Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ كتاب: كتاب فضائل القرآن مِنَ الَّعَمِ بِعُقُلِهَا)). ١٨٣٩ - (٢٢٩) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ. قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: تَعَاهَدُوا هَذِهِ الْمَصَاحِفَ. وَرُبَّمَا قَالَ: الْقُرْآنَ. فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّياً مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَم مِنْ عُقُلِهِ. قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: نَسِيتُ آيَةً كَيْتَ وَكَيْتَ. بَلْ هُوَ نُسْيَ)). ١٨٤٠ - (٢٣٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ. حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سُلَمَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهَ يَقُولُ: ((بِئْسَمَا لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ سُورَةَ كَيْثَ وَكَيْتَ. أَوْ نَسِيتُ آيَةً كَيْتَ وَكَيْتَ. بَلْ هُوَ نُسِّيَ)). ١٨٤١ - (٢٣١) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى(١)، عَنِ النَّبِيِّ نٍَّ قَالَ: قوله: (من النعم) إلخ: بفتحتين، في القاموس: وقد يكسر عينه، الإبل والشاة، أو خاص بالإبل، جمعه: أنعام. قال ابن الملك: ((هي المال الراعية، وأكثر استعماله في الإبل، وهو متعلق بـ((أشد)) أي: أشد من تفصي النعم المعقلة، وتخصيص الرجال بالذكر لأن حفظ القرآن من شأنهم)». قوله: (بعقلها) إلخ: وفي رواية: ((في عقلها)) وفي أخرى: ((من عقلها)) وهي بضمتين، ويجوز سكون القاف، جمع عقال - بكسر أوله - وهو الحبل، ككتب وكتاب. قال القرطبي تخذفُ: ((من رواه ((من عقلها)) فهو على الأصل الذي يقتضيه التعدي من لفظ ((التفلت)) وأما ما رواه بالباء أو بالفاء فيحتمل أن يكون بمعنى ((من)) أو لمصاحبة أو الظرفية، والحاصل تشبيه من يتفلت منه القرآن بالناقة التي تفلتت من عقالها، وبقيت متعلقة به)) كذا قال. والتحرير أن التشبيه وقع بين ثلاثة بثلاثة، فحامل القرآن شبه بصاحب الناقة، والقرآن بالناقة، والحفظ بالربط . قال الطيبي: ((ليس بين القرآن والناقة مناسبة، لأنه قديم وهو حادثة، لكن وقع التشبيه في المعنى، وفي هذه الأحاديث الحض على محافظة القرآن بدوام دراسته وتكرار تلاوته، وضرب الأمثال لإيضاح المقاصد)). (١) قوله: (عن أبي موسى) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب فضائل القرآن، باب استذكار القرآن وتعاهده، رقم (٥٠٣٣) وأحمد في مسنده (٤: ٣٩٧ و٤١١). ١٦٢ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلَّتاً مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا)). وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لابْنِ بَرَّادٍ . (٣٤) - باب: استحباب تحسين الصوت بالقرآن ١٨٤٢ - (٢٣٢) حدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ نَِّ قَالَ: ((مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ، مَا أَذِنَ لِتَبِّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ». قوله: (تعاهدوا هذه المصاحف) إلخ: أي جددوا العهد بها بملازمة تلاوتها . قوله: (من النعم من عقله) إلخ: الضمير راجع إلى ((النعم)) والنعم تذكر وتؤنث. باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن قوله: (ما أذن الله لشيء) إلخ: بكسر الذال من الأذن - بفتحتين - ومعناه في اللغة: الاستماع والإصغاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا﴾ [الانشقاق: ٢ و٥] قالوا: ولا يجوز أن تحمل هنا على الاستماع بمعنى الإصغاء، فإنه يستحيل على الله تعالى، بل هو مجاز، ومعناه الكناية عن تقريبه القاري وإجزال ثوابه، لأن سماع الله تعالى لا يختلف فوجب تأويله. كذا في الشرح. قوله: (يتغنى بالقرآن) إلخ: والمراد بالتغني تحسين الصوت وترقيقه وتخزينه، كما قال به الشافعي وأكثر العلماء. وقال سفيان بن عيينة - وتبعه جماعة من العلماء -: معناه الاستغناء به عن الناس، أو عن غيره من الأحاديث والكتب. وذكر الطبري عن الشافعي: أنه سئل عن تأويل ابن عيينة: التغني بالاستغناء، فلم يرتضه. وقال: لو أراد الاستغناء لقال (في حديث: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن))) لم يستغن، وإنما أراد تحسين الصوت. (١) قوله: (عن أبي هريرة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب فضائل القرآن، باب من لم يتغنّ بالقرآن، رقم (٥٠٢٣) و (٥٠٢٤) وفي كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى ﴿وَلَا نَفَعُ الشَّفَمَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِينَ لَمْ﴾ ... رقم (٧٤٨٢) وباب قول النبي وَّر الماهر بالقرآن مع سفرة الكرام البررة، وزينوا القرآن بأصواتكم، رقم (٧٥٤٤) والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب تزيين الصوت بالقرآن، رقم (١٠١٨) و(١٠١٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة رقم (١٤٧٣) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب التغني بالقرآن، رقم (١٤٩٦) و(١٤٩٩) وفي كتاب فضائل القرآن، باب التغني بالقرآن، رقم (٣٤٩٣) و(٣٥٠٠). وأحمد في مسنده (٢: ٢٧١ و٢٧٥ و٤٥٠). ١٦٣ كتاب: كتاب فضائل القرآن ١٨٤٣ - (٠٠٠) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح قال ابن بطال: ((وبذلك فسره ابن أبي مليكة، وعبد الله بن المبارك، والنضر بن شميل، ويؤيده رواية عبد الأعلى، عن معمر، عن ابن شهاب في حديث الباب بلفظ: ((ما أذن لنبي في الترنم في القرآن ... )) أخرجه الطبري، وعنده في رواية عبد الرزاق عن معمر: ((ما أذن النبي حسن الصوت ... )) وهذا اللفظ عند مسلم من رواية محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، وعند ابن أبي داود، والطحاوي من رواية عمرو بن دينار عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: ((حسن الترنم بالقرآن». قال الطبري: ((والترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه القارىء وطرب به. قال: ولو كان معناه الاستغناء لما كان لذكر الصوت ولا لذكر الجهر: معنى)). وأخرج ابن ماجه والكجي وصححه ابن حبان، والحاكم، من حديث فضالة بن عبيد مرفوعاً: ((الله أشد أذَناً - أي استماعاً - للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته)) والقينة المغنية. قال الحافظ: ((أما إنكاره أن يكون ((تغنى)) بمعنى ((استغنى)) في كلام العرب: فمردود، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد ورد في حديث الخيل: ((ورجل ربطها تعففاً وتغَنِيّا)) وهذا من الاستغناء بلا ريب، والمراد به يطلب الغني بها عن الناس، بقرينة قوله: ((تعَفَّفاً)). ومن أنكر تفسير (يتغنى)) بـ(يستغنى)) أيضاً: الإسماعيلي، فقال: الاستغناء به لا يحتاج إلى استماع، لأن الاستماع أمر خاص زائد على الاكتفاء به، وأيضاً فالاكتفاء به عن غيره أمر واجب على الجميع، ومن لم يفعل ذلك خرج عن الطاعة. وقال عمر بن شبة: ((ذكرت لأبي عاصم النبيل كثّفُ تفسير ابن عيينة، فقال: لم يصنع شيئاً، حدثني ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، قال: كان داود ظلّلا يتغنى - حين يقرأ - ویبکي ويُکي. وعن ابن عباس: أن داود كان يقرأ الزبور بسبعين لحنا، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم، وكان إذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة في بر ولا بحر إلا أنصتت له واستمعت، وبكت. وسيأتي حديث: ((أن أبا موسى أعطى مزماراً من مزامير داود)) في باب حسن الصوت بالقراءة. وفي الجملة ما فسر به ابن عيينة ليس بمدفوع، وإن كانت ظواهر الأخبار ترجح أن المراد تحسين الصوت، ويؤيده قوله: ((يجهر به)) في بعض الروايات الآتية، فإنها إن كانت مرفوعة قامت الحجة، وإن كانت غير مرفوعة فالراوي أعرف بمعنى الخبر من غيره ولا سيما إذا كان فقيهاً، وقد جزم الحليمي بأنها من قول أبي هريرة. قال الحافظ بعد ذكر التأويلات الكثيرة: ((والحاصل أنه يمكن الجمع بين أكثر التأويلات ١٦٤ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَىْ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرٌو. كِلاهُمَا عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ: ((كَمَا يَأْذَنُ لِنَبِيِّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» . ١٨٤٤ - (٢٣٣) حدّثني بِشْرُ بْنُ الْحَكَم. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ، (وَهُوَ ابْنُ الْهَادِ)، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ، مَا أَذِنَ لِنَبِيِّ حَسَنِ الصَّوْتِ، يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، بَجْهَرُ بِهِ)». ١٨٤٥ - (٠٠٠) وحدّثني ابْنُ أَخِي ابْنٍ وَهْبٍ. حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مَالِكِ وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحِ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ سَوَاءٌ. وَقَالُ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ. وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعَ. المذكورة، وهو أنه يحسن به صوته جاهراً به مترنماً على طريق التحزن، مستغنياً به عن غيره من الأخبار، طالباً به غنى النفس، راجياً به غنى اليد، ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم، لأن للتطريب تأثيراً في رقة القلب وإجراء الدمع، وكان بين السلف اختلاف في جواز القرآن بالألحان، أما تحسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره فلا نزاع في ذلك. قال: والذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسناً فليحسنه ما استطاع كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث. وقد أخرج ذلك عن أبو داود بإسناد صحيح. ومن جملة تحسينه أن يراعى فيه قوانين النغم، فإن الحين يزداد حسناً بذلك، وإن خرج عنها أثر ذلك فيحسنه، وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء، ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام، لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعى الأداء، فإن وجد من يراعيهما معاً فلا شك في أنه أرجح من غيره، لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت، ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء، والله أعلم)). قوله: (كما يأذن لنبي) إلخ: هو بفتح الذال. قوله: (يجهر به) إلخ: أخرج البخاري من طريق ابن شهاب، عن أبي سلمة، وفيه: ((وقال صاحب له: يجهر به)) قال الحافظ: الضمير في ((له)) لأبي سلمة، والصاحب المذكور هو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، بينه الزبيدي عن ابن شهاب في هذا الحديث أخرجه ابن أبي داود، عن محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات من طريقه، بلفظ: ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن)). قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة: ((يتغنى بالقران: يجهر به)) فكأن هذا التفسير لم يسمعه ابن شهاب من أبي سلمة وسمعه من عبد الحميد عنه، فكان تارة يسميه وتارة يبهمه)) اهـ. ١٦٥ كتاب: كتاب فضائل القرآن ١٨٤٦ - (٢٣٤) وحدّثنا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مِقْلٌ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَرْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَأَذَنِهِ لَِبِّ، يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ بَجْهَرُ بِهِ)» . ١٨٤٧ - (٠٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ)، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ. مِثْلَ حَدِيثٍ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ. غَيْرَ أَنَّ ابْنَ أَيُّوبَ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: «كَإِذْنِهِ)). ١٨٤٨ - (٢٣٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا مَالِكٌ، (وَهُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةً،َ عَنْ أَبِيهِ (١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ،وَ له(( إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، أَوِ الأَشْعَرِيَّ أَعْطِيَ مِزْمَاراً مِنْ مَزَامِيرِ آلٍ دَاوُدَ)) . - والظاهر أن هذا التفسير مدرج من أبي سلمة، والله تعالى أعلم. قوله: (حدثنا هقل) إلخ: بكسر الهاء وإسكان القاف. قوله: (كأذنه لنبي) إلخ: هو بفتح الهمزة والذال، وهو مصدر: أُذِنَ يَأْذَن، كفرح يفرح فرحاً. قوله: (غير أن ابن أبي أيوب قال في روايته: كأذنه) إلخ: هكذا هو في رواية ابن أيوب، بكسر الهمزة وإسكان الذال. قال القاضي تكذفه: هو على هذه الرواية بمعنى الحث على ذلك والأمر به. قوله: (أعطى مزماراً) إلخ: المراد بالمزمار الصوت الحسن، وأصله الآلة، أطلق اسمه على الصوت للمشابهة. قوله: (من مزامير آل داود) إلخ: يريد نفسه، لأنه لم ينقل أن أحداً من أولاد داود ولا من أقاربه كان أعطى من حسن الصوت ما أعطى. وأخرج ابن أبي داود من طريق أبي عثمان النهدي قال: ((دخلت دار أبي موسى الأشعري، (١) قوله: (عن أبيه) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب فضائل القرآن، باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن، رقم (٥٠٤٨) والترمذي في جامعه، في كتاب المناقب، باب في مناقب أبو موسى الأشعري ﴿ه، رقم (٣٨٥٥) والدارمي في سننه، في كتاب فضائل القرآن، باب التغني بالقرآن، رقم (٣٥٠١). ١٦٦ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ١٨٤٩ - (٢٣٦) وحدّثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا طَلْحَةُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهَ لأَبِي مُوسَى: (لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةً! لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَاراً مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ)) . (٣٥) - باب: ذكر قراءة النبيّ ◌َّ: سورة الفتح يوم فتح مكة ١٨٥٠ - (٢٣٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ وَوَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةً. قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلِ الْمُزَنِيَّ (١) يَقُولُ: قَرَأَ الشَّبِيُّ وَّر ◌َامَ الْفَتْحِ، فِي مَسِيرٍ لَهُ، سُورَةَ الْفَتْحِ عَلَى رَاحِلَتِهِ. فَرَجَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ. فما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا ناي: أحسن من صوته)» سنده صحيح، وهو في الحلية لأبي نعيم. والصحيح: بفتح المهملة، وسكون النون، بعدها جيم هو آلة تتخذ من نحاس كالطبقين، يضرب أحدهما بالآخر. والبريط: بالموحدتين بينهما راء ساكنة، ثم طاء مهملة، بوزن جعفر، هو آلة تشبه العود، فارسي معرب. والناي: بنون بغير همز، وهو المزمار. قوله: (لو رأيتني وأنا أستمع) إلخ: قال الحافظ: وأخرجه أبو يعلى من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه، بزيادة فيه: ((أن النبي ◌َّر وعائشة مرا بأبي موسى وهو يقرأ في بيته، فقاما يستمعان لقراءته، ثم إنهما مضيا، فلما أصبح لقي أبو موسى رسول الله وَل﴿، فقال: يا أبا موسى مررت بك - فذكر الحديث - فقال: أما إني لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيراً)) ولابن سعد من حديث أنس بإسناد على شرط مسلم: ((أن أبا موسى قام ليلة يصلي، فسمع أزواج النبي وَّ صوته، وكان حلوا الصوت، فقمن يستمعن، فلما أصبح قيل له، فقال: لو علمت لحبرته لهن تحبيراً)). قوله: (فرجع في قراءته) إلخ: أي ردد الصوت في الحلق والجهر بالقول مكرراً بعد خفائه، وفي كتاب التوحيد من صحيح البخاري: ((فقلت لمعاوية: كيف كان ترجيعه؟ قال: آ، آ، آ، ثلاث مرات))، قال الحافظ: وبهمزة مفتوحة، بعدها ألف ساكنة، ثم همزة أخرى، ثم قالوا: (١) قوله: (عبد الله بن مغفّل المزني) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، باب أين ركز النبي * الراية يوم الفتح، رقم (٤٢٨١) وفي كتاب التفسير، تفسير سورة الفتح، باب ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾، رقم (٤٨٣٥) وفي كتاب فضائل القرآن، باب القراءة على الدابة، رقم (٥٠٣٤) وباب الترجيع، رقم (٥٠٤٧) وفي كتاب التوحيد، باب ذكر النبي وَّر وروايته عن ربّه، رقم (٧٥٤٠) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة، رقم (١٤٦٧). ١٦٧ كتاب: كتاب فضائل القرآن قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْلا أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَيَّ النَّاسُ. لَحَكَيْتُ لَكُمْ قِرَاءَتَهُ. ١٨٥١ - (٢٣٨) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَذَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ. قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، عَلَّى نَاقَتِهِ، يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ. قَالَ: فَقَرَأَ ابْنُ مُغَفَّلٍ وَرَجَّعَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْلًا النَّاسُ لأَخَذْتُ لَكُمْ بِذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ مُغَفَّلٍ، عَنِ النَِّيِّ بَّهِ. يحتمل أمرين: أحدهما: أن ذلك حدث من هز الناقة، والآخر أنه أشبع المد في موضعه، فحدث ذلك. وهذا الثاني: أشبه بالسباق فإن في بعض طرقه: ((لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن)) أي النغم. وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع فأخرج الترمذي في الشمائل والنسائي، وابن ماجه، وأبي داود - واللفظ له - من حديث أم هانىء: ((كنت أسمع صوت النبي وَله وهو يقرأ، وأنا نائمة على فراشي، يرجع القرآن)). والذي يظهر أن في الترجيع قدراً زائداً على الترتيل، فعند ابن أبي داود من طريق أبي إسحاق عن علقمة قال: ((بت مع عبد الله بن مسعود في داره، فنام، ثم قام، فكان يقرأ قراءة الرجل في مسجد حيه، لا يرفع صوته، ويسمع من حوله، ويرتل، ولا يرجع)). وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: ((معنى الترجيع تحسين التلاوة، لا ترجيع الغناء، لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة. قال: وفي الحديث: ملازمته وَلّ للعبادة، لأنه حالة ركوبه الناقة - وهو يسير - لم يترك العبادة بالتلاوة، وفي جهره بذلك إرشاد إلى أن الجهر بالعبادة قد يكون في بعض المواضع أفضل من الإسرار، وهو عند التعليم وإيقاظ الغافل ونحو ذلك)). وقال ابن بطال: «في هذا الحديث إجازة القراءة بالترجيع والألحان الملذذة للقلوب بحسن الصوت، وقول معاوية: ((لولا أن يجتمع الناس ... )) يشير إلى أن القراءة بالترجيع يجتمع نفوس الناس إلى الإصغاء، وتستميلها بذلك، حتى لا تكاد تصبر عن استماع الترجيع المشوب بلذة الحكمة المهيمة. كذا في الفتح، وقد مر الكلام في القراءة بالألحان في شرح أول أحاديث الباب، فليراجع. قوله: (لحكيت لكم قراءته) إلخ: أي لحكيت لكم عن عبد الله بن مغفل ما حكى عن رسول الله وَّر، وعند البخاري في التوحيد: ((قال (أي شعبة): ثم قرأ معاوية يحكي قراءة ابن مغفل، وقال: لولا أن يجتمع الناس عليكم لرجعت كما رجع ابن مغفل يحكي النبي (وََّ)). ١٦٨ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ١٨٥٢ - (٢٣٩) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. قَالاَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَفِي حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: عَلَى رَاحِلَةٍ يَسِيرُ وَهُوَ يَقْرَأْ سُورَةَ الْفَتْحِ. (٣٦) - باب: نزول السكينة لقراءة القرآن ١٨٥٣ - (٢٤٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ (١). قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ. وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنٍ، فَتَخَشَّتْهُ قال الحافظ: وهذا ظاهره أنه لم يرجع، وهو المعتمد ويحمل الأول على أنه حكى القراءة دون الترجيع، بدليل قوله في آخره: ((وکیف کان ترجیعه)). قوله: (على راحلته يسير وهو يقرأ) إلخ: فيه جواز القراءة على الدابة، خلافاً لمن كره ذلك، وقد نقله ابن أبي داود عن بعض السلف. باب نزول السكينة لقراءة القرآن قوله: (كان رجل يقرأ سورة الكهف) إلخ: قيل: هو أسيد بن حضير، كما سيأتي في حديث أبي سعيد، لكن في حديث أسيد بن حضير عند البخاري: ((أنه كان يقرأ سورة البقرة)) وفي هذا: ((أنه كان يقرأ سورة الكهف)) وهذا ظاهره التعدد، وقد وقع قريب من القصة التي لأسيد لثابت بن قيس ابن شماس، لكن في سورة البقرة أيضاً، وأخرج أبو داود من طريق مرسلة قال: ((قيل للنبي ◌ّه: ألم تر ثابت بن قيس لم تزل داره البارحة تزهر بمصابيح؟ قال: فلعله قرأ سورة البقرة، فسئل: قال: قرأت سورة البقرة)) ويحتمل أن يكون قرأ سورة البقرة وسورة الكهف جمیعاً، أي من كل منهما . قوله: (وعنده فرس) إلخ: وفي صحيح البخاري: ((وإلى جانبه حصان)) بالكسر، وهو الكريم من فحل الخيل. قوله: (مربوط بشطنين) إلخ: الشطن - بفتحتين - الحبل الطويل الشديد الفتل، وثناه دلالة على جموحه وقوته . قوله: (فتغشته سحابة) إلخ: أي سترته ظلة كسحابة فوق رأسه. (١) قوله: (عن البراء) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم (٣٦١٤) وفي كتاب التفسير، تفسير سورة الفتح، باب ((هو الذي أنزل السكينة)) رقم (٤٨٣٩) وفي كتاب فضائل القرآن، باب فضل الكهف، رقم (٥٠١١) والترمذي في جامعه، في كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة الكهف، رقم (٢٨٨٥) وأحمد في مسنده (٤: ٤٨١ و٤٨٤ و٢٩٣ و٢٩٨). ١٦٩ كتاب: كتاب فضائل القرآن سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدُورُ وَتَدْنُو. وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنْهَا. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ نَّهِ، فَذَكَرَ ذُلِكَ لَهُ. فَقَالَ: ((تِلْكَ السَّكِينَةُ، تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ)) . ١٨٥٤ - (٢٤١) وحدّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، (وَاللَّفْظُ لإِبْنِ الْمُثَنَّى)، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقٌّ. قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: قَرَأَ رَجُلٌ الْكَهْفَ. وَفِي الدَّارِ دَابَّةٌ. فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ. فَنَظَرَ فَإِذَا ضَبَابَةٌ، أَوْ سَحَابَةٌ، قَدْ غَشِيَتْهُ. قَالَ: فَذَكَرَ ذُلِكَ لِلنَّبِّ نَّهِ. فَقَالَ: ((اقْرَأْ فُلانُ! فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ عِنْدَ الْقُرْآنِ، أَوْ تَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ». ١٨٥٥ - (٠٠٠) وحدّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَأَبُو دَاوُدَ. قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ، فَذَكَرًا نَحْوَهُ. غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالَا : تَنْقُزُ. ١٨٥٦ - (٢٤٢) وحدّثني حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، (وَتَقَّارَبَا فِى اللَّفْظِ)، قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ؛ أَنَّ قوله: (فجعلت تدور وندنوا) إلخ: وفي صحيح البخاري: ((فجعلت تدنو وتدنو)). أي تقرب قليلاً قليلاً من العلو إلى السفل. قوله: (وجعل فرسه ينفر منها) إلخ: وفي الرواية الثانية: ((تنفر)) وفي الثالثة: غير أنهما قال: (ينقز)) أما الأوليان فبالفاء والراء بلا خلاف، وأما الثالثة فبالقاف المضمومة وبالزاي، هذا هو المشهور، ووقع في بعض نسخ بلادنا في الثالثة: ((ينفز)) بالفاء والزاي، وحكاه القاضي عياض عن بعضهم، وغلطه، ومعنى (ينفر)) بالقاف والزاي: يثب. قاله النووي. قوله: (تلك السكينة) إلخ: بمهملة، وزن عظيمة، وتكرر لفظ السكينة في القرآن والحديث، وفي تفسيرها أقوال كثيرة ذكرها الحافظ، ثم قال: والذي يظهر أنها مقولة بالاشتراك على هذه المعاني فیحمل کل موضع وردت فيه على ما يليق به . وقال النووي: ((المختار لها شيء من المخلوقات، فيه طمأنينة ورحمة، ومعه الملائكة)). قال الطيبي: ((المؤمن تزداد طمأنينيته بأمثال هذه الآيات إذا كوشف بها. قوله: (تنزلت للقرآن) إلخ: أي لأجل القرآن. قوله: (فقال: اقرأ فلان) إلخ: أي اقرأ يا فلان، ويأتي شرحه تحت قوله: ((اقرأ ابن حضير)) من الحديث الآتي. قوله: (تنزلت عند القرآن) إلخ: أي عند قراءة القرآن. ١٧٠ ٠ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّبِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ(١) حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ، بَيْنَمَا هُوَ، لَيْلَةً، يَقْرَأُ فِي مِرْبَدِهِ. إِذْ جَالَتْ فَرَسُهُ، فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَتْ أُخْرَى، فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضاً. قَالَ أُسَيْدٌ: فَخَشِيتُ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى، فَقُمْتُ إِلَيْهَا. فَإِذَا مِثْلُ الُلَّةِ فَوْقَ رَأْسِي، فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ. عَرَجَتْ فِي الْجَوِّ حَتَّى مَا أَرَاهَا. قَالَ: فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَيْنَمَا أَنَا الْبَارِحَةَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ أَقْرَأُ فِي مِرْبَدِي إِذْ جَالَتْ فَرَسِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((اقْرَإِ ابْنَ حُضَيْرٍ!)) قَالَ: فَقَرَأْتُ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضاً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: قوله: (أن أسيد بن حضير) إلخ: بالتصغير فيهما، والحاء المهملة. قوله: (في مريده) إلخ: هو بكسر الميم وفتح الموحدة، وهو الموضع الذي ييبس فيه التمر كالبيدر للحنطة ونحوها . قوله: (إذ جالت فرسه) إلخ: أي دارت وتحركت، كالمضطرب المنزعج من مخوف نزل به . قوله: (ثم جالت أيضاً) إلخ: فعلم أن ذلك لأمر أزعجها عن قرارها، قيل: تحرك الفرس كان لنزول الملائكة لاستماع القرآن خوفاً منهم، وسكونها لعروجهم إلى السماء، أو لعدم ظهورهم، أو تحرك الفرس لوجدان الذوق بالقراءة، وسكونها لذهاب ذلك الذوق منها بترك القراءة . قوله: (أن تطأ يحيى) إلخ: يعني أن ابنه يحيى كان قريباً منها، فخشي إن استمر على القراءة أن تدوس الفرس ولده. قوله: (فيها أمثال السرج) إلخ: أي أجسام لطيفة نورانية مضيئة أمثال المصابيح. قوله: (عرجت في الجو) إلخ: أي: صعدت الملائكة وارتفعت فيه لكونه قطع القراءة التي نزلت لسماعها . قوله: (في الجو) إلخ: بفتح الجيم وتشديد الواو، أو في الهواء بين الأرض والسماء. قوله: (حتى ما أراها) إلخ: أي غابت عن بصري. قوله: (اقرأ ابن حضير) إلخ: قال الحافظ: ((أي كان ينبغي أن تستمر على قراءتك، وليس (١) قوله: (أبا سعيد الخدري) الحديث أخرجه البخاري تعليقاً من مسند أسيد بن حضير، في كتاب فضائل القرآن، باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن، رقم (٥٠١٨) وقال: ((قال ابن الهاد: وحدثني هذا الحديث عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري عن أسيد بن حضير)). وأخرجه أحمد في مسنده (٣: ٨١). ١٧١ كتاب: كتاب فضائل القرآن (اقْرَإِ ابْنَ حُضَيْرٍ!)) قَالَ: فَقَرَأْتُ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضاً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((اقْرَإِ ابْنَ حُضَيْرِ!)) قَالَ: فَانْصَرَفْتُ، وَكَانَ يَحْيَى قَرِيباً مِنْهَا. خَشِيتُ أَنْ تَطَأَّهُ. فَرَأَيْتُ مِثْلَ الظُّلَّةِ. فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ. عَرَجَتْ فِي الْجَوْ حَتَّى مَا أَرَاهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((تِلْكَ الْمَلائِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ. وَلَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ. مَا تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ)). (٣٧) - باب: فضيلة حافظ القرآن ١٨٥٧ - (٢٤٣) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ. قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ(١). أمراً له بالقراءة في حالة التحديث، وكأنه استحضر صورة الحال، فصار كأنه حاضر عنده لما رأى ما رأى، فكأنه يقول: استمر على قراءتك، لتستمر البركة بنزول الملائكة واستماعها لقراءتك، وفهم أسيد ذلك، فأجاب بعذره في قطع القراءة، وهو قوله: ((خفت أن تطأ يحيى)) أي خشيت إن استمريت على القراءة أن تطأ الفرس ولدي، ودل سياق الحديث على محافظة أسيد على خشوعه في صلاته، لأنه كان يمكنه أول ما جالت الفرس أن يرفع رأسه، وكأنه كان بلغه حديث النهي عن رفع المصلي رأسه إلى السماع، فلم يرفعها حتى اشتد به الخطب، ويحتمل أن يكون رفع رأسه بعد انقضاء صلاته، فلهذا تمادى به الحال ثلاث مرات)) اهـ، كذا في الفتح. وقال السندي كثّفُ في قوله: ((اقرأ ابن حضير)) علم من أول الأمر أن ما حصل لفرسه من علامات أن قراءته مقبولة محضورة، فأمره بالقراءة في ما بعد لما ظهر فيها من البركات، أو هذا الأمر منه لبيان أنك لا تجعل مثله مانعاً من القراءة فيهما بعده، بل امض على قراءتك فيما بعد، والله تعالى أعلم. قوله: (تستمع لك) إلخ: وفي بعض الروايات: ((وكان أسيد حسن الصوت)) وفي بعضها: ((اقرأ أسيد، فقد أوتيت من مزامير آل داود)) وفي هذه الزيادة إشارة إلى الباعث على استماع الملائكة لقراءته . قوله: (يراها الناس) إلخ: قال النووي: ((فيه جواز رؤية آحاد الأمة للملائكة، والله أعلم. قوله: (ما تستتر منهم) إلخ: فيه إشارة إلى الملائكة لاستغراقهم في الاستماع كانوا (١) قوله: (عن أبي موسى الأشعري) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب فضائل القرآن، باب فضل القرآن على سائر الكلام، رقم (٥٠٢٠) وباب إثم من راءى بقراءة القرآن أو تأكل به، أو فجر به، رقم (٥٠٥٩) وفي كتاب الأطعمة، باب ذكر الطعام، رقم (٥٤٢٧) وفي كتاب التوحيد، باب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم وتلاوتهم لا تجاوز حناجرهم، رقم (٧٥٦٠) والنسائي في سننه، في كتاب الإيمان وشرائعه، باب مثل الذي يقرأ القرآن من مؤمن ومنافق، رقم (٥٠٤١) وأبو داود في سننه، في كتاب = ١٧٢ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيْبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الثَّمْرَةِ، لاَ رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيْبٌ وَطَعْمُهَا مُرِّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يستمرون على عدم الاختفاء كانوا يستمرون على عدم الاختفاء الذي هو من شأنهم، وفيه منقبة لأسيد بن حضير، وفضل قراءة سورة البقرة في صلاة الليل، وفضل الخشوع في الصلاة، وأن التشاغل بشيء من أمور الدنيا ولو كان من المباح قد يفوت الخبر الكثير، فكيف لو كان بغيره الأمر المباح! قوله: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن) إلخ: أي على ما ينبغي، وعبر بالمضارع لإفادة تكريره لها ومداومته عليها، حتى صارت دأبه وعادته، كفلان: يقري الضيف، ويحمي الحریم، ويعطي اليتيم، ووقع في بعض الروايات: ((المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل)) وهي زيادة مفسرة للمراد، وإن التمثيل وقع بالذي يقرأ القرآن ولا يخالف ما اشتمل عليه من أمر ونهي، لا مطلق التلاوة . قوله: (مثل الأترجة) إلخ: بضم الهمزة، وسكون التاء، وضم الراء، وتشديد الجيم، وفي رواية البخاري: بنون ساكنة بين الراء والجيم المخففة، وفي القاموس: الأترج، والأترجة، والترنج، والترنجة: معروف، وهي أحسن الثمار الشجرية وأنفسها عند العرب لحسن منظرها صفراء فاتح لونها تسر الناظرين. قوله: (طعمها طيب، وريحها طيب) إلخ: قيل: خص صفة الإيمان بالطعم، وصفة التلاوة بالريح، لأن الإيمان ألزم المؤمن من القرآن، إذ يمكن حصول الإيمان بدون القراءة، وكذلك الطعم ألزم للجوهر من الريح، فقد يذهب ريح الجوهر، ويبقى طعمه. ثم قيل: الحكمة في تخصيص الأترجة بالتمثيل دون غيرها من الفاكهة التي تجمع طيب الطعم والريح كالتفاحة، لأنه يتداوى بقشرها، وهو مفرح بالخاصية، ويستخرج من حبها دهن له منافع، وقيل: إن الجن لا تقرب البيت الذي فيه الأترج، فناسب أن يمثل به القرآن الذي لا تقربه الشياطين، وغلاف حبه أبيض، فيناسب قلب المؤمن وفيها أيضاً من المزايا: كبر جرمها، وحسن منظرها وتفريح لونها، ولين ملبسها وفي أكلها ما التذاذ طيب نكهة، ودباغ معدة، وجودة هضم، ولها منافع أخرى مذكورة في المفردات، فكذلك المؤمن القارىء طيب الطعم لثبوت الإيمان في قلبه، وطيب الأدب، باب من يؤمر أن يجالي، رقم (٤٨٣٠) والترمذي في جامعه، في كتاب الأمثال، باب ما جاء في = مثل المؤمن القارىء للقرآن وغير القارىء، رقم (٢٨٦٥) وابن ماجه في سننه، في المقدمة، باب فضل من تعلّم القرآن وعلّمه، رقم (٢١٤) والدارمي في سننه، في كتاب فضائل القرآن، باب مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن، رقم (٣٣٦٦) وأحمد في مسنده (٤: ٣٩٧ و٤٠٤ و ٤٠٨). ١٧٣ كتاب: كتاب فضائل القرآن لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ. لَيْسَ لَهَا رِيحْ وَطَعْمُهَا مُرِّ». ١٨٥٨ - (٠٠٠) وحدّثنا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، كِلاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ هَمَّامٍ : - بَدَلَ ((الْمُنَافِقِ)) -، ((الْفَاجِرِ)). (٣٨) - باب: فضل الماهر بالقرآن والذي يتتعتع فيه ١٨٥٩ _ (٢٤٤) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْغُبَرِيُّ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي عَوَانَةَ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ(١). قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ : الريح، لأن الناس يستريحون بقراءته، ويجوزون الثواب بالاستماع إليه، ويتعلمون القرآن منه. قوله: (ليس لها ريح) إلخ: وفي بعض الروايات: وريحها مر)) واستشكلت هذه الرواية من جهة أن المرارة من أوصاف الطعوم فكيف يوصف بها الريح وأجيب بأريحها لما كان كريها استعير له وصف المرارة، وأطلق الزركشي هنا أن هذه الرواية وهم، وأن الصواب ما في رواية الباب. قوله: (وطعمها مر) إلخ: قال الطيبي تقذفه: ((التمثيل في الحقيقة وصف لموصوف اشتمل على معنى معقول صرف، لا يبرزه عن مكنونه إلا تصويره بالمحسوسات المشاهد، ثم إن كلام الله تعالى له تأثير في باطن العبد وظاهره، وإن العباد متفاوتون في ذلك، فمنهم من له النصيب الأوفر من ذلك التأثير، وهو المؤمن القارىء، ومنهم من لا نصيب له البتة، وهو المنافق الحقيقي، ومنهم من تأثّر ظاهره دون باطنه، وهو المرائي، أو بالعكس، وهو المؤمن الذي لا يقرأه وإبراز هذه المعاني وتصويرها إلى المحسوسات ما هو مذكور في الحديث ولم يوجد ما يوافقها ويلائمها أقرب ولا أحسن ولا أجمع من ذلك، لأن المشبهات والمشبهة بها واردة على تقسيم الحاصل، لأن الناس: إما مؤمن أو غير مؤمن، والثاني: إما منافق صرف، أي ملحق به، والأول: إما مواظب على القراءة أو غير مواظب عليها، وعلى هذا فقس الأثمار المشبهة بها، ووجه الشبه في المذكورات منتزع من أمرين محسوسين: طعم وريح)) كذا في المرقاة. (١) قوله: (عن عائشة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، تفسير سورة عبس، رقم (٤٩٣٧) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في ثواب قراءة القرآن، رقم (١٤٥٤) والترمذي في جامعه، في كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل قارىء القرآن، رقم (٢٩٠٤) وابن ماجه، في سننه في كتاب الأدب، باب ثواب القرآن، رقم (٣٧٧٩) والدارمي في سننه، في كتاب فضائل القرآن، باب فضل من يقرأ القرآن ويشتد عليه، رقم (٣٣٧١) وأحمد في مسنده (٦: ٩٨ و١٧٠ و٢٣٩). ١٧٤ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ. وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌ، لَهُ أَجْرَانِ» . قال الحافظ: ((وفي الحديث فضيلة حامل القرآن، وضرب المثل للتقريب للفهم، وأن المقصود من تلاوة القرآن العمل بم دل عليه)) اهـ. والله تعالى أعلم بالصواب. قوله: (الماهر بالقرآن) إلخ: أي الحاذق، من المهارة، وهي الحذق، جاز أن يريد به جودة الحفظ أو جودة اللفظ، وأن يريد به كليهما، وأن يريد به ما هو أعم منهما. وقال الطيبي كتفه: هو الكامل الحفظ الذي يتوقف في القراءة، ولا يشق عليه. قوله: (مع السفرة) إلخ: جمع سافر، وهم الرسل إلى الناس برسالات الله تعالى، وقيل: السفرة: الكتبة ذكره الطيبي تَّتُهُ . وقال ميرك: ((أي الكتبة، جمع سافر، من السفر، وأصله الكشف، فإن الكاتب يبين ما يكتب ويوضحه، ومنه قيل للكِتَاب: سِفْر - بكسر السين - لأنه يكشف الحقائق ويسفر عنها، والمراد بها الملائكة الذين هم حملة اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: ﴿بِأَبْدِى سَفَرَةِ ﴾ كِرَمِ بَرَدَهُ 00﴾ [عبس: ١٥ و١٦] سموا بذل لأنهم ينقلون الكتب الإلهية المنزلة إلى الأنبياء، فكأنهم يستنسخونها. قال ابن الملك: والمعنى الجامع بينهم كونه من خزنة الوحي وأمناء الكتب. قوله: (الكرام) إلخ: جمع ((الكريم)) أي المكرمين على الله، المقربين عند مولاهم، لعصمتهم ونزاهتهم عن دنس المعصية والمخالفة. قوله: (البررة) إلخ: جمع بارّ، وهو المحسن. وقال الطيبي: أي المطيعون من البر، وهو الطاعة، يعني هو مع الملائكة في منازل الآخرة، لاتصافه بصفتهم من حمل كتاب الله، ويحتمل أن يراد أنه عامل عملهم وساك مسلكهم في حفظه وأدائه إلى المؤمنين. قوله: (ويتتعتع فيه) إلخ: أي يتردد ويتلبد عليه لسانه، ويقف في قراءته لعدم مهارته، والتعتعة في الكلام التردد فيه من حصر أو عيّ يقال: تعتع لسانه إذا توقف في الكلام، ولم يطعه لسانه . قوله: (وهو عليه شاق) إلخ: جملة حالية، أي والحال أن القرآن في حصوله أو تردده فيه عليه شديد يصيبه منه مشقة . قوله: (له أجران) إلخ: أي أجر لقراءته، وأجر لتحمل مشقته، وهذا تحريض على تحصيل القراءة، وليس معناه أن الذي يتتعتع فيه له من الأجر أكثر من الماهر، بل الماهر أفضل وأكثر أجراً مع السفرة، وله أجور كثيرة حيث اندرج في سلك الملائكة المقربين، أو الأنبياء والمرسلين، أو الصحابة المقربين. ١٧٥ كتاب: كتاب فضائل القرآن ١٨٦٠ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ الدَّسْتُوَائِيِّ. كِلاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ فِي حَدِيثٍ وَكِيعٍ: ((وَالَّذِي يَقْرَأُ وَهُوَ يِّشْتَدُّ عَلَيْهِ لَهُ أَجْرَانٍ)). (٣٩) - باب: استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل والحذاق فيه وإن كان القارىء أفضل من المقروء عليه ١٨٦١ - (٢٤٥) حدّثنا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ قَالَ لأُبَيِّ: ((إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ)) باب استحباب قراء القرآن على أهل الفضل والحذاق فيه، وإن كان القارىء أفضل من المقرو عليه قوله: (عن أنسن مالك) إلخ: ذكر مسلم تَّثُ ثلاثة أسانيد لهذا الحديث، قال النووي: ((هذه الأسانيد الثلاثة رواتها كلهم بصريون، وهذا من المستطرفات، يجتمع ثلاثة أسانيد متصلة مسلسون بغير قصد، وشعبة واسطي بصري. قوله: (قال لأبي) إلخ: أي أبي بن كعب أبي المنذر، الصحابي الجليل قوله: (أمرني أن أقرأ عليك) إلخ: وللبخاري في التفسير من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: ((أن الله أمرني أن أقرئك القرآن)) أن أعلمك بقراءتي عليك: كيف تقرأ، حتى لا تتخالف الروايتان. قال أبو عبيد: ((المراد بالعرض على أبي ليتعلم أبي منه القراءة، ويتثبت فيها، وليكون عرض القرآن سنة، وللتنبيه على فضيلة أبي بن كعب وتقدمه في حفظ القرآن وليس المراد أن يستذكر منه النبي ◌َلي شيئاً بذلك العرض)). قال القاري كثّفُ: ((ووجه تخصيص بذلك أنه بذل جهذه في حفظ القرآن وما ينبغي له، حتى قال ◌َّير: ((أقرؤكم أبي)) ولما قيض له من الإقامة في هذا الشأن أمر الله نبيه وسليل أن يقرأ عليه ليأخذ عنه رسم التلاوة، كما أخذه نبي الله وَ ل قوله عن جبريل، ثم يأخذه على هذا النمط الآخر (١) قوله: (عن أنس بن مالك) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مناقب الأنصار، باب مناقب أُبي بن كعب ، رقم (٣٨٠٩) وفي كتاب التفسير، تفسير سورة لم يكن، رقم (٤٩٥٩) و (٤٩٦٠) و(٤٩٦١) والترمذي في جامعه، في كتاب المناقب، باب مناقب معاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبي عبيدة ابن الجراح ﴿، رقم (٣٧٩٢) وأحمد في مسنده (٣: ١٣٠ و١٣٧ و١٨٥ و٢١٨ و٢٣٣ و٢٧٣ و ٢٨٤. ١٧٦ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: ((اللَّهُ سَمَّاكَ لِي)) قَالَ: فَجَعَلَ أَبِيِّ يَبْكِي. ١٨٦٢ - (٢٤٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّه لأُبَيِّ بَّنِ كَعْبٍ: ((إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: ﴿لَمَّ يَكُنِ اٌلَّذِينَّ كَفَرُواْ﴾ [البينة: ١] قَالَ: وَسَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ : ((نَعَمْ)) قَالَ: فَبكى. عن الأخر عن الأول، والخلف عن السلف، وقد أخذ عن أبي بشر كثيرون من التابعين، ثم عنهم من بعدهم، وهكذا، فسرى فيه سر تلك القراءة عليه، حتى سرى سره في الأمة إلى الساعة. قوله: (الله سماني لك) إلخ: قال السندي كثّفُ: ((هو بمد الهمزة، استفهام، أي آلله ذكرني باسمي لك)». قال الحافظ: ((أي هل نصّ علي باسمي؟ أو قال: اقرأ على واحد من أصحابك فاخترتَني أنت؟ قال القرطبي: ((تعجب أبيّ من ذلك، لأن تسمية الله له ونصه عليه ليقرأ عليه النبي وَلّر : تشريف عظيم، فلذلك بكى، إما فرحاً وإما خشوعاً)). وقال الطيبي: ((والمقصود التعجب، إما هضماً، أي أنّى لي هذه المرتبة! وإما استلذاذاً بهذه المرتبة الرفيعة، وزاد في بعض الروايات: ((وقد ذكرتُ عند رب العالمين: قال: نعم)) روى هذه الزيادة البخاري في التفسير)). قوله: (قال: الله سمّاك لي) إلخ: وفي رواية للطبراني من وجه آخر عن أبي بن كعب قال: ((نعم باسمك ونسبك في الملأ الأعلى)). قوله: (فجعل أُبيّ يبكي) إلخ: إما فرحاً وسروراً بذلك، وإما خشوعاً وخوفاً من التقصير في شكر تلك النعمة. قوله: (أن أقرأ عليك: لم يكن الذين كفروا) إلخ: قال القرطبي كثّفُهُ: ((خص هذه السورة بالذكر لما اشتملت عليه من: التوحيد، والرسالة، والإخلاص، والصحف، والكتب المنزلة على الأنبياء، وذكر الصلاة، والزكاة والمعاد وبيان أهل الجنة والنار، مع وجازتها، ولتحقق قوله (٢)﴾ [البينة: ]٢ وقيل: لأن فيها قصة أهل الكتاب، تعالى فيها: ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُواْ مُفًا مُطَهَّرَةً وكان أبي من أحبار اليهود، فأراد ◌َّير أن يعلمه حالهم، وخطاب الله تعالى إياهم، فيتقرر إيمانه بالله تعالى ونبوته وَ ﴿ أشد تقرراً)). وقال الحافظ: ((وفي تخصيص أبي بن كعب: التنويه به في أنه أقرأ الصحابة، فإذا أقرأ عليه النبي ◌َّل مع عظيم منزلته كان غيره بطريق التبع له)). ١٧٧ كتاب: كتاب فضائل القرآن ١٨٦٣ - (٠٠٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لأُبَيِّ بِمِثْلِهِ. (٤٠) - باب: فضل استماع القرآن، وطلب القراءة من حافظ للاستماع، والبكاء عند القراءة والتدبر ١٨٦٤ - (٢٤٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. جَمِيعاً عَنْ حَقْصٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ(١). قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: (اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ)) قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: ((إِنِّي أَشْتَهِي قالَ النووي كَُّ: ((وكان بعده وَّ رأساً وإماماً في إقراء القرآن وهو أجلّ ناشرته أو من أجلهم)) . قوله: (عن قتادة قال: سمعت أنساً) إلخ: فيه تصريح قتادة بالسماع من أنس، وقتادة مدلس، فينتفي أن يخاف من تدليسه بتصريحه بالسماع. باب فضل استماع القرآن وطلب القراءة من حافظه للاستماع والبكاء عند القراءة والتدبر قوله: (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، جميعاً عن حفص) إلخ: هذا الإسناد، والأسانيد الثلاثة التي بعده كلهم كوفيون، وهو من الطرق المستحسنة، وجرير رازي كوفي، وفي هذا الإسناد ثلاثة تابعيون، بعضهم عن بعض: الأعمش، وإبراهيم النخعي، وعبيدة السلماني - بفتح العين، وكسر الباء - وأيضاً الأعمش وإبراهيم وعلقمة، كذا قال النووي. قوله: (وعليك أنزل) إلخ: أي القرآن، والجملة حالية، يعني جريان الحكمة على لسان الحكيم أحلى، وكلام المحبوب على لسان الحبيب أولى. قوله: (إني أشتهي) إلخ: أي في بعض الأحوال. (١) قوله: (عن عبد الله) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، تفسير سورة النساء، باب ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾، رقم (٤٥٨٢) وفي كتاب فضائل القرآن، باب من أحبّ أن يستمع القرآن من غيره، رقم (٥٠٤٩) وباب قول المقرىء للقارىء: حسبك، رقم (٥٠٥٠) وباب البكاء عند قراءة القرآن رقم (٥٠٥٥) و(٥٠٥٦) وأبو داود في سننه، في كتاب العلم، باب في القصص، رقم (٣٦٦٨) والترمذي في جامعه، في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة النساء، رقم (٣٠٢٤) و(٣٠٢٥) وابن ماجه في سننه، في كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء، رقم (٤١٩٤) وأحمد في مسنده (١ : ٣٨٠ و ٤٣٣). ١٧٨ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي)) فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ، حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] رَفَعْتُ رَأْسِي. أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي فَرَفَعْتُ رَأْسِي. فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ. ١٨٦٥ - (٠٠٠) حدّثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ وَمِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ الثَّمِيمِيُّ، جَمِيعاً عَنْ عَلِيٍّ بْنٍ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ هَنَّادٌ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَسِهِ، وَهُوَ عَلَّى الْمِنْبَرِ، ((اقْرَأْ عَلَيَّ)). قوله: (أن أسمعه من غيري) إلخ: قال ابن بطال: ((يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره، ليكون عرض القرآن سنة، ويحتمل أن يكون لكي يتدبره ويتفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر، ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارىء، لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته هو يسير على أبي بن كعب كما تقدم في المناقب وغيرها، فإنه أراد أن يعلمه كيفية أداء القراءة ومخارج الحروف ونحو ذلك. قوله: (كل أمة بشهيد) إلخ: )) أي أحضرنا منهم شهيداً عليهم بما فعلوا، وهو نبيهم. قوله: (وجئنا بك على هؤلاء) إلخ: أي أمتك. قوله: (فرأيت دموعه) إلخ: قال ابن بطال: ((إنما بكى وَلل عند تلاوته هذه الآية، لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة، وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق، وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف، وهو أمر يحق له طول البكاء)) انتهى. والذي يظهر أنه بكى رحمة لأمته، لأنه علم أنه لا بد أن يشهد عليهم بعملهم، وعملهم قد لا يكون مستقيماً فقد يفضي إلى تعذيبهم، والله أعلم. كذا في الفتح. قال النووي: ((البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار الصالحين، قال الله تعالى: ﴿وَيَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩] وقال: ﴿خَرُواْ سُجَّدًا وَتُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] والأحاديث فيه كثيرة)) . قال الغزالي: ((يستحب البكاء مع القراءة عندها، وطريق تحصيله أن يحضر قلبه الحزن والخوف بتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد، والوثائق والعهود، ثم ينظر تقصيره في ذلك، فإن لم يحضره حزن فليبك على فقد ذلك، وإنه من أعظم المصائب)). قال النووي: ((وصعق جماعات من السلف عند القراءة، ومات جماعة بسببها)). ولما حكى في ((التبيان)) عن جمع إنكار الصياح والصعق قال: ((الصواب عدم الإنكار إلا على من اعترف أن يفعله تصنعاً)). وقال في الأذكار: ((فإن عز عليه البكاء تباكي، لخبر أحمد والبيهقي: ((إن هذا القرآن نزل ١٧٩ كتاب: كتاب فضائل القرآن ١٨٦٦ - (٢٤٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي مِسْعَرٌ. وَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّةٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: (اقْرَأْ عَلَيَّ) قَالَ: أَقْرَأُ عَلَّيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: ((إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي)) قَالَ: فَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ. إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا ◌ِثْنَا مِن كُلِّ أُمَِّم بِشَهِيدٍ وَحِثْنَا بِكَ عَ هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] فَبَكَى. قَالَ مِسْعَرٌ: فَحَدَّثَنِي مَعْنٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنٍ مَسْعُودٍ. قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((شَهِيداً عَلَيْهِمْ مَا دُمْتُ فِيهِمْ، أَوْ مَا كُنْتُ فِيهِمْ)) (شَكَّ مِسْعَرٌ). ١٨٦٧ - (٢٤٩) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ(١). قَالَ: كُنْتُ بِحِمْصَ. فَقَالَ لِي بَعْضُ الْقَوْمِ: اقْرَأْ عَلَيْنَا. فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يُوسُفَ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَاللَّهِ، مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ. قَالَ: قُلْتُ: وَيْحَكَ، وَاللَّهِ، لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. فَقَالَ لِي: ((أَحْسَنْتَ)). بحزن وكآبة، فإذا قرأ تموه فأبكو، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا به، فمن لم يتغن به فليس منا)). قوله: (شهيداً عليهم ما دمت فيهم) إلخ: ووقع في رواية محمد بن فضالة الظفري: ((أن ذلك كان وهو ◌َّ في بني ظفر)) أخرجه ابن أبي حاتم، والطبراني، وغيرهما من طريق يونس بن محمد بن فضالة، عن أبيه: ((أن النبي ور أتاهم في بني ظفر، ومعه ابن مسعود، وناس من أصحابه، فأمر قارئاً، فقرأ، فأتى على هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّم بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا ﴾ [النساء: ٤١] فبكى حتى ضرب لحياة ووجنتاه، فقال: يا رب، هذا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا على من أنابين ظهريه، فكيف بمن لم أره)). وأخرج ابن المبارك في الزهد، من طريق سعيد بن المسيب، قال: ((ليس من يوم إلا يعرض على النبي ◌َّ أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بسيماهم، وأعمالهم، فذلك يشهد عليهم))، ففي هذا المرسل ما يرفع الإشكال الذي تضمنه حديث ابن فضالة والله أعلم. قوله: (كنت بحمص) إلخ: بكسر الحاء وسكون الميم، وهو غير منصرف، وقد ينصرف، بلدة بالشام. قوله: (فقال لي: أحسنت) إلخ: هذه منقبة عظيمة، لم يذكرها افتخاراً بل تحديثاً بنعمة الله، واحتجاجاً على عدو الله)). (١) قوله: (عن عبد الله) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب فضائل القرآن، باب القراء من أصحاب النبي ◌َ ، رقم (٥٠٠١) وأحمد في مسنده (١: ٤٢٥). ١٨٠ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَبَيْنَمَا أَنَا أُكَلِّمُهُ إِذْ وَجَدْتُ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ. قَالَ: فَقُلْتُ: أَتَشْرَبُ الْخَمْرَ وَتُكَذِّبُ بِالْكِتَابِ؟ لا تَبْرَحُ حَتَّى أَجْلِدَكَ. قَالَ: فَجَلَدْتُهُ الْحَدَّ. قوله: (وتكذب بالكتاب) إلخ: قال القرطبي: ((يحتمل أن يكون الرجل كذب ابن مسعود، ولم يكذب بالقرآن، وهو الذي يظهر من قوله: ((ما هكذا أنزلت)) فإن ظاهره أنه أثبت إنزالها، ونفي الكيفية التي أوردها ابن مسعود، وقال الرجل ذلك إما جهلاً منه، أو قلة حفظ، أو عدم تثبت بعثه عليه السكر)). قوله: (فجلدته الحد) إلخ: قال النووي: ((هذا محمول على أن ابن مسعود كانت له ولاية إقامة الحدود نيابة عن الإمام إما عموماً، وإما خصوصاً، وعلى أن الرجل اعترف بشربها بلا عذر، وإلا فلا يجب الحد بمجرد ريحها، وعلى أن التكذيب كان بإنكار بعضه جاهلاً، إذ لو كذب به حقيقة لكفر، فقد أجمعوا على أن من جحد حرفاً مجمعاً عليه من القرآن كفر)) اهـ. والاحتمال الأول: جيد، ويحتمل أيضاً أن يكون قوله: ((فضربه الحد)) أي رفعه إلى الأمير، فضربه، فأسند الضرب إلى نفسه مجاز، لكونه كان سبباً فيه . وقال القرطبي: ((إنما أقام عليه الحد لأنه جعل له ذل من له الولاية أو لأنه رأى أنه قام عن الإمام بواجب، أو لأنه كان ذلك في زمان ولايته الكوفة، فإنه وليها في زمن عمر وصدرا من خلافة عثمان)) انتهى . والاحتمال الثاني: موجه، وفي الأخير غفلة عما في أول الخبر أن ذلك كان بحمص، ولم يلها ابن مسعود، وإنما دخلها غازياً، وكان ذلك في خلافة عمر. وأما الجواب الثاني: عن الرائحة، فيرده النقل عن ابن مسعود أنه كان يرى وجوب الحد بمجرد وجود الرائحة وقد وقع مثل ذلك لعثمان في قصة الوليد بن عقبة، ووقع عند الإسماعيلي إثر هذا الحديث: النقلُ عن علي أنه أنكر على ابن مسعود جلده الرجل بالرائحة وحدها، إذ لم پقر ولم يشهد عليه. وقال القرطبي: «في الحديث حجة على من يمنع وجوب الحد بالرائحة كالحنفية، وقد قال به مالك وأصحابه وجماعة من أهل الحجاز)). قلت: ((والمسألة خلافية شهيرة، وللمانع أن يقول: إذا احتمل أن يكون أقر سقط الاستدلال بذلك، ولما حكى الموفق في الخلاف في وجوب الحد بمجرد الرائحة: اختار أن لا يحد بالرائحة وحدها، بل لا بد معها من قرينة كأن يوجد سكران، أو يتقيأها ونحوه، وأن يوجد جماعة شهروا بالفسق، ويوجد معهم خمر، ويوجد من أحدهم رائحة الخمر. وحكى ابن المنذر عن بعض السلف أن الذي يجب عليه الحد بمجرد الرائحة: من يكون مشهوراً بإدمان شرب الخمر، كذا في الفتح.