Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
كتاب: الحج
عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيْنَ تَنْزِلُ غَداً، إِنْ شَاءَ اللَّهُ؟ وَذْلِكَ
زَّمَنَ الْفَتْحِ قَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ)» .
(٨١) - باب: جواز الإقامة بمكة، للمهاجر منها
بعد فراغ الحج والعمرة، ثلاثة أيام بلا زيادة
٣٢٨٤ - (٤٤١) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ
بِلاَلٍ) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ اَلْعَزِيزِ يَسْأَلُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ
يَقُولُ: هَلْ سَمِعْتَ فِي الإِقَّامَةِ بِمَكَّةَ شَيْئاً؟ فَقَالَ السَّائِبُ: سَمِعْتُ الْعَلاَءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ
يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ يَقُولُ: (لِلْمُهَاجِرِ إِقَامَةُ ثَلاَثِ، بَعْدَ الصَّدَرِ، بِمَكَّةَ)) كَأَنَّهُ يَقُولُ
لاَ يَزِيدُ عَلَيْهَا.
٣٢٨٥ - (٤٤٢) حدّثنا يَخْيَى بْنُ يَخيِى. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ. قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ لِجُلَسَائِهِ: مَا سَمِعْتُمْ فِي
سُكْتَى مَكَّةَ؟ فَقَّالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: سَمِعْتُ الْعَلاَءَ أَوْ قَالَ: (الْعَلاَءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ) قَالَ
٨١ - باب: جواز الإقامة بمكة للمهاجر منها بعد
فراغ الحج والعمرة ثلاثة أيام بلا زيادة
٣٢٨٤ - قوله يلر: (يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً) وفي الرواية الأخرى: (مكث
المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً) وفي رواية للمهاجر: (إقامة ثلاث بعد الصدر بمكة) كأنه يقول
لا يزيد عليها. معنى الحديث أن الذين هاجروا من مكة قبل الفتح إلى رسول الله وَل حرم عليهم
استيطان مكة، والإقامة بها. ثم أبيح لهم: إذا وصلوها بحج أو عمرة أو غيرهما أن يقيموا بعد
فراغهم ثلاثة أيام، ولا يزيدوا على الثلاثة. واستدل أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث على أن إقامة
ثلاثة ليس لها حكم الإقامة، بل صاحبها في حكم المسافر. قالوا: فإذا نوى المسافر الإقامة في
بلد ثلاثة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج، جاز له الترخص برخص السفر من القصر والفطر
وغيرهما من رخصة. ولا يصير له حكم المقيم. والمراد بقوله وَّر: (يقيم المهاجر بعد قضاء
نسكه ثلاثة) أي بعد رجوعه من منى. كما قال في الرواية الأخرى: (بعد الصدر) أي: الصدر من
منى وهذا كله قبل طواف الوداع، وفي هذا دلالة لأصح الوجهين عند أصحابنا: أن طواف الوداع
ليس من مناسك الحج، بل هو عبادة مستقلة. أمر بها من أراد الخروج من مكة. لا أنه نسك من
مناسك الحج ولهذا لا يؤمر به المكي ومن يقيم بها. وموضع الدلالة قوله بَ ل (بعد قضاء نسكه).
والمراد قبل طواف الوداع كما ذكرنا، فإن طواف الوداع لا إقامة بعده. ومن أقام بعده خرج عن
كونه طواف وداع. فسماه قبله قاضياً لمناسكه. والله أعلم. قال القاضي عياض رحمه الله في هذا
:

٥٠٢
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ، بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ، ثَلاَثًا)).
٣٢٨٦ - (٤٤٣) وحدّثنا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. جَمِيعاً عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ
عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ. فَقََّلَ السَّائِبُ: سَمِعْتُ الْعَلاَءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ،وَهِ يَقُولُ: ((ثَلاَثُ لَيَالٍ يَمْكُثُهُنَّ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ، بَعْدَ الصَّدَرِ)).
٣٢٨٧ - (٤٤٤) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج.
وَأَمْلاَهُ عَلَيْنَا إِمْلاَءَ. أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَّنِ
عَوْفٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ الْعَلاَءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ أَخْبَرَهُ، عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ قَالَ: ((مَكْثُ الْمُهَاجِرٍ بِمَكَّةَ، بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ، ثَلاَثَا)) .
٣٢٨٨ - (٠٠٠) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا الضَّحَّاكِ بْنُ مَخْلَدٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ
جُرَيْجِ، بِهُذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
(٨٢) - باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها،
إلا لمنشد، على الدوام
٣٢٨٩ - (٤٤٥) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ،
عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَتْحِ مَكَّةً :
الحديث: حجة لمن منع المهاجر قبل الفتح من المقام بمكة بعد الفتح. قال: وهو قول الجمهور،
وأجازه لهم جماعة بعد الفتح مع الاتفاق على وجوب الهجرة عليهم قبل الفتح، ووجوب سكنى
المدينة لنصرة النبي ◌ّل# ومواساتهم له بأنفسهم. وأما غير المهاجر ومن آمن بعد ذلك فيجوز له
سكنى أي بلد أراد. سواء مكة وغيرها بالاتفاق. هذا كله القاضي ..
قوله وخل *: (مكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً) هكذا هو في أكثر النسخ ثلاثاً، وفي
بعضها ثلاث، ووجه المنصوب أن يقدر فيه محذوف. أي مكثه المباح أن يمكث ثلاثاً. والله
أعلم.
٨٢ - باب: تحريم مكة وتحريم صيدها
وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام
٣٢٨٩ - قوله ◌َ له: (يوم الفتح فتح مكة لا هجرة ولكن جهاد ونية) قال العلماء: الهجرة من
دار الحرب إلى دار الإسلام، باقية إلى يوم القيامة. وفي تأويل هذا الحديث قولان: أحدهما لا

٥٠٣
كتاب: الحج
(لاَ هِجْرَةَ. وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ. وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا)). وَقَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَتْحِ مَكَّةَ: ((إِنَّ هُذَا
الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. فَهُوَ حَرَامٌ بِحُزْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَإِنَّهُ لَمْ
يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي. وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. فَهُوَ حَرَامٌ بِخَّرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ. لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ. وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ. وَلاَ يَلْتَقِطُ إِلَّ مَنْ عَرَّفَهَا. وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا)) فَقَالَ
الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِلَّ الإِذْخِرَ. فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ. فَقَالَ: ((إِلاَّ الإِذْخِرَ)).
هجرة بعد الفتح من مكة، لأنها صارت دار إسلام، وإنما تكون الهجرة من دار الحرب. وهذا
يتضمن معجزة لرسول الله ولو بأنها تبقى دار إسلام لا يتصور منها الهجرة. والثاني معناه: لا
هجرة بعد الفتح. فضلها كفضلها قبل الفتح، كما قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ
اٌلْفَتْحِ وَقَتَلْ﴾ [الحديد: ١٠] الآية.
وأما قوله بَّه: (ولكن جهاد ونية) فمعناه: ولكن لكم طريق إلى تحصيل الفضائل التي في
معنى الهجرة، وذلك بالجهاد ونية الخير في كل شيء.
قوله وَطاهر: (وإذا استنفرتم فانفروا) معناه: إذا دعاكم السلطان إلى غزو، فاذهبوا، وسيأتي
بسط أحكام الجهاد، وبيان الواجب منه في بابه إن شاء الله تعالى.
قوله وقيله: (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض) وفي الأحاديث التي ذكرها
مسلم بعد هذا: أن إبراهيم حرم مكة. فظاهرها الاختلاف، وفي المسألة خلاف مشهور. ذكره
الماوردي في ((الأحكام السلطانية)) وغيره من العلماء في وقت تحريم مكة. فقيل: إنها ما زالت
محرمة من يوم خلق الله السموات والأرض. وقيل: ما زالت حلالاً كغيرها إلى زمن إبراهيم وَل
ثم ثبت لها التحريم من زمن إبراهيم. وهذا القول: يوافق الحديث الثاني، والقول الأول: يوافق
الحديث الأول وبه قال الأكثرون، وأجابوا عن الحديث الثاني: بأن تحريمها كان ثابتاً من يوم خلق
الله السموات والأرض، ثم خفي تحريمها واستمر خفاؤه إلى زمن إبراهيم، فأظهره وأشاعه، لا أنه
ابتدأه، ومن قال بالقول الثاني أجاب عن الحديث الأول بأن معناه: أن الله كتب في اللوح
المحفوظ، أو في غيره يوم خلق الله تعالى السموات والأرض: أن إبراهيم سيحرم مكة بأمر الله
تعالى. والله أعلم.
قوله ◌َّير: (فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم
يحل لي إلا ساعة من نهار. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة) وفي رواية: (القتل) بدل القتال،
وفي الرواية الأخرى: (لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها
شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله وَّيقول فيها. فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم.
وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار. وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد
الغائب). هذه الأحاديث ظاهرة في تحريم القتال بمكة، قال الإمام أبو الحسن الماوردي البصري

٥٠٤
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٢٩٠ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، عَنْ
مَنْصُورٍ، فِي هُذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَذْكُرُ ((يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ)) وَقَالَ، بَدَلَ
الْقِتَالِ ((الْقَتْلَ)) وَقَالَ: ((لاَ يَلْتَقِطُ لُقَطَّتَهُ إِلَّ مَنْ عَرَّفَهَا)) .
صاحب ((الحاوي)) من أصحابنا في كتابه ((الأحكام السلطانية)) من خصائص الحرم، أن لا يحارب
أهله، فإن بغوا على أهل العدل. فقد قال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم، بل يضيق عليهم حتى
يرجعوا إلى الطاعة، ويدخلوا في أحكام أهل العدل. قال: وقال جمهور الفقهاء: يقاتلون على
بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال، لأن قتال البغاة من حقوق الله التي لا يجوز
إضاعتها، فحفظها أولى في الحرم من إضاعتها. هذا كلام الماوردي. وهذا الذي نقله عن جمهور
الفقهاء هو الصواب، وقد نص عليه الشافعي في كتاب ((اختلاف الحديث)) من كتب الإمام، ونص
عليه الشافعي أيضاً في آخر كتابه المسمى ((بسير الواقدي من كتب الأم)). وقال القفال المروزي من
أصحابنا في كتابه ((شرح التلخيص)) في أول كتاب النكاح في ذكر الخصائص: لا يجوز القتال
بمكة. قال: حتى لو تحصن جماعة من الكفار فيها، لم يجز لنا قتالهم فيها. وهذا الذي قاله
القفال غلط. نبهت عليه حتى لا يغتر به. وأما الجواب عن الأحاديث المذكورة هنا فهو ما أجاب
به الشافعي في كتابه ((سير الواقدي)) أن معناها: تحريم نصب القتال عليهم، وقتالهم بما يعم
كالمنجنيق وغيره. إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك بخلاف ما إذا تحصن الكفار في بلد آخر،
فإنه يجوز قتالهم على كل وجه وبكل شيء والله أعلم.
قوله ◌َّل : (لا يعضد شوكه، ولا يختلى خلاها) وفي رواية: (لا تعضد بها شجرة) وفي
رواية: (لا يختلى شوكها) وفي رواية: (لا يخبط شوكها) قال أهل اللغة: العضد القطع، والخلا
بفتح الخاء المعجمة مقصور، هو: الرطب من الكلأ. قالوا: الخلا والعشب اسم للرطب منه.
والحشيش، والهشيم اسم لليابس منه. والكلأ مهموز يقع على الرطب واليابس. وعد ابن مكي
وغيره من لحن العوام، إطلاقهم اسم الحشيش على الرطب بل هو مختص باليابس، ومعنى
يختلى: يؤخذ ويقطع، ومعنى يخبط: يضرب بالعصا ونحوها ليسقط ورقه. واتفق العلماء على
تحريم قطع أشجارها التي لا يستنبتها الآدميون في العادة. وعلى تحريم قطع خلاها. واختلفوا فيما
ينبته الآدميون، واختلفوا في ضمان الشجر إذا قطعه. فقال مالك: يأثم ولا فدية عليه. وقال
الشافعي وأبو حنيفة: عليه الفدية واختلفا فيها فقال الشافعي: في الشجرة الكبيرة بقرة، وفي
الصغيرة شاة. وكذا جاء عن ابن عباس وابن الزبير وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: الواجب في
الجميع القيمة. قال الشافعي: ويضمن الخلا بالقيمة. ويجوز عند الشافعي ومن وافقه رعي البهائم
في كلأ الحرم. وقال أبو حنيفة وأحمد ومحمد: لا يجوز. وأما صيد الحرم فحرام بالإجماع على
الحلال والمحرم، فإن قتله فعليه الجزاء عند العلماء كافة، إلا داود فقال يأثم ولا جزاء عليه. ولو
دخل صيد من الحل إلى الحرم، فله ذبحه وأكله وسائر أنواع التصرف فيه. هذا مذهبنا ومذهب

٥٠٥
كتاب: الحج
٣٢٩١ - (٤٤٦) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ
أَبِي شُرَيْحِ الْعَدَوِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةً: اِثْذَنْ لِي. أَيُّهَا
الأَمِيرُ! أَحَدِّثْكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّهَ، الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ. سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ. وَوَعَاهُ
قَلْبِي. وَأَبْصَرَتُهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ. أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا
اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلاَ يَحِلُّ لإِمْرِىءٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَماً وَلاَ
يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةَ. فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ وَفِيهَاَ فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ
مالك وداود. وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجوز ذبحه، ولا التصرف فيه بل يلزمه إرساله. قالا :
فإن أدخله مذبوحاً جاز أكله. وقاسوه على المحرم. واحتج أصحابنا والجمهور بحديث: (يا أبا
عمير ما فعل النغير) وبالقياس على ما إذا دخل من الحل شجرة أو كلا ولأنه ليس بصيد حرم.
قوله ◌َّل: (لا يعضد شوكه) فيه دلالة لمن يقول بتحريم جميع نبات الحرم من الشجر
والكلأ، سواء الشوك المؤذي وغيره. وهو الذي اختاره المتولي من أصحابنا، وقال جمهور
أصحابنا: لا يحرم الشوك لأنه مؤذ. فأشبه الفواسق الخمس، ويخصون الحديث بالقياس.
والصحيح ما اختاره المتولي والله أعلم.
قوله : (وإنه لم يحل القتال فيه لأحد من قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار) هذا مما
يحتج به من يقول: أن مكة فتحت عنوة. وهو مذهب أبي حنيفة وكثيرين أو الأكثرين، وقال
الشافعي وغيره: فتحت صلحاً. وتأولوا هذا الحديث، على أن القتال كان جائزاً له وَلّ في مكة.
ولو احتاج إليه لفعله، ولكن ما احتاج إليه. والله أعلم.
قوله *: (ولا ينفر صيده) تصريح بتحريم التنفير، وهو: الإزعاج وتنحيته من موضعه، فإن
نفره عصى سواء تلف أم لا. لكن إن تلف في نفاره قبل سكون نفاره ضمنه المنفر وإلا فلا
ضمان، قال العلماء: ونبه وَله بالتنفير على الإتلاف ونحوه، لأنه إذا حرم التنفير فالإتلاف أولى.
قوله وَّ ة: (ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها) وفي رواية: (لا تحل لقطتها إلا لمنشد). المنشد
هو المعرف. وأما طالبها فيقال له ناشد، وأصل النشد والإنشاد رفع الصوت. ومعنى الحديث: لا
تحل لقطتها لمن يريد أن يعرفها سنة، ثم يتملكها كما في باقي البلاد. بل لا تحل إلا لمن يعرفها
أبداً ولا يتملكها. وبهذا قال الشافعي وعبد الرحمن بن مهدي وأبو عبيد وغيرهم. وقال مالك:
يجوز تملكها بعد تعريفها سنة. كما في سائر البلاد. وبه قال بعض أصحاب الشافعي ويتأولون
الحديث تأويلات ضعيفة، واللقطة بفتح القاف على اللغة المشهورة وقيل بإسكانها وهي الملقوط.
قوله: (إلا الإذخر) هو نبت معروف طيب الرائحة. وهو بكسر الهمزة والخاء.
قوله: (فإنه لقينهم وبيوتهم) وفي رواية: (نجعله في قبورنا وبيوتنا). قينهم بفتح القاف هو
الحداد والصائغ ومعناه: يحتاج إليه القين في وقود النار، ويحتاج إليه في القبور، لتسد به فرج
.

٥٠٦
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُها الْيَوْمَ كَحُزْمَتِهَا
بِالأَمْسِ. وليُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ)). فَقِيلَ لأَّبِي شُرَيْحِ: مَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ
بِذَلِكَ مِنْكَ. يَا أَبَا شُرَيْحِ! إِنَّ الْحَرَمَ لاَ يُعِيذُ عَاصِياً وَلَّاَ فَارًّا بِدَمٍ وَلاَ فَارًا بِخَرْبَةٍ .
٣٢٩٢ - (٤٤٧) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ. جَمِيعاً عَنِ الْوَلِيدِ .
قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ. حَدَّثَنِي يَخْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي
أَبُو سَلَمَةَ (هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ). حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةً قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى
رَسُولِ اللّهِ وَلِّ مَكَّةَ. قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ
مَكَّةَ الْفِيلَ. وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي. وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي
اللحد المتخللة بين اللبنات، ويحتاج إليه في سقوف البيوت، يجعل فوق الخشب.
قوله: فقال رسول الله وَله: (إلا الإذخر) هذا محمول على أنه ◌َ ﴿ أوحي إليه في الحال
استثناء الإذخر. وتخصيصه من العموم، أو أوحي إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء
فاستثنه أو أنه اجتهد في الجميع والله أعلم.
قوله: (عن أبي شريح العدوي) هكذا ثبت في «الصحيحين)) العدوي في هذا الحديث،
ويقال له أيضاً الكعبي والخزاعي. قيل: اسمه خويلد بن عمرو، وقيل: عمرو بن خويلد، وقيل:
عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: هانىء بن عمرو، أسلم قبل فتح مكة وتوفي بالمدينة سنة ثمان
وستين .
قوله: (وهو يبعث البعوث إلى مكة) يعني لقتال ابن الزبير.
قوله: (سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي) أراد بهذا كله المبالغة في تحقيق حفظه
إياه، وتيقنه زمانه ومكانه ولفظه.
قوله وَ لـ: (إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس) معناه أن تحريمها بوحي الله تعالى لا أنها
اصطلح الناس على تحريمها بغير أمر الله.
قوله وي ميلر: (ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ولا يعضد بها شجرة)
هذا قد يحتج به من يقول: الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الإسلام، والصحيح عندنا وعند آخرين:
أنهم مخاطبون بها كما هم مخاطبون بأصوله، وإنما قال ◌َّلر: (فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم
الآخر) لأن المؤمن هو الذي ينقاد لأحكامنا وينزجر عن محرمات شرعنا ويستثمر أحكامه، فجعل
الكلام فيه. وليس فيه أن غير المؤمن ليس مخاطباً بالفروع.
قوله: (يسفك) بكسر الفاء على المشهور. وحكي ضمها أي: يسيله.
قوله ◌َ له: (فإن أحد ترخص بقتال رسول الله وَّ* إلى آخره) فيه دلالة لمن يقول: فتحت

٥٠٧
كتاب: الحج
سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ. وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي. فَلاَ يُتَفَّرُ صَيْدُهَا. وَلاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا. وَلاَ تَحِلُّ
سَاقِطَتُهَا إِلَّ لِمُنْشِدٍ. وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ. إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ)) فَقَالَ
الْعَبَّاسُ: إِلَّ الإِذْخِرَ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ:
((إِلاَّ الإِذْخِرَ)) فَقَامَ أَبُو شَاهِ، رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي. يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((اكْتُبُوا لِأَّبِي شَاهِ)).
قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: هَذِهِ الْخُطْبَةَ
الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ.
٣٢٩٣ - (٤٤٨) حدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ
شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: إِنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ
بَنِي لَيْثٍ. عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ. بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ. فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ. فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ
فَخَطَبَ فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفَيلَ. وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ. أَلاَ
وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأُحَدٍ قَبْلِي وَلَنْ تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي. أَلاَ وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ. أَلَ
مكة عنوة. وقد سبق في هذا الباب بيان الخلاف فيه، وتأويل الحديث عند من يقول: فتحت
صلحاً. أن معناه: دخلها متأهباً للقتال. لو احتاج إليه فهو دليل الجواز له تلك الساعة.
قوله وله: (وليبلغ الشاهد الغائب) هذا اللفظ قد جاءت به أحاديث كثيرة، وفيه التصريح
بوجوب نقل العلم، وإشاعة السنن والأحكام.
قوله: (لا يعيذ عاصياً) أي: لا يعصمه.
قوله: (ولا فاراً بخربة) هي بفتح الخاء المعجمة، وإسكان الراء هذا هو المشهور، ويقال:
بضم الخاء أيضاً، حكاها القاضي وصاحب ((المطالع)) وآخرون وأصلها سرقة الإبل وتطلق على كل
خيانة. وفي ((صحيح البخاري)) إنها البلية، وقال الخليل: هي الفساد في الدين من الخارب، وهو
اللص المفسد في الأرض، وقيل: هي العيب.
قوله تعالى: (ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إما أن يفدى، وإما أن يقتل) معناه ولي
المقتول بالخيار إن شاء قتل القاتل وإن شاء أخذ فداءه وهي الدية. وهذا تصريح بالحجة للشافعي.
وموافقيه أن الولي بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل. وأن له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء
ولي القتيل. وبه قال سعيد بن المسيب وابن سيرين وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال مالك: ليس
للولي إلا القتل أو العفو، وليس له الدية إلا برضى الجاني. وهذا خلاف نص هذا الحديث. وفيه
أيضاً دلالة لمن يقول: القاتل عمداً يجب عليه أحد الأمرين القصاص أو الدية. وهو أحد القولين
للشافعي، والثاني: أن الواجب القصاص لا غير. وإنما تجب الدية بالاختيار، وتظهر فائدة

٥٠٨
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَإِنَّهَا، سَاعَتِي هَذِهِ، حَرَامٌ. لاَ يُخْبَطُ شَوْكُهَا. وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا. وَلاَ يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إِلاَّ
مُنْشِدٌ. وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ. إِمَّا أَنْ يُعْطَى (يَعْنِي الدِّيَةَ)، وَإِمَّا أَنْ يُقادَ (أَهَلُ
الْقَتِيلِ)) قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَّالُ لَّهُ أَبُو شَاهِ. فَقَالَ: اكْتُبْ لِي. يَا رَسُولَ اللهِ!
فَقَالَ: ((اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهِ)). فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّ الإِذْخِرَ. فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِلاَّ الإِذْخِرَ)).
(٨٣) - باب: النهي عن حمل السلاح بمكة، بلا حاجة
٣٢٩٤ - (٤٤٩) حدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي
الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَ يَّقُولُ: ((لاَ يَحِلُّ لأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةً
السُّلاَحَ».
الخلاف في صور منها لو عفا الولي عن القصاص إن قلنا: الواجب أحد الأمرين سقط القصاص،
ووجبت الدية، وإن قلنا: الواجب القصاص بعينه لم يجب قصاص ولا دية. وهذا الحديث
محمول على القتل عمداً فإنه لا يجب القصاص في غير العمد.
قوله: (فقام أبو شاه) هو بهاء وتكون هاء في الوقف والدرج ولا يقال بالتاء، قالوا: ولا
يعرف اسم أبي شاه هذا، وإنما يعرف بكنيته.
قوله ير: (اكتبوا لأبي شاه) هذا تصريح بجواز كتابة العلم غير القرآن. ومثله حديث علي
رضي الله عنه ما عنده إلا ما في هذه الصحيفة. ومثله حديث أبي هريرة كان عبد الله بن عمر
يكتب ولا أكتب، وجاءت أحاديث بالنهي عن كتابة غير القرآن، فمن السلف من منع كتابة العلم.
وقال جمهور السلف بجوازه، ثم أجمعت الأمة بعدهم على استحبابه، وأجابوا عن أحاديث النهي
بجوابين: أحدهما: أنها منسوخة وكان النهي في أول الأمر قبل اشتهار القرآن لكل أحد: فنهى عن
كتابة غيره خوفاً من اختلاطه واشتباهه. فلما اشتهر وأمنت تلك المفسدة أذن فيه. والثاني: أن
النهي نهي تنزيه لمن وثق بحفظه، وخيف اتكاله على الكتابة، والإذن لمن لم يوثق بحفظه. والله
أعلم.
٨٣ - باب: النهي عن حمل السلاح بمكة من غير حاجة
٣٢٩٤ - قوله ◌َّل: (لا يحل لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة) هذا النهي إذا لم تكن حاجة.
فإن كانت، جاز. هذا مذهبنا ومذهب الجماهير، قال القاضي عياض: هذا محمول عند أهل العلم
على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة فإن كانت جاز. قال القاضي: وهذا مذهب مالك
والشافعي وعطاء قال: وكرهه الحسن البصري تمسكاً بظاهر هذا الحديث. وحجة الجمهور دخول
النبي ◌َّير عام عمرة القضاء بما شرطه من السلاح في القراب، ودخوله وَّر عام الفتح متأهباً

٥٠٩
كتاب: الحج
(٨٤) - باب: جواز دخول مكة بغير إحرام
٣٢٩٥ _ (٤٥٠) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ
سَعِيدٍ (أَمَّا الْقَعْنَبِيُّ فَقَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَس. وَأَمَّا قُتَيْبَةُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ) وَقَالَ
يَحْيَى (وَاللَّفْظُ لَهُ): قُلْتُ لِمَالِكِ: أَحَدَّثَكَ ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ النَّبِيِّ بَهُ
دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ. فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِقْ بِأَسْتَارٍ
الْكَعْبَةِ. فَقَالَ: ((اقْتُلُوهُ»؟ فَقَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ.
٣٢٩٦ - (٤٥١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ الثَّقَفِيُّ. (قَالَ
يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمَّارِ الدُّهْنِيُّ) عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَ دَخَلَ مَكَّةَ (وَقَالَ قُتَيْبَةُ: دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ) وَعَلَيْهِ
عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ. وَفِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةً قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ .
للقتال. قال: وشذ عكرمة عن الجماعة فقال: إذا احتاج إليه حمله وعليه الفدية، ولعله أراد إذا
كان محرماً ولبس المغفر أو الدرع ونحوهما فلا يكون مخالفاً للجماعة والله أعلم.
٨٤ - باب: جواز دخول مكة بغير إحرام
٣٢٩٥ - قوله: (أن النبي ◌َّلو دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه مغفر) وفي رواية: (وعليه
عمامة سوداء بغير إحرام) وفي رواية: (خطب الناس وعليه عمامة سوداء) قال القاضي: وجه
الجمع بينهما أن أول دخوله كان على رأسه المغفر، ثم بعد ذلك كان على رأسه العمامة، بعد إزالة
المغفر بدلیل.
قوله: (خطب الناس وعليه عمامة سوداء)، لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام
فتح مكة ..
وقوله: (دخل مكة بغير إحرام) هذا دليل لمن يقول بجواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد
نسكاً. سواء كان دخوله لحاجة تكرر كالحطاب، والحشاش والسقاء والصياد وغيرهم. أم لم
تتكرر كالتاجر والزائر وغيرهما. سواء كان آمناً أو خائفاً، وهذا أصح القولين للشافعي وبه يفتي
أصحابه. والقول الثاني: لا يجوز دخولها بغير إحرام إن كانت حاجته، لا تكرر إلا أن يكون
مقاتلاً أو خائفاً من قتال أو خائفاً من ظالم لو ظهر. ونقل القاضي نحو هذا عن أكثر العلماء.
قوله: (جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال اقتلوه) قال العلماء: إنما قتله
لأنه كان قد ارتد عن الإسلام وقتل مسلماً كان يخدمه، وكان يهجو النبي وَّه ويسبه، وكانت له
قينتان تغنيان بهجاء النبي وَّ والمسلمين، فإن قيل: ففي الحديث الآخر من دخل المسجد فهو
آمن. فكيف قتله وهو متعلق بالأستار؟ فالجواب: أنه لم يدخل في الأمان بل استثناه هو، وابن

٥١٠
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٢٩٧ - (٠٠٠) حدّثنا عَلِيُّ بْنُ حَكِيم الأَوْدِيُّ. أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارِ الدُّهْنِيِّ،
عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّرَ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَّيْهِ عِمَامَةٌ
سَوْدَاءُ .
٣٢٩٨ - (٤٥٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ،
عَنْ مُسَاوِرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ خَطَبَ
النَّاسَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ .
٣٢٩٩ - (٤٥٣) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
أبي سرح والقينتين وأمر بقتله وإن وجد متعلقاً بأستار الكعبة. كما جاء مصرحاً به في أحاديث
أخر. وقيل: لأنه ممن لم يف بالشرط، بل قاتل بعد ذلك. وفي هذا الحديث حجة لمالك
والشافعي وموافقيهما في جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة، وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
وتأولوا هذا الحديث على أنه قتله في الساعة التي أبيحت له. وأجاب أصحابنا: بأنها إنما أبيحت
له ساعة الدخول حتى استولى عليها وأذعن له أهلها. وإنما قتل ابن خطل بعد ذلك. والله أعلم.
واسم ابن خطل: عبد العزى، وقال محمد بن إسحاق اسمه: عبد الله، وقال الكلبي: اسمه
غالب بن عبد الله بن عبد مناف بن أسعد بن جابر بن كثير بن تيم بن غالب، وخطل بخاء
معجمة وطاء مهملة مفتوحتين. قال أهل ((السير)): وقيل سعد بن حريث. والله أعلم.
قوله: (قرأت على مالك بن أنس) وفي رواية: قلت لمالك: حدثك ابن شهاب عن أنس،
ثم قال في آخر الحديث. فقال: نعم يعني: فقال مالك: نعم. ومعناه: أحدثك ابن شهاب عن
أنس بكذا؟ فقال مالك: نعم حدثني به، وقد جاء في ((الصحيحين)) في مواضع كثيرة مثل هذه
العبارة. ولا يقول في آخره قال نعم، واختلف العلماء في اشتراط قوله نعم في آخر مثل هذه
الصورة وهي إذا قرأ على الشيخ قائلاً أخبرك فلان، أو نحوه. والشيخ مصغ له فاهم لما يقرأ غير
منكر، فقال بعض الشافعيين وبعض أهل الظاهر: لا يصح السماع إلا بها فإن لم ينطق بها لم يصح
السماع. وقال جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول: يستحب قوله نعم ولا
يشترط نطقه بشيء، بل يصح السماع مع سكوته. والحالة هذه اكتفاء بظاهر الحال فإنه لا يجوز
المكلف أن يقر على الخطأ في مثل هذه الحالة. قال القاضي: هذا مذهب العلماء كافة، ومن قال
من السلف: نعم إنما قاله: توكيداً واحتياطاً لا اشتراطاً.
قوله: (معاوية بن عمار الدهني) هو بضم الدال المهملة وإسكان الهاء وبالنون منسوب إلى
دهن. وهم بطن من بجيلة. وهذا الذي ذكرناه من كونه بإسكان الهاء هو المشهور. ويقال:
بفتحها، وممن حكى الفتح أبو سعيد السمعاني في ((الأنساب)» والحافظ عبد الغني المقدسي.

٥١١
كتاب: الحج
أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُسَاوِرِ الْوَرَّاقِ. قَالَ: حَدَّثَنِي (وَفِي رِوَايَةِ الْحُلْوَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ
عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ) عَنْ أَبِهِ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وََّ، عَلَى الْمِنْبَرِ. وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ
سَوْدَاءُ. قَدْ أَزْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ. وَلَمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ: عَلَى الْمِنْبَرِ.
(٨٥) - باب: فضل المدينة، ودعاء النبيّ وَّ فيها بالبركة
وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها وبيان حدود حرمها
٣٣٠٠ - (٤٥٤) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ
الدَّرَاوَزْدِيَّ) عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ عَبَّدِ بْنِ تَمِيم، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ
عَاصِم؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلِّ قَالَ: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةً وَدَّعًا لأَهْلِهَا. وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ
كَمَا خَّرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ. وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لأَهْلِ مَكَّةَ» .
٣٣٠١ - (٤٥٥) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي ابْنَ
الْمُخْتَارِ). ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةٌ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ. حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ
قوله: (وعليه عمامة سوداء) فيه جواز لباس الثياب السود. وفي الرواية الأخرى: (خطب
الناس وعليه عمامة سوداء) فيه جواز لباس الأسود في الخطبة وإن كان الأبيض أفضل منه، كما
ثبت في الحديث الصحيح: (خير ثيابكم البياض) وأما لباس الخطباء السواد في حال الخطبة
فجائز، ولكن الأفضل البياض كما ذكرنا. وإنما لبس العمامة السوداء في هذا الحديث بياناً
للجواز. والله أعلم.
قوله: (كأني أنظر إلى رسول الله وَ لقر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه) هكذا
هو في جميع نسخ بلادنا وغيرها طرفيها بالتثنية، وكذا هو في ((الجمع بين الصحيحين)) للحميدي،
وذكر القاضي عياض: أن الصواب المعروف طرفها بالإفراد، وأن بعضهم رواه طرفيها بالتثنية.
والله أعلم. وسيأتي بسط حكم إرخاء العمامة في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى.
٨٥ - باب: فضل المدينة ودعاء النبي ◌َّ فيها بالبركة
وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها وبيان حدود حرمها
٣٣٠٠ - قوله ◌َير: (إن إبراهيم حرم مكة) هذا دليل لمن يقول: إن تحريم مكة إنما كان في
زمن إبراهيم ◌َّلة، والصحيح: أنه كان يوم خلق الله السموات والأرض. وقد سبقت المسألة
مستوفاة قريباً، وذكروا في تحريم إبراهيم احتمالين. أحدهما: أنه حرمها بأمر الله تعالى له بذلك لا
باجتهاده. فلهذا أضاف التحريم إليه تارة وإلى الله تعالى تارة. والثاني: أنه دعا لها فحرمها الله
تعالى بدعوته، فأضيف التحريم إليه لذلك.

٥١٢
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِلاَلٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. كُلُّهُمْ عَنْ
عَمْرِو بْنِ يَخْيَى (هُوَ الْمَازِنِيُّ) بِهِذَا الإِسْنَادِ. أَمَّا حَدِيثُ وُهَيْبٍ فَكَرِوَايَةِ الدَّرَاوَزْدِيِّ ((بِمِثْلَيْ مَا
دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ)). وَأَمَّا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، فَفِي رِوَايَتِهِمَا: ((مِثْلَ مَا
دَعَا بِهِ إِنْرَاهِيمُ)).
٣٣٠٢ - (٤٥٦) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا بَكْرٌ (يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ)
عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍوٍ بْنِ عُثْمَانَ. عَنْ رَافِعِ بْنِ
خَدِيجٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي أُحَرْمُ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا)) أَيُرِيدُ
الْمَدِینَّةَ).
٣٣٠٣ - (٤٥٧) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ،
عَنْ عُثْبَةَ بْنِ مُسْلِم، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ أَنَّ مَزْوَانَ بْنَ الْحَكِّم خَطَبَ النَّاسَ. فَذَكَرَ مَكَّةً
وَأَهْلَهَا وَحُزْمَتَهَا. وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَدِينَةَ وَأَهْلَهَا وَحُرْمَتَهَا. فَنَادَاهُ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ. فَقَّالَ: مَالِي
أَسْمَعُكَ ذَكَرْتَ مَكَّةَ وَأَهْلَهَا وَحُزْمَتَهَا، وَلَمْ تَذْكُرِ المَدِينَةَ وَأَهْلَهَا وَحُزْمُتَهَا وَقَدْ حَرَّمَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا. وَذُلِكَ عِنْدَنَا فِي أَدِيمِ خَوْلاَئِيٍّ. إِنْ شِئْتَ أَقْرَأْتُكَهُ. قَالَ:
فَسَكَتَ مَزْوَانُ ثُمَّ قَالَ: قَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ ذُلِكَ.
٣٣٠٤ - (٤٥٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. كِلاَهُمَا عَنْ أَبِي أَحْمَدَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَسْدِيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ،
قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكّةَ. وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا. لاَ يُقْطَّعُ
عِضَاهُهَا وَلاَ يُصَادُ صَيْدُهَا)).
٣٣٠٥ _ (٤٥٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا
ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ. حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِهِ. قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنِّي أُحَرَّمُ مَا بَيْنَ لاَبَتَي الْمَّدِينَةِ. أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا. أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا)).
وَقَالَ: ((الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُوَنَ. لاَ يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلاَّ أَبْدَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْ
قوله ومثل: (وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة) وذكر مسلم الأحاديث التي بعده
بمعناه. هذه الأحاديث حجة ظاهرة للشافعي، ومالك وموافقيهما في تحريم صيد المدينة
وشجرها. وأباح أبو حنيفة ذلك. واحتج له بحديث: يا أبا عمير ما فعل النغير)) وأجاب أصحابنا
بجوابين: أحدهما أنه يحتمل أن حديث النغير كان قبل تحريم المدينة. والثاني يحتمل أنه صاده
من الحل لا من حرم المدينة. وهذا الجواب لا يلزمها على أصولهم، لأن مذهب الحنفية أن صيد

٥١٣
كتاب: الحج
هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ. وَلاَ يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لِأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلاَّ كُنْتُ لَهُ شَفِيعاً، أَوْ شَهِيداً، يَوْمَ
الْقِيَامَةِ» .
٣٣٠٦ - (٤٦٠) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ
حَكِيمِ الأَنْصَارِيُّ. أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنٍ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَل
قَالَ. ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنٍ نُمَيْرٍ. وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: ((وَلاَ يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ إِلاَّ
أَذَابَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ، أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ)).
الحل إذا أدخله الحلال إلى الحرم ثبت له حكم الحرم، ولكن أصلهم هذا ضعيف فيرد عليهم
بدليله. والمشهور من مذهب مالك والشافعي والجمهور: أنه لا ضمان في صيد المدينة وشجرها
بل هو حرام بلا ضمان. وقال ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى: يجب فيه الجزاء كحرم مكة. وبه قال
بعض المالكية، وللشافعي قول قديم: أنه يسلب القاتل. لحديث سعد بن أبي وقاص الذي ذكره
مسلم بعد هذا. قال القاضي عياض: لم يقل بهذا القول أحد بعد الصحابة، إلا الشافعي في قوله:
القديم. والله أعلم.
قوله وَ *: (إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها) يريد المدينة، قال أهل اللغة:
وغريب الحديث: اللابتان، الحرتان. واحدتهما لابة. وهي: الأرض الملبسة حجارة سوداء.
وللمدينة لابتان شرقية وغربية. وهي بينهما. ويقال لابة ولوبة ونوبة بالنون ثلاث لغات مشهورات،
وجمع اللابة في القلة لابات، وفي الكثرة لاب ولوب.
وقوله ◌َله: (وإني أحرم ما بين لابتيها) معناه: اللابتان وما بينهما. والمراد تحريم المدينة
ولا بتيها .
قوله ويتر: (لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها) صريح في الدلالة لمذهب الجمهور في
تحريم صيد المدينة وشجرها. وسبق خلاف أبي حنيفة، والعضاه بالقصر، وكسر العين، وتخفيف
الضاد المعجمة. كل شجر فيه شوك واحدتها عضاهة. وعضيهة والله أعلم.
قوله وَله: (ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة) قال
أهل اللغة: اللاواء بالمد الشدة والجوع. وأما الجهد فهو: المشقة. وهو بفتح الجيم وفي لغة قليلة
بضمها. وأما الجهد بمعنى: الطاقة فبضمها على المشهور. وحكي فتحها.
وأما قوله وَ له: (إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً) فقال القاضي عياض رحمه الله: سألت قديماً
عن معنى هذا الحديث. ولم خص ساكن المدينة بالشفاعة هنا مع عموم شفاعته، وادخاره إياها
لأمته. قال: وأجبت عنه بجواب شاف مقنع في أوراق اعترف بصوابه كل واقف عليه، قال:
وأذكر منه هنا لمعاً تليق بهذا الموضع. قال بعض شيوخنا: أو هنا للشك، والأظهر عندنا أنها
ليست للشك، لأن هذا الحديث رواه جابر بن عبد الله وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبو سعيد

٥١٤
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٣٠٧ - (٤٦١) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. جَمِيعاً عَنِ الْعَقَدِيِّ.
قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ .
عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّ سَعْداً رَكِبَ إِلَّى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ. فَوَجَدَ عَبْدَاً يَقْطَعُ شَجَراً أَوْ يَخْبِطُهُ.
فَسَلَبَهُ. فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ. جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ فَكَّلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلاَمِهِمْ، أَوْ عَلَيْهِمْ، مَا أَخَذَ
مِنْ غُلاَمِهِمْ. فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ، أَنْ أَرُدَّ شَيْئاً نَقْلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ وَّرَ. وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ.
وأبو هريرة وأسماء بنت عميس وصفية بنت أبي عبيد، عن النبي وَّ بهذا اللفظ. ويبعد اتفاق
جميعهم أو رواتهم على الشك وتطابقهم فيه على صيغة واحدة، بل الأظهر أنه قاله وَله: هكذا.
فإما أن يكون أعلم بهذه الحملة هكذا، وإما أن يكون أو للتقسيم. ويكون شهيداً لبعض أهل
المدينة، وشفيعاً لبقيتهم، إما شفيعاً للعاصين وشهيداً للمطيعين. وإما شهيداً لمن مات في حياته.
وشفيعاً لمن مات بعده أو غير ذلك. قال القاضي: وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين،
أو للعالمين في القيمة وعلى شهادته على جميع الأمة. وقد قال ◌َلهر في شهداء أحد: (أنا شهيد
على هؤلاء) فيكون لتخصيصهم بهذا كله مزيد، أو زيادة منزلة وحظوة. قال: وقد يكون أو
بمعنى: الواو. فيكون لأهل المدينة شفيعاً وشهيداً، قال: وقد روي: (إلا كنت له شهيداً أو له
شفيعاً) قال: وإذا جعلنا أو للشك كما قاله المشايخ: فإن كانت اللفظة الصحيحة شهيداً اندفع
الاعتراض لأنها زائدة على الشفاعة المدخرة المجردة لغيرهم، وإن كانت اللفظة الصحيحة شفيعاً
فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها، وادخارها لجميع الأمة. أن هذه شفاعة أخرى
غير العامة التي هي لإخراج أمته من النار، ومعافاة بعضهم منها بشفاعته وَّر في القيامة. وتكون
هذه الشفاعة لأهل المدينة بزيادة الدرجات، أو تخفيف الحساب، أو بما شاء الله من ذلك، أو
بإكرامهم يوم القيامة بأنواع من الكرامة، كإيوائهم إلى ظل العرش، أو كونهم في روح وعلى منابر،
أو الإسراع بهم إلى الجنة، أو غير ذلك من خصوص الكرامات الواردة لبعضهم دون بعض. والله
أعلم.
قوله ◌ّ﴾: (لا يدعها أحد رغبة عنها، إلا أبدل الله فيها من هو خير منه) قال القاضي:
اختلفوا في هذا فقيل: هو مختص بمدة حياته وَّر، وقال آخرون: هو عام أبداً وهذا أصح.
قوله *: (ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء، إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص، أو ذوب
الملح في الماء) قال القاضي: هذه الزيادة وهي قوله: في النار تدفع اشكال الأحاديث التي لم
تذكر فيها هذه الزيادة وتبين أن هذا حكمه في الآخرة. قال: وقد يكون المراد به من أرادها في
حياة النبي ◌ُّ كفى المسلمون أمره، واضمحل كيده، كما يضمحل الرصاص في النار. قال: وقد
يكون في اللفظ تأخير وتقديم. أي: أذابه الله ذوب الرصاص في النار. ويكون ذلك لمن أرادها
في الدنيا، فلا يمهله الله ولا يمكن له سلطاناً. بل يذهبه عن قرب كما انقضى شأن من حاربها أيام
بني أمية، مثل مسلم بن عقبة فإنه هلك في منصرفه عنها، ثم هلك يزيد بن معاوية مرسله على أثر

٥١٥
كتاب: الحج
٣٣٠٨ - (٤٦٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ. جَمِيعاً عَنْ
إِسْمَاعِيلَ. قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَّبِيَّ عَمْرٍو، مَوْلَى
الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ لِأَبِي
طَلْحَةَ: (الْتَمِسْ لِي غُلاَمَاً مِنْ غَلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي)) فَخَرَجَ بِيِ أَبُو طَلْحَةً يُزْدِقُنِي وَرَاءَهُ. فَكُنْتُ
أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ وََّ كَلَّمَا نَزَلَ. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ:
((هُذَا جَبَلٌ يُحِبْنَا وَنُحِبُّهُ)) فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: ((اللَّهُمَّ! إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ
مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكّةَ. اللَّهُمَّ! بَارِكُ لَهُمْ فِي مُدِهِمْ وَصَاعِهِمْ)) .
ذلك، وغيرهما ممن صنع صنيعهما. قال: وقيل قد يكون المراد من كادها اغتيالاً وطلباً لغرتها في
غفلة، فلا يتم له أمره بخلاف من أتى ذلك جهاراً، كأمراء استباحوها.
قوله: (أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبداً يقطع شجراً، أو يخبطه فسلبه. فلما
رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه على أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذه من غلامهم. فقال:
معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسول الله صل * وأبى أن يرد عليهم) هذا الحديث صريح في الدلالة
لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجماهير في تحريم صيد المدينة، وشجرها كما سبق. وخالف
فيه أبو حنيفة كما قدمناه عنه. وقد ذكر هنا مسلم في (صحيحه) تحريمها مرفوعاً عن النبي وَلّ من
رواية علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وأبي سعيد وأبي
هريرة وعبد الله بن زيد ورافع بن خديج وسهل بن حنيف. وذكر غيره من رواية غيرهم أيضاً، فلا
يلتفت إلى من خالف هذه الأحاديث الصحيحة المستفيضة. وفي هذا الحديث دلالة لقول الشافعي
القديم: أن من صاد في حرم المدينة أو قطع من شجرها أخذ سلبه. وبهذا قال سعد بن أبي
وقاص وجماعة من الصحابة. قال القاضي عياض: ولم يقل به أحد بعد الصحابة إلا الشافعي في
قوله: القديم. وخالفه أئمة الأمصار. قلت: ولا تضر مخالفتهم إذا كانت السنة معه، وهذا القول
القديم هو المختار لثبوت الحديث فيه وعمل الصحابة على وفقه، ولم يثبت له دافع. قال
أصحابنا: فإذا قلنا بالقديم ففي كيفية الضمان وجهان: أحدهما يضمن الصيد والشجر والكلأ
كضمان حرم مكة وأصحهما، وبه قطع جمهور المفرعين على هذا القديم أنه يسلب الصائد وقاطع
الشجر والكلأ، وعلى هذا فالمراد بالسلب وجهان: أحدهما أنه ثيابه فقط وأصحهما، وبه قطع
الجمهور أنه كسلب القتيل من الكفار فيدخل فيه فرسه وسلاحه ونفقته وغير ذلك. مما يدخل في
سلب القتيل. وفي مصرف السلب ثلاثة أوجه لأصحابنا. أصحها: أنه للسالب وهو الموافق
لحديث سعد. والثاني: أنه لمساكين المدينة. والثالث: لبيت المال. وإذا سلب أخذ جميع ما
عليه، إلا ساتر العورة. وقيل: يؤخذ ساتر العورة أيضاً. قال أصحابنا: ويسلب بمجرد الاصطياد
سواء أتلف الصيد أم لا والله أعلم.

٥١٦
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٣٠٩ - (٠٠٠) وحدّثناه سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ
(وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكِ. عَنِ
النَّبِّ وَّةِ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا)) .
٣٣١٠ - (٤٦٣) وحدّثناه حَامِدُ بْنُ عُمَرَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ. حَدَّثَنَا عَاصِمٌ. قَالَ:
قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكِ: أَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وَسِ الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا. فَمَنْ
أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثاً. قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِي: هُذِهِ شَدِيدَةٌ: ((مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثَاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ
وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفاً وَلاَ عَذْلاً)). قَالَ: فَقَالَ ابْنُ
أَنَسٍ : أَوْ آوَىْ مُخْدِثاً.
٣٣١١ - (٤٦٤) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ
الأَحْوَلُ. قَالَ: سَأَلْتُ أَنَساً: أَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وَسِوَ الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. هِيَ حَرَامٌ.
قوله: (حتى إذا بدا له أحد قال هذا جبل يحبنا ونحبه) الصحيح المختار أن معناه: أن أحداً
يحبنا حقيقة، جعل الله تعالى فيه تمييزاً يحب به كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ
خَشِيَةِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٧٤] وكما حن الجذع اليابس، وكما سبح الحصى، وكما فر الحجر بثوب
موسى ◌َّ، وكما قال نبينا وَّر: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي) وكما دعا الشجرتين
المفترقتين فاجتمعتا، وكما رجف حراء فقال: اسكن حراء فليس عليك إلا نبي وصديق الحديث.
وكما كلمه ذراع الشاة، وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِحْدِهِ، وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ
تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] والصحيح في معنى هذه الآية أن كل شيء يسبح حقيقة بحسب حاله ولكن
لا نفقهه. وهذا وما أشبهه شواهد لما اخترناه، واختاره المحققون في معنى الحديث. وأن أحداً
يحبنا حقيقة. وقيل: المراد يحبنا أهله فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. والله أعلم.
١٣٦٦ - قوله: (من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس
أجمعين) قال القاضي: معناه من أتى فيها إثماً، أو آوى من أتاه وضمه إليه وحماه. قال: ويقال
أوى وآوى بالقصر والمد في الفعل اللازم والمتعدي جميعاً، لكن القصر في اللازم أشهر وأفصح،
والمد في المتعدي أشهر وأفصح. قلت: وبالأفصح جاء القرآن العزيز في الموضعين. قال الله
تعالى: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] وقال في المتعدي: ﴿وآويناهما إلى ربوة﴾ قال
القاضي: ولم يرو هذا الحرف إلا محدثاً بكسر الدال، ثم قال: وقال الإمام المازري: روي
بوجهين كسر الدال وفتحها، قال: فمن فتح أراد الأحداث نفسه، ومن كسر أراد فاعل الحدث.
وقوله: (عليه لعنة الله إلى آخره) هذا وعيد شديد لمن ارتكب هذا، قال القاضي: واستدلوا
بهذا على أن ذلك من الكبائر لأن اللعنة لا تكون إلا في كبيرة ومعناه: أن الله تعالى يلعنه وكذا
يلعنه الملائكة والناس أجمعون، وهذا مبالغة في إبعاده عن رحمة الله تعالى، فإن اللعن في اللغة

٥١٧
کتاب: الحج
لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا. فَمَنْ فَعَلَ ذُلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
٣٣١٢ - (٤٦٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِىءَ عَلَيْهِ، عَنْ
إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُوَّلَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ!
بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ. وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ. وَبَارِكُ لَهُمْ فِي مُدِهِمْ)).
٣٣١٣ - (٤٦٦) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ السَّامِيُّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ يُحَدِّثُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،. عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ تَرَ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ).
هو الطرد والإبعاد. قالوا: والمراد باللعن هنا: العذاب الذي يستحقه على ذنبه، والطرد عن الجنة
أول الأمر، وليست هي كلعنة الكفار الذين يبعدون من رحمة الله تعالى كل الإبعاد. والله أعلم.
قوله: (لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً) قال القاضي: قال المازري اختلفوا في
تفسيرهما فقيل الصرف: الفريضة، والعدل: النافلة. وقال الحسن البصري: الصرف: النافلة.
والعدل: الفريضة. عكس قول الجمهور. وقال الأصمعي: الصرف التوبة والعدل الفدية. وروي
ذلك عن النبي وَّر. وقال يونس: الصرف: الاكتساب والعدل: الفدية. وقال أبو عبيد: العدل
الحيلة، وقيل العدل المثل، وقيل الصرف الفدية والعدل الزيادة. قال القاضي: وقيل المعنى لا
تقبل فريضته، ولا نافلته قبول رضا، وإن قبلت قبول جزاء، وقيل يكون القبول هنا بمعنى تكفير
الذنب بهما، قال: وقد يكون معنى الفدية هنا أنه لا يجد في القيمة فداء يفتدى به بخلاف غيره من
المذنبين الذين يتفضل الله عز وجل على من يشاء منهم بأن يفديه من النار بيهودي أو نصراني. كما
ثبت في ((الصحيح)). قوله في آخر هذا الحديث: (فقال ابن أنس أو آوى محدثاً) كذا وقع في أكثر
النسخ فقال ابن أنس ووقع في بعضها فقال أنس: بحذف لفظة ابن، قال القاضي: ووقع عند عامة
شيوخنا فقال ابن أنس: بإثبات ابن، قال: وهو الصحيح، وكان ابن أنس ذكر أباه هذه الزيادة، لأن
سياق هذا الحديث من أوله إلى آخره من كلام أنس، فلا وجه لاستدراك أنس بنفسه، مع أن هذه
اللفظة قد وقعت في أول الحديث، في سياق كلام أنس في أكثر الروايات، قال: وسقطت عند
السمرقندي، قال: وسقوطها هناك يشبه أن يكون هو الصحيح. ولهذا استدركت في آخر الحديث،
هذا آخر كلام القاضي.
قوله : (اللهم بارك لهم في مكيالهم وبارك لهم في صاعهم وبارك لهم في مدهم) قال
القاضي: البركة هنا بمعنى النمو والزيادة، وتكون بمعنى الثبات واللزوم. قال فقيل: يحتمل أن
تكون هذه البركة دينية، وهي ما تتعلق بهذه المقادير، من حقوق الله تعالى في الزكاة والكفارات،
فتكون بمعنى الثبات والبقاء لها كبقاء الحكم بها. ببقاء الشريعة وثباتها. ويحتمل أن تكون دنيوية
من تكثير الكيل والقدر بهذه الأكيال، حتى يكفي منه ما لا يكفي من غيره في غير المدينة. أو

٥١٨
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٣١٤ - (٤٦٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ. جَمِيعاً
عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ،
عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئاً نَقْرَأُهُ إِلاَّ كِتَابَ اللَّهِ
وَلهَذِهِ الصَّحِيفَةَ (قَالَ: وَصَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِيَ قِرَابٍ سَيْفِهِ) فَقَدْ كَذَبَ. فِيهَا أَسْنَانُ الإِبِلِ. وَأَشْيَاءُ
مِنَ الْجِرَاحَاتِ. وَفِيهَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْمَدِينَةُ حَرَمُ مَا بَيْنَ عَيْرِ إِلَى
ثَوْرٍ. فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثَاً. أَوْ آوَى مُخْدِثاً. فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. لاَ
يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفاً وَلاَ عَدْلاً. وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ. يَسْعَى بِهَا أَذْنَاهُمْ. وَمَنٍ
ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوَ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ. فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفاً وَلاَ عَذْلاً)).
وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ وَزُهَيْرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: ((يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ)) وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدهُ.
وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: مُعَلَّقَةٌ فِي قِرَابٍ سَيْفِهِ .
ترجع البركة إلى التصرف بها في التجارة وأرباحها، وإلى كثرة ما يكال بها من غلاتها وثمارها. أو
تكون الزيادة فيما يكال بها لاتساع عيشهم وكثرته بعد ضيقه لما فتح الله عليهم، ووسع من فضله
لهم، وملكهم من بلاد الخصب والريف بالشام والعراق ومصر وغيرها. حتى كثر الحمل إلى
المدينة، واتسع عيشهم حتى صارت هذه البركة في الكيل نفسه، فزاد مدهم وصار هاشمياً مثل مد
النبي وَّه مرتين أو مرة ونصفاً، وفي هذا كله ظهور إجابة دعوته وهل﴿ وقبولها. هذا آخر كلام
القاضي. والظاهر من هذا كله أن البركة في نفس المكيل في المدينة بحيث يكفي المد فيها لمن لا
يكفيه في غيرها. والله أعلم.
قوله: (إبراهيم بن محمد السامي) هو بالسين المهملة.
قوله: (خطبنا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فقال: من زعم أن عندنا شيئاً نقرأه إلا
كتاب الله وهذه الصحيفة فقد كذب) هذا تصريح من علي رضي الله تعالى عنه. بإبطال ما تزعمه
الرافضة والشيعة ويخترعونه، من قولهم أن علياً رضي الله تعالى عنه أوصى إليه النبي وَطير بأمور
كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين وكنوز الشريعة، وأنه وَل خص أهل البيت بما لم يطلع عليه
غيرهم، وهذه دعاوى باطلة، واختراعات فاسدة لا أصل لها، ويكفي في إبطالها قول علي رضي
الله عنه هذا. وفيه دليل على جواز كتابة العلم وقد سبق بيانه قريباً.
قوله وَل: (المدينة حرم ما بين عير إلى ثور) أما عير فبفتح العين المهملة وإسكان المثناة
تحت. وهو: جبل معروف، قال القاضي عياض: قال مصعب بن الزبير وغيره ليس بالمدينة عير
ولا ثور. قالوا: وإنما ثور بمكة، قال: وقال الزبير عير جبل بناحية المدينة، قال القاضي: أكثر
الرواة في كتاب البخاري ذكروا عيراً، وأما ثور فمنهم من كنى عنه بكذا ومنهم من ترك مكانه بياضاً

٥١٩
كتاب: الحج
٣٣١٥ - (٤٦٨) وحدّثني عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ. أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح
وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ. حَدَّثَنَا وَكِيعْ. جَمِيعاً عَنِ الأَعْمَشِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ
أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةً إِلَى آخِرِهِ. وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: ((فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِماً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ
وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ)) وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهمًا
(مَنِ الدَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِهِ)) وَلَيْسَ فِي رِوَايَةٍ وَكِيعٍ، ذِكْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
٣٣١٦ - (٠٠٠) وحدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ
الْمُقَدَّمِيُّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ. بِهِذَا الإِسْنَادِ،
لأنهم اعتقدوا ذكر ثور هنا خطأ. قال المازري: قال بعض العلماء: ثور هنا وهم من الراوي وإنما
ثور بمكة. قال: والصحيح إلى أحد. قال القاضي: وكذا قال أبو عبيد أصل الحديث من عير إلى
أحد هذا ما حكاه القاضي، وكذا قال أبو بكر الحازمي الحافظ وغيره من الأئمة: أن أصله من عير
إلى أحد. قلت: ويحتمل أن ثوراً كان اسماً لجبل هناك إما أحد وإما غيره فخفي اسمه والله أعلم.
واعلم أنه جاء في هذه الرواية ما بين عير إلى ثور أو إلى أحد. على ما سبق. وفي رواية أنس
السابقة: اللهم إني أحرم ما بين جبليها. وفي الروايات السابقة: ما بين لابتيها. والمراد باللابتين
الحرتان كما سبق، وهذه الأحاديث كلها متفقة، فما بين لابتيها بيان لحد حرمها من جهتي المشرق
والمغرب، وما بين جبليها بيان لحده من جهة الجنوب والشمال والله أعلم.
قوله مثل : (وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم) المراد بالذمة هنا: الأمان معناه أن أمان
المسلمين للكافر صحيح، فإذا أمنه به أحد المسلمين حرم على غيره التعرض له ما دام في أمان
المسلم وللأمان شروط معروفة.
وقوله وَل﴾: (يسعى بها أدناهم) فيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أن أمان المرأة والعبد
صحيح لأنهما أدنى من الذكور الأحرار.
قوله وَيلى: (ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس
أجمعين) هذا صريح في غلظ تحريم انتماء الإنسان إلى غير أبيه، أو انتماء العتيق إلى ولاء غير
مواليه، لما فيه من كفر النعمة وتضييع حقوق الإرث والولاء والعقل وغير ذلك مع ما فيه من
قطيعة الرحم والعقوق.
قوله : (فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله) معناه من نقض أمان مسلم فتعرض لكافر أمنه
مسلم، قال أهل اللغة: يقال أخفرت الرجل إذا نقضت عهده وخفرته إذا أمنته.
١٣٧٢ - قوله: (لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها) معنى ترتع: ترعى. وقيل: معناه
تسعى وتبسط ومعنى ذعرتها أفزعتها. وقيل نفرتها.

٥٢٠
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ وَوَكِيعِ. إِلَّ قَوْلَهُ: ((مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ)) وَذِكْرَ اللَّعْنَةِ لَهُ.
٣٣١٧ - (٤٦٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ
زَائِدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِهِ. قَالَ: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ.
فَمَنْ أَحدَثَ فِيهَا حَدَثاً أَوْ آوَى مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذْلٌ وَلاَ صَرْفٌ)).
٣٣١٨ - (٤٧٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّصْرِ. حَدَّثَنِي أَبُو النَّصْرِ.
حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ الأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَلَمْ يَقُلْ:
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). وَزَادَ: ((وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ. يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ. فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِماً فَعَلَيْهِ
لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذْلٌ وَلاَ صَرْفٌ)).
٣٣١٩ - (٤٧١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْ رَأَيْتُ الظُّبَاءَ تَرْتَعُ بِالْمَدِيئَةِ مَا
ذَعَرْتُهَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: (مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا حَرَامٌ)) .
٣٣٢٠ - (٤٧٢) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالَ
إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرْ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ. قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيَ الْمَدِينَةِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلَوْ وَجَدْتُ الظُّبَاءَ
مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا مَا ذَعَرْتُهَا. وَجَعَلَ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلاً، حَوْلَ الْمَدِينَةِ، حِمَّى.
٣٣٢١ - (٤٧٣) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ (فِيمَا قُرِىءَ عَلَيْهِ) عَنْ
سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ
جَاؤُوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ بَّ فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ بَيِّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا. وَبَارِكْ لَنَا
فِي مَدِينَتِنَا. وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا. وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَليلُكَ
قوله: (كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاؤوا به إلى رسول الله وَ ل فإذا أخذه رسول الله وَله
قال: اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا) إلى آخره. قال العلماء: كانوا يفعلون ذلك رغبة
في دعاءه ◌َّر للثمر وللمدينة والصاع والمد وإعلاماً له وَلقول بابتداء صلاحها لما يتعلق بها من الزكاة
وغيرها وتوجيه الخارصين.
قوله: (ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان) فيه بيان ما كان عليه وَّر من مكارم الأخلاق
وكمال الشفقة والرحمة وملاطفة الكبار والصغار، وخص بهذا الصغير لكونه أرغب فيه وأكثر تطلعاً
إليه وحرصاً عليه.