Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
ثم ما تحصيل الوتر يشفع وواحدة مفصولة؟ فإن السلام في الصلاة للتحليل، وإحرامها
التكبير، وإحلالها التسليم، فإن كانت الواحدة صلاة مستقلة فليؤت بتحريمه مستأنفة ورفع اليدين
لها، وليثبت ذلك بمرفوع، وإلا فالثلاث صلاة واحد، ولا بد.
فإن قلت: إن في حديث النهي عن البتيراء: ((أن يصلي الرجل واحدة يوتر بها)) وهو نقيض
الحديث الصحيح عبارة وعنواناً: ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة
توتر له ما قد صلى)) فماذا أريد؟
قلت: أراد ههنا واحدة لا قبلها شيء ولا بعدها شيء، أو منفصلة عما قبلها، بخلاف
الحديث المشهور، فجاءت عبارة واحدة إثباتاً ونفياً لهذا)) اهـ.
وأما من أطلق من السلف البتيراء على الثلاث فله معنى آخر أشرنا إليه فما سبق من بحث
الإيتار بثلاث، فراجعه.
وما قال ابن الجوزي في التحقيق: ((أن المروي عن ابن عمر أنه فسر البتيراء أن يصلي
بركوع ناقض وسجود ناقص)) اهـ. فقال الزيلعي: ((هذا إن صح عن ابن عمر ففي الحديث ما
يرده، وتفسير راوي الحديث مقدم على تفسير غيره، بل ظاهر اللفظ (أي لفظ حديث البتيراء) أنه
من كلام النبي ◌ٍَّ)) اهـ.
وأما حديث الباب - أي قوله وَلفي: ((فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة، توتر له
ما قد صلى)) - فقال الطحاوي: ((معناه: صلى ركعة مع ثنتين قبلها، ويتفق بذلك الأخبار. قال:
ومذهبنا قوي من جهة النظر، لأن الوتر لا يخلو إما أن يكون فرضاً أو سنة، فإن كان فرضاً
فالفرض ليس إلا ركعتين، أو ثلاثاً، أو أربعاً، وكلهم أجمعوا أن الوتر لا يكون اثنين، ولا
أربعاً، فثبت أنه ثلاث، وإن كان سنة فإنا لم نجد سنة إلا وله مثل في الفرض، منه أخذ،
والفرض لم نجد منه وتر إلا المغرب، وهو ثلاث، فثبت أن الوتر ثلاث)) انتهى.
قال الزيلعي: ((وهذا الذي قاله حسن جداً، وقد ذكر الحازمي تقذفُ في كتابه ((الناسخ
والمنسوخ)): من جملة الترجيحات أن يكون الحديث موافقاً للقياس، وهذا لفظه، قال:
((الوجه الثاني والعشرون من الترجيحات أن يكون أحد الحديثين موافقاً للقياس دون
الآخر، فيكون العدول عن الثاني إلى الأول متعيناً)) اهـ.
وأما حديث أبي أيوب - وفيه: ((من شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر
بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة)) - فقد روى مرفوعاً وموقوفاً، وصواب الحافظ كَفُ وقفه في
التلخيص، وإن تساهل في الفتح. قال في التلخيص: ((وصحح أبو حاتم، والذهلي، والدار قطني
في العلل، والبيهقي، وغير واحد: وقفه، وهو الصواب)).

٦٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بقي الكلام في توجيه حديث الباب وشرحه، فقال الشيخ الأنور: ((إن هذا الحديث القولي
مع أنه وَّر قاله على المنبر وهو يخطب - كما عند البخاري - لم يشتهر إلا من رواية ابن عمر،
وتظافرت الطرق عنه، وفرع هو عليه أن الوتر من صلاة الليل، وأنه لإيتارها، وأنه يفصل كما
تفصل صلاة الليل مثنى مثنى، وفرع على هذا التفريع مسألة نقض الوتر، ولزم ذلك التفريع الثاني
التفريع الثالي، وهو التنقل بركعة واحدة غير الوتر، كما مر عن الحافظ تَّقُ وقد روى ابن
عباس ◌َُّبه معه شطراً من هذا الحديث. فعند مسلم والطحاوي عن أبي مجلز قال: سألت ابن
عباس عن الوتر، فقال: سمعت رسول الله وَلل يقول: ((ركعة من آخر الليل)) اهـ. وتمامه عند ابن
ماجه، ومع هذا فلم يفهم منه فصل الوتر كما فهمه ابن عمر رَظُله وبقي ابن عباس بظُه يروي
وتره ◌ّل بثلاث، وعنده: ((صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل)) (طب) عن ابن
عباس رضيته كذا في منتخب الكنز. ويروى تعيين القراءة في ركعات الوتر الثلاثة، وسيأتي أنه
مبني على الوصل، فلم يكن الحديث عنده على ما فهمه ابن عمر، فهذا يفيدك شيئاً من الطمأنينة
في الأمر، ثم إن جمعاً كثيراً من السلف بلغه هذا الحديث، واطلع عليه، واطله على اعتبار أن
حقيقة الإيتار إنما تتقوم بالواحدة نظراً ذهنياً، ومع هذا بقي على الوصل، ولم يطرد النظر الذهني
في العمل أيضاً، فالأمر ما ذكرنا أن الحديث ساكت عن أمر الفصل)) اهـ.
ثم قال: ((وقوله وَلّر: ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة
توتر له ما قد صلى)) بني على أن أقل صلاة الليل مثنى، وإنما كرر ليدل على أن ذلك إليه مهما
جاء بشفع، ثم جاء شيئاً فشيئاً تدرجاً على انتظار الصبح، وعدم علمه كم يدرك فعله .
قال الباجي: ((وقوله مثنى مثنى يقتضي ما ذكرناه من الفصل بين كل ركعتين، فتكون صلاته
تامة، ولا غاية لأكثرها، وإنما ذلك على قدر طاقة المصلي، والدليل على ذلك أنه قال: ((مثنى
مثنى)) فلم يحد بحد. والثاني: أنه قال: ((فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة)) فجعل غاية ذلك
أن يخشى الصبح، ولم يجعل غايته عدداً)) اهـ.
وقال من قبل: ((إن قوله: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) يقتضي أن يكون كل ركعتين منها صلاة،
ولا تكون صلاة إلا بأن يفصلها عما بعدها بالسلام)) اهـ.
ومع هذا ففي السنن من باب صلاة النهار: ((سئل أبو داود من صلاة الليل مثنى، فقال: إن
شئت مثنى، وإن شئت أربعاً)) اهـ. وإذا لم يعطه عدداً من عنده لا يكون التعبير إلا كذلك.
وقال في الفتح: ((واستدل بهذا على تعيين الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل، قال ابن
دقيق العيد: وهو ظاهر السياق لحصر المبتدأ في الخبر، وحمله الجمهور على أنه لبيان الأفضل
لما صح من فعله ◌َّ بخلافه، ولم يتعين أيضاً كونه لذلك، بل يحتمل أن يكون للإرشاد إلى

٦٣
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
الأخف، إذا السلام بين كل ركعتين أخف على المصلي من الأربع فما فوقهما، لما فيه من
الراحة غالباً، وقضاء ما يعرض من أمر مهم)) اهـ.
وذكر الزمخشري أنه جرد عن التكرير المعنوي فصار بمعنى اثنين مرة، فلم يكن بد من
التكرير اللفظي ليفيد ما أريد به، وأراد بقوله: ((واحدة)) ركعة واحدة مرة واحدة، لا تكرر، فلذا
قيده بخشية الصبح، أو بقوله: ((والوتر ركعة من آخر الليل)) لينتهي الأمر إليه ويختتم عليه)) اهـ.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: معنى قوله وَالر: ((صلاة الليل - وفي رواية أعلوها:
والنهار - مثنى مثنى)) الحديث، أن كل ركعة من صلاة الليل والنهار يجب أن تكون مقرونة
بمثلها، ما عدا الركعة الواحدة الأخيرة من الوتر، كما أن معنى قوله: ((كان الأذان على عهد
رسول الله وَّر مثنى مثنى)) أن كل كلمة من كلماته كانت مقرونة بنظيرها، حتى عند من قال
بالترجيح في الشهادتين مع استثناء الكلمة الأخيرة من قوله: ((لا إله إلا الله)) فإنها لا تتكرر، فهذه
المقارنة بين الركعتين اللتين لا يتخلل الجلوس فيهما أعم من أن تكون لاشتراكهما في التشهد
فقط، أو مع التسليم، فالمثنوية ههنا ليست إلا في مقابلة الإفراد، ولإيتار بواحدة على ما يظهر
من مقابلة صدر الحديث وعجزه، كما في القرآن الكريم: ﴿أَنْ تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَدَى﴾ [سبا: ٤٦]
والقصر عندنا في قوله ◌َير: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) قصر الجواز، وفي هذا تنبيه على عدم
مشروعية التنفل بالركعة الواحدة البتيراء، كما قال ابن دقيق العيد، وعدم مشروعية الركعات
المتوالية الزائدة على ثنتين من غير تخلل التشهد بينهما، وهو الظاهر من حديث عائشة عند
مسلم، قالت: ((وكان يقول في كل ركعتين التحية)) فهذا مدلول الحديث، والمثنوية بهذا المعنى
لا يستلزم التسليم على كل ركعتين كما في حديث أبي هريرة عند مسلم: ((ويكبر حين يقوم المثنى
بعد الجلوس)) أما وجوب التسليم على كل شفع أو استحبابه فهذا الحديث القولي لا يتعرض
لمسألة التسليم أصلاً. وليراجع لاختيار الركعتين أو الأربع بسلام واحد إلى الأحاديث الأخر
القولية أو الفعلية، فإنما المقصود ههنا بيان وجوب التشهد على كل شفع مع التسليم أو بدونه
فيما سوى الوتر، وقد وقع عند الترمذي من طريق ليث بن سعد عن عبد ربه بن سعيد، عن
عمران بن أبي أنس، عن عبد الله بن نافع بن العمياء، عن ربيعة بن الحارث، عن الفضل بن
عباس أنه قال: قال رسول الله وَّلقر: (الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتخشع))
الحديث. فهذا الحديث القولي يفسر حديث الباب أن المراد بقوله: ((مثنى مثنى)) هو التشهد في
كل ركعتين مع قطع النظر عن التسليم، وحديث التخشع قال ابن حجر المكي: إسناده حسن،
وعبد الله بن نافع بن العمياء ذكره ابن حبان في الثقات.
وبالجملة هو يكفي لتعيين أحد المحملين في حديث ابن عمر رضيبه قال البخاري: ((وقد
روى هذا الحديث شعبة عن عبد ربه بن سعيد، فأخطأ في مواضع، وجعله من مسند المطلب بن

٦٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أبي وداعة، وإنما هو من مسند الفضل بن عباس رضيبه كما رواه ليث بن سعد، وحديث ليث بن
سعد أصح من حديث شعبة)) اهـ باختصار. وكذا صوب كونه من مسند الفضل عبد الله بن أحمد.
قال المنذري في الترغيب: ((قال الخطابي: أصحاب الحديث يغلطون شعبة في هذا
الحديث، ثم حكى قول البخاري المتقدم، وقال: قال يعقوب بن سفيان في هذا الحديث مثل
قول البخاري، وخطأ شعبة، وصوب ليث بن سعد، وكذلك محمد بن إسحاق بن خزيمة)) اهـ.
ووقع عند أحمد في هذا الحديث زيادة: ((وتسلم في كل ركعتين)) ولكن الحديث إن كان
من مسند الفضل بن عباس - كما صوبه البخاري وعبد الله بن أحمد وغيرهما - فليس فيه تلك
الزيادة، وإن كان من مسند المطلب ففي بعض طرقه ذلك، ولا يبعد على تقدير ثبوته وثبوت هذه
الزيادة أن يكون التسليم ههنا بمعنى التشهد، كما في حديث علي عند النسائي: ((ويصلي قبل
العصر أربعاً، ويفصل بين كل ركعتي بتسليم على الملائكة المقربين والنبيين، ومن تبعهم من
المؤمنين المسلمين)) يريد به التشهد، كما قاله إسحاق بن إبراهيم، ذكره الترمذي، وسمي تسليماً
لما فيه من قوله: ((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)) قال السندي كثّفُ: ((وهذا هو الظاهر
ويؤيده الرواية الثانية عنه)) اهـ. وفي الحديث الصحيح ((والسلام كما قد علمتم)) فالمراد به السلام
الذي وقع في التشهد، وجعله ابن عمر له كسلام التحليل، فكان لا يسلم في التشهد الأول،
كان يرى ذلك نسخاً لصلاته. قال الزهري: «فأما أنا فأسلم يعني قوله: ((السلام عليك أيها
النبي .... إلى الصالحين)) هكذا أخرجه عبد الرزاق كما في الفتح من باب التشهد في الأولى.
قال الشيخ الأنور: وكذا أخرجه ابن أبي شيبة مع ما في الموطأ عنه من خلاف ذلك،
فكأنه رجع عنه أو عنده فيه تفصيل، فيسلم في التطوع لا في المكتوبة مثلاً، والله أعلم)).
والحاصل أن إطلاق السلام على التشهد ليس بمستبعد، لا سيما في قول ابن عمر مظ لته في
تفسير ((مثنى مثنى)): ((أن تسلم في كل ركعتين)) فإنه جعل سلام التشهد كسلام التحليل، وكذا
يمكن حمل الزيادة التي جاءت في حديث ابن عمر عند أحمد من قوله وَطيار: ((صلاة الليل مثنى
مثنى، تسلم في كل ركعتين)) على معنى التشهد إن لم تكن هذه الزيادة مدرجة، فإنها لم توجد في
عامة الروايات، وبهذا يقع التوفيق بين قول ابن عمر وفعله، فإنه قد روى عنه: ((صلاة الليل
والنهار مثنى مثنى)) مرفوعاً وموقوفاً، ولا شبهة في ثبوته موقوفاً، وقد ثبت عنه أيضاً أنه كان
يصلي بالنهار أربعاً، كما تقدم، فإذا حملنا قوله: ((مثنى مثنى)) على ما بينا، وأردنا بقوله: ((تسلم
في كل ركعتين)): التشهد: زال الإشكال في وجه التطبيق بين علمه وفتواه، وليس غرضنا إلا أن
حديثه القولي لا يدل على إثبات يلام الخروج في كل ركعتين، فإن ثبت هذا من الأحاديث الأخر
فلسنا ننكره، والله أعلم.
ثم اعلم أن هذا الحديث (حديث ابن عمر) أصل أصيل وركن ركين في باب التهجد

٦٥
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
والوتر، فإذا وقع الاختلاف في شأن من شؤونهما يتعين الرجوع والتحاكم إليه فيما ينطق به، فإنه
ورد في معرض التعليم لمن سأله وَ # عن كيفية صلاة الليل وإيتارها، وقد رأينا فيما روى عن
النبي ◌َ ◌ّر من فعله في صلاة الليل اضطراباً شديداً واختلافاً كثيراً، بحيث يتعذر الجمع والتطبيق
إلا بتعسف، وحمله على تنوع الأحوال والأوقات أيضاً لا يخلو عن بعد وتكلف شديد في بعض
الأحاديث لاتحاد المخرج وغلبة الظن بوحدة القصة، كما لا يخفى على من استوعب الطرق
والألفاظ في قصة مبيت ابن عباس، وحديث عائشة في جواب سعد بن هشام، وكذا حديثها في
جواب أبي سلمة، ولا ينكر أيضاً أن لرسول الله و بر أحوالاً وأطواراً في صلاة الليل يخرج
بعضها عن حدود الضوابط التي أرشد الأمة إليها، ففي حديث أبي المتوكل الناجي عن عائشة
عند الترمذي قالت: ((قام النبي وَ لو بآية من القرآن ليلة)) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب،
وروى النسائي وابن ماجه عن أبي ذر قال: ((قام النبي ◌َّر حتى أصبح بآية، والآية ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ
فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ لْحَكِيمُ (٣٤)﴾ [المائدة: ١١٨])).
ورواه محمد بن نصر في قيام اليل مطولاً، وفيه: ((فقام رسول الله وَلقر حتى أصبح يتلو آية
واحدة من كتاب الله، بها يركع، وبها يسجد، وبها يدعو: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَلِنْ تَغْفِرُ لَهُمْ
فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيْزُ الحَكِيْمُ))، الحديث. وفي آخره: ((فقال عبد الله: بأبي وأمي يا رسول الله، قمت
الليلة بآية واحدة، بها تركع، وبها تسجد، وبها تدعو، وقد علمك الله القرآن كله. قال: إني
دعوت لأمتي)).
وفي الطحاوي، عن أبي ذر قال: ((جعل رسول الله وَله يقرأ آية من كتاب الله، بها يركع،
وبها یسجد، وبها يدعو)).
فقد دل الحديث دلالة بينة على الاكتفاء بهذه الآية في القيام وفي الركوع والسجود، وأنه
لم يقرأ ولم يتلفظ بشيء في هيئات الصلاة غير هذه الآية الواحدة، مع أنه وليّ نهى عن قراءة
القرآن في الركوع والسجود، ونص على إيجاب الفاتحة في كل صلاة، وعلى التشهد في كل
قعدة، وشرع التسبيحات في الركوع والسجود، وهذا لا يجوزه أحد من الأئمة أن يكتفي المصلي
بقراءة آية في صلاته: في قيامه، وركوعه، وسجوده، ودعائه، ولا يتجاوز عنه من الليل إلى
الصباح، فيقال لا محالة: إن له عليه الصلاة والسلام خصائص وشؤوناً مع الله ليست لغيره،
ولعل لهذا التطور والتنوع في مغاناة الحبيب مع الحبيب، ومناجاته الليلية: مست الحاجة إلى أن
يسألوه عن ضابطه صلاة الليل وإيتارها في حقهم فعلمهم أن صلاة الليل مثنى مثنى، أي ليس
لهم التنفل بالركعة الواحدة البتیراء، ولا جمع الزائد على الركعتين في تشهد واحد، وما روی
عنه 9َّ من خلاف ذلك فهو فعل مختص به وَّر، أما التسليم ففيه سعة: يسلم من ركعتين، أو
أربع، أو ست، أو ثمان.

٦٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قال في كنز الدقائق: ((وكره الزيادة على أربع في نفل النهار، وعلى ثمان ليلاً)) أي
بتسليمة. قال في البحر: ((والأصل فيه أن النوافل شرعت توابع للفرائض، والتبع لا يخالف
الأصل، فلو زيدت على الأربع في النهار لخالفت الفرائض، وهذا هو القياس في الليل، إلا أن
الزيادة على الأربع إلى الثمان عرفناه بالنص، وهو ما روى عن النبي ◌َّر: ((أنه كان يصلي بالليل
خمس ركعات، سبع ركعات، تسع ركعات، إحدى عشرة ركعة، ثلاث عشرة ركعة)) والثلاث من
كل واحد من هذه الأعداد: الوتر، وركعتان سنة الفجر، فيبقى ركعتان، وأربع، وست، وثمان،
فيجوز إلى هذا القدر بتسليمه واحدة من غير كراهة. واختلف المشايخ في الزيادة على الثمان
بتسليمه واحدة مع اختلاف التصحيح، فصحح الإمام السرخسي كثّفُ عدم الكراهة، معللاً بأن فيه
وصل العبادة بالعبادة، وهو أفضل، ورده في البدائع بأنه يشكل بالزيادة على الأربع في النهار،
قال: والصحيح أنه يكره لم يرو عن النبي وَّ)) انتهى.
ثم قال القر: ((فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى)) أي يسلسل
ويسرد المثاني، إلى أن يصلي ركعة واحدة في خاتمتها، أما أنه يصل هذه الركعة بشيء من
المثاني السابقة عليها أو يفصلها عنه، فهذا لا يتعرض له هذا الحديث القولي، وقد أوضحنا فيما
تقدم بالأدلة أن الوتر الشرعي ثلاث ركعات، وقد أجمعوا على استحسانها، والركعة الواحدة
الأخيرة منها هي الموترة حقيقة لشفعها، ولجميع ما صلى بالليل من فرض أو نفل، كما في
الحديث: ((توتر له ما قد صلى)) فالموترة ليس إلا الركعة الأخيرة من الثلاث، وإن أوجب أدائها
مضمومة إلى الشفع، والظاهر من كونها صلاة واحدة: الوصل، نعم! قد ثبت الفصل بين
الركعتين والركعة من الوتر من فعل ابن عمر، ورفعه في بعض الروايات عند الطحاوي، إلا أن
الكلام في أنه: هل كان يبني ركعة الوتر على الركعتين بعد ما يسلم عليهما ويأمر ببعض حاجته
من غير تجديد تحريمة ونية - كما قاله الشافعي - أو كان يستأنف النية والتحريمة لهذه الركعة،
وكان الوتر عند ركعة واحدة منفردة كما روى عن غيره من بعض الصحابة في الإيتار بركعة
مفردة؟ فإن قيل بالبناء على التحريمة الأولى فهذا ينافي قوله وَلتقول: «تحريمها التكبير وتحليلها
التسليم)) لأن سلام التحليل يرفع تحريم الصلاة، ولهذا كان ابن عمر ربه يأمر بحاجته، ويقول:
(يا غلام ارحل لنا)) فأين التحريمة الأولى، وما معنى بقائها حتى يبنى عليها، وإن قيل باستيناف
النية والتحريمة فالوتر حينئذٍ هي الركعة الواحدة لا الثلاث، وهذا لا يكاد يستدل به على مذهب
الشافعي من كون الوتر ثلاثاً بالفصل من غير تجديد التحريمة والنية ووجوب رفع اليدين، وقد
روى الطحاوي عن عقبة بن مسلم قال: سألت عبد الله بن عمر عن الوتر، فقال: أتعرف وتر
النهار؟ قلت: نعم، صلاة المغرب، قال: صدقت، أو أحسنت، ثم قال: بينا نحن في المسجد
قام رجل، فسأل رسول الله وَله عن الوتر، أو عن صلاة الليل، فقال رسول الله وَليقول: ((صلاة

٦٧
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة)) أفلا ترى أن ابن عمر حين سأله عقبة عن
الوتر فقال: ((أتعرف وتر النهار)) أي هو كهو، وفي ذلك ما ينبئك أن الوتر كان عند ابن عمر ثلاثاً
كصلاة المغرب، إذ جعل جوابه لسائله عن وتر الليل: ((أتعرف وتر النهار صلاة المغرب)) ثم
حدثه بعد ذلك عن النبي و 38 بما ذكرنا، فثبت أن قوله: ((فأوتر بواحدة)) أي مع شيء تقدمها،
توتر بتلك الواحدة مما صليت قبلها، وكل ذلك وتر.
وقد بين ذلك أيضاً بما حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: ثنا محمد بن
جعفر، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن عامر الشعبي، قال: سألت ابن
عباس وابن عمر رضيًا: «كيف كان صلاة رسول الله ◌َو بالليل؟ فقالا: ثلاث عشرة ركعة، ثمان
ويوتر بثلاث، وركعتين بعد الفجر)) فهذه الروايات بظاهرها لا تلائم كون الوتر ركعة مفردة
مفصولة عما قبلها بالسلام والكلام، إلا بضرب من التأويل والتعسّف.
ويخطر بالبال - والله أعلم - أن يراد بالفصل فيما رواه الطحاوي من طريق سالم عن ابن
عمر رَُّّه أنه كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمه، وأخبر أن النبي ولو كان يفعله: الفصل
بالسلام بين الوتر وبين الركعتين اللتين كان يوتر بعدهما، وهما من صلاة الليل، وفيه الرد على
من يزعم الإيتار بخمس بسلام واحد، والتنبيه على أن الفصل بالسلام لا يستلزم كون الوتر ثلاثاً
بتراء، حتى يدخل في النهي الوارد في حديث أبي هريرة: ((لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس، أو
بسبع ... )) الحديث، كما تقدم تقريره. وكذا فيما رواه أحمد عن ابن عمر نظرالله قال: ((كان
رسول الله (* يفصل بين الوتر والشفع بتسليمه، ويُسْمِعُناها)) يمكن حمله على ما قلنا. والأقرب
أن يحمل على التسليمة التي بين الشفع والوتر الذي كان يصليه جالساً بعد الوتر، فإن التسليمة
الشديدة التي كان يُسْمِعُها إياهم إنما هي التسليمة التي وقعت في آخر ركعات الوتر، كما هو
مصرح في حديث سعد بن هشام عن عائشة عند مسلم وغيره. أما قوله في رواية سعيد بن منصور
بعد قوله: ((يا غلام، ارحل لنا، ثم قام فأوتر بركعة)) فيراد به ما أريد بقوله وَ ليقول: ((فأوتر بواحدة))
أي على الطريق المعهود من ضمها إلى شفعها، فيطلق الركعة ويراد بها الركعة الموترة الواقعة في
ضمن الثلاث، لأن الثلاث إنما صارت وسميت وتراً لهذه الركعة الأخيرة، فهي المرادة بالركعة
في قول نافع عند البخاري أنه (أي ابن عمر ظله) كان يسلم بين الركعتين والركعة في الوتر،
حتى إنه كان يأمر ببعض حاجته، ولا يبعد أن يقال: إن ما رواه ابن عمر رُّه مرفوعاً من الفصل
بالتسليم بين الشفع والوتر فالمراد بالشفع والوتر: الركعة والركعتان منه، وبالتسليم سلام
التشهد، ثم لما كان سلام التشهد عنده كسلام التحليل كما مر منقولاً من الفتح فرع عليه ما هو
مقتضاه في رأيه من إباحة الكلام وغيره، وإلا فلم ينقل هو ولا غيره في المرفوع الكلام بين
الركعة والركعتين أصلاً، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

٦٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٧٤٦ - (١٤٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالَ
زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ. سَمِعَ النَّبِيَّ نَّهُ يَقُولُ.
ح وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِهِ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ وََّ عَنْ صَلاةِ اللَّيْلِ؟
فَقَالَ: ((مَثْتَى مَثْتَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّنَّحَ
قال الشيخ العلامة الأنور في تتمة هذا البحث من رسالة كشف الستر: ((إن بعضهم جرى
على ما فهمه من الحديث القولي: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) كابن عمر، فكان يفصل، ولعله لم ير
فعله ◌َ# كما رأته عائشة، ورآه ابن عباس، فقال في حديث سعد بن هشام - كما عند مسلم
والنسائي -: ((صدقت)) وهي قد صرحت في ذلك الحديث بنفي السلام، وأن الوتر ثلاث، فصدقها
فيه كله، لأنه وافق ما كان رآه ليلة مبيتة، وعند أبي داود: ((فقال: هذا والله هو الحديث)) كل ذلك
يدل على أن عنده سابقة علم بحقيقة الأمر، وأنه كان قد وقع فيه اشتباه للبعض إذ ذاك، ودل هذا
ثانياً أن في حديثه ليلة المبيت أمر الوتر كان كذلك، ولم ير ابن عمر ته تميز الوتر بالقراءة أيضاً
عن قراءة صلاة الليل، كما رأته عائشة، ورواه ابن عباس، وكما عرفه ابن مسعود في النظائر
العشرين كل سورتين في ركعة، وتكون صلاة الليل إذَنْ ثلاث عشرة، لأنه اشتهر من عمله إصراره
على الوتر بثلاث، وإنكاره على سعد في الإيتار بركعة، وكما عرفه ابن أبي كعب، فذكر القراءة،
وقال: ((لا يسلم إلا في آخرهن)) وهو الذي جمعهم عمر ◌ُبه عليه في قيام رمضان.
وبعضهم جرى على اللغة في الوتر، مسعد، يدل عليه ما عند الطبراني، نقله في حاشية
الدراية حتى عابه ابن مسعود ورجل آخر عند الدارقطني، وقد سئل سعد عن وتره بواحدة، فلم
يأت بما يشفي، ففي المسند: أنه كان يصلي العشاء الآخرة في مسجد رسول الله مَّر، ثم يوتر
بواحدة لا يزيد عليها، قال: فيقال له: أتوتر بواحدة لا تزيد عليها يا أبا إسحاق، فيقول: نعم،
إني سمعت رسول الله وَّيقول: ((والذي لا ينام حتى يوتر: حازم)) اهـ. وعند الدارقطني: فقال له
رجل: يا أبا إسحاق، لم أرك أوترت بواحدة، قال: يا أعور، أنت تعلمني ديني وجرت بينه
وبين ابن مسعود فيه محاورة صارت مناظرة، وكأبي أيوب في فتواه بالواحدة وبالإيماء، وهو
موقوف عليه، كما مر عن التلخيص.
وبعضهم لم يعلم وجوب الأمر كما وقع لمعاوية حتى ذاكره معاذ، كما عند أحمد فيما
أخرجه عبد الله عنه في مسنده. فانكسرت إذن سورة الاختلاف أو وجه تعامل بعضهم، فإنه قد
جرى الإنكار أيضاً من آخرين، وقد قال مالك - كما في عمدة القاري من الجنائز -: في الصحابة
مخطىء ومصيب في التأويل. كذا قال. وعند الطحاوي عن عثمان في نقض الوتر أنه رأى منه
وكذا عن ابن عمر، ذكره من باب التطوع بعد الوتر.
قوله: (فإذا خشيت الصبح) إلخ: وعند البخاري من طريق القاسم بن محمد عنه: ((فإذا

٦٩
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
فَأَوْتِرْ بِرَكْمَةٍ)).
١٧٤٧ - (١٤٧) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
عَمْرٌو؛ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَحُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
عَوْفٍ حَدَّثَاهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ صَلاَةُ اللَّيْلِ؟ قَالَ رَسُولُ أَلَّهِ بَّهِ: ((صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَىْ. فَإِذَا ◌ِفْتَ
الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةِ» .
١٧٤٨ - (١٤٨) وحدّثني أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُدَيْلٌ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيِّ وَّهِ. وَأَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ
السَّائِلِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ قَالَ: ((مَثْتَى مَثْتَى. فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ
فَصَلُ رَكْعَةً. وَاجْعَلْ آخِرَ صَلائِكَ وِتْراً) ثُمَّ سَأَلَّهُ رَجُلٌ، عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ، وَأَنَا بِذَلِكَ
الْمَكَانِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلهَ. فَلا أَدْرِي، هُوَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، أَوْ رَجُلٌ آخَرُ. فَقَالَ لَهُ مِثْلَ
ذَلِكَ .
١٧٤٩ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو كَامِلٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُدَيْلٌ وَعِمْرَانُ بْنُ
حُدَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْغُبَرِيُّ. حَدَّثَنَا
أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتر لك ما صليت)) فقد علم منه أن المدار على إرادة الانصراف،
خشي الصبح أم لم يخش.
قوله: (فأوتر بركعة) إلخ: أي صل صلاة الليل مثنى مثنى، ودم على ذلك، ثم إذا خشيت
ذهاب الوقت أو أردت الانصراف فأوتر الصلاة الأخيرة من هذه المثاني بضم ركعة واحدة إليها،
وانقض مثنويتها، فيصير مجموع صلاة الليل وتراً، يدل على هذا المعنى ما سيأتي من طريق
عبد الله بن شقيق.
قوله: (فصل ركعة، واجعل آخر صلاتك وتراً) إلخ: لم يقل وَ # ((واجعل الوتر آخر
صلاتك)) بل قال: ((واجعل آخر صلاتك وتراً أي صير آخر صلاتك التي صليت من المثاني وتراً
بضم ركعة واحدة إليه، فإن الركعة الواحدة إذا ضمت إلى المثنى الأخير يصير صلاة الوتر ثلاث
ركعات، فيصدق عليها أنهم لن تبق مثنى، فإن معنى كون الصلاة مثنى ليس إلا كون كل ركعة
منها مقرونة بنظيرها في التشهد، وهذه الصلاة قد بقيت الركعة الأخيرة فيها ليس لها نظير مقرون
بها كذلك، وإن كان معنى قوله وَالر: ((مثنى مثنى)) أن يسلم في كل ركعتين أي قرانهما في
التسليم، كما زعموا فعدم بقائها على المثنوية على تقدير جمعها في سلام واحد أظهر، والله
أعلم.

٧٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَمَّادٌ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَالزُّبَيْرُ بْنَ الْخِرِّيتِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ:
سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ وَّهِ. فَذَكَرَا بِمِثْلِهِ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ،
وَمَا بَعْدَهُ.
١٧٥٠ - (١٤٩) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. جَمِيعاً
عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ. قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ. أَخْبَرَنِي عَاصِمُ الأَخْوَلُ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١)؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قَالَ: ((بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِثْرِ)).
١٧٥١ - (١٥٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحِ. أَخْبَرَنَا
اللَّيْثُ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ (٢) قَالَ: مَنْ صَلَّى مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَجْعَلْ آخِرَ صَلاتِهِ وَّتْراً. فَإِنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَلِ كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ.
١٧٥٢ - (١٥١) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا
ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ الْمُثَنَّى. قَالا: حَدَّثَنَا يَخْيَى. كُلُّهُمْ
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ؛ قَالَ: ((اجْعَلُوا آَخِرَ صَلاتِكُمْ بِاللَّيْلِ
وِثراً».
قوله: (بادروا الصبح بالوتر) إلخ: أي حتى لا يفوت بذهاب وقته.
قوله: (من صلى من الليل فليجعل) إلخ: هذا صريح في أن جعل آخر الصلاة وتراً إنما هو
في حق من صلى من الليل، يعني التهجد، فالحاصل أنه أرشد المتهجد إلى أنه يصلي من الليل
ما شاء مثنى مثنى، ثم يجعلها في الآخر وتراً بضم الركعة الواحدة إلى المثنى الأخير، ولزم منه
وقوع الوتر في آخر صلاته بالليل، وإن لم يكن مقصوراً أولياً بسوق الكلام، وإلا لقال: فليجعل
الوتر آخر صلاته، كما لا يخفى على المتأمل المتدبر.
قوله: (افعلوا آخر صلاته بالليل) إلخ: وإن لم يكن مقصوراً أولياً بسوق الكلام، وإلا
لقال: فليجعل الوتر آخر صلاته، كما لا يخفى على المتأمل المتدبر.
-
(١) قوله: (عن ابن عمر) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، تفريع أبواب الوتر، باب في
وقت الوتر، رقم (١٤٣٦) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في مبادرة الصبح بالوتر،
رقم (٤٦٧) وأحمد في مسنده (٢: ٣٧ و٣٨).
(٢) قوله: (ابن عمر) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوتر، باب ليجعل آخر صلاته وتراً، رقم
(٩٩٨) والنسائي في سننه، في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب وقت الوتر، رقم (١٦٨٣) وأبو داود في
سننه، في كتاب الصلاة، تفريع أبواب الوتر، باب في وقت الوتر، رقم (١٤٣٨) والترمذي في جامعه، في كتاب
الصلاة، باب ما جاء في مبادرة الصبح بالوتر، رقم (٤٦٩) وأحمد في مسنده (٢: ٢٠ و١٠٢ و١٤٣ و١٥٠).

٧١
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
١٧٥٣ - (١٥٢) وحدّثني هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَالَ: قَالَ
ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَجْعَلْ آخِرَ صَلاتِهِ
وِتْراً قَبْلَ الضُّبْحِ. كَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ يَأْمُرُهُمْ.
١٧٥٤ _ (١٥٣) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ.
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مِجْلَزٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرٍ
اللَّيْلِ»
.
١٧٥٥ - (١٥٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي مِجْلَزِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ،
عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ)».
١٧٥٦ - (١٥٥) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا
قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ؛ قَالَ: سَأَلَتُ ابْنَ عَبَّاسٍ (٢) عَنِ الْوِثْرِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَه
يَقُولُ: ((رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ)). وَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ:
((رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللّيلِ)» .
١٧٥٧ - (١٥٦) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ
قوله: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) إلخ: خطاب لمن صلى من الليل، كما تقدم من
طريق الليث عن نافع آنفاً، ويأتي بعد من طريق ابن جريج عنه.
قوله: (قبل الصبح) إلخ: فإن وقت أدائه إلى الصبح.
قوله: (الوتر ركعة من آخر الليل) إلخ: أي الوتر حقيقة ركعة واحدة، بها يوتر المصلي
صلاته، إلا أنها لا تؤدي مفردة، بل مضمومة إلى المثنى الأخير من الليل، فقوله: ((الوتر ركعة))
كقوله ويتر: ((الحج عرفة)).
قوله: (أرأيت الركعتين) إلخ: أي أخبرني.
(١) قوله: (عن ابن عمر) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب قيام الليل وتطوع النهار باب كم الوتر،
رقم (١٦٩٠) و١٦٩١) و(١٦٩٢) وأبو داود في سننه في كتاب الصلاة، تفريع أبواب الوتر، باب كم الوتر،
رقم (١٤٢١) وابن ماجه في سننه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الوتر بركعة، رقم
(١١٧٥) وأحمد في مسنده (٢: ٣٣ و٤٣ و٥١ و١٠٠ و١٥٤).
(٢) قوله: (ابن عباس) لم أجد هذا الحديث عند أحد من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم تغلفهُ، وقد أخرجه
أحمد في مسنده (٢: ٣١١ و٣٦٤).

٧٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنِ الْوَلِيدِ بْنٍ كَثِيرٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرِّ حَدَّثَهُمْ؛
أَنَّ رَجُلاً نَادَى رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ◌َيْفَ أُوتِرُ صَلاةَ
اللَّيْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ صَلَّى فَلْيُصَلٌ مَثْتَى مَثْتَى، فَإِنْ أَحَسَّ أَنْ يُصْبِحَ، سَجَدَ
سَجْدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى)).
قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَلَمْ يَقُلِ: ابْنِ عُمَرَ.
١٧٥٨ - (١٥٧) حدّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو كَامِلِ. قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ،
عَنْ أَنَسٍ بْنِ سِيرِينَ. قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ،َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الْغَدَاةِ
أَأُطِيلُ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ؟ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بَلِ يُصَلِّ مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ.
قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي لَسْتُ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ. قَالَ: إِنَّكَ لَضَخْمٌ. أَلا تَدَعُنِي أَسْتَقْرِىءُ لَكَ
الْحَدِيثَ؟ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يُصَلِّ مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى. وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ. وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ
قَبْلَ الْغَدَاةِ. كَأَنَّ الأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ .
قَالَ خَلَفٌ: أَرَأَيْتَ الرِّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: صَلاةٍ.
قوله: (أطيل فيهما) إلخ: من أطال يطيل، إذا طول.
قوله: (ويوتر بركعة) إلخ: تقدم معناه.
قوله: (إنك لضخم) إلخ: أي سمين، إشارة إلى الغباوة والبلادة وقلة الأدب، قالوا: لأن
هذا الوصف يكون للضخم غالباً، وإنما قال ذلك لأنه قطع عليه الكلام أجله قبل تمام حديثه .
قوله: (ألا تدعني) إلخ: أي ألا تتركني.
قوله: (استقرىء لك) إلخ: هو بالهمزة، من القراءة، ومعناه: وآتى به على وجهه بكماله،
قال الحافظ: ((ويستفاد من هذا: جواب السائل أكثر مما سأل عنه إذا كان مما يحتاج إليه، ومن
قوله: ((إنك لضخم)): أن السمين في الغالب يكون قليل الفهم)) اهـ. وقيده بالغالب إخراج النادر،
فقد قال الإمام الشافعي تقََّثُ: ((ما رأيت سميناً أخف روحاً من محمد بن الحسن)) (أي صاحب
أبي حنيفة رحمهما الله).
قوله: (كأن الأذان بأذنيه) إلخ: أي لقرب صلاته من الأذان، والمراد به هنا الإقامة
فالمعنى أنه كان يسرع بركعتي الفجر إسراع من يسمع إقامة الصلاة خشية فوات أول الوقت،
ومقتضى ذلك تخفيف القراءة فيهما، فيحصل به الجواب عن سؤال أنس بن سيرين عن قدر
القراءة فيهما .
قوله: (ولم يذكر صلاة) إلخ: أي لم يقل: ((قبل صلاة الغداة)) بل قال: ((قبل الغداة))
والمعنى واحد.

٧٣
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
١٧٥٩ - (١٥٨) وحدّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ.
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ؛ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ بِمِثْلِهِ وَزَادَ: وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ مِنْ آخِرِ
اللَّيْلِ. وَفِيهِ: فَقَالَ: بَهْ بَهْ إِنَّكَ لَضَخْمٌ .
١٧٦٠ - (١٥٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ.
قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ حُرَيْثٍ. قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ:
((صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْتَى مَثْنَى، فَإِذَا رَأَيْتَ أَنَّ الصُّبْحَ يُدْرِكُكَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ) .
فَقِيلَ لابْنِ عُمَرَ: مَا مَثْنَى مَثْنَى؟ قَالَ: أَنْ تُسَلِّمَ فِي كُلِّ رَكْعَتَّيْنِ.
١٧٦١ - (١٦٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى،
عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (١)؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ:
(أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُضْبِحُوا)) .
١٧٦٢ - (١٦١) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ
يَحْيَى. قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو نَصْرَةَ الْعَوَقِيُّ؛ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُمْ؛ أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ وَّهِ عَنِ
الْوِتْرِ؟ فَقَالَ: ((أَوْتِرُوا قَبْلَ الصُّبْحِ)).
قوله: (بَةْ بَةْ) إلخ: بموحدة مفتوحة، وهاء ساكنة مكررة، قيل: معناه مه مه، زجر وكف،
وقال ابن السكيت: هي لتفخيم الأمر، بمعنى بخ بخ.
قوله: (أن تسلم في كل ركعتين) إلخ: تقدم ما يتعلق به قريباً، فراجعه.
قوله: (أوتروا قبل أن تصبحوا) إلخ: الأمر دليل على وجوب الوتر، وقوله: ((قبل أن
تصبحوا)» لبيان انتهاء وقته.
قوله: (أبو نضرة العوقي) إلخ: العَوَقي: بعين مهملة وواو، مفتوحتين، وقاف، منسوب
إلى العوقة، بطن من عبد القيس، وحكى صاحب المطالع: فتح الواو وإسكانها، والصواب
المشهور المعروف: الفتح، لا غير، قاله النووي.
(١) قوله: (عن أبي سعيد) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الأمر
بالوتر قبل الصبح، رقم (١٦٨٤) و(١٦٨٥) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في مبادرة
الصبح بالوتر، رقم (٤٦٨) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب من نام عن وتر أو
نسيه، رقم (١١٨٩) والدارمي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في وقت الوتر، رقم (١٥٩٦) وأحمد في
مسنده (٣: ١٣ و٣٥ و٣٧ و٧١).

٧٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٢١) - باب: من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله
١٧٦٣ - (١٦٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةً، عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ (١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ خَافَ أَنْ لا يَقُوَمَ
مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِزْ أَوَّلَهُ. وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ. فَإِنَّ صَلاةَ آخِرِ اللَّيْلِ
مَشْهُودَةً. وَذَلِكَ أَفْضَلُ».
وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: مَحْضُورَةٌ.
١٧٦٤ - (١٦٣) وحدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ،
وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ: ((أَيُّكُمْ
خَافَ أَنْ لا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَلْيُوتِزْ، ثُمَّ لْيَرْقُدْ. وَمَنْ وَثِقِ بِقِيَامٍ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ
آخِرِهِ. فَإِنَّ قِرَاءَةً آخِرِ اللَّيْلِ مَخْضُورَةٌ. وَذَلِكَ أَفْضَلُ)) .
قوله: (فليوتر أوله) إلخ: أي ليصل الوتر في أول الليل، وأمره بالإتيان عند خوف الفوت
يدل على وجوبه، وإليه ذهب أبو حنيفة، قاله القاري في المرقاة.
قوله: (ومن طمع أن يقوم) إلخ: بأن يثق بالانتباه.
قوله: (مشهودة) إلخ: وفي رواية: ((محضورة)) أي تحضرها ملائكة الرحمة. وقال الطيبي:
((أي يشهدها ملائكة الليل والنهار، ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء، فهو آخر ديوان الليل وأول ديوان
النهار)).
قوله: (وذلك أفضل) إلخ: أي الإيتار في آخر الليل أفضل. قال القاري: ((فثوابه أكمل،
لحضور ملائكة الرحمة والبركة والاستغفار، ولوقوعه في أفضل أوقات الليل من الأسحار،
ومشاركته مع القائمين الأبرار» اهـ.
قال النووي: ((فيه دليل صريح على أن تأخير الوتر إلى آخر الليل أفضل لمن وثق
بالاستيقاظ آخر الليل، وأن من لا يثق بذلك فالتقديم له أفضل، وهذا هو الصواب، ويحمل
باقي الأحاديث المطلقة على هذا التفصيل الصحيح الصريح، فمن ذلك حديث: ((أوصاني خليلي
أن لا أنام إلا على وتر)) وهو محمول على من لا يثق بالاستيقاظ)).
(١) قوله: (عن جابر) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية النوم قبل
الوتر، تحت رقم (٤٥٥) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الوتر آخر الليل،
رقم (١١٨٧) وأحمد في مسنده (٣: ٣٠٠ و٣١٥ و٣٣٧ و٣٤٨).

٧٥
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
(٢٢) - باب: أفضل الصلاة طول القنوت
١٧٦٥ - (١٦٤) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِم. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ.
أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ (١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: «أَفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ الْقُنُوتِ)).
١٧٦٦ - (١٦٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالا: حَذَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةَ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: أَيُّ
الصَّلاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((طُولُ الْقُنُوتِ)) .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ.
(٢٣) - باب: في الليل ساعة مستجاب فيها الدعاء
١٧٦٧ - (٦٦) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي
قوله: (طول القنوت) إلخ: القنوت مشترك بين: الصلاة، والقيام، والخشوع، والعبادة،
والسكوت، والدعاء، والطاعة، والمعاني كلها متداخلة وحاصلة في الصلاة، والمراد بالحديث
طول القيام.
قال النووي: باتفاق من العلماء. اهـ.
وقد روى أبو داود من حديث عبد الله بن حبش الخثعمي: ((أن النبي وَلّ سئل: أيُّ الصلاة
أفضل؟ فقال: طول القيام)) وهذا يفسر طول القنوت في حديث الباب.
واستدل به من قال: إن الأفضل في صلاة التطوع طول القيام، وبه من قال الجمهور من
التابعين وغيرهم، ومنهم: مسروق، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وأبو حنيفة، وممن
قال به أبو يوسف، والشافعي في قول، وأحمد في رواية، وقال أشهب: هو أحب إلي لكثرة
القراءة، وحديث الباب نص في المسألة، وذهب كثير من الصحابة وغيرهم إلى أن كثرة الركوع
والسجود أفضل، ولمسلم من حديث ثوبان: ((أفضل الأعمال كثرة السجود)).
قال الحافظ: ((والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال» اهـ وقد
تقدمت المسألة في أبواب صفة الصلاة، أما صلاة الليل فالأكثر الأشبه فيها طول القيام، والله
أعلم.
(١) قوله: (عن جابر) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في طول القيام
الصلاة، رقم (٣٨٧) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في طول القيام
في الصلوات، رقم (١٤٢١) وأحمد في مسنده (٣: ٣٠٢ و٣١٤ و٣٩١).

٧٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ (١)؛ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً، لا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ
مُسْلِمْ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْراً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ)) .
١٧٦٨ - (١٦٧) وحدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ،
عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((إِنَّ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةً، لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ
مُسْلِمٌ يَسْأَنْ اللَّهَ خَيْراً، إِلاَ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ».
(٢٤) - باب: الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه
١٧٦٩ - (١٦٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ،
عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ. وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(٢)؛ أَنَّ
قوله: (إلا أعطاه إياه) إلخ: أي حقيقة أو حكماً، كما سيجيء.
قوله: (وذلك كل ليلة) إلخ: ((كل)) بالنصب على الظرفية، وهو خبر ذلك، أي ذلك
المذكور من ساعة الإجابة ثابت في كل ليلة، لا يتقيد بليلة مخصوصة، فينبغي تحري تلك الساعة
ما أمكن كل ليلة، كما ورد في بعض الأحاديث: ((إن لربكم في أيام دهركم نفحات إلا فتعرضوا
لها، قال الصوفية: فإن جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين)).
واحتج بهذا الحديث من يفضل الليل على النهار، لأن كل ليلة فيها ساعة إجابة موعودة،
وليس ذلك في النهار إلا يوم الجمعة، فليجتهد الرجل أن يحيى كل ليلة أو بعضها، لعله يجد
تلك الساعة .
والحكمة في إبهام ساعة الليل كساعة الجمعة وليلة القدر وصلاة الوسطى للمبالغة في
الاجتهاد، لتحصيل المراد، وعدم اليأس من الفوت، وعدم الاقتصار على العبادة في وقت دون
وقت، وتخليص القلب من العجب والغرور، وكون العبد بين الرجاء والخوف.
قوله: (عن أبي عبد الله الأغر) إلخ: بالغين المعجمة وتشديد الراء، واسمه سلمان الثقفي،
والأغر لقبه .
(١) قوله: (عن جابر) لم أجد هذا الحديث عند أحد من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم تغلُّهُ، وقد أخرجه
أحمد مسنده (٣: ٣٤٨).
(٢) قوله: (عن أبي هريرة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة في
آخر الليل، رقم (١١٤٥) وفي كتاب الدعوات، باب الدعاء نصف الليل، رقم (٦٣٢١) وفي كتاب التوحيد،
باب قول الله تعالى: ((يريدون أن يبدلوا كلام الله)) رقم (٧٤٩٤) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب
أي الليل أفضل، رقم (١٣١٥) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في نزول الرب
عز وجل إلى السماء الدنيا كل ليلة، رقم (٤٤٦) وفي كتاب الدعوات، باب بدون ترجمة (رقم ٧٩) رقم =

٧٧
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
رَسُولَ اللّهِ وَِّ قَالَ: ((يَنْزِلُ رَبُّنَا
قوله: (ينزل ربنا) إلخ: قال الحافظ: ((استدل به من أثبت الجهة، وقال: هي جهة العلو،
وأنكر ذلك الجمهور، لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز، تعالى الله عن ذلك)).
بيان معنى نزول الرب تبارك وتعالى والرد على القائلين
بالجهة والتشبيه وغيرهم من المعتزلة والخوارج
وقد اختلف في معنى النزول على أقوال:
فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقة، وهم المشبهة، تعالى الله عن قولهم. ومنهم من أنكر
صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة، وهم الخوارج والمعتزلة، وهو مكابرة، والعجب أنهم
أولوا ما في القرآن من نحو ذلك، وأنكروا ما في الحديث، إما جهلاً، وإما عناداً .
ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمناً به على طريق الإجمال، منزهاً الله تعالى عن الكيفية
والتشبيه، وهم جمهور السلف، ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة، والسفيانيين،
والحمادين، والأوزاعي، والليث، وغيرهم.
ومنهم من أوّلَه على وجه يليق مستعمل في كلام العرب.
ومنهم من أفرط في التأويل، حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف.
ومنهم من فصل بين ما يكون تأويله قريباً مستعملاً في كلام العرب، وبين ما يكون بعيداً
مهجوراً، فأول في بعض وفوض في بعض، وهو منقول عن مالك)) اهـ.
قال الباجي: ((منع في العتبية التحديث بحديث: ((اهتز العرش لموت سعد بن معاذ))،
وحديث: ((إن الله خلق آدم على صورته)) وحديث الساق، وقال: ما يدعو الإنسان إلى أن يحدّث
به وهو يرى ما فيه من التغرير، ولم ير مثله حديث: ((إن الله يضحك)»، وحديث: ((ينزل ربنا))
فأجاز التحديث بهما. قال: فيحتمل الفرق بينهما بأن حديث التّنَزّل والضحك أحاديث صحاح لم
يطعن في شيء منهما، وحديث العرش والصورة والساق لا تبلغ أحاديثها في الصحة درجة التنزل
والضحك، وبأن التأويل في حديث التنزل أقرب وأبين، والعذر بسوء التأويل فيها أبعد)) اهـ.
قال البيهقي: ((وأسلمها الإيمان بلا كيف، والسكوت عن المراد إلا أن يرد ذلك عن
الصادق فيصار إليه، ومن الدليل على ذلك اتفاقهم على أن التأويل المعين غير واجب، فحينئذٍ
التفويض أسلم)).
الحديث (٣٤٩٨) وابن ماجه في سننه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في أي ساعات الليل
=
أفضل، رقم (١٣٦٦) والدارمي في سننه. في كتاب الصلاة، باب ينزل الله إلى السماء الدنيا، رقم (١٤٨٦)
و (١٤٨٧) و(١٤٩٢) وأحمد في مسنده (٢: ٢٦٤ و٢٦٧ و٢٨٢ و٤١٩ و٤٣٣ و٤٨٧ ٥٠٤).

٧٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقال ابن العربي: ((حكى عن المبتدعة رد هذه الأحاديث، وعن السلف، إمرارها، وعن
قوم تأويلها، وبه أقول، فأما قوله: ((ينزل)) فهو راجع إلى أفعاله، لا إلى ذاته، بل ذلك عبارة عن
مَلَكه الذي ينزل بأمره ونهيه، والنزول كما يكون في الأجسام يكون في المعاني، فإن حملته في
الحديث على الحسي فتلك صفة الملك المبعوث بذلك، وإن حملته على المعنوي بمعنى أنه لم
يفعل ثم فعل فيسمى ذلك نزولاً عن مرتبة، فهي عربية صحيحة)) انتهى.
والحاصل أن تأوله بوجهين: إما بأن المعنى ينزل أمره، أو الملك بأمره، وإما بأنه استعارة
بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم، ونحوه، وقد حكى أبو بكر بن فورك أن بعض المشايخ
ضبطه بضم أوله على حذف المفعول، أي يُنْزِل ملكاً، ويقويه ما رواه النسائي، من طريق الأغر
عن أبي هريرة وأبي سعيد بلفظ ((إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل، ثم يأمر منادياً يقول: هل
من داع فيستجاب له .... )) الحديث، وفي حديث عثمان بن أبي العاص: ((ينادي مناد: هل من
داع يستجاب له .... )) الحديث.
قال القرطبي: ((وبهذا يرتفع الإشكال، ولا يعكر عليه ما في رواية رفاعة الجهني: ((ينزل
الله إلى السماء الدنيا، فيقول: لا يسأل عن عبادي غيري)) لأنه لا يلزم من إنزاله الملك أن يسأله
عن صنع العباد، بل يجوز أنه مأمور بالمناداة، ولا يسأل البتة عم بعدها فهو أعلم سبحانه بما
کان وما یکون)) اهـ.
وقال البيضاوي: ((ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز: امتنع عليه
النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه، فالمراد دُنُوُّ رحمته، أي ينتقل من
مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفة الإكرام التي تقتضي الرأفة
والرحمة)) اهـ.
وفي المرقاة: ((قال النووي في شرح مسلم: في هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات
وآياتها مذهبان مشهوران :
فمذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين: الإيمان بحقيقتها على ما يليق به تعالى، وأن
ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد، ولا نتكلم في تأويلها مع اعتقادنا تنزيه الله سبحانه عن
سائر سمات الحدوث.
والثاني: مذهب أكثر المتكلمين وجماعة من السلف، وهو محكي عن مالك، والأوزاعي،
إنما يتأول على ما يليق بها بحسب بواطنها، فعليه الخبر مؤول بتأويلين، أي المذكورين،
وبكلامه وبكلام الشيخ الرباني أبي إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم من أئمتنا
وغيرهم: يعلم أن المذهبين متفقان على صرف تلك الظواهر، كالمجيء، والصورة، والشخص،

٧٩
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
.
والرجل، والقدم، واليد، والوجه، والغضب، والرحمة، والاستواء على العرش، والكون في
السماء، وغير ذلك مما يفهم ظاهرها، لما يلزم عليه من محالات قطعية البطلان، تستلزم أشياء
يحكم بكفرها بالإجماع، فاضطر ذلك جميع الخلف والسلف إلى صرف اللفظ عن ظاهره، وإنما
اختلفوا: هل نصرفه عن ظاهره معتقدين اتصافه سبحانه بما يليق بجلاله وعظمته من غير أن نؤوله
بشيء آخر، وهو مذهب أكثر أهل السلف، وفيه تأويل إجمالي، أو مع تأويله بشيء آخر، وهو
مذهب أكثر أهل الخلف، وهو تأويل تفصيلي، ولم يريدوا بذلك مخالفة السلف الصالح - معاذ
الله أن يظن بهم ذلك - وإنما دعت الضرورة في أزمنتهم لذلك لكثرة المجسمة والجهمية وغيرهما
من فرق الضلال، واستيلائهم على عقول العامة، فقصدوا بذلك ردعهم وبطلان قولهم، ومن ثم
اعتذر كثير منهم، وقالوا: لو كنا على ما كان عليه السلف الصالح من صفاء العقائد وعدم
المبطلين في زمنهم: لم نَخُضْ في تأويل شيء من ذلك، وقد علمت أن مالكاً والأوزاعي - وهما
من كبار السلف - أولاً الحديث تأويلاً تفصيلياً، وكذلك سفيان الثوري أول الاستواء على العرش
بقصد أمره ونظيره، ثم استوى إلى السماء أي قصد إليها، ومنهم الإمام جعفر الصادق، بل قال
جمع منهم ومن الخلف: أن معتقد الجهة كافر، كما صرح به العراقي، وقال: إنه قول لأبي
حنيفة ومالك والشافعي والأشعري والباقلاني رحمهم الله وقد اتفق سائر الفرق على تأويل نحو:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [الحديد: ٤]. ﴿مَا يَكُونُ مِن تَجْوَىْ تَكَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]،
﴿فَأَتْنَمَا تُوَلُّواْ فَتَّ وَجْهُ الَّهُ﴾ [البقرة: ١١٥] ﴿وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [قَ: ١٦]، و((قلب المؤمن
بين إصبعين من أصابع الرحمن))، و((الحجر الأسود يمين الله في الأرض)) وهذا الاتفاق يبين ذلك
صحة ما اختاره المحققون أن الوقف على ((الراسخون في العلم)) لا الجلالة(١).
قلت: الجمهور على أن الوقف على ((إلا الله)) وعدوا وقفه وقفاً لازماً، وهو الظاهر، لأن
المراد بالتأويل معناه الذي أراده تعالى، وهو في الحقيقة لا يعلمه إلا الله جل جلاله، ولا إله
غيره، وكل من تكلم فيه تكلم بحسب ما ظهر له، ولم يقدر أحد أن يقول: إن هذا التأويل هو
مراد الله جزماً، ففي التحقيق: الخلاف لفظي، ولهذا اختار كثيرون من محققي المتأخرين عدم
تعيين التأويل في شيء معين من الأشياء التي تليق باللفظ، ويكلون تعيين المراد بها إلى علمه
تعالى، وهذا توسط بين المذهبين، وتلذذ بين المشربين.
واختار ابن دقيق العيد توسطاً آخر، فقال: إن كان التأويل من المجاز البين الشائع فالحق
(١) في قوله تعالى: ((هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وآخر متشبهات فأما الذي
في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم
يقولون آمنا به ... )).

٨٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ.
سلوكه من غير توقف، أو من المجاز البعيد الشاذ فالحق تركه، وإن استوى الأمران فالاختلاف
في جوازه وعدمه مسألة فقهية اجتهادية، والأمر فيها ليس بالخطر بالنسبة للفريقين. قلت:
التوقف فيها لعدم ترجيح أحد الجانبين، مع أن التوقف مؤيد بقول السلف، ومنهم الإمام الأعظم
والله أعلم.
وقال القاضي: المراد بنزوله دنو رحمته، ومزيد لطفه، على العباد، وإجابة دعوتهم،
وقبول معذرتهم، كما هو ديدن الملوك الكرماء، والسادة الرحماء، إذا نزلوا بقرب قوم ملهوفين
محتاجين مستضعفين، وقد روى ((يهبط من السماء العليا إلى السماء الدنيا)) أي ينتقل من مقتضى
صفات الجلال التي تقتضي: الأنفة من الأرذال، وعدم المبالاة، وقهر العداة، والانتقام من
العصاة، إلى مقتضى صفات الجمال المقتضية للرأفة والرحمة، وقبول المعذرة، والتلطف
بالمحتاج، واستقراض الحوائج، والمساهلة والتخفيف في الأوامر والنواهي، والإغضاء عما
يبدو من المعاصي، ولهذا قيل: هذا تجلِّ صوري لا نزول حقيقي، فارتفع الإشكال، والله أعلم
بالحال)) اهـ.
وللحافظ ابن تيمية كَثُ كتاب مؤلف، شرح فيه حديث النزول، وقد طبع.
قوله: (تبارك) إلخ: أي كثر ورحمته وآثار جماله.
قوله: (وتعالى) إلخ: أي عن صفات المخلوقين من الطلوع والنزول، وارتفع عن سمات
الحدوث بكبريائه وعظمته وجلاله، قيل: إنهما جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه، للتنبيه على
التنزيه، لئلا يتوهم أن المراد بالإسناد ما هو حقيقته.
قوله: (حين يبقى ثلث الليل الآخر) إلخ: برفع الآخر، لأنه صفة الثلث، ولم تختلف
الروايات عن الزهري في تعيين الوقت، واختلف الروايات عن أبي هريرة وغيره، قال الترمذي:
رواية أبي هريرة أصح الروايات في ذلك، ويقوى ذلك أن الروايات المخالفة له اختلف فيها على
رواتها .
وسلك بعضهم طريق الجمع. وذلك أن الروايات انحصرت في ستة أشياء: أولها: هذه،
ثانيها: إذا مضى الثلث الأول، ثالثها: الثلث الأول أو النصف، رابعها: النصف، خامسها :
النصف أو الثلث الأخير، سادسها: الإطلاق، فأما الروايات المطلقة فهي محمولة على المقيدة،
وأما التي بـ((أو)) فإن كانت أو للشك فالمجزوم به مقدم على المشكوك فيه، وإن كانت للتردد بين
حالين فيجمع بذلك بين الرويات بأن ذلك يقع بحسب اختلاف الأحوال لكون أوقات الليل
تختلف في الزمان وفي الآفاق باختلاف تقدم دخول الليل عند قوم وتأخره عند قوم.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون النزول يقع في الثلث الأول، والقول في النصف، وفي
الثلث الثاني.