Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كتاب: الجمعة
فَأُنْزِلَتْ هُذِهِ الآيَةُ الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ:
وابن مسعود، وأناساً من الأنصار. قال الحافظ: ((رواية العقيلي أقوى وأشبه بالصواب)).
قوله: (فأنزلت هذه الآية) إلخ: قال بعض الفضلاء: ((الظاهر أنها نزلت بسبب انفضاض
الناس إلى العير المذكورة، والتفاتهم إليها، فنزلت الآية تلوم عليهم فعلهم، ولعل أكثر من فعل
ذلك كان حديث عهد بالإسلام، والله أعلم)).
وفي المرقاة ناقلاً عن الطيبي: ((إن أهل المدينة أصابهم جوع وغلا، فقدم تجارة من زيت
الشام، والنبي ◌ّل﴿ يخطب يوم الجمعة قائماً، فتركوه قائماً، وما بقي معه إلا يسير)) اهـ. ولعلهم
رجوا أن يرجعوا سريعاً فلا يفوتهم الصلاة.
وقال القاضي عياض: وذكر أبو داود في مراسيله: إن خطبة النبي وَّر هذه التي انفضوا
عنها إنما كانت بعد صلاة الجمعة، وظنوا أنه لا شيء عليهم في الانفضاض عن الخطبة، وأنه
قبل هذه القضية إنما كان يصلي قبل الخطبة.
قال القاضي: ((وهذا أشبه بحال الصحابة، والمظنون بهم أنهم ما كانوا يدعون الصلاة مع
النبي ◌َّر، ولكنهم ظنوا جواز الانصراف بعد انقضاء الصلاة.
قال: وقد أنكر بعض العلماء كون النبي ◌ّله ما خطب قط بعد صلاة الجمعة لها.
قال الحافظ كَّهُ: ((وهذا الذي أخرجه أبو داود في مراسيله من قول مقاتل بن حيان مع
شذوذ معضل.
وقد استشكل بعضهم حديث الباب، فقال: إن الله تعالى وصف أصحاب محمد ويلتر بأنهم
لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.
ثم أجاب باحتمال أن يكون هذا الحديث كان قبل نزول الآية)) انتهى. وهذا الذي يتعين
المصير إليه مع أنه ليس في آية النور التصريح بنزولها في الصحابة، وعلى تقدير ذلك فلم يكن
تقدم لهم نهى عن ذلك، فلما نزلت آية الجمعة وفهموا منها ذم ذلك اجتنبوه، فوصفوا بعد ذلك
بما في آية النور، والله أعلم.
تنبيه:
قال الزبيدي الحني في شرح الإحياء: ((عند أصحابنا الجماعة شرط لأدائها (أي الجمعة)
وهم ثلاثة رجال سوى الإمام، وهو قول أبي حنيفة ومحمد وبالإمام عند أبي يوسف، لأن
الإثنين مع الإمام جمع، ولهما أنا لجماعة شرط على حدة والإمام شرط آخر، فيعتبر جمع سوى
الإمام، والله أعلم)).
ثم قال: ((وعند أصحابنا الشرط لانعقاد أدائها بالثلاثة بقاؤهم محرمين مع الإمام، حتى

٣٢٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
﴿وَإِذَا رَأَوْ نِجَرَةً أَوْ لَوَّا أَنفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَرَّكُوُكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١].
١٩٩٥ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ، عَنْ
حُصَيْنٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يَخْطُبُ. وَلَمْ يَقُلْ: ((قَائِماً)).
١٩٩٦ - (٣٧) وحدّثنا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْئَمِ الْوَاسِطِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي الطَّحَّانَ) عَنْ
حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمٍ وَأَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَّهُ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ. فَقَدِمَتْ سِوَيْقَةٌ. قَالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ إِلَيْهَا. فَلَمْ يَبْقَ إِلَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً. أَنَا فِيهِمْ.
قَالَ: فَأَنْزَلَ اللّهُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْ نَِرَةً أَوْ لَمَّوْا أَنْقَضُواْ إِلَيْهَا وَتَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]، إِلَى آخِرٍ
الآيَةِ.
١٩٩٧ - (٣٨) وحدّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم. أَخْبَرِنَا هُشَيْمٌ. أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ أَبِي
سُفْيَانَ وَسَالِمٍ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عُبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ وَّهِ قَائِمٌ يَوْمَ
يسجد السجدة الأولى، فإن انفضوا بعد سجوده أتمها وحده جمعة، وهذا قول أبي حنيفة
وصاحبيه. وقال زفر: ويشترط دوامهم كالوقت إلى تمامها، وإن انفضوا كلهم أو بعضهم، ولم
سيق سوى اثنين قبل سجود الإمام: بطلت عند أبي حنيفة، وعندهما إذا انفضوا جميعاً يتمها
جمعة، لأن الجماعة شرط انعقاد الأداء عنده، وعندهما شرط انعقاد التحريمة)).
قوله: (تجارة أو لهواً) إلخ: قال الحافظ تكلفه: ((الآية ظاهر نزولها بسبب قدوم العير
المذكورة، والمراد باللهو على هذا ما ينشأ من رؤية القادمين وما معهم، ووقع عند الشافعي من
طريق جعفر بن محمد، عن أبيه مرسلاً: ((كان النبي وَّه يخطب يوم الجمعة، وكانت لهم سوق،
كانت بنو سليم يجلبون إليها الخيل والإبل والسمن، فقدموا، فخرج إليهم الناس، وتركوه، وكان
لهم لھو یضربونه، فنزلت)».
قوله: (انفضوا إليها) إلخ: وفي الفتح: ((قال ابن عطية: قال: ((انفضوا إليها)) ولم يقل:
((إليهما)) اهتماماً بالأهّم، إذ كانت هي سبب اللهو من غير عكس، كذا قيل.
وفيه نظر، لأن العطف بـ((أو)) لا يثني معه الضمير، لكن يمكن أن يدعي أن ((أو)) هذا بمعنى
الواو، وعلى تقدير أن تكون ((أو)) على بابها فحقه أن يقول: جيء بضمير التجارة دون ضمير
اللهو للمعنی الذي ذکرہ) اهـ.
أو يمكن من باب الاكتفاء ومراعاة أقرب المذكورين. كما في المرقاة.
قوله: (فقدمت سويقة) إلخ: تصغير سوق، والمراد العير المذكورة في الرواية الأولى،
وسميت سُؤْقاً لأن البضائع تساق إليها، وقيل: لقيام الناس فيها على سوقهم.
قوله: (أنا فيهم) إلخ: فيه منقبة لجابر ◌ُه.

٣٢٣
كتاب: الجمعة
الْجُمُعَةِ. إِذْ قَدِمَتْ عِيرٌ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَابْتَدَرَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَلِهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلاَّ
اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً. فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. قَالَ: وَنَزَلَتْ هُذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَوّ
أَنفَضُوَاْ إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١].
١٩٩٨ - (٣٩) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ كَعْبٍ بْنِ
عُجْرَةً(١)؛ قَالَ: دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ ابْنُ أُمَّ الْحَكَم يَخْطُبُ قَاعِداً. فَقَالَ: انَّظُرُوَاَ
إِلَى هذَا الْخَبِيثِ يَخْطُبُ قَاعِداً. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَةً أَوْ لَوَّا أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا
وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١].
(١٢) - باب: التغليظ من ترك الجمعة
١٩٩٩ - (٤٠) وحدّثني الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ. حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ
(وَهُوَ ابْنُ سَلَّم) عَنْ زَيْدٍ (يَعْنِي أَخَاهُ) أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّم قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مِينَاءَ؛
أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ(٢) حَدَّثَاهُ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ،
قوله: (عن كعب بن عجرة) إلخ: بضم العين وسكون الجيم، نزل الكوفة ومات
بالمدينة،
قوله: (وعبد الرحمن بن أم الحكم) إلخ: بفتحتين، قال الطيبي: ((أظنه من بني أمية))، قال
القاري: ((أو من أتباعهم)).
قوله: (انظروا إلى هذا الخبيث) إلخ: قال النووي: هذا الكلام يتضمن إنكار المنكر،
والإنكار على ولاة الأمور إذا خالفوا السنة، ووجه استدلاله بالآية أن الله تعالى أخبر أن النبي وَؤ
كان يخطب قائماً، وقد قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] مع
قوله تعالى: ((فَاتَّبِعُوهُ))(١) وقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧].
(١) قوله: (عن كعب بن عجرة) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الجمعة، باب قيام الإمام في
الخطبة، رقم (١٣٩٨).
(٢) قوله: (أن عبد الله بن عمر، وأبا هريرة)) الحديث أخرجه النسائي عن ابن عباس وابن عمر رؤيتها، في سننه،
في كتاب الجمعة، باب التشديد في التخلف عن الجمعة، رقم (١٣٧١) والدارمي في سننه، عن ابن عمر
، في كتاب الصلاة، باب فيمن يترك الجمعة من غير عذر، رقم (١٥٧٨) وأحمد في مسنده
وأبي هريرة ﴾
عن ابن عباس وابن عمر ◌ًا (١: ٢٣٩ و٢٥٤ و٣٣٥) و(٢؛ ٨٤).
(٣) قوله تعالى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوَةٌ﴾ (الأنعام: ١٥٤).
=

٣٢٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَلَى أَغْوَادِ مِنْبَرِهِ: (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ. أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ. ثُمَّ
لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ)).
وقال ابن حجر: وصفه بالخبيث لأن إظهار خلاف ما داوم عليه الصلاة والسلام على
رؤوس الأشهاد ینیء عن خبث أي خبث)).
قوله: (على أعواد منبره) إلخ: أي درجاته، أو متكئاً على أعواد منبره في المدينة، وذكره
للدلالة على كمال التذكير، وللإشارة إلى اشتهار هذا الحديث.
قوله: (عن ودعهم الجماعات) إلخ: بفتح الواو وسكون، أي تركهم إياها والتخلف عنها،
من: ودع الشيء، يدعه ودعا: إذا تركه. كذا في النهاية.
وقال الطيبي: ((والنحاة يقولون: إن العرب أماتوا ماضي (يدع)) ومصدره، واستغنوا عنه
بـ((ترك)) والنبي لل أفصح العرب، وإنما يحمل قولهم على قلة استعمالها، فهو شاذ في
الاستعمال، وصحيح في القياس)) اهـ.
وقد جاء في قراءة شاذة: ((ما ودعك ربك)) بتخفيف الدال، كذا في المرقاة.
قوله: (أو ليختمن الله على قلوبهم) إلخ: فيه وعيد شديد على ترك الجمعة، وقد ورد في
الباب أحاديث:
منها ما عن عبد الله بن أبي أوفى عند الطبراني في الكبير، قال: قال رسول الله وَ لقال: ((من
سمع النداء يوم الجمعة، ولم يأتها، ثم سمع النداء ولم يأتها - ثلاثاً -: طبع على قلبه، فجعل
قلب منافق)). قال العراقي: إسناده جيد.
قال النووي: ((وفيه أن الجمعة فرض عين، ومعنى الختم: الطبع وتغطية، قالوا في قول الله
تعالى: ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] أي طبع، ومثله الرين، فقيل: الرين اليسير من الطبع،،
والطبع اليسير عن الإقفال أشدها)).
قال القاضي: ((اختلف المتكلمون في هذا اختلافاً كثيراً، فقيل: هو إعدام اللطف وأسباب
الخير. وقيل هو خلق الكفر في صدورهم، وهو قول أكثر متكلمي أهل السنة. قال غيرهم: هو
الشهادة عليهم. وقيل: هو علامة جعلها الله تعالى في قلوبهم لتعرف بها الملائكة من يمدح ومن
يذم)) اهـ.
وقال العراقي: ((المراد بالطبع على قلبه أنه يصير قلبه قلب منافق، كما تقدم في حديث ابن
أبي أوفى، وقد قال الله تعالى في حق المنافقين: ((فَطُبعَ عَلى قُلُوْبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُوْنَ) (١).
=
وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَبُ أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ فَأَتَّبِعُوهُ﴾ (الأنعام: ١٥٥).
وقال تعالى: ﴿فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِ النَّبِيِّ الْأُمِّ الَّذِى يُؤْمِثُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ وَأَتَّبِعُوهُ ... ﴾ (الأعراف: ١٥٨).
(١) وفي القرآن الكريم وطبع .... بالواو لا بالفاء التوبة: ٨٧.

٣٢٥
كتاب: الجمعة
(١٣) - باب: تخفيف الصلاة والخطبة
٢٠٠٠ - (٤١) حدّثنا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو
الأَخْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ(٢)؛ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ.
فَكَانَتْ صَلاَتُهُ قَصْداً. وَخُطْبَتُهُ قَصْداً .
٢٠٠١ - (٤٢) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
بِشْرٍ. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ. حَدَّثَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ؛ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ
النَّبِّ وَّرِ الصَّلَوَاتِ. فَكَانَتْ صَلاَتُهُ قَصْدَاً. وَخُطْبَتُهُ قَصْداً .
وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: زَكَرِيَّاءُ عَنْ سِمَاكٍ.
قوله: (ثم ليكونن من الغافلين) إلخ: أي معدودين من جملتهم.
قال الطيبي: ((ثم)) لتراخي الرتبة، فإن كونهم من جملة الغافلين المشهود عليهم بالغفلة
أدعى لشقائهم، وأنطق لخسرانهم من مطلق كونهم مختوماً عليهم.
قال القاضي: ((والمعنى أن أحد الأمرين كائن لا محالة: إما الانتهاء عن ترك الجمعات،
وإما ختم الله على قلوبهم، فإن اعتباد ترك الجمعة يغلب الرين على القلب، ويزهد النفوس في
الطاعة، وذلك يؤدى بهم إلى أن يكونوا من الغافلين)).
قوله: (صلاته قصداً) إلخ: أي متوسطة بين الإفراط والتفريط من التقصير والتطويل.
قوله: (خطبته قصداً) إلخ: قال الطيبي: ((القصد في الأصل هو الاستقامة في الطريقة، ثم
استعير للتوسّط في الأمور، والتباعد عن الإفراد، ثم للتوسط بين الطرفين كالوسط، وذلك لا
يقتضي تساوي الصلاة والخطبة ليخالف حديث عمار الآتي)). أي ما رواه مرفوعاً ((إن صلاة
الرجل وقصر خطبته مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهه)).
قوله: (وفي رواية أبي بكر زكرياء عن سماك) إلخ: يعني قال ابن نمير في روايته: عن
(١) قوله: (عن جابر بن سمرة) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الجمعة، باب القراءة في الخطبة
الثانية والذكر فيها فيها، رقم (١٤١٩) وفي كتاب صلاة العيدين، باب القصد في الخطبة رقم (١٥٨٣) وأبو
داود في سننه، في كتاب الصلاة، تفريع أبواب الجمعة، باب الرجل يخطب على قوس، رقم (١١٠١)
والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في قصد الخطبة، رقم (٥٠٧) وابن ماجه في سننه،
في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الخطبة يوم الجمعة، رقم (١١٠٦) والدارمي في سننه،
في كتاب الصلاة، باب قصر الخطب رقم (١٥٦٥) وأحمد في مسنده (٥: ٩١ و٩٣ ٩٤ و٩٥ و١٠٠
و١٠٦ و١٠٧) وانظر أيضاً ما ذكرنا من تخريج حديث رقم (٢٠٠٥).

٣٢٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٠٠٢ - (٤٣) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ،
عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ(١)؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ إِذَا
خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلاَ صَوْتُهُ، وَاشْتَذَّ غَضَبُهُ.
زكرياء، حدثني سماك. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: زكرياء عن سماك، فالفرق بين الروايتين
بالتحديث والعنعة.
قوله: (احمرت عيناه) إلخ: لما ينزل عليه من بوارق أنوار الجلال الصمدانية، وشهود
أحوال الأمة المرحومة، وتقصير أكثرهم في امتثال الأمور المعلومة.
قوله: (وعلا صوته) إلخ: قال ابن الملك: ((لإبلاغ وعظهم إلى آذانهم، وتعظيم ذلك الخبر
في خواطرهم، وتأثيره فيهم)).
قوله: (واشتد غضبه) إلخ: ليتوجه الناس إلى استماع كلامه بجوامع هممهم، ويعرفون أن
ذلك في الإبلاغ مهم جداً، بحيث إنه ◌َّ و يبلغه بغاية الجد، ونهاية الاجتهاد، ويبذل وسعه، ولا
سيما إذا كانت الخطبة مشتملة على ذكر الساعة وقربها .
وفيه: أن على الخطيب أن يعلى صوته ليسمع جميع من في مجلس وعظه، وأن تكون
حركاته وأفعاله مطابقة لأقوله، فإن مطابقة قوله لفعله وموافقة علته لسره هو الداعي إلى قبول أمره
ونهيه، والمُفْضِي إلى استماع حلوه ومره، فإن سامع النصح إذا رأى الناصح فاعلاً ما أمر به
تاركاً ما نهى عنه بادر إلى قبول نصيحته، وأما اشتداد غضبه ويّ فيتحمل كما قال عياض أن
يكون لأمر خولف فيه شرعه، ويحتمل أن يريد أن صفته صفة الغضبان برفعه صوته مبالغة في
تبليغ ما يخطب. ويؤيد هذا قوله: ((حتى كأنه منذر جيش)) قال الزرقاني في شرح المواهب.
وفي شرح الإحياء للعلامة الزبيدي كثّفُ: ((قال الشمس محمد بن طولون الحنفي الدمشقي
في كتابه ((التقريب لشرائط الخطابة وصفات الخطيب)) ما نصه: ((وفي كيفية الخطابة ثلاث
طرائق :
الأولى: طريقة أهل المشرق عامة، وبعض المصريين، ونزر من الشاميين، وهي أن
يخطب بالنعم بصوت هادٍ لطيف مطرب غير مروع، وهذا يحصل به رقة في القلوب، ورواحة
للخطيب، وهم أتقن هذه الطريقة خطيب الموصل من المتقدمين، وعثمان بن شمس الحنفي من
المتأخرين.
(١) قوله: (عن جابر بن عبد الله) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب صلاة العيدين، باب كيف
الخطبة، رقم (١٥٧٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في أرزاق الذرية، رقم
(٢٩٥٤) و(٢٩٥٦) وأحمد في مسنده (٣: ٣١٠ و٣١٩).

٣٢٧
كتاب: الجمعة
حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ. وَيَقُولُ: ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ))
الثانية: طريقة جل المصريين وبعض الشاميين، وهي بين النعم والتحقيق، كأنه يخاطب
مخاطبة ويعاتب معاتبة، وممن أتقن هذه الطريقة: الخطيب بدر الدين الدمشقي من المتقدمين،
وشيخنا العلامة سراج الدين بن الصيرفي الشافعي من المتأخرين.
الثالثة: طريقة جل الشاميين، وهي التحقيق، يصدع بها صدعاً وهي المشابهة لخطابة
رسول الله وَّة، ففي صحيح مسلم وسنن ابن ماجه عن جابر: ((أن النبي ◌َّو كان إذا خطب الناس
احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم)) وهذه
الطريقة الشيخ كمال الدين العثماني، وأولاده، والمنتسبين إليه من المتقدمين، والقاضي
نور الدين بن منعة الحنفي الخطيب بجامع الأفرم بسفح قاسيون من المتأخرين)) اهـ.
قوله: (حتى كأنه منذر جيش) إلخ: إضافة إلى المفعول، أي كمن ينذر قوماً من قرب
جيش عظيم قصدوا الإغارة عليهم.
قوله: (يقول) إلخ: صفة لمنذر، أو حال منه.
قوله: (صبحكم ومساكم) إلخ: بالتشديد فيهما، قال ابن الملك: ((أي سيصبحكم العدو،
وسيمسيكم، يعني سيأتيكم وقت الصباح ووقت المساء)).
قال الطيبي: ((أي صبحكم العدو، وكذا أمساكم، والمراد الإنزار بإغارة الجيش في
الصباح والمساء.
قوله: (بعث أنا والساعة) إلخ: أي بعثني إليكم قريباً من القيامة. قال الحافظ: ((والمراد
بالساعة هنا يوم القيامة، والأصل فيها قطعة من الزمان، وفي عرف أهل الميقات: جزء من أربعة
وعشرين جزءاً من اليوم والليلة، وثبت مثله في حديث جابر رفعه: ((يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة))
وقد بينت حاله في كتاب الجمعة، وأطلقت في الحديث على انخرام قرن الصحابة، ففي صحيح
مسلم عن عائشة: ((كان الأعراب يسألون رسول الله وَ له عن الساعة، فنظر إلى أحدث إنسان
منهم، قال: إن يعيش هذا لم يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم)) وعنده من حديث أنس نحوه،
وأطلقت أيضاً على موت الإنسان الواحد)» اهـ.
قوله: (كهاتين) إلخ: قال الأبي: ((يحتمل أنه تمثيل لاتصال زمنه بزمنها، وأنه ليس بينها
نبي، كما أنه ليس بينهما إصبع أخرى، ويحتمل أنه تمثيل لقرب ما بينهما من المدة، كقرب
السبابة والوسطى.
قلت: اختلف هل يعني ما بينهما في الطول أو العرض؟ والأول أفصح)) اهـ.
وفي حديث مستورد بن شداد: ((بعثت في نفس الساعة، سبقتها كما سبقت هذه لهذه
لأصبعيه السبابة والوسطى)) أخرجه الترمذي والطبري، وقوله: ((في نفس .... )) بفتح الفاء، وهو

٣٢٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. وَيَقُولُ: ((أَمَّا بَعْدُ. فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ. وَخَيْرُ
الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ .
كناية عن القرب، أي بعثت عند تنفسها، وقد تقدم في شرح حديث جبريل من أوائل هذا الكتاب
شيء مما يتعلق به، فليراجع .
قوله: (ويقرن) إلخ: بضم الراء، وفي لغة بكسرها .
قوله: (بين إصبعيه) إلخ: قال الطيبي تقذفُ: ((مثل حال الرسول وَلّله في خطبته وإنذاره القوم
بمجيء القيامة، وقرب وقوعها وتهالك الناس فيما يرديهم أن يهلكهم حال من ينذر قومه عن
غفلتهم بجيش قريب منهم يقصد الإحاطة بهم بغتة من كل جانب، فكما أن المنذر يرفع صوته،
وتحمر عيناه، ويشتد غضبه على تغافلهم، ونظير هذا أنه لما نزل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ
٢١٤
[الشعراء: ٢١٤] صعد عليه الصلاة والسلام الصفا، فجعل ينادي بطون قريبة وأعمامه وعماته،
وأولاده، ويقول: ((لا أغني عنكم من الله شيئاً، أنا النذير العريان)) كذلك حال الرسول وَل عند
الإنذار، وإلى قرب المجيء أشارة بإصبعيه)) .
قوله: (السبابة) إلخ: قال الحافظ: ((والمراد بالسبابة - وهي بفتح المهملة وتشديد
الموحدة - الإصبع التي بين الإبهام والوسطى، وهي المراد بالمسبحة، سميت مسبحة لأنها يشار
بها عند التسبيح، وتحرك في التشهد عند التهليل إشارة إلى التوحيد، وسميت سبابة لأنهم كانوا
إذا تسابوا أشاروا بها)).
قوله: (فإن خير الحديث) إلخ: قال الزرقاني: ((القرآن إنما سماه حديثاً لنزوله منجماً، لا
لكونه ضد القدیم».
قوله: (كتاب الله) إلخ: لاشتماله على ما تميز به من دقائق علوم الفصاحة والبلاغة،
واشتمل عليه من بيان كل شيء، تصريحاً أو تلويحاً. قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَئِنًا
] أي مما يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا والعقبى، كالعلوم الاعتقادية،
لِكُلِّ شَىءٍ﴾ [
والأعمال الشرعية، والأخلاق البهيمة، والأحوال السنية، وغيرها، وقد ورد فضل كلام الله على
سائر الكلام كفضل الله على خلقه، وفيه إشارة واضحة إلى أن كلام الله تعالى غير مخلوق، كذا
في المرقاة.
قوله: (وخير الهدى هدى محمد) إلخ: بضم الهاء وفتح الدال فيهما، وبفتح الهاء،
وسكون الدال فيهما .
قال النووي: ((ضبطناه بالوجهين، وكذا ذكره جماعة بالوجهين، قال عياض: رويناه في
مسلم بالضم، وفي غيره بالفتح، وبه ذكره الهروي. وفسره بالطريق، أي أحسن الطريق طريق
محمد رَّة، يقال: فلان حسن الهدى، أي الطريقة والمذهب.

٣٢٩
كتاب: الجمعة
وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا. وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَاَلَةٌ)).
وأما على رواية الضم فمعناه: الدلالة والإرشاد، وهو الذي يضاف إلى الرسل والقرآن
والعباد. قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَنَّهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا اُلْقُرْءَانَ
يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] وقال: ﴿هُدَّى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وإذا أضيف إلى الله فهو
بمعنى التأييد والتوفيق والعصمة، كقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾
[القصص: ٥٦].
قال (صاحب المواهب): ((وعلى التحقيق يرجع الكل إلى معنى واحد، إذ لكل بخلق الله،
وقدرته وإرادته، وإنما يضاف إلى المخلوق لأنه كاسبه ووسطه في الإيصال. قال ويرجع رواية
الفتح والسكون، مناسبة لقوله: ((ونشر الأمور محدثاتها)) - بفتح الدال ــ فإن المراد بها التي ليس
لها في الشرع أصلٌ يشهد لها بالصحة والجواز. قال: ويرجّح المشورة - أي بضم الهاء وفتح
الدال ـ بأنه لما ذكر بعد كتاب الله علم أن المراد الإرشاد الحاصل منه وَيقول بتبليغ ذلك الكتاب
الذي هو خير الحديث، وإيضاحه وتبينه، وهي الهداية المزيلة للضلال من العالمين)). كذا في
شرح المواهب، للزرقاني كثُّهُ .
قوله: (وشر الأمور محدثاتها) إلخ: بفتح الدال، يعني البدع الاعتقادية والقولية والفعلية.
قوله: (وكل بدعة ضلالة) إلخ: قال علي القاري: ((قال في الأزهار: أي كل بدعة سيئة
ضلالة، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل
بها)) وجمع أبو بكر وعمر القرآن، وكتبه زيد في المصحف، وجدد في عهد عثمان رظٹيت)».
قال النووي: ((البدعة كل شيء عمل على غير مثال سبق، وفي الشرع: إحداث ما لم يكن
في عهد رسول الله وَّر، وقوله: ((كل بدعة ضلالة)) عام مخصوص.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في آخر كتاب القواعد: البدعة إما واجبة، كتعلم
النحو لفهم كلام الله ورسوله، وكتدوين أصول الفقه، والكلام في الجرح والتعديل، وإما محرمة
كمذهب الجبرية، والقدرية، والمرجئة، والمجسمة، والرد على هؤلاء من البدع الواجبة، لأن
حفظ الشريعة من هذه البدع فرض كفاية. وإما مندوبة، كإحداث الربط والمدارس، وكل أحسان
لم يعهد في الصدر الأول، وكالتراويح أي بالجماعة العام، والكلام في دقائق الصوفية. وإما
مكروهة كزخرفة المساجد، وتزويق المصاحف - يعني عند الشافعية، وأما عند الحنفية فمباح -
وإما مباحة كالمصافحة عقيب الصبح والعصر - أي عند الشافعية أيضاً وإلا فعند الحنفية مكروه -
والتوسع في لذائذ المآكل والمشارب والمساكن، وتوسع الإكمام، وقد اختلف في كراهة بعض
ذلك - أي كما قدمنا .
قال الشافعي تخلفه: ما أحدث مما يخالف الكتاب أو السنة أو الأثر أو الإجماع فهو

٣٣٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ضلالة، وما أحدث من الخير مما لا يخالف شيئاً شيئاً من ذلك فليس بمذموم.
وقال عمر رظه في قيام رمضان: ((نعمت البدعة)) هذا هو آخر كلام الشيخ في تهذيب
الأسماء واللغات.
وروى عن ابن مسعود: ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)) وفي حديث مرفوع:
((لا تجتمع أمتي على الضلالة)) كذا في المرقاة.
ولقد تكلم المحقق الشاطبي في الباب الثالث من الجزء الأول من كتاب الاعتصام على
كلام الشيخ عز الدين وصاحبه القرافي في تقسيم البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي، لا من
نصوص الشرع، ولا من قواعده، إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو
إباحة لما كان ثَمَّ بدعة، لكأن العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها، أو المخير فيها،
فالجمع بين تلك الأشياء بدعاً وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها: جمع بين
متنافيين)) أما المكروه منها والمحرم: فمسلم من جهة كونها بدعاً، لا من جهة أخرى، إذ لو دل
دليل على منع أمر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة، لإمكان أن يكون معصية، كالقتل والسرقة
وشرب الخمر ونحوها، فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم البتة، إلا الكراهية والتحريم، حسبما
يذلك في باب، فما ذكره القرافي عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع: صحيح، وما
قسمه فيها غير صحيح.
ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف، ومع معرفته بما يلزمه في خرق
الإجماع، وكأنه إنما اتبع في هذا التقسيم شيخه من غير تأمل، فإن ابن عبد السلام ظاهر منه أنه
سمى المصالح المرسلة بدعاً بناء - والله أعلم - على أنها لم تدخل أعيانها تحت النصوص
المعيّنة، وإن كانت تلائم قواعد الشرع، فمن هنالك جعل القواعد هي الدالة على استحسانها
بتسميته لها بلفظ ((البدع)) وهو من حيث فقدان الدليل المعين على المسألة واستحسانها من حيث
دخولها تحت القواعد، ولما بني على اعتماد تلك القواعد استوت عنده على الأعمال الداخلة
تحت النصوص المعينة، وصار من القائلين بالمصالح المرسلة، وسماها بدعاً في اللفظ كما
سمي عمر ربه الجمع في قيام رمضان في المسجد بدعة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
أما القرافي فلا عذر له في نقل تلك الأقسام على غير مراد شيخه، ولا على مراد الناس،
لأنه خالف الكل في ذلك التقسيم، فصار مخالفاً للإجماع اهـ.
وقد حقق الشاطبي في كتابه هذا كل ما يتعلق ببيان حدود البدعة وأنواعها وأحكامها،
وكونها ضلالة مذمومة، وأزاح كل شبهة تعلق بها المبتدعون بما لا مزيد عليه، فلله الحمد ومنه
الجزاء.

٣٣١
كتاب: الجمعة
تحقيق معنى البدعة وتحديده، وهو بحث لطيف
وتحصل للعبد الضعيف عفا الله عنه من كلمات شيوخنا وإفادتهم: أن الأصل في البدعة
الشرعية إنما هو قول النبي ◌َّير: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) والمراد بالأمر،
كما صرحوا به، فلا يطلق إلا على الأمور المحدثة في الدين، لا على كل أمر محدث، وبهذا
يخرج أمثال التوسع في المطاعم والمراكب وغيرها من الأمور المباحة، بل بعض الرسوم التي
يفعل فاعلوها لا على وجه التقرب والاحتساب أيضاً عن حد البدعة الشرعية، وإن كانت داخلة
في حد البدعة اللغوية، فإن هذه الأفعال لا يباشرها من باشرها ظاناً وناوياً أنها من الدين،
فليست هي من الإحداث في الدين في شيء، وكذا قوله وَلاتر: ((ما ليس منه)) يدل على أن الأمور
التي لها أصل من الكتاب أو من سنته * أو من سنة الخلفاء الراشدين المهدين، أو تعامل عامة
السلف ، أو الاجتهاد المعتبر بشروطه المستند إلى النصوص لا تسمى محدثة ولا بدعة
شرعية، فإن هذه الأصول كلها من الدين تنصيصاً أو تعليلاً، كما تقرر في محله.
قال الشاطبي: ((ومن كلام الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز كَّلُ عني به وبحفظه العلماء،
وكان يعجب مالكاً كفَّفُ جداً، وهو أن قال: ((سن رسول الله وَ ل وولاة من بعده سنناً، الأخذ بها
تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها،
ولا النظر في شيء خالفها، من عمل بها مهتد، ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير
سبيل المؤمنين، وولاه الله ما ولي، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً)) ويحق ما كان يعجبهم، فإنه
كلام مختصر جمع أصولاً حسنة من السنة:
منها: ما نحن فيه، لأن قوله: ((ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها))
قطع لمادة الابتداع جملة، وقوله: ((من عمل لها مهتد .... )) إلى آخر الكلام: مدح لمتبع السنة،
وذم لمن خالفها بالدليل الدال على ذلك، وهو قول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا
نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ثُوَلِّهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَتَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا (9)﴾ [النساء:
١١٥].
ومنها ما سنه ولاة الأمر من بعد النبي ◌َّر، فهو سنة لا بدعة فيه البتة، وإن لم يعلم في
كتاب الله ولا سنة نبيه ◌َّله نص عليه على الخصوص، فقد جاء ما يدل عليه في الجملة، وذلك
نص حديث العرباض بن سارية رضيه حيث قال فيه: ((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين
المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور)) فقرن عليه السلام - كما
ترى - سنة الخلفاء الراشدين بسنته وأن من اتباع سنته اتباع سنتهم، وأن المحدثات خلاف ذلك
ليست منها في شيء، لأنهم ه فيما سنوه: إما متبعون لسنة نبيهمعظلَّ نفسها، وإما متبعون لما
فهموا من سنته وَّر في الجملة، والتفصيل على وجه يخفى على غيرهم مثله لا زائدة على ذلك،

٣٣٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وسيأتي بيانه بحول الله، على أن أبا عبد الله الحاكم نقل عن يحيى بن آدم في قول السلف
الصالح: ((سنة أبي بكر وعمر ظًّ)) أن المعنى فيه أن النبي وَّ مات وهو على تلك السنة، وأنه
لا يحتاج مع قول النبي ◌َّل إلى قول أحد، وما قاله صحيح في نفسه، فهو مما يحتمله حديث
العرباض له، فلا زائد إذاً على ما ثبت في السنة النبوية إلا أنه قد يخاف أن تكون منسوخة
بسنة أخرى، فافتقر العلماء إلى النظر في عمل الخلفاء بعده، ليعلموا أن ذلك هو الذي مات عليه
النبي ◌َّر من غير أن يكون له ناسخ، لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث من أمره)) انتهى.
والحاصل أن البدعة الشرعية هو إحداث أمر ليس له ثبوت بواحد من الأصول الأربعة
الدينية زاعماً أنه من الدين، ومظنة للإثابة من الله والتحسين، وعلى هذا فما أمر به الشارع إيجاباً
أو ندباً - من: طلب العلم، وحفظه، وتبليغه، ونصرة الدين، والذب عنه، وتزكية النفوس،
وتهذيبها إن توقف امتثاله في هذا الزمان على تحصيل أسباب وذرائع كانت للسلف غنية عنها
لوجوه وأحوال مختصة بهم، كتدوين العلوم، وتصنيف الكتب، وبناء المدارس بهيئاتها الكذائية،
وغيرها، فمباشرة تلك الأسباب ليست من البدعة الشرعية، وقد ثبت في الأصول أن ما لا يتم
الواجب إلا به فهو واجب، وما يتوقف عليه المأمور به فهو أيضاً مأمور به، فهو من الدين
حكماً، وليس هو من الإحداث في الدين ما ليس منه.
وهذا كما يأمر الطبيب المريض بأن يستعمل المعجون الفلاني، ولم يوجد في السوق،
فأخذ المريض بجميع أجزائه من غير زيادة ولا نقص، وسواها معجوناً جيد القوام من تلقاء
نفسه، فالاشتغال بمبادىء التسوية وإعمال الفكر في طرقها، وإن لم يكن مما أمر به الطبيب
صريحاً، ولكنه داخل فيه حكماً، كما هو الظاهر. نعم! أن زاد في النسخة دواء أو نقص منها،
أو بدل دواء بدواء آخر، أو غيّر أوقات استعماله، أو تصرف في أوزانه - مثلاً - من غير أمر
الطبيب المعالج ففي هذا مخالفة لأمره، ومداخلة في وظائفه التي ليست لغيره أن يداخلها .
وهكذا شأن الشرعيات لا يسوغ الزيادة عليها، ولا النقص منها، ولا إخراجها عن أوقاتها
وحدودها، ولا تقييد مطلقاً ولا إطلاق مقيدها، ولا تعيين كيفياتها وهيئاتها: بمحض الرأي
والتخمين .
قال المحقق الشاطبي تقذفُ في ((الاعتصام)): ((والأصل مادة ((بدع)) الاختراع على غير مثال
سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْسِّ وَإِذَا قَضَىَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[البقرة: ١١٧ والأنعام: ١٠١] أي مخترعهما من غير مثال سابق متقدم، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنُتُ بِدْعًا
مِّنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] أي ما كنت أول ما جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من
الرسل، ويقال: ابتدع فلان بدعة، يعني ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق، وهذا أمر بديع: يقال
في الشيء المستحسن الذي لا مثال له في الحسن، فكأنه لم يتقدمه ما هو مثله، ولا ما يشبهه،

كتاب: الجمعة
٣٣٣
ومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة، فاستخراجها للسلوك عليه هو الابتداع، وهيئتها هي
البدعة، وقد يسمى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة، فمن هذا المعنى سمي العمل الذي لا
دليل عليه في الشرع بدعة، وهو إطلاق أخص منه في اللغة حسبما يذكر بحول الله)).
ثم قال: ((فالبدعة إذاً عبارة عن طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك
عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه وتعالى)).
ثم قال في موضع آخر: ((وقد يكون أصل العمل مشروعاً ولكنه يصير جارياً مجرى البدعة،
وبيانه أن العمل يكون مندوباً إليه - مثلاً - فيعمل به العامل في خاصة نفسه على وضعه الأول من
الندبية، فلو اقتصر العامل على هذا المقدار لم يكن به بأس، ويجري مجراه إذا دام عليه في
خاصيته غير مظهر له دائماً، بل إذا أظهره لم يظهره على حكم الملتزمات من السنن الرواتب
والفرائض اللوازم، فهذا صحيح لا إشكال فيه، وأصله ندب رسول الله وَلو لإخفاء النوافل
والعمل في البيوت، وقوله: أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة، فاقتصر في الإظهار
على المكتوبات - كما ترى - وإن كان ذلك في مسجده ظلّلا أو في المسجد الحرام أو في مسجد
بيت المقدس، حتى قالوا: إن النافلة في البيت أفضل منها في أحد هذه المساجد الثلاثة بما
اقتضاه ظاهر الحديث، وجرى مجرى الفرائض في الإظهار: السنن، كالعيدين، والخسوف،
والاستقساء، وشبه ذلك، فبقي ما سوى ذلك حكمه الإخفاء، ومن هنا ثابر السلف الصالح ـ
على إخفاء الأعمال فيما استطاعوا، أو خف عليهم اقتداء بالحديث ويفعلهتعلّله، لأنه القدوة
والأسوة)).
قال: ((ووجه دخول الابتداع هنا أن كل ما واظب عليه رسول الله وَ لقر من النوافل، وأظهره
في الجماعات: فهو سنة، فالعمل بالنافلة التي ليست بسنة على طريق العمل بالسنة إخراج للنافلة
عن مكانها المخصوص بها شرعاً، ثم يلزم من ذلك اعتقاد العوام فيها، ومن لا علم عنده أنها
سنة، وهذا فساد عظيم، لأن اعتقاد ما ليس بسنة والعمل بها على حد العمل بالسنة نحو من
تبديل الشريعة، كما لو اعتقد في الفرض أنه ليس بفرض، أو بما ليس بفرض: أنه فرض، ثم
عمل على وفق اعتقاده، فإنه فاسد، فهب العمل في الأصل صحيحاً، فإخراجه عن بابه اعتقاداً
وعملاً من باب إفساد الأحكام الشرعية)).
وقال في موضع آخر: ((ومن البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقة أن يكون أصل العبادة
مشروعاً، إلا أنها تخرج من أصل شرعيتها بغير دليل، توهماً أنها باقية على أصلها تحت مقتضى
الدليل. وذلك بأن يقيد إطلاقها بالرأي، أو يطلق تقييدها. وبالجملة فتخرج عن حدها إلى حد
لها .
قال: ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تشرع لها تخصيصاً،

٣٣٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذا من الركعات، أو بصدقة كذا وكذا، أو الليلة الفلانية بقيام
كذا وكذا ركعة، أو بختم القرآن فيها، أو ما أشبه ذلك، فإن ذلك التخصيص والعمل به إذا لم
يكن يحكم الوفاق أو يقصد مثله أهل العقل والفراغ والنشاط: كان تشريعاً زائداً، ولا حجة له
في أن يقول: إن هذا الزمان ثبت فضله على غيره، فيحسن فيه إيقاع العبادات، لأنا نقول: هذا
الحسن هل ثبت له أصل أم لا؟ فإن ثبت فهي مسألتنا، كما ثبت الفضل في قيام ليالي رمضان،
وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام الإثنين والخميس، فإن لم يثبت فما مستندك فيه؟ والعقل
لا يحسن ولا يقبح، ولا شرع يستند إليه، فلم يبق إلا أنه ابتداع في التخصيص)).
وقال في موضع آخر: ((إن هذا أصلاً لهذه المسألة، لعل الله ينفع به من أنصف من نفسه،
وذلك أن سكوت الشارع عن الحكم في مسألة، أو تركه لأمر على ضربين:
أحدهما: أن يسكت عنه أو يتركه، لأنه لا داعية له تقتضيه، ولا موجب يقرر لأجله، ولا
وقع سبب تقريره، كالنوازل الحادثة بعد وفاة النبي ◌َّله، فإنها لم تكن موجودة، ثم سكت عنها
مع وجودها، وإنما حدثت بعد ذلك، فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها، وإجرائها على ما تبين
في الكليات التي كمل بها الدين، وإلى هذا الضرب يرجع جميع ما نظر فيه السلف الصالح مما
لم يسنه رسول الله صل على الخصوص مما هو معقول المعنى، فهذا الضرب إذا حدثت أسبابه
فلا بد من النظر فيه وإجرائه على أصوله إن كان من العاديات، أو من العبادات التي لا يمكن
الاقتصار فيها على ما سمع، كمسائل السهو والنسيان في إجراء العبادات، ولا إشكال في هذا
الضرب، لأن أصول الشرع عقيدة، وأسباب ذلك الأحكام لم تكن في زمان الوحي، فالسكوت
عنها على الخصوص ليس بحكم يقتضي جواز الترك أو غير ذلك، بل إذا عرضت النوازل روجع
بها أصولها، فوجدت فيها ولا يجدها من ليس بمجتهد، وإنما يجدها المجتهدون الموصوفون
في علم أصول الفقه .
والضرب الثاني: أن يسكت الشارع عن الحكم الخاص، أو يترك أمراً من الأمور،
وموجبه المقتضى له قائم، وسببه في زمان الوحي وفيما بعده موجود ثابت، إلا أنه لم يحدد فيه
أمر زائد على ما كان من الحكم العام في أمثاله، ولا ينقص منه، لأنه لما كان المعنى الموجب
الشرعية الحكم العقلي الخاص موجوداً، ثم لم يشرع، ولا نبه على السبطا كان صريحاً في أن
الزائد على ما ثبت هنالك بدعة زائدة، ومخالفة لقصد الشارع، إذ فهم من قصده الوقوف عند ما
حد هنالك، لا الزيادة عليه ولا النقصان منه)).
ثم قال: ((إن التشديد عن حكم الفعل أو الترك هنا إذا وجد المعنى المقتضى له إجماع من
كل ساكت على أن لا زائد على ما كان، إذ لو كان ذلك لائقاً شرعاً أو سائغاً لفعلوه، فهم كانوا
أحق بإدراكه والسبق إلى العمل به، إذ لا يصح أن تكون العلة غير مؤثرة في زمان النبي ◌َل

٣٣٥
كتاب: الجمعة
والخلفاء بعده، ثم تصير مؤثرة، ولذلك قال مالك: أترى الناس اليوم كانوا أرغب في الخير
ممن مضى)) اهـ.
وبالجملة: فالخبر كله في السنة، والاقتداء بالسلف الصالح الذين هم نجوم الهداية،
وأعلام الصدق والحق، وما ذا بعد الحق إلا الضلال، فأنى تصرفون.
وفي الإبداع لبعض الفضلاء المصريين: ((بقي علينا تحقيق ((ما رآه المسلمون حسناً .... ))
إلى آخره فقد اعتاد كثير من الناس أن يستدلوا على عدم كراهة ما اعتادوه من البدع بهذا الأثر،
وهذا الاستدلال لا يصح، والحديث عليهم لا لهم، لأنه بعض حديث موقوف على ابن مسعود
رواه أحمد، والبزار، والطبراني، وغيرهم هكذا: ((إن الله تعالى نظر في قلوب العباد فاختار
محمداً، فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فاختار له أصحاباً، فجعلهم أنصار دينه، ووزراء
فيه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح)) ولا
شك أن اللام في المسلمين)) ليس لمطلق الجنس، لئلا يكون مخالفاً لقوله وَ له: ((ستفترق أمتي
على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة)) لأن كلامه فرق الأمة مسلم(١) يرى تدينه
حسناً، فيلزم أن لا يكون فرقة منها في النار، وكذا بعض المسلمين يرى شيئاً حسناً وبعضهم يراه
قبيحاً فيلزم أن لا يتميز الحسن من القبيح، فهي إما للعهد، والمعهود ما ذكره في قوله: ((فاختار
له أصحاباً)) فيكون المراد بالمسلمين الصحابة فقط، أو الاستغراق خصائص الجنس، فيراد
بالمسلمين: أهل الاجتهاد الذين هم الكاملون في صفة الإسلام، صرفاً للمطلق إلى الكامل، لأن
المطلق عند عدم القرينة ينصرف إلى الفرد الكامل، وهو المجتهد، فيكون ما رآه الصحابة أو أهل
الاجتهاد حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه الصحابة أو أهل الاجتهاد قبيحاً فهي عند الله قبيح،
ويجوز أن تكون للاستغراق الحقيقي، فيكون المعنى ما رآه جميع المسلمين حسناً أو قبيحاً فهو
عند الله كذلك، وما اختلف فيه فالعبرة فيه القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير، وأظهر هذه
الاحتمالات الثلاثة في اللام وأصحها: الاحتمال الأول، كما تدل عليه الفاء الداخلة على ((ما
رآه المسلمون)) والاحتمالان الأخيران يتجهان إذا كان الحديث بدون الفاء، أو كان مع الواو،
كما هو المشهور الجاري على ألسنتهم، وإذ ليس فليس.
وقد نسب جماعة هذا الحديث، إلى النبي وّل﴾، وقالوا: قال رسول الله وَ ليقول: ((ما رآه
المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)) منهم الإمام الرازي في التفسير الكبير، والعيني في شرح
الهداية، وغيره من شراحها. لكن قال ابن نجيم في الأشباه والنظائر: قال العلائي: لم أجده
مرفوعاً في شيء من كتب الحديث أصلاً، ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف
(١) كذا في الأصل، ولعل الصحيح: ((لأن كلاً من فرق الأمة المسلمة .... )) من المؤلف تغذّفه.

٣٣٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ثُمَّ يَقُولُ: ((أَنَا أَوْلَى بِكُلٌّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ. مَنْ تَرَكَ مَالاَ فَلَأَهْلِهِ.
والسؤال، وإنما هو من قول ابن مسعود موقوف عليه)). انتهى ملخصاً من تحفة الأخبار للحافظ
اللكنوي. ومما نقلناه لك على هذا الأثر تعرف أن تمسك أنصار البدع به ليس كما ينبغي، لأنه
أثر موقوف على ابن مسعود، وقد اختلفوا في العمل بقوله الصحابي، وعلى فرض العمل به
فالمراد منه ما أجمعوا على حسنه، إما من جميع المسلمين، أو من خصوص الصحابة، كما
علمت مما تقدم، فاحفظه، فإنه مفيد والله سبحانه وتعالى أعلم.
وبهذا التقرير الذي حررناه من إفادات شيخنا المحمود وغيره من علماء هذا الشأن
رحمهم الله يظهر لك إن شاء الله تعالى كون البدعة الشرعية بحذافيرها سيئة ومذمومة، وعدم
انقسامها إلى حسنة وسيئة، أو واجبة ومندوبة ومكروهة، وغيرها من الأقسام فقوله وَّر في
حديث الباب: ((كل بدعة ضلالة)) محمول عندنا على العموم. والذين خصوه بالبدعة السيئة
وقسموا البدعة أقساماً فكأنهم تسامحوا في إطلاق هذا اللفظ، وانتقلوا من المعنى الشرعي إلى
المدلول اللغوي وجعلوه شرعياً، كما يشير إليه قول الزرقاني في شرح المواهب حيث قال: ((هي
لغة ما عمل من غير مثال سابق، واستعمل في الشرع بهذا المعنى أيضاً، وتنقسم إلى واجبة:
كعلم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعة، ومندوبة: كتصنيف الكتب، وبناء المدارس،
والربط، ومباحة: كالتبسط في الأطعمة والأشربة. ومحرمة: بالألحان المخرجة للقرآن
ومكروهة: كأثر الأشياء المنصوص على كراهتها)).
قال النووي: فالحديث من العام المخصوص، ولا ينافيه تأكيده بكل، لأنها لا تمنع
التخصيص، كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
قوله: (أنا أولى بكل مؤمن) إلخ: كما في القرآن العزيز: ﴿النَِّىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾
[الأحزاب: ٦] أي أحق بكل مؤمن من نفسه في كل شيء من أمور الدين والدنيا، وحكمه أنفذ
عليهم من حكمهم، فعليهم أن يبذلوها دونه، ويجعلوها فداءه. أو هو أولى بهم، أي أرأف بهم
أو عطف عليهم، وأنفع لهم. كذا في شرح المواهب للزرقاني.
وقال شيخ شيخنا قاسم العلوم والخبرات نور الله مرقدهما: ((إن معنى قوله تعالى: ﴿النَّبِىُّ
أَوْلَى بِالْمُؤْمِينَ﴾ أي أقرب، إليهم من أنفسهم، فإن إيمان كل مؤمن مستفاد من إيمان نبيه، وهو
شعاع من أشعة شمس النبوة، فإذا شرع المؤمن في الحركة الفكرية لإدراك حقيقته من حيث هو
مؤمن: فلا بد له من معرفة نبيه وَلّر أولاً قبل الوصول إلى معرفة نفسه، وليس معنى القرب والبعد
إلا أن المتحرك إذا تحرك إلى جهة يقع القريب في المسافة أولاً، والبعيد آخراً، وهكذا هو شأن
كل معلول مع علته إذا أراد المعلول - مثلاً - الوصول إلى حقيقته، فلا يمكن إلا بعد الوصول إلى
علته فالعلة إذا أقرب إلى المعلول من نفسه)).
قوله: (من ترك مالاً فلأهله) إلخ: أي لورثته.

٣٣٧
كتاب: الجمعة
وَمَنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضَيَاعاً فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ).
٢٠٠٣ - (٤٤) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ. حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ
بِلاَلٍ. حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِهِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كَانَتْ
خُطْبَةُ النَّبِيِّ وَهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ. ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِ ذُلِكَ، وَقَدْ عَلاَ
صَوْتُهُ. ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ.
٢٠٠٤ - (٤٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَعْفَرِ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ يَخْطُبُ النَّاسَ. يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا
هُوَ أَهْلُهُ. ثُمَّ يَقُولُ: ((مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ.
قوله: (ومن ترك ديناً) إلخ: أي ديناً لا وفاء له، كما ثبت في رواية أخرى.
قوله: (أو ترك ضياعاً) إلخ: بفتح الضاد، عيالاً عالة وأطفالاً لا قدرة لهم على القيام
بمصالحهم، فهم محتاجون إلى كافل يقوم بهم. قاله الزرقاني.
وقال الأبي: ((قال ابن قتيبة: الضياع: بفتح الضاد، هو مصدر في الأصل سمي به العيال،
مناع ضياعاً: لقضى قضاء، وأما الضياع - بالكسر - فجمع ضائع، كجياع جمع جائع، والضيعة :
ما يكون منه عيش الرجل من حرفه، أو غلة، أو تجارة، يقال: ما ضيعته، فيقال: كذا)).
قوله: (فإليّ وعليّ) إلخ: قال الزرقاني: ((يحتمل أنهما راجعان إلى كل واحد من
المذكورين قبلهما، أي من ترك ضياعاً فلهم المجيء إلي، ويكون القيام بمصالحهم علي، ومن
ترك ديناً فلصاحبه التوجه إلي، ويكون أداءه علي. ويحتمل أن يكون قوله: ((إليّ)) راجعاً إلى
الدين، و((عليّ)) إلى الضياع، على طريق اللف والنشر المرتب، وعبر بـ(على)) الدالة على
الوجوب إيماء إلى عظم أمر الضياع، وشدة القيام بمصالحهم، وبيان التفاوت بينه وبين أداء
الدين، فإن فيه بقاء النفس، وهو أقوى المهمات. وفيه إشعار بأن ذلك تبرع بالنسبة إلى الدين،
فلصاحبه الإبراء، وتحصيل المثوبة بذلك، بخلاف أمر الضياع، فالقيام بمصالحهم واجب قطعاً))
اهـ.
قوله: (على إثر ذلك) إلخ: بكسر الهمزة وسكون المثلثة.
قوله: (ثم ساق الحديث بمثله) إلخ: وفي المواهب اللدنية ناقلاً عن صحيح مسلم - وذكر
نحوه - قال شارحه الزرقاني: ((وفرق بين اللفظين عن المحدثين، فإذا قالوا: ((بمثله)) يريدون
بلفظه، وإذا قالوا: ((نحوه)) أرادوا أنه بغير لفظه كما بينه في الفتح)).
قوله: (من يهده الله) إلخ: أي من يوفقه الله للهداية فلا مضل له من شيطان ونفس
وغيرهما .

٣٣٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ. وَخَيْرُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ». ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ
الثّقَفِيِّ.
٢٠٠٥ - (٤٦) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. كِلاَهُمَا عَنْ عَبْدِ
الأَعْلَى. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَى (وَهُوَ أَبُو هَمَّام) حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)؛ أَنَّ ضِّمَاداً قَدِمَ مَكَّةَ. وَكَانَ مِنَ
أَزْدِ شَنُوءَةَ. وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هُذِهِ الرِّيحِ. فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّداً
مَجْنُونٌ. فَقَالَ: لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هُذَا الرَّجَّلَ لَعَلَّ اللَّهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدِي. قَالَ: فَلَقِيَهُ. فَقَالَ: يَا
مُحَمَّدُ! إِنِّي أَرْقِي مِنْ هذِهِ الرِّيحِ. وَإِنَّ اللَّهَ يَشْفِي عَلَى يَدِي مَنْ شَاءَ. فَهَلْ لَكَ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ الْحَمْدَ لِلّهِ. نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ. وَمَنْ يُضْلِلْ
قوله: (ومن يضلل فلا هادي له) إلخ: أي من يضلله بخلق الضلالة فيه، وترك توفيقه: فلا
هادي له، لا من العقل، ولا من جهة النقل ولا من ولي ولا نبي.
قوله: (أن ضماداً قدمه مكة) إلخ: بكسر الضاد المعجمة، هو ضماد بن ثعلبة الأزدي. قال
الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب: ((كان صديقاً للنبي وَ * في الجاهلية، وكان رجلاً يتطيب
ويرقى، ويطلب العلم، أسلم في أول الإسلام روی حديثه ابن عباس)) اهـ.
قال البغوي: «لا أعلم لضماد غيره)) .
قوله: (وكان من أزد شنوءة) إلخ: بفتح الشين، وضم النون، وبعدها مدة.
قوله: (وكان يرقى) إلخ: بكسر القاف، والمراد بالربح هنا الجنون ومس الجن.
في رواية غير مسلم: ((يرقى من الأرواح)) أي الجن، سموا بذلك لأنهم لا يبصرهم
الناس، فهم کالروح والريح.
قوله: (فهل لك) إلخ: أي فهل لك من حاجة إلى أن أرقيك، فيشفيك الله بيدي إن شاء؟
قوله: (إن الحمد لله) إلخ: قال الجزري في تصحيح المصابيح: ((وفي حديث ابن مسعود
التشهد في الحاجة: أن الحمد لله إلخ: يجوز تخفيف ((أن)) وتشديدها ومع التشديد يجوز رفع
الحمد ونصبه، ورویناه بذلك) اهـ.
قال القاري: ((ورفع الحمد مع التشديد يكون على الحكاية)).
(١) قوله: (عن ابن عباس) الحديث أخرجه النسائي في سننه مختصراً في كتاب النكاح، باب ما يستحب من
الكلام عند النكاح، رقم (٣٢٨٠) وابن ماجه في سننه، في كتاب النكاح، باب خطبة النكاح، رقم
(١٨٩٣).

٣٣٩
كتاب: الجمعة
فَلاَ هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ. وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا
بَعْدُ)). قَالَ: فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هُؤُلَاءٍ. فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.
قَالَ: فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ وَقَوْلَ السَّحَرَةِ وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ. فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ
هُؤُلاءِ. وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ .
قال الطيبي: ((الحمد هنا يجب أن يحمل على الثناء الجميل من نعمة أو غيرها من:
أوصاف الكمال، والجمال، والإكرام، والأفعال العظام، والتعريف على استغراق الجنس، فيفيد
أن كل نعمة من النعم الدنيوية والأخروية ليست إلا منه، وكل صفة من صفات الكمال وفضائل
الأعمال له، ومنه، وإليه)».
قوله: (أما بعد) إلخ: قال عياض: ((هي كلمة يستعملها الخطيب للفصل بين ما كان فيه من
الحمد والثناء الانتقال إلى ما يريد أن يتكلم فيه، وقيل في قوله تعالى: ﴿وَءَاتَّيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَضْلَ
اَلْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]: هي كلمة ((أما بعد)) وقيل فيه غير ذلك، والأولى أنه الفصل بين الحق
[الطارق: ١٣].
والباطل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوّلٌ فَضْلٌ
قال النووي: ((يستحب الإتيان بها حتى في خطب التصانيف، وقد عقد البخاري باباً
الاستحبابها، حيث قال: ((باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد ما رواه عكرمة عن ابن
عباس عن النبي (َچ)).
قال الزين بن المنير: ((يحتمل أن ((من)) موصولة بمعنى ((الذي)) والمراد به النبي ◌َلآ ،
ويحتمل أنها شرطية، والجواب محذوف، أي فقد أصاب السنة، وعلى التقديرين فينبغي للخطباء
أن يستعملوها تأسياً واتباعاً)) انتهى ملخصاً. وقد ذكر البخاري في الترجمة ستة أحاديث.
قال الحافظ: ((وقد تتبع طرق الأحاديث التي فيها ((أما بعد)): الحافظ عبد القادر الرهاوي،
فرواها عن اثنين وثلاثين صحابياً: منها :
ما أخرجه عن المسور بن مخرمة: ((كان النبي ◌َّو إذا خطب خطبة قال: أما بعد)) ورجاله
ثقات، وظاهره المواظبة على ذلك، ويستفاد من الأحاديث أنها لا تختص بالخطب، بل تقال في
صدر الرسائل والمصنفات)). كذا في شرح المواهب.
قوله: (ولقد بلغن ناعوس البحر) إلخ: قال النووي: ((ضبطناه بوجهين أشهرهما ((ناعوس))
بالنون والعين، هذا هو الموجود في أكثر نسخ بلادنا، والثاني: ((قاموس)) بالقاف والميم، وهذا
الثاني هو المشهور في روايات الحديث في غير صحيح مسلم)).
وقال القاضي عياض: ((أكثر نسخ صحيح مسلم وقع فيها ((قاموس)) بالقاف والعين، قال:
ووقع عند أبي محمد بن سعيد ((تاعوس)) بالتاء المثناة فوق، قال ورواه بعضهم ((ناعوس)) بالنون
والعين. قال: وذكره أبو مسعود الدمشقي في ((أطراف الصحيحين)) والحميدي في ((الجمع بين

٣٤٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: فَقَالَ: هَاتٍ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الإِسْلاَمِ. قَالَ: فَبَايَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((وَعَلَى
قَوْمِكَ)) قَالَ: وَعَلَى قَوْمِي. قَالَ فَبَعَثَ رَسُوَّلُ اللَّهِ وَهِ سَرِيَّةً فَمَرُّوا بِقَوْمِهِ. فَقَالَ صَاحِبُ
السَّرِيَّةِ لِلْجَيْشِ: هَلْ أَصَبْتُمْ مِنْ هُؤُلاءِ شَيْئاً؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَصَبْتُ مِنْهُمْ مِظْهَرَةً.
فَقَالَ: رُدُّوهَا. فَإِنَّ هُؤُلاَءِ قَوْمُ ضِمَادٍ.
٢٠٠٦ - (٤٧) حدّثني سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ
أَبْجَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَاصِلٍ بْنِ حَيَّنَ.
الصحيحين)): ((قاموس)) بالقاف والميم، قال بعضهم: هو الصواب.
قال أبو عبيد: قاموس البحر: وسطه. وقال ابن دريد: لجته. وقال صاحب كتاب العين:
قعره الأقصى. وقال الحربي: قاموس البحر: قعره. وقال أبو مروان بن سراج: قاموس: فاعول
من قسمته: إذا غمسته، فقاموس البحر: لجته التي تضرب أمواجها، ولا تستقر مياهها، وهي
لفظة عربية صحيحة. وقال أبو علي الجياني: لم أجد في هذه اللفظة ثلجاً. وقال شيخنا أبو
الحسين: قاعوس البحر بالقاف والعين، صحيح، بمعنى قاموس، كأنه من القعس، وهو تطامن
الظهر وتعمقه، فيرجع إلى عمق البحر ولجته)) هذا آخر كلام القاضي عياض
وقال أبو موسى الإصفهاني: ((وقع في صحيح مسلم: ((ناعوس البحر)) بالنون والعين،
وقال في سائر الروايات: ((قاموس)) وهو وسطه ولجته. قال: وليست هذه اللفظة موجودة في
مسند إسحاق بن راهويه الذي روى مسلم هذا الحديث عنه، لكن قرنه بأبي موسى، فلعله في
رواية أبي موسى، قال: وإنما أورد مثل هذه الألفاظ لأن الإنسان قد يطلبها فلا يجدها في شيء
من الكتب، فيتحير، فإذا نظر في كتاب عرف أصلها ومعناها)).
قوله: (هات يدك) إلخ: هو بكسر التاء.
قوله: (فبعث رسول الله وَل* سرية) إلخ: وروى مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ((لما توفي رسول الله وَلري بعث أبو بكر طلبه بعثاً،
فمروا ببلاد ضماد، فلما جاوزوا تلك الأرض وقف أميرهم، فقال: أعزم على كل رجل أصاب
شيئاً من أهل هذه الأرض إلا رده، فقالوا: أصلح الله الأمير ما أصبنا منها شيئاً، قال: ورجاء
رجل منهم بمطهرة، فقال: إني أصبت هذه فقال: أرددها، أما تدرون أن هؤلاء قوم ضماد الذي
بايع رسول الله وَّ﴿ وشرف وكرّم؟)). كذا في الاستيعاب لابن عبد البر كثُّ والله أعلم بالصواب.
قوله: (مطهرة) إلخ: بكسر الميم وفتحها، والكسر أشهر.
قوله: (عن عبد الملك بن أبجر عن أبيه) إلخ: هو عبد لملك بن سعيد بن حيان بن أبجر
الهمداني، كما في التهذيب، و((أبجر)) بفتح الهمزة، وسكون الباء، وفتح الجيم.