Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ كتاب: الرضاع ٠٠ والجواب عن هذه الأحاديث أن جميع التقييدات الواردة في مقدار الرضاع منسوخة، واستقر الأمر على أن مطلق الرضاع محرم، واعترض عليه النووي بأن النسخ لا يثبت بمجرد الدعوى؛ قلنا: ليست هذه الدعوى مجردة عن الدليل، وإنما دلت على ذلك حجج قوية، وإليك بعضها : ١ - قد أسلفنا حديث علي ظته، ورواه أبو حنيفة عن رجال كلهم فقهاء أثبات، وقد نص فيه النبي وسير على أن قليل الرضاع وكثيره سواء في التحريم، وقد عرفت من حديث عائشة أن التقييدات في مقدار الرضاعة قد انتقلت من الكثرة إلى القلة، فكانت في مبدء الأمر عشر رضعات، ثم انتقلت إلى خمس، ثم يدل حديث الباب على تقييد الثلاث، كما أخذ به أهل الظاهر، فالظاهر أن حديث علي رضيُه آخر ما ورد في هذا الباب، ولذلك خفي على بعض الصحابة ثم قد صرح ابن عباس ◌ًّا بهذا النسخ، فقد روى طاوس عنه أنه سئل عن الرضاع، فقال: إن الناس يقولون: لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، قال: ((قد كان ذاك، فأما اليوم فالرضعة الواحدة تحرم)) أخرجه الإمام أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (٢ - ١٥١) بسنده عن أبي الحسن الكرخي، قال حدثنا الحضرمي، قال حدثنا عبد الله بن سعيد، قال حدثنا أبو خالد، عن حجاج، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس إلخ، وذكره ابن الهمام أيضاً في الفتح ولم يبين مأخذه، وذكر عن ابن مسعود أيضاً قال: ((آلَ أمرُ الرضاع إلى أن قليله وكثيره يحرم)) (فتح القدير ٣ - ٤) ولم أقف على مأخذه، غير أن ابن الهمام كثّفُ من المتثبتين في النقل. فإن قيل: قد روي عن ابن عباس خلاف ذلك، وهو ما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٧ - ٤٥٨ و٤٥٩) عن عروة، قال: ((فأتيت سعيد بن المسيب، فسألته عن الرضعة والرضعتين، فقال: أما إني لا أقول فيها كما قال ابن الزبير وابن عباس رضيه، قال: قلت: كيف كانا يقولان؟ قال: كانا يقولان: لا تحرم المصة والمصتان، ولا تحرم دون عشر رضعات فصاعداً)) وقال البيهقي بعد إخراجه: (وروايةُ عروة عن ابن عباس في مذهبه أصح). قلنا: قد رد عليه الحافظ المارديني تغُّ بما يكفي ويشفي، فقال المشهور عن ابن عباس خلاف ذلك، وقد ثبت عند مالك، وابن أبي شيبة، والطبراني، بأسانيد صحيحة مختلفة أنه كان يقول بتحريم قليل الرضاع وكثيره، وأخرجه البيهقي نفسه في كتاب المعرفة عن الدراوردي، عن ثور عن عكرمة، عن ابن عباس أن قليل الرضاعة وكثيرها يحرم في المهد، ثم قال البيهقي : وروي عن ابن عباس، بخلاف ذلك في القليل، والأول أصح، فهذا الذي اعترف به البيهقي نفسه في المعرفة، مخالف لما ذكره في السنن الكبرى. انتهى ملخصاً من الجوهر النقي للمارديني على هامش البيهقي (٧ - ٤٥٩). ٦٢ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣ - أخرج عبد الرزاق عن معمر قال: أخبرني ابن طاوس عن أبيه قال: كان الأزواج النبي ◌ُّل رضعات معلومات، قال: ثم ترك ذلك بعد، فكان قليله وكثيره يحرم. وأخرج عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الكريم عن طاوس، قال: قلت له: إنهم يزعمون أنه لا يحرم من الرضاع دون سبع رضعات، ثم صار ذلك إلى خمس، فقال طاوس: قد كان ذلك، فحدث بعد ذلك أمر، جاء التحريم، المرة الواحدة تحرم. (مصنف عبد الرزاق ٧ - ٤٦٧ رقم ١٣٩١٤ و ١٣٩١٦). ٤ - إن حديث عائشة رؤيا يدل على نسخ خمس رضعات أيضاً، لأنها إن لم تكن منسوخة لكانت مكتوبة في المصاحف، ولجازت تلاوتها في الصلوات، مع أن الأمة مجمعة على أنها ليست من القرآن، ولا تحل القرأة بها، ولا إثباتها في المصحف، بل يقول المارديني: (ومثل هذا عند الشافعي ليس بقرآن ولا خبر)، فحديثها دليل على أن الآية نزلت مقيدة بعشر رضعات أولاً، ثم نسختها خمس رضعات، ثم بقيت الآية بلا تقييد، وصار مطلق الإرضاع محرماً . فإن قيل: إنها قد صرحت في آخر الحديث بأن خمس رضعات لم تنسخ حتى توفي رسول الله وَيّ، حيث تقول: ((فتوفي رسول الله (وَل﴿ وهن فيما يقرأ من القرآن)) قلنا: إن هذه الزيادة قد تفرد بها عبد الله بن أبي بكر، والظاهر أنها وهم منه، وقد عارضه ما أخرجه عبد الرزاق (٧ - ٤٦٩ و ٤٧٠) عن ابن جريج عن نافع عن سالم، وفي آخره: «ثم رد ذلك إلى خمس، ولكن من كتاب الله ما قبض مع النبي (9َّ)) فالظاهر أن هذه الزيادة وهم، أو إدراج من عبد الله بن أبي بكر، كما سيأتي تحقيقه في شرح هذا الحديث إن شاء الله تعالى . ولو سلمنا أن هذه الزيادة صحيحة، فالمراد منها أن آية خمس رضعات كانت حديثة العهد بالنسخ عند وفاة النبي ◌َّة، فلم يطلع كثير من الصحابة على نسخها، فكان يقرأها من لم يعلم بأنها منسوخة، كما في فتح القدير (٣ - ٣) وشرح النووي (١٠ - ٢٩) وإلا فهل يتصور مسلم أن قطعة من القرآن لم يكتبها أبو بكر في المصحف مع أن ابنته عائشة كانت تعرف بأنها قرآن؟ وكان جمع من الصحابة يقرؤونها في الصلوات؟ كلا والله! لا يمكن هذا أن يتصور. ثم إن الشافعية يعترفون بأن آية خمس رضعات منسوخة، ولكنهم يزعمون أنها مما قد نسخت تلاوته وبقي حكمه مثل آية الرجم، ولكنك تعرف أن الأصل في نسخ التلاوة أن ينسخ معها الحكم أيضاً، وبقاء الحكم بعد نسخ التلاوة يحتاج إلى دليل، ولا دليل ههنا. ولا يقاس ذلك على آية الرجم، لأن بقاء حكمها قد ثبت بالأحاديث المتواترة القطعية كما سيأتي في محله إن شاء الله، وقد ثبت أن النبي ◌ُّ رجم بعد نسخ تلاوته، فهل يوجد في شيء من الأحاديث أن النبي ◌َّيّل قيد حكم الإرضاع بخمس رضعات متفرقات بعد ما نسخت تلاوة هذه الآية؟ بل يدل حديث علي ظُه أنه صرح بنسخ حكمها، كما سبق، وقد صرح ابن عباس بأن هذا التقييد قد ٦٣ كتاب: الرضاع نسخ فيما نسخ من الأحكام، فكيف تقاس هذه الآية على آية الرجم؟ . فإن قيل: قد ثبت عن عائشة ها أنها كانت لا تقول بتحريم الرضاع القليل، فكيف اختارت هذا المذهب مع أنها هي الراوية لنسخ الآية؟ قلنا: قد أجاب عنه الإمام أبو بكر الجصاص تقذفُ فقال: ((وقد كانت عائشة تقول به في إيجاب التحريم في رضاع الكبير دون سائر أزواج النبي ◌ّ ر، وقد ثبت عندنا وعند الشافعي نسخ رضاع الكبير، فسقط حكم التحديد المذكور في حديث عائشة هذا)) كذا في أحكام القرآن للجصاص (٢ - ١٦٢). قال العبد الضعيف: ومما يدل على صحة ما قال الجصاص تغَّهُ ما أخرجه ابن ماجه في باب رضاع الكبير عن عائشة: (لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً) إلخ فصرحت في هذه الرواية بأن آية عشر رضعات كانت متعلقة بالكبير. ومما يؤيده أيضاً ما رواه مالك في الموطأ: ((عن نافع أن سالم بن عبد الله حدثه أن عائشة أرسلت به إلى أختها أم كلثوم بنت أبي بكر، فقالت: أرضعيه عشر رضعات، حتى يدخل عليَّ، فأرضعتني ثلاث رضعات، ثم مرضت، فلم ترضعني غير ثلاث مرات، فلم أكن أدخل على عائشة من أجل أن أم كلثوم لم تتم لي عشر رضعات)). فانظر كيف منعت عائشة سالماً من الدخول عليها، وهو كبير، لأنه لم تتم له عشر رضعات، مع أنها صرحت في رواية مسلم بنسخ عشر رضعات؟ فهذا يدل على أنها كانت تقول بنسخها في الصغير، وبقائها في الكبير. ومما يؤيده أيضاً ما أخرجه البيهقي (٧ - ٤٥٤) ((عن عائشة أنها كانت تقول: نزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم صرن إلى خمس رضعات يحرمن، وكان لا يدخل على عائشة إلا من استكمل خمس رضعات)). : فإن قيل: ما هو السبب في تفريقها بين الصغير والكبير مع أن الرضاع محرم عندها في كليهما؟ قلنا: لعلها فرقت بينهما لأنها كانت تتمسك في مسألة إرضاع الكبير بقصة سالم مولى أبي حذيفة، وكان رسول الله وَ ﴿ أمر سهلة بنت سهيل بقوله: (أرضعيه خمس رضعات) في رواية مالك في الموطأ، و (أرضعيه عشر رضعات) في رواية أحمد عن ابن اسحاق، كما في الفتح الرباني (١٦ - ١٨٥)، وكان حكم إرضاع الكبير مخالفاً للقياس، فقصرته عائشة رضيفيها على مورده، وهو خمس رضعات، فكانت لا تدخل على نفسها من لم تتم له عشر رضعات احتياطاً، ولذلك يقول الشيخ ولي الله الدهلوي في المسوى (٢ - ٢٠): (والأظهر أن عائشة وحفصة إنما كانتا تذهبان إلى عشر رضعات تورعاً وتشفياً للخاطر، لا من جهة حكم الشرع) هذا ما ظهر لي، والله سبحانه وتعالى أعلم. ولو سُلِّمَ أنها كانت تقول بهذا التحديد في رضاع الصغير أيضاً، فإنه اجتهاد منها، وقد ٦٤ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٥٧٦ - (١٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. كُلُّهُمْ عَنِ الْمُعْتَمِرِ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى). أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْخَليلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ. قَالَتْ: دَخَلَ أَعْرَابِيٍّ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ بِ لّهَ وَهُوَ فِي بَيْتِي. فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي كَانَتْ لِيَ امْرَأَةٌ فَتَزَوَّجْتُ عَلَيْهَا أُخْرَى. فَزَعَمَتِ امْرَأَتِي الأولَىْ أَنَّهَا أَرْضَعَتِ امْرَأَتِي الْحُدْثَى رَضْعَةً أَوْ رَضْعَتَيْنٍ. فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ وَهِ: ((لاَ تُحَرِّمُ الإِمْلاَجَةِ وَالإِمْلاَجَتَانِ)). قَالَ عَمْرٌو فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ. ٣٥٧٧ - (١٩) وحدّثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ. حَدَّثَنَا مُعَاذٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَالِحٍ بْنِ أَبِي عارضه أقوال فقهاء الصحابة كابن مسعود، وعلى، وابن عمر، وابن عباس تعلم بالنسخ، وعلمه هؤلاء، فالمثبت مقدم على النافي. ـة، والغاية أنها لم ٥ - ثم إن الذين رووا مذهب عائشة في تقييد خمس رضعات، هم سالم بن عبد الله وعروة بن الزبير، وكلاهما يقولان بتحريم القليل والكثير، فأما سالم فقد ذكرنا في أول البحث عن المدونة الكبرى أنه من أهل المذهب الأول، وأما عروة، فقد أخرج مالك في الموطأ: ((عن إبراهيم بن عقبة أنه سأل سعيد بن المسيب عن الرضاعة فقال: كل ما كان في الحولين، وإن كانت قطرة واحدة، فهو محرم، وما كان بعد الحولين فإنما هو طعام يأكله، قال إبراهيم بن عقبة: ثم سألت عروة، فقال مثل ما قال سعيد)) وقال الطحاوي: (فلم يخالف عروة ما رواه في ذلك إلا لثبوت نسخه عنده) كذا في الجوهر النقي (٧ - ٤٥٥). ١٨ - (١٤٥١) - قوله: (عن أم الفضل) يعني: بنت الحارث، اسمها لبابة وهي امرأة العباس بن عبد المطلب، وشقيقة أم المؤمنين ميمونة رضيها، وقال ابن سعد: أم الفضل أول امرأة آمنت بعد خديجة، وأخرج الزبير بن بكّار وغيره من طريق إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس عن النبي ◌ُّه: ((الأخوات الأربع مؤمنات، أم الفضل وميمونة وأسماء وسلمى)) كذا في الإصابة (٤ - ٤٦١). وحديثها هذا أخرجه أيضاً النسائي في النكاح، باب القدر الذي يحرم من الرضاعة. قوله: (الحُذْثَى) بضم الحاء المهملة وسكون الدال وفتح المثلثة، هي تأنيث الأحدث، يريد الزوجة الثانية . قوله: (الإملاجة والإملاجتان) الإملاجة مرة من الإملاج، وهو أن تلقم المرأة ثديها في فم الصبي، وملج من باب سمع: التقم، والمرة منه ملجة، فالإملاج فعل المرضعة، والملجة والمصة والرضعة فعل الرضيع. ٦٥ كتاب: الرضاع مَرْيَمَ، أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةً قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! هَلْ تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ الْوَاحِدَةُ؟ قَالَ: ((لا)). ٣٥٧٨ - (٢٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ حَدَّثَتْ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ وَ سِ قَالَ: ((لاَ تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ أَوِ الرَّضْعَتَانِ، أَوِ الْمَصَّةُ أَوِ الْمَصَّتَانِ)). ٣٥٧٩ - (٢١) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعاً عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنٍ أَبِي عَرُوبَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. أَمَّا إِسْحَاقُ فَقَالَ، كَرِوَايَةِ ابْنٍ بِشْرٍ ((أَوِ الرَّضْعَتَانِ أَوِ الْمَصَّتَانِ)). وَأَمَّا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فَقَالَ: ((وَالرَّضْعَتَانِ وَالْمَصَّتَانِ)). ٣٥٨٠ - (٢٢) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ أَمِّ الْفَضْلِ، عَنِ النَّبِّ نَسْرِ قَالَ: ((لاَ تُحَرِّمُ الإِمْلَاَجَةُ وَالإِمْلاَجَتَانِ)). ١٩ - (٠٠٠) - قوله: (قال: لا) قال القرطبي: هو أنص ما في الباب، إلا أنه يمكن حمله على ما إذا لم يتحقق وصوله إلى جوف الرضيع، وقوىَّ مذهب الجمهور بأن الأخبار اختلفت في العدد، وعائشة التي روت ذلك، قد اختلف عليها فيما يعتبر من ذلك، فوجب الرجوع إلى أقل ما ينطلق عليه الاسم. ويعضده من حيث النظر أنه معنىّ طارىء يقتضي تأبيد التحريم، فلا يشترط فيه العدد، كالصهر، أو يقال: مائع يلج الباطن فيحرم، فلا يشترط فيه العدد، كالمني، والله أعلم، نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٩ - ١٢٦) وسكت عليه. ٢٠ - (٠٠٠) قوله: (الرضعة أو الرضعتان) الفرق بين المصة والرضعة أن الأول مرة من المص، وهو الرشف فقط، فلو شرب الصبي قطرة يطلق عليه المصة، وأما الرضعة فما كانت مشبعة، وربما تشتمل على مصات كثيرة، فكل رضعة مصة ولا عكس، وهذا الفرق مفهوم من فتح القدير (٣ - ٣). ولأجل هذه اللفظة يشترط عند الشافعي وأحمد أن تكون الرضعات الخمسة في أوقات متفرقة، كل واحدة منها مشبعة. قال الشيرازي في المهذب: ((ولا يثبت إلا بخمس رضعات متفرقات، لأن الشرع ورد بها مطلقاً، فحمل على العرف، والعرف في الرضعات أن يرتضع ثم يقطعه باختياره من غير عارض، ثم يعود إليه بعد زمان، ثم يرتضع، ثم يقطعه، وعلى هذا إلى أن يستوفي العدد، كما أن العادة في الأكلات أن تكون متفرقة في أوقات. فأما إذا قطع الرضاع لضيق نفس أو لشيء يلهيه ثم رجع إليه، أو انتقل من ثدي إلى ثدي كان الجميع رضعه، كما أن الأكل إذا قطعه لضيق نفس، أو شرب ماء، أو لانتقال من لون إلى لون، كان الجميع أكلة)» راجع المجموع شرح المهذب (١٧ - ٥٥) ومثله في المغني لابن قدامة (٧ - ٥٣٧). ٦٦ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٥٨١ - (٢٣) حدّثني أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا حَبَّانُ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ. سَأَلَ رَجُلُ النَّبِيَّ وَلِّ: أَتْحَرِّمُ الْمَصَّةُ؟ فَقَالَ: ((لاَ)). (٦) - باب: التحريم بخمس رضعات ٣٥٨٢ - (٢٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ. ثُمَّ نُسِخْنَ: بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ. فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللّهِ وَه وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ . [(٦) - باب: التحريم بخمس رضعات] ٢٤ - (١٤٥٢) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث لم يخرجه البخاري، وأخرجه مالك في جامع ما جاء في الرضاعة، وأبو داود، (رقم: ٢٠٦٢ في النكاح)، باب: هل يحرم ما دون خمس رضعات، والترمذي، (رقم: ١١٥٠ في الرضاع)، باب: ما جاء لا تحرم المصة ولا المصتان، والنسائي في النكاح، باب: القدر الذي يحرم من الرضاعة، وابن ماجه في الرضاع. قوله: (عشر رضعات) بسكون الشين وفتح الضاد المعجمتين. كذا في المرقاة. قوله: (معلومات) يعني ما تيقن كونها عشراً، قال القرطبي: وصفها بذلك تحرزاً عما شكَّ في وصوله، (يعني إلى الحلق) كذا في أوجز المسالك. وفسرها علي القاري بقوله: (أي مشبعات في خمسة أوقات متفاصلة عرفاً. وعلى التفسير الأول قال الشافعي: إن شكت المرضعة هل أرضعته أم لا؟ أو هل أرضعته خمس رضعات أو أربع رضعات لم يثبت التحريم، كما في المهذب وشرحه (١٧ - ٥٩ و ٦٠). الرد على من طعن في القرآن بآية الرضاع قوله: (وهي فيما يقرأ من القرآن) وفي بعض النسخ المصرية: (وهن إلخ) وتمسك بظاهره بعض الملاحدة والمستشرقين، وبعض من لا علم له من الروافض، فطعنوا به في القرآن الكريم بأنه قد ضاعت منه بعض الآيات أو السور، والعياذ بالله العلي العظيم. وشجعهم على ذلك تمسك بعض الشافعية به على مذهبهم في مقدار تحريم الرضاع، وقد أشبعنا القول فيه والحمد لله، والحقيقة أن طعن هؤلاء الكفار في القرآن بهذا الحديث إنما نشأ من جهل بالحقيقة، وبأساليب كلام المتقدمين، أو من العصبية العمياء، والعناد ضد الإسلام والمسلمين. ونلخص لك ههنا فذلكة القول في هذا الحديث: فاعلم أن الأمة مطبقة على أن لفظة: (خمس رضعات) ليست من القرآن، ولا يجوز عند ٦٧ كتاب: الرضاع ٣٥٨٣ - (٢٥) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ أحد أن تتلى كآية من آيات القرآن، ولا أن تكتب في المصاحف، وهذا مما قد أجمعت عليه الأمة من غير استثناء أحد من الآحاد. فأما قول عائشة: (فتوفي رسول الله وَّر وهي فيما يقرأ من القرآن) فمن العلماء المحدثين من أعلّ هذا الجزء من الحديث ولم يقبله من حيث الرواية، ومنهم من قبله وأَوَّلَهُ، ونفصل الكلام في كلا الطريقين: ١ - فمن مقدمة من أعلّ هذا الجزء من الحديث: الإمام أبو جعفر الطحاوي كثُّهُ. فإنه يقول في مشكل الآثار (٣ - ٦) ((وهذا مما لا نعلم أحداً رواه كما ذكرنا غير عبد الله بن أبي بكر، وهو عندنا وهم منه، أعني ما فيه مما حكاه عن عائشة أن رسول الله وَّل توفي وهن مما يقرأ من القرآن، لأن ذلك لو كان كذلك لكان كسائر القرآن، ولجاز أن يقرأ به في الصلوات، وحاشا لله أن يكون كذلك، أو يكون قد بقي من القرآن ما ليس في المصاحف التي قامت بها الحجة علينا)). وحاصل ما قال الطحاوي تخَّثُ أن هذا الحديث يرويها عن عمرة ثلاثة من الرواة: عبد الله ابن أبي بكر، والقاسم بن محمد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ولا يروي هذه الزيادة إلا عبد الله ابن أبي بكر، وأما القاسم بن محمد ويحيى بن سعد، فيرويان هذا الحديث من غير هذه الزيادة، فأما حديث القاسم فأخرجه الطحاوي في مشكله (٣ - ٧) فقال: ((حدثنا محمد بن خزيمة، ثنا حجاج بن منهال، ثنا حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن عمرة عن عائشة قالت: كان مما نزل من القرآن ثم سقط: لا يحرم من الرضاع إلا عشر رضعات، ثم نزل بعد: أو خمس رضعات)) وأما حديث يحيى بن سعد فأخرجه مسلم أيضاً فيما يأتي، وأخرجه البيهقي في سننه (٧ - ٤٥٤) بدون هذه الزيادة. ولا شك أن القاسم بن محمد أقدم من عبد الله بن أبي بكر طبقة وأفضل منه علماً وفقهاً، وجعله الطحاوي (فوق مقدار عبد الله بن أبي بكر في العلم وضبطه له)، فلذلك رجح روايته على رواية عبد الله، ثم قال: ((ومما يدل على فساد ما قد زاده عبد الله بن أبي بكر على القاسم بن محمد ويحيى بن سعد في هذا الحديث: أنا لا نعلم أن أحداً من أئمة أهل العلم روى هذا الحديث عن عبد الله بن أبي بكر غير مالك بن أنس، ثم تركه مالك فلم يقل به، وقال بضده، وذهب إلى أن قليل الرضاع وكثيره يحرم)). كذا في مشكل الآثار (٣ - ٨). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وممن حكم على هذه الزيادة بالوهم: القاضي أبو بكر ابن العربي في عارضة الأحوذي (٥ - ٩٢) حيث يقول: ((وقد قيل: إن هذه وهمٌ منه، وإن الحديث الصحيح ما رواه القاسم دون ذكر هذا، فيكون مما نزل ثم نسخ)) ومما يؤيده أن عبد الرزاق أخرج عن عائشة ما يدل على نسخ تلاوة خمس رضعات أيضاً، فقال: ((أخبرنا ابن جريج، قال سمعت نافعاً يحدث أن سالم بن عبد الله حدثه أن عائشة زوج النبي ◌َّير أرسلت به ٦٨ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ) عَنْ عَمْرَةَ؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ: (وَهِيَ تَذْكُرُ الَّذِي يُحَرِّمُ مِنَ إلى أختها أم كلثوم ابنة أبي بكر، لترضعه عشر رضعات، ليلج عليها إذا كبر، فأرضعته ثلاث مرات، ثم مرضت، فلم يكن سالم يلج عليها، قال: زعموا أن عائشة قالت: لقد كان في كتاب الله عز وجل عشر رضعات، ثم رد ذلك إلى خمس، ولكن من كتاب الله ما قبض مع النبي ◌َّر)) كذا في مصنف عبد الرزاق (٧ - ٤٧٠). فهذه الرواية عن عائشة تكاد تكون صريحة في أن خمس رضعات قد نسخ تلاوتها قبل أن يقبض النبي رَله . مبحث في صحة أحاديث الشيخين فإن قيل: قد أجمعت الأمة على أن جميع ما في الصحيحين صحيح، فكيف يجوز أن ينسب الوهم إلى ما رواه مسلم؟ قلنا: قد سبق هذا المبحث في آخر مقدمة هذا الشرح، وقد أشبع فيه الكلام هناك، ولا بد أن يتنبه ههنا لأمور: الأول: قال ابن الصلاح في مقدمة شرح مسلم له: ((ما أخذ عليهما - يعني على البخاري ومسلم - وقدح فيه معتمد من الحفاظ فهو مستثنى مما ذكرناه - يعني من الإجماع على صحة ما رواه أحدهما - لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول)) نقله الحافظ ابن حجر في الفصل الثامن من هدي الساري مقدمة فتح الباري (٢ - ١٠٥) ثم قال: وهذا احتراز حسن)). الثاني: قال الحافظ ابن حجر في أقسام ما انتقد به على الصحيحين: ((القسم الثالث منها: ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه، دون من هو أكثر عدداً أو أضبط ممن لم يذكرها، فهذا لا يؤثر التعليل به، إلا إن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع، أما إن كانت الزيادة لا منافات فيها بحيث تكون كالحديث المستقل فلا، اللهم إلا إن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته، فما كان من هذا القسم فهو مؤثر)) انتهى من هدي الساري (٢ - ١٠٧). الثالث: قال شيخنا العلامة العثماني تغذّثهُ في آخر مقدمة فتح الملهم: ((إن كل حديث حكم بصحتها المحدثون: إنما حكمهم فيما يتعلق بالإسناد حسب ما يقتضيه فنهم ووظيفتهم، وهذا القدر لا يمنع الفقهاء وعلماء الأصول من عدم تصحيحه أحياناً من حيث المتن بحسب موضوعهم ووظيفتهم على ما مرَّ تفصيله)). فبالنظر إلى هذه الأمور الثلاثة، لو قدح في هذا الجزء من الحديث أمثال الطحاوي وابن العربي من الحفاظ، فلا يكون ذلك مضاداً لما أجمعت عليه الأمة، وخصوصاً من جهة أنهم لا يقدحون في ثبوت نفس الحديث، بل هو ثابت عندهم في الجملة، ولكنهم يقدحون في زيادة تفرد بها عبد الله بن أبي بكر من بين سائر الرواة، ولا ينكر أحد وقوع الأوهام من بعض الرواة ٦٩ كتاب: الرضاع الرَّضَاعَةِ) قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ. ثُمَّ نَزَلَ أَيْضاً: خَمْسٌ مَعْلُومَاتٌ. ٣٥٨٤ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ: بِمِثْلِهِ. في بعض أحاديث الصحيحين، كما تقدم في تسمية أفلح أخي أبي القعيس في حديث عائشة في أول الرضاع. ٢ - وهناك طائفة أخرى من العلماء، تقبل هذه الزيادة من جهة الإسناد والرواية، ولكنها تقول: ليس معناها أن هذه الآية لم تنسخ حتى وفاة النبي ◌َّ، وإنما المعنى أنها نسخت في آخر حياته وَير، فلم يطلع على نسخها بعض الصحابة، فكانوا يقرؤونها عند وفاة النبي ◌َّر، فلما اطلعوا على النسخ أقلعوا عن ذلك، فيقول النووي كثّفُ في شرح هذا الحديث: ((ومعناه أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جداً، حتى أنه وُ ل توفيَّ وبعض الناس يقرأ (خمس رضعات) ويجعلها قرآناً متلواً، لكونه لم يبلغ النسخ، لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يتلى)). انتهى من شرحه لمسلم (١٠ - ٢٩). فانظر كيف يعترف النووي تخلّفُ - وهو من الشافعية القائلين بخمس رضعات - بأن هذه الآية منسوخة، وأن ظاهر حديث عائشة غير مراد، فثبت أنه لا خلاف بين الأمة في نسخ هذه الآية، ولا ينكر النسخ أحد، حتى الذين يقولون بخمس رضعات. واعترض عليه بعض المستشرقين والملاحدة بما أخرجه ابن ماجه (١ - ١٣٩) في باب رضاع الكبير عن عائشة، قالت: ((لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا، ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله وَلقر؟ وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها)). قالوا: فدل هذا الحديث على أنه لم يكن سبب عدم كتابتها في المصحف إلا أن أكلتها الشاة. والجواب على تقدير صحة الحديث - فإنه عنعنة محمد بن إسحاق - أنه لا يحكي إلا قصة من القصص، وليس فيه أي تعرض لما كان السبب في عدم كتابتها في المصحف؛ وأما احتفاظ عائشة بها فلم يكن إلا كما يحتفظ المرء بذكرى تاريخية، ويدل عليه أنها قرنت آية الرضاع بآية الرجم، وهي منسوخة قطعاً، ولم يكن احتفاظها بآية الرجم إلا لقيمتها التاريخية، فكذلك آية الرضاع، وإلا فهل يتصور من مثل عائشة أن ترضى بعدم كتابتها في المصحف؟ وأيم الله! لو كانت عائشة تعتقد بأنها جزء من القرآن لم تترك أحداً، ولو على قيمة نفسها، أن يدون المصحف بدون هذه الآية، وهي التي حاربت علياً ظه في أمر القصاص، فكيف تمسك عن إدخالها في المصحف، مع أن أباها هو الجامع الأول للقرآن؟ فلا يقدح بهذا الحديث في القرآن الكريم إلا من أعمته الشحناء وأصمه العناد، وجعلته العصبية لا يعرف ما يقول. ٧٠ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٧) - باب: رضاعة الكبير ٣٥٨٥ - (٢٦) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولُ اللَّهِ! إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ (وَهُوَ حَلِفُهُ). فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((أَرْضِعِيهِ)) قَالَتْ: وَكَيْفَ أَرْضِعُهُ؟ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ. (٧) باب: رضاعة الكبير ٢٦ - (١٤٥٦) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرج البخاري قطعة منه في النكاح، باب الأكفاء في الدين، وفي المغازي، باب شهود الملائكة بدرا، وأخرجه أيضاً مالك في الرضاع، باب ما جاء في الرضاعة بعد الكبر، وأبو داود، (رقم: ٢٠٦١ في النكاح)، باب: من حرم به، والنسائي في النكاح، باب رضاع الكبير. قوله: (سهلة بنت سهيل) هي سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشية العامرية، زوجة أبي حذيفة رضيه، أسلمت مع زوجها، وهاجرت معه إلى الحبشة، وهي التي ذكرتها عائشة في حديثها عند أبي دواد: (أن سهلة بنت سهيل استحيضت، فأتت النبي (َ﴿ إلخ) وراجع الإصابة (٤ - ٣٢٩). قوله: (أرى في وجه أبي حذيفة) تعني من الكراهية، وأن دخول سالم يشق عليه. قوله: (من دخول سالم وهو حليفه) وهو سالم بن معقل مولى أبي حذيفة، أحد السابقين الأولين، وكان مولى امرأة من الأنصار، يقال لها فاطمة بنت يعار، أعتقته سائبة، فوالى أبا حذيفة، فالمراد من الحليف في الحديث مولى الموالاة(١)، وكان أبو حذيفة رضيُّه قد تبناه بعد ذلك كما تبنى رسول الله 8* زيد بن حارثة، فكان أبو حذيفة يرى أنه ابنه، فلما أنزل الله ﴿أَدْعُوهُمْ لِلَّبَآِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] رد كل أحد تبنى ابناً من أولئك إلى أبيه، ومن لم يعرف أبوه رد إلى مواليه، كما أخرجه مالك في الرضاع من الموطأ. وكان سالم يؤم المهاجرين والأنصار في مسجد قباء، وكان من أكثر الصحابة قرآناً، وراجع الإصابة (٢ - ٦ و ٧). قوله: (أرضعيه) قال القاضي: لعلها حلبته، ثم شرب من غير أن يمسَ ثديها، ولا التقت بشرتاهما، وهذا الذي قاله القاضي حسن، ويحتمل أنه عفا عن مسه للحاجة، كما خص بالرضاعة مع الكبر، والله أعلم، كذا في شرح النووي. وقال ابن الهمام: ((ثم كيف جاز أن يباشر عورتها بشفتيه؟ فلعل المراد أن تحلب له شيئاً مقداره خمس مصات فيشربه، وإلا فهو مشكل)) كذا في فتح القدير (٣ - ٤). (١) فتفسير الحليف بالدعيّ، كما وقع في شرح محمد ذهني (١ - ٦٥٨) تكلف لا حاجة إليه. ٧١ كتاب: الرضاع فَتَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ بَِّهِ وَقَالَ: ((قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: هذا الاحتمال متعين، وقد صرح به في رواية، وهي ما أخرجه ابن سعد، قال: ((أخبرنا محمد بن عمر (يعني الواقدي)، حدثنا محمد بن عبد الله ابن أخي الزهري، عن أبيه، قال: كان يحلب في مسعط أو إناء قدر رضعة، فيشربه سالم كل يوم خمسة أيام، وكان بعد يدخل عليها وهي حاسر، رخصة من رسول الله لسهلة بنت سهيل)). كذا في الطبقات الكبرى لابن سعد (٨ - ٢٧١) في تسمية النساء المسلمات المبايعات من قريش وترجمة سهلة؛ وذكره الحافظ في الإصابة (٤ - ٣٢٩) في ترجمتها أيضاً. فهذه الرواية قد صرحت بأنها حلبت له، ولم ترضعه من ثديها، والمسعط (بكسر الميم وفتح العين) والمسعط (بضم الميم والعين): ما يجعل فيه ويصب منه في الأنف، كما في القاموس. قوله: (فتبسم رسول الله وَّر) لعله يَّ ر تبسم على زعمها أنها أمرت بإرضاع سالم من ثديها، مع أنه سير أراد أن تحلب له، فيشرب منه، وإنها فهمت ذلك من تبسمه أو بتصريحه غلـ بعد ذلك، ولم يذكره الرواة. مسألة إرضاع الكبير قوله: (قد علمت أنه رجل كبير) استدلت به عائشة ثهنا، كما هو المعروف عنها، على أن الإرضاع محرم ولو كان الرجل رضع من امرأة في كبره، وهو مذهب ابن حزم، فإنه يقول في المحلى (١٠ - ١٧ مسألة ١٨٦٩): ((ورضاع الكبير محرِّم، ولو أنه شيخ، كما يحرم رضاع الصغير، ولا فرق)). ونسبه النووي وغيره إلى داود الظاهري ولكن رده الحافظ في الفتح، وروى عبد الرزاق هذا المذهب عن عطاء، ونقله الطبري عن حفصة، وعبد الله بن الزبير، والقاسم بن محمد، وعروة أيضاً، وحكاه ابن عبد البر عن الليث ابن سعد كما في فتح الباري (٩ - ١٢٨). وقال ابن تيمية: الرضاع يعتبر فيه الصغر إلا فيما دعت إليه الحاجة كرضاع الكبير الذي لا يستغنى عن دخوله على المرأة ويشق احتجابها منه، نقله الشوكاني ورجحه في (نيل الأوطار) (٦ - ٢٦٧). وأما جمهور من سواهم فأجمعوا على أنه لا يحرم بعد مدة الرضاع، وحجتهم في ذلك ما يلي : ١ - استدل البخاري تَُّ على قولهم بقوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةُ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فجعل الله تعالى الحولين تمام الرضاعة، فثبت أن الرضاع الشرعي المحرم لا يتحقق بعد الحولين . ٢ - عن عائشة غيّنا مرفوعاً: (فإنما الرضاعة من المجاعة) أخرجه الشيخان يعني أن ٧٢ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الرضاعة إنما تكون محرِّمة إذا كانت تسد الجوع، وهي في الصغر، لأن الكبير لا يشبعه إلا الخبز، كما سيأتي في شرح هذا الحديث إن شاء الله تعالى. ٣ - روي عن عبد الله بن مسعود أنه مرفوعاً: ((لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم)) أخرجه أبو داود وسكت عليه، ولا يكون الرضاع منشزاً للعظم ومنبتاً للحم إلا في الصغر، كما سيأتي في حديث أم سلمة . ٣ - عن أم سلمة غيرنا قالت: قال رسول الله وَله: ((لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام)) أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأعله ابن حزم بأن فاطمة بنت المنذر لم تسمع من أم سلمة، ولكنه تحكم محض، لأننا لو سلمنا صحة ما حاسب له ابن حزم فإن فاطمة كانت ابنة إحدى عشرة سنة عند وفاة أم سلمة (انظر المحلى ١٠ - ٢١) وهذا العمر يكفي للتحمل، كما تقرر في موضعه. ٥ - عن جابر أن رسول الله وسلم قال: ((لا رضاع بعد فصال ولا يتم بعد احتلام)) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (ص - ٢٤٣ رقم: ١٧٦٧، الأفراد عن جابر) من طريق خارجة بن مصعب عن حرام بن عثمان عن أبي عتيق عنه، ومن طريق اليمان أبي حذيفة عن أبي عبس عنه : قلت: كلا الطريقين فيه كلام، غير أن كل واحد منهما يقوي الآخر. ٦ - مالك عن عبد الله بن دينار أنه قال: ((جاء رجل إلى عبد الله بن عمر، وأنا معه عند دار القضاء، يسأله عن رضاعة الكبير، فقال عبد الله بن عمر: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني كانت لي وليدة، وكنت أطؤها، فعمدت امرأتي إليها فأرضعتها، فدخلتُ عليها، فقالت: دونك! فقد - والله - أرضعتها، فقال عمر: أوجعها وائت جاريتك، فإنما الرضاعة رضاعة الصغير)) أخرجه مالك في الموطأ . ٧ - ((عن يحيى بن سعيد: أن رجلاً سأل أبا موسى الأشعري فقال: إني مصصت عن امرأتي من ثديها لبناً، فذهب في بطني، فقال أبو موسى الأشعري: لا أراها إلا قد حرمت عليك، فقال عبد الله بن مسعود: انظر ما تفتي به الرجل، فقال أبو موسى: فما تقول أنت؟ فقال عبد الله بن مسعود: لا رضاع إلا ما كان في الحولين، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما كان هذا الحبر فيكم)) أخرجه مالك في الموطأ أيضاً. ٨ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَل : ((لا رضاع إلا ما كان في الحولين)). أخرجه الدارقطني (٤ - ١٧٤) وأعله العيني بالهيثم بن جميل، وذكر قول النسائي: الهيثم بن جميل وثقه الإمام أحمد والعجلي وغير واحد، وكان من الحفاظ، إلا أنه وهم في رفع الحديث، والصحيح وقفه على ابن عباس، ثم ذكر أن سعيد بن منصور وعبد الرزاق وابن أبي شيبة رووه عن ابن عيينة ٧٣ كتاب: الرضاع موقوفاً، ورواه أيضاً: ابن أبي شيبة موقوفاً على ابن مسعود وعلي بن أبي طالب، وأخرجه الدارقطني موقوفاً على عمر رضيُه قال: لا رضاع إلا في الحولين في الصغير. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: التقدير بالحولين مما لا يدرك بالقياس، فهذه الآثار الموقوفة في قوة المرفوع، والظاهر أنه لم يقل به هؤلاء الصحابة إلا وعندهم في ذلك عهد من النبي ◌َلّ . ٩ - واستدل ابن العربي على مذهب الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَأُنَّهَنُكُمُ الَّتِىَ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وقال: ((والرضيع في اللفظ اسم للصغير دون الكبير، حتى صار يسمى به، وإن لم يرضع، فالمأكول اسم لما يتغذى به، وإن لم يؤكل، وإذا لم يُسَمَّ الكبير رضيعاً لم تسم الأم مرضعة، ويعضد هذا علة الرضاع، وهي وجود البعضية فيه، وذلك يتصور في الصغير، لأن كل جزء يحصل في جوفه ينمى به، والكبير لا ينمى به)) كذا في عارضة الأحوذي (٥ - ٩٧) وهو كلام متين جداً . وأما قصة إرضاع سالم في حديث الباب، فقد أجاب عنها الجمهور بأجوبة مختلفة، أحسنها أن ذلك كان خصوصية له ربه، ويدل على ذلك ما يأتي عند المصنف من أن سائر أزواج النبي الكريم وّ سوى عائشة جعلن هذا الحكم خاصاً بسالم، ولم يقل بعمومه أحد سوى عائشة أو حفصة، إن صح ذلك عنها، والله سبحانه أعلم. وراجع لبقية الأجوبة وردها فتح الباري (باب من قال لا رضاع بعد حولين) (٩ - ١٢٦). مسألة مدة الرضاع ثم اختلف الجمهور في تعيين مدة الرضاع على أربعة أقوال: ١ - الأول مذهب الجمهور، وهو أن مدة الرضاع حولان، وممن قال ذلك: الشافعي وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد، وعامر الشعبي، وابن شبرمة، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وهو قول مالك في الموطأ، كما في عمدة القاري (٩ - ٣٨٧) وهي رواية ابن وهب عنه، كما في فتح الباري. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأُلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُثِّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وبقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَلَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وأقل مدة الحمل ستة أشهر، فبقي حولان للفصال، واستدلوا أيضاً بما أسلفنا من الآثار في مسألة رضاع الكبير. ٢ - والثاني مذهب زفر، وهو أن مدة الرضاع ثلاثة أحوال، وهو رواية عن الأوزاعي كما في تفسير ابن كثير (١ - ٢٨٣) وذلك لأنه لا بد بعد الحولين من مدة يتعود فيها الصبي غير اللبن، لينقطع الإنبات باللبن، وذلك بزيادة مدة يتعود فيها الصبي تغير الغذاء؛ والحول حسن للتحول ٧٤ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم من حال إلى حال، لاشتماله على الفصول الأربعة، فقدرناه بثلاثة أحوال، وهذا ملخص ما في فتح القدير (٣ - ٥). ٣ - والثالث مذهب مالك، وهو أنه يغتفر بعد الحولين مدة يدمن الطفل فيها على الفطام، لأن الصبي لا يفطم دفعة واحدة، بل على التدريج في أيام قليلات، ثم اختلفت الروايات عن مالك في تقدير هذه المدة، فقيل: يغتفر نصف سنة، وقيل: شهران، وقيل شهر ونحوه، (فتح الباري ٩ - ١٢٥) وقيل: ما دام محتاجاً إلى اللبن غير مستغن عنه، كما في فتح القدير (٣ - ٥). قال العبد الضعيف: الصحيح المختار في مذهب المالكية زيادة شهرين بعد الحولين، كما في المدونة الكبرى (٥ - ٨٩) وهو الذي أقره الخليل والدردير، راجع حاشية الصاوي على شرح الدردير (٢ - ٧٢١). ٤ - الرابع قول أبي حنيفة تَغْلَفُهُ، وهو أن مدة الرضاع حولان وستة أشهر، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُمُ وَفِصَلُ ثَلَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ووجه الاستدلال على ما ذكره صاحب الهداية: أنه تعالى ذكر شيئين وضرب لهما مدة، فكانت لكل واحد منهما بكمالها، كالأجل المضروب للدينين، إلا أنه قام المنقص في أحدهما (يعني الحمل، فقد جاء أثر عائشة أن الولد لا يبقى في بطن أمه أكثر من سنتين ولو بقدر فلكة مغزل) فتبقي مدة الفصال على ظاهرها . ولكن قال شيخ مشايخنا الأنور كثّفْه: ((ما أجاب به صاحب الهداية ههنا فهو ركيك جداً، فإنه جعل أثر عائشة منقصاً للمدة، فإنه ليس تخصيصاً، بل يشبه النسخ، لأن القرآن ذكر فيه العدد دون العموم، ليقال: إن أثرها مخصص، وبحث عليه ابن الهمام في الفتح)) كذا في فيض الباري (٤ - ٧٨ ٢) . فالصحيح من وجه استدلال أبي حنيفة بهذه الآية أنه فسر الحمل في قوله تعالى: ﴿حمله وفصاله﴾ إلخ بالحمل على الأكف، حكاه النسفي في مدارك التنزيل (٤ - ١٤٣) عن أبي حنيفة(١)، والمراد أن الأم تحمل طفلها على يديها وفي حجرها مدة ثلاثين شهراً، وأيده شيخنا العثماني في أحكام القرآن له (١ - ٣٩١) بكلام متين، فراجعه. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويرد على هذا التفسير أنه لا يلائم السياق، لأن تمام الآية: ﴿حَلَتْهُ أُمُهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرُهَا وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ تَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] فوردت مادة (الحمل) في هذه الآية مرتين، والحمل في البطن متعين في المدة الأولى، فليكن في الثانية كذلك. وهذا اعتراض قوي، ولكن يمكن أن يجاب عنه بأن الله تعالى قد ذكره في هذه الآية أربع (١) وعزاه في فيض الباري إلى الزمخشري، ولم أجده في الكشاف. ٧٥ كتاب: الرضاع مراحل تتحمل فيها الأم عناء لتربية ولدها، فالأولى: مرحلة الحمل في البطن، والثانية: مشقة الوضع، والثالثة: عناء حمله على الأكف، والرابعة: مشكلة الفصال. فالكلام على هذا متسق منظم يحتوي جميع المشاق التي تتحملها الأم بترتيب طبيعي، ولو فسرنا الحمل الثاني بالحمل في البطن أيضاً، لاختل هذا الترتيب. هذا ما ظهر لي في وجه قول أبي حنيفة، والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَالْوَلِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فقد أجاب عنه أبو حنيفة بأن الله سبحانه أعقبه بقوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِّنْهُمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] إلخ فدل على أن الفصال يقع بعد تمام الحولين، لأن الفاء للتعقيب، فجاز أن يكون بعد الحولين رضاع. ويؤيده ما أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢ - ٢٨٩) قال: ((حدثني المثنى، قال حدثنا عبد الله، قال ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس: فإن أرادا فصالاً: فإن أرادا أن يفطماه قبل الحولين وبعده)) فصرح ابن عباس في هذه الرواية أن قوله تعالى ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ يحمل على ما قبل الحولين وعلى ما بعده، فثبت أن (الحولين) في الآية ليس تقديراً لمدة الرضاع، وإنما هو تقدير لما يلزم الأب من نفقة الرضاع. ويدل عليه ما أخرجه ابن جرير (٢ - ٢٨٠) قال: ((حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أنا ابن المبارك، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين؟ قال: إن أرادت أمه أن تقصر عن حولين كان عليها حقاً أن تبلغه، لا أن تزيد عليه، إلا أن تشاء)) ثم أخرج عن الثوري مثله. وأما قوله تعالى: ﴿وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] فقد حمله أبو حنيفة على غالب الأحوال. فالحاصل - كما قال الشيخ ظفر أحمد العثماني في أحكام القرآن - أن أبا حنيفة يقول بما قال به الجمهور: أن مدة الرضاع حولان كاملان، ولكنه زاد عليهم أن الفصال قبل الحولين ليس بواجب، وإنما يجب ذلك بعد إتمام الرضاعة، وهو بمضي الحولين اتفاقاً، ومن المعلوم قطعاً أن الصبي لا يفطم دفعة واحدة، وإنما سبيله التدريج، ليتمرن على ترك اللبن، فقدره أبو حنيفة بستة أشهر نظراً إلى آية الأحقاف، واعتباراً بأقل مدة الحمل، لأن في هذه المدة يتحول غذاؤه إلى اللبن، وقد عرفت أن آية البقرة لتحديد مدة الإنفاق، لا لتقدير مدة الرضاع، فاحتاط أبو حنيفة في إثبات حرمة النكاح إلى سنتين ونصف، وإلى هذا المعنى يشير الإمام محمد في موطئه حيث يقول: ((وكان أبو حنيفة كثّفُ يحتاط بستة أشهر بعد الحولين)). المفتى به في مذهب الحنفية هذا ما وجه به قول أبي حنيفة تغلّفُ، وتتضح منه دقة مداركه، وأنه لا يخالف كتاب الله، وإنما يفسره بما تحتمله ألفاظ القرآن، وتؤيده بعض الآثار، ويقويه النظر العقلي، فالذين أطالوا ٧٦ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم زَادَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ: وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْراً. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِه . ٣٥٨٦ - (٢٧) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ. جَمِيعاً عَنِ الثَّقَنِيِّ. قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ سَالِماً مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةً كَانَ مَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ وَأَهْلِهِ فِي بَيْتِهِمْ. فَأَتَتْ (تَعْنِيَ ابْنَةَ سُهَيْلٍ) النَّبِيَّ نَ فَقَالَتْ: إِنَّ سَالِماً قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ. وَعَقَلَ ألسنتهم في جنابه في هذه المسألة، وأكثروا من الشغب عليه: لم يدركوا مراده ولم يفهموا وجه ما يستدل به؛ فقوله في هذه المسألة قول مجتهد يحتمل الخطأ والصواب والقطع بأحد الجانبين عصبية لا تجوز . وأما لو رجعنا إلى قوة الدليل فالراجح مذهب الجمهور، ومنهم أبو يوسف ومحمد، ولذلك أفتى المتأخرون من الحنفية في هذه المسألة على قولهم، واختاره الطحاوي، وقال ابن نجيم: ((ولا يخفى قوة دليلهما، فإن قوله تعالى: ﴿وَأَلْوَِّدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةً﴾ [البقرة: ٢٣٣] يدل على أنه لا رضاع بعد التمام، وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] فإنما هو قبل الحولين، بدليل تقييده بالتراضي والتشاور، وبعدهما لا يحتاج إليهما)) كذا في البحر الرائق (٣: ٢٢٥) قال العبد الضعيف: وأكثر المفسرين يحملونه على ما قبل الحولين، كما في تفسير ابن جرير. ثم قول الجمهور مؤيد بالآثار المروية عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس، كما أسلفنا في مسألة رضاع الكبير، وابن عباس قد روى عنه الدارقطني مرفوعاً: ((لا رضاع بعد الحولين)) وتضعيف الهيثم بن جميل ليس مما اتفقوا عليه، فقال الدارقطني: ثقة حافظ، وقال العجلي: ثقة صاحب سنة، وقال أحمد: ثقة، وقال ابن عدي: ليس بالحافظ، يغلط على الثقات، وأرجو أنه لا يتعمد الكذب، كما في ميزان الاعتدال (٤ - ٣٢٠ رقم: ٩٢٩٣)، وهو من رجال ابن ماجه والترمذي، وأخرج له البخاري في الأدب المفرد، فحديث مثله لا ينزل عن الحسن. ثم قال ابن كثير في تفسيره (١ - ٢٨٣): ((وقد رواه الإمام مالك في الموطأ عن ثور بن يزيد عن ابن عباس مرفوعاً)» قلت: لم أجده في النسخ الموجودة من الموطأ، وإنما هو موقوف على ابن عباس في سائر النسخ الموجودة، ويمكن أن تكون عند ابن كثير نسخة أخرى، والله أعلم. وعلى كل حال، فلو ثبت رفع هذا الحديث، فقوة قول الجمهور ظاهرة، ولو لم يثبت(١)، (١) ويظهر من كلام الحافظ في التلخيص (٤ - ٤ رقم ١٦٥٤) أنه يرجح وقف هذا الحديث. ٧٧ كتاب: الرضاع مَا عَقَلُوا. وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا. وَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ فِي نَفْسٍ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ ذُلِكَ شَيْئاً. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ وَّهِ: ((أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ، وَيَذْهَبِ الَّذِي فِي نَفْسٍ أَبِي حُذَيْفَةَ)) فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُهُ، فَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْسٍ أَبِي حُذَيْفَةً. ٣٥٨٧ - (٢٨) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. (وَاللَّفْظُ لاِبْنِ رَافِع) قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مِّلَيْكَةَ؛ أَنَّ الْقَاسِمَ بَّنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتَّهُ؛ أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو جَاءَتِ النَّبِيِّ بَّهِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ سَالِماً (لِسَالِمِ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ) مَعَنَا فِي بَيْتِنَا. وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ وَعَلِمَ مَا يَعْلَمُ الرِّجَالُ. قَالَ: (أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ)). قَالَ: فَمَكَثْتُ سَنَةً أَوْ قَرِيباً مِنْهَا لاَ أُحَدِّثُ بِهِ وَهِبْتُهُ. ثُمَّ لَقِيتُ الْقَاسِمَ فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ حَدَّثْتَنِي حَدِيثاً مَا حَدَّثْتُهُ بَعْدُ. قَالَ: فَمَا هُوَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ. قَالَ: فَحَدِّثْهُ عَنِّي؛ أَنَّ عَائِشَةً أَخْبَرَ تْنِهِ . ٣٥٨٨ - (٢٩) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ نَافِعِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ. قَالَتْ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لِعَائِشَةَ: إِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ الْغُلاَمُ الأَيَّفَعُ الَّذِي مَا أُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ. قَالَ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَالَكِ فِي فالآثار الموقوفة ثابتة بلا شك، وقدمنا أن الموقوف في المقادير في قوة المرفوع، لأنها لا تدرك بالقياس، فيجب الأخذ بها، والله سبحانه أعلم. قوله: (وكان قد شهد بدراً) يعني: سالماً. ٢٧ - (٠٠٠) - قوله: (يعني بنت سهيل) وفي بعض النسخ المصرية: (تعني: ابنة سهيل) وفي بعضها (تعني: سهلة بنت سهيل) وكأن القاسم نسي ما سمت به عائشة سهلة بنت سهيل، فلم ينسب إليها الاسم، وإنما قال: تعني، وهذا احتياط منه تَّتُهُ . ٢٨ - (٠٠٠) - قوله: (لا أحدث به رهبته) مصدر منصوب بإسقاط حرف الجر، يعني: (لا أحدث به لأجل رهبة هذه القصة) وضبطه البعض (رهبته) بكسر الهاء وسكون الباء وضم التاء، فهو فعل مسأنف؛ وعلى كل حال فهو من الرهب بمعنى الخوف، ووقع في النسخ المصرية: (وهبته) بواو العطف وفعل المتكلم الماضي من الهيبة، وهي الإجلال، المعنى أني لم أحدث به مدة، مخافة أن يغتر به بعض الجهال. ٢٩ - (٠٠٠) - قوله: (الغلام الأيفع) هو الذي قارب البلوغ ولم يبلغ، وأيفع الغلام ويفع، كمنع: إذا شارف الاحتلام، فهو يافع، وهو من نوادر الأبنية، كما في النهاية ومجمع البحار، واختاره النووي، وفسره في القاموس بمن راهق العشرين، وعلى التفسير الأول دل الحديث على أن الغلام المراهق مثل البالغ في أحكام الحجاب. ٧٨ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ أُسْوَةٌ؟ قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ سَالِماً يَدْخُلُ عَلَيَّ وَهُوَ رَجُلٌ. وَفِي نَفْسٍ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ شَيْءٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((أَرْضِعِيهِ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْكِ)) . ٣٥٨٩ - (٣٠) وحدّثني أَبُو الظَّاهِرِ وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ. (وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ) قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ نَافِع يَقُولُ: سَمِعْتُ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَّمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ نَّهِ تَقُولُ لِعَائِشَةَ: وَاللَّهِ! مَا تَطِيبُ نَفْسِي أَنْ يَرَانِيِ الْغُلاَمُ قَدِ اسْتَغْنَى عَنِ الرَّضَاعَةِ. فَقَالَتْ: لِمَ؟ قَدْ جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى رَسُولِ اللّهِ بِّهِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَاللَّهِ، إِنِّي لأَرَىْ فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِم. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((أَرْضِعِيهِ)) فَقَالَتْ: إِنَّهُ ذو لِحْيَةٍ. فَقَالَ: ((أَرْضِعِيهِ يَذْهَبِّ مَا فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةً)) . فَقَالَتْ: وَاللَّهِ! مَا عَرَفْتُهُ فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ . ٣٥٩٠ - (٣١) حدّثني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي. حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ زَمْعَةَ؛ أَنَّ أُمَّهُ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَّةَ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَِّرُ كَانَتْ تَقُولُ: أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ نَّهِ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ أَحَداً بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ. وَقَلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللَّهِ! مَا نَرَىْ هذَا إِلَّ رُخَّصَةً أَرْخَصَهَا رَسُولُ اللّهِ وَ لِهِ لِسَالِمِ خَاصَّةٌ. فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ. وَلاَ رَائِينَا . ٣٠ - (٠٠٠) - قوله: (إنه ذو لحية) قال الحافظ في الفتح (٩ - ١٢٨): هذا يشعر بأنها كانت تعرف أن الصغر معتبر في الرضاع المحرم، فلا يصح قول من أجاب عن حديث الباب بأن رضاع الكبير كان محرماً حينئذ ثم نسخ هذا الحكم قال العبد الضعيف: ليس في هذا اللفظ ما يرد القول بالنسخ، لأن قولها (إنه ذو لحية) يمكن أن يكون منشؤه الحياة والاستعجاب من فعل الإرضاع، لا إنكار كونه محرماً، والله أعلم. ٣١ - (١٤٥٤) - قوله: (فما هو بداخل) إلخ الضمير ههنا ضمير الشأن، و (رائينا) اسم فاعل من الرؤية . ما فى الحديث من آداب وأحكام ١ - ثم استنبط الحافظ من قصة سالم جواز الإرشاد إلى الحيل، وهو استنباط جيد. ٢ - وقال ابن الرفعة: ((يؤخذ منه جواز تعاطي ما يحصل الحل في المستقبل؛ وإن كان ٧٩ كتاب: الرضاع (٨) - باب: إنما الرضاعة من المجاعة ٣٥٩١ _ (٣٢) حدّثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ. حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ. قَالَ: قَالَّتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ. فَاشْتَدَّ ذُلِكَ عَلَيْهِ. وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَالَتْ: فَقَالَ: ((انْظُرْنَ إِخْوَتَكُنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ)). ليس حلالاً في الحال)) كما في فتح الباري (٩ - ١٢٩) قبيل باب لبن الفحل، قال العبد الضعيف: هذا الاستدلال فيه نظر، أما أولاً؛ فلأنه لم يثبت أن سهلة أرضعت سالماً من ثديها، بل ثبت خلافه كما قدمنا أنها حلبت له في مسعط، فشرب منه، فكيف يصح أن يقال إنها لم تحتجب منه عند الإرضاع؟ وأما ثانياً؛ فلأنه لو ثبت عدم احتجابها منه، كان ذلك خصوصية لسالم أيضاً، وإلا فلا يحل للمرأة أن تسفر أمام والد زوجها إلا إذا حدث بينهما نكاح؛ أما قبل النكاح فلا . (٨) باب: إنّما الرضاعة من المجاعة ٣٢ - (١٤٥٥) - قوله: (قالت عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في النكاح، باب من قال لا رضاع بعد حولين، وفي الشهادات، باب الشهادة على الأنساب، وأبو داود، (رقم: ٢٠٥٨ في النكاح)، باب: في رضاعة الكبير، والنسائي في النكاح، باب القدر الذي يحرم من الرضاعة . قوله: (وعندي رجل قاعد) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، وأظنه ابناً لأبي قعيس، وغلط من قال: عبد الله بن يزيد رضيع عائشة، لأن عبد الله هذا تابعي باتفاق الأئمة، وكأن أمه التي أرضعت عائشة عاشت بعد النبي وَل#، فولدته، فلهذا قيل له رضيع عائشة. كذا في فتح الباري (٩ - ١٦٧) باب لا رضاع بعد الحولين. قوله: (فاشتد ذلك) إلخ يعني: جلوس رجل أجنبي عندها . قوله: (انظرن إخوتكن من الرضاعة) المعنى: تأملن ما وقع من ذلك هل هو رضاع صحيح بشرطه أم لا؟ وقال الملهب: انظرن ما سبب هذه الأخوة، فإن حرمة الرضاع إنما هي في الصغر، حتى تسد الرضاعة المجاعة. كذا في فتح الباري. قوله: (فإنما الرضاعة من المجاعة) الفاء فيه للتعليل لقوله (انظرن إلخ) والمجاعة: الجوع، والمعنى أنه ليس كل من أرضع لبن أمها يصير أخاً، بل شرطه أن يكون من المجاعة، يعني أن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة ما تكون في الصغر حين يكون الرضيع طفلاً يسد اللبن ٨٠ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٥٩٢ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جوعته، لأن معدته ضعيفة يكفيها اللبن، وينبت لحمه بذلك، فيصير كجزء من المرضعة، فيكون كسائر أولادها؛ هذا ملخص كلام العيني في الشهادات وفي الرضاع. ثم في هذا الحديث عدة مائل : الاستدلال على رضاع الكبير ١ - استدل به الجمهور على أن الرضاع المعتبر في حرمة النكاح لا بد أن يكون في الصغر، واعترض عليه ابن حزم في المحلى (١٠ - ٢٣ و٢٤) بقوله: «قول رسول الله وَّه: (إنما الرضاعة من المجاعة) حجة لنا بينة، لأن للكبير من الرضاعة في طرد المجاعة نحو ما الصغير، فهو عموم لكل رضاع إذا بلغ خمس رضعات)). والجواب عنه أن (من) في قوله،فظلّل سببية، والمراد أن الرضاعة المحرمة ما كان سببها الجوع، ومعلوم أن الكبير لا يرتضع لبن المرأة بسبب الجوع، لأنه ليس مما يسد جوع الكبير، ولا مما يشتهي إليه الرجل لسده، ولئن شربه في حالة الاضطرار شربه بالأنفة والكراهية، بخلاف الصبي، فإنه يرتضع لبن المرأة بسبب الجوع، ويشتهي إليه كلما جاع، ولا يسد جوعته غيره، ولئن كان كل رضاع محرماً، سواء كان في الصغر أو الكبر، فلماذا أمر النبي وَّر عائشة رقـ بالنظر والتأمل في أمر الرضاع؟ وإن أمره هذا يدل على أن من الرضاع ما هو غير محرم، وهو ما ليس سببه المجاعة. ثم إن الأحاديث يفسر بعضها بعضاً، فنظير هذا الحديث قوله تظلّل: ((لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء)) وفسره ظلّلا بقوله ((وكان قبل الفطام)) كما مر في حديث أم سلمة عند الترمذي، وقد فهم الصحابة منه ومن أمثاله ما فهم الجمهور، ولذلك استدل ابن مسعود رضيُته على اشتراط الصغر بقوله لعلّلا: ((لا رضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم))، كما عند أبي داود، وقد تقدم، والله سبحانه أعلم. مسألة الوجور والسعوط والاحتقان ٢ - واستدل الجمهور بهذا الحديث أيضاً على أن التغذية بلبن المرضعة يحرم، سواء كان بشرب أو أكل، أو بأي صفة كان، حتى الوجور والسعوط والثرد والطبخ وغير ذلك، وهو مذهب الأئمة الأربعة والجمهور، وخالفهم في ذلك الليث بن سعد وأهل الظاهر، كما في فتح الباري (٩ - ١٢٧) وهذه المسألة من غرائب الظاهرية، ولا سيما ابن حزم فإنه يجوز للكبير أن يرتضع من امرأة بالتقام ثديها، ليحدث بينهما رضاع، (راجع المحلى ١٠ - ٢٣) ولا يحدث عنده الرضاع إلا بذلك، ويستدل بقصة سالم، وقد عرفت أن سهلة لم ترضعه من ثديها، وإنما حلبت له في مسعط، كما مر في رواية ابن سعد.