Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ)) .
١٧٧٠ - (١٦٩) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ
الْقَارِيُّ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَلِ قَالَ:
وقيل: يحمل على أن ذلك يقع في جميع الأوقات التي وردت بها الأخبار، ويحمل على
النبي ﴿ أعلم بأحد الأمور في وقت، فأخبر به، ثم أعلم به في وقت آخر، فأخبر به، فنقل
الصحابة ذلك عنه، والله أعلم كذا في الفتح.
ويحتمل أن يكون النزول له مراتب ومدارج، كتفاوت التجليات وتطورها، فيبتدىء نزول
الربوبية حسب ما يليق بشأنه عز وجل بعد ذهاب الثلث الليل الأول، ثم يتزايد حتى يتم في
الثلث الأخير، ففي كل ثلث من الليل له طور ليس في الآخر، والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصواب.
قوله: (من يدعوني) إلخ: قال الحافظ: ((لم تختلف الروايات على الزهري في الاقتصار
على الثلاثة المذكورة، وهي: الدعاء، والسؤال، والاستغفار، والفرق بين الثلاثة أن المطلوب
إما دفع المضار أو جلب المسار، وذلك: إما ديني، أو دنيوي، ففي الاستغفار إشارة إلى
الأول، وفي السؤال إشارة إلى الثاني، وفي الدعاء إشارة إلى الثالث، وقال الكرماني: يحتمل
أن يقال: الدعاء ما لا طلب فيه، نحو: يا الله، والسؤال الطلب، وأن يقال: المقصود واحد،
وإن اختلف اللفظ)) انتهى.
وزاد سعيد عن أبي هريرة: ((هل من تائب فأتوب عليه)) وزاد أبو جعفر عنه: ((من ذا الذي
يسترزقني فأرزقه)) من ذا الذي يستكشف الضر فأكشف عنه وزاد عطاء مولى أم صبية عنه: ((ألا
سقيم يستشفى فيشفى)) ومعانيها داخلة فيما تقدم.
قوله: (فأستجيب له) إلخ: بالنصب على جواب الاستفهام، وبالرفع على الاستئناف، وكذا
قوله: ((فأعطيه)) ((وأغفر له)) وقد قرىء بهما قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا
فَيُضَّحِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥ والحديد: ١١] وليست ((السين)) في قوله تعالى: ﴿فأستجيب﴾ للطلب، بل
أستجيب بمعنى أجيب.
وفي حديث الباب من الفوائد: تفضيل صلاة آخر الليل على أوله، وتفضيل تأخير الوتر،
لكن ذلك في حق من طمع أن ينتبه، وأن آخر الليل أفضل للدعاء والاستغفار، ويشهد له قوله
تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِنَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧] وأن الدعاء في ذلك الوقت مجاب، ولا يعترض على
ذلك بتخلفه عن بعض الداعين، لأن سبب التخلف وقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء،
كالاحتراز في المطعم، والمشرب، والملبس، أو الاستعجال الداعي، أو بأن يكون الدعاء بإثم
أو قطيعة رَحِم، أو تحصل الإجابة ويتأخر وجود المطلوب لمصلحة العبد، أو لأمر يريده الله.

٨٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ. حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ. فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. أَنَا
الْمَلِكُ. مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ! مَنْ ذَا الَّذِيَ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي
يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ، فَلا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ)).
١٧٧١ - (١٧٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ. حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ.
حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ:
((إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثَهُ، يَنْزِلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَّى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ
سَائِلٍ يُعْطَى، هَلْ مِنَ داعٍ يُسْتَجَابُ لَّهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ، حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ)).
١٧٧٢ - (١٧١) حدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا مُحَاضِرٌ أَبُو الْمُوَرِّع، حَدَّثَنَا
سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مَرْجَانَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (( يَنْزِلُ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا لِشَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ لِثُلُثِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَيَقُولُ:
مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، أَوْ يَسْأَلْنِي فَأَعْطِيَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلا ظَلَّوْمٍ)).
قَالَ مُسْلِمٌ: ابْنُ مَرْجَانَةَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمَرْجَانَةُ أُمُّهُ.
قوله: (أنا الملك، أنا الملك) إلخ: هكذا في الأصول والروايات، مكرر للتوكيد
والتفخيم.
قوله: (حتى يضيء الفجر) إلخ: فيه دليل على امتداد وقت الرحمة واللطف التام إلى إضاءة
الفجر، وفيه تنبيه على أن آخر الليل للصلاة والدعاء والاستغفار في جميع الوقت المذكور إلى
إضاءة الفجر.
قوله: (من يقرض غير عديم) إلخ: قال النووي: ((هكذا هو في الأصول، وفي الرواية
الأولى: عديم، والثانية: عدوم، وقال أهل اللغة: يقال: أعدم الرجل: إذا افتقر، فهو: مُعْدِم،
وعديم، وعَدُوم، والمراد بالقرض - والله أعلم - عمل الطاعة، سواء فيه الصدقة، والصلاة،
والصوم، والذكر، وغيرها من الطاعات، وسماه سبحانه وتعالى قرضاً ملاطفة للعباد، وتحريضاً
لهم على المبادرة إلى الطاعة، فإن القرض إنما يكون ممن يعرفه المقترض، وبينه وبينه مؤانسة
ومحبة، فحين يتعرض للقرض يبادر المطلوب منه بإجابته، لفرحه بتأهيله للاقتراض منه، وإدلاله
عليه، وذكره له، وبالله التوفيق.
قوله: (ولا ظلوم) إلخ: أي من يقرض رباً غنياً غير فقيرٍ عاجزٍ عن العطاء ولا ظلوم بعدم
الوفاء، أو بنقص من الثواب والجزاء وإنما وصف ذاته تعالى بنفي هذين الوصفين لأنهما
المانعان غالباً عن الإقراض، فالمعنى من يعمل خيراً من الدنيا يجد جزاء كاملاً عندي في
العقبى.

٨٣
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
١٧٧٣ - (٠٠٠) حدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي
سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ: ((ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُومٍ وَلا ظَلُّومٍ!)).
١٧٧٤ - (١٧٢) حدّثنا عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرٍ أَبْنَا أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
الْحَنْظَلِيُّ، وَاللَّفْظُ لابْنَيْ أَبِي شَيْبَةَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنْ
مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ. يَرْوِيِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالاً:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ. حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ
الدُّنْيَا. فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ! هَلْ مِنْ تَائِبٍ! هَلْ مِنْ سَائِلٍ! هَلْ مِنْ دَاعٍ! حَتَّى يَنْفَجِرَ
الْفَجْرُ)).
١٧٧٥ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ مَنْصُورٍ أَتَّمُّ وَأَكْثَرُ.
(٢٥) - باب: الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح
١٧٧٦ - (١٧٣) حدّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ قَالَ:
قوله: (ثم يبسط يديه) إلخ: إشارة إلى نشر رحمته، وكثرة عطائه، وإجابته، وإسباغ نعمته.
قوله: (حتى ينفجر الفجر) إلخ: أي ينشق ويطلع.
باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح
قوله: (عن حميد بن عبد الرحمن) إلخ: أي الحميري، لا الزهري.
(١) قوله: (عن أبي هريرة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب قيام ليلة القدر من
الإيمان، رقم (٣٥) وباب تطوع قيام رمضان من الإيمان، رقم (٣٧) وباب صوم رمضان احتساباً من
الإيمان، رقم (٣٨) وفي كتاب الصوم، باب من صام رمضان إيماناً واحتساباً ونية، رقم (١٩٠١) وفي
كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، رقم (٢٠٠٨) و(٢٠٠٩) وفي كتاب فضل ليلة القدر،
باب فضل ليلة القدر، رقم (٢٠١٣) والنسائي في سننه، في كتاب الصيام، باب ثواب من قام رمضان
وصامه إيماناً واحتساباً، رقم (٢١٩٦) و(٢١٩٧ - ٢٢٠٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، تفريع
أبواب شهر رمضان، باب في قيام شهر رمضان، رقم (١٣٧١) و(١٣٧٢) والترمذي في جامعه، في كتاب
الصوم، باب ما جاء في قيام شهر رمضان، رقم (٣١٧١) و(١٣٧٢) والترمذي في جامعه، في كتاب =

٨٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَتْبِهِ)).
١٧٧٧ - (١٧٤) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ:
قوله: (من قام رمضان) إلخ: أي قام لياليه مصلياً، والمراد من قيام الليل ما يحصل به
مطلق القيام، وذكر النووي أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، يعني أنه يحصل بها المطلوب
من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها. كذا في الفتح.
قوله: (إيماناً) إلخ: أي تصديقاً بأنه حق، معتقداً أفضليته.
قوله: (واحتساباً) إلخ: طلباً لثواب الآخرة، مستحضراً تلك النية، لا لرياء ونحوه، مما
يخالف الإخلاص، طيب النفس به، غير مستثقل لقيامه، ولا مستطيل له، ونصبهما على المصدر
أو الحال.
قوله: (غفر له) إلخ: ظاهره يتناول الصغائر والكبائر، وبه جزم ابن المنذر، وقال النووي:
المعروف أنه يختص بالصغائر، وبه جزم إمام الحرمين، وعزاه عياض لأهل السنة، قال بعضهم:
ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة.
قوله: (ما تقدم من ذنبه) إلخ: زاد قتيبة عن سفيان عند النسائي: ((وما تأخر)).
قال الحافظ كثّفُ: ((وقد ورد في غفران ما تقدم وما تأخر من الذنوب عدة أحاديث،
جمعتها في كتاب مفرد، وقد استشكلت هذه الزيادة من حيث إن المغفرة تستدعي سبق شيء
يغفر، والمتأخر من الذنوب لم يأت، فكيف يغفر؟ والجواب عن ذلك يأتي في قوله وهطهر حكاية
عن الله عز وجل أنه قال في أهل بدر: ((اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) ومحصل الجواب أنه
قيل: إنه كناية عن حفظهم من الكبائر، فلا تقع منهم كبيرة بعد ذلك، وقيل: إن معناه أن ذنوبهم
تقع مغفورة، وبهذا أجاب جماعة، منهم الماوردي في الكلام على حديث صيام عرفة، وأنه
يكفر سنتين سنة ماضية وسنة آتية)) اهـ.
قلت: ويمكن أن يقال: إن ((غفر)) يمعنى ((يغفر)) والمغفرة إنما تقع يوم القيامة، وهي
متأخرة عن الذنوب كلها بيقين، وإن كان بعض الذنوب متأخراً عن العمل المكفر الذي هو سبب
الغفران، وبعضه متقدماً عليه، والله أعلم.
الصوم، باب ما جاء في فضل شهر رمضان، رقم (٦٨٣) وباب الترغيب في قيام رمضان وما جاء فيه من
=
الفضل، رقم (٨٠٨) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في قيام شهر
رمضان، رقم (١٣٢٦) وفي كتاب الصيام، باب ما جاء في فضل شهر رمضان، رقم (١٦٤١) والدارمي في
سننه، في كتاب الصوم، باب في فضل قيام شهر رمضان، رقم (٧١٨٣) وأحمد في مسنده (٢: ٢٣٢ و٢٤١
و٢٨١ و ٣٤٧ و ٣٨٥ و ٤٠٨ و ٤٢٣ و ٤٧٣ و٤٨٦ و٥٠٣ و٥٢٩).

٨٥
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ. فَيَقُولُ: ((مَنْ
قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَتْبِهِ)). فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ وَالأَمْرُ عَلَى
ذُلِكَ. ثُمَّ كَانَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةٍ أَبِي بَكْرٍ. وَصَدْراً مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ عَلَى ذُلِكَ.
قوله: (كان يرغب في قيام) إلخ: من الترغيب.
قوله: (بعزيمة) إلخ: أي من غير أن يوجبه، بل أمر ندب وترغيب، وفسره بصيغة نقتضي
الترغيب والندب دون الإيجاب، بقوله: ((فيقول: من قام ... )) الحديث، كذا في شرح الموطأ.
قوله: (فتوفى رسول الله ( *) إلخ: مقولة الزهري كما صرح به مالك في روايته، قال
الباجي: هذا مرسل من ابن شهاب، ومعناه أن حال الناس على ما كانوا عليه في زمنه بَّ من
ترك الناس والندب إلى القيام، وأن لا يجتمعوا على إمام يصلي بهم خشية أن يفرض عليهم،
ويصح أن يكونوا لا يصلون إلا في بيوتهم، وأن يصلي الواحد منهم في المسجد، ويصح أن
يكونوا لم يجتمعوا على إمام واحد، ولكنهم كانوا يصلون أوزاعاً متفرقين. كذا في شرح الموطأ
للزرقاني.
قوله: (في خلافة أبي بكر) إلخ: أي في جميع زمانها، لأنه كان مشغولاً بما هو أهم
منها، وكذلك عمر، أوائل خلافته.
قوله: (وصدرا من خلافة عمر) إلخ: أي في أول خلافته، وصدر الشيء ووجهه: أوله.
قوله: (على ذلك) إلخ: وأخرج البخاري عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن
عبد الرحمن بن عبد القارىء أنه قال: ((خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى
المسجد، فإذا الناس أوزاع مفرقون، يصلي الرجل لنفسه، يصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط،
فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أمثل، ثم عزم، فجمعهم على أبي
ابن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة
هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل - وكان الناس يقومون أوله))
اهـ.
مشروعية التراويح في رمضان وتحقيق معنى قول
عمر بن الخطاب فيها نعمت البدعة هذه
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: أما قيام الليل في رمضان بعد العشاء فقد سنه
رسول الله ﴾، ورغب فيه أخص مما كان يرغب في مطلق قيام الليل.
وأما صلاة التراويح بجماعات، ثم جمعهم على إمام واحد - أعني رسول الله وَل ـــ ففي
حديث عائشة عند أحمد، قالت: ((كان الناس يصلون في المسجد في رمضان بالليل أوزاعاً،

٨٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يكون مع الرجل الشيء من القرآن، فيكون معه النفر الخمسة أو السبعة، أو أقل من ذلك، أو
أكثر يصلون بصلاته، قالت: فأمرني رسول الله وَ لقول أن أنصب له حصيراً على باب حجرتي،
ففعلت، فخرج إليه بعد أن صلى العشاء الآخرة، فاجتمع إليه من المسجد، فصلى بهم ... ))
وذكرت القصة، وفي حديثها عند المؤلف: ((أن رسول الله وَ﴿ خرج من جوف الليل، فصلى في
المسجد، فصلى رجال بصلاته ... )) إلى آخر الحديث.
وأما المواظبة على الاجتماع إلى إمام واحد، فالنبي ◌َّ وإن امتنع منها، ولكن بين سبب
الامتناع بصيغة الحصر، فقال: ((فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم))
وهذا يفيد الحث على المواظبة إذا ارتفع ذلك المانع.
قال ابن بطال: ((قيام رمضان سنة، لأن عمر به أخذه من فعل النبي وَّ، وإنما تركه
النبي ◌ّ﴾ خشية الافتراض)).
وقال ابن التين: ((استنبط عمر رُبه ذلك من تقرير النبي ◌ّير من صلى معه في تلك الليالي،
وإن كان كره ذلك لهم (أي المداومة عليه) فإنما كرهه خشية أن يفرض عليهم، ولأن هذا هو
السر في إيراد البخاري لحديث عائشة فيها عقب حديث عمر، فلما مات النبي وَل* حصل الأمن
من ذلك، ورجح عند عمر ذلك، لما في الاختلاف من افتراق الكلمة، ولأنّ الاجتماع على
واحد أنشط لكثير من المصلين)) اهـ. ولمصالح أخر سيجيء بيان بعضها في حديث نوفل بن
إياس منقولاً عن كنز العمال.
وأما قوله: ((نعمت البدعة هذه)) فقال الزرقاني: وصفها بـ(نعمت)) لأن أصل ما فعله سنة،
وإنما البدعة الممنوعة خلاف السنة، وقال ابن عمر ربه في صلاة الضحى: ((نعمت البدعة)).
وقال الباجي: ((وهذا تصريح منه بأنه أول من جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد (أي
على وجه الدوام) لأن البدعة ما ابتدأ بفعلها المبتدع، ولم يتقدمه غيره، فابتدعه عمر رقُّله وتابعه
الصحابة والناس إلى هلم جراً، فسماها بدعة، لأنه وَلّ لم يسن الاجتماع لها، ولا كانت في
زمان الصديق، وهو لغة ما أحدث على غير مثال سبق، وتطلق شرعاً على مقابل السنة، وهي ما
لم يكن (أصله) في عهده وَّر، ثم تنقسم إلى الأحكام الخمسة، وحديث: ((كل بدعة ضلالة)) عام
مخصوص، وقد رغب فيها عمر رظُه بقوله: ((نعمت البدعة هذه)) وهي كلمة تجمع المحاسن
كلها، كما أن ((بئس)) تجمع المساوىء كلها، وقد قال ◌َّ: ((إِقْتَدُوْا بِاللَّذِيْنَ بَعْدِيْ: أَبِيْ بَكَّرَ
وَعُمَرَ ))، وإذا أجمع الصحابة على ذلك مع عمر زال عنه اسم البدعة)) اهـ.
وفي حاشية نيل الأوطار الجديدة المصرية: ((وقول عمر: (نعمت البدعة)) أي الأمر البديع
الذي ثبت عن رسول الله وَالر، وترك في زمان أبي بكر قلبه لاشتغال الناس فيما حصل بعد وفاة
الرسول مێ)).

٨٧
كتاب: صلاة المسافرين وقصرها
وقال الطيبي ◌َُّ) ((قول عمر تُله: (نعمت البدعة هذه)) يريد صلاة التراويح، فإنه في حيز
المدح، لأنه فعل من أفعال الخير، وتحريض على الجماعة المندوب إليها، وإن كانت لم تكن
في عهد أبي بكر ◌َُّه فقد صلاها رسول الله وَّهِ، وإنما قطعها إشفاقاً من أن تفرض على أمته،
وكان عمر ربه ممن نبه عليها، وسنها على الدوام، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم
القيامة)) اهـ.
وفي كنز العمال عن نوفل بن إياس الهذلي قال: ((كنا نقوم في عهد عمر بن الخطاب فرقاً
في المسجد في رمضان ههنا، وكان الناس يميلون إلى أحسنهم صوتاً، فقال عمر: ألا أراهم قد
اتخذوا القرآن أغاني! أما والله، لئن استطعت لأن غيرن هذا، فلم أمكث إلا ثلاث ليال حتى أمر
إلى أبي بن كعب، فصلى بهم، ثم قام في آخر الصفوف، فقال: لئن كانت هذه: البدعة، لنعمت
البدعة هي)).
وفيه أيضاً عن أبي بن كعب عظُله: ((أن عمر بن الخطاب أمره أن يصلي بالليل في رمضان،
فقال: إن الناس يصومون النهار ولا يحسنون أن يقرؤوا، فلو قرأت عليهم بالليل فقال: يا أمير
المؤمنين، هذا شيء لم يكن، فقال: قد علمت ولكنه حسن، فصلى بهم عشرين ركعة)).
وهذه الروايات تدل على أنها لم تكن عنده بدعة شرعية، ومعاذ الله! أن يأخذ عمر ظُته
في بدعة شرعية سيئة، وجل الصحابة والتابعين ومن بعدهم يتابعون عليها، ولا ينكرون على
فعله! بل المراد أنها إن كانت تسمى بدعة لغة إذ ذاك فهي بدعة حسنة محمودة، وهذا أيضاً إنما
يصح عن عمر رَذاته بالنسبة إلى من فوقه، وأما بالنسبة إلينا فلا يطلق عليها اسم البدعة أصلاً
ورأساً، لا لغة ولا شرعاً، فإنها صارت سنة الخلفاء الراشدين، والصحابة المتدينين، ونحن قد
أمرنا بالتمسك بسنتهم والاهتداء بهديهم، فإطلاق البدعة عليها بعد ما جرى عليه أكثر الخلفاء،
ـّه: لا يخلو عن سوء الأدب، والله الموفق.
وعامة الصحابة والتابعين، والأئمة السالفين
بيان عدد ركعات التراويح والدليل على ما هو مختار الحنفية
وأما عدد الركعات فلم يحد رسول الله و98َ فيه بحد ألا يجوز التجاوز عنه، فهي على
إطلاق قوله وقال: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) وقوله مثل: ((الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن
يستكثر فليستكثر)) رواه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة. قال العلقمي: بجانبه علامة الصحة.
قال الحافظ كثّفُهُ: ((لم أر في شيء من طرقه - أي حديث عائشة - بيان عدد صلاته في تلك
الليالي، لكن روى ابن خزيمة وابن حبان عن جابر: ((صلى بنا رسول الله وَّر في رمضان ثمان
ركعات، ثم أوتر، فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد، ورجونا أن يخرج إلينا حتى أصبحنا،
ثم دخلنا، فقلنا: يا رسول الله ... )) الحديث فإن كانت القصة واحدة احتمل أن جابراً ممن جاء

٨٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
في الليلة الثانية، فلذا اقتصر على وصف ليلتين، وما في مسلم عن أنس: ((كان وَّر يصلي في
رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه، فجاء رجل، فقام، حتى كنا رهطاً، فلما أحس بنا تجوز، ثم
دخل رجل ... )) الحديث، فالظاهر أن هذا قصة أخرى)) اهـ.
فهذا كما تراه ليس فيه إلا بيان فعله الجزئي في ليلة واحدة فقط دون سائر الليالي، بل ليس
فيه التصريح بنفي الزائد على الثمان في تلك الليلة أيضاً، فإنه يمكن أن يكون هو مشاهد قد صلى
قبل الخروج إليهم منفرداً عنهم ما شاء الله من الركعات، ثم صلى بهم ثمان ركعات والوتر،
والجماعة في التراويح لم تكن ممهدة إذ ذاك، وقد ثبت في الصحيحين: ((أن جبريل كان يلقاه وَليه
في كل ليلة من رمضان حتى ينسلخ، فيدارسه القرآن ويعارضه به كل سنة)). قال الحافظ تتخذثم :
والمعارضة مفاعلة من الجانبين، كأن كلاً منهما كان تارة يقرأ والآخر يستمع، ويؤيده أن في
بعض الروايات عرض النبي ◌ّر القرآن على جبريل، وفي بعضها العكس. قال الحافظ: ((وفيه أن
ليل رمضان أفضل من نهاره، وأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم، لأن الليل مظنة ذلك،
لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية، ويحتمل أنه لو كان يقسم ما نزل من
القرآن في كل سنة على ليالي رمضان أجزاء، فيقرأ جزءاً في جزء من الليلة، والسبب في ذلك ما
كان يشتغل به في كل ليلة من سوى ذلك من تهجد بالصلاة، ومن راحة بدن، ومن تعاهد أهل،
ولعله كان يعيد ذلك الجزء مراراً بحسب تعدد الحروف المأذون في قراءتها، ولتستوعب بركة
القرآن جميع الشهر، ولو لا التصريح بأنه كان يعرضه مرة واحدة وفي السنة الأخيرة عرضه
مرتين: لجاز أنه كان يعرض جميع ما نزل عليه كل ليلة، ثم يعيده في بقية الليالي، وقد أخرج
أبو عبيد من طريق داود بن أبي هند قال: «قلت للشعبي: قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ
فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أما كان ينزل عليه في سائر السنة؟ قال بلى، ولكن جبريل كان يعارض
مع النبي ◌َّ﴿ في رمضان ما أنزل الله، فيحكم الله ما يشاء، ويثبت ما يشاء))، ففي هذه إشارة إلى
الحكمة في التقسيط الذي أشرت إليه لتفصيل ما ذكره من المحكم والمنسوخ، ويؤيده أيضاً
الرواية الماضية في بدء الخلق بلفظ: ((فيدارسه القرآن)» فإن ظاهره أن كلاً منهما كان يقرأ على
الآخر، وهي موافقة لقوله: ((يعارضه)) فيستدعي ذلك زماناً زائداً على ما لو قرأ الواحد)) اهـ.
قلت: وقد روى الدارقطني في الأفراد، والبيهقي في شعب الإيمان، عن عائشة: ((قراءة
القرآن في الصلاة أفضل من قراءة القرآن في غير الصلاة ... )) الحديث، فلا يظن أن يترك جبريل
والنبي ◌َّ ما هو الأفضل إلى المفضول دائماً، فالمعارضة والمدارسة الأغلب وقوعها في الصلاة
من الجانبين، ومن ههنا قال علماؤنا بسنية الختم في التراويح، كما نبه عليه شارح النقاية، وإن
كان غير تمام عندي لثبوت المدارسة فيما كان ينزل من رمضان إلى رمضان فحسب، فإن كان
الأمر كما ذكرنا فصلاة جبريل به عليهما الصلاة والسلام غير صلاته وَلّر لهم، والله أعلم.

٨٩
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
وأما حديث عائشة المار في باب صلاة الليل قالت: ((ما كان النبي وسلّ يزيد في رمضان
ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة)) فقد ثبت من حديث عائشة وغيرها صلاته بالليل ثلاث
عشرة ركعة، كما تقدم هناك، وروى أزيد منها، ولهذا حمل بعضهم حديثها الأول على غالب
الأحيان والأحوال، وأحاديث الزيادة على فعله في بعض الأوقات نادراً، وحينئذٍ فلا منافاة بين
حديث عائشة وبين ما روى ابن أبي شيبة، والطبراني، والبيهقي، من حديث ابن عباس بإسناد
ضعيف: ((أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي في رمضان عشرين ركعة سوى الوتر)) أي في بعض
الليالي، لا في أكثرها، والمسألة ليست من الفرائض والواجبات، بل هي من الفضائل
والتطوعات، والحديث الضعيف مقبول فيها إذا لم يعارضه حديث صحيح، وقد بينا أنه لا
معارضة بين حديث العشرين وحديث عائشة إذا حمل حديثها على الأوقات الغالبة والأحوال
الأكثرية، ولا سيما إذا اتفق جمهور الصحابة والتابعين على العشرين في آخر الأمر، قال
البيهقي: ((ثم استقر الأمر على العشرين، فإنه المتوارث)).
قال علي القارى كثّفُ في شرح النقاية: ((فصار إجماعاً، لما روى البيهقي بإسناد صحيح:
أنهم كانوا يقيمون على عهد عمر رضي ◌ُله بعشرين ركعة، وعلى عهد عثمان وعلي ﴿ًّا)). وهكذا هو
في عمدة القارى.
قال في البحر: ((وعشرون ركعة هو قول الجمهور، لما في الموطأ عن يزيد بن رومان
قال: ((كان الناس يقومون في زمن عمر بن الخطاب ظُبه بثلاث وعشرين ركعة، وعليه عمل
الناس شرقاً وغرباً، لكن ذكر المحقق تقُّ في فتح القدير ما حاصله: أن الدليل يقتضي أن تكون
السنة من العشرين ما فعله ◌َ﴿ منها، ثم تركه خشية أن تكتب علينا، والباقي مستحب، وقد ثبت
أن ذلك كان إحدى عشرة ركعة بالوتر، كما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة، فإذن يكون
المسنون على أصول مشايخنا ثمانية منها، والمستحب اثنا عشر)) انتهى.
وقال ابن عابدين في منحة الخالق: ((قلت: أما مخالفته للصحيح فقد يجاب عنها بأن ما
في الصحيح مبني على ما هو الغالب من أحواله وَّر، وهذا كان ليلتين فقط، ثم تركه عليه
الصلاة والسلام، فلذا لم تذكره عائشة رضيينا. وأما تضعيف الحديث بمن ذكر فقد يقال: إنه
اعتضد بما مر من نقل الإجماع على سنيتها من غير تفصيل، مع قول الإمام تقَّفُ: إن ما فعله
عمر رظلاله لم يتخرجه من تلقاء نفسه، ولم يكن مبتدعاً، ولم يأمر به إلا عن أصل لديه، وعهد من
رسول الله *، فتأمل منصفاً)) اهـ.
وذكر العلامة الحلبي تقُّ أن الحكمة في كونها عشرين أن السنن شرعت مكملات
للواجبات، وهي عشرون بالوتر، فكانت التراويح كذلك، لتقع المساواة بين المكمل والمكمل))
انتهى .

٩٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقال الشيخ ولي الله الدهلوي تقّثُ في بيان الحكمة في هذا العدد: ((إنهم رأوا النبي ◌َلقر
شرع للمحسنين إحدى عشرة ركعة في جميع السنة، فحكموا أنه لا ينبغي أن يكون حظ المسلم
في رمضان عند قصده الاقتحام في لجة التشبه بالملكوت: أقل من ضعفها)) اهـ أي مع عزل
اللحظ عن الركعة الواحدة الموترة، أو يقال: إن أكثر ما ثبت من صلاته و 9 بالليل قبل ثلاثية
الوتر عشر ركعات، وقد ضوعفت في رمضان، فصارت عشرين ركعة، وهو قول أكثر أهل
العلم، كما حكاه الترمذي كذَشُ.
وقال ابن عبد البر: ((هو قول جمهور العلماء، وبه قال الكوفيون، والشافعي، وأكثر
الفقهاء، وهو الصحيح عن أبي بن كعب رُّه من غير خلاف من الصحابة)) (عمدة ٥: ٣٥٧).
وقد روى مالك في الموطأ عن السائب بن يزيد أنه قال: ((أمر عمر بن الخطاب أبي بن
كعب، وتميم الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة)) قال الباجي: لعل عمر أخذ ذلك من
صلاة النبي ◌َّ، ففي حديث عائشة أنها سئلت عن صلاته في رمضان، فقالت: ((ما كان يزيد في
رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة)).
وقال ابن عبد البر: ((روى غير مالك في هذا الحديث أحد وعشرون، وهو الصحيح، ولا
أعلم أحداً قال فيه: ((إحدى عشرة)) إلا مالكاً، ويحتمل أن يكون ذلك أولاً، ثم خفف عنهم
طول القيام، ونقلهم إلى إحدى وعشرين، إلا أن الأغلب عندي أن قوله: ((إحدى عشرة)) وهم))
انتھی .
قال الزرقاني: ((ولا وهم مع أن الجمع بالاحتمال الذي ذكره قريب، وبه جمع البيهقي
أيضاً، وقوله: ((إن مالكاً انفرد به)) وليس كما قال، فقد رواه سعيد بن منصور من وجه آخر، عن
محمد بن يوسف، فقال: ((إحدى عشرة)) كما قال مالك)) اهـ.
وفي الموطأ: ((قال (أي السائب بن يزيد): ((وقد كان القاري يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد
على العصا من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر)) ثم روى مالك عن يزيد بن
رومان أنه قال: ((كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين
رکعة)) .
وجمع البيهقي بينه وبين سابقه بأنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة، واحدة منها وتر، ثم
قاموا بعشرین وأوتروا بثلاث.
قال الباجي: ((فأمرهم أولاً بتطويل القراءة، لأنه أفضل، ثم ضعف الناس، فأمرهم بثلاث
وعشرين، فخفف من طول القراءة، واستدرك بعض الفضيلة بزيادة الركعات)) انتهى.
وذكر ابن حبيب المالكي أنها كانت أولاً إحدى عشرة، كانوا يطيلون القراءة، فثقل عليهم،

٩١
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
١٧٧٨ - (١٧٥) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام. حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ
يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً واخْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَتْبِهِ. وَمَنْ قَامَ
لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً،
فخففوا القراءة، وزادوا في عدد الركعات، فكانوا يصلون عشرين ركعة غير الشفع والوتر بقراءة
متوسطة، ثم خففوا القراءة وجعلوا الركعات ستاً وثلاثين غير الشفع والوتر، ومضى الأمر على
ذلك.
وروى محمد بن نصر، عن داود بن قيس، قال: ((أدركت الناس فى إمارة أبان بن عثمان،
وعمر بن عبد العزيز - يعني بالمدينة - يقومون بست وثلاثين ركعة، ويوترون بثلاث وقال مالك:
هو الأمر عندنا)) أهـ.
قال علي القارى كَثّثُ في شرح النقاية: ((وجمع بين قوله وبين قول غيره بأن العشرين كانت
أول الليل، وست عشرة آخره، كما عليه عمل أهل المدينة) اهـ.
وقال العيني: ((والجواب عما قال مالك أن أهل مكة كانوا يطوفون بين كل ترويحتين
ويصلون ركعتي الطواف، ولا يطوفون بعد الترويحة الخامسة، فأراد أهل المدينة مساواتهم،
فجعلوا مكان كل طواف أربع ركعات، فزادوا ست عشرة ركعة، وما كان عليه أصحاب
رسول الله ﴿ أحق وأولى أن يتبع، فكانت صلاة التراويح في أول الليل أي عشرون ركعة
مساوية لجميع الركعات المفروضة والواجبة في الليل والنهار، وضوعفت ركعات التهجد، وهي
ثمانية في الأكثر، فصارت ست عشرة ركعة لمزية رمضان، والله أعلم)).
وقد تقدم شيء من بحث التراويح في شرح حديث عائشة ((ما كان ◌َّر يزيد في رمضان ولا
في غيره ... )) الحديث من أبواب صلاة الليل فليراجع.
قوله: (من صام رمضان إيماناً) إلخ: أي تصديقاً بوجوبه.
قوله: (واحتساباً) إلخ: أي طلباً للأجر في الآخرة، وقال الجوهري: الحسبة - بالكسر -:
الأجر، احتسبت كذا أجراً عند الله. وقال الخطابي: أي عزيمة، وهو أن يصومه على معنى
الرغبة في ثوابه، طيبة نفسه بذلك، غير مستثقلة لصيامه، ولا مستطيلة لإتمامه، وانتصاب ((إيماناً))
على أنه حال، بمعنى مؤمناً، وكذلك ((احتساباً)) بمعنى محتسباً، ونقل بعضهم عمن قال منصوباً
على أنه مفعول له، أو تمييز. قلت: وجهان بعيدان، والذي له يد في العربية لا ينقل مثل هذا،
فالمراد بقوله: ((واحتساباً)) أي إراد وجه الله تعالى لا الرياء ونحوه، فقد يفعل الإنسان الشيء
الذي يعتقد أنه صادق، ولكن لا يفعله مخلصاً بل لرياء أو خوف أو نحو ذلك.
قوله: (ومن قام ليلة القدر) إلخ: وهذا اللفظ هل يقتضي قيام تمام الليلة أو يكفي أقل ما

٩٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
١٧٧٩ - (١٧٦) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا شَبَابَةٌ. حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي
الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ قَالَ: ((مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَيُوَافِقُهَا -
أُرَاهُ قَالَ - إِيمَاناً واخَّتِسَاباً غُفِرَ لَهُ)).
١٧٨٠ - (١٧٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ.
ينطلق عليه اسم القيام، وأجيب بأنه يكفي الأقل، وعليه بعض الأئمة، حتى قيل بكفاية فرض
صلاة العشاء في دخوله تحت القيام فيها، لكن الظاهر منه عرفاً أنه لا يقال: قيام الليلة، إلا إذا
قام كلها أو أكثرها، قلت: قوله: ((من يقم ليلة القدر ... )) مثل ((من يصم يوماً)) فكما لا يكفي
صوم بعض اليوم ولا أكثره كذلك لا يكفي قيام بعض ليلة القدر ولا أكثرها، وذلك لأن ليلة
القدر وقعت مفعولاً لقوله: ((يقم)) فينبغي أن يوصف جميع الليلة بالقيام، لأن من شأن المفعول
أن يكون مشمولاً بفعل الفاعل، فافهم. كذا في عمدة القاري.
قوله: (غفر ما تقدم) إلخ: فيه الدلالة على غفران ما تقدم من الذنوب بقيام ليلة القدر،
ودل الحديث الماضي على غفرانها بقيام رمضان. قال العيني تَظّفُ: ((ولا تعارض بينهما، فإن كل
واحد منهما صالح للتكفير، وقد يقتصر الشخص على قيام ليلة القدر بتوفيق الله له، فيحصل
ذلك)) اهـ.
وقال عياض: ((وهذا مثل الأول، ولعله فيمن لم يقم رمضان، أو فيمن قامه دون إخلاص
واحتساب)).
قوله: (فيوافقها) إلخ: قال النووي تقذفُ: ((معناه يعلم أنها ليلة القدر)) اهـ.
قوله: (صلى في المسجد ذات ليلة) إلخ: قال عياض: فيه أن قيامه كان في المسجد،
ومثله في البخاري، وما فيه أيضاً من أنه كان في حجرته يعني الحجرة التي كان احتجرها وَّه
بالمسجد لقيام الليل، وكانت من حصير يلبسها نهاراً ويحتجرها بالليل. قلت: ويحتج به للقول
(١) قوله: (عن عائشة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد
الثناء: أما بعد، رقم (٩٢٤) وفي كتاب التهجد، باب تحريض النبي ◌َّ على قيام الليل والنوافل من غير
إيجاب، رقم (١١٢٩) وفي كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، رقم (٢٠١١ و٢٠١٢)
والنسائي في سننه، في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب قيام شهر رمضان، رقم (١٦٠٥) وأبو داود في
سننه، في كتاب الصلاة، تفريع أبواب شهر رمضان، باب في قيام شهر رمضان، رقم (١٣٧٣) و(١٣٧٤)
وأحمد في مسنده (٦: ١٦٩).

٩٣
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
فَصَلَّى بِصَلاَتِهِ نَاسٌ. ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ. فَكَثُرَ النَّاسُ. ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ
الرَّابِعَةِ. فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ شَهِ.
بأن إقامته بالمسجد أفضل، وتركه بعد ذلك إنما كان للعلة التي ذكر. كذا قال الأبي في شرح
مسلم .
وقال القاري: ((والظاهر أنه وَلّ كان معتكفاً، وجعل الحصير ليحجزه عن الناس حال
الأكل والنوم والسآمة، والله أعلم)) اهـ.
قال النووي تَُّ: (فيه جواز النافلة في المسجد وإن كان البيت أفضل، ولعل النبي ◌َّمه
إنما فعلها في المسجد لبيان الجواز، وإنه كان معتكفاً)) اهـ.
وفي حديث عائشة من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عنها، عند البخاري،
قالت: ((كان رسول الله وَّلا يصلي من الليل في حجرته، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس
شخص النبي ◌ّ، فقام ناس يصلون بصلاته ... )) الحديث، قال الحافظ: ((ظاهره أن المراد
حجرة بيته، ويدل عليه ذكر جدار الحجرة، وأوضح منه رواية حماد بن زيد، عن يحيى، عن أبي
نعيم بلفظ: ((كان يصلي في حجرة من حجر أزواجه)) ويحتمل أن المراد الحجرة التي كان
احتجرها في المسجد بالحصير، كما في الرواية التي بعد هذه، وكذا حديث زيد بن ثابت الذي
بعده، ولأبي داود ومحمد بن نصر من وجهين آخرين عن أبي سلمة، عن عائشة، أنها هي التي
نصبت له الحصير على باب بيتها، فإما أن يحمل على التعدد، أو على المجاز في الجدار، وفي
نسبة الحجرة إليها)) اهـ. والظاهر عندي تعدد القصة، والله أعلم.
قوله: (فصلى بصلاته ناس) إلخ: فيه جواز الاقتداء بمن لم ينو إمامته، وهذا صحيح على
المشهور من مذهبنا ومذهب العلماء. قاله النووي.
قال الحافظ: ((وفيه نظر، لأن نفي النية لم ينقل، ولا يطلع عليه بالظن)) اهـ. والله أعلم.
قوله: (ثم صلى من القابلة) إلخ: أي من الليلة المقبلة، وهو لفظ معمر عن ابن شهاب
عند أحمد.
قوله: (أو الرابعة) إلخ: ولأحمد من رواية ابن جريج، عن ابن شهاب: «فلما أصبح
تحدثوا أن النبي ◌ّ﴿ في المسجد من جوف الليل، فاجتمع أكثر منهم، زاد يونس: فخرج
النبي * في الليلة الثانية، فصلوا معه، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من
الليلة الثالثة، فخرج، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله)).
قوله: (فلم يخرج إليهم) إلخ: وفي حديث زيد بن ثابت: ((ففقدوا صوته، وظنوا أنه قد
نام، فجعل بعضهم يتنحنح، ليخرج إليهم)) وفي بعض الروايات: ((فرفعوا أصواتهم، وحصبوا
الباب)). وفي حديث زيد بن ثابت عند البخاري: ((فخرج إليهم مغضباً)). قال الحافظ: ((والظاهر
٠

٩٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: ((قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ. فَلَمْ يَمْتَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ
تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ)).
أن غضبه لكونهم اجتمعوا بغير أمره فلم يكتفوا بالإشارة منه لكونه لم يخرج إليهم، بل بالغوا،
فحصبوا بابه، أو غضب لكونه تأخر إشفاقاً عليهم، لئلا تفرض عليهم، وهم يظنون غير ذلك)).
قوله: (فلما أصبح قال: قد رأيت) إلخ: زاد في رواية أبي سلمة: ((اكلفوا من العمل ما
تطيقون)» وفي رواية معمر: ((أن الذي سأله عن ذلك بعد أن أصبح: عمر بن الخطاب))،
قوله: (إلا أني خشيت) إلخ: ظاهر في أن عدم خروجه إليهم كان لهذه الخشية، لا لكون
. المسجد امتلأ وضاق عن المصلين. قاله الحافظ تنظّفُ .
وقال النووي: ((وفي الحديث: إذا تعارضت مصلحة وخوف مفسدة أو مصلحتان: اعتبر
أهمهما، لأن النبي ولو كان رأى الصلاة في المسجد مصلحة لما ذكرناه، فلما عارضه خوف
الافتراض عليهم: تركه لعظم المفسدة التي تخاف، من عجزهم وتركهم للفرض. وفيه: أن
الإمام وكبير القوم إذا فعل شيئاً خلاف ما يتوقعه أتباعه، وكان له عذر: يذكره لهم، تطييباً
لقلوبهم، وإصلاحاً لذات البين، لئلا يظنوا خلاف هذا، وربما ظنوا ظن السوء، والله أعلم)).
قوله: (أن تفرض عليكم) إلخ: وفي رواية عقيل وابن جريج: ((فتعجزوا عنها)) وفي رواية
يونس: ((ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها)). قال الحافظ تخذلهُ: ((وقوله:
(فتعجزوا عنها)) أي تشق عليكم فتتركوها مع القدرة عليها، وليس المراد العجز الكلي، لأنه
يسقط التكليف من أصله.
ثم إن ظاهر هذا الحديث أنه * توقع ترتب افتراض الصلاة بالليل جماعة على وجود
المواظبة عليها، وفي ذلك إشكال، وقد بناه بعض المالكية على قاعدتهم في أن الشروع ملزم،
وفيه نظر. وأجاب المحب الطبري بأنه يحتمل أن يكون الله عز وجل أوحى إليه أنك إن واظبت
على هذه الصلاة معهم افترضتها عليهم، فأحب التخفيف عنهم، فترك المواظبة، قال: ويحتمل
أن يكون ذلك وقع في نفسه كما اتفق في بعض القرب التي داوم عليها فافترضت.
وقد استشكل الخطابي أصل هذه الخشية مع ما ثبت في حديث الإسراء من الله تعالى،
قال: ((هن خمس، وهن خمسون، لا يبدل القول لدي)) فإذا أمن التبديل فكيف يقع الخوف من
الزيادة؟
وأجاب الكرماني بأن حديث الإسراء يدل على أن المراد بقوله تعالى: ما يبدل القول
لدي: الأمن من نقص شيء من الخمس، ولم يتعرض للزيادة. انتهى. لكن في ذكر التصنيف
بقوله: ((هن خمس وهن خمسون)) إشارة إلى عدم الزيادة أيضاً، لأن التضعيف لا ينقص عن
العشر.

٩٥
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
قَالَ: وَذُلِكَ فِي رَمَضَانَ.
ودفع بعضهم في أصل السؤال بأن الزمان كان قابلاً للنسخ، فلا مانع من خشية
الافتراض.
وفيه نظر، لأن قوله: ((لا يبدل القول لدي)) خبر، والنسخ لا يدخله على الراجح، وليس
هو كقوله - مثلاً - لهم: ((صوموا الدهر أبداً)) فإنه يجوز فيه النسخ)) اهـ.
وقد تقدم في شرح حديث الإسراء من أبواب الإيمان تفسير قوله تعالى: ((لا يبدل القول
لدي)» ومعناه فليراجع
وقوله: ((هن خمس وهن خمسون)) لا ينفي إمكان الزيادة على الخمس، بل هو إعلام بأن
معنى الخمسين باق في الخمس في الجملة، وأن أجر الخمس لا ينقص عن أجر الخمسين أبداً
بقاعدة: الحسنة بعشر أمثالها، لا يبدل القول لدي، فلو زاد على الخمس صلاة أو صلاتان
- مثلاً - يضعف الأجر بهذه النسبة، وهذا لا يقدح قاعدة التضعيف، وليس فيه تبديل القول
أصلاً .
قال الحافظ تَُّ بعد ذكر الأجوبة عن أصل الإشكال: وقد فتح الباري بثلاثة أجوبة
أخرى:
أحدها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل، بمعنى جعل التهجد في المسجد
جماعة شرطاً في صحة التنقل بالليل، ويومىء إليه قوله في حديث زيد بن ثابت: ((حتى خشيت
أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم)) فمنعهم من التجمع
في المسجد اشفافاً عليهم من اشتراطه والله أذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه
علیهم.
ثانيها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية، لا على الأعيان، فلا
يكون ذلك زائداً على الخمس، بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد ونحوها .
ثالثها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة، فقد وقع في حديث الباب
أن ذلك كان رمضان، وفي رواية سفيان بن حسين: ((خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر)»
فعلى هذا يرتفع الإشكال، لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة، فلا يكون ذلك قدراً
زائداً على الخمس. وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة في نظري: الأول، والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصواب اهـ.
والراجح عندي: الثالث، قال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((والسَرُّ في
مشروعية قيام رمضان أن المقصود من رمضان أن يلحق المسلمون بالملائكة، ويتشبهون بهم،
فجعل النبي ◌َّر ذلك على درجتين: درجة العوام: وهي صوم رمضان والاكتفاء على الفرائض.
ودرجة المحسنين: وهي صوم رمضان وقيام لياليه، وتنزيه اللسان مع الاعتكاف، وشد المئزر في

٩٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٧٨١ - (١٧٨) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَخْيَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ. أَخْبَرَنِي
يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَهِ خَرَجَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ. فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلاَتِهِ. فَأَصْبَحَ
النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ بِذُلِكَ. فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَ فِي اللَّيْلَّةِ الثَّانِيَةِ. فَصَلَّوْا
بِصَلاَتِهِ. فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ ذُلِكَ. فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ. فَخَرَجَ فَصَلَّوْا
بِصَلاَتِهِ. فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ. فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ
رَسُولُ اللّهِ بِهِ. فَطَفِقَ رِجَالٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: الصَّلاَةَ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ حَتَّى
خَرَجَ لِصَلاَةِ الْفَجْرِ. فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ. ثُمَّ تَشَهَّدَ، فَقَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ
يَخْفَ عَلَيَّ شَأْتْكُمُ اللَّيْلَةَ. وَلَكِنِّي ◌َخَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلاَةُ اللَّيْلِ. فَتَعْجِزُوا عَنْهَا)).
١٧٨٢ - (١٧٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم. حَدَّثَنَا
الأَوْزَاعِيُّ. حَدَّثَنِي عَبْدَةُ عَنْ زِرِّ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَيَّ بْنَ كَعْبٍ(١) يَقُولُ - وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ
العشر الأواخر، وقد علم النبي وسلو أن جميع الأمة لا يستطيعون الأخذ بالدرجة العليا، ولا بد
من أن يفعل كل واحد مجهوده.
ثم قال: قوله وَله: ((ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم، حتى خشيت أن يكتب عليكم،
ولو كتب عليكم ما قمتم به)) اعلم أن العبادات لا توقت عليهم إلا بما اطمأنت به نفوسهم،
فخشي النبي * أن يعتاد ذلك أوائل الأمة، فتطمئن به نفوسهم، ويجدوا في نفوسهم عند
التقصير فيها التفريط في جنب الله، أو يصير من شعائر الدين، فيفرض عليهم، وينزل القرآن
فيثقل على أواخرهم، وما خشي ذلك حتى تفرس أن الرحمة التشريعية تريد أن تكلفهم بالتشبه
بالملكوت، وأن ليس ببعيد أن ينزل القرآن لأدنى تشهير فيهم، واطمئنانهم به، وعضهم عليه
بالنواجذ، ولقد صدق الله فراسته، فنفث في قلوب المؤمنين من بعده أن يعضوا عليها
بنواجذهم. قوله وَلجر: ((من قام رمضان إيمان واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه))) وذلك لأنه
بالأخذ هذه الدرجة أمكن من نفسه لنفحات ربه المقتضية لظهور الملكية وتكفير السيئات)) اهـ.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
باب الندب الأكيد إلى قيام ليلة القدر
وبيان دليل من قال: إنها ليلة سبع وعشرين
قوله: (عن زر) إلخ: بكسر الزاي، وتشديد الراء، هو: ابن حُبَيْش، مصغراً.
-
(١) قوله: (أبي بن كعب) الحديث أخرجه مسلم أيضاً في كتاب الصيام، باب فضل ليلة القدر والحث على =

٩٧
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ قَامَ السَّنَّةَ أَصَابَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ - فَقَالَ أُبَيِّ: وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَّهَ
إِلا هُوَ! إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ - يَحْلِفُ مَا يَسْتَثْنِي - وَوَاللَّهِ، إِنِّي لأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ. هِيَ اللَّيْلَةُ
الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللّهِ وَ ◌ّه ◌ِقِيَامِهَا. هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةٍ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَظْلُعَ
الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةٍ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لاَ شُعَاعَ لَهَا .
قوله: (من قام السنة) إلخ: أي من قام للطاعة في بعض ساعات كل ليالي السنة.
قوله: (أصاب ليلة القدر) إلخ: أي أدركها يقيناً، للإبهام في تبيينها، وللاختلاف في
تعيينها، وهذا يؤيد الرواية المشهورة عن إمامنا، إذا قضيته أنها لا تختص برمضان فضلاً عن
عشره الأخير، فضلاً عن أوتاره، فضلاً عن سبع وعشرين. كذا قال القارى في شرح المشكاة.
قوله: (يحلف) إلخ: أي أبي بن كعب رضُه، بناء على غلبة الظن.
قوله: (ما يستثنى) إلخ: حال، أي يحلف حلفاً جازماً، من غير أن يقول عقيبه: إن شاء الله
تعالى، مثل أن يقول الحالف: لأفعلن إلا أن يشاء الله، أو إن شاء الله، فإنه لا ينعق اليمين،
وإنه لا يظهر جزم الحالف.
وقال الطيبي تقذفهُ: «هو قول الرجل: إن شاء الله، يقال: حلف فلان یمیناً ليس فيها ثنى،
ولا ثنو، ولا ثنية، ولا استثناء، كلها واحد، وأصلها من الثني، وهو الكف والرد، وذلك أن
الحالف إذا قال: والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره، فقد رد انعقاد ذلك اليمين)).
قوله: (بقيامها) إلخ: أي بإطالة قيامها خصوصاً من بين سائر الليالي.
قوله: (سبع وعشرين) إلخ: أي على الأغلب.
قوله: (لا شعاع لها) إلخ: قال القاري في المرقاة: ((وهذا دليل أظهر من الشمس على ما
قلنا أن علمه ظني لا قطعي، حيث بنى اجتهاده على هذا الاستدلال)).
قال ابن حجر: ((أي لا شعاع لها وقد رأيتها صبيحة ليلة سبع وعشرين طلعت كذلك، إذ لا
یکون ذلك دليلاً إلا بانضمامه إلی کلامه)).
قال الطيبي: ((والشعاع هو ما يرى من ضوء الشمس عند حدورها مثل الحبال والقضبان
مقبلة إليك. كما نظرت إليها، قيل: معنى ((لا شعاع لها)) لأن الملائكة لكثرة اختلافها وترددها
في ليلتها ونزولها إلى الأرض وصعودها تستر بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس)) اهـ.
طلبها وبيان محلها وأرجى أوقات طلبها، رقم (٩٢٧٩٢ و٢٧٩٣) وأبو داود سنته، في كتاب الصلاة، باب
=
في ليلة القدر، رقم (١٣٧٨) والترمذي في جامعه، في كتاب الصوم، باب ما جاء في ليلة القدر، رقم
(٧٩٣) وأحمد في مسنده (٥: ١٣ و١٣١ و١٣٢).

٩٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٧٨٣ - (١٨٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ.
قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَةَ بْنَ أَبِي لُبَابَةَ يُحَدِّثُ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. قَالَ: قَالَ
أُبَيِّ، فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: وَاللَّهِ، إِنِّي لأَعْلَمُهَا. وَأَكْثَرُ عِلَّمِي هِيَّ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا رَسُولُ اللّهِ وَّ
بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَهُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ.
وَإِنَّمَا شَكَّ شُعْبَةُ فِي هَذَا الْحَرْفِ: هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَّنَا بِهَا رَسُولُ اللّهِ وَِّ. قَالَ:
وَحَدَّثَنِي بِهَا صَاحِبٌ لِي عَنْهُ.
١٧٨٤ - (٠٠٠) وحدّثني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ: إِنَّمَا شَكَّ شُعْبَةُ، وَمَا بَعْدَهُ.
وفيه أن الأجسام اللطيفة لا تستر شيئاً من الأشياء الكثيفة، نعم! لو قيل: غلب نور تلك
الليلة ضوء الشمس مع بعد المسافة الزمانية مبالغة في إظهار أنوارها الربانية: لكان وجهاً وجيهاً،
وتنبيهاً نبيهاً .
قال ابن حجر كثّفُهُ: ((وفائدة كون هذا علامة مع أنه إنما يوجد بعد انقضاء الليلة، لأنه يسن
إحياء يومها كما يسن إحياء ليلها)) اهـ. وفي قولها (١): ((يسن إحياء يومها)): نظر يحتاج إلى أثر،
والأظهر أن فائدة العلامة أن يشكر على حصول تلك النعمة إن قام بخدمة الليلة، وإلا فيتأسف
على ما فاته من الكرامة ويتدارك في السنة الآتية، وإنما لم يجعل علامة في أول ليلها إبقاء لها
على إبهامها، والله سبحانه أعلم.
قوله: (وأكثر علمي) إلخ: قال النووي مكثّفُ: ((ضبطناه بالمثلثة (بعد الكاف) وبالموحدة،
والمثلثة أكثر.
قوله: (هي ليلة سبع وعشرين) إلخ: قال النووي تَخْذَهُ: ((وهذا أحد المذاهب فيها، وأكثر . .
العلماء على أنها ليلة مبهمة من العشر الأواخر من رمضان، وأرجاها أوتارها، وأرجاها ليلة سبع
وعشرين، وثلاث وعشرين، وإحدى وعشرين، وأكثرهم أنها ليلة معينة لا تنتقل. وقال
المحققون: إنها تنتقل، فتكون في سنة ليلة سبع وعشرين، وفي سنة ليلة ثلاث، وسنة ليلة
إحدى، وليلة: أخرى، وهذا أظهر، وفيه جمع بين الأحاديث المختلفة فيها، وسيأتي زيادة بسط
فيها إن شاء الله تعالى في آخر كتاب الصيام، حيث ذكرها مسلم تغذّقُ .
(١) قوله: (وفي قولها) والظاهر الصواب: ((قوله)) بتذكير الضمير، والله أعلم.

٩٩
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
(٢٦) - باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه
١٧٨٥ - (١٨١) حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِم بْنِ حَيَّانَ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ
الرَّحْمَنِ، يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَّةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ(١)؛ قَالَ: بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ. فَقَامَ النَّبِيُّ نَّهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَتَىْ حَاجَتَهُ، ثُمَّ
غَسَلَّ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَتَى الْقِرْبَةَ فَأَظْلَقَ شِنَاقَهَا. ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءاً بَيْنَ
الْوُضُوءَيْنِ. وَلَمْ يُكْثِرْ، وَقَدْ أَبْلَغَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، فَقُمْتُ فَتَمَّيْتُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ
أَنْتَبِهُ لَهُ،
باب صلاة النبي وَّة ودعائه بالليل
قوله: (فأتى حاجته) إلخ: يعني الحدث، وفي رواية شعبة عن سلمة: ((فبال)) بدل: ((فأتى
حاجته)) .
قوله: (ثم غسل وجهه ويديه) إلخ: قال النووي كثّفُ: «هذا الغسل للتنظيف والتنشيط للذكر
وغيره)) اهـ.
وقال الحافظ: ((فيه استحباب غسل الوجه واليدين لمن أراد النوم، وهو محدث، ولعله
المراد بالوضوء للجنب.
قوله: (فأطلق شناقها) إلخ: بكسر المعجمة، وتخفيف النون، ثم قاف، هو رباط القربة،
يشد عنقها، فشبه بما يشنق به، وقيل: هو ما تعلق به، ورجح أبو عبيد الأولَ.
قوله: (وضوء بين الوضوءين) إلخ: فسره بقوله: ((لم يكثر وقد أبلغ)) قال الحافظ: ((وهو
يحتمل أن يكون قلل من الماء مع التثليث، أو اقتصر دون الثلاث)) اهـ.
قلت: والظاهر هو الأول، لما في رواية مخرمة: ((فأسبغ الوضوء ولم يمس من الماء إلا
قليلاً)) وفي بعض روايات المسند التصريح بالتثليث في الوضوء، والله أعلم.
قال القاري: ((وضوء بين وضوءين، أي من غير إسراف ولا تقتير، فلم يكثر صب الماء،
قد أسبغ الماء إلى محاله المفروضة.
قوله: (فتمطيت) إلخ: قال الأبي: ((فيه أن مثل هذا جائز، لأنه لمصلحة، أو يقال: إن ابن
عباس كان حينئذٍ غير مكلف، وإلا فالكذب يكون في الفعل.
قوله: (أني كنت أنتبه له) إلخ: قال النووي: ((هكذا ضبطناه، وهكذا هو في أصول بلادنا:
(١) قوله: (عن ابن عباس) قد مر تخريج هذا الحديث: حديث مبيت ابن عباس في بيت خلمونة ﴿يا، في كتاب
الطهارة، باب السواك، رقم (٦٠٥) وقد أخرجه أحمد في مسنده (١: ٣٤٣ و٣٥٢ و٣٧٣).

١٠٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَتَوَضَّأْتُ، فَقَامَ فَصَلَّى، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَِي عَنْ يَمِينِهِ. فَتَتَامَّتْ صَلاَةٌ
رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ مِنَ اللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةٌ، ثُمَّ اضْطَجَعَ. فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ،
((أنتبه)) بنون، ثم مثناة فوق، ثم موحدة، وفيه حسن أديه معه، وخشيته منه، لقربه منه، وهو مع
أهله)) كذا في إكمال المعلم.
وقال الحافظ: ((وكأنه خشي أن يترك بعض عمله، لما جرى من عادته ◌ّ أنه كان يترك
بعض العمل خشية أن يفرض على أمته)).
قوله: (فتوضأت) إلخ: فيه حرصه على الخير، وتعلم العلم، وضبطه أقواله وأفعاله وَ له من
صغره .
قوله: (فقمت عن يساره) إلخ: قال القاري: ((لعدم العلم، فإنه كان صغيراً، ولد قبل
الهجرة بثلاث سنين)) اهـ. قلت: ولعله ظن أن القيام عن يمينه وَلتر خلاف التأدب، والله أعلم.
قوله: (فأخذ بيدي) إلخ: وفي بعض الروايات: ((بأذني)). قال الحافظ في الفتح: ((زاد
محمد بن الوليد في روايته)): ((فعرفت أنه إنما صنع ذلك ليؤنسني بيده في ظلمة الليل)) وفي رواية
الضحاك بن عثمان: ((فجعلت إذا أغفيت أخذ بشحمة أذني)) وفي هذا رد على من زعم أن أخذ
الأذن إنما كان في حال إدارته له من اليسار إلى اليمين، متمسكاً برواية سلمة بن كهيل الآتية في
التفسير، حيث قال: ((فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه))، لكن لا يلزم من إدارته على هذه الصفة أن
لا يعود إلى مسك أذنه، لما ذكره من تأنيسه وإيقاظه، لأن حاله كانت تقتضي ذلك لصغر سنه)).
قوله: (فأدارني عين يمينه) إلخ: أي أدارني من خلفه حتى جعلني عن يمينه، كما صرح في
رواية أخرى. قال النووي كثّفُ: «فيه أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، وأنه إذا وقف
عن يساره يتحول إلى يمينه، وأنه إذا لم يتحول حوله الإمام، وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة،
وأن صلاة الصبي صحيحة، وأن له موقفاً من الإمام كالبالغ، وأن الجماعة في غير المكتوبات
صحیحة)) اهـ.
قوله: (فتتامت الصلاة) إلخ: أي تكاملت.
قوله: (ثلاث عشرة ركعة) إلخ: سيأتي بيانها في شرح الحديث الآتي بعده.
قوله: (فنام حتى نفخ) إلخ: أي تنفس بصوت، حتى يسمع منه صوت النفخ بالفم، كما
يسمع من النائم.
وقال ابن حجر: ((نفخ من أنفه، ومن ثم عبر عنه في رواية أخرى بالغطيط، وهو صوت
الأنف المسمى بالخطيط - بفتح المعجمة - وهو الممدود من الصوت، وقيل: هما بمعنى، وهو
صوت يسمع من تردد النفس، أو النفخ عند الخفقة أي تحريك الرأس)) اهـ كلامه. وما وجدنا في
كتب اللغة ما يدل على أنه صوت الأنف، ففي النهاية: الغطيط الصوت الذي يخرج مع نفس