Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ كتاب: الرضاع ٠٠ وقد بلغ بها ابن نجيم في البحر إلى إحدى وثمانين صورة، ولكنه استثناء منقطع لما قال ابن الهمام تثاثه: ((قالت طائفة: هذا الإخراج تخصيص للحديث، أعني (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) بدليل العقل، والمحققون على أنه ليس تخصيصاً، لأنه أحال ما يحرم بالرضاع على ما يحرم بالنسب، وما يحرم بالنسب هو ما تعلق به خطاب تحريمه، وقد تعلق بما عبر عنه بلفظ الأمهات والبنات، وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم، وبنات الأخ وبنات الأخت، فما كان من مسمى هذه الألفاظ متحققا في الرضاع حرم فيه. والمذكورات ليس شيء منها من مسمى تلك، فكيف تكون مخصصة وهي غير متناولة؟ ولذا إذا خلا تناول الاسم في النسب جاز النكاح، كما إذا ثبت النسب من اثنين، ولكل منهما بنت، جاز لكل منهما أن يتزوج بنت الآخر، وإن كانت أخت ولده من النسب، والاستثناء في عبارة الكتاب على هذا يجب أن يكون منقطعاً)) انتهى من فتح القدير (٣ - ٩). فالحاصل أن الأم النسبية لأخته الرضاعية إنما تحل للرجل إذا لم ترضعه لأنه لا نسب بينهما ولا رضاع، ولا يتناولها اسم (الأم) من إحدى الجهتين، وكذلك الأم الرضاعية لأخته النسبية وغيرها، فالقول بحلتها ليس تخصيصاً للنص ولا استثناء متصلاً، وإنما سماه الفقهاء استثناء من جهة الصورة فحسب، لما كان يتوهم في الظاهر أنه داخل في عموم الحديث. مسألة تحريم حليلة الابن من الرضاع ثم إن حرمة زوجة الابن من الرضاع وزوجة الأب من الرضاع مما قد اتفق عليه الفقهاء قديماً وحديثاً، ولكن اعترض عليه ابن الهمام بما أشكل على كثير من العلماء، وحاصل ما قاله أن تحريم حلائل الآباء والأبناء إنما هو بالصهر لا بالنسب، والنبي ◌َّ قد قصر تحريم الرضاع على نظيره من النسب، لا على شقيقه، وهو الصهر، فيجب الاقتصار على مورد النص، فإثبات تحريم حليلة كل من الأب والابن من الرضاعة قول بلا دليل، بل الدليل يفيد حلها، وهو قيد الأصلاب في قوله تعالى: ﴿وَحَلَمِلُ أَنَبِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] وكونه لإخراج حليلة المتبني لا ينفي أن يكون لإخراج حليلة الأب والابن من الرضاع لصلاحيته لذلك. هذا ما استشكله ابن الهمام، وطالما فتشت عن جوابه في كتب الفقهاء والمحدثين، فلم أظفر بشيء مقنع، ورأيت أن العلامة ابن عابدين تغلّهُ ذكر هذا الإشكال في رضاع رد المحتار (٣ - ٢١٣) ولم يجب عنه بشيء، وذكره ابن القيم وقال: (فمن ظفر فيها بحجة فليرشد إليها. وليدل عليها، فإنا لها منقادون وبها معتصمون) كما في تفسير المنار من النساء (٤ - ٤٨٠)، والمسألة خطيرة مما اتفق عليه الأئمة الأربعة، بل قد ذكر القاضي ثناء الله أنه قد انعقد عليه الإجماع، كما في التفسير المظهري (٣ - ٦٢). ثم فتح الله تعالى عليَّ هذا الإشكال، وسنح لي جواب، غير أني لم أكن أثق بنفسي، حتى ٤٢ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٥٥٤ - (٢) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح قال وَحَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِم بْنِ الْبَرِيدِ. جَمِيعاً عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَّتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّ: (يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلاَدَةِ)) . ٣٥٥٥ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج. قال أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ. بِهُذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثٍ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً. أجد من يؤيده من العلماء الأكابر، فسكتُّ عنه مدة، حتى وجدت شيخ مشايخنا إمام العصر العلامة محمد أنور شاه الكشميري تقّه تعالى أجاب عن هذا الإشكال بعين ما سنح لي والحمد الله تعالى، وإليك نصه من أماليه على صحيح البخاري، حيث يقول: ((وقد وقع ههنا سهو من الشيخ ابن الهمام حيث قال: إن امرأة ابنه من الرضاع حرام على الأب، وعلى قضية الحديث يلزم أن لا تكون حراماً، لأن حرمة ابنه من جهة المعماهرة لا من جهة النسب، ودلَّ الحديث على أن المحرمات من الرضاعة هُنَّ المحرمات من النسب فقط، وهذه ليست محرمة من جهة النسب، فينبغي أن تكون حلالاً. قلت: وقد سها فيه الشيخ، ومنشؤه أنهم ذكروا الصورة المذكورة في باب المصاهرة، فظن أن الحرمة فيها من قبل الصهر فقط، مع أن النسب أيضاً دخيل فيها، كما تدل عليه إضافة المرأة إلى الابن، فحرمة زوجة الابن على الأب من جهتين: لأجل الصهر، ولكونها زوجة لابنه أيضاً، وكذا حرمة زوجة الأب على الإبن، لكونها امرأة لأبيه أيضاً، ففي إضافة المرأة إلى الابن والأب إشعار بأن النسب أيضاً مراعى في هاتين الحرمتين، فانحلَّ الإشكال)) انتهى كلام الشيخ الأنور من كتاب الشهادات في فيض الباري (٣ - ٣٨٥). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وهذا الجواب مما ينشرح به القلب، وحاصله أن المصاهرة إنما تتركب من شيئين: وهما النسب والزواج، فزوجة الابن من الرضاع إنما تحرم على أبيه لأن لزوجها نسباً إليه، فلولا أن زوجها ابن له لما حرمت عليه، فهذا يدل على أن النسب مؤثر في حرمة حليلة الابن في الجملة، وقد صرح الحديث أن ما كان النسبُ مؤثراً في حرمته يحرم في الرضاع، سواءٌ كان النسب هو المؤثر الوحيد، أو كان مؤثراً مع غيره، كما في الصهر. وإلى هذا المعنى يشير العلامة ابن نجيم في البحر حيث يقول: ((أي حرم بسبب الرضاع ما حرم بسبب النسب قرابة وصهريةً .... لحديث الصحيحين المشهور: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) ومعناه: أن الحرمة بسبب الرضاع تعتبر بحرمة النسب، فشمل حليلة الابن والأب من الرضاع، لأنها حرام بسبب النسب، فكذا بسبب الرضاع، وهو قول أكثر أهل العلم، كذا في المبسوط)) انتهى من البحر الرائق (٣ - ٢٢٢). ٤٣ كتاب: الرضاع (٢) - باب: تحريم الرضاعة من ماء الفحل ٣٥٥٦ - (٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ أَفْلَحَ، أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ، (٢) - باب: تحريم الرضاعة من ماء الفحل ٣ - (١٤٤٥) - قوله: (عن عائشة؛ أنها أخبرته) هذا الحديث أخرجه البخاري في الشهادات، باب الشهادة على الأنساب إلخ، وفي النكاح، باب وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأبو داود، (رقم: ٢٠٥٥)، والنسائي، كلاهما في النكاح، والترمذي (رقم: ١١٤٧) في الرضاع. قوله: (أن أفلح أخا أبي القعيس) قد اختلف رواه هذا الحديث في تسمية هذا الرجل، فنجد فيه روايات آتية : ١ - أكثر الروايات على أنه أفلح أخو أبي القعيس، وكان أبو القعيس أباً لعائشة من الرضاع وأفلحُ عمها، كما في أكثر الروايات عند المصنف، وهو الذي أخرجه البخاري في صحيحه، وهو الصحيح المحفوظ، كما صرح به النووي في شرح مسلم والحافظ في الفتح. ٢ - وقع في بعض الروايات أنه أفلحُ ابن أبي قعيس كما أخرجه المصنف وابن ماجه (١ - ١٤٠) كلاهما من طريق ابن عيينة عن الزهري عن عروة، وأبو داود (١ - ٢٨١) من طريق سفيان الثوري عن هشام عن عروة، والدارقطني (٤ - ١٧٧) من طريق سفيان عن الزهري وهشام كليهما عنه، والبغوي من وجه آخر، كما ذكره الحافظ في الإصابة من ترجمة أفلح (١ - ٧١). ٣ - ووقع في بعضها أنه أفلح بن قعيس، كما أخرجه المصنف من طريق عراك بن مالك عن عروة، وقال الحافظ في الفتح: ((ويحتمل أن يكون اسم أبيه قعيساً، أو اسم جده، فنسب إليه، فتكون كنية أبي القعيس وافقت اسم أبيه أو جده، ويؤيده ما وقع في الأدب من طريق عقيل عن الزهري بلفظ: ((فإنَّ أخا بني القعيس))، وكذا وقع عند النسائي من طريق وهب بن كيسان عن عروة)) اهـ (٩ - ١٢٩). ٤ - ووقع في بعضها أنه أبو قعيس، كما أخرجه المصنف من طريق أبي معاوية عن هشام، وأخرجه أحمد من طريق عباد بن منصور عن القاسم بن محمد كما في الفتح الرباني (١٦ - ١٨٣). وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (ص - ٢٠٣) من نفس طريق أحمد، وفي آخره: ((قال: وكان أبو قعيس أخو أفلح زوج ظئر عائشة)) وكذلك أخرجه الطبراني في الصغير والأوسط عن أبي قعيس نفسه أنه أتى عائشة فأستأذن عليها إلخ. وقال الطبراني في آخره: (لم يروه عن أبي قعيس إلا القاسم ولا عنه إلا عباد، تفرد به هدبة عن محمد بن بكر) (المعجم الصغير ص - ٤٤ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم جَاءَ يَسْتَأُذِنُ عَلَيْهَا. وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ. ١٥٤ مرويات الفضل رقم: ٧٣٣) ذكره الهيثمي في الزوائد (٤ - ٢٦٢) وقال: (فيه عباد بن منصور، وهو ثقة وقد ضُعّفْ) وأخرجه أيضاً سعيد بن منصور كما في الفتح، وابن خزيمة في صحيحه و ابن مندة من طريقه، ثم من رواية يحيى بن أبي كثير عن عكرمة أن أبا قعيس وائل بن أفلح استأذن على عائشة، ذكره الحافظ في ترجمة وائل بن أفلح من الإصابة (٣ - ٥٩٢). وقال الحافظ: ((ووقع في رواية له - أي: مسلم - استأذن عليها أبو القعيس، وهذا وهم من بعض رواته، وهو أبو معاوية رواية عن هشام: فقد خالفه حماد بن زيد عنه، وهو أحفظ منه لحديث هشام، فقال: إن أخا أبي القعيس)) انتهى من الإصابة في ترجمة أفلح (١ - ٢١). ٥ - ووقع في بعض الروايات أنه أبو الجعد، كما أخرجه المصنف والنسائي (٢ - ٦٨) كلاهما من طريق ابن جريج عن عطاء عن عروة. وقال الحافظ في الفتح: ((ولم يخطىء عطاء في قوله: أبو الجعد، فإنه يحتمل أن يكون حفظ كنية أفلح)). وحاصل ما قيل في هذا الباب أن الأول والثالث والخامس (أعني: أفلح أخو أبي القعيس، وأفلح بن القعيس، وأبو الجعد) يمكن بينهما التطبيق، وهو أن الرجل اسمه أفلح، وكنيته أبو الجعد، وهو ابن لقعيس، وأخ لأبي قعيس. وأما الروايتان الأخريان، فوهِمَ فيهما بعض الرواة، وهذا معنى ما قال القرطبي في المفهم: ((هذا - يعني أنه أفلح أخو أبي القعيس - هو الصحيح، وما سوى ذلك وهم من بعض الرواة، ولا يعرف لأبي القعيس ولا لأخيه أفلح ذِكرٌ إلا في هذا الحديث)) انتهى من عمدة القاري (٩ - ٣٩٠)، والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله: (جاء يستأذن عليها) إلخ ووقع في رواية هشام عن عروة عند أبي داود: ((قالت: دخل عليَّ أفلح بن أبي القعيس، فاستترت منه، قال: تستترين مني وأنا عمك؟ قالت: قلتُ: من أين؟ قال: أرضَعَتْكِ امرأةٌ أخي، قالت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فدخل عليَّ رسول الله ( 8﴿ فحدثته، فقال: إنه عمك، فليلج عليك)) فهذا بظاهره يدل على أن أفلحَ دخل عليها، ثم جرى بينهما الكلام، وما أخرجه المصنف صريح في أنها لم تأذن له في الدخول. وجمع بينهما الحافظ في الفتح بأنه دخل عليها أولاً، فاستترت، ودار بينهما الكلام، ثم جاء يستأذن ظناً منه أنها قبلت قوله، فلم تأذن له حتى تستأذن رسول الله وَ له . قال العبد الضعيف عفا الله عنه: والأظهر في الجمع أن يقال إن المراد من قولها: (دخل عليَّ) في رواية أبي داود: أنه استأذن في الدخول، ومن قولها: (فاستترت منه) أني لم آذن له في الدخول، وعليه مشى الشيخ السهار نبوري في بذل المجهود (٣ - ٧) وهذا أولى، لأن الحديث واحد، والسياق واحد، والاختلاف إنما نشأ بين هشام وابن شهاب، والله أعلم. قوله: (وهو عمها من الرضاعة) فيه التفات، وكان السياق يقتضي أن يقال: (وهو عمي). ثم ههنا سؤالان: ٤٥ كتاب: الرضاع بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَ الْحِجَابُ. قَالَتْ: فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ. فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ. فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ. الأول: أن هذا الحديث يدل على أن عائشة كان عمها حياً، حتى دخل عليها، وقد مرَّ في الحديث السابق خلافه، لأنها قالت: (لو كان فلان حياً إلخ)، وهذا ظاهر في أنه كان ميتاً عند ذلك السؤال. وأجيب عن هذا التعارض بأنه كان لها عمّان: فوقع السؤال في الحديث السابق عن أحدهما وهو ميت، وجاء هنا الآخر، وكان حياً. والسؤال الثاني: أن عائشة ◌َّا قد أخبرها رسول الله وَل في قصة حفصة بتحريم العمِّ من الرضاعة، وبأنه يجوز له الدخول، فكيف أبت عائشة في هذا الحديث أن تأذن لعمها من الرضاعة؟ وأجيب عنه بوجوه مختلفة، أحسنها ما اختاره ابن المرابط وأبو الحسن القابسي، وحاصله أن عمومة الرجلين تحتمل أن تكون من جهتين مختلفتين، فكان الأول أخاً رضاعياً لأبي بكر الصديق، كما أن عم حفصة كان أخاً رضاعياً لعمر ﴿ه، وكان هذا الثاني أخاً نسبياً لأبي قعيس، وكانت امرأة أبي قعيس أرضعت عائشة، فظنت عائشة من قصة حفصة أن الحرمة مقتصرة على الجهة الأولى فحسب، فلم تأذن للثاني بالدخول، حتى أخبرها رسول الله وض98ّ مرة ثانية. وراجع الفتح (٩ - ١٢٠) والعمدة (٩ - ٣٨٢). مسألة لبن الفحل قوله: (فأمرني أن آذن له) دل هذا الحديث على تحريم لبن الفحل، ومراده أن التحريم لا يقتصر على المرضعة فحسب، وإنما يتعدى إلى زوجها وأصوله وفروعه وإخواته وأخواته، وأصبحت هذه المسألة الآن كلمة إجماع بين الأئمة الأربعة وسائر الفقهاء، فذهب جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار كالأوزاعي في أهل الشام، والثوري وأبي حنيفة وصاحبيه بالكوفة، وابن جريج في أهل مكة، ومالك في أهل المدينة، والشافعي وأحمد وأبي ثور وأتباعهم إلى أنَّ لبن الفحل يحرم، وحجتهم هذا الحديث الصحيح، وما مَرَّ في قصة حفصة . وقد كان في المسألة بعض الخلاف في العصور المتقدمة، فقال بعض الصحابة والتابعين وبعض الفقهاء إن الرضاعة من قِبَلِ الرجل لا تحرم شيئاً، حكي ذلك عن ابن عمر، وابن الزبير، ورافع بن خديج، وزينب بنت أم سلمة، وسعيد بن المسيب، وأبي سلمة، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبي قلابة، وإياس بن معاوية، روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وسعيد ابن منصور وابن المنذر، وهو قول ربيعة الرأي، وإبراهيم بن علية، وابن بنت الشافعي، وداود الظاهري وأتباعه، كما في فتح الباري، وأما ما حكي عن عائشة أنها كانت لا تحرم لبن الفحل، فسيأتي تحقيقه إن شاء الله. وبالجملة فاحتج هؤلاء بأن القرآن إنما ذكر الأمهات والأخوات من الرضاعة، ولم يذكر ٤٦ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٥٥٧ - (٤) وحدّثناه أَبُو بَكْر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، البنت والعمة كما ذكرهما في النسب. وأجاب عنه الجمهور بأن عدم ذكر الشيء لا يستلزم عدمه، وقد دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على تعدية التحريم إلى الرجل، فالقرآن ساكت، والأحاديث ناطقة، فلا بد من المصير إليها . واحتجوا أيضاً بأن الحرمة في حق الرجل لا تثبت بحقيقة فعل الإرضاع، فإنه لو نزل اللبن في ثندؤة الرجل فأرضع به صبياً لا تثبت الحرمة، فلأن لا تثبت في جانبه بإرضاع زوجته أولى. وأجاب عنه الجمهور أولاً: بأنه قياس في مقابلة النص، وثانياً: بأن القياس فاسد أيضاً، وذلك لأن المعنى الذي تثبت لأجله حرمة الرضاع لا يوجد في إرضاع الرجل، فإن ما نزل في ثندؤته لا يغذي الصبي، فلا يحصل به إنبات اللحم، فهذا نظير وطىء الميتة في أنه لا يوجب الحرمة. وأما إرضاع زوجة الرجل فهو مما ينبت اللحم وينشز العظم، وإنما درت على الرضيع بسبب وطئه إياها، فللرجل نصيب لا يجحد في إرضاع زوجته، فتعدت إليه الحرمة. هذا ملخص ما في المبسوط للسرخسي (٥ - ١٣٢). تحقيق مذهب عائشة في لبن الفحل وقد نَسب مذهبُ عدم الحرمة في لبن الفحل إلى أم المؤمنين عائشة رضيّها أيضاً، وذلك لما أخرجه مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه: ((أن عائشة زوج النبي وَّ كان يدخل عليها من أرضعته أخواتها أو بنات أخيها، ولا يدخل عليها من أرضعته نساء إخوتها)) ففهم منه كثير من العلماء أنها لا تقول بحرمة لبن الفحل، وإلا لأذنت لأبناء إخوتها من الرضاع في الدخول، ولكنه مشكل جدّاً، لأنها قد سمعت عن رسول الله و لو حكم تحريم لبن الفحل مرتين: مرة في واقعة حفصة، وأخرى في قصة أفلح، وهي التي روت عن النبي ◌َّةٍ: "إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة)» فكيف تركت هذا الجميع؟ واختارت مذهب من ليس عنده في ذلك حديث عن رسول الله الله؟ ولذلك قال العلامة الباجي في شرح ما روي من مذهبها في الموطأ: ((والأصح أن هذا وقع فيه بعض الوهم فيما روي من ذلك عنها، فلم تكن لتخالف ما سمعته من النبي ◌َّر، أو دخل عليها غِيُّهَا تأويلٌ صرفت به ما سمعته من النبي وَ لّر عن عمومه، أو ما شاء الله تعالى من ذلك. ويحتمل أن تريد به أن من أرضعته أخواتها أو بنات أخيها فأيُّ وجه وجد الرضاع منهن، ومن أي زوج كان، أثبت حرمة الرضاع في الدخول وغيره، وأما نساء إخوتها، فمن أرضعنه قبل أن يتزوجهن إخوتها: لم يكن يدخل عليها، ولا تثبت به حرمة الرضاع)) انتهى من المنتقى للباجي (٤ - ١٥٢ و ١٥٣). واختار الشيخ ولي الله الدهلوي طريقاً آخر في حل هذه المشكلة، فقال: إنما كانت عائشة لا تأذن لأبناء إخوتها من الرضاع تشفياً من خاطر عرضها في ذلك من حيث أن ماء الفحل سبب ٤٧ كتاب: الرضاع عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: أَتَانِي عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَفْلَحُ بْنُ أَبِي قُعَيْسٍ. فَذَكَرَ بِمَعْنى حَدِيثٍ مَالِكِ. وَزَادَ: قُلْتُ: إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ. قَالَ: ((تَرِبَتْ يَدَاكِ، أَوْ يَمِينُكِ)). بعيد جداً، فكانت تحتجب منهم تورعاً ودفعاً للأوهام، لا لأنها لا تقول بحرمة لبن الفحل شرعاً، وذلك كما أمرت سودة ثها أن تحتجب من ابن زمعة حين اعترضت شبهة في نسبه، ويستفاد من هذا الأثر أن دخول عَمِّ الرضاعة مثلاً على المرأة جائز غير لازم. انتهى ملخصاً من المسوى مع المصفى (٢ - ١٦)، قلت: وهو محصَّلُ ما قال ابن عبد البر في تأويل أثر عائشة: (لا حجة في ذلك، لأن لها أن تأذن لمن شاءت من محارمها، وتحجب من شاءت) كما في أوجز المسالك (٤ - ٤٦٢). وذكر الباجي محملاً ثالثاً لهذا الأثر، وحاصله أنها كانت ترى أن من رضع من أخواتها يحرم عليها، ولو رضع منهن بعد الكبر، ولذلك روى مالك عنها أنها كانت تأمر أختها وبنات أخيها أن يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال، وكان ذلك مذهبها خاصة، وأما من رضع من نساء إخوتها فلم تكن ترى تحريمه إلا إذا رضع منهن في الصغر، ذكره الباجي في باب الرضاعة بعد الكبر، واستحسنه شيخنا السهار نبوري حفظه الله في أوجز المسالك. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وعلى كل حال، فلا بد من التأويل في أثر عائشة هذا، لأنها لم تكن لتخالف ما سمعت عن رسول الله وَ له مرة بعد مرة، وما أمرها به وَله بهذه الصراحة وبهذا التأكيد الذي تجده في قصة حفصة وأفلح. ثم قد أخرج مالك نفسه من طريق هشام بن عروة عن أبيه: ((قالت عائشة: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولاة)) وأخرجه البخاري عن عروة، ولفظه ((كانت تقول حَرِّموا من الرضاعة ما تحرمون من النسب)) وهو صريح في أن مذهبها مذهب الجمهور، فما روي عنها خلاف ذلك واجب التأويل، والتأويلات الثلاثة التي ذكرناها عن شراح الموطأ كلها سائغة محتملة، والتأويل الأخير هو الراجح، لأنه مؤيد بما رواه مالك في قصة إرضاع سالم مولى أبي حذيفة: ((فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أختها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وبنات أخيها أن يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال، وأبى سائر أزواج النبي ◌ّ ر أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس)) فهذا صريح في أنها كانت ترى رضاع الكبير محرماً في أخواتها وبنات أخيها، فقارن مذهبها هذا بما روى عنها القاسم: ((كان يدخل عليها من أرضعته أخواتها وبنات أخيها، ولا يدخل عليها من أرضعته نساء إخوتها)) فالظاهر أن هذا الأثر أيضاً يتعلق برضاع الكبير، ومراده أنها لا تأذت بالدخول لمن رضع من نساء إخوتها في الكبر، وتأذه لمن رضع من أخواتها وبنات أخيها، ولو بعد الكبر. والله سبحانه أعلم. ٤ - (٠٠٠) - قوله: (تربت يداك) أي افتقرت وصارت على التراب، وهو دعاء في ٤٨ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٥٥٨ - (٥) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ الأصل، إلا أن العرب تستعملها للإنكار والزجر والتعجب والتعظيم والحثّ على الشيء، كما سبق في (باب وجوب غسل المرأة بخروج المني منها) وقال الحافظ ابن حجر: إن صدور ذلك من النبي ◌ُّل في حق مسلم لا يستجاب، لشرط ذلك على ربه، وراجع لتحقيقه فتح الباري من باب الأكفاء في الدين (٩ - ١١٦). ما في الحديث من آداب وأحكام ثم إن حديث أفلح هذا قد أرشد إلى عدة آداب وأحكام غير ما ذكر، ولا بد من التنبه لها : ١ - أرشد الحديث إلى أن من لا يعلم حكم المسألة أو يشك فيها، فعليه أن يتوقف عن العمل حتى يسأل العلماء عنه، كما توقفت عائشة مثّا في الإذن بالدخول، حتى استأمرت رسول الله ◌َآلخل . ٢ - ودلَّ الحديث أيضاً على وجوب احتجاب المرأة من الأجانب، وأنها لا تأذن في بيت زوجها إلا بإذنه . ٣ - ويؤخذ منه أن الاستئذان مشروع للمحارم أيضاً. ٤ - وأرشد الحديث إلى أن المستفتي إذا بادر بالتعليل قبل سماع الفتوى، أُنكِرَ عليه، لأن عائشة خيرًا قالت وهي مستفتية: (أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل) فأجاب النبي وَلّ بقوله: (تربت يداك). تنبيه فيما إذا خالف الصحابي مرويه وقد أورد الحافظ ابن حجر تكفّفُ ههنا إلزاماً على قاعدة من قواعد الحنفية فقال: ((وألزم به (يعني بحديث أفلح) بعضهم من أطلق من الحنفية القائلين إن الصحابي إذا روى عن النبي ◌َّه حديثاً، وصحَّ عنه، ثم صح عن العمل بخلافه، أن العمل بما رأى، لا بما روى، لأن عائشة صَحَّ عنها أن لا اعتبار بلبن الفحل، ذكره مالك في الموطأ، وسعيد بن منصور في السنن، وأبو عبيد في كتاب النكاح بإسناد حسن، وأخذ الجمهور - ومنهم الحنفية - بخلاف ذلك، وعملوا بروايتها في قصة أخي أبي القعيس، وحرموه بلبن الفحل، فكان يلزَمُهُمْ على قاعدتهم أن يتبعوا عمل عائشة، ويعرضوا عن روايتها، ولو كان روى هذا الحكم غير عائشة لكان لهم معذرة، لكنه لم يروه غيرها، وهو إلزام قوي)) كذا في فتح الباري (٩ - ١٣١) وبمثله اعترض ابن حزم في المحلی (١٠ - ٥). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: هذا لا يلزم الحنفية، وذلك لوجوه: ١ - قد سبق منا تحقيق مذهب عائشة، وتأويل ما روي عنها في الموطأ، وأن مذهبها في ٤٩ كتاب: الرضاع شِهَاب، عَنْ عُرْوَةَ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّهُ جَاءَ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعيْسِ يَسْتَأُذنُ عليْهَا. بَعْدَمَا نَزَلَ الْحِجَابُ. وَكَانَ أَبُو الْقُعَيْسِ أَبَا عَائِشَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ! لاَ آذَنُ لأَفْلَحَ. حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ. فَإِنَّ أَبَا الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي. وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لهَ قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ! إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ جَاءَنِي يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ. فَكَرِهْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْتَأُذِنَكَ. قَالَتْ: فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: «ائْذَنِي لَهُ)) . قَالَ عُرْوَةُ: فَبِذُلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا تُحَرِّمُونَ مِنَ النَّسَبِ. لبن الفحل مذهب الجمهور، ومن العجيب أن الحافظ نفسه لا يثق بما نسب أليها في ذلك، فإنه حيث سرد أسماء من يقول بحلة لبن الفحل، قال: (ونقله ابن بطال عن عائشة، وفيه نظر) (الفتح ٩ - ١٣٠) فياليت شعري! كيف يشك هنا في مذهبها، ثم بجزم بعد صفحة بأن مذهبها خلاف ما روت من حدیث؟ ٢ - ثم عجيب من مثل الحافظ أن يقول: (لو كان روى هذا الحكم غير عائشة لكان لهم معذرة، لكنه لم يروه غيرها) فإن حرمة لبن الفحل ثابتة بقوله عليّل: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))، وقد رواه ابن عباس به أيضاً، كما في طريق قتادة عنه عند البخاري في الشهادات، وعند مسلم في هذا الباب، ورواه علي أيضاً فيما أخرجه الشافعي، كما في ترتيب مسنده للسندي (٢ - ٢١ رقم: ٦١). وأما ما نسب إلى الحنفية من أنهم يقولون بالعمل بما رأى الصحابي، لا بما روى، فليست هذه القاعدة مطلقة، وحققها ابن الهمام في مبحث الرضاع بعد الفصال، فقال: ((فإن قلت: قد عرف من أصلكم أن عمل الراوي بخلاف ما روى يوجب الحكم بنسخ ما روى، فلا يعتبر، ويكون بمنزلة روايته للناسخ ... قلنا: المعنى أنه إذا لم يعرف من الحال سوى أنه خالف مرويه حكمنا بأنه اطلع على ناسخه في نفس الأمر ظاهراً، لأن الظاهر أنه لا يخطىء في ظن غير الناسخ ناسخا، لا قطعاً، فلو اتفق في خصوص محل بأن عمله بخلاف مرويه كان لخصوص دليل علمناه، وظهر للمجتهد غلطه في استدلاله بذلك الدليل، لا شك أنه لا يكون مما يحكم فيه بنسخ مرويه، لأن ذلك ما كان إلا لإحسان الظن بنظره، فأما إذا تحققنا في خصوص مادة خلاف ذلك، وجب اعتبار مرويه بالضرورة، دون رأيه)) كذا في فتح القدير (٣ - ٧) وراجع أيضاً ما سبق في مقدمة هذا الشرح تحت عنوان (ما يعرف به النسخ) وما سبق في شرح حديث أبي هريرة في مسألة سؤر الكلب، وراجع أيضاً عمدة القاري (٩ - ٣٩١) قبيل باب شهادة المرضعة. ٧ - (٠٠٠) - قوله: (استأذن علي) كذا وقع في النسخ الهندية في رواية ابن أبي شيبة وأبي كريب عن ابن نمير عن هشام، ووقع في النسخ المصرية: (يستأذن علي) وهو أصح. ٥٠ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٥٥٩ _ (٦) وحدّثناه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. جَاءَ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا. بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ. وَفِيهِ: ((فَإِنَّهُ عمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ)). وَكَانَ أَبُو الْقُعَيْسِ زَوْجَ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَرْضَعَتْ عَائِشَةً. ٣٥٦٠ - (٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ. فَأَبَيْتُ أُنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْمِرَ رَسُولَ اللَّهِ وَ لهَ. فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَيَ قُلْتُ: إِنَّ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ عَمُّكِ)) قُلْتُ: إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ. قَالَ: ((إِنَّهُ عَمُّكِ. فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ)). ٣٥٦١ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ). حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهِذَا الإِسْنَادِ؛ أَنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسَِ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا. فَذَكَرَ نَحْوَهُ. ٣٥٦٢ - (٠٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ، بِهُذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا أَبُو الْقُعَيْسِ. ٣٥٦٣ - (٨) وحدّثني الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، عَنْ عَطَاءِ. أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ. قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَبُو الْجَعْدِ. فَرَدَدْتُهُ (قَالَ لِي هِشَامٌ: إِنَّمَا هُوَ أَبُو الْقُعَيْسِ) فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ وَّهِ أَخْبَرْتُهُ بِذْلِكَ. قَالَ: ((فَهَلاَّ أَذِنْتِ لَهُ؟ تَرِبَتْ يَمِينُكِ أَوْ يَدُكِ)). ٣٥٦٤ - (٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ عَمَّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ يُسَمَّى أَفْلَحَ. اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا فَحَجِبَتْهُ. فَأَخْبَرَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ. فَقَالَ لَهَا: ((لا تَحْتَجِي مِنْهُ. فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ)». ٣٥٦٥ - (١٠) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَم، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ. عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ بْنُ قُعَيْسٍ. فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَّهُ. فَأَرْسَلَ: إِنِّي عَمُّكِ. أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي. فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ. فَجَاءَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ. فَذَكَرْتُ ذُلِكَ لَهُ. فَقَالَ: ((لِيَدْخُلْ عَلَيْكِ. فَإِنَّهُ عَمُّكٍ)). قوله: (حتى أستأمر) إلخ سقطت هذه العبارة في النسخ الهندية إلى قولها (فأبيت أن آذن له) مرة ثانية، وإنها مثبتة في النسخ المصرية . ٥١ كتاب: الرضاع (٣) - باب: تحريم ابنة الأخ من الرضاعة ٣٥٦٦ - (١١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاَءِ (وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ) قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبِيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِي. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَالَكَ تَنَوَّقُ في قُرَيْشٍ وَتَدَعُنَا؟ فَقَالَ: ((وَعِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ. بِنْتِ حَمْزَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((إِنَّهَا لاَّ تَحِلُّ لِي. إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ)). [(٣) - باب: تحريم ابنة الأخ من الرضاعة] ١١ - (١٤٤٦) - قوله: (تنوّق) أي: تختار، مشتق من النيقة، بكسر النون، وهي الخيار من الشيء، يقال: تنوّق تنوقاً، أي: بالغ في اختيار الشيء وانتقائه، ووقع في بعض النسخ (تتوق) من التوق والتؤقان، يعني: تميل وتشتهي، ووقع عند سعيد بن منصور من طريق سعيد ابن المسيب ((قال علي: يا رسول الله! ألا تتزوج بنت عمك حمزة، فإنها من أحسن فتاة في قريش)) حكاه الحافظ في الفتح، فقوله (وتدعنا) المراد منه: لا تنكح فينا، يعني في بني هاشم. قوله: (وعندكم شيء) يعني هل عندكم من امرأة تليقُ بي؟ قوله: (بنت حمزة) اختلفوا في تسميتها على سبعة أقوال: أمامة، وعمارة، وسلمى، وعائشة، وفاطمة، وأمة الله، ويعلى؛ وحكى المزي في أسمائها: أم الفضل، لكن صرح ابن بشكوال بأنها كنية، كذا في الفتح. وذكر الحافظ في باب عمرة القضاء من مغازي الفتح (٧ - ٣٨٨) أن المشهور أن اسمها عمارة. وكانت مع أمها بمكة، فخرجت مع النبي ◌ُّ عند العودة من عمرة القضاء، فاختصم في حضانتها علي وزيد وجعفر، كما في صحيح البخاري من حديث البراء لقپبه . قوله: (إنها ابنة أخي من الرضاعة) وزاد الشافعي من طريق سعيد بن المسيب عن علي: ((وأن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب)) كما في ترتيب مسند الشافعي للسندي (٢ - ٢١ رقم: ٦١). وكأن علياً لم يعلم بأن حمزة رُه رضيع النبي وَله، أو جوَّز الخصوصية، أو كان ذلك قبل تقرير الحكم. وكانت ثويبة أرضعت رسول الله * بعد ما أرضعت حمزة وكان حمزة أسن من رسول الله وَّله بسنتين، وقيل: بأربع، وثويبة كانت مولاة لأبي لهب عَمِّ رسول الله وَلَه فأعتقها حينما بلغه خبر ولادة النبي ◌َّر، واختلف في إسلامها، وذكرها ابن مندة في الصحابة (ملخصٌ من عمدة القاري ٩ - ٣٨٤). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ودلَّ الحديث على أن من هو أدنى رتبة: له أن يشير من هو أعلى منه على النكاح، وعلى أنه لا بأسَ للرجل أن يعرض بنتاً من بنات أسرته أو قبيلته على أهل الدين، كما دل على أنه لا بأس بذكر جمال المرأة في مشورة النكاح، وعلى أن للجمال ٥٢ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٥٦٧ - (٠٠٠) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عنْ سُفْيَانَ. كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. مِثْلَهُ. ٣٥٦٨ - (١٢) وحدّثنا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا هَمَّمٌ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ. فَقَالَ: ((إِنَّهَا لاَ تَحِلُّ لِي. إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ. وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّحِمِ)). ٣٥٦٩ - (١٣) وحدّثناه زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ). ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مِهْرَانَ الْقُطَعِيُّ. حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ. جَمِيعاً عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنٍ أَبِي عَرُوبَةَ. كِلاهُمَا عَنْ قَتَادَةً. بِإِسْنَادِ هَمَّام. سَوَاءً. غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ شُعْبَةً انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: ((ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ)). وَفِي حَدِيثٍ سَعِيدٍ : ((وَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَخْرُمُ مِنَ النَّسَبِ)). وَفِي رِوَايَةٍ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ . ٣٥٧٠ - (١٤) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسى. قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ دخلاً في الرغبة في التزوج بامرأة، وسيأتي الكلام عليه في باب استحباب نكاح ذات الدين إن شاء الله. وهذا الحديث أخرجه أيضاً النسائي في النكاح، باب تحريم بنت الأخ من الرضاعة. ١٢ - (١٤٤٧) - قوله: (هداب بن خالد) هداب بفتح الهاء وتشديد الدال المهملة، ويقال له: (هدبة) بضم الهاء أيضاً، وقوله: (محمد بن يحيى بن مهران القطعي) مهران بكسر الميم اسم جده، وكنيته أبو حزم، وذكره الحافظ في التقريب، فقال: (محمد بن يحيى بن أبي حزم ... البصري، صدوق من العاشرة، مات سنة ثلاث وخمسين). والقطعي: بضم القاف وفتح الطاء، منسوب إلى قطيعة، قبيلة معروفة، كما في شرح النووي. قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث أخرجه أيضاً البخاري في النكاح، باب: وأمهاتكم اللاتي أرضعتكم، وفي الشهادات، باب الشهادة على الأنساب إلخ، والنسائي في النكاح، باب: تحريم بنت الأخ من الرضاع. ١٣ - (٠٠٠) - قوله: (سمعت جابر بن زيد) إنما صرح به لأن قتادة من المدلسين، وقد وقع في رواية غير بشر (قتادة عن جابر) وقد علم أن المدلس لا يحتج بعنعنته، فنبه المصنف على ثبوت سماعه في هذا الحديث. وجابر بن زيد هو أبو الشعثاء البصري مشهور بكنيته، وقد تقدم مراراً . ٥٣ كتاب: الرضاع وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُسْلِمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَقِّدَ بْنَ مُسْلِمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِّ وَّهِ تَقُولُ:" قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَله: أَيْنَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ عَنِ ابْنَةٍ حَمْزَةً؟ أَوْ قِيلَ: أَلا تَخْطُبُ بِنْتَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ قَالَ: ((إِنَّ حَمْزَةَ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ)). (٤) - باب: تحريم الربيبة وأخت المرأة ٣٥٧١ _ (١٥) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. أَخْبَرَنَا هِشَامٌ. أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ. قَالَتْ: دَخَلَ ١٤ - (١٤٤٨) - قوله: (مخرمة بن بكير عن أبيه) في هذا الإسناد ثلاث لطائف: إحداها : أنَّ أربعة من التابعين يروي بعضهم من بعض، أولهم والد مخرمة، وهو بكير بن عبد الله بن الأشج، والثاني عبدالله بن مسلم الزهري، وهو الأخ الأكبر للزهري المشهور، والثالث محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري المشهور، والرابع حميد بن عبد الرحمن بن عوف. واللطيفة الثانية: أن الكبير يروي فيه عن الصغير، لأن عبد الله أكبر من أخيه محمد بن مسلم. والثالثة: أن فيه رواية الأخ عن أخيه، كذا في شرح النووي. قوله: (سمعت أم سلمة) هذا الحديث تفرد به مسلم من بين أصحاب الأصول. [(٤) - باب: تحريم الربيبة وأخت المرأة] ١٥ - (١٤٤٩) - قوله: (زينب بنت أم سلمة) هي بنت أبي سلمة ابن عبد الأسد المخزومي، ربيبة رسول الله وَّل، وكان اسمها (برة)، فسماها النبي وَ﴾ (زينب). ولدت بأرض الحبشة، وتزوجَّ النبي ◌َّ﴿ أمها أم سلمة وهي ترضعها، وقد حفظت عن النبي ◌َّر وروت عنه، وتزوجها عبد الله بن زمعة بن الأسود، وكانت تعد من الفقيهات، قال أبو رافع الصائغ: كنت إذا ذكرت امرأة فقيهة بالمدينة، ذكرت زينب بنت أبي سلمة، وسماها أبو رافع في رواية أخرى أفقه امرأة في المدينة، وروينا في القطعيات من طريق عطاف بن خالد عن أمه عن زينب بنت أبي سلمة قالت: ((كان رسول الله 8* إذا دخل يغتسل تقول أمي: ادخلي عليه، فإذا دخلت نضح في وجهي من الماء، ويقول: ارجعي، قالت: فرأيت زينب وهي عجوز كبيرة، ما نقص من وجهها شيء)). (هذا ملخص ما في الإصابة ٤ - ٣١٠ و٣١١ وعمدة القاري ٩ - ٣٨٥). قوله: (عن أم حبيبة) هذا الحديث أخرجه البخاري في النكاح، في ثلاثة أبواب، وفي النفقات، باب المراضع من المواليات، وأبو داود، (رقم: ٢٠٥٦)، والنسائي، كلاهما في النكاح. قوله: (بنت أبي سفيان) سيأتي أن اسمها عزة. ٥٤ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَلَيَّ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ لَكَ فِي أُخْتِي بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ؟ فَقَالَ: ((أَفْعَلُ مَاذَا؟)) قُلْتُ: تَنْكِحُهَا. قَالَ: ((أَوَ تُحِبِّينَ ذُلِكِ؟)) قُلْتُ: لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ. وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِي الْخَيْرِ أُخْتِي. قَالَ: ((فَإِنَّهَا لاَ تَحِلُّ لِي) قُلْتُ: فَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ. قَالَ: (بِنْتَ أُمُّ سَلَمَةَ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: قوله: (أفعل ماذا؟) قال الحافظ في الفتح: فيه شاهد على جواز تقديم الفعل على (ما) الاستفهامية، خلافاً لمن أنكره من النحاة. قوله: (أوَ تحبين ذلك) هو استفهام تعجب من كونها تطلب أن يتزوج غيرها، مع ما طبع عليه النساء من الغيرة. قوله: (لست لكَ بمخلية) هو اسم فاعل مؤنث من الإخلاء، ويستعمل لازماً ومتعدياً، فالمعنى على الأول: أني لست بمنفردة معك ولا خالية من ضرة، وعلى الثاني: أني لا استطيع أن أجعلك خالياً عن غيري من النساء، وقال ابن الأثير في النهاية: هو من (أخلى الرجل) إذا وجده خالياً، فالمراد أني لم أجدك خالياً من الزوجات. وليس هو من قولهم: (امرأة مخلية) إذا خلت من الأزواج. قوله: (أحب من شركني) هو من باب سمع، أي: شاركني في صحبتك والتمتع ببركاتك، وكذلك وقع (شاركني) في طريق الزهري عند البخاري. قوله: (فإنها لا تحل لي) لأنه جمع بين الأختين، وكان هذا قبل علم أم حبيبة بالحرمة، أو ظنت أن جوازه من خصائص النبي ◌َلي، لأن أكثر حكم نكاحه يخالف أحكام أنكحة الأمة، كذا في عمدة القاري. قوله: (فإني أخبرت) قال الحافظ في الفتح: «لم أقف على اسم من أخبره بذلك، ولعله كان من المنافقين، فإنه قد ظهر أن الخبر لا أصل له، وهذا مما يستدل به على ضعف المراسيل)). قال العبد الضعيف: لا حجة فيه على ضعف المرسل مطلقاً، فإن من يقبل المرسل إنما يقبله بشروط لا تتأتى ههنا، وقد مَرَّ الكلام عليها مستوفى في مقدمة هذا الشرح، فراجعه تجد بين المراسيل المقبولة وبين هذا الخبر فرقاً عظيماً . قوله: (درة بنت أبي سلمة) هذا هو الصحيح المحفوظ، وأما ما حكاه القاضي عياض من بعض رواة مسلم أنه ضبطه (ذرة)، بفتح الذال المعجمة، فتصحيف لا شك فيه، قاله النووي. قلت: لعله مأخوذ مما رواه النفيلي عن زهير عند أبي داود، فقال: (درة أو ذرة، شك زهير) وظاهر أن الشك من زهير لا يعارض ما جزم به سائر الرواة. ثم وقع في رواية الحميدي عن سفيان عن هشام (بلغني أنك تخطب زينب بنت أبي سلمة). كما أخرجه الحميدي في مسنده (١ - ١٤٧ رقم ٣٠٧) ولكنه خطأ، ولذلك أخرجه ٥٥ كتاب: الرضاع ((لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِسَتِي فِي حِجْرِي، مَا حَلَّتْ لِي. إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ. . البخاري في باب: ﴿وَرَبِِّبُكُمُ الَّتِى فِ حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] من نفس هذا الطريق، فحذف قوله (زينب بنت أبي سلمة) ورمز في آخر الحديث إلى غلط من سماها زينب، فقال: (وقال الليث: حدثنا هشام: درة بنت أم سلمة). ووقع تسميتها (حمنة بنت أبي سلمة) عند أبي موسى في الذيل، وهو خطأ أيضاً، كما صرح به الحافظ في الفتح. قوله: (لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حَلَّتْ لي) الربيبة بنت الزوجة، وهي مشتقة من الرب، وهو الإصلاح، لأنه يقوم بأمرها، وأخطأ من جعلها من التربية، لأن الكلمة مضاعفة غير معتلة، وكان القياس أن لا تلحقها تاء التأنيث، لأن الفعيل بمعنى المفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، ولكن الكلمة ألحقت بالأسماء الجامدة، فجاز لحوق التاء لها، وهذا معنى قولهم: (إن التاء للنقل إلى الاسمية). كذا قال الآلوسي في روح المعاني (٤ - ٢٥٧). مسألة تحريم الربيبة ثم دل الحديث على تحريم الربيبة، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَرَبِِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] والجمهور على أن قيد الحجور في الآية والحديث إنما خرج مخرج الغالب، وإلا فلا يشترط في التحريم أن تكون الربيبة في حجر الرجل، وفائدة القيد تقوية علة الحرمة والتشنيع على ذلك الفعل كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أُلرِّبَوْاْ أَضْعَلِفًا مُضَعَفَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣٠] وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِثَايَتِى ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ٤٤]. وقال بعض أهل الظاهر: إن كون الربيبة في الحجر شرط لحرمتها، وروي ذلك عن علي وعمر أيضاً، فقد أخرج عبد الرازق في مصنفه (٦ - ٢٧٨ رقم: ١٠٨٣٤) عن ابن جريج قال: ((أخبرني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة .... قال: أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان النصري، قال: كانت عندي امرأة قد ولدت لي، فتوفيت، فوجدتُ عليها، فلقيت علي بن أبي طالب، فقال: مالك؟ فقلت: توفيت المرأة، فقال: ألها ابنة؟ قلت: نعم، قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا، هي في الطائف، قال: فانكحها، قال: قلت: فأين قوله: ﴿وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُمْ﴾؟ [النساء: ٢٣] قال: إنها لم تكن في حجرك، وإنما ذلك إذا كانت في حجرك)). وأعله كثير من العلماء بإبراهيم بن عبيد بن رفاعة وقالوا: إنه مجهول، ولكن رد عليه الحافظ في الفتح بأنه ثقة تابعي معروف، وأبوه وجده صحابيان، والأثر صحيح. قوله: وكذلك أخرج عبد الرزاق (رقم: ١٠٨٣٥) عن ابن جريج في قصة طويلة أن رجلاً تزوج بنت رجل كانت تحته جدتها، ولم تكن البنت ولا أبوها في حجره، فاستفتى عمر رضي ئته فقال: (لا بأس بذلك)، ثم بعثه إلى علي ليستفتيه أيضاً . ٥٦ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ. فَلاَ تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلاَ أَخَوَاتِكُنَّ)). ٣٥٧٢ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيًّا بْنِ أَبِي زَائِدَةً. ح واستدل أبو عبيد للجمهور بقوله ظلّلها في حديث الباب: ((لا تعرضن على بناتكن)) فهذا عام لكل بنت سواء كانت في الحجر أو لا. وأجاب الجصاص عن أثر علي، بأن أهل العلم ردوه ولم يتلقه أحد بالقبول، ثم جاء الجصاص بأثر آخر لعلي يعارضه، وهو من طريق قتادة عن خلاس عنه: ((أن الربيبة والأم تجريان مجرى واحداً)). قال الجصاص: ((وهو خلاف هذا الحديث (يعني خلاف ما أخرجه عبد الرزاق عن علي) لأن الأم لا محالة تحرم بالدخول بالبنت، وقد جعل الربيبة مثلها، فاقتضى تحريم البنت بالدخول بالأم سواء كانت في حجره أو لم تكن)). ثم أجاب الجصاص عن استدلالهم بالآية، فقال: ((قد علمنا أو قوله: ﴿وَرَبَِّبُّكُمْ﴾ لم يقتض أن تكون تربية زوج الأم لها شرط في التحريم، وأنه متى لم يربها لم تحرم، وإنما سميت بنت المرأة ربيبة لأن الأعم الأكثر أن زوج الأم يربيها، ثم معلوم أن وقوع الاسم على هذا المعنى لم يوجب كون تربيته إياها شرطاً في التحريم، كذلك قوله: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ خرج على الأعم الأكثر من كون الربيبة في حجر الزوج، وليست هذه الصفة شرطاً في التحريم، كما أن تربية الزوج إياها ليست شرطاً فيه)) كذا في أحكام القرآن الجصاص (٢ - ١٥٦) في باب أمهات النساء والربائب، وراجع أيضاً تفسير القرطبي (٥ - ١١٢). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وهذه المسألة من أقوى الدلائل على مذهب الحنفية في عدم اعتبار المفهوم المخالف، فإن مفهوم الصفة غير معتبر ههنا بالإجماع، ولم يجد الحافظ ابن حجر كتفهُ جواباً عن الآية على مذهب الجمهور، حتى قال: ((ولولا الإجماع الحادث في المسألة، وندرة المخالف لكان الأخذ به (يعني بأثر علي) أولى)) كذا في الفتح (٩ - ١٣٦). قلنا : إن المشكلة إنما هي على مذهب من يعتبر المفهوم، وأما على مذهب من لا يعتبره فلا إشكال . قوله: (أرضعتني وأباها ثويبة) وأخرج ابن سعد أن أول من أرضع رسول الله وَّر ثويبة بلبن ابن لها يقال له مسروح، أياماً قبل أن تقدم حليمة، وأرضعت قبله حمزة، وبعده أبا سلمة ابن عبد الأسد. كذا في بذل المجهود (٣ - ٧). قوله: (فلا تعرضن) وهو بسكون العين وكسر الراء وسكون الضاد وفتح نون الخطاب، صيغة جمع مؤنث، وضبطه بعضهم بضم الضاد وتشديد النون، وهو خطأ كما لا يخفى. وقال القرطبي: جاء بلفظ الجمع، وإن كانت القصة لاثنين، وهما أم حبيبة وأم سلمة، ردعاً وزجراً أن تعود واحدة منهما أو غيرهما إلى مثل ذلك. وكانت لكلتيهما أخوات وبنات فصلَّ الحافظ أسماءهن في الفتح (٩ - ١٢٣). . ٥٧ كتاب: الرضاع وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ. أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ. كِلاَهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، سَوَاءً. ٣٥٧٣ _ (١٦) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بْنِ الْمُهَاجِرِ. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ؛ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ شِهَابٍ كَتَبَ يَذْكُرُ؛ أَنَّ عُزْوَةَ حَدَّثْهُ؛ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَنْهُ؛ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِّ وَّهِ حَدَّثَتْهَا؛ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ وَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! انْكِحْ أُخْتِي عَزَّةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((أَتُحِبِّينَ ذُلِكِ؟)) فَقَالَتْ: نَعَمْ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَسْتُ لَكَّ بِمُخْلِيَةٍ. وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِي خَيْرِ أُخْتِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((فَإِنَّ ذُلِكَ لاَ يَحِلُّ لِي)). قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنَّاَ نَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةً بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ. قَالَ: ((أبِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ؟)) قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي. إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ. أَرْضَعَثْنِي وأباها وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ. فَلاَ تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلاَ أَخْوَاتِكُنَّ)). ٣٥٧٤ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي. حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. حِ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ. كِلاَهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ. بِإِسْنَادِ ابْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْهُ. نَحْوَ حَدِيثِهِ. وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي حَدِيثِهِ، عَزَّةَ، غَيْرُ يَزِيدَ بْنِ أُبِي حَبِيبٍ. ١٦ - (٠٠٠) - قوله: (أختي عزة) بفتح العين المهملة، بنت أبي سفيان، وهكذا وقعت تسميتها في رواية يزيد بن حبيب عن الزهري عند النسائي وابن ماجه أيضاً، ووقعت تسميتها (حمنة بنت أبي سفيان) في رواية هشام بن عروة عن أبيه عند الطبراني، وبه جزم المنذري، ووقع اسمها (درة بنت أبي سفيان) في رواية الحميدي في مسنده، وعند أبي موسى في الذيل، وأخرجه البخاري أيضاً، ولكن حذف هذا الاسم، وقال عياض: لا نعلم لعزة ذكراً في بنات أبي سفيان إلا في رواية يزيد بن حبيب، وقال أبو موسى: الأشهر فيها (عزة). هذا ملخص ما في فتح الباري (٩ - ١٢١ و ١٢٢). قوله: (وأباها أبا سلمة) سقط في بعض النسخ المصرية قوله (أباها). ٥٨ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٥) - باب: في المصة والمصتان ٣٥٧٥ - (١٧) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَذَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. ح وَحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ. كِلاَهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنٍ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ سِ (وَقَالَ سُوَيْدٌ وَزُهَيْرٌ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ): ((لاَ تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ)». (٥) باب: في المصة والمصتان ١٧ - (١٤٥٠) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه أبو داود، (رقم: ٢٠٦٣)، والنسائي كلاهما في النكاح، والترمذي، (رقم: ١١٥٠) في الرضاع. قوله: (لا تحرم المصة والمصتان) المصة مرة من المص، وهو من باب نصر وسمع، وهذا الحديث تمسك به الظاهرية في أن ما دون الثلاث من الرضعات غير محرم، وعندنا هو منسوخ كما سيأتي عن ابن عباس، فالحرمة تثبت بمطلق الإرضاع. مسألة المقدار المحرم من الرضاع وتفصيل المسألة أن هناك أربعة مذاهب للفقهاء: (١) المذهب الأول: أنَّ قليل الرضاع وكثيره سواء في التحريم، وما يفطر به الصائم تثبت به الحرمة، وهو قول أبي حنيفة ومالك، ورواية عن أحمد، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وطاوس، وقبيصة بن ذؤيب، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وربيعة، وابن شهاب، وعطاء بن أبي رباح، ومكحول، كما في المدونة الكبرى للإمام مالك (٥ - ٨٧) وهو مذهب قتادة، والحسن، والحكم، وحماد، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، وزعم الليث أن المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم، كما في المغني لابن قدامة (٧ - ٥٣٦)، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر أيضاً، وجعله النووي مذهب جمهور العلماء، كما في شرحه لمسلم (١٠ - ٢٩) قلت: وهو مذهب الإمام البخاري أيضاً، كما يظهر من صنيعه في الصحيح . (٢) المذهب الثاني: لا تحرم الرضعة والرضعتان، وتحرم الثلاثة فما فوقها، وهو مذهب أبي ثور، وأبي عبيد، وداود الظاهري، وابن المنذر، ورواية عن أحمد، وهو محكي أيضاً عن زيد بن ثابت ربه كما في شرح المهذب (٥ - ٥٧). (٣) المذهب الثالث: لا يثبت التحريم إلا بخمس رضعات، وهو مذهب الشافعي ٥٩ كتاب: الرضاع والصحيح من مذهب أحمد، والمروي عن عائشة، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، وإسحاق بن راهويه، وابن حزم، وهو رواية عن ابن مسعود، وعلي، وعطاء، وطاوس، كما في شرح المهذب، وعنهم رواية أخرى موافقة للمذهب الأول، كما قدمنا عن المدونة الكبرى . (٤) المذهب الرابع: لا يحرم دون عشر رضعات، روي ذلك عن حفصة، كما في موطأ مالك، نسبه بعضهم إلى عائشة أيضاً، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله. فأما المذهب الرابع، فإن صحَّ ذلك عن حفصة، فكأنها لم تعلم بالنسخ، وقد صرحت عائشة رضينا بنسخ عشر رضعات، كما سيأتي في رواية مسلم، فالمثبت مقدم على النافي. وأما أهل المذهب الأول فاحتجوا بما يلي: ١ - قوله تعالى ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىِّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فجعل الله تعالى الإرضاع سبباً للتحريم، وهو مطلق يتناول القليل والكثير، فلا يجوز تقييده بأخبار الآحاد ولا بالقياس، وأخطأ من قال إن الآية مجملة فسرها الحديث، لإن الإرضاع ليس فيه إجمال، يُقْهَمُ معناهُ كل من يعرف العربية، فالآية محكمة ظاهرة المعنى بينة المراد، فلا يجوز تخصيصه ولا تقييده إلا بالقرآن أو السنة المتواترة، وراجع لتفصيله أحكام القرآن للجصاص (٢ - ١٥٠) باب ما يحرم من النساء. ٢ - روى أبو حنيفة عن الحكم بن عتيبة عن القاسم بن المخيمرة عن شريح بن هانىء عن علي بن أبي طالب رَظُه، أنَّ النبي ◌َّه قال: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب قليله وكثيره)) كذا رواه الإمام أبو يوسف عنه، كما في عقود الجواهر المنيفة للزبيدي(١) (١ - ١٥٩). قال العبد الضعيف: ورجال هذا الحديث كلهم ثقات، فأما الحكم بن عتيبة فهو من رجال الجماعة، ثقة ثبت فقيه، إلا أنه ربما دلس، وأما القاسم بن المخيمرة، فهو ممن علق له البخاري، وأخرج عنه الخمسة، ثقة فاضل. وأما شريح بن هانىء، فهو الحارثي الكوفي من رجال الخمسة، وأخرج عنه البخاري في الأدب المفرد، مخضرم ثقة، كما في التقريب، فالحديث صحيح، واحتجاج أبي حنيفة به دليل على صحته. ٣ - روينا في الصحيحين ((عن عقبة بن الحارث قال: تزوجتُ امرأةً، فجاءتنا امرأة سوداء، فقالت لي: إني قد أرضعتكما، وهي كاذبة، فأعرضَ عنّي، فأتيته من قبل وجهه، قلت: إنها كاذبة، قال: كيف بها، وقد زَعَمَتْ أنها قد أرضعَتْكُمَا، دعها عنك)) أخرجه البخاري في باب (١) قلت: ذكره الخوارزمي في جامع مسانيد الإمام (٢ - ٩٢) فقال: أخرجه أبو محمد البخاري عن المنذر بن سعيد الهروي عن أحمد بن عبد الله الكندي عن إبراهيم بن الجراح عن أبي يوسف عن أبي حنيفة. ٦٠ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم شهادة المرضعة من النكاح، وفي باب الرحلة من العلم، وفي باب تفسير المشبهات من البيوع، في باب شهادة الإماء والعبيد من الشهادات. ووجه الاستدلال أن النبي وّر لم يسأله عن عدد الرضعات، وإنما حكم بالتحريم بمجرد الرضاع. ٤ - وكذلك حجتهم سائر ما روي عن النبي ◌َّ إنه حكم بالتحريم على مطلق الإرضاع، كقوله الثّل: ((حرم من الرضاع ما حرم من النسب)) و ((إن الرضاعة تحرم ما تحرم من الولادة)) وغيرهما . ٥ - وحجتهم أيضاً آثار كثيرة من الصحابة، فمنها ما أخرجه النسائي، (٢: ٦٨) عن قتادة، قال: ((كتبنا إلى إبراهيم النخعي نسأله عن الرضاع، فكتب أن شريحاً حدثنا أن علياً وابن مسعود كانا يقولان: يحرم من الرضاع قليله وكثيره)) . ومنها ما أخرجه محمد في الموطأ (ص - ٢٧٦): «أخبرنا مالك، أخبرنا ثور بن زيد أن ابن عباس كان يقول: ما كان في الحولين وإن كانت مصة واحدة تحرم)» وثور بن زيد الديلي مولاهم المدني، وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي، مات سنة ١٣٥ كما في التعليق الممجد عن الإسعاف، وقال الشيخ العثماني في إعلاء السنن (١١: ٨٠): (إسناده صحيح). ومنها ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧ - ٤٦٧، رقم: ١٣٩١٩) من طريق ابن جريج، قال: ((أخبرني عمر بن دينار أنه سمع ابن عمر، سأله رجل، أتحرم رضعة أو رضعتان؟ فقال: ما نعلم الأخت من الرضاعة إلا حراماً، فقال رجل: إن أميرَ المؤمنين - يريد ابن الزبير - يزعم أنه لا تحرم رضعة ولا رضعتان، فقال ابن عمر: قضاء الله خير من قضائك وقضاء أمير المؤمنين)). وأخرجه عبد الرزاق من طريق ابن جريج عن عطاء أيضاً، ولفظه: ((بلغه عن ابن الزبير أنه يأثر عن عائشة في الرضاع أنه قال: لا يحرم منها دون سبع رضعات، قال: الله خير من عائشة، قال الله تعالى: ﴿وَأَخَوَتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] ولم يقل: رضعة ولا رضعتين)) (مصنف عبد الرزاق ٧ - ٤٦٦ رقم: ١٣٩١١) وأخرجه الدارقطني من طريق عبد الرزاق بأسانيد مختلفة (٤ - ١٨٣) ومن طريق خالد بن يوسف عن حماد بن زيد عن عمرو بن دينار أيضاً (٤ - ١٧٩ باب الرضاع، رقم: ٢٣) وأخرجه البيهقي أيضاً بطرق شتى (٧ - ٤٥٨). وأما أهل المذهب الثاني فاحتجوا بحديث الباب، وقد روي عن عائشة، وأم الفضل عند المصنف، وعن أبي هريرة عند غيره. وأما أهل المذهب الثالث، فاستدلوا بحديث عائشة الآتي عند المصنف، قالت: ((كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله وَلُّ وهن فيما يقرأ من القرآن)).