Indexed OCR Text

Pages 341-360

٠
٣٤١
كتاب: الجمعة
قَالَ: قَالَ أَبُو وَائِلٍ: خَطَبَنَا عَمَّارٌ (١). فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ. فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ! لَقَدْ
أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ. فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ. فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ يَقُولُ: ((إِنَّ طُولَ
صَلاَةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ، مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ. فَأَطِيلُوا الصَّلاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ.
قوله: (فأوجز وأبلغ) إلخ: أي خطب خطبة وجيزة بليغة.
قوله: (فلما نزل) إلخ: أي عن المنبر.
قوله: (فلو كنت تنفست) إلخ: أي فلو كنت أطلت قليلاً لكان أحسن.
قوله: (إن طول صلاة الرجل) إلخ: أي إطالتها .
قوله: (وقصر الخطبة) إلخ: بكسر القاف، وفتح الصاد، أي تقصيرها. كذا في المرقاة.
قوله: (مئنة) إلخ: بفتح الميم، وكسر الهمزة وتشديد النون، أي علامة يتحقق بها فقهه.
قال القاري: ((مفعلة، بنيت من ((إنّ)) المكسورة المشددة، وحقيقتها مظنة، ومكان لقول
القائل: إنه فقيه، لأن الصلاة مقصودة بالذات، والخطبة توطئة لها، فتصرف العناية إلى الأهم.
كذا قيل. أو لأن حال الخطبة توجهه إلى الخلق، وحال الصلاة مقصده الخالق، فمن فقاهة قلبه
إطالة معراج ربه)).
وقال الطيبي: ((قوله: ((من فقهه)) صفة ((مئنة)) أي مئنة ناشئة من فقهه)).
في النهاية: ((أي ذلك مما يعرف به فقه الرجل، فكل شيء دل على شيء فهو مئنة له،
وحقيقتها أنها ((مفعلة)) من معنى ((إن)) التي للتحقيق، غير مشتقة من لفظها، لأن الحروف لا يشتق
منها وإنما ضمن حروفها دلالة على أن معناها فيها، ولو قيل: إنها مشتقة منها بعد ما جعلت
اسماً لكان قولاً، ومن أغرب ما قيل فيها: إن الهمزة بدل من ظاء ((المظنة)) والميم في ذلك كله
زائدة .
قال أبو عبيدة: إن هذا مما يستدل به على فقه الرجل. قال الأزهري: قد جعل أبو عبيد
الميم فيه أصلية، وهي ميم ((مفعلة)) وإنما جعل عليه الصلاة والسلام ذلك علامة من فقهه لأن
الصلاة هي الأصل، والخطبة هي الفرع، ومن القضايا الفقهية أن يؤثر الأصل على الفرع بزيادة»
كذا في المرقاة.
قوله: (واقصروا الخطبة) إلخ: قال النووي كثّلهُ: ((الهمزة فيه همزة وصل، وليس هذا
الحديث مخالفاً للأحاديث المشهورة في الأمر بتخفيف الصلاة، لقوله في الرواية الأخرى:
((وكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً، لأن المراد بالحديث الذي نحن فيه أن الصلاة تكون طويلة
(١) قوله: (عمّار) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب إقصار الخطب، رقم (١١٠٦)
والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب في قصر الخطب، رقم (١٥٦٤) وأحمد في مسنده (٤: ٢٦٣
و ٣٢٠).

٣٤٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَإِنَّ مِنَ الْبَانِ سِخْراً)).
بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلاً بشق على المأمومين، وهي حينئذٍ قصد، أي معتدلة، والخطبة
قصد بالنسبة إلى وضعها)).
وفي المرقاة: ((ثم لا ينافي هذا ما ورد في مسلم: ((أنه عليه الصلاة والسلام صلى الفجر
وصعد المنبر، فخطب إلى الظهر، فنزل وصلى، ثم صعد وخطب إلى العصر، ثم نزل وصلى،
ثم صعد وخطب إلى المغرب، فأخبر بما كان وما هو كائن)) اهـ: لوروده نادراً اقتضاه الوقت،
ولكونه بياناً للجواز، وكأنه كان واعظاً، والكلام على الخطب المتعارفة)).
قال الشوكاني: ((وإنما كان إقصار الخطبة علامة من فقه الرجل لأن الفقيه هو المطلع على
جوامع الألفاظ، فيتمكن بذلك من التعبير باللفظ المختصر على المعاني الكثيرة)) اهـ.
وفي حديث ابن مسعود عند البزار: ((وإنه سيأتي بعدكم قوم يطيلون الخطب ويقصرون
الصلاة)).
قوله: (وإن من البيان سحراً) إلخ: قال الحافظ تغّفُهُ: ((قال الخطابي: البيان اثنان:
أحدهما: ما تقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان، والآخر: ما دخلته الصنعةُ بحيث يروق
للسامعين، ويستميل قلوبهم، وهو الذي يشبه بالسحر إذا خلب القلب، وغلب على النفس، حتى
يحول عن حقيقته، ويصرفه عن جهته، فيلوح للناظر في معرض غيره، وهذا إذا صرف إلى الحق
يمدح، وإذا صرف إلى الباطل يذم. قال: فعلى هذا فالذي يشبه بالسحر منه هو المذموم.
وتعقب بأنه لا مانع من تسمية الآخر سحراً، لأن السحر يطلق على الاستمالة، كما تقدم
تقريره في أول ((باب السحر)) من صحيح البخاري، وقد حمل بعضهم الحديث على المدح
والحث على تحسين الكلام وتحبير الألفاظ) اهـ.
قال الميداني: ((يضرب هذا المثل في استحسان المنطق وإيراد الحجة البالغة)) اهـ.
قال الحافظ: ((وحمله بعضهم على الذم لمن تصنع في الكلام، وتكلف لتحسينه، وصرف
الشيء عن ظاهره، فشبه بالسحر الذي هو تخييل لغير حقيقته، وإلى هذا أشار مالك حيث أدخل
هذا الحديث في الموطأ في ((باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله)) وتقدم في باب الخطبة من
كتاب النكاح من البخاري في الكلام على حديث الباب من قول صعصعة بن صوحان في تفسير
هذا الحديث: ما يؤيد ذلك، وهو أن المراد به الرجل يكون عليه الحق، وهو ألْحَن بالحجة من
صاحب الحق، فيسحر الناس ببيانه، فيذهب بالحق، وحمل الحديث على هذا صحيح، لكن لا
يمنع حمله على المعنى الآخر إذا كان في تزيين الحق، وبهذا جزم ابن العربي وغيره من فضلاء
المالكية.
وقال ابن بطال: أحسن ما يقال في هذا أن هذا الحديث ليس ذماً للبيان كله ولا مدحاً،

٣٤٣
كتاب: الجمعة
٢٠٠٧ - (٤٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. قَالاً:
لقوله: ((من البيان)) فأتى بلفظة ((من)) التي للتبعيض قال: وكيف يذم البيان وقد أمتن الله به على
عباده! حيث قال: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ ﴿ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾﴾ [الرحمن: ٣، ٤] انتهى.
والذي يظهر أن المراد بالبيان في الآية: المعنى الأول الذي نبه عليه الخطابي، ولا
خصوص ما نحن فيه، وقد اتفق العلماء على مدح الإيجاز والإتيان بالمعاني الكثيرة وبالألفاظ
اليسيرة، وعلى مدح الإطناب في مقام الخطابة بحسب المقام، وهذا كله من البيان بالمعنى
الثاني. نعم! الإفراط في كل شيء مذموم، وخير الأمور أوسطها، والله أعلم)) كذا في الفتح.
ووقع في حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود بلفظ: ((إن من البيان سحراً، وإن من
الشعر حكماً)) فقال بعضهم: إن إحدى القرينين - وهو قوله: ((إن من الشعر حكماً)) على طريق
المدح، فكذلك القرينة الأخرى.
وقال بعض الشراح: هذا وارد للذم، أي إن من البيان نوعاً يحل من العقول والقلوب محل
السحر، فإن الساحر بسحره يزين الباطل في عين المسحور، حتى يراها حقاً، وكذا المتكلم
بمهارته في البيان، وتفننه في البلاغة، وترصيف النظم: بسلب عقل السامع، ويشغله عن التفكر
فيه، والتدبر له، حتى يخيل إليه الباطل حقاً، والحق باطلاً، فبين النبي وَّ ر أن جنس البيان وإن كان
محموداً فإن فيه ما يذم للمعنى الذي ذكرناه، وإن جنس الشعر وإن كان مذموماً فإن فيه ما يحمد،
لاشتماله على الحكم، وهو ما فيه موعظة وثناء الله ورسوله، وزهد في الدنيا ورغبة في الآخرة.
قلت: ومما يدل على أن البيان في أصله محمود: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ ) عَلَّمَ الْقُرْءَانَ
عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٣)﴾ [الرحمن: ١- ٤] ومما يدل على أن الشعر في أصله
خَلَقَ الْإِنسَنَ
مذموم: قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَشَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴿٨َ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِ كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (®) وَأَنَهُمْ
يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦]، وقد كثر الأحاديث في ذمه، ومن ثم يسموا
الأدلة الكاذبة شعراً. وقيل في الشعر: أكذبه أحسنه. ولذا قال بعض المفسرين في قول الكفار
له ◌َّ﴾: إنه شاعر، يعنون أنه كاذب، لأن ما يأتي الشاعر أكثره كذب، والله أعلم، كذا في
المرقاة من باب البيان والشعر.
وقال في أبواب الجمعة: ((إن من البيان سحراً، أي بعض البيان يعمل عمل السحر، فكما
يكتسب الإثم بالسحر ببعض البيان، أو منه ما يصرف قلوب المستمعين إلى قبول ما يستمعون،
وإن كان غير حق، ففي هذا إشارة إلى بيان الحكمة في قصر الخطبة، فإنه في معرض البلية،
فيجب عليه الاحتراز من هذه المحنة، حتى لا يقع في الرياء والسمعة وابتغاء الفتنة، فهو ذم
لتزيين الكلام وتعبيره بعبارة يتحير فيه السامع، كالتحير في السحر، نهى عنه كهو عن السحر، بل
هو مدح للفصاحة والبلاغة، يريد أن البليغ - أي الذي له ملكة - يقتدر بها على تأليف كلام بليغ،
أي مطابق لمقتضى الحال، يبعث الناس على حب الآخرة، والزهد في الدنيا، وعلى مكارم

٣٤٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ
حَاتِم (١)؛ أَنَّ رَجُلاً خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ بَّرَ فَقَالَ: مِّنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ. وَمَنْ
يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَىُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (بِشْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ. قُلْ:
الأخلاق، ومحاسن الأعمال: ببلاغته، وفصاحته فبيانه هو السحر الحال في اجتذاب القلوب
والاشتمال على الدقائق واللطائف، فهو تشبيه بليغ والظاهر أنه من عطف الجمل، ذكره
استطراداً)).
وقال الطيبي: ((الجملة حال من ((أقصروا)) أي أقصروا والخطبة وأنتم تأتون بها معاني جمة
في ألفاظ يسيرة، وهو من أعلى طبقات البيان، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ((أوتيت جوامع
الكلم)) قال النووي: وهذا الثاني هو الصحيح المختار، والله أعلم)).
قوله: (فقد رشد) إلخ: بفتح الشين وكسرها .
قوله: (بئس الخطيب أنت) إلخ: قال النووي: ((قال القاضي وجماعة من العلماء: إنما أنكر
عليه لتشريكه في الضمير المقتضى للتسوية، وأمره بالعطف تعظيماً لله تعالى بتقديم اسمه، كما
قال ◌َير في الحديث الآخر: ((لا يقل أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل ما شاء الله ثم
شاء فلان)) .
والصواب أن سبب النهي أن الخطب شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات
والرموز، ولهذا ثبت في الصحيح: ((أن رسول الله وَليو كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً ليفهم))
وأما قول الأولين فيضعف بأشياء، ومنها: أن مثل هذا الضمير قد تكرر في الأحاديث الصحيحة
من كلام رسول الله وَّل، كقوله ◌َّله: ((أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)) وغيره من
الأحاديث. وإنما ثنى الضمير ههنا لأنه ليس خطبة وعظ، وإنما هو تعليم حكم، فكلما قل لفظه
كان أقرب إلى حفظه، بخلاف خطبة الوعظ، فإنه ليس المراد حفظها، وإنما يراد الاتعاظ بها،
ومما يؤيد هذا ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن مسعود نظراته قال: ((علمنا
رسول الله * خطبة الحاجة: الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من
يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن
يعصمها فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً)) والله أعلم)) انتهى.
(١) قوله: (عن عديّ بن حاتم) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب النكاح، باب ما يكره من الخطبة،
رقم (٣٢٨١) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب الرجل يخطب على قوس، رقم (١٠٩٩) وفي
كتاب الأدب، باب (بدون ترجمة، بعد باب لا يقال: خبثت نفسي رقم (٤٩٨١) وأحمد في مسنده (٤:
٢٥٦ و٣٧٩).

٣٤٥
كتاب: الجمعة
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) .
قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَقَدْ غَوِيَ.
٢٠٠٨ - (٤٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ.
جَمِيعاً عَنِ ابْنٍ عُيَيْنَةَ. قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ عَطَاءً يُخْبِرُ، عَنْ
صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ (١)؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ بَهِ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ:
قال الشوكاني: ((ولكن وقع في سنن أبي داود عن ابن شهاب: ((أنه سئل عن تشهد النبي وَل
يوم الجمعة ... )) فذكر نحوه، وقال: ((من يعصمهما فقد غوی)).
قلت: ولكن كما تراه مرسل أرسله ابن شهاب، والله أعلم)).
قال السندي: ((فالوجه أن يقال: إن التشريك في الضمير يخل بالتعظيم الواجب بالنظر إلى
بعض المتكلمين، ويوهم التسوية بالنظر إلى أذهان بعض السامعين القاصرين، فيختلف حكمه
بالنظر إلى المتكلمين والسامعين، والله تعالى أعلم.
وقد تقدم منا ما يتعلق بهذا المبحث في شرح قوله وي لقى: ((من كان الله ورسوله أحب إليه
مما سواهما)) من أوائل كتاب الإيمان في باب حلاوة الإيمان. فليراجع(١).
قوله: (ومن يعص الله ورسوله) إلخ: هذا صريح في أن الإنكار إنما وقع على تشريكهما
في الضمير الواحد، لا على ترك الوقف على ((فقد رشد))، كما زعمه الطحاوي في مشكل
الآثار. وقد تقدم الكلام عليه في باب حلاوة الإيمان، وكنت أحلت هناك على مرسل إبراهيم
الذي رواه ابن أبي الدنيا لعدم استحضاري رواية مسلم هذه، وهذا كما تراه صحيح في الرد على
تأويل الطحاوي تقذفهُ والله أعلم.
قوله: (قال ابن نمير: فقد غوي) إلخ: هكذا وقع في النسخ بكسر الواو، قال القاضي:
وقع في روايتي مسلم بفتح الواو وكسرها، والصواب الفتح، وهو من الغي، وهو الانهماك في
الشر.
قوله: (عن صفوان بن يعلى عن أبيه) إلخ: أبوه يعلى بن أمية رقـ
(١) قوله: (عن أبيه) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: ((آمين))
والملائكة في السماء .... ، رقم (٣٢٣٠) وباب صفة النار وأنها مخلوقة، رقم (٣٢٦٦) وفي كتاب
التفسير، تفسير سورة الزخرف، باب ((ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك)) الآية، رقم (٤٨١٩) وأبو داود في
سننه، في كتاب الحروف والقراءات، رقم (٣٩٩٢) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء
في القراءة على المنبر، رقم (٥٠٨) وأحمد في مسنده (٤: ٢٢٣).
(٢) ١ : ٦٣٥، رقم الحديث ١٧٤.

٣٤٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَنَادَوْاْ يَمَلِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧] .
٢٠٠٩ - (٥٠) وحدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ
حَسَّانَ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةً بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ
أُخْتِ لِعَمْرَةً(١)؛ قَالَتْ: أَخَذْتُ ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَحِيدِ﴾ [ ق: ١]
قوله: (ونادوا يا مالك) إلخ: زاد في البخاري: ﴿لَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَّ﴾ [الزخرف: ٧٧] ومالك:
أسلم خازن النار، وقرىء: ((يا مال)) بكسر اللام على الترخيم، وفيه إشعار بأنهم لضعفهم لا
يستطيعون تأدية اللفظ بتمامه، ولله رد من قال:
عن قولهم يا مال وسط جحيم
ما كان أغنى أهل نار جهنم
عجزوا عن استكمال لفظة مالك
فلأجل ذا نادوه بالترخيم
وقوله: (ليَقْض عَلَيْنَا رَبُّك)) أي بالموت. قال الطيبي: ((من ((من قضى عليه)) أي أماته،
﴿فَوَكَزَمُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهٌ﴾ [القصص: ١٥] والمعنى سل ربك أن يقضى علينا، يقولون هذا لشدة ما
بهم، فيجابون بقوله: ((إِنَّكُمْ ماكِثُوْنَ)) أي خالدون، وفيه نوع استهزاء بهم)).
وقال ابن الملك: ((أي ليبيّن لنا قدر لبثنا في النار، فيقول لهم مالك: إنكم ماكثون، أي
لكم لبث طويل فيها لا نهاية له، وهذا يدل على أن قراءة آية الوعظ والتخويف على المنبر سنة)).
قال القسطلاني في شرح مسلم: ((يحتمل أنه وَ لفرقرأ هذه الآية فقط، وأنه قرأ السورة كلها))
انتهى. والثاني بعيد جداً.
(٥)﴾ [الزخرف: ٧٥] أي
فإن قيل: كيف نادوا مع قوله: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
ساکتون سکوت یاس.
أجيب بأنها أزمنة متطاولة، وأحقاب ممتدة، فتختلف بهم الأحوال، فيسكتون أوقاتاً لغلبة
اليأس عليهم، ويستغيثون أوقاتاً لشدة ما بهم، كذا في شرح المواهب للزرقاني.
قال الحافظ: ((ظاهر الآية أنهم بعد ما طال إبلاسهم تكلموا، والمبلس: الساكت بعد
اليأس من الفرج، فكان فائدة الكلام بعد ذلك حصول بعض ترج لطول العهد، أو النداء يقع قبل
الإبلاس، لأن الواو لا تستلزم ترتيباً، والله أعلم.
قوله: (عن أخت لعمرة) إلخ: قال النووي: ((هذا صحيح يحتج به، ولا يضر عدم
(١) قوله: (عن أخت لعمرة) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح باب القراءة في الصبح
بقاف، رقم (٩٥٠) وفي كتاب الجمعة، باب القراءة في الخطبة، رقم (١٤١٢) وأبو داود في سننه في =

٣٤٧
كتاب: الجمعة
مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ،وَهِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِهَا عَلَى الْمِنْبَرِ، فِي كُلِّ جُمُعَةٍ.
٢٠١٠ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ
يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ. كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْهَا. بِمِثْلٍ
حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَلٍ.
٢٠١١ - (٥١) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
خُبَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ، عَنْ بِنْتٍ لِحَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ؛ قَالَتْ: مَا حَفِظْتُ
تسميتها، لأنها صحابية، والصحابة كلهم عدول.
قلت: وأخت عمرة هذه هي أم هشام بنت حارثة بن النعمان، المذكورة في الروايات
الآتية)).
قال في تهذيب التهذيب: ((أم هشام بنت حارثة بن النعمان له صحبة، وهي أخت عمرة
بنت عبد الرحمن لأمها، روت عنها أختها عمرة، ومحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن زرارة،
ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة)) اهـ.
قوله: (من في رسول الله (وَظاهر) إلخ: هو تحقيق للأمر، قاله الأبي نظّفُ.
قوله: (وهو يقرأ بها على المنبر) إلخ: قال العلماء: سبب اختيار ((ق)) لأنها مشتملة على
على ذكر الموت، والبعث، وأحوالهما، وفيها المواعظ البليغة، والزواجر الأكيدة. قاله
النووي كلثُ .
وفي المرقاة: ((قال الطيبي كثُّ نقلاً عن المظهر، وتبعه ابن الملك: ((إن المراد أول السورة
لا جميعها، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقرأ في جميعها في الخطبة: إلخ. وفيه: أنه لم يحفظ
أنه علَّلا كان يقرأ أوّلها في كل جمعة، وإلا كانت قراءتها واجبة، أو سنة مؤكدة، بل الظاهر أنه
كان يقرأ جمعة بعضها، فحفظت الكل في الكل، والله أعلم. والحمل على كل السورة في كل
خطبة مستبعد جداً)) اهـ.
قال الشوكاني بعد ذكر الأحاديث الواردة في الباب: ((والظاهر من أحاديث الباب أن
النبي 18 كان لا يلزم قراءة سورة أو آية مخصوصة في الخطبة، بل كان يقرأ مرة هذه السورة،
ومرة هذه، ومرة هذه الآية، ومرة هذه)).
قوله: (عن عبد الله بن محمد بن معن) إلخ: في تهذيب التهذيب: ((عبد الله بن معن
المدني، روى عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان حديث: ((ما حفظت ((ق)) إلا من في
= كتاب الصلاة، باب الرجل يخطب على قوس، رقم (١١٠٠) و(١١٠٢) و(١١٠٣) وأحمد في مسنده (٦:
٤٣٥ و ٤٣٦ و ٤٦٣).

٣٤٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(قَ) إِلَّ مِنْ فِي رَسُولِ اللّهِ وَّهِ. يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ. قَالَتْ: وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ
رَسُولِ اللَّهِ لَّهِ وَاحِداً .
١٠١٢ - (٥٢) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا
أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
حَزْمِ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ أَمِّ هِشَامِ
بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ؛ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ وَاحِداً. سَنَتَيْنِ أَوْ
سَنَةً وَبَعْضَ سَنَّةٍ. وَمَا أَخَذْتُ ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ إِلاَّ عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللّهِ وَهُ. يَقْرَؤُهَا
كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ. إِذَا خَطَبَ النَّاسَ.
٢٠١٣ - (٥٣) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ، عَنْ
حُصَيْنٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةً(١). قَالَ: رَأَىْ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ
رسول الله (َ﴾)) وعنه خبيب بن عبد الرحمن، ذكره ابن حبان في الثقات، وليس له في الكتابين
(أي صحيح مسلم وسنن أبي داود) غير هذا الحديث)) اهـ.
قوله: (وكان تنورنا تنور) إلخ: إشارة إلى حفظها ومعرفتها بأحوال النبي وَّر وقربها من
منزله. قاله النووي تقذفُ .
قوله: (عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن سعد بن زرارة) إلخ: قال النووي:
((هكذا هو في جميع النسخ: سعد بن زرارة، وهو الصواب، وكذا نقله القاضي عن جميع
النسخ، وروايات جميع شيوخهم، قال: وهو الصواب.
قال: وزعم بعضهم أن صوابه ((أسعد)) وغلط في زعمه، وإنما أوقعه في الغلط اغتراره بما
في كتاب الحاكم أبي عبد الله بن البيع، فإنه قال: ((صوابه أسعد، ومنهم من قال: سعد))،
وحكى ما ذكره عن البخاري، والذي في تاريخه البخاري ضد ما قال، فإنه قال في تاريخه:
(سعد، وقيل: أسعد، وهو وهم فانقلبت الكلام على الحاكم، أسعد بن زرارة سيد الخزرج،
وأخوة هذا سعد بن زرارة جد يحيى وعمرة، أدرك الإسلام، ولم يذكره كثيرون في الصحابة،
لأنه ذكر في المنافقين)).
قوله: (عن أم هشام) إلخ: قال الحافظ كثّفُ في التهذيب: ((قال ابن عبد البر في
الاستيعاب: ((لم يسمع يحيى منها، وبينهما عبد الرحمن بن سعيد)) اهـ والله أعلم.
قوله: (عن عمارة بن روبية) إلخ: بضم العين، وتخفيف الميم، ورويبة بالتصغير.
(١) قوله: (عن عمارة بن رويبة) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الجمعة، باب القراءة في الخطبة =

٣٤٩
كتاب: الجمعة
رَافِعاً يَدَيْهِ. فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ. لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ
بِيَدِهِ هُكَذَا. وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ.
٢٠١٤ - (٠٠٠) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدٍ
الرَّحْمُنِ؛ قَالَ: رَأَيْتُ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، يَوْمَ جُمُعَةٍ، يَرْفَعُ يَدَيْهِ. فَقَالَ عُمَارَةُ بْنُ رُؤَيْبَةَ.
فَذَكَرَ نَخَوَهُ.
(١٤) - باب: التحية والإمام يخطب
٢٠١٥ - (٥٤) وحدّثنا أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ
(وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ) عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ(١)؛ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ وَّه يَخْطُبُ
قوله: (رافعاً يديه) إلخ: أي عند التكلم، كما هو دأب الوعاظ إذا جموا يشهد قوله:
((وأشار بإصبعه المسبحة)) قاله الطيبي تغذّثُ .
قوله: (قبح الله هاتين اليدين) إلخ: دعاء عليه، أو إخبار عن قبح صنعه، نحو قوله تعالى:
﴿َبَّتْ يَدَآ أَبِ لَهَبٍ﴾ [المسد: ١].
قوله: (وأشار بإصبعه المسبحة) إلخ: بالجر، ويجوز الرفع والنصب. قال الطيبي: ((قوله:
(يقول)) أي يشير عند التكلم في الخطبة بإصبعه، يخاطب الناس وينبههم على الاستماع. كذا في
المرقاة.
رقم (١٤١٣) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب رفع اليدين على المنبر، رقم (١١٠٤) والترمذي
=
في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية رفع الأيدي على المنبر، رقم (٥١٥) والدارمي في
سننه في كتاب الصلاة، باب كيف يشير الإمام في الخطبة، رقم (١٥٦٨) و(١٥٦٩) وأحمد في مسنده (٤ :
١٣٥ و ١٣٦ و٢٦١).
(١) قوله: (عن جابر بن عبد الله) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، باب إذا رأى الإمام
رجلاً جاء وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين، رقم (٩٣٠) وباب ما جاء والإمام يخطب صلى ركعتين
خفيفتين، رقم (٩٣١) وفي كتاب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، رقم (١١٦٦) والنسائي في
سننه، في كتاب الجمعة، باب الصلاة يوم الجمعة لمن جاء وقد خرج الإمام، رقم (١٣٩٦) وباب الصلاة
يوم الجمعة لمن جاء والإمام يخطب، رقم (١٤٠١) وباب مخاطبة الإمام رعيته وهو على المنبر، رقم
(١٤١٠) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب إذا دخل الرجل والإمام يخطب، رقم (١١١٥ -
١١١٧) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الركعتين إذا جاء الرجل والإمام يخطب،
رقم (٥١٠) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء فيمن دخل المسجد
والإمام يخطب، رقم (١١١٢) و(١١١٤) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب فيمن دخل المسجد
يوم الجمعة، والإمام يخطب، رقم (١٥٥٩) وباب الكلام في الخطبة، رقم (١٥٦٣) وأحمد في مسنده (٣:
٢٩٧ و٣٠٨ و٣١٦ و٣٦٣ و٣٦٩ و٣٨٠ و٣٨٩).

٣٥٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَّهِ: ((أَصَلَّيْتَ يَا فُلاَنُ؟)) قَالَ: لاَ. قَالَ: ((قُمْ
فَازگغْ)).
قال النووي: ((وفيه أن السنة أن لا يرفع اليد في الخطبة، وهو قول مالك، وأصحابنا،
وغيرهم، وحكى القاضي عن بعض السلف وبعض المالكية إباحته، لأن النبي ◌ُّو رفع يديه في
خطبة الجمعة حين استسقى. وأجاب الأولون بأن هذا الرفع كان لعارض.
قوله: (إذ جاء رجل) إلخ: قال الحافظ: ((هو سليك ـ بمهملة مصغراً - ابن هدية. وقيل:
ابن عمرو الغطفاني - بفتح المعجمة، ثم المهملة، بعدها فاء - من غطفان بن سعيد بن قيس
عيلان. ووقع مسمى في هذه القصة عند مسلم من رواية الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن
جابر بلفظ: ((جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة - ورسول الله وسير على المنبر - فقعد سليك قبل أن
يصلي، فقال له: أصليت ركعتين؟ قال: لا، فقال: قم فاركعهما)) ومن طريق الأعمش عن أبي
سفيان عن جابر نحوه، وفيه: ((فقال له: يا سليك، قم فاركع ركعتين، وتجوز فيهما)) هكذا رواه
حفاظ أصحاب الأعمش عنه، ووافقه الوليد بن أبي بشر عن أبي سفيان عند أبي داود،
والدارقطني، وشذ منصور بن أبي الأسود عن الأعمش بهذا الإسناد، فقال: جاء النعمان بن
قوقل)) (بالقافين) فذكر الحديث، أخرجه الطبراني، قال أبو حاتم الرازي: وَهِمَ فيه منصور - يعني
في تسمية الآتي - وقد روى الطحاوي من طرق حفص بن غياث، عن الأعمش قال: سمعت أبا
صالح يحدث بحديث سليك الغطفاني، ثم سمعت أبا سفيان يحدث به عن جابر، فتحرر أن هذه
القصة لسليك، وروى الطبراني أيضاً من طريق أبي صالح عن أبي ذر: ((أنه النبي ◌َّ وهو
يخطب، فقال لأبي ذر: صليت ركعتين؟ قال: لا، ..... )) الحديث، وفي إسناده ابن لهيعة،
وشذ بقوله: ((وهو يخطب)) فإن الحديث مشهور عن أبي ذر: ((أنه جاء إلى النبي وَّل وهو جالس
في المسجد)) أخرجه ابن حبان وغيره، وأما ما رواه الدارقطني من حديث أنس قال: ((دخل رجل
من قيس المسجد .... )) فذكر نحو قصة سليك: فلا يخالف كونه سليكاً، فإن غطفان من قیس،
كما تقدم، وإن كان بعض شيوخنا غاير بينهما، وجوز أن تكون الواقعة تعددت فإنه لم يتبين لي
ذلك.
ومن المستغربات ما حكاه ابن بشكوال في المبهمات أن الداخل المذكور يقال له: أبو
هدبة، فإن كان محفوظاً فلعلها کنیة سلیك صادفت اسم أبيه.
مشروعية صلاة ركعتين عند دخول المسجد،
والإمام يخطب وأقوال العلماء في ذلك، وتحقيق المقام
قوله: (قم فاركع) إلخ: زاد في بعض الروايات: (ركعتين)).
قال الشوكاني: ((والأحاديث المذكورة في الباب تدل على مشروعية تحية المسجد حال
٠٠

٣٥١
كتاب: الجمعة
٢٠١٦ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ
الخطبة، وإلى ذلك ذهب الحسن، وابن عيينة، والشافعي وأحمد، وإسحاق، ومكحول، وأبو
ثور، وابن المنذر، وحكاه النووي عن فقهاء المحدثين، وحكى ابن العربي أن محمد بن الحسن
حكاه عن مالك.
وذهب الثوري وأهل الكوفة، إلى أنه يجلس ولا يصليهما حال الخطبة، وحكى ذلك
الترمذي، وحكاه القاضي عياض عن مالك، والليث، وأبي حنيفة، وجمهور السلف من الصحابة
والتابعين، وحكاه العراقي عن محمد بن سيرين، وشريح القاضي والنخعي، وقتادة، والزهري،
ورواه ابن أبي شيبة: عن علي، وابن عمر، وابن عباس، وابن المسيب، ومجاهد، وعطاء بن
أبي رباح، وعروة بن الزبير، ورواه النووي عن عثمان)) اهـ.
وفي صحيح البخاري في ((باب الدهن للجمعة)) عن سلمان، قال: قال رسول الله وَله: ((لا
يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من الطهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب
بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له
ما بينه وبين الجمعة الأخرى)).
وفي بعض الروايات بعد قوله: ((إذا تكلم الإمام حتى يقضي صلاته)) وقد بينه أحمد من
حديث نبيشة الهذلي بلفظ: ((فإن لم يجد الإمام خرج صلى ما بداله)).
قال الحافظ في الدراية: ((روى ابن إسحاق بإسناد جيد عن السائب بن يزيد: (كنا نصلي
زمن عمر يوم الجمعة، فإذا جلس على المنبر قطعنا الصلاة، فإذا سكت المؤذن خطب، ولم
یتکلم أحداً».
وعن ثعلبة بن أبي مالك: ((أدركت عمر، وعثمان، وكان الإمام إذا خرج تركنا الصلاة))
اهـ.
وهذا كالإجماع منهم ميه على قطع الصلاة لخروج الإمام وجلوسه على المنبر، وقطع
الكلام لشروعه في الخطبة، كما قال ابن شهاب: ((خروجه (أي الإمام) يقطع الصلاة، وكلامه
يقطع الكلام». وهذا قول ابن شهاب الزهري، وليس حديثاً مرفوعاً كما زعمه بعض فقهاؤنا.
وأما ما رواه البيهقي في السنن عن أبي هريرة مرفوعاً من مثل هذا الكلام، وحسنه العزيزي
في شرح الجامع الصغير، فقال البيهقي: «إنه خطأ فاحش وإنما هو كلام ابن شهاب، ووافقه
عليه غيره من الحفاظ)).
قال في ((التعليق الممجّد)): قال أبو عمر: وهذا يدل على أن الأمر بالإنصات وقطع
الصلاة ليس برأي وإنه سنة احتج بها ابن شهاب لأنه خبر عن علم علمه، لا عن رأي اجتهده،
وأنه عمل مستفيض في زمن عمر وغيره)) اهـ.

٣٥٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ. كَمَا قَالَ حَمَّادٌ. وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّكْعَتَيْنِ.
والحاصل أن ما قال ابن شهاب وإن لم يثبت مرفوعاً: فقد ثبت بعمل عامة السلف، كما
ذکرنا .
وأجاب عنه أبو الفضل العراقي الحافظ في شرح الترمذي: ((إن كل من نقل عنه - يعني من
الصحابة - منع الصلاة والإمام يخطب: محمول على من كان داخل المسجد، لأنه لم يقع عن
أحد منهم التصریح بمنع التحية، وقد ورد فيها حديث يخصها)) اهـ.
قلت: وسيأتي تصريحه أيضاً عن بعضهم، والظاهر من الآثار المذكورة امتناع الصلاة
مطلقاً بعد خروج الإمام، سواء كانت تحية المسجد أو غيرها، ومن ادعى خلاف ذلك فعليه
البيان، ولا يثبت التعامل بمحض الاحتمال.
قال الحافظ في الفتح: ((قال جماعة - منهم القرطبي -: ((أقوى ما اعتمده المالكية في هذه
المسألة عمل أهل المدينة خلفاً عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد مالك: أن التنفل في حال
الخطبة ممنوع مطلقاً)) اهـ.
قلت: مراد القرطبي وغيره اتفاق جمهور السلف على هذا العمل، فلا ينتقض دعواهم بنقل
العمل عن واحد أو اثنين بخلافه، مع أن المسألة مما يكثر به البلوى، ويتكرر في كل أسبوع،
ويؤدي على رؤوس الأشهاد، وقد ورد في حديث نبيشة الهذلي عند أحمد ما هو كالصريح في
نفي تحية المسجد لمن جاء وقت الخطبة ولفظه: ((إن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة، ثم أقبل
إلى المسجد، لا يؤذي أحداً، فإن لم يجد الإمام خرج صلى ما بدا له، وإن وجد الإمام قد
خرج: جلس فاستمع، وأنصت، حتى يقضي الإمام الإمام جمعته وكلامه إن لم يغفر له في
جمعته تلك ذنوبه كلها أن يكون كفارة للجمعة التي تليها)) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح
خلا شيخ أحمد (أي علي بن إسحاق) وهو ثقة.
قلت: ولكنه من طريق عطاء الخراساني عن نبيشة، قال الطبراني: لم يسمع عطاء من أحد
من الصحابة إلا من أنس. كذا في التهذيب فالإسناد إذا ليس بمتصل. وقد أحال عليه الحافظ
في الفتح، ولم يتكلم في إسناده بشيء، ولم يسق المتن كله، وهو متأيد بظاهر ما في حديث
سلمان عند البخاري كما تقدم، فقوله و للمقبل إلى المسجد: ((وإن وجد الإمام قد خرج
جلس ... )): صريح في نفي التحية وغيرها بعد خروج الإمام.
ويؤيده ما رواه الطبراني في الكبير عن ابن عمر قال: سمعت النبي وَّر: ((إذا دخل أحدكم
المسجد والإمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام)) وفيه أيوب ابن نهيك، قال
الهيثمي: وهو متروك، ضعفه جماعة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: يخطىء.
قال الحافظ: ((إنه حديث ضعيف، والأحاديث الصحيحة لا تعارض بمثله)) اهـ.

٣٥٣
كتاب: الجمعة
٢٠١٧ - (٥٥) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. (قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا .
قلت: ولكن يتأيد بمثله حديث نبيشة المتأيد بتعامل عامة السلف، لا سيما وآية الإنصات
تشمل الخطبة أيضاً بعمومها، بل هي مورد النص عند البعض، وقراءة القرآن في الخطبة ليس
موضعها متعيناً .
وقد أخرج الستة عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة - والإمام يخطب -
أنصت، فقد لغوت)) قال العيني: ((وهو حديث مجمع على صحته من غير خلاف لأحد فيه، حتى
كاد أن يكون متواتراً، اهـ.
بل الطحاوي قد ادعى تواتره، وتحرير الطحاوي في هذا المبحث: أنه روى أحاديث عن
سليمان، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأوس بن
أوس ه، كلها تأمر بالإنصات إذا خطب الإمام، فتدل كلها أن موضع كلام الإمام ليس
بموضع للصلاة، فبالنظر إلى ذلك يستوي الداخل والآتي ومع هذا الذي قاله الطحاوي وافقه
عليه الماوردي وغيره من الشافعية.
آثار الصحابة والتابعين في منع الصلاة للداخل والإمام يخطب
وقد ورد فيه آثار كثيرة من الصحابة والتابعين أخرجها الطحاوي وابن أبي شيبة.
قال العيني كثّفُ: ((أما الصحابة فهم: عقبة بن عامر الجهني، وثعلبة بن أبي مالك القرظي،
وعبد الله بن صفوان بن أمية المكي، وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس.
أما أثر عقبة؛ فأخرجه الطحاوي عنه، أنه قال: ((والصلاة - والإمام على المنبر - معصية)).
فإن قلت: في إسناده عبد الله بن لهيعة، وفيه مقال.
قلت وثقة أحمد، وکفی به ذلك.
وأما أثر ثعلبة بن مالك: فأخرجه الطحاوي أيضاً بإسناد صحيح: ((أن جلوس الأمام على
المنبر يقطع الصلاة)).
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا عباد بن العوام، عن يحيى بن سعيد، عن يزيد بن
عبد الله، عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي، قال: ((أدركت عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما،
فكان الإمام إذا خرج تركنا الصلاة، فإذا تكلم تركنا الكلام)).
وأما أثر عبد الله بن صفوان: فأخرجه الطحاوي أيضاً بإسناد صحيح عن هشام بن عروة،
قال: ((رأيت عبد الله بن صفوان بن أمية دخل المسجد يوم الجمعة، وعبد الله بن الزبير يخطب
على المنبر، وعليه إزار ورداء ونعلان، وهو معتم بعمامة، فاستلم الركن، ثم قال: السلام عليك
ورحمة الله وبركاته، ثم جلس ولم یرکع».

٣٥٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: دَخَلَ رَجُلٌ
وأما أثر عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم: فأخرجه الطحاوي
أيضاً عن عطاء، قال: ((كان ابن عمرو وابن عباس يكرهان الكلام والصلاة إذا خرج الإمام يوم
الجمعة)) .
وأما التابعون فهم: الشعبي، والزهري، وعلقمة، وأبو قلابة، ومجاهد.
فأثر الشعبي عامر بن شراحيل: أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عنه عن شريح: ((أنه إذا
جاء وقد خرج الإمام لم يصل)).
وأثر الزهري محمد بن مسلم: أخرجه الطحاوي أيضاً بإسناد صحيح عنه: ((في الرجل
يدخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب؟ قال: يجلس ولا يسبح)).
وأثر علقمة: فأخرجه الطحاوي أيضاً بإسناد صحيح عن القاضي بكار، عن أبي عاصم
النبيل الضحاك بن مخلد، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم، قال لعلقمة: ((أتكلم
والإمام يخطب؟ - أو وقد خرج الإمام؟ - قال: لا، .... )) إلى آخره.
وأثر أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي: أخرجه الطحاوي أيضاً بإسناد صحيح عنه: وأنه
جاء يوم الجمعة والإمام يخطب، فجلس ولم يصل.
وأثر مجاهد: أخرجه الطحاوي أيضاً بإسناد صحيح عنه: ((كره أن يصلي والإمام يخطب)).
وأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً .
فهؤلاء السادات من الصحابة والتابعين الكبار لم يعمل أحد منهم بما في حدیث سلیك،
ولو علموا أنه يعمل به لما تركوه)) اهـ.
قال أبو بكر بن العربي: ((فإذا امتنع الأمر بالمعروف - وهو أمر اللاغي بالإنصات مع قصر
زمنه - (وتحتم وجوبه) فمنع التشاغل بالتحية مع طول زمنها (وعدم وجوبها) أولى، وقال وَل
للذي دخل يتخطى رقاب الناس وهو يخطب: ((اجلس فقد آذيت)) فأمره بالجلوس ولم يأمره
بالتحية. وناقش فيه الحافظ بما ليس بمؤثر.
وأيضاً قصة عمر وعثمان بظاهرها مؤيدة للجمهور، كما تقدم، وكذا قصة من دخل
والنبي ◌َّ يخطب، فقال: ((هلك الكراع .... )) الحديث الحديث في الاستقساء.
وأما قصة سليك فيحتمل اختصاصها به لمصلحة رآها الشارع إذ ذاك، يشير إليه ما في
حديث أبي سعيد الذي أخرجه أصحاب السنن وغيرهم: (جاء رجل - والنبي ◌َّو يخطب والرجل
في هيئة بذة - فقال له: أصليت؟ قال: لا، قال: صل ركعتين، وحض الناس على الصدقة))،
فأمره أن يصلي ليراه بعض الناس وهو قائم فيتصدق عليه.
ويؤيده أن في هذا الحديث عند أحمد: ((أن النبي ◌َّ و قال: إن هذا الرجل دخل المسجد

٣٥٥
كتاب: الجمعة
الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَخْطُبُ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَقَالَ: ((أَصَلَّيْتَ؟)) قَالَ: لاَ. قَالَ: ((قُمْ
فَصَلُ الرَّكْعَتَيْنِ)). وَفِي رِوَايَةِ قُتِبَةً قَالَ: ((صَلِّ رَكْعَتَيْنِ)) .
في هيئة بذة، فأمرته أن يصلي ركعتين، وأنا أرجو أن يفطن له رجل فيتصدق عليه)).
وعرف بهذه الرواية الرد على من طعن في هذا التأويل، فقال: لو كان كذلك لقال لهم:
إذا رأيتم ذا بذة فتصدقوا عليه، أو وإذا كان أحد ذا بذة فليقم فليركع حتى يتصدق الناس عليه،
والذي يظهر أنه لو كان يعتني في مثل هذا بالإجمال دون التفصيل، كما كان يصنع عند
المعاتبة .
ويؤكد الاختصاص أيضاً ما أخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق أبي إسحاق، حدثني
أبان بن صالح، عن مجاهد، عن جابر، قال: ((دخل سليك الغطفاني المسجد يوم الجمعة
- ورسول الله وَله يخطب الناس - فقال له رسول الله وَلقول: ((اركع ركعتين، ولا تعودن لمثل هذا
فركعهما ثم جلس. قال ابن حبان: أراد به الإبطاء)) اهـ.
والظاهر أنه أراد الإبطاء والركوع كليهما، والله أعلم.
فقوله الش يلر: ((لا تعودن لمثل هذا)) يشبه بقوله وَّر في الراكع الواصل إلى الصف: «زادك الله
حرصاً ولا تعد».
وأيضاً قد ثبت أنه وَ﴿ قال لسليك: ((قم فصل ركعتين)) وهذا يدل على أنه كان جالساً،
والتحية تفوت بالجلوس.
وأجيب بأنه كان جاهلاً، وهي لا تفوت به في حق الجاهل.
وتعقب بأن القصة تكررت كما في النسائي، ولأحمد وابن حبان: أنه تكرر أمره بالصلاة
ثلاث مرات في ثلاث جمع، فحملوا جلوسه في المرتين الأخيريين على النسيان، والنساي
عندهم كالجاهل، وهو كما ترى مستبعد جداً .
وفي سنن الدارقطني: ((أنه ◌َّلير لما خاطب سليكاً أمسك عن خطبته، حتى فرغ سليك من
صلاته)) قال الدارقطني: الصواب أنه من رواية سليمان التيمي مرسلاً أو معضلاً.
قال العيني: والمرسل عندنا حجة، وقد اعتضد هذا المرسل بمرسل آخر عن محمد بن
قيس عند ابن أبي شيبة.
قلت: ولكن يخالفه سياق حديث أبي سعيد عند الترمذي، ولفظه: ((أن رجلاً جاء يوم
الجمعة في هيأة بذة، والنبي وهو يخطب، فأمره، فصلى ركعتين والنبي (﴿ ﴿ يخطب)) صححه
الترمذي .
قال صاحب المنتقى: ((وهذا يصرح بضعف ما روى ((أنه أمسك عن خطبته حتى فرغ من
الركعتين)) اهـ.

٣٥٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٠١٨ - (٥٦) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ
وقيل: إن هذه القصة وقعت قبل الشروع في الخطبة، وقد بوب عليه النسائي في سننه
الكبرى، ويدل عليه ما في صحيح مسلم: ((والنبي ◌َّ قاعد على المنبر)) كما سيأتي في الباب،
ومعنى قوله: ((أمسك عن الخطبة)) في رواية الدارقطني: أمسك عن الشروع فيها، كما في
المرقاة .
وأما قوله: ((في سائر الروايات: ((وهو يخطب)): فبمعنى ((يريد)) أو ((يكاد أن يخطب)) وعليه
حمل الشيخ الأنور قدس الله روحه الحديث القولي الذي يأتي في الباب من طريق أبي سفيان عن
جابر: ((إذا جاء أحدكم والإمام يخطب .... )) الحديث كما يدل عليه ما يأتي أيضاً في الباب من
طريق شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر: ((إذا أحدكم وقد خرج الإمام)) بدل قوله: ((والإمام
يخطب)) وفي صحيح البخاري: ((والإمام يخطب أو قد خرج)) بالشك إلا أن الصلاة بعد خروج
الإمام أيضاً مكروهة عند أئمتنا الثلاثة بالاتفاق، والاختلاف بين الإمام وصاحبيه إنما هو في
الكلام لا في الصلاة كما في البدائع والمبسوط وغيرهما .
قال أبو يوسف ومحمد: إن النهي عن الكلام لوجوب استماع الخطبة، وإنما يجب حالة
الخطبة، بخلاف الصلاة، فإنها تمتد غالباً فيفوت الاستماع، وتكبيرة الافتتاح. نعم! هذه العلة
كانت منتفية في حق سليك إن ثبت أن النبي وتر أمسك عن الخطبة لرعايته، كما رواه
الدارقطني، بخلاف الحديث القولي العام، إلا أن يحمل على من تجوز في الركعتين، وكان حاله
كحال سليك في كونه مأموناً من تفويته سماع الخطبة، والله أعلم.
ثم اعلم أن المراد بالركعتين في قصة سليك هي تحية المسجد عند الأكثرين، وقد ورد في
سنن ابن ماجه عن أبي هريرة وجابر ما يخالفه، فإن استفهامه وَ له بقوله: («أصليت ركعتين قبل أن
تجيء)) ورجال إسناده ثقات، وصححه العراقي، وظاهره المجيء من البيت، فهذا كالتصريح في
أن الصلاة ليست تحية المسجد، وادعى المزي وابن تيمية أن قوله: ((قبل أن تجيء)) تصحيف من
((قبل أن تجلس)) كذا في زاد المعاد والتلخيص الحبير، ولكنهم لم يأتوا عليه ببرهان واضح، مع
أن الإمام الأوزاعي قد بنى مذهبه عليه، فقال: إن كان صلى في البيت قبل أن يجيء فلا يصلي
إذا دخل المسجد. بل نقل الشيخ الأنور كثّثُ من ((جزء القراءة)) من مذهب جابر راوي الحديث
ما يشعر به، وحملها الشيخ العارف المحقق ولي الله الدهلوي قدس الله روحه على راتبة الجمعة
القبلية، حيث قال: ((وإلى استحباب الصلاة قبل الخطبة، لما بينا في سنن الرواتب: فإذا جاء
والإمام يخطب فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما، رعاية لسنة الراتبة، وأدب الخطبة جميعاً بقدر
الإمكان)) اهـ.
وفي الطبراني الأوسط عن أبي هريرة: ((أن النبي ولو كان يصلي قبل الجمعة ركعتين،
وبعدها ركعتين)) رواه في ترجمة أحمد بن عمرو، وقد تقدم الكلام مبسوطاً في سنن الجمعة

٣٥٧
كتاب: الجمعة
الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ:
جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ وَّهَ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَخْطُبُ. فَقَالَ لَهُ: ((أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟))
قَالَ: لاَ. فَقَالَ: ((ازْكَعْ)).
القبلية في أوائل هذا الباب. وهذا الكلام كله كان في قصة سليك جزئية.
أما الحديث القولي العام ((إذا جاء أحدكم والإمام يخطب ... )) الحديث فهو حديث
أخرجه الشيخان في صحيحهما، ولكن أعله الدارقطني، ونبه على أن شعبة متفرد في روايته عن
عمرو بن دينار، عن جابر، وقد رواه ابن جريج، وابن عيينة، وحماد بن زيد، وأيوب، وورقاء،
وحبيب بن يحيى، كلهم عن عمرو، وعن جابر، فذكروا قصة سليك، ولم يذكروا هذا التشريع
القولي .
قال الحافظ في المقدمة: ((وتابع شعبة روح بن القاسم عند الدارقطني نفسه، فلم يبق
الشذوذ)).
قلت: وتابع عمرو بن دينار أبو سفيان طلحة بن نافع، عن جابر، عند مسلم، كما هو
مصرح في الباب، فلا سبيل إلا إلى إثبات التعارض أو ادعاء النسخ.
قال العيني كثّفُ مقرراً كلام الطحاوي كتّثهُ ومتعقباً على الحافظ ابن حجر كَّتُهُ: ((إن قضية
سليك كانت في حالة إباحة الأفعال في الخطبة قبل أن ينهى عنها، ألا يرى أن في حديث أبي سعيد
الخدري ربه: ((فألقى الناس ثيابهم)) وقد أجمع المسلمون أن نزع الرجل ثوبه والإمام والإمام
يخطب مكروه؟! وكذلك مس الحصى، وقول الرجل لصاحبه: أنصت، كل ذلك مكروه، فدل ذلك
أن ما أمر به و لو سليكاً وما أمر به الناس بالصدقة عليه كان في حال إباحة الأفعال في الخطبة،
ولما أمر ◌َّه بالإنصات عند الخطبة، وجعل حكم الخطبة كحكم الصلاة، وجعل الكلام فيها لغوا،
كما كان جعله لغواً في الصلاة، ثبت بذلك أن الصلاة فيها مكروهة، فهذا وجه قول القائل النسخ،
ومبني كلامه هذا على الوجه لا على تحرير الكلام في الصلاة)) انتهى كلامه.
أو يقال: إن أدلة الخطر والإباحة قد تعارضت في تحية المسجد، فيترجح الخاطر على
المبيع، لكونه مرحماً، ولكونه قريباً من التواتر، وأوفق بعمل جمهور السلف، وإن ترجح المبيح
لكونه خاصاً ونصاً في المسألة في المسألة، والحاضر ليس كذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصواب.
هذا غاية السعي في هذا المقام، والإنصاف أن الصدر لم ينشرح لترجيح أحد الجانبين إلى
الآن، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.
قوله: (أركعت ركعتين) إلخ: وفي رواية أبي الزبير عن جابر عند البيهقي: ((أركعت
الركعتين؟)) ومن طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عنده: ((أصليت الركعتين)).

٣٥٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٠١٩ - (٥٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ عَمْرٍو؛ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّ خَطَبَ فَقَالَ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ خَرَجَ الإِمَامُ، فَلْيُصَلُ رَكْعَتَيْنِ)) .
٢٠٢٠ - (٥٨) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح.
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((جَاءَ سُلَيْكُ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَّةِ.
وَرَسُولُ اللَّهِ بِّهِ قَاعِدْ عَلَى الْمِنْبَرِ. فَقَعَدَ سُلَيْكٌ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ. فَقَالَ لَّهُ النَِّيُّ ◌َِّ: ((أَرَكَعْتَ
رَكْعَتَيْنِ؟)) قَالَ: لاَ. قَالَ: ((قُمْ فَارْكَعْهُمَا)) .
٢٠٢١ - (٥٩) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ. كِلاَهُمَا عَنْ عِيسَى بْنِ
يُونُسَ. قَالَ ابْنُ خَشْرَمِ: أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِّ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: جَاءَ سِّلَيْكُ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَخْطُبُ، فَجَلَسَ.
قوله: (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة) إلخ: قال النووي: ((وهذا نص لا يتطرق إليه تأويل،
ولا أظن عالماً يبلغه هذا يتلفظ ويعتقده صحيحاً، فيخالفه)) اهـ.
قال الزرقاني: ((إذ لا يسعه مخالفته، لا إن اعتقد عدم صحته لِعلّة أو شذوذ، وإن كان
صحیحاً فيخالفه)) اهـ.
وقال الشيخ ولي الله الدهلوي كثُّهُ: ((ولا تغتر في هذه المسألة بما يلهج به أهل بلدك، فإن
الحدیث صحیح واجب اتباعه)) اهـ.
وقال الشيخ الأكبر كثُّ في الفتوحات: ((فإنه إذا أنصف الإنسان ما ثم ما يعارض الراكع
إذا دخل المسجد)) اهـ.
وقد تقدم بيان المعارضة وترجيح ما هو الأرجح، والله الموفق.
وأما ما قال بعض المدرسين: إن الأصل في الباب قصة سليك، وهي واقعة عين تحتمل
وجوهاً، ثم فهم منها بعض الرواة ضابطة، ورواها كما فهم، فجعل الجزئية كلية: فيساق
الروايات يرده، فإن في بعض الروايات الصحيحة وقع الجمع بين القصة الجزئية والضابطة
الكلية، والأصرح منها مافي سنن أبي داود بعد ذكر قصة سليك: ((ثم أقبل على الناس، ثم قال:
إذا جاء أحدكم ... )) الحديث، فهذا صريح في أنه وَ لقر خاطب به الناس بعد ما خاطب سليكاً،
ونبه على أن الحكم ليس مختصاً به، والله تعالى أعلم.
قوله: (وليتجوز فيها) إلخ: أي ليخفف. قال العلامة الزبيدي: ((المراد بالتخفيف في
الركعتين - كما قال الزركشي -: الاقتصار على الواجبات لا الإسراع، قال: ويدل لذلك ما
ذكروه من أنه إذا ضاق الوقت وأراد الوضوء اقتصر على الواجبات)) اهـ.

٣٥٩
كتاب: الجمعة
فَقَالَ لَهُ: ((يَا سُلَيْكُ! قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنٍ. وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا)). ثُمَّ قَالَ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ، يَوْمَ
الْجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا)).
(١٥) - باب: حديث التعليم في الخطبة
٢٠٢٢ - (٦٠) وحدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ. حَدَّثَنَا
حُمَيْدُ بْنُ هِلاَلٍ. قَالَ: قَالَ أَبُو رِفَاعَةَ(١): انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ بَّهُ وَهُوَ يَخْطُبُ. قَالَ:
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ غَرِيبٌ. جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ. لاَ يَدْرِي مَا دِينُهُ. قَالَ: فَأَقْبَلَ
عَلَيَّ رَسُولُ اللّهِ،وَهُ. وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ. فَأَتِيَ بِكُرْسِيٍّ، حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيداً .
قَالَ: فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ .
قوله: (قال أبو رفاعة) إلخ: أي العدوى: قيل: اسمه تميم بن أسد، وقيل غير ذلك.
قال ابن عبد البر: ((كان من فصحاء الصحابة بالبصرة، قتل بكابل سنة أربع وأربعين)).
قال الحافظ: ((وقال خليفة بن خياط: سنة أربع وأربعين فتح ابن عامر كابل، وقتل بها أبو
قتادة العدوي، ويقال: إن الذي قتل أبو رفاعة العدوى، والله أعلم)).
قوله: (رجل غريب) إلخ: يعني به نفسه، والله أعلم. وفيه: التلطف بالسؤال.
قوله: (يسأل عن دينه) إلخ: ولعله سأله عن الإيمان وقواعده المهمة، ولذا بادر ◌َّل إلى
جوابه وقطع خطبته، لتقديم أهم الأمور فأهمها .
قال عياض: ((إذ لو تركه حتى يفرغ من الصلاة أمكن أن تخترمه المنية، ولأن الإيمان على
الفور)».
قوله: (فأقبل على رسول الله) إلخ: فيه تواضع النبي ◌َّه ورفقه بالمسلمين، وشفقته عليهم،
وخفض جناحه لهم، قال النووي ◌ُّهُ .
قوله: (بكرسي) إلخ: بضم الكاف وكسرها، والضم أشهر.
قوله: (حسبت قوائمه حديداً) إلخ: قال النووي: «هكذا هو في جمیع النسخ: حسبت،
ورواه ابن أبي خيثمة في غير صحيح مسلم: ((خلت)) - بكسر الخاء، وسكون اللام - وهي بمعنى
(حسبت)) .
قوله: (فقعد عليه رسول الله) إلخ: قال النووي: ((ليسمع الباقون كلامه، ويروا شخصه
الکریم».
(١) قوله: (قال أبو رفاعة) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الزينة من المجتبى، باب الجلوس على
الكراسي، رقم (٥٣٧٩) وأحمد في مسنده (٥: ٨٠).

٣٦٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ. ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا.
(١٦) - باب: ما يقرأ في صلاة الجمعة
٢٠٢٣ - (٦١) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (وَهُوَ ابْنُ
بِلاَلٍ) عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنٍ أَبِي رَافِع؛ قَالَ: اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى
الْمَدِينَةِ. وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ. فَصَلَّىَ لَنَا أَبُوَ هُرَيْرَةَ الْجُمُعَةَ. فَقَرَأَ بَعْدَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ
وقال عياض: ((وفيه الجلوس على الكرسي، ولا سيما في مثل هذا، وجلوسه عليه ليسمع
غيره، وليتمكن من مسألته)).
قوله: (وجعل يعلمني مما علمه الله) إلخ: قال النووي كثّفُ: (يحتمل أن هذه الخطبة التي
كان النبي وَلقر فيها: خطبة أمر غير الجمعة، ولهذا قطعها بهذا الفصل الطويل، ويحتمل أنها
كانت الجمعة، واستأنفها، ويحتمل أنه لم يحصل فصل طويلاً، ويحتمل أن كلامه لهذا الغريب
كان متعلقاً بالخطبة، فيكون منها، ولا يضرّ المشي في أثنائها، اهـ. قلت: والاحتمال الثاني
بعيد، لقوله: ((ثم أتى خطبته فأتم آخرها)) وكذا الثالث، فإن الظاهر من الإتيان بالكرسي الفصل
الطويل، وكذا الرابع، لأن قوله: ((وترك خطبته)) وقوله: ((ثم أتى خطبته)) ظاهر في قطع الخطبة،
إلا أن يقال: إنه قطع سلسلة الكلام الذي كان يتكلم به، فالراجح هو الاحتمال الأول، والله
أعلم.
قال صاحب البدائع من أصحابنا: ((ويكره للخطيب أن يتكلم في حالة الخطبة، ولو فعل لا
تفسد الخطبة، لأنها ليست بصلاة، فلا يفسدها كلام الناس، لكنه يكره، لأنها شرعت منظومة
كاللأذان، والكلام يقطع النظم إلا إذا كان الكلام أمراً بالمعروف، فلا يكره، لما روي عن
عمر: ((أنه كان يخطب يوم الجمعة فدخل عليه عثمان، فقال له أية ساعة هذه؟ فقال: ما زدت
حين سمعت النداء - يا أمير المؤمنين - على أن توضأت، فقال: والوضوء أيضاً، وقد علمت أن
رسول الله ( أمر بالاغتسال)) وهذا لأن الأمر بالمعروف يلتحق بالخطبة، لأن الخطبة فيها
وعظ، فلم يبق مكروهاً)).
قوله: (عن ابن أبي رافع) إلخ: هو عبيد الله بن أبي رافع المدني، تابعي سمع علياً،
وأباه، وأبا هريرة.
قوله: (استخلف مروان أبا هريرة) إلخ: أي جعله خليفته ونائبه.
قوله: (وخرج إلى مكة) إلخ: أي مروان.
قوله: (بعد سورة الجمعة) إلخ: أي بعد ما قرأ في الركعة الأولى سورة الجمعة، كما هو
مصرح في الرواية الآتية.