Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
كتاب: صلاة العيدين
قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَحَقًّا عَلَى الإِمَامِ الآنَ أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ حِينَ يَفْرُغُ فَيُذَكِّرَهُنَّ؟ قَالَ: إِي.
لَعَمْرِي! إِنَّ ذُلِكَ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ. وَمَا لَّهُمْ لاَ يَفْعَلُونَ ذُلِكَ؟ .
٢٠٤٥ - (٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عَبْدُ
الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ
رَسُولِ اللّهِ ﴿ِ الصَّلاَةَ يَوْمَ الْعِيدِ. فَبَدَأَ بِالصَّلاَةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ. ثُمَّ قَامَ
مُتَوَكِّئاً عَلَى بِلاَلٍ. فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ. وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ. وَوَعَظَ النَّاسَ. وَذَّرَهُمْ. ثُمَّ
مَضَى. حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ. فَوَعَظَهُنَّ وَذَّكَّرَهُنَّ. فَقَالَ: ((تَصَدَّقْنَ. فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ))
فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ. فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((لأَنَّكُنَّ
قوله: (إن ذلك لحق) إلخ: ظاهره أن عطاء كان يرى وجوب ذلك، ولهذا قال عياض: لم
يقل بذلك غيره. وأما النووي فحمله على الاستحباب، وقال: لا مانع من القول به إذا لم يترتب
على ذلك مفسدة.
قوله: (بغير أذان ولا إقامة) إلخ: قال النووي: ((هذا دليل على أنه لا أذان ولا إقامة
للعيد، وهو إجماع العلماء اليوم، وهو المعروف من فعل النبي وَلّر الراشدين، ونقل عن بعض
السلف فيه شيء خلاف، إجماع من قبله وبعده، ويستحب أن يقال فيها: ((الصلاة جامعة)) بنصب
الأول على الإغراء، واللثاني على الحال)) اهـ. لما روى روى الشافعي عن الثقة عن الزهري،
قال: ((كان ◌َّه يأمر المؤذن في العيدين فيقول: الصلاة جامعة))، وهذا مرسل فيه مبهم، وغاية ما
قالوا يعضده القياس على صلاة الكسوف، لثبوت ذلك فيها، ولكن ينفيه ظاهر ما يأتي فيما بعد:
((ولا إقامة ولا نداء ولا شيء)) والله أعلم.
قوله: (فإن أكثركن حطب جهنم) إلخ: مبالغة في تعظيم العقاب، وهو من باب الإغلاظ
في النصح لمن یعلم أن لا يؤثر فيه دون ذلك.
قوله: (من سطة النساء) إلخ: بكسر السين وفتح الطاء خفيفة، وهي صحيحة، وليس المراد
بها من خيار النساء، كما فسره من زعم أنه تصحيف، وأن صوابه: ((من سفلة النساء))، كما في
رواية النسائي، بل المراد: ((جالسة في وسطهن)). قال الجوهري وغيره: يقال: وسطت القوم
أسطهم سطة: أي توسطتهم.
وقال بعضهم: الأظهر أن المراد توسطها في القامة، ليست بطويلة ولا قصيرة، فرواية
مسلم ناظرة إلى إقامتها، ورواية النسائي إلى منزلتها. كذا في شرح المواهب.
قوله: (سفعاء الخدين) إلخ: بفتح السين المهملة، وسكون الفاء، وعين مهملة ممدودة،
أي في خديها سواد، وهذا بيان لصورتها .

٣٨٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ. وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ)) قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ. يُلْقِينَ فِي ثَوْبٍ بِلاَلٍ مِنْ
أَقْرِطَتِهِنَّ وَخَوَاتِمِهِنَّ.
٢٠٤٦ - (٥) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج.
أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ(١). قَالاَ: لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ
قوله: (تكثرن الشكاة) إلخ: من الإكثار. قال النووي: ((الشكاة - هو بفتح الشين - أي
الشكوى. (نووي).
وقال الزرقاني في شرح المواهب: ((بكسر الشين المعجمة والقصر، أي التشكي من
الأزواج، أي تكتمن الإحسان تظهرن الشكاية كثيراً)).
قوله: (وتكفرن العشير) إلخ: أي الزوج، وهذا كالبيان لقوله: ((تكثرن الشكاة)) لأن كثرة
التشكي من الأزواج مع وجود الإحسان منهم: كفر بهم، وستر لحقهم، ففيه ذم من يجحد
إحسان ذي الإحسان، وهذه المرأة هي أسماء بنت يزيد بن السكن التي تعرف بخطيبة النساء،
فقد روى الطبراني والبيهقي وغيرهما عنها: ((أنه وَّ ر خرج إلى النساء وأنا معهن، فقال: يا معشر
النساء إنكم أكثر حطب جهنم، فناديت رسول الله وَل ـ وكنت عليه جزئية - لم ير رسول الله؟
قال: لأنكن تكثر اللعن وتكفرن العشير)).
قوله: (فجعلن يتصدقن من حليهن) إلخ: بضم الحاء، وكسر اللام، وشد التحتية، جمع
((خَلْى)) بفتح الحاء وسكون اللام، أي من الأشياء التي معهن من الحلي، كقرط، وخاتم،
فالحلى هو المتصدق به، لا رأس المال، فلا حجة فيه لمن قال بوجوب زكاة الحلى.
قوله: (من أقرطتهن) إلخ: بيان لقوله: ((من حليهن)) قاله الزرقاني.
قال النووي: ((الأقرطة: جمع قرط، قال ابن دريد: كل ما علق من شحمة الأذن فهو
قرط. قال القاضي: قيل: الصواب قرطتهن - بحذف الألف - وهو المعروف في جمع قرط،
(١) قوله: (عن ابن عباس وعن جابر بن عبد الله الأنصاري) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب
العيدين، باب المشي والركوب إلى العيد بغير أذان ولا إقامة، رقم (٩٦٠) والنسائي عن جابر وحده في
سننه، في كتاب صلاة العيدين، باب ترك الأذان للعيدين، رقم (١٥٦٣) وأبو داود عن ابن عباس وحده في
سننه، في كتاب الصلاة، باب ترك الأذان في العيد، رقم (١١٤٧) وابن ماجه في سننه، عن ابن عباس
وحده، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة العيدين، رقم (١٣٧٤) والدارمي في
سننه، عن جابر وحده، في كتاب الصلاة، باب صلاة العيدين بلا أذان ولا إقامة، والصلاة قبل الخطبة،
رقم (١٦١٠). وأحمد في مسنده (١: ٢٢٧ و٢٣٢ و٢٤٢ و٢٨٥ و٢٤٦ و٣٥٤) و(٣: ٣١٠ و٣١٤ و٣١٨
و٣٨١ و٣٨٢).

٣٨٣
كتاب: صلاة العيدين
يَوْمَ الْفِظْرِ وَلاَ يَوْمَ الأَضْحَى. ثُمَّ سَأَلْتُهُ بَعْدَ حِينٍ عَنْ ذُلِكَ؟ فَأَخْبَرَنِي. قَالَ: أَخْبَرَنِي
جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ؛ أَنْ لاَ أَذَانَ لِلصَّلاَةِ يَوْمَ الْفِظْرِ. حِينَ يَخْرُجُ الإِمَامُ وَلاَ بَعْدَ
مَا يَخْرُجُ. وَلاَ إِقَامَةَ. وَلاَ نِدَاءَ. وَلاَ شَيْءَ. لَاَ نِدَاءَ يَوْمَئِذٍ وَلاَ إِقَامَةً.
٢٠٤٧ - (٦) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ.
أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ (١) أَرْسَلَ إِلَى ابَّنِ الزُّبَيْرِ أَوَّلَ مَا بُويِعَ لَهُ؛ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ
لِلصَّلاَةِ يَوْمَ الْفِظْرِ. فَلاَ تُؤَذِّنْ لَهَا. قَالَ: فَلَمْ يُؤَذِّنْ لَّهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمَهُ. وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَعَ
ذُلِكَ: إِنَّمَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلاَةِ. وَإِنَّ ذُلِكَ قَدْ كَانَ يُفْعَلُ. قَالَ: فَصَلَّى ابْنُ الزُّبَيْرِ قَبْلَ
الْخُطْبَةِ.
كخُرْج وخُرْجَة، ويقال في جمعه: قراط، كرمح ورماح. قال القاضي: لا يبعد صحة ((أقرطة))
ويكون جمع جمع، أي جمع ((قراط)) لا سيما وقد صح في الحديث)).
قوله: (ثم سألته بعد حين) إلخ: قائله ابن جريج، يعني سأل ابن جريج عطاء بعد مدة
عنه .
قوله: (للصلاة يوم الفطر) إلخ: وترك يوم الأضحى للاكتفاء.
قوله: (ولا إقامة ولا نداء) إلخ: تأکید.
قوله: (ولا نداء يومئذٍ ولا إقامة) إلخ: قال الطيبي كثّفُ: ((تأكيد على تأكيد إن كان من
كلام جابر، وإن كان من كلام عطاء ذكره تقريعاً لابن جريج، يعني حدثت لك أنه لم يكن يؤذن،
ثم سألتني عن ذلك بعد حین) اهـ.
قوله: (إنه لم يكن يؤذن للصلاة) إلخ: بفتح الذال على البناء للمجهول، والضمير ضمير
الشأن. قال مالك في الموطأ: ((سمعت غير واحد من علمائنا يقول: لم يكن في الفطر ولا في
الأضحى نداء ولا إقامة منذ زمن رسول الله ولو إلى اليوم، وتلك السنة التي لا اختلاف فيها
عندنا)) .
قوله: (فلم يأذن لها ابن الزبير) إلخ: قال الحافظ: ((واختلف في أول من أحدث الأذان
فيها، فروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن سعيد بن المسيب، أنه معاوية، وروى الشافعي عن
الثقة عن الزهري مثله، وزاد: ((فأخذ به الحجاج حين أمر على المدينة)).
وروى ابن المنذر عن حصين بن عبد الرحمن قال: ((أول من أحدثه زياد بالبصرة)).
(١) قوله: (ابن عباس) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العيدين، باب المشي والركوب إلى
العيد بغير أذان ولا إقامة، رقم (٩٥٩).

٣٨٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٠٤٨ - (٧) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُوَّ الأَحْوَصِ) عَنْ سِمَاكٍ،
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةً(١)؛ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَهِ الْعِيدَيْنِ. غَيْرَ مَرَّةٍ وَلاَ مَرَّتَيْنِ.
بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ .
٢٠٤٩ - (٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَأَبُو أُسَامَةَ،
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (٢)؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، كَانُوا يُصَلُّونَ
الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ.
٢٠٥٠ - (٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
جَعْفَرٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ(٣)؛
وقال الداودي: ((أول من أحدثه مروان، وكل هذا لا ينافي أن معاوية أحدثه - كما تقدم
في البداءة بالخطبة -.
وقال ابن حبيب: أول من أحدثه هشام.
وروى ابن المنذر عن أبي قلابة، قال أول من أحدثه عبد الله بن الزبير، وقد وقع في
حديث الباب أن ابن عباس أخبر أنه لم يكن يؤذن لها، لكن في رواية يحيى القطان: ((أنه ساء ما
بينهما أذن)) يعني ابن الزبير وأقام.
قوله: (غير مرة ولا مرتين) إلخ: قال الطيبي: حال، أي كثيراً .
(١) قوله: (عن جابر بن سمرة) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب ترك الأذان في
العيد، رقم (١١٤٨) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء أن صلاة العيدين بغير أذان ولا
إقامة، رقم (٥٣٢) وأحمد في مسنده (٥: ٩١ و٩٤ و٩٥ و٩٨ و١٠٧).
(٢) قوله: (عن ابن عمر) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العيدين، باب المشي والركوب إلى
العيد بغير أذان ولا إقامة، رقم (٩٥٧) وباب الخطبة بعد العيد، رقم (٩٦٣) والنسائي في سننه، في كتاب
صلاة العيدين، باب صلاة العيدين قبل الخطبة، رقم (١٥٦٥) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب
ما جاء في صلاة العيدين قبل الخطبة، رقم (٥٣١) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة
فيها، باب ما جاء في صلاة العيدين، رقم (١٢٧٦) وأحمد في مسنده (٢: ١٢ و٣٨ و٧١ و٩٢ و١٠٨).
(٣) قوله: (عن أبي سعيد الخدري) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العيدين، باب الخروج إلى
المصلى بغير منبر، رقم (٩٥٦) والنسائي في سننه، في كتاب صلاة العيدين، باب استقبال الإمام الناس
بوجهه في الخطبة، رقم (١٥٧٧) وباب حث الإمام على الصدقة في الخطبة، رقم (١٥٨٠) وأحمد في
مسنده (٣: ٩ و١٠ و٢٠ و٣٦ و٤٩ و٥٢ و٥٤ و٥٦ و٩٢) وانظر أيضاً ما ذكرنا من تخريج حديث رقم
(١٨٦).

٣٨٥
كتاب: صلاة العيدين
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ. فَيَبْدَأُ بِالصَّلاَةِ. فَإِذَا صَلَّى صَلاَتَهُ
وَسَلَّمَ، قَامَ فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، وَهُمْ جُلُوسٌ فِي مُصَلاَّهُمْ. فَإِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِبَعْثٍ، ذَكَرَهُ
لِلنَّاسِ. أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذُلِكَ، أَمَرَهُمْ بِهَا. وَكَانَ يَقُولُ: ((تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا))
وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ. ثُمَّ يَنْصَرِفُ. فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ،
قوله: (يصلون العيدين قبل الخطبة) إلخ: تقدم الكلام عليه في شرح أول أحاديث الباب.
قوله: (كان يخرج يوم الأضحى) إلخ: أي إلى مصلى العيد بالمدينة خارج البلد، وهو
الآن موضع معروف، وبالتبرك موصوف. وفي شرح السنة: ((السنة أن يخرج الإمام لصلاة
العيدين إلا من عذر، فيصلي في المسجد أي مسجد داخل البلد)).
قال ابن الهمام: ((والسنة أن يخرج الإمام إلى الجبانة، ويستخلف من يصلي بالضعفاء في
المصر، بناء على أن صلاة العيد في الموضعين جائزة بالاتفاق)).
قوله: (قام فأقبل على الناس) إلخ: في رواية ابن حبان من طريق داود بن قيس، عن
عياض: ((فينصرف إلى الناس قائماً في مصلاه)) ولابن خزيمة في رواية مختصرة: ((خطب يوم عيد
على رجليه)) .
قال القاري في المرقاة: ((قال الشيخ: فيه أن الخطبة على الأرض عن قيام في المصلى
أولى من القيام على المنبر، والفرق بينه وبين المسجد أن المصلى يكون فيه فضاء، فيتمكن من
رؤيته كل من حضر، بخلاف المسجد فإنه يكون في مكان محصور، فقد لا يراه بعضهم، ووقع
في آخر الحديث ما يدل على أن أول من خطب الناس في المصلى على المنبر مروان، نقله
الأبهري، والأظهر أنه عليه الصلاة والسلام لم يضع المنبر للعيد دون الجمعة، فإنه المحتاج إليه
كل جمعة، بخلاف العيد، فإنه حالة نادرة، ولما كثر المسلمون اختير المنبر، لأنه للتبليغ
وأظهر، فهو بدعة حسنة، وإن كان للواضع نية سيئة، والله أعلم)).
ثم رأيت ابن الهمام قال: ((ولا يخرج المنبر إلى الجبانة، واختلفوا في بناء المنبر بالجبانة،
قال بعضهم: يكره، وقال خواهر زاده: حسن في زماننا، وعن أبي حنيفة: لا بأس به)).
قوله: (ببعث) إلخ: الجيش المبعوث إلى موضع، مصدر بمعنى المفعول.
قوله: (بغير ذلك) إلخ: أي من أمور الناس ومصالحهم.
قال الزرقاني: ((وتخصيص ذلك بالعيدين لاجتماع الناس هناك، فلا يحتاج أن يجمعهم
مرة أخرى)).
قوله: (ثم ينصرف) إلخ: أي إلى بيته.
قوله: (حتى كان مروان بن الحكم) إلخ: أي كان أميراً على المدينة من جهة معاوية.

٣٨٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَخَرَجْتُ مُخَاصِراً مَرْوَانَ حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى. فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ قَدْ بَنَى مِنْراً مِنْ طِينٍ
وَلَبِنٍ. فَإِذَا مَرْوَانُ يُنَازِعُنِي يَدُهُ. كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحْوَ الْمِنْبَرِ. وَأَنَا أَجُرُّهُ نَحْوَ الصَّلاَةِ. فَلَمَّا رَأَيْتُ
ذُلِكٌ مِنْهُ قُلْتُ: أَيْنَ الانْتِدَاءُ بِالصَّلاَةِ؟ فَقَالَ: لاَ. يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ تُرِكَ مَا تَعْلَمُ. قُلْتُ:
كَلاَّ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ تَأْتُونَ بِخَيْرِ مِمَّا أَعْلَمُ (ثَلاَثَ مِرَارٍ ثُمَّ انْصَرَفَ).
قوله: (مخاصراً مروان) إلخ: أي مماشياً له، يده في يدي، هكذا فسروه.
قوله: (فإذا كثير ابن الصلت) إلخ: بكاف مفتوحة، فمثلثة مكسورة. والصلت: بفتح
المهملة، وسكون اللام، وفوقية، ابن معاوية الكندي، تابعي كبير، ولد في العهد النبوي، وقدم
المدينة هو وإخوته بعده، فسكنها، وحالف بني جمع بن سعد، وروى بإسناد صحيح إلى نافع،
قال: كان اسم كثير بن الصلت: قليلاً، فسماه عمر كثيراً، ورواه أبو عوانة فوصله بذكر ابن
عمر، ورفعه بذكر النبي ◌َّر، والأول أصح، وقد صح سماع كثير من عمر فمن بعده، وكان له
شرف وذكر وهو ابن أخي جمد - بفتح الجيم وسكون الميم، أو فتحها - أحد ملوك كندة الذين
قتلوا في الردة، وقد ذكر ابن منذر أباه في الصحابة، وفي صحة ذلك نظر، وإنما اختص كثير
ببناء المنبر بالمصلى، لأن داره كانت مجاورة للمصلى، كما في حديث ابن عباس عند
البخاري: ((أنه ﴿ أتى في يوم العيد إلى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت)) قال ابن سعد:
((كانت داره قبلة المصلى في العيدين، وهي تطل على بطحان الوادي الذي في وسط المدينة))
انتھی .
وإنما بنى كثير داره بعده وهو بمدة، لكنها لما اشتهرت في تلك البقة وصفت المصلى
بمجاورتها قاله في فتح الباري.
قوله: (من طين ولبن) إلخ: قال ابن المنير: ((اختاروا أن يكون من ذلك لا من الخشب،
لكونه ترك بالصحراء في غير حرز فيؤمن عليه النقل، بخلاف منبر الجامع)).
قوله: (وأنا أجرّه نحو الصلاة) إلخ: قال النووي: «فيه الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وإن كان المنكر عليه وإليها، وفيه أن الإنكار عليه يكون باليد لمن أمكنه، ولا يجزىء
عن اليد اللسان مع إمكان اليد)».
قوله: (أين الابتداء بالصلاة) إلخ: وفي البخاري: ((فجبذني، فارتفع، فخطب قبل
الصلاة، فقلت له: غيرتم والله)) قال الحافظ: ((هذا في أن أبا سعيد هو الذي أنكر، ووقع عند
مسلم من طريق طارق بن شهاب قال: ((أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، فقام
إليه رجل، فقال الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد
قضى ما عليه)) وهذا ظاهر في أنه غير أبي سعيد)). وقد تقدم الكلام عليه مبسوطاً في ((باب كون
النهي عن المنكر من الإيمان)) من أوائل الكتاب، فليراجع.
قوله: (لا تأتون بخير مما أعلم) إلخ: أي لأن ما يعلمه: سنة النبي ◌َّه وسلم، ولا يأتي

٣٨٧
كتاب: صلاة العيدين
(١) - باب: ذكر إباحة خروج النساء في العيدين
إلى المصلى وشهود الخطبة مفارقات للرجال
٢٠٥١ - (١٠) حدّثني أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ
مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ(١). قَالَتْ: أَمَرَنَا (تَغَّنِي النَّبِيَّ وَّهِ) أَنْ نُخْرِجَ، فِي الْعِيدَيْنِ، الْعَوَاتِقَ
وَذَوَاتِ الْخُدُورِ .
مروان، بل ولا أحد من العالمين بشيء يكون خيراً من سنته وّر، فزجره أولاً بقوله: ((كلا)) ثم
بين له خطأ كلامه مؤكداً ذلك بالقسم قاله الزرقاني في شرح المواهب.
قوله: (ثلاث مراراً) إلخ: أي قلت هذه الكلمات ثلاث مرار.
قوله: (ثم انصرف) إلخ: قال القاضي: ((عن جهة المنبر إلى جهة الصلاة، وليس معناه أنه
انصرف من المصلى وترك الصلاة معه، بل في رواية البخاري: أنه صلى معه، وكلمه في ذلك
بعد الصلاة، وهذا يدل على صحة الصلاة بعد الخطبة، ولولا صحتها كذلك لما صلاها معه)).
واتفق أصحابنا على أنه لو قدمها على الصلاة صحت، ولكنه يكون تاركاً للسنة مفوتاً
للفضيلة، بخلاف خطبة الجمعة، فإنه يشترط لصحة صلاة الجمعة تقدم خطبتها عليها، لأن خطبة
الجمعة واجبة، وخطبة العيد مندوبة. كذا قال النووي في الشرح.
قوله: (العواتق) إلخ: جمع عاتق، وهي من بلغت الحلم، أو قاربت، أو استحقت
التزويج، أو هي الكريمة على أهلها، أو التي عتقت عن الامتهان في الخروج للخدمة.
قوله: (وذوات الخدور) إلخ: بضم الخاء المعجمة، والدال المهملة، جمع خدر - بکسرها
وسكون الدال ـ وهو ستر يكون في ناحية البيت، تقعد البكر وراءه.
(١) قوله: (عن أم عطية) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحيض، باب شهود الحائض العيدين
ودعوة المسلمين، ويعتزلن المصلى، رقم (٣٢٤) وفي كتاب الصلاة، باب وجوب الصلاة في الثياب، رقم
(٣٥١) وفي كتاب العيدين، باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة، رقم (٩٧١) وباب خروج النساء
والحيض إلى المصلى، رقم (٩٧٤) وباب إذا لم يكن لها جلباب في العيد رقم (٩٨٠) وباب اعتزال
الحيض المصلى، رقم (٩٨١) وفي كتاب الحج، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت،
رقم (١٦٥٢) والنسائي في سننه، في كتاب الحيض والاستحاضة، باب شهود الحيض العيدين ودعوة
المسلمين، رقم (٣٩٠) وفي كتاب صلاة العيدين، باب خروج العواتق وذوات الخدود في العيدين، رقم
(١٥٥٩) وباب اعتزال الحيض مصلى الناس، رقم (١٥٦٠) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب
خروج النساء في العيد، رقم (١١٣٦ - ١١٣٩) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في
خروج النساء في العيدين، رقم (٥٣٩) و(٥٤٠) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها،
باب ما جاء في خروج النساء في العيدين، رقم (١٣٠٧) و(١٣٠٨) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة،
باب خروج النساء في العيدين، رقم (١٦١٧) وأحمد في مسنده (٥: ٨٤ و٨٥) و(٦: ٤٠٩).

٣٨٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
جواز خروج النساء إلى المصلى في العيد،
ومنعهن من الخروج اليوم مطلقاً
قال الحافظ كّثه: «وفيه أن من شأن العواتق والمخدرات عدم البروز إلا فيما أذن لهن
فيه. وفيه استحباب خروج النساء إلى شهود العيدين)).
قال الشيخ بدر الدين العيني تغذّثُ: ((وقال العلماء: كان هذا في زمنه وَلّر، وأما اليوم فلا
تخرج الشابة ذات الهيئة، ولهذا قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ((لو رأى رسول الله (صل* ما
أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل)).
قلت: هذا الكلام من عائشة بعد زمن يسير جداً بعد النبي وَلّر، فإذا كان الأمر قد تغير في
زمن عائشة حتى قالت هذا القول فإذا يكون اليوم الذي عم الفساد وفشت المعاصي من الكبار
والصغار، فنسأل الله العفو والتوفيق، فلا يرخص في خروجهن مطلقاً للعيد وغيره.
وفي التوضيح (للشيخ سراج الدين بن الملقن تلميذ الحافظ مغلطائي الحنفي): ((رأى
جماعة ذلك حقاً عليهن - يعني في خروجهن للعيد - منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر،
وغيرهم، ومنهم: من منعهن ذلك، منهم: عروة، والقاسم ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك،
وأبو يوسف، وأجازه أبو حنيفة مرة، ومنعه أخرى، منع بعضهم في الشابة دون غيرها، وهو
مذهب مالك وأبي يوسف، وقال الطحاوي: كان الأمر بخروجهن أول الإسلام لتكثير المسلمين
في أعين العدو. وقلت: كان ذلك لوجود الأمن أيضاً، واليوم قل الأمن، والمسلمون كثير،
ومذهب أصحابنا في هذا الباب ما ذكره صاحب البدائع: أجمعوا على أنه لا يرخص للشابة
الخروج في العيدين، والجمعة وشيء من الصلوات لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]
لأن خروجهن سبب للفتنة وأمّا العجائز فيرخص لهن الخروج في العيدين ولا خلاف أن الأفضل
أن لا يخرجن في صلاة ما، فإذا خرجن يصلين صلاة العيد في رواية الحسن عن أبي حنيفة،
وفي رواية أبي يوسف عنه: لا يصلين، بل يكثرن سواد المسلمين، وينتفعن بدعائهم)) اهـ.
وفي الهداية: ((ويكره لهن حضور الجماعات - يعني الشواب منهن - لما فيه من خوف
الفتنة، ولا بأس للعجوز أن تخرج في الفجر، والمغرب، والعشاء، وهذا عند أبي حنيفة تَُّ
تعالى، وقالا: يخرجن في الصلوات كلها، لأنه لا فتنة لقلة الرغبة إليها، فلا يكره كما في
العيد، وله أن فرط الشبق حامل، فتقع الفتنة، غير أن الفساق انتشارهم في الظهر والعصر
والجمعة، أما في الفجر والعشاء فهم نائمون، وفي المغرب بالطعام مشغولون، والجبانة متسعة
فيمكنها الاعتزال عن الرجال، فلا يكره)) اهـ.
قال في العناية: ((وأجاز في الصلوات كلها لانتفاء الفتنة بقلة الرغبة في العجائز، كما أجيز
لهن ذلك في العيد بالاتفاق)) اهـ.

٣٨٩
کتاب: صلاة العيدين
وَأَمَرَ الْخُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ.
وفي الدر المختار: ((ويكره حضورهن الجماعة، ولو لجمعة وعيد ووعظ مطلقاً، ولو
عجزوا ليلاً، على المذهب المفتي به، لفساد الزمان، اهـ. قال ابن عابدين كثّفُ: ((أي مذهب
المتأخرین)) اهـ.
والحاصل: أنه لا تضييق في أصل المذهب عندنا، بل اتفق الأئمة الثلاثة على خروج
العجائز إلى شهود العيدين، كما في الهداية، والعناية، وإنما منعه المتأخرون لشيوع الفتنة وكثرة
الفساد .
قال الشافعي كثّفُ: ((وأحب شهود العجائز وغيره ذوات الهيأة الصلاة، وأنا لشهودهن
الأعياد أشد استحباباً)) اهـ.
قال الحافظ بعد البحث فيه: ((والأولى أن يخص ذلك بمن يؤمن عليها وبها الفتنة، ولا
يترتب على حضورها محذور ولا تزاحم الرجال في الطرق والمجامع)) اهـ.
وقال ابن الهمام: ((تخرج العجائز للعيد لا الشواب)) اهـ.
قال علي القاري: ((وهو قول عدل، لكن لا بد أن يقيد بأن تكون غير مشتهاة، في ثياب
بذلة، بإذن حليلها، مع الأمن من المفسدة، بأن لا يختلطن بالرجال، ويكن خاليات من الحلي،
والحلل، والبخور، والشموم، والتبختر، والتكشف، ونحوها مما أحدثن في هذا الزمان من
المفاسد)) اهـ.
وقال الأبي: ((هذا في خروجهن إلى الصلاة، وأما اليوم فلا يختلف في منعهن، لأنهن لا
يخرجن إلى الصلاة، ويتأكد على الرجل منع زوجته منه، ولا يكون جرحة إن تركها، لأنها لا
تعرف عينها، ويتأكد المنع إذا كانت الزوجة تسرع إليها العيون، ورأى الآجمي قاضي الأنكحة
بتونس امرأة بالشارع على هذه الصفة، فأرسل إلى زوجها، وقدم إليها إن رآها بعد اليوم أدبه
وأدبها)) اهـ. وقد تقدم بعض البسط والتفصيل في ((باب خروج النساء إلى المساجد)) من أوائل
كتاب الصلاة، فليراجع.
قوله: (وأمر الحيض) إلخ: بضم المهملة وشد التحتية، جمع حائض.
قوله: (أن يعتزلن مصلى المسلمين) إلخ: والأمر بالاعتزال إما لئلا يلزم الاختلاف بين
الناس من صلاة بعضهم وترك الصلاة لبعضهم، أو لئلا تنجس المواضع، أو لئلا تؤذي جارتها
إن حصل أذى منها. قال العيني ثَّتُهُ .
وقال الخطابي: ((أمر جميع النساء بحضور المصلى يوم العيد، لتصلي من ليس لها عذر،
وتصل بركة إلى من لها عذر، وفيه ترغيب للناس في حضور الصلوات ومجالس الذكر. ومقاربة
الصلحاء، لينالهم بركتهم) اهـ.

٣٩٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٠٥٢ - (١١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ عَاصِمِ الأَحْوَلِ، عَنْ
حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ. قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ فِي الْعِيدَيْنِ. وَالْمُخَبَّأَةُ
وَالْبِكْرُ. قَالَتِ: الْخُيَُّ يَخْرُجْنَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ. يُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ.
وفي الدر المختار: ((وأما المتخذ لصلاة جنازة أو عيد فهو مسجد في حق جواز الاقتداء،
وإن انفصل الصفوف، رفقاً بالناس لا في حق غيره، به يفتي، فحل دخوله لجنب وحائض)) اهـ.
فالأمر بالاعتزال في الحديث ليس لكونه مسجداً، بل لأمور أخر ذكرناها فيما قبل، والله أعلم.
قوله: (والمخبأة) إلخ: هي بمعنى ذات الخدر.
استحباب التكبير في العيدين وبيان المواضع
التي يستحب فيها التكبير في العيدين
قوله: (يكبرن مع الناس) إلخ: قال النووي: ((دليل على استحباب التكبير لكل أحد في
العيدين، وهو مجمع عليه. قال أصحابنا: يستحب التكبير ليلتي العيدين، وحال الخروج إلى
الصلاة، قال القاضي: التكبير في العيدين في أربعة مواطن: في السعي إلى الصلاة إلى حين
يخرج الإمام، والتكبير في الصلاة، وفي الخطبة، وبعد الصلاة.
أما الأول: فاختلفوا فيه، فاستحبه جماعة من الصحابة والسلف، فكانوا يكبرون إذا
خرجوا حتى يبلغوا المصلى، يرفعون أصواتهم وبه قال الأوزاعي، ومالك، والشافعي، وزاد
استحبابه ليلة العیدین .
وقال أبو حنيفة: يكبر في الخروج للأضحى دون الفطر، وخالفه أصحابه، فقالوا: بقول
الجمهور.
وأما التكبير بتكبير الإمام في الخطبة: فمالك يراه، وغيره يأباه.
وأما التكبير المشروع في أول صلاة العيد: فقال الشافعي هو سبع في الأول غير تكبيرة
الإحرام، وخمس في الثانية، غير تكبيرة القيام.
وقال مالك، وأحمد، وأبو ثور كذلك، لكن سبع في الأولى، إحداهن تكبيرة الإحرام.
وقال الثورى، وأبو حنيفة: خمس في الأولى، وأربع في الثانية بتكبيرة الإحرام والقيام.
وجمهور العلماء يرى هذه التكبيرات متوالية متصلة. وقال عطاء، والشافعي، وأحمد:
يستحب بين كل تكبيرتين ذكر الله تعالى، وروى هذا أيضاً عن ابن مسعود رقڅئه.
وأما التكبير بعد الصلاة في عيد الأضحى فاختلف علماء السلف ومن بعدهم فيه على نحو
عشرة مذاهب: هل ابتداؤه من صبح يوم عرفة، أو ظهره، أو صبح يوم النحر، أو ظهره، وهل
انتهاؤه في ظهر يوم النحر، أو ظهر أول أيام النفر، أو في صبح أيام التشريق، أو ظهره،

٣٩١
كتاب: صلاة العيدين
وعصره، واختار مالك والشافعي وجماعة: ابتداءه من ظهر يوم النحر، وانتهاءه صبح آخر أيام
التشريق، والشافعي قول إلى العصر من آخر أيام التشريق، وقول أنه من صبح يوم عرفة إلى عصر
آخر أيام التشريق، وهو الراجح عند جماعة من أصحابنا، وعليه العمل في الأمصار)) اهـ.
قلت: والذي نسبه إلى الإمام أبي حنيفة من أنه لا يكبر في الفطر في الطريق، هو قول شاذ
له، ذكره صاحب الخلاصة، ورد عليه ابن الهمام، قال ابن عابدين كثّفُ: ((وفي غاية البيان:
المراد من نفي التكبير التكبير بصفة الجهر، ولا خلاف في جوازه بصفة الإخفاء» فأفاد أن
الخلاف بين الإمام وصاحبيه في الجهر والإخفاء، لا في أصل التكبير، وقد حكى الخلاف
كذلك في البدائع، والسراج، والمجمع، ودُرَر البحار، والملتقى، والدر، والاختيار،
والمواهب، والإمداد، والإيضاح، والتتارخانية، والتجنيس، والتبيين، ومختارات النوازل،
والكفاية، والمعراج، وعزاه في النهاية إلى المبسوط، وتحفة الفقهاء، فهذه مشاهير كتب
المذهب مصرحة بخلاف ما في الخلاصة، بل حكى القهستاني عن الإمام روايتين: إحداهما أنه
يسر، والثانية: أنه يجهر كقولهما، قال: وفي الصحيح على ما قال الرازي، ومثله في النهر،
وقال في الحلية: واختلف في عيد الفطر فعن أبي حنيفة - وهو قول صاحبيه، واختيار الطحاوي -
أنه يجهر، وعنه أنه يسر، وأغرب صاحب النصاب حيث قال: يكبر في العيدين سراً، كما أغرب
من عزا إلى أبي حنيفة أنه لا يكبر في الفطر أصلاً، وزعم أنه الأصح، كما هو ظاهر الخلاصة))
اهـ.
فقد ثبت أن ما في الخلاصة غريب مخالف للمشهور في المذهب، فافهم.
وفي شرح المنية الصغير: ((ويوم الفطر لا يجهر به عنده، وعندهما يجهر، وهو رواية عنه،
والخلاف في الأفضلية، أما الكراهة فمنتفية عن الطرفين)) اهـ وكذا في الكبير. اهـ.
أقوال الأئمة في عدد التكبيرات في صلاة العيدين
وكيفيتها، والدليل على ما هو مختار الحنفية
وأما عدد التكبيرات في صلاة العيدين وكيفيتهما عند أصحابنا الحنفية: فيكبر تكبيرة
التحريمة، ثم يضع يديه تحت السرة، ثم يقرأ والمؤتم الثناء، لأنه شرع في أول الصلاة فيقدم
على تكبيرات الزوائد، كما في ظاهر الرواية، ثم يكبر الإمام والقوم تكبيرات الزوائد ثلاثاً،
يفصل بين كل تكبيرتين بسكتة مقدار ثلاث تكبيرات في رواية عن أبي حنيفة، لئلا يشتبه على
البعید عن الإمام، ولا یسن ذکر بین التکبیرات، لأنه لم ينقل، ویرفع یدیه عند کل تكبيرة منهن،
ويرسلهما في أثنائهن، ثم يضعهما بعد الثالثة، فيعوذ ويسمى سراً، ثم يقرأ الإمام الفاتحة
وسورة، ثم يكبر ويركع الإمام، ويتبعه القوم، فإذا قام إلى الركعة الثانية ابتدأ بالبسملة، ثم

٣٩٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بالفاتحة، ثم بالسورة، ليوالي بين القراءتين، وهو الأفضل عندنا، ثم يكبر الإمام والقوم بعدها
ثلاث تكبيرات زوائد على هيئة تكبيرة في الأولى، ويرفع يديه كما في الأولى.
وهذا الفعل وهو الموالاة بين القراءتين والتكبير ثلاثاً في كل ركعة أولى من زيادة التكبير
على الثلاث في كل ركعة، ومن تقديم تكبيرات الزوائد في الركعة الثانية على القراءة، وهو قول
ابن مسعود رضيبه وفيه آثار عن فقهاء الصحابة توافق مذهبنا. ذكرها النيموي في آثار السنن.
وقد وافق ابن مسعود على هذه الفتيا: أبو مسعود البدري، وحذيفة، وأبو موسى، مع
حديثه المرفوع وابن عباس مع اختلاف الرواية عنه، والمغيرة بن شعبة رؤيته. وقد رجح
السرخسي كتُّ مذهب الأحناف بهذا الاتفاق.
واستدل الشافعي ومن وافقه بما روى: ((أنه ◌َ ﴿ كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى
سبعاً، وفي الثانية خمساً)) روى ذلك عن عمرو بن عوف، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وأبي
هريرة، وسعد القرظي، وأبي واقد الليثي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، وأبي سعيد
الخدري، وعبد الله بن عمر، وعمر بن الخطاب.
أما حديث عمرو بن عوف فأخرجه الترمذي، وابن ماجه، والدارقطني، وابن عدي،
والبيهقي، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده.
قال البيهقي: ((قال أبو عيسى الترمذي: سألت محمداً - يعني البخاري - عن هذا الحديث،
فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح من هذا، وبه أقول)) اهـ.
قلت: وكثير ضعيف، قال فيه الشافعي: ركن من أركان الكذب. وقال أبو داود: كذاب.
وقال ابن حبان: يروى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة، لا يحل ذكرها في الكتب، ولا الرواية
عنه إلا على وجه التعجب. وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث. وقال ابن معين: ليس
بشيء. وقال ابن حنبل: منكر الحديث، ليس بشيء. وقال عبد الله بن أحمد: ضرب أبي على
حديثه في المسند، ولم يحدث عنه، وقال أبو زرعة: واهى الحديث. فكيف يقال في حديث هذا
في سنده: ((ليس في هذا الباب شيء أصح من هذا»؟ ولذا قال الحافظ في تخريج الرافعي:
((وأنكر جماعة تحسينه على الترمذي)).
فإن قلت: لا يلزم من هذا الكلام صحة الحديث، بل المراد أنه أصح شيء في هذا
الباب، وكثيراً ما يريدون الكلام هذا المعنى، فالجواب أن القرينة هنا دالة على أنه أراد بالكلام
المذكور صحة الحديث، وكذا فهم عبد الحق، فقال في ((أحكامه)) عقيب حديث كثير: ((صحح
البخاري هذا الحديث)) ومن أعظم القرائن الدالة عليه قول الترمذي بعد قوله: ((وبه أقول)) قال:
وحديث عبد الله بن عبد الرحمن، عن عمرو، عن أبيه، عن جده، في هذا الباب صحيح أيضاً،

٣٩٣
كتاب: صلاة العيدين
هكذا نقله البيهقي في السنن، فإن كان ضمير ((قال)) راجعاً إلى البخاري، ويكون قوله قوله ذلك
من تتمة قوله - دل على أنه أراد بالكلام الأول الصحة، وإن كان الضمير راجعاً إلى الترمذي،
وأنه من قوله - فلا دلالة فيه على أن البخاري أراد به الصحة، ولكن قول الحافظ كّثه: ((ولذا
أنكر جماعة تحسينه على الترمذي)) يدل على أنه لم يرد به الصحة، وإلا لقال: ((تصحيحه)) فتأمل)»
كذا في شرح الإحياء.
قال في بذل الجهود: ((وأجاب النووي في الخلاصة عن الترمذي في تحسينه، فقال: لعله
اعتضد بشواهد وغيرها)) انتهى.
قلت: هذا لا يجديه نفعاً، فإنه لو كان عنده شواهد يلزم أن يذكرها، ولينظر فيها، فلهذا
لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي، وقد قال الحافظ تكثّثه في التقريب: ضعيف من السابعة،
ومنهم من نسبه إلى الكذب. وقال في التلخيص على هذا الحديث: ((وكثير ضعيف)) اهـ.
وقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية في العلم المشهور: وكم حسن الترمذي في كتابه من
أحاديث موضوعة، وأسانيد واهية، منها: هذا الحديث: فإن الحسن عندهم ما نزل عن درجة
الصحيح، ولا يرد عليه إلا من كلامه، قال في علله التي في آخر كتابه الجامع: ((والحديث
الحسن عندنا ما روى من غير وجه، ولم يكن شاذاً، ولا في إسناده من يتهم بالكذب)).
قال الزبيدي في شرح الإحياء: ((وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أحمد، وأبو بكر بن
أبو شيبة، وأبو داود، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي، من طريق عبد الله بن عبد الرحمن،
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفي رواية: عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بلفظ: ((أن
النبي ◌َّر كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة: سبعاً في الأولى، وخمساً في الآخرة)) وصححه أحمد،
وابن المديني، والبخاري، فيما حكاه الترمذي، هكذا قاله الحافظ تغذُّهُ في تخريج الرافعي.
قلت: وهذا يدل على أن الكلام المتقدم عن الترمذي من قول البخاري لا من قول
الترمذي، وكيف يكون وعبد الله بن عبد الرحمن راويه قد تكلم فيه! قال أبو سعيد الهكاري:
عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب الطائفي أبو يعلى الثقفي، قال ابن معين: صالح. اهـ.
وفي نصب الراية: قال ابن القطان في كتابه: ((والطائفي هذا ضعفه جماعة، منهم: ابن
معين، وقال الذهبي في الميزان: قال ابن معين: صويلح، وقال مرة: ضعيف. وقال النسائي
وغيره: ليس بالقوي، وكذا قال أبو حاتم، قال ابن عدي: أما سائر حديثه فعن عمرو بن
شعيب، وهي مستقيمة، فهو ممن يكتب حديثه، قلت: ثم خلطه بمن بعده، فوهم)) انتهى.
قال الحافظ في تهذيب التهذيب: ((وقال البخاري: فيه نظر ونقل التاج السبكي في
الطبقات قول شيخه أبي عبد الله الحافظ الذهبي: ((أبلغ ما يقول البخاري في الرجل المتروك أو

٣٩٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الساقط: فيه نظر، أو سكتوا عنه، ولا يكاد يقول: فلان كذاب، ولا فلان يضع الحديث،
قلت: ولا منافة، فإن الأبلغية لها مراتب، بعضها فوق بعض، والله أعلم)).
وبالجملة فكيف يحكم البخاري على حديث الطائفي بالصحة، مع قوله: (فيه نظر))؟ وقال
أبو حاتم: ليس بقوي لين الحديث، بابه طلحة بن عمرو، وعبد الله بن المؤمل، وعمرو بن
راشد. وقال النسائي: ليس بذاك القوي، ويكتب حديثه. وذكره ابن حبان في الثقات، وحكى
ابن خلفون أن ابن المديني وثقه. وقال الدار قطني: طائفي يعتبر به، وقال العجلي: ثقة.
وفي شرح الإحياء: ((وقال ابن الجوزي بضعفه، وهو وإن خرج له مسلم في المتابعات،
على ما قاله صاحب الكمال، فالبيهقي يتكلم فيمن هو أجل منه ممن احتج به في الصحيح،
كحماد بن سلمة، وأمثاله، لكونهم تكلم فيهم، وإن كان الكلام فيهم دون الكلام الذي في
الطائفي هذا، فتأمل وأنصف، وبه يظهر أن في تصحيح هذا الحديث من هذا الطريق نظراً. وأما
تصحيح الإمام أحمد فيعارضه ما قال ابن القطان في كتابه: ((وقد قال أحمد بن حنبل: ليس في
تكبير العيدين عن النبي وهو حديث صحيح، وإنما أخذ مالك فيها بفعل أبي هريرة)) اهـ. كذا في
نصب الراية.
وأما ذهاب الإمام أحمد إلى ما يدل عليه هذا الحديث فلا يستلزم تصحيحه منه، فلعل له
فيما ذهب إليه متعلق آخر من آثار الصحابة ظه، كما يشير إليه قوله: ((وإنما أخذ مالك فيها بفعل
أبي هريرة)» بل فيما نقله ابن الهمام - إن كان صحيحاً - تصريح بذلك، ولفظة: ((وإنما أخذ فيه
بقول أبي هريرة والله أعلم. وهكذا سائر الأحاديث المرفوعة الواردة في الباب لا يخلو عن نظر
وكلام، كما في الجوهر النقي وغيره، فبعضها ساقط وبعضها فيه شيء من الوهن والضعف،
ولعل أقوى ما في الباب هو حديث عبد الله بن عمرو - أي حديث الطائفي الذي ذكرناه قريباً
وتكلمنا عليه - وقد قال العراقي: إسناده صالح، وله شواهد ضعيفة يشد بعضها بعض، فلا يمكن
إنكاره.
واحتج أبو حنيفة ومن وافقه بحديث عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول،
أخبرني أبو عائشة جليس لأبي هريرة: ((أن سعيد بن العاص سأل أبو موسى وحذيفة، كيف كان
رسول الله وَليل يكبر في الأضحى والفطر؟ فقال أبو موسى: كان يكبر أربعاً: تكبيرة على الجنائز،
فقال حذيفة: صدق، فقال أبو موسى: كذلك كنت أكبر في البصرة حيث كنت عليهم)) أخرجه أبو
داود، والبيهقي، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف عن زيد بن حباب، حدثنا
عبد الرحمن بن ثوبان .... فساقه مثله. وزاد: ((قال أبو عائشة - وأنا حاضر ذلك - فما نسيت
قوله أربعاً كالتكبير على الجنازة)).
وقد تكلم البيهقي على هذا الحديث، فقال: ((خولف راويه في موضعين: في رفعه، وفي

٣٩٥
كتاب: صلاة العيدين
جواب أبي موسى، والمشهور أنهم أسندوه إلى ابن مسعود، فأفتاهم بذلك، ولم يسنده إلى
النبي ، كذا رواه السبيعي عن عبد الله بن موسى، أو ابن أبي موسى أن سعيد بن العاص
أرسل ... إلخ، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ضعفه ابن معين)) اهـ.
قلت: هذا قد أخرجه أبو داود، كما أخرجه البيهقي أولاً، وسكت عنه، وسكوته تحسين
منه، كما علم من شرطه، وكذا سكت عليه المنذري في مختصره، ومذهب المحققين أن الحكم
للرافع، لأنه زاد.
وأما جوب أبي موسى فيحتمل أنه تأدب مع ابن مسعود، فأسند الأمر إليه مرة، وكان عنده
فيه حديث عن النبي ◌َّلر، فذكره مرة أخرى.
عبد الرحمن بن ثابت اختلف على ابن معين فيه، قال صاحب الكمال: قال عباس: ما
ذكره ابن معين الأنجيز. وفي رواية: ليس به بأس. وقال ابن المديني وأبو زرعة: ليس به بأس.
وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث. وقال المزني: وثقه دحيم وغيره. (وأما ما ادعوا من جهالة
أبي عائشة فقد قال الحافظ في تهذيب التهذيب: ((روى عنه مكحول، وخالد بن معدان،
فارتفعت الجهالة برواية اثنين). وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا هشيم، عن ابن عون، عن
مكحول، قال: ((أخبرني من شهد سعيد بن العاص أرسل إلى أربعة نفر من أصحاب الشجرة،
فسألهم عن التكبير في العيد، فقالوا ثمان تكبيرات، قال: فذكرت ذلك لابن سيرين، فقال:
صدق، ولكنه أغفل تكبيرة فاتحة الصلاة)) قلت: وهذا المجهول الذي في هذا السند تبين أنه أبو
عائشة، وباقي السند صحيح، وهو يؤيد رواية ابن ثوبان الموقوفة، ويؤيدها وجوه أخر ذكرها ابن
أبي شيبة في المصنف. فقال: حدثنا يزيد بن هارون، عن المسعودي، عن معبد بن خالد، عن
كردوس، قال: ((قدم سعيد بن العاص في ذي الحجة، فأرسل إلى عبد الله، وحذيفة، وأبي
مسعود الأنصاري، وأبي موسى الأشعري، فسألهم عن التكبيرة، فأسندوا أمرهم إلى عبد الله،
فقال عبد الله: يقوم فيكبر، ثم يكبر، ثم يكبر، ثم يكبرّ فيقرأ، ثم يكبر ويركع، يقوم، فيقرأ، ثم
یکبر، ثم یکبر، ثم يكبر ثم يكبّر الرابعة، ثم يركع)).
وأما رواية السبيعي الذي أشار إليه البيهقي فرواه ابن أبي شيبة عن وكيع، عن سفيان،
عنه، عن عبد الله بن أبي موسى، وعن حماد، عن إبراهيم أن أميراً من أمراء الكوفة - قال
سفيان: أحدهما سعيد بن العاص، وقال: الآخر ابن عقبة - بعث إلى عبد الله بن مسعود،
وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن قيس، فقال: ((إن هذا العيد قد حضر، فما ترون؟ فأسندوا
أمرهم إلى عبد الله، فقال: يكبر تسعاً، تكبيرة يفتتح بها الصلاة، ثم يكبر ثلاثاً، ثم يقرأ سورة،
ثم يكبر، ثم يركع، ثم يقوم فيقرأ سورة، ثم يكبر أربعاً يركع بإحداهن)).
وقال أيضاً: حدثنا هشيم، عن أشعث، عن كردوس، عن ابن عباس، قال: ((لما كان ليلة

٣٩٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
العيد أرسل الوليد بن عقبة إلى ابن مسعود، وأبي موسى، وحذيفة، والأشعري، فقال لهم: إن
العيد غداً، فكيف التكبير؟ فقال عبد الله: يقوم فيكبر أربع تكبيرات، ويقرأ بفاتحة الكتاب،
وسورة من المفصل ليس من طوالها ولا من قصارها، ثم يركع، ثم يقوم، فيقرأ، فإذا فرغت من
القراءة كبرت أربع تكبيرات، ثم تركع بالرابعة).
وروى عبد الرزاق في مصنفه، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن علقمة، والأسود: اسأل
سعيد بن العاص حذيفة وأبا موسى .... )) فساقه كسياق أبي بكر بن شيبة.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا إسماعيل بن أبي الوليد، حدثنا خالد الحذاء، عن عبد الله بن
الحارث: ((شهدت ابن عباس كبر في صلاة العيد بالبصرة تسع تكبيرات، ووالى بين القراءتين،
وشهدت المغيرة بن شعبة فعل ذلك أيضاً، فسألت خالداً: كيف فعل ابن عباس؟ ففسر لنا كما
صنع ابن مسعود في حديث معمر والثوري عن أبي إسحاق سواء)).
فهذه كلها شواهد لحديث ابن ثوبان المتقدم.
وروى محمد بن الحسن في ((الآثار)) عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن ابن
مسعود: ((أنه كان قاعداً في مسجد الكوفة، ومعه حذيفة وأبو موسى الأشعري، فخرج عليهم
الوليد بن عقبة بن أبي معيط - وهو أمير الكوفة يومئذٍ - فقال: إن غداً عيدكم، فكيف أصنع؟
فقالا: أخبره يا أبا عبد الرحمن، فأمره عبد الله بن مسعود أن يصلي بغير أذان ولا إقامة، وأن
يكبر في الأولى خمساً، وفي الثانية أربعاً، ويوالي بين القراءتين، وأن يخطب بعد الصلاة على
راحلته)) وهذا أثر صحيح، كذا في شرح الإحياء.
قلت: وفي تفسير ابن كثير تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَئِكَتَّهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيُّ﴾ [الأحزاب:
٥٦]: ((قال إسماعيل القاضي: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا حماد بن
أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة: ((أن ابن مسعود، وأبا موسى، وحذيفة، خرج عليهم
الوليد بن عقبة يوماً قبل العيد، فقال لهم: إن هذا العيد قد دنا، فكيف التكبير فيه؟ قال عبد الله:
تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة، فتحمد ربك، وتصلي على النبي ◌َّر، ثم تدعو وتكبر وتفعل
مثل ذلك، ثم تكبر، وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تقرأ، ثم تكبر وتركع، ثم
تقوم (أي بعد السجود وانقضاء الركعة) فتقرأ وتحمد ربك وتصلي على النبي وَّر، ثم تدعو،
وتكبر، وتفعل مثل ذلك، ثم تركع، فقال حذيفة وأبو موسى: صدق أبو عبد الرحمن)) إسناد
صحیح)) اهـ.
وقريب منه ما رواه الطبراني في الكبير عن إبراهيم مرسلاً، ورجاله ثقات، كما في مجمع
الزوائد.
وفي السنن الكبرى للبيهقي بهذا الإسناد بعينه: «ثم تقوم (أي إلى الركعة الثانية) فتقرأ،

٣٩٧
كتاب: صلاة العيدين
وتحمد ربك وتصلي على النبي ◌ّ، ثم تدعو، ثم تكبر، وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل
ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك)) فهذه الرواية تدل على أن في سياق
إسماعيل القاضي اختصاراً
قال العلامة الزبيدي في شرح الإحياء: ((وهذا أثر صحيح قاله ابن مسعود بحضرة جماعة
من الصحابة، ومثل هذا يحمل على الرفع، لأنه كنقل أعداد الركعات. وقول البيهقي: ((هذا رأي
من جهة عبد الله، والحديث المسند على ما عليه من عمل المسلمين أولى أن يتبع)) - قد رده أبو
عمر في التمهيد، وقال: مثل هذا لا يكون رأياً، ولا يكون إلا توفيقاً، لأنه لا فرق بين سبع
وأقل وأكثر من جهة الرأي والقياس)).
وقال ابن رشد في القواعد: ((معلوم أن فعل الصحابة في ذلك توقيف، إذ لا يدخل القياس
في ذلك، وقد وافق جماعة من الصحابة ومن بعدهم) اهـ.
قال الشيخ ابن الهمام: ((فإن قيل: روى عن أبي هريرة، وابن عباس ﴿يا ما يخالفه.
قلنا: غايته معارضة، ويترجح ابن مسعود بابن مسعود، مع أن المروى عن ابن عباس
متعارض مضطرب، وأثر ابن مسعود لو لم يسلم من الاضطراب كان مقدماً، فكيف وهو سالم
منه! وبه يترجح المرفوع الموافق له، ويختص ترجيح الموالاة بين القراءتين منه بأن التكبير ثناء،
والثناء شرع في الأولى أول، وهو دعاء الافتتاح، فيقدم تكبيرها، وحيث شرع في الثانية شرع
مؤخراً، وهو القنوت، فيؤخر تكبير الثانية على وفق المعهود)) اهـ.
وقال صاحب الهداية: «إن التكبير (الزائد) ورفع الأيدي خلاف المعهود، فكان الأخذ
بالأقل أولى)) اهـ.
قال شمس الأئمة السرخسي في المبسوط: ((وإنما أخذنا بقول ابن مسعود ظله لأن ذلك
شيء اتفقت عليه جماعة من الصحابة، وفي الحديث: أن النبي وَّر كبر في صلاة العيد أربعاً ثم
قال: أربع كأربع الجنائز، فلا يشتبه عليكم، وأشار بأصابعه، وحبس إبهامه، ففيه قول وعمل،
وإشارة واستدلال وتأكيد)) اهـ.
ومضمون هذا الحديث الذي ذكره السرخسي أخرجه الطحاوي في آخر كتابه، حيث قال:
((فإذا علي بن عبد الرحمن، ويحيى بن عثمان قد حدثانا، قالا: ثنا عبد الله بن يوسف، عن
يحيى بن حمزة، قال: حدثني الوضين بن عطاء، أن القاسم أبا عبد الرحمن حدثه، قال: حدثني
بعض أصحاب رسول الله وَالر قال: ((صلى بنا النبي ◌َّ ه يوم عيد، فكبر أربعاً وأربعاً، ثم أقبل
علينا بوجهه حين انصرف، فقال: لا تنسوا كتكبير الجنائز، وأشار بأصابعه، وقبض إبهامه)).
قال الطحاوي: ((فهذا حديث حسن الإسناد، وعبد الله بن يوسف، ويحيى بن حمزة،
والوضين ابن عطاء، والقاسم كلهم أهل رواية معروفون بصحة الرواية)) اهـ.

٣٩٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قال الشيخ الأنور قدس الله روحه: ((رجاله كلهم معروفون إلا وضين بن عطاء، فقد تكلم
فيه، وقد وثقه الحافظ حيث أخرج من الطحاوي رواية تدل على التسليمتين في الوتر، وفي
إسناده وضين بن عطاء هذا، وقال الحافظ: إسناده قوي، اهـ. (راجع الفتح (١٢ : ٤٠١))) من
أوائل أبواب الوتر).
وفي تهذيب التهذيب: الوضين بن عطاء قال أحمد بن حنبل وابن معين ودحيم: ثقة. وقال
أحمد في رواية: ليس به بأس، وقال ابن معين في رواية: لا بأس به. وقال ابن عدي: ما أرى
بأحاديثه بأساً. وقال الآجري عن أبي داود: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. قال
النسائي: عنده حديث واحد منكر غير محفوظ عن علقمة، وعن عبد الرحمن بن عائذ، عن علي
حديث: ((العينان وكاء السه)). قال الساجي: رأيت أبا داود أدخل هذا الحديث في كتاب السنن،
ولا أراه ذكره فيه إلا وهو عنده صحيح. اهـ.
وقد ضعف الوضين جماعة، وبالجملة لا ينزل حديثه إن شاء الله عن الحسن، كما قال
الطحاوي، وهذا أقوى ما يستدل به لأبي حنيفة وموافقيه، ويزيده قوة على قوة ما رواه الطحاوي
عن إبراهيم مرسلاً بإسناد قوي قول: ((قبض رسول الله وَلقر والناس مختلفون في التكبير على
الجنائز، لا تشاء أن تسمح رجلاً يقول: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يكبر سبعاً، وآخر يقول: سمعت
رسول الله ◌َّ يكبر خمساً، وآخر يقول: سمعت رسول الله وَّل يكبر أربعاً إلا سمعته، فاختلفوا
في ذلك، فكانوا على ذلك حتى قبض أبو بكر، فلما ولي عمر ورأى اختلاف الناس في ذلك:
شق ذلك عليه جداً، فأرسل إلى رجال من أصحاب رسول الله وَّر، فقال: إنكم معاشر أصحاب
رسول الله ◌َ* متى نختلفون على الناس يختلفون من بعدكم، ومتى تجتمعون على أمر يجتمع
الناس عليه، فانظروا أمراً تجتمعون عليه، فكأنما أيقظهم، فقالوا: نعم، ما رأيت يا أمير
المؤمنين فأشر علينا، فقال عمر: بل أشيروا أنتم علي، فإنما أنا بشر مثلكم، فتراجعوا الأمر
بينهم، فأجمعوا أمرهم على أن يجعلوا التكبير على الجنائز مثل التكبير في الأضحى والفطر أربع
تكبيرات، فأجمع أمرهم على ذلك)).
فما روى البزار من حديث عبد الرحمن بن عون: ((أنه * كان يكبر ثلاث عشرة تكبيرة،
وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك))، وفي إسناده الحسن البجلي، وصحح الدارقطني إرساله إن
سلم صحته - فمحمول على ما قبل استقرار الأمر بمشاورة أصحاب النبي وَلقول، ولا ننكر ثبوت ما
زاد على ما قلنا من عدد التكبيرات وجوازه، إنما الكلام في الأفضل والأولى، فكل ما ثبت مما
يخالف مذهبنا حملناه على الجواز والإباحة، ولكن الأرجح الأفضل ما بيناه من فتوى ابن
مسعود بحضرة جماعة من كبراء الصحابة.
قال الإمام محمد بن الحسن كثّفُ في موطأه: ((قد اختلف الناس في التكبير في العيدين،

٣٩٩
كتاب: صلاة العيدين
...
فما أخذت به فهو حسن، وأفضل ذلك عندنا ما روى عن ابن مسعود: ((أنه كان يكبر في كل عيد
تسعاً: خمساً وأربعاً، فيهن تكبيرة الافتتاح، وتكبيرتا الركوع، ويوالى بين القراءتين ويؤخرها في
الأولى ويقدمها في الثانية)) وهو قول أبي حنيفة كثُّ)) اهـ.
وفي المبسوط السرخسي: ((وقال ابن أبي ليلى: يأخذ بأي هذه التكبيرات شاء، وهو رواية
عن أبي يوسف، لأن الظاهر أن كل واحد منهم إنما أخذ بما رآه من رسول الله و لل أو سمعه
منه، فإن هذا شيء لا يعرف بالرأي)) اهـ.
وفي رد المحتار: ((ومنهم من جزم بأن ذلك (أي العمل بحديث ابن عباس الموافق
للشافعي) رواية عنهما (أي أبي يوسف ومحمد) بل في المجتبى: ((وعن أبي يوسف أنه رجع إلى
هذا، وذكر في البحر أن الخلاف في الأولوية، ونحوه في الحلية)) اهـ.
وفي البدائع: ((ثم المقتدى يتابع الإمام في التكبيرات على رأيه، وإن كبر أكثر من تسع، ما
لم يكبر تكبيراً لم يقل به أحد من الصحابة تؤثّه، لأنه تبع لإمامه فيجب عليه متابعته، وترك رأيه
برأي الإمام، لقول النبي وَلير: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) وقوله وَطير: ((فلا تختلفوا عليه)) فما لم
يظهر خطأه بيقين كان اتباعه واجباً، ولا يظهر ذلك في المجتهدات. فأما إذا خرج عن أقاويل
الصحابة فقد ظهر خطأه بيقين، فلا يجب اتباعه، إذ لا متابعة في الخطأ)) اهـ.
تنبيه:
قال البيهقي بعد إخراج أثر ابن مسعود الذي نقلناه قريباً من طريق مسلم بن إبراهيم عن
هشام، عن حماد: ((وهذا من قول عبد الله بن مسعود موقوف عليه، فنتابعه في الوقوف بين كل
تكبيرتين للذكر، إذ لم يرو خلافه عن غيره، ونخالفه في عدد التكبيرات، وتقديمهن على القراءة
في الركعتين جميعاً، بحديث رسول الله وَلقر، ثم فعل أهل الحرمين وعمل المسلمين إلى يومنا
هذا، وبالله التوفيق.
ثم أخرج بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: ((مضت السنة أن يكبر للصلاة في العيدين سبعاً
وخمساً، يذكر الله ما بين كل تكبيرتین)).
قال العلامة ابن التركماني في الجوهر النقي: ((قد ذكر البيهقي قول ابن مسعود في الباب
الذي قبل هذا من عدة طرق، وذكره ابن أبي شيبة من طرق أكثر من ذلك، وكذا ذكره غيرهما،
ولا ذكر في شيء فيها للذكر بين التكبيرات، ولم يرو ذلك في حديث مسند ولا عن أحد من
السلف فيما علمنا إلا في هذه الطريق الضعيفة، وفي حديث جابر المذكور بعد هذا، وسنتكلم
عليه إن شاء الله تعالى، ولو كان ذلك مشروعاً لنقل إلينا، ولما أغفله السلف ضيه. وقوله:

٤٠٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٠٥٣ - (١٢) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ
حَقْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ. قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ
وَالأَضْحَى. الْعَوَاتِقَ وَالْخُيَّضَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ. فَأَمَّا الْخُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلاَةَ وَيَشْهَدْنَ
الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِحْدَانَا لاَ يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ. قَالَ:
(لِتُلْبِهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا)) .
((ونخالفه بالحديث)) قد قدمنا بيان ضعف ذلك الحديث، وليس فعل أهل حرمه فعاليّلا كذلك، لأن
مالكاً يرى أن السبع في الأول بتكبيرة الافتتاح، كما تقدم.
قال ابن رشد في القواعد: ((لأن العمل عنده بالمدينة كان على هذا، وفي الموطأ: قال
مالك: وهو الأمر عندنا .
ثم ذكر البيهقي قول جابر: ((مضت السنة .... إلى آخره.
قلت: ليس فيه أيضاً ذكر لدعاء الافتتاح، وفي سنده من يحتاج إلى كشف حاله، وفيه أيضاً
علي بن عاصم، قال يزيد بن هارون: ما زلنا نعرفه بالكذب. وقال يحيى: ليس بشيء. وكان
أحمد سىء الرأي فيه. وقال النسائي: متروك)) اهـ.
قلت: أما تضعيفه أثر ابن مسعود فقد تقدم تصحيح الحافظ ابن كثير له من رواية إسماعيل
القاضي، نعم! ما أشار إلى غرابة هذه الزيادة فصحيح.
وأما علي بن عاصم راوي حديث جابر فليس متفقاً على تركه، قال وكيع: ما زلنا نعرفه
بالخير، فقال له خلف بن سالم: إنه يغلط في أحاديث. قال: دعوا الغلط وخذوا الصحاح، فإنا
ما زلنا نعرفه بالخير. وما نقل عن يزيد بن هارون: ((ما زلنا نعرفة بالكذب)) فقد حكى عنه خلاف
هذا، كما في التهذيب. وقال عبد الله بن أحمد: إن أباه أمره أن يدور على كل من نهاه عن
الكتابة عن علي بن عاصم، فيأمره أن يحدث عنه، وترجمته مبسوطة في تهذيب التهذيب،
والميزان.
قوله: (ودعوة المسلمين) إلخ: أي إن خروجهن لأجل شهود الخير ودعوة المسلمين، لا
لأجل الصلاة. قال النووي: ((فيه استحباب حضور مجامع الخير ودعاء المسلمين وحلق الذكر
والعلم وغير ذلك)).
قوله: (لتلبسها أختها من جلبابها) إلخ: قال الحافظ: ((يحتمل أن يكون للجنس، أي تعيرها
من جنس ثيابها، ويؤيده رواية ابن خزيمة من جلابيبها وللترمذي فلتعرها أختها من جلابيبها
والمراد بالأخت الصاحبة ويحتمل أن يكون المراد تشركها معها في ثوبها ويؤيده رواية أبي داود:
((تلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها)) يعني إذا كان واسعاً، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: (ثوبها))
جنس الثياب، فيرجع للأول منه جواز اشتمال المرأتين في ثوب واحد عند التستر. وقيل: إنه ذكر