Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كتاب: كتاب فضائل القرآن
١٨٦٨ - (٠٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَم. قَالا: أَخْبَرَنَا
عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةَ، جَمِيعاً عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ: فَقَالَ لِي:
«آَخسَنْتَ)).
(٤١) - باب: فضل قراءة القرآن في الصلاة وتعلمه
١٨٦٩ - (٢٥٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ. قَالا: حَدَّثَنَا
وَكِيعُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١). قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّى :
((أَيُحِبُّ أَخَذُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَىْ أَهْلِهِ أَنْ يَجِّدَ فِيهِ ثَلاثَ خَلِفَاتٍ عِظَامِ سِمَانٍ؟)) قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ:
(فَثَلاثُ آيَاتٍ يَقْرَأْ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاثِ خَلِفَاتٍ عِظَامِ سِمَانٍ)) .
١٨٧٠ - (٢٥١) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ
مُوسَى بْنِ عُلِيٍّ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ(٢). قَالَ: خَرَجَ
قال القاري في شرح المشكاة: ((ثم ظاهر الحديث أنه ضربه حد الخمر بناء على ثبوت
شربه بالرائحة، وهو مذهب جماعة، ومذهبنا ومذهب الشافعي خلافه، لأن ريح نحو التفاح
الحامض، وكذا السفرجل يشبه رائحة الخمر، ولاحتمال أنه شربها إكراهاً أو اضطررا، وقد صح
الخبر: ((ادرؤوا الحدود بالشبهات)) ولعله حصل منه إقرار أو قام عليه بينة)).
باب فضل قراءة القرآن في الصلاة وتعلمه
قوله: (أن يجد فيه) إلخ: أي في رجوعه إليهم، وقيل: أي في طريقه. وقال ابن حجر:
أي في أهله، يعني محلهم.
قوله: (ثلاث خلفات) إلخ: بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللام، جمع خلفة، الحوامل من
الإبل إلى أن يمضي عليها نصف أمدها، ثم هي عشار.
قوله: (قلنا: نعم) إلخ: أي بمقتضى الطبيعة، أو على وفق الشريعة، ليكون للآخرة ذريعة.
قوله: (في صلاته) إلخ: بيان للأكمل والأفضل.
(١) قوله: (عن أبي هريرة) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه، في كتاب الأدب، باب ثواب القرآن، رقم
(٣٧٨٢) والدارمي في سننه، في كتاب فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن، رقم (٣٣١٧) وأحمد في
مسنده(٧ ٤٩٧).
(٢) ((عن عقبة عامر)) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في ثواب قراءة القرآن، رقم
(١٤٥٦) وأحمد في مسنده (٤: ١٥٤).

١٨٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ. فَقَالَ: ((أَيْكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمِ إِلَى بُطْحَانَ، أَوْ إِلَى
الْعَقِيقِ، فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ، فِي غَيْرِ إِثْم وَلا قَطْعِ رَحِم؟)) فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
نُحِبُّ ذُلِكَ. قَالَ: ((أَفَلا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ، أَوْ يَقْرَّأُ، آيَتَيْنٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ
قوله: (ونحن في الصفة) إلخ: في مختصر النهاية: ((أهل الصفة: فقراء المهاجرين، كانوا
يأوون إلى موضع مظلل في المسجد)).
وفي القاموس: ((أهل الصفة كانوا أضياف الإسلام، يبيتون في صفة مسجده عليه الصلاة
والسلام)).
وفي حاشية السيوطي على البخاري: ((عدهم أبو نعيم في الحلية أكثر من مائة. والصفة
مكان في مؤخر المسجد، أعد لنزول الغرباء فيه من لا مأوى له، ولا أهل)».
وقال ابن حجر: «وكانت هي في مؤخر المسجد، معدة لفقراء أصحابه الغير المتأهلين،
وكانوا يكثرون تارة حتى يبلغوا نحو المائتين، ويقلون أخرى، لإرسالهم في الجهاد، وتعليم
القرآن)). كذا في المرقاة.
قوله: (يحب أن يغدو) إلخ: أي يذهب في الغدوة، وهي أول النهار أو ينطلق.
قوله: (إلى بطحان) إلخ: بضم الموحدة وسكون الطاء، اسم واد بالمدينة، سمي بذلك
لسعته وانبساطه من البطح، وهو البسط، وضبطه ابن الأثير بفتح الباء أيضاً.
قوله: (أو العقيق) إلخ: أراد العقيق الأصغر، وهو على ثلاثة أميال، أو ميلين من المدينة،
وخصهما بالذكر لأنهما أقرب المواضع التي يقام فيها أسواق الإبل إلى المدينة والظاهر أن ((أو))
للتنويع، لكن في جامع الأصول: ((أو قال: إلى العقيق)) فدل على أنه شك من الراوي.
قوله: (كوماوين) إلخ: تثنية ((كوماء)) قلبت الهمزة واواً، وأصل ((الكوم)) العلو، أي
فيحصل ناقتين عظيمتي السنام، وهي من خيار مال العرب.
قوله: (في غير إثم) إلخ: كسرقة، وغصب، سمي موجب الإثم مجازاً. وقوله: ((ولا قطع
رحم)) وهو تخصيص بعد تعميم، و((في)) للسببية، كقوله تعالى: ﴿لَمَتَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤]
وقوله تعالى: ﴿لُمْتُنَِّى فِيَّةٍ﴾ [يوسف: ٣٢].
قوله: (أفلا يغدو) إلخ: أي ألا يترك ذلك، فلا يغدو .
قوله: (فيعلم) إلخ: قال القاري في شرح المشكاة: ((بالتشديد، وفي نسخة صحيحة:
بالتخفيف وصحح في جامع الأصول بفتح الياء وسكون العين.
قوله: (أو يقرأ) إلخ: ((أو)) يحتمل الشك والتنويع.

١٨٣
كتاب: كتاب فضائل القرآن
وَجَلَّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلاثُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاثٍ، وَأَرْبَعْ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ. وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ
مِنَ الإِبِلِ؟)».
(٤٢) - باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة
١٨٧١ - (٢٥٢) حدّثني الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، (وَهُوَ
الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ)، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، (يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ)، عَنْ زَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلامِ يَقُولُ:
قوله: (ومن أعدادهن من الإبل) إلخ: قال على القاري: ((قيل: ((من أعدادهن)) متعلق
بمحذوف، تقديره: ((وأكثر من أربع آيات خير من أعدادهن من الإبل، فخمس آيات خير من
خمس إبل ... )) وعلى هذا القياس.
وقيل: يحتمل أن يراد أن آيتين خير من ناقتين، ومن أعدادهما من الإبل، وثلاث خير من
ثلاث، ومن أعدادهن من الإبل، وكذا أربع.
والحاصل أن الآيات تفضل على أعدادهن من النوق، ومن أعدادهن من الإبل. كذا ذكره
الطيبي كلُّ .
والحاصل أنه عليه الصلاة والسلام أراد ترغيبهم في الباقيات، وتزهيدهم عن الفانيات،
فذكره هذا على سبيل التمثيل، والتقريب إلى فهم العليل، وإلا فجميع الدنيا أحقر من أن يقابل
بمعرفة آية من كتاب الله تعالى، أو بثوابها من الدرجات العلى.
وقد وقع نظير هذا الشيخ مشايخنا أبي الحسن البكري - قدس الله سره السري - حيث
التمس منه أصحابه من التجار نزوله من مكة إلى بندر جدة أيام إتيان الغرباء من سفر البحار،
معللين بأنهم يريدون حصول بركة نزوله إلى تجارتهم، ومكمنين بأن يحصل لخدم الشيخ بعض
منافع بضاعتهم، فأبى، وأتى بأعذار ساترة للأسرار، فما فهموا، وألَحّوا وبالغوا في المسألة مع
الإصرار، فقال الشيخ: ما مقدار فائدة ربحكم في هذا السفر؟ وكم أكثر ما يحصل لكم فيه من
النتيجة والأثر؟ فقالوا: يختلف باختلاف الأحوال وتفاوت الأموال، وأكثر الربح أن يصير
الدرهم درهمين، ويكون الواحد اثنين، فتبسم الشيخ وقال: إنكم تتعبون هذا التعب الشديد لهذا
الربح الزهيد، فنحن كيف نترك مضاعفة الحسنات بالحرم، وهي حسنة بمائة ألف على لسان
النبي ◌ِّ فقد علم كل أناس مشربهم، وهم مختلفون، وكل حزب لما لديهم فرحون، والناس
نيام فإذا ماتوا انتبهوا عن المنام. كذا في المرقاة.
باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة
قوله: (شفيعاً لأصحابه) إلخ: أي القائمين بآدابه .
قوله: (اقرءوا الزهرواوين) إلخ: تثنية ((الزهراء)) تأنيث الأزهر، وهو المضيء الشديد

١٨٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ(١). قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَلهَ يَقُولُ: ((أَقْرَؤُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي
يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعاً لأَصْحَابِهِ. أَقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْنِ: الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلٍ عِمْرَانَ. فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَیَايَتَانِ. أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرِ صَوَافَ. تُحَاجَّانِ عَنْ
أَصْحَابِهِمَا. اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ.
الضوء، أي المنيرتين لنورهما وهدايتهما وعظم أجرهما، فكأنهما بالنسبة إلى ما عداهما عند الله
مكان القمرين من سائر الكواكب، وقيل: لاشتهارهما شبهتا بالقمرين.
قوله: (فإنهما يأتيان) إلخ: أي ثوابهما الذي استحقه العامل، أو يتصوران ويتجيدان
ويتشكلان، والثاني هو الظاهر.
قوله: (كأنهما غمامتان) إلخ: أي سحابتان تظلان صاحبهما عن حر الموقف، قيل: هي
ما يعم الضوء ويمحوه لشدة كثافته.
قوله: (أو غيايتان) إلخ: قال القاري: هي باليائين: ما يكون أدون منهما (أي من
الغمامتين) في الكثافة، وأقرب إلى رأس صاحبهما، كما يفعل بالملوك، فيحصل عنده الظل
والضوء جميعاً.
قوله: (فرقان من طير) إلخ: بكسر الفاء وإسكان الراء، وفي الرواية الأخرى: حزقان،
بكسر الحاء المهملة وإسكان الزاي المعجمة، ومعناهما واحد، وهما قطيعان وجماعتان. وقال
في الواحد فرق، وحزقط وحزيقة، أي جماعة. قاله النووي تَقَّتُهُ.
قوله: (صواف) إلخ: جمع صافة، وهي الجماعة الواقفة عيل الصف، أو الباسطان
أجنحتهما، متصلاً بعضها ببعض، وهذا أبين من الأولين، إذ لا نظير له في الدنيا إلا ما وقع
لسليمان عليه الصلاة والسلام، و((أو)) يحتمل الشك من الراوي، والتخيير في تشبيه هاتين
السورتين، والأولى أن يكون لتقسيم التالين، لأن ((أو)) من قول الرسول وَليل، لا من تردد من
الرواة لا تساق الرواة عليه منوال واحد.
قال الطيبي: ((أو)) للتنويع، فالأول: لمن يقرأهما ولا يفهم معناهما، والثاني: لمن جمع
بينهما، والثالث: لمن ضم إليهما تعليم الغير)).
قوله: (تحاجان) إلخ: كناية عن المبالغة في الشفاعة.
قوله: (اقرأوا سورة البقرة) إلخ: قال الطيبي: ((تخصيص بعد تعميم، أمر أولاً بقراءة
(١) قوله: (أبو أمامة الباهلي) لم أجد هذا الحديث عند أحد من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم تقلُّهُ ولا
عند الدارمي، وقد أخرجه أحمد في مسنده (٥: ٢٤٩ و ٢٥٥ و ٢٥٧).

١٨٥
كتاب: كتاب فضائل القرآن
فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ. وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ. وَلا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ)).
قَالَ مُعَاوِيَةُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبَطَلَةَ السَّحَرَةُ.
١٨٧٢ - (٠٠٠) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى، (يَعْنِي
ابْنَ حَسَّانَ)، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: (وَكَأَنَّهُمَا)) فِي كِلَيْهِمَا. وَلَمْ
يَذْكُرْ قَوْلَ مُعَاوِيَةً: بَلَغَنِي.
١٨٧٣ - (٢٥٣) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ. حَدَّثَنَا
الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيِّ، عَنْ
جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ. قَالَ: سَمِعْتُ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلابِيَّ(١) يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌ِلـ
يَقُولُ: ((يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ .
القرآن، وعليق بها الشفاعة، ثم خص الزهراوين، وأناط بهما التخليص من حر يوم القيامة
بالمحاجة، وأفرد ثالثاً البقرة، وأناط بها أموراً ثلاثاً)).
قوله: (فإن أخذها بركة) إلخ: أي في المواظبة على تلاوتها، والتدبر في معانيها، والعمل
بما فيها : منفعة عظيمة .
قوله: (وتركها حسرة) إلخ: أي ندامة يوم القيامة.
قوله: (ولا يستطيعها البطلة) إلخ: أي لا يقدر على تحصيلها أصحاب البطالة والكسالة
لطولها، وفسرها معاوية الراوي بـ((السحرة)) لأن ما يأتون به باطل، سماهم باسم فعلهم الباطل،
أي لا يؤهلون بذلك، ولا يوفقون له، ويمكن أن يقال: معناه: لا تقدر على إبطالها، أي على
صاحبها السحرة، لقوله تعالى فيها: ﴿وَمَا هُمْ بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]
كذا في المرقاة.
قوله: (غير أنه قال: وكأنهما) إلخ: أي بالواو، مكان ((أو)).
قوله: (عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي) إلخ: بضم الجيم.
قوله: (سمعت النواس بن سمعان) إلخ: النواس: بفتح النون وتشديد الواو، وسمعان:
بکسر السین، وقد یفتح.
قوله: (الذين كانوا يعملون به) إلخ: دل على أن من قرأ ولم يعمل به لم يكن من أهل
القرآن، ولا يكون شفيعاً لهم، بل يكون القرآن حجة عليهم.
(١) قوله: (النواس بن سمعان الكلابي) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه في كتاب فضائل القرآن، باب ما
جاء في سورة آل عمران، رقم (٢٨٨٣) وأحمد في مسنده (٤: ١٨٣).

١٨٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلٍ عِمْرَانَ)) وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ ثَلاثَةَ أَمْثَالٍ. مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ.
قَالَ: ((كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانٍ. بَيْنَهُمَا شَرْقٌ. أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ مِنْ طَيْرِ
صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا)).
(٤٣) - باب: فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة،
والحث على قراءة الآيتين من آخر البقرة
١٨٧٤ - (٢٥٤) حدّثنا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ وَأَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسِ الْحَنَفِيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا
أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ(١)؛ قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َِِّ،
قوله: (تقدمة سورة البقرة وآل عمران) إلخ: أي تتقدم أهله، أو القرآن، كما أنهما مقدمتان
في الترتيب في المصاحف.
قوله: (أو ظلتان سوداوان) إلخ: لكثافتهما، وارتكام البعض منهما على بعض، وذلك من
المطلوب في الظلال، قيل: إنما جعلنا كالظلتين لتكونا أخوف وأشد تعظيماً في قلوب
خصائصهما، لأن الخوف في الظلة أكثر. قال المظهر: ((ويحتمل أن يكون لأجل إظلال قارئهما
يوم القيامة)) كذا فى المرقاة.
قوله: (بينهما شرق) إلخ: بفتح الشين المعجمة، وسكون الراء، بعدها قاف، وقد روى
بفتح الراء، والأول أشهر، أي ضوء، ونور الشرق هو الشمس، تنبيهاً على أنهما مع الكثافة، لا
يستران الضوء. وقيل: أراد بالشرق الشق، وهو الانفراج، أي بينهما فرجة وفصل كتميزهما
بالبسملة في المصحف، والأول أشبه، وهو أنه أراد به الضوء لاستغنائه بقوله: ((ظلتان)) عن بيان
البينونة، فإنهما لا تسميان ظلتين إلا وبينهما فاصلة، اللهم إلا أن يقال: فيه تبيان أنه ليست ظلة
فوق ظلة، بل متقابلتان، بينهما بينونة، مع أنه يحتمل أن يكونا ظلتين متصلتين في الأبصار،
منفصلتين بالاعتبار. كذا في المرقاة.
باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة
والحث على قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة
قوله: (وأحمد بن حواس الحنفي) إلخ: بفتح الجيم وتشديد الواو.
قوله: (عن عمار بن رزيق) إلخ: براء مهملة، ثم زاي معجمة.
(١) قوله: (عن ابن عباس) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب فضل فاتحة الكتاب،
رقم (٩١٣).

١٨٧
كتاب: كتاب فضائل القرآن
سَمِعَ نَقِيضاً مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ. فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَظُ إِلا
الْيَوْمَ. فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ. فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ. لَمْ يَنْزِلْ قَظُ إِلا الْيَوْمَ. فَسَلَّمَ
وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنٍ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيِّ قَبْلَكَ. فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَّا إِلا أُعْطِيتَهُ.
١٨٧٥ - (٢٥٥) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا مَسْعُودٍ (١) عِنْدَ الْبَيْتِ. فَقُلْتُ: حَدِيثٌ
قوله: (سمع نقيضاً) إلخ: بالقاف والضاد المعجمتين، أي صوتاً شديداً كصوت نقض
خشب البناء، وقيل: صوتا مثل صوت الباب إذا فتح.
قوله: (فرفع رأسه فقال) إلخ: قال الطيبي كثُّهُ: ((الضمائر الثلاثة في ((سمع)) و((رفع))
و((قال)) راجعة إلى جبريل، لأنه أكثر إطلاقاً على أحوال السماء، وقيل: للنبي ◌ّر، وقيل:
الأولان راجعان للنبي ◌ّ﴿ والضمير في ((قال)) لجبريل عليه الصلاة والسلام، لأنه حضر عنده
للإخبار عن أمر غريب ووقف عليه النبي ◌ٌَّ)). قال ابن حجر: هو المختار واختاره غير واحد.
قوله: (هذا باب من السماء) إلخ: أي هذا الصوت صوت باب من سماء الدنيا فتح الآن.
قوله: (فسلم) إلخ: أي الملك النازل، وقال: أبشر إلخ.
قوله: (أبشر) إلخ: بفتح الهمزة، وكسر الشين، أي افرح.
قوله: (بنورين) إلخ: سماهما نورين، لأن كل واحدة منهما نور يسعى بين صاحبهما، أو
لأنهما يرشد إلى أنّ الصراط المستقيم بالتأمل فيه، والتفكر في معانيه، أي بما في آيتين منورتين.
قوله: (وخواتيم سورة البقرة) إلخ: قال القاري: ((والمراد ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] كذا
قيل، والأظهر بصيغة الجمع أن يكون من قوله: ﴿لِلِّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
قوله: (لن تقرأ) إلخ: الخطاب له عليه الصلاة والسلام، والمراد هو أومته، إذ الأصل
مشاركتهم له في كل ما أنزل إليه إلا ما اختص به. كذا في المرقاة.
قوله: (يحرف منهما) إلخ: قال القاري؛ ((أراد بالحرف الطرف منها، فإن حرف الشيء
طرفه، وكني به عن جملة مستقلة)).
قوله: (إلا أعطيته) إلخ: أي أعطيت ما اشتملت عليه تلك الجملة من المسألة، كقوله:
(١) قوله: (أبا مسعود) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، باب (بدون ترجمة، بعد باب
شهود الملائكة بدراً) رقم (٤٠٠٨) وفي كتاب فضائل القرآن، باب فضل سورة البقرة، رقم (٥٠٠٨)
و(٥٠٠٩) وباب من لم ير بأساً أن يقول: سورة البقرة، وسورة كذا وكذا، رقم (٥٠٤٠) وباب قول =

١٨٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بَلَغَنِي عَنْكَ فِي الآيَتَيْنِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرَ: ((الآيَتَانِ مِنْ
آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَّأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ، كَفَتَاهُ)) .
١٨٧٦ - (٠٠٠) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. كِلاَهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ.
﴾﴾ [الفاتحة: ٦] ولقوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] ونظائر ذلك،
﴿أَهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
وفي غير المسألة فيما هو حمد وثناء أعطيت ثوابه.
قال ميرك: ((ويمكن أن يراد بالحرف حرف التهجّي، ومعنى قوله: ((أعطيته)) حينئذٍ أعطيت
ما تسأل من حوائجك الدنيوية والأخروية)) كذا في المرقاة. والله أعلم بالصواب.
قوله: (في الآيتين في سورة البقرة) إلخ: يعني من قوله تعالى: ((آمن الرسول ... )) إلى آخر
السورة، وآخر الآية الأولى: ((المصير)) ومن ثم إلى آخر السورة آية واحدة، وفي بعض الروايات
المرسلة: ((فاقرؤوهما وعلموهما أبناءكم ونساءكم، فإنهما قرآن وصلاة ودعاء)).
قوله: (كفتاه) إلخ: أي أجزأتا عنه من قيام الليل بالقرآن، وقد ورد صريحاً من طريق
عاصم عن علقمة عن أبي مسعود رفعه: ((من قرأ خاتمة البقرة أجزأت عنه قيام ليلة)).
وقيل: معناه: كفتاه شر الشيطان، ويؤيده حديث النعمان بن بشير رفعه: ((إن الله كتب كتاباً
وأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، لا يقرأ في دار فيقر بها الشيطان ثلاث ليال)) أخرجه
الحاكم، وصححه .
وقيل: معناه: كفتاه كل سوء.
وقيل: دفعتا عنه شر الإنس والجن.
وقيل: كفتاه ما حصل له بسببهما من الثواب عن طلب شيء آخر، وكأنهما اختصتا بذلك
لما تضمنتاه من الثناء على الصحابة بجميل انقيادهم إلى الله وابتهالهم ورجوعهم إليه، وما حصل
لهم من الإجابة إلى مطلوبهم. كذا في الفتح.
المقرىء للقارىء: حسبك، رقم (٥٠٥١) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، أبواب قراءة القرآن، باب
=
تحزيب القرآن، رقم (١٣٩٧) والترمذي في جامعه، في كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في آخر سورة
البقرة، رقم (٢٨٨١) وابن ماجه في جامعه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء فيما يرجى أن
يكفي من قيام الليل، رقم (١٣٦٨) و(١٣٦٩) والدارمي في سننه، في كتاب فضائل القرآن، باب فضل أول
سورة البقرة وآية الكرسي، رقم (٣٣٩١) وأحمد في مسنده (٤: ١٢١ و١٢٢).

١٨٩
كتاب: كتاب فضائل القرآن
١٨٧٧ - (٢٥٦) حدّثنا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ الثَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ
الأَنْصَارِيِّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((مَنَ قَرَّأَ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فِي
لَيْلَةٍ، كَفَتَاهُ)). قَالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ: فَلَقِيتُ أَبَا مَسْعُودٍ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ. فَسَأَلْتُهُ، فَحَدَّثَنِي
بِهِ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ.
١٨٧٨ - (٠٠٠) وحدّثني عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم. أَخْبَرَنَا عِيسى، يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ. ح
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. جَمِيعاً عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،
عَنْ عَلْقَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ نَّهَ، مِثْلَهُ.
١٨٧٩ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، مِثْلَهُ.
(٤٤) - باب: فضل سورة الكهف وآية الكرسيّ
١٨٨٠ - (٢٥٧) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشام. حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ الْغَطَفَانِيِّ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيِّ، عَنْ أَبِي
الدَّرْدَاءِ (١)؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَلِّ قَالَ: ((مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، عُصِمَ مِنَ
الدَّجَّالِ».
باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي
قوله: (عصم من فتنة الدجال) إلخ: أي حفظ من شره. قال الطيبي تَّثُ: ((كما أن أولئك
الفتية عصموا من ذلك الجبار كذلك يعصم الله القارىء من الجبارين. وقيل: سبب ذلك ما فيها
من العجائب والآيات، فمن تدبرها لا يفتتن بالدجال، ولا منع من الجمع، وهو الأظهر
بالخصوص، واللام للعهد، وهو الذي يخرج من آخر الزمان ويدعي الألوهية لخوارق تظهر على
يديه، كقوله للسماء: أمطري فتمطر لوقتها، وللأرض: أنبتي، فتنبت لوقتها، زيادة في الفتنة،
ولذلك لم توجد فتنة على وجه الأرض أعظم من فتنته، وما أرسل الله من نبي إلا حذره قومه،
وكان السلف يُعلِّمون حديثَه الأولاد في المكاتب، أو للجنس، فإن الدجال من يكثر منه الكذب
(١) قوله: (عن أبي الدرداء) الحديث أخرجه أبو داودفي سننه، في كتاب الملاحم، باب خروج الدجال، رقم
(٤٣٢٣) والترمذي في جامعه، في كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة الكهف، رقم (٢٨٨٦)
وأحمد في مسنده (٥: ١٩٦ و٦ : ٤٤٩ و٤٥٠).

سه
١٩٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٨٨١ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا
هَمَّامٌ. جَمِيعاً عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ شُعْبَةُ: مِنْ آخِرِ الْكَهْفِ. وَقَالَ هَمَّاٌ: مِنْ
أَوَّلِ الْكَهْفِ. كَمَا قَالَ هِشَامٌ.
١٨٨٢ - (٢٥٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى
عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي السَّلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحِ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ(١)؛
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَذْرِيَ أَيُّ أَيَّةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟)) قَالَ:
قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَذْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟))
والتلبيس ومنه الحديث: (يكون في آخر الزمان دجالون كذابون)) أي مموهون، وفي حديث: ((لا
تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالاً)).
قوله: (عن أبي السليل) إلخ: هو بفتح السين المهملة، واسمه ضُرَيْب بن نُقَيْر، بالتصغير
فيهما، ونُقَير: بالقاف، وقيل: بالفاء، وقيل: نفيل، بالفاء واللام.
قوله: (يا أبا المنذر) إلخ: بصيغة الفاعل، كنية أبي بن كعب نظراته.
قوله: (من كتاب الله معك) إلخ: أي حال كونه مصاحباً لك.
قال الطيبي كثّفُ: ((وقع موقع البيان، لما كان يحفظه من كتاب الله، لأن (مع)) كلمة تدل
على المصاحبة)) اهـ.
وكان رُه ممن حفظ القرآن كله في زمنه وَ*، وكذا ثلاثة من بني عمه.
قوله: (أعظم) إلخ: قال إسحاق بن راهويه وغيره: المعنى راجع إلى الثواب والأجر، أي
أعظم ثواباً وأجراً، وهو المختار، كذا ذكره الطيبي تقّثُ .
قوله: (قلت: الله ورسوله أعلم) إلخ: فوض الجواب أولاً، وأجاب ثانياً، لأنه جوّز أن
يكون حدث أفضلية شيء من الآيات غير التي كان يعلمها، فلما كرر عليه السؤال ظن أن مراده
عليه الصلاة والسلام طلب الإخبار عما عنده، فأخبره، كذا قيل.
والأولى أن يقال: فوض أولاً أدباً، وأجاب ثانياً طلباً، فجمع بين الأدب والامتثال، كما
هو دأب أرباب الكمال. قال الطيبي تقذفُ: سؤاله فظلّلا من الصحابي قد يكون للحثّ على
الإسماع، وقد يكون للكشف عن مقدار علمه وفهمه، فلما راعى الأدب أولاً، ورأى أن لا
(١) قوله: (عن أبي بن كعب) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في آية
الكرسي، رقم (١٤٦٠) وأحمد في مسنده (٥: ١٤٢).

١٩١
كتاب: كتاب فضائل القرآن
قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ لا إِلَّهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: ((وَاللَّهِ، لِيَهْنِكَ
الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ)).
(٤٥) - باب: فضل قراءة ﴿قل هو اللَّهُ أحد﴾
١٨٨٣ - (٢٥٩) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِيِ الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنٍ أَبِي
طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ(١)، عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ قَالَ: ((أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ
الْقُرْآنِ؟)) قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: ((﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدْ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ)) .
يكتفي به علم أن المقصود استخراج ما عنده من مكنون العلم، فأجاب. وقيل: انكشف له العلم
من الله تعالى، ومن مدد رسوله ببركة تفويضه وحسن أدبه في جواب مسألته)) كذا في المرقاة.
قوله: (قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم) إلخ: قيل: ((وإنما كان آية الكرسي أعظم آية
لاحتوائها واشتمالها على بيان توحيد الله، وتمجيده، وتعظيمه، وذكر أسمائه الحسنى، وصفاته
العلى، وكل ما كان من الأذكار في تلك المعاني أبلغ: كان في باب التدبّر والتقرب به إلى الله:
أجل وأعظم. كذا في المرقاة.
قوله: (فضرب في صدري) إلخ: أي ضرب النبي ◌ّهر في صدري محبة، وفيه إشارة إلى
امتلاء صدره حكمة وعلماً .
قوله: (ليهنك العلم) إلخ: قال القاري تَّثُ في شرح المشكاة: ((وفي نسخة ((ليهنئك)) بهمزة
بعد النون على الأصل، فحذف تخفيفاً، أي ليكن العلم هنيئاً لك.
قال السندي كثّفُ: ((منْ هَنَأنيْ الطعام)) وهو من ضَرَبَ، مهموز اللام، وقد يخفف،
والهنئي: كل أم يأتيك من غير تعجب، وهذا دعاء بتيسير العلم، وإخبار بأنه عالم، ولو قيل:
بأنه دعاء بأن لا يضره العلم بالعجب ونحوه من أعمال القلوب: لكان أنسب. والله أعلم)).
باب فضل قراءة قل هو الله أحد
قوله: (قالوا: وكيف يقرأ) إلخ: لأنه يصعب على الدوام عادة.
قوله: (تعدل ثلث القرآن) إلخ: وفي حديث أبي سعيد عند البخاري: ((أن رجلاً سمع
رجلاً يقرأ ((قل هو الله أحد)) يُرَدِّدُها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله وَّر، فذكر ذلك له، وكان
(١) قوله: (عن أبي الدرداء) هذا الحديث لم أجده عند أحد من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم كلّهُ، وقد
أخرجه أحمد في مسنده (٥: ١٩٥ و٦ : ٤٤٢ و ٤٤٣ و ٤٤٧).

١٩٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٨٨٤ - (٢٦٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. حَدَّثَنَا
سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا أَبَانُّ الْعَظَارُ.
جَمِيعاً عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِهِمَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ جَزَّاَ الْقُرْآنَ
ثَلاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ُ جُزْءاً مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ)) .
الرجل يَتَقَّالها، فقال رسول الله وَّر: والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن)).
قال الحافظ تَّهُ: ((حمله بعض العلماء على ظاهره، فقال: هي ثلاث باعتبار معاني
القرآن، لأنه أحكام، وأخبار، وتوحيد، وقد اشتملت هي على علم القسم الثالث، فكانت ثلثاً
بهذا الاعتبار، ويستأنس لهذا بما أخرجه أبو عبيدة من حديث أبي الدرداء، قال: ((جَزْأ النبي ◌َّ
القرآن ثلاث أجزاء، فجعل قل هو الله أحد)) جزء من أجزاء القرآن)) اهـ. (وهذه الرواية موجودة
في صحيح مسلم بعد هذه الرواية).
وقال القرطبي: ((اشتملت هذه السورة على اسمين من أسماء الله تعالى، يتضمنان جميع
أوصاف الكمال، لم يوجدا في غيرها من السور، وهما: الأحد، الصمد، لأنهما يدلان على
أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال.
وبيان ذلك: أن الأحد يشعر بوجوده الذي لا يشاركه فيه غيره، والصمد: يشعر بجميع
أوصاف الكمال، لأنه الذي انتهى إليه سؤدده، فكان مرجع الطلب منه وإليه، ولا يتم ذلك على
وجه التحقيق إلا لمن حاز جميع خصال الكمال، وذلك لا يصلح إلا الله تعالى، فلما اشتملت
هذه السورة على معرفة الذات المقدسة كانت بالنسبة إلى تمام المعرفة بصفات الذات وصفات
الفعل ثلثاً)) اهـ.
وقال غيره: تضمنت هذه السورة توحيد الاعتقاد وصدق المعرفة، وما يجب إثباته لله من
الأحدية المنافية لمطلق الشركة، والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال الذي لا يلحقه نقص،
ونفي الولد والوالد المقرر لكمال المعنى، ونفي الكفء المتضمن لنفي الشبيه والنظير، وهذه
مجامع التوحيد الاعتقادي، ولذلك عادلت ثلث القرآن لأن القرآن خبر وإنشاء، والإنشاء: أمر
ونهي وإباحة، والخبر: خبر عن الخالق وخبر عن خلقه، فأخلصت سورة الإخلاص الخبر عن
الله، وخلصت قارئها من الشرك الاعتقادي.
ومنهم من حمل المثلية على تحصيل الثواب، فقال: معنى كونها ثلث القرآن: أن ثواب
قراءتها يحصل القارىء مثل ثواب ثلث القرآن. وقيل: مثله بغير تضعيف، وهي دعوى بغير
دليل. وإذا حمل ذلك على ظاهره فهل ذلك لثلث من القرآن معين؟ أو لأي ثلث فرض منه؟ فيه
نظر، ويلزم على الثاني أن من قرأها ثلاثاً كان كمن قرأ ختمه كاملة، وقيل: المراد من عمل بما
تضمنته من الإخلاص والتوحيد كان كمن قرأ ثلث القرآن، وادعى بعضهم أن قوله: «تعدل ثلث
القرآن)) يختص بصاحب الواقعة، لأنه لما رددها في ليلته كان كمن قرأ ثلث القرآن بغير ترديد.

١٩٣
كتاب: كتاب فضائل القرآن
١٨٨٥ - (٢٦١) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعاً عَنْ يَحْيَى.
قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ. حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةً(١). قَالُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((أَخْشِدُوا. فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ))َ فَحَشَدَ مَنْ
حَشَدَ. ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ وَلِهِ فَقَرَأَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾. ثُمَّ دَخَلَ. فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ:
إِنِّي أُرَى هَذَا خَبَرٌ جَاءَهُ مِنَ السَّمَاءِ. فَذَاكَ الَّذِي أَدْخَلَهُ. ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللّهِ وَ لِ فَقَالَ: (إِنِّي
قُلْتُ لَكُمْ: سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، أَلا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ)) .
١٨٨٦ - (٢٦٢) وحدّثنا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ بَشِيرٍ أَبِي
إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللّهِ بَلَ فَقَالَ: ((أَقْرَأْ
حَتَّى خَتَمَهَا .
اُللَّهُ الصََّمَدُ
عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ)) فَقَرَأَ:" ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ
١٨٨٧ - (٢٦٣) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ وَهْبٍ. حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
وَهْبِ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ؛ أَنَّ أَبَا الرِّجَالِ مُحَمَّدَ بْنَ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، وَكَانَتْ فِي حَجْرِ عَائِشَةً، زَوْجٍ
النَّبِّ وََّ، عَنْ عَائِشَةَ(٢)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ بَعَثَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ. وَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ
فِي صَلاَتِهِمْ فَيَخْتِمُ بٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾،
قال القابسي: ((ولعل الرجل الذي جرى له ذلك لم يكن يحفظ غيرها، فلذلك استقل عمله، فقال
له الشارع ذلك ترغيباً له في عمل الخير، وإن قل)).
وقال ابن عبد البر: من لم يتأول هذا الحديث أخلص ممن أجاب فيه بالرأي، كذا في
الفتح.
وإلى الأخير ذهب أحمد وإسحاق بن راهويه، فإنهما حملا الحديث على أن معناه أن لها
فضلاً في الثواب تحريضاً على تعلمها، لا أن قراءتها ثلاث مرات، كقراءة القرآن، فإن هذا لا
يستقيم، ولو قرأها مِئَتَي مرة. كذا في المرقاة.
قوله: (احشدوا) إلخ: أي اجتمعوا .
قوله: (فيختم بقل هو الله أحد) إلخ: قال ابن دقيق العيد: هذا يدل على أنه يقرأ بغيرها،
(١) قوله: (عن أبي هريرة) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في سورة
الإخلاص، رقم (٢٩٠٠) وأحمد في مسنده (٢: ٤٢٩).
(٢) قوله: (عن عائشة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ◌َّ
أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى، رقم (٧٣٧٥) والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح باب الفضل في قراءة
((قل هو الله أحد)) رقم (٩٩٤).

١٩٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَلَمَّا رَجَعُوا ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ بِهِ. فَقَالَ: ((سَلُوهُ. لأَّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ)). فَسَأَلُوهُ.
فَقَالَ: لَأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَّالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرِ: ((أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ
يُحِبُّهُ)).
ثم يقرأها في كل ركعة، وهذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون المراد يختم بها آخر قراءته،
فيختص بالركعة الأخيرة، وفي حديث أنس عند البخاري معلقاً، وعند الترمذي موصولاً: ((كان
رجل من الأنصار يؤمهم، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به: افتتح بقل
هو الله أحد، حتى يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة أخرى معها .... )) الحديث وهذا صريح في أنه
كان يبدأ بـ(قل هو الله أحد)) فالظاهر تعدد القصة، ويدل على التعدد أيضاً ما بين السياقين من
التفاوت والتغاير بوجوه كثيرة، ذكرها الحافظ في الفتح، والله أعلم.
قوله: (ذكروا ذلك لرسول الله (*) إلخ: يظهر منه أن صنيعه ذلك كان مخالفاً لما عليه
الصحابة، وما ألفوه من النبي ◌َّر.
قوله: (لأنها صفة الرحمن) إلخ: آثر ذكر ((الرحمن)) استشعاراً بأن شهوده لذلك سبب لسعة
رجائه بترادف مظاهر رحمته وآلائه .
قال ابن التين: ((إنما قال: ((إنها صفة الرحمن)) لأنه فيه أسمائه وصفاته، وأسماؤه مشتقة
من صفاته.
وقال غيره: يحتمل أن يكون الصحابي المذكور قال ذلك مستنداً لشيء سمعه النبي وَّر،
إما بطريق النصوصية، وإما بطريق الاستنباط، وقد أخرج البيهقي في كتاب الأسماء والصفات،
بسند حسن، عن ابن عباس: ((أن اليهود أتوا النبي ◌َّهور، فقالوا: صف لنا ربك الذي تعبد، فأنزل
عز وجل: ((قل هو الله أحد ... )) إلى آخرها، فقال: هذه صفة ربي عز وجل)).
وعن أبي بن كعب قال: ((قال المشركون للنبي وَلّ: أنسب لنا ربك، فنزلت سورة
الإخلاص .... )) إلى آخرها، فقال: هذه صفة ربي عز وجل)).
وعن أبي بن كعب قال: ((قال المشركون للنبي وَلّر: أنسب لنا ربك، فنزلت سورة
الإخلاص .... )) الحديث عند ابن خزيمة في كتاب التوحيد، وصححه الحاكم، وفيه: أنه ليس
شيء يولد إلا يموت، وليس شيء يموت إلا يورث، والله لا يموت ولا يورث، ولم يكن له شبه
ولا عدل، ولیس کمثله شيء)).
قال البيهقي: ((معنى قوله: ((ليس كمثله شيء)) ليس كهو شيء، قاله أهل اللغة، قال:
ونظيره قوله تعالى: ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] يريد: بالذي آمنتم به، وهي قراءة
ابن عباس، قال: والكاف في قوله: ((كمثله)) للتأكيد، فنفى الله عند المثلية بآكد ما يكون من
النفي وأنشد لورقة بن نوفل في زيد بن عمرو بن نفيل من أبيات:

١٩٥
كتاب: كتاب فضائل القرآن
ودينُكَ دينٌ ليس دينٌ كمثله
ثم أسند عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ اُلْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧] يقول: ليس كمثله
شيء. وفي قوله: ﴿هَلْ تَعْلَّمُ لَهُمُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] هل تعلم له شبهاً أو مثلاً .
وفي حديث الباب حجة لمن أثبت أن الله صفة وهو قول الجمهور.
وشذ ابن حزم، فقال: هذه لفظة اصطلح عليها أهل الكلام من المعتزلة، ومن تبعهم، ولم
تثبت عن النبي ◌َّ﴿ ولا عن أحد من أصحابه، فإن اعترضوا بحديث الباب فهو من أفراد سعيد بن
هلال، وفيه ضعف. قال: وعلى تقدير صحته فـ((قل هو الله أحد)) صفة الرحمن، كما جاء في
هذا الحديث، ولا يزاد عليه، بخلاف الصفة التي يطلقونها، فإنها في لغة العرب لا تطلق إلا
على جوهر أو عرض، كذا قال.
وسعيد متفق على الاحتجاج به، فلا يلتفت إليه في تضعيفه، وكلامه الأخير مردود باتفاق
الجميع على إثبات الأسماء الحسنى، قال الله تعالى: ﴿وَلَّهِ اَلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَأَدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:
١٨٠] وقال: بعد أن ذكر منها عدة أسماء في آخر سورة الحشر ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤]
والأسماء المذكورة فيها بلغة العرب صفات، ففي إثبات أسمائه إثبات صفاته، لأنه إذا ثبت أنه
حي - مثلاً - فقد وصف بصفة زائدة على الذات، وهي صفة الحياة، ولولا ذلك لوجب الاقتصار
على ما ينبىء عن وجوه الذات فقط، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿سُبْحَنَ رَئِكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
﴾ [الصافات: ١٨٠] فنزه نفسه عما يصفونه به من صفة النقص، ومفهومه أن وصفه بصفة الكمال
مشروع.
وقد قسم البيهقي وجماعة من أئمة السنة جميع الأسماء المذكورة في القرآن وفي
الأحاديث الصحيحة على قسمين: أحدهم: صفات ذاته، وهي ما استحقه فيما لم يزل، ولا
یزال.
والثاني: صفات فعله وهي ما استحقه فيما لا يزال، دون الأزل.
قال: ولا يجوز وصفه إلا بما دل عليه الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة، أو أجمع عليه.
ثم منه ما اقترنت به دلالة العقل كالحياة، والقدرة، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر،
والكلام، من صفات ذاته، وكالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والعفو، والعقوبة، من
صفات فعله.
ومنه ما ثبت بنص الكتاب والسنة، كالوجه، واليد، والعين، من صفات ذاته،
وكالاستواء، والنزول، والمجيء، من صفات فعله، فيجوز إثبات هذه الصفات له لثبوت الخبر
بها على وجه ما ينفي عنه التشبيه، فصفة ذاته لم تزل موجودة بذاته، ولا تزال، وصفة فعله ثابتة

١٩٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٤٦) - باب: فضل قراءة المعونتين
١٨٨٨ - (٢٦٤) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي
حَازِمٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ (١). قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: (أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أَنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ لَّمْ يُرَ
مِثْلُهُنَّ قَطُ؟ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلقِ﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾)).
عنه، ولا يحتاج في الفعل مباشرة، إنما أمر إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون. وقال القرطبي
في المفهم: ((اشتملت)) ((قل هو الله أحد)» على اسمين يتضمنان جميع أوصاف الكمال، وهما:
الأحد، والصمد، فإنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال،
فإن الواحد والأحد وإن رجعا إلى أصل واحد فقد افترقا استعمالاً وعرفاً، فالوحدة راجعة إلى
نفي التعدد والكثرة، والواحد أصل العدد من غير تعرض لنفي ما عداه، والأحد يثبت مدلوله،
ويتعرض لنفي ما سواه، ولهذا يستعملونه في النفي، ويستعملون ((الواحد)) في الإثبات، يقال: ما
رأيت أحداً، ورأيت واحداً. فالأحد في أسماء الله تعالى مشعر بوجوده الخاص به الذي لا
يشاركه فيه غيره، وأما الصمد فإنه يتضمن جميع أوصاف الكمال، لأن معناه: الذي انتهى سؤدده
بحيث يصمد إليه في الحوائج كلها، وهو لا يتم حقيقة إلا لله)).
قال ابن دقيق العيد: ((قوله: لأنه صفة الرحمن)) يحتمل أن يكون مراده أن فيها ذكر صفة
الرحمن، كما لو وصف، فعبر عن الذكر بأنه الوصف، وإن لم يكن نفس الوصف، ويحتمل غير
ذلك، إلا أنه لا يختص ذلك بهذه السورة، لكن لعل تخصيصها بذلك لأنه ليس فيها إلا صفات
الله سبحانه وتعالى، فاختصت بذلك دون غيرها)) كذا في الفتح.
باب فضل قراءة المعوذتين
قوله: (ألم تر) إلخ: الخطاب خاص للراوي، والمراد عام.
قوله: (لم ير مثلهن) إلخ: أي في بابها، وهو التعوذ.
قال القاري: ((أي لم توجد آيات كلهن تعويذ للقارىء من شر الأشرار مثل هاتين
السورتين، والظاهر أن البسملة فيهما ليست من آياتهما، ويوافق ما عليه المحققون من أصحابنا
أنها نزلت للفصل بين السور وورد أنه عليه الصلاة والسلام كان يتعوذ من عين الجان وعين
الإنسان، فلما نزلتا أخذ بهما، وترك ما سواهما، ولما سحر عليه الصلاة والسلام استشفى
بهما)».
(١) قوله: (عن عقبة بن عامر) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب الفضل في قراءة
المعوذتين، رقم (٩٥٥) وفي فاتحة الاستعاذة، رقم (٥٤٤٢) والترمذي في جامعه، في كتاب فضائل
القرآن، باب ما جاء في المعوذتين، رقم (٢٩٠٢) والدارمي في سننه، في كتاب فضائل القرآن، باب في
فضل المعوذّتين، رقم (٣٤٤٤) وأحمد في مسنده (٤: ١٤٤ و١٥٢).

١٩٧
كتاب: كتاب فضائل القرآن
١٨٨٩ - (٢٦٥) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ
عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَنْزِلَ أَوْ أَنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَاتٌ
لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُ: الْمُعَوِّذَتَيْنِ)) .
قوله: (المعوذتين) إلخ: قال النووي: ((هكذا هو في جميع النسخ، وهو صحيح، وهو
منصوب بفعل محذوف، أي ((أعني المعوَّذتين)) وهو بكسر الواو.
قال: وفيه دليل واضح على كونهما من القرآن، ورد على من نسب إلى ابن مسعود رائه
خلاف هذا، وفيه: أن لفظة ((قل)) من القرآن ثابتة من أول السورتين عند البسملة، وقد أجمعت
الأمة على هذا كله)) اهـ.
وقال الحافظ تقذفُ في الفتح: ((وأما قول النووي في شرح المهذب: ((أجمع المسلمون على
أن المعوذتين والفاتحة من القرآن، وأن من جحد منها شيئاً كفر، وما نقل عن ابن مسعود
باطل، ليس بصحيح)): ففيه نظر، وقد سبقه لنحو ذلك أبو محمد بن حزم، فقال في أوائل
((المحلى)): ((ما نقل عن ابن مسعود من إنكار قرآنية المعوذتين فهو كذب باطل)) وكذا قال الفخر
الرازي كثّفُ في أوائل تفسيره: ((الأغلب على الظن أن هذا النقل عن ابن مسعود كذب باطل)).
والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل، بل الرواية صحيحة، والتأويل
محتمل، والإجماع الذي نقله: إن أراد شموله لكل عصر فهو مخدوش، وإن أراد استقراره فهو
مقبول. وقد قال ابن الصباغ في الكلام على مانعي الزكاة: ((وإنما قاتلهم أبو بكر على منع
الزكاة، ولم يقل: إنهم كفروا بذلك، وإنما لم يكفروا لأن الإجماع لم يكن استقر، قال: ونحن
الآن نكفر من جحدها، قال: وكذلك ما نقل عن ابن مسعود في المعوذتين: يعني أنه لم يثبت
عنده القطع بذلك ـ ثم حصل الاتفاق بعد ذلك.
وقد استشكل هذا الموضع الفخر الرازي تَّقُ فقال: إن قلنا: إن كونهما من القرآن كان
متواتراً في عصر ابن مسعود لزم تكفيره من أنكرهما، وإن قلنا: إن كونهما من القرآن كان لم
يتواتر في عصر ابن مسعود لزم أن بعض القرآن لم يتواتر، قال: وهذه عقدة صعبة.
وأجيب باحتمال أنه كان متواتراً في عصر ابن مسعود، لكن لم يتواتر عند ابن مسعود،
فانحلت العقدة بعون الله تعالى)) اهـ.
وفي شرح المواقف: ((إن اختلاف الصحابة في بعض سور القرآن مروي بالآحاد المفيدة
للظن، ومجموع القرآن منقول بالتواتر المفيد لليقين الذي يضمحل الظن في مقابلته، فتلك الآحاد
مما لا يلتفت إليه، ثم إن سلمنا اختلافهم فبما ذكرنا قلنا: إنهم لم يختلفوا في نزوله على
النبي ◌َّر، ولا في بلوغه في البلاغة حد الإعجاز بل في مجرد كونه من القرآن لا يضر فيما نحن
بصدده)) اهـ.

١٩٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٨٩٠ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وحَذَّثَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةُ كِلاَهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي
أُسَامَةَ: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرِ الْجُهَنِيِّ، وَكَان مِنْ رُفَعَاءِ أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ بِهـ
(٤٧) - باب: فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه،
وفضل من تعلم حكمة من فقه أو غيره فعمل بها وعلمها
١٨٩١ _ (٢٦٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. كُلُّهُمْ
عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ (١)،
عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ. قَالَ: ((لا حَسَدَ
وقال في روح البيان: ((إنه (ابن مسعود ﴿به) كان لا يعد المعوذتين من القرآن، وكان لا
يكتبهما في مصحفه، ويقول: إنهما منزلتان من السماء، وهذا من كلام رب العالمين، ولكن
النبي عليه الصلاة والسلام كان يرقى ويعوذ بهما، فاشتبه عليه أنهما من القرآن أو ليستا منه، فلم
یکتبهما في المصحف) اهـ.
وقال في روح المعاني: ((ولعل ابن مسعود رجع عن ذلك)) اهـ(١).
وقد تأول القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره ما حكى عن ابن مسعود بتأويلات لا نطيل
الكلام بذكرها، فليطلب من مظانها، ومن الله التوفيق والعصمة.
باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه،
وفضل من تعلم حكمه من فقه وغيره فعمل بها وعلمها
قوله: (لا حسد) إلخ: قال الحافظ تقذفُ: ((والحسد تمني زوال النعمة المنعم عليه، وخصه
(١) ونقل التاج السبكي تغذثه في طبقات الشافعية عن تعليق ابن أبي هريرة على المختصر ما نصه: ((ألا ترى أن
ابن مسعود قد أنكر المعوذتين، وإنما أنكر رسمهما، لأنه محال أن يظن بابن مسعود أن ينكر أصلهما)»
انتھی .
(٢) قوله: (عن أبيه) أي عبد الله بن عمر عنهما، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في فضائل القرآن،
باب اغتباط صاحب القرآن، (٥٠٢٥) وفي التوحيد، باب قول النبي وَّر: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به
آناء الليل والنهار .... ، رقم (٧٥٢٩) والترمذي في جامعه، في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في
الحسد، رقم (١٩٣٦) وابن ماجه في جامعه، في كتاب الزهد، باب الحسد، رقم (٤٢٠٩) وأحمد في
مسنده (٢: ٩ و٣٦ و٨٨ و١٥٢).
قال صاحب الطبقات: ((وقد عقد القاضي أبو بكر في كتابه ((الانتصار للقرآن - وهو الكتاب العظيم الذي لا
ينبغي لعالم أن يخلو عن تحصيله - باباً كبيراً، بين فيه خطأ الناقل لهذه المقالة عن عبد الله بن مسعود، وأن
الدليل القاطع قائم على كذبه على عبد الله، وبراءة عبد الله منها. من المؤلف تخلّفُ تعالى.

*
١٩٩
كتاب: كتاب فضائل القرآن
إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ. فَهُوَ يَقُومُ بِهِ أَنَّاءَ اللَّيْلِ. وَأَنَاءَ النَّهَارِ. وَرُجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ
مَالاً، فَهُوَ يُنْفِقُهُ أَنَاءَ اللَّيْلِ وَآَنَاءَ النَّهَارِ))
بعضهم بأن يتمنى ذلك لنفسه، والحق أنه أعم، وسببه أن الطباع مجبولة على حب الترفع على
الجنس، فإذا رأى لغيره ما ليس له: أحب أن يزول ذلك عنه له، ليرتفع عليه، أو مطلقاً، ليساويه
وصاحبه مذموم إذا عمل بمقتضى ذلك من تصميم، أو قول، أو فعل، وينبغي لمن خطر له ذلك
أن يكرهه كما يكره ما وضع في طبعه من حب المنهيات، واستثنوا من ذلك ما إذا كانت النعمة
لكافر أو فاسق يستعين بها على معاصي الله تعالى، فهذا حكم الحسد بحسب حقيقته.
وأما الحسد المذكور في الحديث فهو الغبطة، وأطلق الحسد عليها مجازاً، وهي أن يتمنى
أن يكون له مثل ما لغيره، من غير أن يزول عنه. والحرص على هذا يسمى: منافسة، فإن كان
في الطاعة فهو محمود، ومنه ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُثَنَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] وإن كان في المعصية
فهو مذموم، ومنه: ((ولا تنافسوا)) وإن كان في الجائزات فهو مباح، فكأنه قال في الحديث: لا
غبطة أعظم أو أفضل من الغبطة في هذين الأمرين)) اهـ.
قال الخطابي: ((معنى الحسد ههنا شدة الحرص والرغبة، كني بالحسد عنها لأنهما سببه،
والداعي إليه، فلهذا سماه البخاري تغُّ: اغتباطاً، وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث ما يبين
ذلك، فقال: ((ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل)) ذكره البخاري في فضائل
القرآن في باب اعتياط صاحب القرآن من حيث أبي هريرة ربه، فلم يتمن السلب، وإنما تمنى
أن يكون مثله، وقد تمنى ذلك الصالحون والأخيار)) كذا في عمدة القاري.
وقيل: معناه: لو كان الحسد (أي بمعناه الحقيقي) جائزاً لجاز عليهما، أو أطلق الحسد
مبالغة في الحث على تحصيل الخصلتين، كأنه قيل: لو لم يحصلا إلا بالطريق المذموم لكان ما
فيهما من الفضل حاملاً على الإقدام على تحصيلهما به، فكيف! والطريق المحمود يمكن
تحصيلهما به وهو من جنس قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] فإن حقيقة السبق أن
يتقدم على غيره في المطلوب. كذا في الفتح.
قوله: (إلا في اثنتين) إلخ: بتاء التأنيث، أي لا حسد محموداً في شيء إلا في خصلتين،
وعلى هذا فقوله: ((رجل)) بالرفع، والتقدير: خصلة رجل، حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه
مقامه .
قوله: (فهو يقوم به) إلخ: المراد بالقيام به: العمل به تلاوة وطاعة، فهو أعم من تلاوته
داخل الصلاة أو خارجها، ومن تعليمه، والحكم والفتوى بمقتضاه.
قوله: (آناء الليل) إلخ: أي في ساعتهما، جمع ((إنيّ)) بالكسر بوزن ((مِعِيِّ)) وإِنْوٌ)) و((إِنِّيّ))
بسكون النون، والمعنى: أنه لا يغفل عنه إلا من قليل من الأوقات.
قوله: (مالاً) إلخ: نكّره، ليشمل القليل والكثير.

،٠
٢٠٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٨٩٢ - (٢٦٧) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: قَالَّ
رَسُولُ اللهِ ،َ: ((لا حَسَدَ إِلا عَلَى اثْنَتَيْنِ: رَجُلِ آتَاهُ اللَّهُ هَذَا الْكِتَابَ. فَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ
وَآَنَاءَ النَّهَارِ. وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاَ. فَتَصَدَّقَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآَنَّاءِ النَّهَارِ)) .
١٨٩٣ - (٢٦٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ
قَيْسِ. قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. حْ وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ.
قَالاَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ. قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ (١) يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((لا حَسَدَ إِلا فِي ◌َثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ.
قوله: (إلا على اثنين) إلخ: بالتذكير، أي على خصلة رجلين، تقول: حسدته على كذا،
أي على وجود ذلك له، وأما حسدته في كذا فمعناه حسدته في شأن كذا، وكأنها سببية.
قوله: (فسلطه على هلكته) إلخ: بفتحات، أي على إهلاكه، أي إنفاقه في الحق.
في هذه العبارة مبالغتان:
إحداهما: التسليط، فإنه يدل على الغلبة وقهر النفس المجبولة على الشحّ البالغ.
والأخرى: لفظ ((على هَلَكته)) فإنه يدل على أنه لا يبقى من المال شيئاً، ولما أوهم
اللفظان: التبذير - وهو صرف المال فيما لا ينبغي - ذكر قوله: ((في الحق)) دفعاً لذلك الوهم.
وكذا القرينة الأخرى اشتملت على مبالغتين: إحداهما: الحكمة، فإنه تدل على علم دقيق
محكم .
والأخرى: القضاء بين الناس وتعليمهم، فإنها من خلافة النبوة.
ثم إن لفظ الحكمة إشارة إلى الكمال العلمي، ويفضي إلى الكمال العملي، وبكليهما إلى
التكميل، والفضيلة إما داخلية وإما خارجية، وأصل الفضائل الداخلية: العلم، وأصل الفضائل
(١) قوله: (عبد الله بن مسعود) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم
والحكمة، رقم (٧٣) وفي كتاب الزكاة، باب إنفاق المال في حقه، رقم (١٤٠٩) وفي كتاب الأحكام،
باب أجر من قضى بالحكمة، رقم (٧١٤١) وفي كتاب الاعتصام، باب ما جاء في اجتهاد القضاء بما أنزل
الله تعالى، رقم (٧٣١٦) وابن ماجه في سننه، في كتاب الزكاة، باب إنفاق المال في حقه، رقم (١٤٠٩)
وفي كتاب الأحكام، باب أجر من قضى بالحكمة، رقم (٧١٤١) وفي كتاب الاعتصام، باب ما جاء في
اجتهاد القضاء بما أنزل الله تعالى، رقم (٧٣١٦) وابن ماجه في سننه، في كتاب الزهد، باب الحسد، رقم
(٤٢٠٨) وأحمد في مسنده (١: ٣٨٥ و٤٣٢).