخوها) ورد في بعض نسخ الموطأ أن اسمه عبد الله بن جحش، وكذلك أخرجه الدارمي من طريق مالك فيما حكاه الحافظ في الفتح، واستشكله بأن عبد الله ابن جحش قتل بأحد شهيداً، وزينب بنت أبي سلمة يومئذ طفلة ترضع، فيستحيل أن تكون دخلت على زينب بنت جحش في هذه الحالة، ثم رجح أن هذه القصة وقعت عند وفاة عبيد الله بن جحش، وكان قد توفي بالحبشة نصرانياً، وكانت زينب بنت أبي سلمة حينئذ في سن من يضبط، ولا مانع أن يحزن المرء على قريبه الكافر، ولا سيما إذا تذكر سوء مصيره، ولعل الرواية التي وردت في بعض نسخ الموطأ بلفظ ((حين توفي أخوها عبد الله)) كانت ((عبيد الله)) بالتصغير، فلم يضبطها الكاتب. هذا ملخص ما في فتح الباري (٣: ١١٧ و٩: ٤٢٧). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وكان لزينب أخ آخر اسمه أبو أحمد بن جحش ويحتمل أن يكون هو المراد هنا، وقد ذكره الحافظ في الكنى من الإصابة (٤: ٤) وقال: ((قيل: إنه الذي مات فبلغ أخته موته فدعت بطيب فمسته .... ويقوي أن المراد بهذا أبو أحمد أن كلاً من أخويها عبد الله وعبيد الله مات في حياة النبي (وَّر)). قوله: (لا يحل لامرأة تؤمن) إلخ الإحداد للمرأة على زوجها يجب عند الحنفية إذا كانت بالغة مسلمة، فأما الصغيرة والذمية فلا حداد عليها، وهو قول مالك وأبي ثور، وقال الشافعي : يجب على كل زوجة صغيرة أو كبيرة، مسلمة أو ذمية، وفي حديث الباب حجة للحنفية فإنه أوجب الإحداد على المرأة دون الصغيرة، وعلى المؤمنة دون الكافرة، وزعم الحافظ في الفتح أن استدلال الحنفية هذا استدلال بالمفهوم، ولكنه لا يصح، لكون المفهوم لا حجة فيه عند الحنفية، وإنما حاصل دليلنا أن هذا الحديث مشتمل على جزئين، الأول حرمة الإحداد على غير الزوج فوق ثلاثة أيام، والثاني إيجاب الإحداد على الزوج، والخطاب في كلا الأمرين من الحرمة والإيجاب إنما وقع للمرأة المؤمنة، فأما الصغيرة والذمية فقد سكت الحديث عن ٢٢٨ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)). قَالَتْ زَيْنَبُ: سَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا. وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا . خطابهما، فترجعان إلى أصلهما، وهو عدم الحرمة وعدم الإيجاب، فإن الأصل في الأشياء الإباحة، ولا سيما لغير المكلفين. فإنما استثنى الحنفية الصغيرة والذمية من أحكام الحداد، لأنه لم يرد لهما حكم، لا لأنهم استدلوا بالمفهوم. هذا ما ظهر لي والله سبحانه أعلم. قوله: (إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً) استدل به بعض الفقهاء على وجوب الإحداد للمرأة على زوجها، واستشكله العلماء بأنه استثناء من نفى الحل، فلا يدل إلا على الحل والجواز، ولا يتعدى إلى الوجوب، وأجابوا عنه بما لا ينشرح به الصدر. والجواب الصحيح عند هذا العبد الضعيف - عفا الله عنه - أن الاستثناء ههنا إثبات للحل، والحل له معنيان، الأول عام بمعنى عدم الحرمة وهو يشمل الوجوب، والثاني خاص وهو عدم الحرمة وعدم الوجوب معاً، والحديث يحتمل كلا المعنيين، ولكننا رجحنا في الاستثناء معناه الأعم الذي يشمل الوجوب لدلائل مستقلة آتية: فالأول: ما سيأتي عند المصنف في هذا الحديث (رقم: ٣٦١٨) وفي حديث حفصة من طريق يحيى بن سعيد (رقم: ٣٦٢١) فإنه زاد بعد استثناء الزوج: ((فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشراً)) فهذا إخبار والإخبار يفيد الوجوب، كما حققه ابن الهمام في فتح القدير (٣: ٢٩٢). والثاني: ما سيأتي عند المصنف في حديث حفصة عن أم عطية (رقم: ٣٦٢٤): ((ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمس طيباً إلا إذا طهرت إلخ)) فإنه ظاهر في الوجوب، وأصرح منه ما سيأتي عنها في آخر الباب (رقم: ٣٦٢٥) حيث قالت: ((ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوباً مصبوغاً، وقد رخص للمرأة في طهرها إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من قسط وأظفار)) فإن الرخصة مقابلة للتحريم. والثالث: ما سيأتي عن أم سلمة في نفس هذا الحديث أن النبي ◌َّ# لم يأذن بالاكتحال للمعتدة، فإنه صريح في وجوب الإحداد وترك الزينة . فيهذه الدلائل الثلاثة أجمع الفقهاء على أن الإحداد واجب على المتوفى عنها زوجها، إلا ما روي عن الحسن البصري، وقد ذكر ابن العربي أنه لا يصح ذلك عنه، حكاه العيني في عمدة القاري (٤ : ٧٤). قوله: (اشتكت عينها) قال ابن دقيق العيد يجوز فيه وجهان، ضم النون على الفاعلية على أن تكون العين هي المشتكية، وفتحها على أن يكون في ((اشتكت)) ضمير الفاعل وهي المرأة، ورجح هذا. ووقع في بعض الروايات ((عيناها)) كذا في إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (٤ : ٢٢٩ كتاب: الطلاق أَفَتَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ: ((لاَ)) (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثَاً. كُلَّ ذُلِكَ يَقُولُ: لاَ). ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعَرَةِ عَلَى رَأْسٍ الْحَوْلِ)) . قَالَ حُمَيْدٌ: قُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِي بِالْبَعَرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ: كَانَتِ ٢٥٥) وهو يرجح الضم، وعلى الضم اقتصر النووي، وهو الأرجح، كذا في فتح الباري (٩: ٤٣٠). قوله: (أفنكحلها؟) بضم الحاء، كذا ضبطه الحافظ. وأجاب ◌َلهول عن هذا السؤال بالنهي مع ما ذكرت من عذرها، فتمسك به بعض أهل الظاهر وقالوا: لا يجوز الاكتحال للمعتدة وإن احتاجت إليه لمرض أو نحوه، وجمهور الفقهاء على أن الاكتحال بغير عذر لا يجوز، وأما إذا اضطرت إليه لرمد أو مرض فلا بأس بذلك في الليل اتفاقاً، واختلفوا في النهار، فيجوز عندنا وعند المالكية في أصح أقوالهم، ويروى عن الشافعي أنه لا يجوز بالنهار أبداً، فإن احتاجت إليه لمرض اکتحلت بالليل ومسحت بالنهار. ودليل الجواز عند الضرورة ما أخرجه مالك بلاغاً وأسنده أحمد وأبو داود في باب ما تجتنب المعتدة في عدتها: ((عن أم حكيم بنت أسيد عن أمها أن زوجها توفي، وكانت تشتكي عينيها فتكتحل بالجلاء، قال أحمد: الصواب بكحل الجلاء، قال أحمد: فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة فسألتها من كحل الجلاء، فقالت: لا تكتحلي به إلا من أمرٍ لا بدَّ منه يشتد عليك فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار، ثم قالت عند ذلك أم سلمة: دخل علي رسول الله وَ ل حين توفي أبو سلمة، وقد جعلت على عيني صبراً، فقال: ما هذا يا أم سلمة؟ فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب، قال: إنه يُشِبُّ الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل، وتنزعيه بالنهار)). وأخرجه النسائي أيضاً، وهذا لفظ أبي داود، ووالدة أم حكيم وإن كانت مجهولة، ولكن ذكر مالك هذا الحديث في موطئه، ثم ذكر عن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار أنهما كانا يقولان في المرأة يتوفى عنها زوجها إذا خشيت على بصرها من رمد بها أو شكوى أصابها أنها تكتحل، وتتداوى بدواء أو بكحل وإن كان فيه طيب، ثم قال مالك في آخره: ((وإذا كانت الضرورة فإن دين الله يسر)) فاستشهاد مالك بهذا الحديث مما يدل على قوته. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وهو من أقوى الدلائل على أن الحديث الضعيف متى كان مؤيداً بالتعامل انجبر ضعفه وعمل به. وأما نهيه ◌َ عن الاكتحال في حديث الباب فيحتمل أن تكون الضرورة لم تتحقق عنده وَّة، إما لخفة مرضها أو لأنه كان يحصل لها البرء بغير الكحل. ٢٣٠ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الْمَرْأَةُ، إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، دَخَلَتْ حِفْشاً، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيباً وَلاَ شَيْئاً، حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ. ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ، حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ، فَتَفْتَضُ بِهِ. فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّ مَاتَ. ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعَرَةً فَتَرْمِي بِهَا. ثُمَّ تُرَاجِعُ، بَعْدُ، مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ. ٣٧١٠ - (٥٩) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ. قَالَ: سَمِعْتُ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَ حَمِيمٌ لِأُمِّ حَبِيبَةَ. فَدَعَتْ بِصُفْرَةٍ فَمَسِّحَتْهُ بِذِرَاعَيْهَا. وَقَالَتْ: إِنَّمَا أَصْنَعُ هُذَا، لأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَل يَقُولُ: ((لاَ يَحِلُّ لإِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلاَثٍ. إِلَّ عَلَىَ زَوْجِ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْراً)). ے قوله: (دخلت حفشاً) بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء، فسَّره أبو داود في روايته من طريق مالك بالبيت الصغير، والنسائي من طريق ابن القاسم عن مالك بالخص، وقال الشافعي : الحفش البيت الذليل الشعث البناء، وقال أبو عبيد: الحفش الدرج وجمعه أحفاش، شبه بيت الحادة في صغره بالدرج، وقال الخطابي: سمي حفشاً لضيقه وانضمامه، والتحفش الانضمام والاجتماع، كذا في عمدة القاري. قوله: (تؤتى بدابة حمار) بالجر والتنوين في كلا اللفظين على البدلية. قوله: (فتفتض) قال الأبي: أصل الفض الكسر والقطع، فالمعنى تكسر ما هي فيه من العدة، وذكر النووي عن ابن قتيبة قال: سألت الحجازيين عن معنى الافتضاض فذكروا أن المعتدة كانت لا تغتسل ولا تمس ماء ولا تقلم ظفراً، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتض أي: تكسر ما هي فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها وتنبذه، فلا يكاد يعيش ما تفتض به، وقال مالك: معناه تمسح به جلدها، وقال ابن وهب: معناه تمسح بيدها عليه أو على ظهره، وقيل: معناه تمسح به ثم تفتض أي: تغتسل، والافتضاض: الاغتسال بالماء العذب للإنقاء وإزالة الوسخ حتى تصير بيضاء نقية كالفضة، كذا في شرح النووي. وقال الحافظ في الفتح: ووقع في رواية للنسائي ((تقبص)) وهي رواية الشافعي، والقبض الأخذ بأطراف الأنامل، قال الأصبهاني وابن الأثير: هو كناية عن الإسراع، أي: تذهب بعدو وسرعة إلى منزل أبويها لكثرة حيائها لقبح منظرها أو لشدة شوقها إلى التزويج لبعد عهدها به . قوله: (فتعطى بعرة فترمي بها) قال الحافظ: اختلف في المراد برمي البعرة، فقيل: هو إشارة إلى أنها رمت العدة رمي البعرة، وقيل: إشارة إلى أن الفعل الذي فعلته من التربص والصبر على البلاء الذي كانت فيه كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها استحقاراً له وتعظيماً لحق زوجها، وقيل: بل ترميها على سبيل التفاؤل بعدم عودها إلى مثل ذلك. ٢٣١ كتاب: الطلاق وَحَدَّثتْهُ زَيْنَبُ عَنْ أُمِّهَا. وَعِنْ زَيْنَبَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ، أَوْ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَعْضٍ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ◌َلّ. ٣٧١١ - (٦٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شْعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ. قَالَ: سَمِعْتُ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّهَا؛ أَنَّ امْرَأَةً تُؤُفِّيَ زَوْجُهَا. فَخَافُواً عَلَى عَيْنِهَا. فَأَتَوُا النَّبِيَّ وََّ، فَاسْتَأُذُنُوهُ فِي الْكُحْلِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَكُونُ فِي شَرِّ بَيْتِهَا فِي أَحْلَسِهَا (أَوْ فِي شَرِّ أَحْلاَسِهَا فِي بَيْتِهَا) حَوْلاً. فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعَرَةٍ فَخَرَجَتْ. أَفَلاَ أَرْبَعَةً أَشْهُرِ وَعَشْراً؟)). ٣٧١٢ - (٠٠٠) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ نَافِعٍ، بِالْحَدِيثَيْنِ جَمِيعاً: حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْكُحْلِ. وَحَدِيثٍ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُخْرَىْ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَِّ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ تُسَمِّهَا زَيْنَبَ. نَحْوَ حَدِيثٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ. ٣٧١٣ - (٦١) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. قَالاَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ نَافِع؛ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ تُحدِّثُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ. تَذْكُرَانٍ أَنَّ امْرَأَةً أَتَثْ رَسُولَ اللّهِ وَِّهِ. فَذَكَرَتْ لَّهُ أَنَّ بِنْتاً لَهَا تُؤُفَِّ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَاشْتَكَتْ عَيْنُهَا فَهِيَ تُرِيدُ أَنْ تَكْحُلَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَرْمِي بِالْبَعَرَةِ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ. وَإِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ)). ٣٧١٤ - (٦٢) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ (وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو). حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ حُمْيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةً. قوله: (وحدثته زينب عن أمها) يعني: حدثت زينب بنت أبي سلمة حميد بن نافع هذا الحديث عن أمها أم سلمة وعن زينب بنت جحش أو عن امرأة غيرها من أزواج النبي ◌َّ . قوله: (في أحلاسها) هو جمع الحلس بكسر فسكون، وهو المسح أو الثوب أو الكساء الرقيق يكون تحت البرذعة أو بساط يبسط في البيت، والمراد أنها كانت تنزع ثيابها المعروفة وتلبس الحلس. قوله: (فإذا مر كلب رمت) ظاهره أن رميها البعرة يتوقف على مرور الكلب، سواء طال زمن انتظار مروره أو قصر، وبه جزم بعض الشراح، وقيل: ترمي بها من عرض من كلب أو غيره، تُرِي من حضرها أن مقامها حولاً أهون عليها من بعرة ترمي بها كلباً أو غيره، كذا في فتح الباري. قوله: (أفلا أربعة أشهر وعشراً) يعني: أفلا تمكث بعد الإسلام هذه المدة اليسيرة؟ ٢٣٢ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَتْ: لَمَّا أَتَىْ أُمَّ حَبِيبَةً نَعِيُّ أَبِي سُفْيَانَ، دَعَتْ، فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، بِصُفْرَةٍ. فَمَسَحَتْ بِهِ ذِرَاعَيْهَا وَعَارِضَيْهَا. وَقَالَتْ: كُنْتُ عَنْ هَذَا غَنِيَّةً. سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ: ((لاَ يَحِلُّ لإِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجِ. فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)). ٣٧١٥ - (٦٣) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ رُمْحِ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ حَدَّثَتْهُ، عَنْ حَقْصَةَ، أَوْ عَنْ عَّائِشَةَ، أَوْ عَنْ كِلْتَيْهِمَا؛ أَنَّ رَسُوَّلَ اللَّهِ وَيهِ قَالَ: ((لاَ يَحِلُّ لإِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ (أَوْ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثَةٍ أَيَّامٍ. إِلاَّ عَلَى زَوْجِهَا)). ٣٧١٦ - (٠٠٠) وحدّثناه شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ). حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ نَافِعٍ. بِإِسْنَادِ حَدِيثِ اللَّيْثِ. مِثْلَ رِوَايَتِهِ. ٣٧١٧ - (٦٤) وحدّثناه أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى. قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ نَافِعاً يُحَدِّثُ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ حَقْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ. زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َِّهَ تُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّـ بِمِثْلٍ حَدِيثِ اللَّيْثِ وَابْنِ دِينَارٍ. وَزَادَ: ((فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)). ٣٧١٨ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو الرَّبِيع. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ . حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ. جَمِيعاً عَنْ نَافِعِ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجٍ النَّبِّ وَّرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ. بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ. ٣٧١٩ - (٦٥) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى) (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّرِ. قَالَ: ((لاَ يَحِلُّ لإِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلاَّ عَلَىْ زَوْجِهَا)). ٣٧٢٠ - (٦٦) وحدّثنا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيع. حَدَّثَنَا ابْنُ إِذْرِيسَ، عَنْ هِشَام، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: (لاَ تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ. إِلاَّ ٦٢ - (١٤٨٧) - قوله: (نعى أبي سفيان) ضبطه النووي بكسر العين وتشديد الياء، وسكون العين مع تخفيف الياء، والوجه الثاني أولى لخفته . ٦٦ - (٩٣٨) - قوله: (عن أم عطية) هي نسيبة بنت الحارث الأنصارية من فاضلات الصحابة، كانت تمرض المرضى وتداوي الجرحى وتغسل الموتى، ومن أجل ذلك تلقب ٢٣٣ كتاب: الطلاق عَلَى زَوْجِ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْراً. وَلاَ تَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً إِلَّ ثوْبَ عَصْبٍ. وَلاَ تَكْتَحِلُ. وَلاَ تَمَسُّ طِيباً. إِلَّ إِذَا ظَهُرَتْ، نُبْذَةٌ مِنْ قُسْطِ أَوْ أَظْفَارٍ)). ٣٧٢١ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. كِلاَهُمَا عَنْ هِشَامِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَقَّالاً: الغاسلة، وحديثها هذا أخرجه البخاري في الحيض، باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض، وفي الجنائز، باب اتباع النساء الجنائز، وباب إحداد المرأة على زوجها، وفي الطلاق، باب القسط للحادة عند الطهر، وباب تلبس الحادة ثياب العصب، وأخرجه أبو داود في الطلاق، باب فيما تجتنبه المعتدة، والنسائي في الطلاق، باب ما تجتنب الحادة من الثياب المصبغة، وباب الخضاب للحادة، وابن ماجه في الطلاق، باب هل تحد المرأة على غير زوجها . قوله: (ولا تلبس ثوباً مصبوغاً) اعلم أن الثوب إذا كان مصبوغاً بما فيه طيب أو لبسته المرأة لأجل الزينة فلا خلاف في حرمته للمعتدة، إلا الثوب الأسود فإنه يجوز عند الأئمة الأربعة، كما ذكره ابن الهمام في فتح القدير، وأما إذا كان مصبوغاً بما ليس فيه طيب ولبسته المرأة لا للزينة، مثل أن يكون الثوب خلقاً لا رائحة له، فيجوز عندنا كما صرح به في الدار المختار، وكذلك إذا لم يكن عندها إلا ثوب مصبوغ فإنه لا بأس به لضرورة ستر العورة ولكن لا تقصد الزينة، كما صرح به الحاكم في الكافي، وقيده ابن الهمام بقدر ما تستحدث ثوباً غيره إما يبيعه والاستخلاف بثمنه أو من مالها إن كان لها، وراجع فتح القدير (٣ - ٢٩٤) ورد المحتار (٢ - ٨٤٩ و٨٥٠). قوله: (إلا ثوب عصب) بفتح العين وسكون الصاد المهملة، هو من برود اليمن، يصبغ غزلها ثم تنسج، قال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام (٤: ٦٢): العصب: «ثياب من اليمن فيها بياض وسواد)» ولعله استثني من الحرمة لخشونته وسواده، فإنه لا تقصد به الزينة، فأما إن كان مصبوغاً بلون آخر أو قصد به الزينة فلا يجوز، ولذلك ذكر أكثر الفقهاء الحنفية كراهة لبس العصب كما في رد المحتار (٢ - ٨٤٩)، وكرهه أيضاً المالكية والشافعية كما في شرح الأبي، فالظاهر أن الذي أذن به لر هو المصبوغ بالسواد، والذي كرهه الفقهاء ما كان مصبوغاً بغيره، والله أعلم. قوله: (إلا إذا طهرت) يعني: من محيضها، فيجوز لها التطيب بالقسط وغيره لإزالة رائحة دمها. وقال ابن بطال: أبيح للحائض محدا أو غير محد عند غسلها من الحيض أن تدرأ رائحة الدم عن نفسها بالبخور بالقسط مستقبلة للصلاة ومجالسة الملائكة لئلا تؤذيهم برائحة الدم، كذا في عمدة القاري. ٢٣٤ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ((عِنْدَ أَدْنَى طُهْرِهَا . نُبْذَةً مِنْ قُسْطِ وَأَظْفَارٍ)). ٣٧٢٢ - (٦٧) وحدّثني أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ. قَالَتْ: كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثِ. إِلَّ عَلَىُ زَوْجِ. أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً. وَلاَ نَكْتَحِلُ. وَلاَ نَتَطَيَّبُ. وَلاَ نَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً، وَقَدْ رُخِّصَ لِلْمَرَّأَةِ فِي ظُهْرِهَا، إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا، فِي نُبْذَةٍ مِنْ قُسْطِ وَأَظْفَارٍ . قوله: (نبذة) بفتح النون وسكون الباء، القطعة والشيء اليسير، والجمع أنباذ. ٦٧ - (٠٠٠) - قوله: (من قسط أو أظفار) القسط بضم القاف والكست بالكاف المضمومة والتاء، نوع من البخور، والأظفار شيء من العطر يشبه أظفار الأصابع يتبخر به، وهو وإن كان جمع الظفر، غير أن مفرده لا يستعمل، وإن أفرد فهو أظفارة، ووقع في رواية البخاري في الحيض (كست أظفار) بالإضافة، وفسره بعض الشراح بأن أظفار اسم موضع يصنع فيه القسط، وقد أطال في شرحه العيني ورجح رواية مسلم بالعطف وأن أظفار طيب لا موضع، والله أعلم. ٢٣٥ كتاب: اللعان بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ (١٩) - كتاب: اللعان ٣٧٢٣ - (١) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ كتاب اللعان اللعان مصدر لاعن يلاعن ملاعنة ولعاناً، وهو مشتق من اللعن وهو الطرد والإبعاد، وإنما يسمى لعاناً لأن كُلَّا من الزوجين يلعن الكاذب منهما، واللعان والالتعان والملاعنة بمعنى، ويقال: تلاعنا والتعنا، ولاعن الحاكم بينهما، والرجل ملاعن والمرأة ملاعنة. وإنما يشرع يأتي بأربعة شهود، فيذهب إلى القاضي، فيعرض ولا اللعان عندما يقذف الرجل زوجته بالزنا القاضي عليهما أيماناً متكررة، حتى إذا تمت الأيمان وقع التفريق بينهما. فتعريف اللعان عند الفقهاء الحنفية: شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن، وقال الشافعي: هي أيمان مؤكدات بلفظ الشهادة، فيشترط أهلية اليمين عنده، فيجري بين المسلم وامرأته الكافرة، وبين الكافر والكافرة، وبين العبد وامرأته وبه قال مالك واحمد. وعندنا يشترط أهلية الشهادة، فلا يجري إلا بين المسلمين الحرين العاقلين البالغين غير محدودين في قذف. واختير في التسمية لفظ اللعن دون الغضب، وإن كانا مذكورين في آية اللعان لتقدمه فيهما، ولأن جانب الرجل فيه أقوى من جانب المرأة، لأنه قادر على الابتداء باللعان دونها، ولأنه تقد ينكف لعانها ولا ينعكس، واختصت المرأة بالغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها، لأن الرجل إن كان كاذباً لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف، وإن كانت هي كاذبة فذنبها أعظم لما فيه من تلويث الفراش والتعريض لإلحاق من ليس من الزوج به، كذا في عمدة القاري. ثم قد جزم الطبري وابن أبي حاتم وابن حبان بأن اللعان شرع في شعبان سنة تسع، وجزم به غير واحد من المتأخرين، ووقع في حديث عبد الله بن جعفر عند الدارقطني أن قصة اللعان كانت بمنصرف النبي ◌ّر من تبوك، وهو قريب من قول الطبري، غير أن في إسناده الواقدي، ورده الحافظ في الفتح واستظهر أن قصة اللعان كانت متأخرة من تبوك بكثير، ولعلها كانت في شعبان سنة عشر لا تسع، وراجع للتفصيل فتح الباري (٩: ٣٩٧) باب اللعان. ١ - (١٤٩٢) - قوله: (حدثنا يحيى بن يحيى) إلخ هذا الحديث أخرجه البخاري في الصلاة، باب القضاء واللعان في المسجد، وفي التفسير، باب قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ ٢٣٦ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدِ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عُوَيْمِراً الْعَجْلاَنِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِم بْنِ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ، يَا عَاصِمُ! لَوْ أَنَّ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً. أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَسَلْ لِي عَنْ ذُلِكَ. يَا عَاصِمُ! رَسُولَ اللّهِ تَّهِ. فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللهِ وَهِ. فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا. حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمِ مَا سَمِعَ مِنْ [النور: ٦]، وفي قوله تعالى ﴿وَاَلْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [النور: ٧]، وفي الطلاق باب من جوز طلاق الثلاث وباب اللعان ومن طلق بعد اللعان وفي المحاربين، باب من أظهر الفاحشة وفي الأحكام، باب من قضى ولاعن في المسجد، وفي الاعتصام، باب من يكره من التعمق إلخ، وأخرجه أيضاً مالك والنسائي وأبو داود وابن ماجه والبيهقي والدارقطني كلهم في اللعان. قوله: (سهل بن سعد الساعدي) هو من مشاهير الصحابة، يقال: كان اسمه حزنا، فغيره النبي ◌َّلل حكاه ابن حبان، مات النبي وَل وهو ابن خمس عشرة سنة وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، مات سنة إحدى وتسعين وقال الواقدي: عاش مائة سنة، كذا في الإصابة. قوله: (أن عويمرا العجلاني) وقع اسمه في رواية عند مالك وعند أبي داود عويمر ابن أشقر، وسماه ابن عبد البر في الاستيعاب: عويمر بن أبيض، وذكره الخطيب في المبهمات فقال: عويمر بن الحارث، واعتمد عليه الحافظ في الفتح، وذكر أن الطبري نسبه في تهذيب الآثار فقال: هو عويمر بن الحارث بن زيد بن الجعد بن عجلان، فلعل أباه كان يلقب أشقر أو أبيض . قوله: (إلى عاصم بن عدي) هو ابن عم والد عويمر وأخو معن بن عدي، ووالد أبي البداح بن عاصم وسيد بني عجلان، وقد ذكر ابن الكلبي أن امرأة عويمر هي بنت عاصم وأن اسمها خولة، وذكر مقاتل بن سليمان أنها خولة بنت قيس وذكر ابن مردويه أنها بنت أخي عاصم، وعاش عاصم مائة وعشرين سنة ومات سنة خمس وأربعين، قتل باليمامة نظبه هذا ملخص ما في طلاق فتح الباري وتفسير عمدة القاري. قوله: (أرأيت يا عاصم) وإنما خص عويمر عاصماً بالسؤال لأنه كان كبير قومه وصهره على ابنته أو ابنة أخيه، ولعله كان اطلع على مخايل ما سأل عنه لكن لم يتحققه، فلذلك لم يفصح به أو اطلع على حقيقته، لكن خشي إذا صرح به من عقوبة القذف، أشار إلى ذلك ابن العربي كما حكى عنه الحافظ. قوله: (وجد مع امرأته رجلاً) كنى به عن الزنى، وفيه استحباب الكناية في أمثاله. قوله: (أيقتله فيقتلونه) يعني: قصاصاً، وقد اختلف العلماء فيمن وجد مع امرأته رجلاً يزني بها فقتله، هل يقتل به؟ وسيأتي هذا المبحث في قصة سعد بن عبادة تحت حديث (٣٥٤٤) إن شاء الله تعالى. قوله: (فكره رسول الله بَّلة المسائل) قال النووي: المراد كراهة المسائل التي لا يحتاج ٢٣٧ كتاب: اللعان رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: يَا عَاصِمُ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ بِ؟ قَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ: لَمْ تَأْتِي بِخَيْرٍ. قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ وَ الْمَسْأَلَةَ التِي سَأَلْتُّهُ عَنْهَا. قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللَّهِ، لا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا. فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ وَسَطَ النَّاسِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً . أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((قَدْ نَزَلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ. فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا» إليها، لا سيما ما كان فيه هتك ستر مسلم أو مسلمة أو إشاعة فاحشة، وإنما كان سؤال عاصم في هذا الحديث عن قصة لم تقع بعد ولم يحتج إليها، وفيها شناعة على المسلمين والمسلمات، وتسليط اليهود والمنافقين ونحوهم على الكلام في أعراض المسلمين. وقال الخطابي في معالم السنن (٣: ١٦٠): ((قد وجدنا المسألة في كتاب الله عز وجل على وجهين، أحدهما ما كان على وجه التبين والتعلم فيما يلزم الحاجة إليه من أمر الدين، والآخر ما كان على طريق التكلف والتعنتٍ، فأباح النوع الأول وأمر به، وأجاب عنه، فقال تعالى: ﴿فَسْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿فَسْعَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكٌ﴾ [يونس: ٩٤] وقال في قصة موسى والخضر: ﴿فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠] وقال: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] فأوجب على من يسأل عن علم أن يجيب عنه وأن يبين ولا يكتم، وقال رسول الله وَلقال: ((من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار))، وقال عز وجل: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِّ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ﴾ [البقرة: ١٨٩] ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى﴾ [البقرة: ٢٢٢] وقال في النوع الآخر: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرَّوَجْ قُلِ اُلُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِىِ﴾ [الإسراء: ٨٥] ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَنَهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧] فيما أنت من ذكرها وعاب مسألة بني إسرائيل في قصة البقرة لما كان على سبيل التكلف لا حاجة بهم إليه، وقد كانت الغنية وقعت بالبيان المقتدم فيها، وكل ما كان من المسائل على هذا الوجه فهو مكروه، فإذا وقع السكوت عن جوابه فإنما هو زجر وردع للسائل، وإذا وقع الجواب فهو عقوبة وتغليظ)». قوله: (والله لا أنتهي) إنما عزم عويمر على ذلك بعد ما سمع من كراهية النبي ◌َّ هذا السؤال، لأنه كان يعلم علة الكراهية، وهي المسألة من غير حاجة، ولما كان مستيقناً بأن له إليها حاجة لم ير بالرجوع إليه وَلقر بأساً. قوله: (قد نزل فيك وفي صاحبتك) ظاهره أنه كان تقدم منه إشارة إلى خصوص ما وقع له مع امرأته، ولكن الذي يتحصل من مجموع الروايات أن النبي ◌ُّ لم يجب عويمرا في أول مرة، وإنما سكت عنه حتى رجع، ثم عاد عويمر فقال: ((إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به)) كما سيأتي ٢٣٨ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ سَهْلٌ: فَتَلاَعَنَا. وَأَنَا مَعَ النَّاسِ، عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَ. فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ أَمْسَكْتُهَا. فَطَلَّقَهَا ثَلاَثًاً، قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ. قَالَ ابْنُ شِهَاب: فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلاَعِنَيْنِ. في حديث ابن عمر (رقم: ٣٦٣٠) وقد جعل الحافظ في الفتح قصة حديث ابن عمر عين قصة عويمر . وعلى كل فلفظ هذا الحديث يدل على أن آية اللعان نزلت في قصة عويمر العجلاني وهو سبب لنزول الآية، ولكن يعارضه ما سيأتي من قصة هلال بن أمية، فإنه صريح في أن الآيات نزلت فيه، ومن هنا اختلف أهل العلم في سبب نزولها ولكن جمع الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٩: ٣٩٧) بين هذه الروايات جمعاً حسناً، فقال: يحتمل أن يكون عاصم سأل قبل النزول، ثم جاء هلال بعده فنزلت عند سؤاله، فجاء عويمر في المرة الثانية التي قال فيها إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فوجد الآية نزلت في شأن هلال، فأعلمه النبي ◌َلير بأنها نزلت فيه، يعني: أنها نزلت في كل من وقع له ذلك، لأن ذلك لا يختص بهلال، وكذا يجاب على سياق حديث ابن مسعود: يحتمل أنه لما شرع يدعو بعد توجه العجلاني جاء هلال فذكر قصته فنزلت، فجاء عويمر، فقال: قد نزل فيك وفي صاحبتك. قوله: (فتلاعنا) ووقع هذا اللعان يوم الجمعة بعد العصر في المسجد النبوي، وسيأتي صفة التلاعن في حديث ابن عمر إن شاء الله. قوله: (كذبت عليها إن أمسكتها) يعني: لئن أمسكتها بعد اللعان، فكأني كذبت عليها . قوله: (فطلقها ثلاثاً) استدل به الشافعي على أن إيقاع الثلاث بكلمة واحدة ليس حراماً . وقد سبق منا في باب طلاق الثلاث جوابنا عنه، وحجتنا عليهم. ثم قد استدل به عثمان البتي وطائفة من أهل البصرة على أن اللعان لا تقع به فرقة، لا بنفس اللعان ولا بحكم الحاكم، حتى يطلق الزوج، قال البتي: وأحب إليَّ أن يطلق، وقال الإشبيلي: هذا قول لم يتقدمه أحد إليه، ولكن رده العيني في عمدة القاري (٩: ٥٦) وقال: حكى ابن جرير هذا القول أيضاً عن أبي الشعثاء جابر بن زيد والجمهور على أن اللعان موجب للفرقة إما بحكم الحاكم، كما هو مذهب الحنفية، وإما بنفس اللعان كما هو مذهب الشافعية. والجواب من قبل الجمهور أن عويمراً ظ له إنما طلق امرأته زعماً منه بأن اللعان لا يوجب الفرقة ولما لم تكن الفرقة وقعت بعدُ لم ينكر عليه رسول الله بَلٍ، ولكنه ثبت في غير حديث أنه وسط* فرق بين المتلاعنين كما سيأتي عند المصنف في حديث ابن عمر، وسيأتي هناك إن شاء الله بيان الخلاف بين الحنفية والشافعية في وقوع الفرقة بنفس اللعان أو بحكم الحاكم. قوله: (فكانت سنة المتلاعنين) اختلفوا في معناه، فقال عثمان البتي ومن وافقه: إن معناه ٢٣٩ كتاب: اللعان ٣٧٢٤ - (٢) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدِ الأَنْصَارِيُّ؛ أَنَّ عُوَيْمِراً الأَنْصَارِيَّ مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ، أَتى عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ. وَأَدْرَجَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: وَكَانَ فِرَاقُهُ إِيَّاهَا، بَعْدُ، سُنَّةً فِي الْمُتَلاَعِنَيْنِ، وَزَادَ فِيهِ: قالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ حَامِلاً. فَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلَى أُمِّهِ. ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ يَرِثُهَا وَتَرِثُ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا . استحباب الطلاق بعد اللعان كما سبق، وقال الشافعي: معناه أن الفرقة تقع بنفس اللعان، ولا تحتاج إلى حكم حاكم، وقال العيني من الحنفية: معناه أن الملاعنة بالوجه المذكور صارت سنة لمن بعدهما من المتلاعين . قال العبد الضعيف عفا الله عنه: والطرق الأخرى الآتية لهذه الرواية ترد تأويل العيني، والظاهر عندي من مراده، والله أعلم: أن وقوع الفرقة بين المتلاعنين أصبح سنة لمن بعدهما، ولا تعرض في قول ابن شهاب لمسألة وقوع الفرقة بتطليق الزوج أو بحكم الحاكم أو بنفس اللعان، وإنما اقتصر مراده على حصول الفرقة بينهما بأي طريق كان، ويؤيده ما أخرجه أبو داود من طريق عياض بن عبد الله الفهري، عن ابن شهاب عن سهل قال: ((حضرت هذا عند رسول الله وَّر، فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً)) فتبين أن مراده مطلق وقوع الفرقة من غير نظر إلى طريق وقوعها، فلا يصح أن يتمسك به البتي على عدم وقوع الفرقة إلا بالطلاق ولا أن يتمسك به الشافعية على وقوع الفرقة بنفس اللعان، ولا أن يستدل الحنفية على وقوعها بحكم الحاكم، وإنما مفاده كون مطلق الفرقة بعد اللعان سنة فقط، والله أعلم . ٢ - (٠٠٠) - قوله: (أنه يرثها وترث منه) وقد أجمع العلماء على جريان التوارث بين الملاعنة وولدها، وبينه وبين أصحاب الفروض من جهة أمه، وهم إخوته وأخواته من أمه، وجداته من أمه، واختلفوا فيما بقي بعد سهم ذوي الفروض، فقال أبو حنيفة: ما بقي بعد أهل السهام رد على ورثته، فإذا لم ترث ولد الملاعنة إلا أمها أخذت الجميع، لكن الثلث بالفرض والباقي بالرد، وقال الشافعي: الباقي لموالي أمه إن كان عليها ولاء، فإن لم يكن فلبيت المال، وبه قال مالك والزهري وأبو ثور كما حكى عنهم النووي وعن أحمد روايتان، إحداهما: أن عصبته عصبة أمه، واختارها الحرفي، والثانية: أن أمه عصبته، فإن لم تكن فعصبتها عصبته . والمسألة مختلف فيها منذ عهد الصحابة فقد أخرج البيهقي وسعيد بن منصور عن الشعبي أن علياً قال في ابن الملاعنة ترك أخاه وأمه: لأمه الثلث ولأخيه السدس، وما بقي فهو رَدٌّ عليهما بحساب ما ورثا، وقال عبد الله: للأخ السدس، وما بقي فللأم وهي عصبته، وقال زيد: لأمه الثلث ولأخيه السدس، وما بقي ففي بيت المال، كذا في كنز العمال. فأخذ الحنفية بقول ٢٤٠ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٧٢٥ - (٣) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج. أَخْبَرَنِ ابْنُ شِهَابٍ عَنِ الْمُتَلاَعِنَيْنِ وَعَنِ السُّنَّةِ فِيهِمَا. عَنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَخِي بَِّي سَاعِدَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً؟ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَزَادَ فِيهِ: فَتَلاَعَنَا فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنَا شَاهِدٌ. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَطَلَّقَهَا ثَلاَثاً قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللّهِ بِ﴿ فَفَارَقَهَا عِنْدَ النَّبِيِّ بَّهَ. فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((ذَاكُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلاَعِنَيْنِ)) . ٣٧٢٦ - (٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بَنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ: سُئِلْتُ عَنِ الْمُتَلاَعِنَيْنِ فِي إِمْرَةٍ مُصْعَبٍ. أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: فَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ، فَمَضَيْتُ إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ. فَقُلْتُ لِلْغُلَاَمِ: اسْتَأْذِنْ لِي. قَالَ: إِنَّهُ قَائِلٌ. فَسَمِعَ صَوْتي. علي والحنابلة بقول ابن مسعود والشافعية والمالكية بقول زيد بن ثابت ه أجمعين. وإنما رجح الحنفية قول علي ظره لأن أحكام الميراث ثابتة بنص الكتاب فلا يجوز القول بخلافها إلا بنص مثله، والذي روي في كون الملاعنة عصبة لولدها أو كون عصبتها عصبة له أخبار آحاد لا تخلو من مقال واحتمال، فلا يترك بها النص ولا نص في توريث الأم أكثر من الثلث ولا في توريث الأخ من الأم أكثر من السدس، ولا في توريث أبي الأم ونحوه من عصبة الأم، ولأن العصوبة أقوى أسباب الإرث، والإدلاء بالأم أضعف فلا يجوز أن يستحق به أقوى أسباب الإرث، وفيما روينا عن الشعبي اتفق علي وزيد على أن الأم ليست بعصبة لابنها واختلفا في الرد، فرد علي ظُه على الأم والأخ، وجعله زيد لبيت المال ولكن قول علي رضيلأنه أوفق بكتاب الله، لأن توريث بيت المال مع وجود ذوي الأرحام مخالف لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِ كِتَبِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] وراجع للتفصيل باب ميراث ابن الملاعنة من إعلاء السنن (١٨ : ٣٤٦). ٣ - (٠٠٠) - قوله: (ذاكم التفريق بين كل متلاعنين) معناه عندنا: أن التفريق مستحق بين المتلاعنين إما بتطليق الزوج وإما بحكم الحاكم، ولما وقع التفريق بالطريق الأول، لا حاجة إلى الثانى، والله أعلم. ٤ - (١٤٩٣) - قوله: (في إمرة مصعب) يعني: ابن الزبير، وقد حكى الأبي عن ابن العربي أن مصعب بن الزبير لاعن في إمارته بين زوجين ولم يفرق بينهما، فسئل ابن جبير عن ذلك، فلم يعلم الجواب فوقف عما لم يعلم فرحل إلى ابن عمر. قوله: (قائل) أي: نائم، من القيلولة.