Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ كتاب: صلاة المسافرين وقصرها حنيفة كثُّ لم ينفرد بالقول بوجوبه، كما ادعاه البعض، فهذا القاضي أبو بكر بن العربي ذكر عن سحنون، وأصبغ بن الفرج: وجوبه، یریدان به الفرض. وحكى ابن حزم: ((أن مالكاً تَغْتُ قال: من تركه أدّب، وكانت جرحة في شهادته)) اهـ. وقال ابن قدامة في المغنى: ((قال أحمد: من ترك الوتر عمداً فهو رجل سوء، ولا ينبغي أن تقبل له شهادته، ومع ذلك قال: ليس هو بمنزلة المكتوبة)) اهـ. قال الشافعي كثّثُ في الأم: ((ولا أرخص لمسلم في ترك واحد منهما (أي الوتر وركعتي الفجر) وإن لم أوجبهما عليه، ومن ترك صلاة واحدة منهما كان أسوأ حالاً ممن ترك جميع النوافل في الليل والنهار)) اهـ. والظاهر أن أقوالهم لا تخالف قول أبي حنيفة تقفُ إلا في التسمية بالواجب، والواجب عنده أيضاً فوق السنن المؤكدة، وتحت الفرائض المكتوبة. وفي المصنف، عن مجاهد بسند صحيح: ((هو واجب ولم يكتب)) (أي ليس من الخمس المكتوبة). وعن عمر له بسند صحيح: ((ما أحب أني تركت الوتر وأن لي حمر النعم)). وحكى ابن بطال وجوبه عن أهل القرآن، عن ابن مسعود، وحذيفة، وإبراهيم النخعي، وعن يوسف بن خالد السمتي شيخ الشافعي وجوبه، وحكاه ابن أبي شيبة أيضاً عن سعيد بن المسيب، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، والضحاك، كما في عمدة القارىء. وفي منحة الخالق ناقلاً عن شرح المنية: ((واختار الشيخ علم الدين السخاوي المقري أنه فرض، وعمل فيه جزء، وساق الأحاديث الدالة على فرضيته، ثم قال: فلا يرتاب ذو فهم بعد هذا أنها ألحقت بالصلوات الخمس في المحافظة عليها)) اهـ. والأدلة على الوجوب كثيرة، منها: ما ذكرنا عن قريب. ومنها: أنه عليه الصلاة والسلام لم يثبت منه ترك الوتر سفراً ولا حضراً، ولا من الصحابة ولا التابعين ﴿، وعدم تركه وقيل مع الأمر به كاف لإثبات الوجوب. وقال الشيخ ابن الهمام: الأولى التمسك فيه بما في أبي داود عن أبي المنيب عبيد الله العتكي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَله: ((الوتر حق، فمن لم يوتر فليس مني، الوتر حق، فمن لم يوتر فليس مني، الوتر حق، فمن لم يوتر فليس مني)) ورواه الحاكم، وصححه، وقال: أبو المنيب ثقة، ووثقه ابن معين أيضاً، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: صالح الحديث، وأنكر على البخاري إدخاله في الضعفاء، وتكلم فيه النسائي وابن حبان. (ونقل في التهذيب عن النسائي توثيقه أيضاً، وعن عباس بن مصعب أنه ثقة، وعن أبي داود: ليس به بأس) وقال ابن عدي: لا بأس به، فالحدیث حسن. ٤٢ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَنْبِئِنِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ. فإن قيل: الأمر قد يكون للندب، و((الحق)) معناه: الثابت، لغة، ويجب الحمل عليه دفعاً للمعارضة بين الأحاديث التي ذكرتموه، وبين ما أخرج الشيخان عن ابن عمر رضيها: ((أنه وَ لّ كان يوتر على البعير)) وما أخرجاه أيضاً: أنه و له بعث معاذاً إلى اليمن، وقال له فيما قال: «فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة)) قال ابن حبان: وكان بعثه قبل وفاته وَاهـ بأيام يسيرة، وفي الموطأ مالك: ((أنه وَ ﴿ توفي قبل أن يقدم معاذ من اليمن)) وما أخرجه ابن حبان: ((أنه وَسير قام بهم في رمضان، فصلى ثمان ركعات، وأوتر، ثم انتظروه من القابلة، فلم يخرج إليهم، فسألوه، فقال: خشيت أن تكتب عليكم الوتر)) هذه أحسن ما يعارض لهم به، ولهم غيرها مما لم يسلم من ضعف أو عدم تمام دلالة. فالجواب عن الأول: أنه واقعة حال لا عموم لها، فيجوز ذلك كان لعذر، والاتفاق على أن الفرض يصلي على الدابة لعذر الطين والمطر ونحوه، أو كان قبل وجوبه، لأن وجوبه لم يقارن وجوب الخمس، بل متأخر، وقد روى أنه # كان ينزل للوتر، روى الطحاوي عن حنظلة بن أبي سفيان، عن نافع، عن ابن عمر ته: «أنه كان يصلي على راحلته، ويوتر بالأرض، ويزعم أن النبي * فعل ذلك)) فدل أن وتره ذلك كان إما حالة عدم وجوبه، أو للعذر. وعن الثاني: أنه لم يجوز أن يكون الوجوب كان بعد سفره. وعن الثالث: كالأول في أنه يجوز كونه قبل وجوبه، أو المراد المجموع من صلاة الليل المختتمة بوتر، ونحن نقول بعدم وجوبه، وذلك أنهم كانوا يطلقون على صلاة الليل كذلك ذلك، لأن المجموع حينئذٍ فرد، وذلك وتر لا شفع، وسيأتي في باب النوافل ما يصرح بذلك للمتأمل، بل هذه الإرادة ظاهرة من نفس الحديث المورد، فإنه صلى بهم ثمان ركعات وأوتر، ثم تأخر القابلة يعني عما فعله في السابقة البتة، وعلل تأخره عن ذلك بخشية أن يكتب الوتر، فكان المراد بالوتر ظاهراً الصلاة التي فعلت مختتمة بالوتر، ويدل على ذلك ما صرح به في رواية البجلي بهذا الحديث من قوله: ((خشية أن تكتب عليكم صلاة الليل)). وكيف يحمل لفظ ((الحق)) على معناه اللغوي - أي ثابت - هو محفوف بما يؤكد مقتضاه من الوجوب، وهو قوله ◌َّير: ((فمن لم يوتر فليس مني)) مؤكداً بالتكرار ثلاثاً (مع مواظبته وال والصحابة والتابعين) كذا في فتح القدير، وقد مر بعض ما يتعلق بوجوه المعارضة قريباً، فراجعه . قوله: (وتر رسول الله وَ*) إلخ: أي عن وقته، وكيفيته، وعدد ركعاته، وفيه دلالة على الفرق بين صلاة الليل والوتر. ٤٣ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها قال الشيخ الأنور: وأما الوتر فقد صار صلاة برأسها، لا لمحض إيتار صلاة الليل، فعند مسلم عن جابر قال: سمعت النبي ◌َّيقول: ((أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر، ثم ليرقد، ومن وثق بقيام من الليل فليوتر من آخره، فإن قراءة آخر الليل محضورة، وذلك أفضل)) اهـ. وعنده عن أبي هريرة قال: ((أوصاني خليلي بثلاث: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد) اهـ. وعنده عن أبي الدرداء مثله، قال: ((أوصاني حبيبي بثلاث لم أدعهم ما عشت: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنام حتى أوتر)). وقد أخرج البخاري أيضاً الأول من باب صلاة الضحى. وعند أبي داود عن أبي قتادة: ((أن النبي وَلير قال لأبي بكر: متى توتر؟ أوتر من أول الليل، وقال لعمر: متى توتر؟ قال: آخر الليل، فقال لأبي بكر: أخذ هذا بالحذر، وقال لعمر: أخذ هذا بالقوة)). وعند الطحاوي عن جابر بن عبد الله نحوه، وعن سعيد بن المسيب أيضاً نحوه. وعند مالك عنه قال: ((كان أبو بكر الصديق ظبه إذا أراد أن يأتي فراشه أوتر، وكان عمر بن الخطاب رُه يوتر آخر الليل، قال سعيد بن المسيب: فأما أنا فإذا جئت فراشي أوترت)). قال الزرقاني: ((وأوصى عليه السلام أبا الدرداء، وأبا ذر، وأبا هريرة أن لا ينام أحدهم إلا على وتر)) اهـ. وقد أخرج النسائي حديث أبي ذر من الصيام. وعند مسلم عن عائشة قالت: ((كان رسول الله وَله يصلي من الليل، فإذا أوتر قال: فأوتري یا عائشة)) . وعند البخاري عنها قالت: ((كان النبي ◌ّير وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني، فأوترت)). كل هذا التذاكر والتساؤل عن أمر الوتر، لأنه قد صار صلاة برأسها، ولم يبق لمحض صلاة الليل، حتى يذهب بها، ويكون كما قيل: وكان ذهابهن له ذهاباً يسر المرء ما ذهب الليالي وعند أبي داود عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَالر: ((من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكره)) قال العراقي: سنده صحيح. وعند الحاكم عنه بلفظ: ((من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكره)) وصححه، ووافقه الذهبي. وأخرجه الدارقطني أيضاً. ٤٤ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ. فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فقد ثبت قضاؤه وسقط إنكار محمد بن نصر إياه في قيام الليل، وهذا أيضاً لصيرورته صلاة مستقلة، وكذا مناظرتهم في وجوبه، وقد جاء عن جماعة، كل ذلك لذلك، بل نحو قول عبادة: («كذب أبو محمد» أي حيث يقول: إن الوتر واجب أيضاً عليه، فإنه كما قيل في المثل: إن في مِضّ لمطمعا (١). وليعلم أن في الوتر جهات: أحدها: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً. ثانيها: توتر له ما قد صلى. ثالثها: كونه صلاة مستقلة، فإذا أخر الليل اجتمعت الجهات، ولم يتميز، وهو منشأ الاشتباه على بعض، وإذا نقل إلى أول الليل تميز من غيره، ومع هذا ينبغي أن يقدم عليه شفعاً، وهو حديث ثوبان كما سبق، وعذر السفر فيه، وعذر مذاكرة العلم، والحديث لأبي هريرة في وصيته وَي له: أن لا ينام إلا على وتر: متقارب فكان يصلي بعد العشاء خمس ركعات، ثم ينام، كما أخرجه الطحاوي من رواية مالك تَّتُهُ . قوله: (كنا نعد له) إلخ: بضم النون وكسر العين المشددة(٢)، أي نهيىء فيه: استحباب ذلك، والتأهب بأسباب العبادة قبل وقتها، والاعتناء بها. وقولها: ((فيتسوّك وستوضأ)) فيه استحباب السواك عند القيام من النوم. قوله: (وطهوره) إلخ: بالفتح الماء الذي يتطهر به . قوله: (فيبعثه الله) إلخ: أي يوقظه من النوم. قوله: (ما شاء أن يبعثه) إلخ: أي في الوقت المقدر الذي شاء بعثه فيه. قال الطيبي كنُّ: ((إن قلت: تقرر عند علماء المعاني أن مفعول ((شاء)) و((أراد)) لا يذكر في الكلام الفصيح إلا أن تكون فيه غرابة، نحوه قوله: ((ولو شئت أن أبكي دماً لبكيته)) وقوله تعالى: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لََّصْطَفَى﴾ [الزمر: ٤] فأين الغرابة في قوله: ((ما شاء أن يبعثه))؟ قلت: كفى بلفظ البعث شاهداً على الغرابة، كأنه تعالى نبه حبيبه لقضاء نهمته من مناغاة (١) قوله: (إن في مضّ لمطعما) أصل ذلك أن يسأل الرجل الرجلَ الحاجة فيعوّجَ شفته، فكأنه يُطعمه فيها. وكلمة ((مض)) بمعنى ((لا)) وليست بجواب لقضاء حاجة ولا ردّ لها، ولهذا قيل: إن فيه لمطعما، قال الراجز: ر حركت لي رأسَها بالنَّغْضِ سألت هل وصلٌ فقالت: مضَّـ وهذا المثل يضرب عند الشك في نيل شيء. (انظر لسان العرب ٧: ٢٣٣ ومجمع الأمثال للميداني ١: ٥١، رقم ٢٠٣). (٢) العين ليست مشددة، بل المشددة هي الدال بعدها. ٤٥ كتاب: صلاة المسافرين وقصرها فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ. لا يَجْلِسُ فِيهَا إِلا فِي الثَّامِنَةِ. فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ. ثُمَّ يَنْهَضُ وَلا يُسَلِّمُ. ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّ التَّاسِعَةَ. ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ. ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيماً يُسْمِعُنَا . ومناجاة بينهما، ومن مكاشفات وأحوال، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى جَ مَا كَذَبَ اَلْفُؤَادُ مَا رَأَ ﴾﴾ [النجم: ١٠، ١١] فأي غرابة أغرب من هذا؟! قوله: (من الليل) إلخ: قال القارىء: ((الأظهر أن ((من)) تبعيضية، أي من ساعات الليل وأوقاته)). قوله: (لا يجلس فيها إلا في الثامنة) إلخ: ظاهره نفي الجلوس مطلقاً فيما قبل الثامنة، وهذا ينافي قوله وَيقول: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) وغيره من الأحاديث التي ذكرناها سابقاً في شرح قوله: ((لا يجلس في شيء إلا في آخرها)). وظني أن الجلوس المنفي عما فقبل الثامنة إنما هو القعود الذي يقع في خلال الصلوات، دون الفراغ، وقد ثبت في أحاديث عائشة صلاته وليه بالليل ركعتين ركعتين، بحيث كان يسلم في كل شفع، فالمراد أن القعدة من غير تسليم لو تقع إلا في الثامنة، وهي الركعة الثانية من ثلاثية الوتر، ووقع عند أبي داود: ((لا يجلس إلا في الثامنة، ثم يقوم، فيصلي ركعة أخرى، لا يجلس إلا في الثامنة والتاسعة، ولا يسلم إلا في التاسعة)) أي لا يجلس جلوساً متوالياً في ركعتين إلا في الثامنة والتاسعة، فيجلس فيها متوالياً، ولكن لا يسلم إلا في التاسعة فقط. قوله: (فيذكر الله وبحمده ويدعوه) إلخ: أي يتشهد، فالحمد إذن لمطلق الثناء، إذ ليس في التحيات لفظ الحمد، أو المراد: يذكر الله وبحمده ويدعو بعد التشهد. قوله: (ثم ينهض) إلخ: أي من الثامنة، ولا يسلم منها . قوله: (تسليماً يسمعنا) إلخ: من الإسماع، أي يرفع صوته بالتسليم بحيث نسمعه. قال الشيخ الأنور أطال الله بقاءه وعافاه: ((إن هذا الحديث قد أخرجه محمد بن الحسن في موطاه، وابن أبي شيبة، والنسائي، والطحاوي، ومحمد بن نصر، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي في السنن، وكذا في المعرفة، بعين هذا الإسناد، عن سعيد، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة، أن عائشة حدثته: ((أن رسول الله ﴿ كان لا يسلم في ركعتي الوتر)) وفي لفظ عندهم: ((كان لا يسلم في الركعتين الأوليين من الوتر)) وفي لفظ عند الحاكم: ((كان يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن)) وقد تقدم الكلام على هذه الروايات قريباً. وإذا علمت هذا فقد فصل هؤلاء أمر الوتر في حديث سعد بن هشام، وإنه ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن، وإنه بقعدتين، لأن الثانية في هذه الألفاظ هي الثامنة في لفظ الآخرين، والآخرة ههنا هي التاسعة هناك، وكان الأمر في السادسة والسابعة، وكل الألفاظ متقاربة متصادقة، بنيت ٤٦ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم على اعتبارات متناسبة في العبارات، والسادسة والسابعة أو الثامنة والتاسعة هي في الأصل ثانية الوتر وثالثتها، ولا بد لوحدة الحدیث، ولا بد. ثم لك في التوجيه وجوه: إما أن تقول: لا نحتاج إلى توجيه أصلاً، لأنه حديث واحد لم يذكر فيه بعضهم ما ذكره الآخر، فلا نحتاج إلى تأويل لحمل لفظ أحدهم على تمام لفظ الآخر، بل هو زائد وناقص، فنلتقط الزيادات، ويتلخص، ويخلص من البين أن الوتر ثلاث، والباقي صلاة الليل، فأجمل في العد، ثم لما أتى على ذكر صفة الوتر ذكرها وترك ذكر الفصل في صلاة الليل، لأنه لم يكن من قصده، أو أحاله على المعهود في صلوات متغايرة. وإما أن توجه بأن يصدق ما ذكره هذا على ما ذكره الآخر، فإذن أحسن التوجيهات ما تأخذه من اللفظ، فقيّد قوله: ((لا يجلس فيها إلا في الثامنة)) اهـ. بأن المراد قعدة بهذه الصفة المذكورة، بأن لا يسلم عليها، وتكون قعدة بعدها قعدة الوتر إلى آخر الصفة المذكورة، وما اعتبر فيها، فلم تكن قبل ذلك قعدة بهذه الصفة، وإن كانت في الواقع لا على هذه الصفة، فكان من قصده ذكر قعدة الإيتار أو قعدة للإيتار، وهو الذي كان في صدر الكلام، وكان السؤال عنه، وجاءت صلاة الليل لكونها في السلسلة. وكذا قوله: ((لا يقعد إلا في آخرهن)) أي قعوداً للوتر، ليطابق ما فصل في الألفاظ الآخر من القعود على الثامنة والتاسعة، أو السادسة والسابعة، وهي ثانية الوتر وثالثتها. وأيضاً فقد دلت بقولها: ((لم يقعد إلا في الثامنة)) إلخ أن قعود الوتر، أو نقول: قعود للوتر لا يكون إلا في الآخر، وهذا يعده الناظر تافهاً لا قيمة له، وليس كذلك، بل هو المحط للكلام، أي تأخيره من بين الصلاة إلى آخرها هو الذي أفادته به وأرادته، فنقلته من السلسلة إلى موضعه، ولم تذكر ما سواه، لأنها لم تسأل عنه، ونصباً للكلام وصباً على أمر الآخرية، فأتقنه جداً. وفي المسند (٦: ٣٥٣) عن الأسود عنها، قالت: ((كان رسول الله وَلو يصلي من الليل حتى يكون آخر صلاته الوتر)) اهـ. وهو عند أبي داود أيضاً، وإذن فإن الغرض في نفي القعود أو نفي السلام هو بلحاظ حصة الوتر فقط من بين الجملة، ولا ضير في إرجاع الضمائر إلى الجملة، والقصد هو حصة الوتر)) اهـ. قال العيني في عمدة القارىء: ((اعلم أن عائشة فيّا أطلقت على جميع صلاته وَّ في الليل، التي كان فيها الوتر وتراً، فجملتها إحدى عشرة ركعة، وهذا كان قبل أن يبدن ويأخذ اللحم، فلما بدون وأخذ اللحم: أوتر بسبع ركعات، وههنا أيضاً أطلقت على الجميع وتراً، والوتر منها ثلاث ركعات، أربع قبله من النفل، وبعده ركعتان، فالجميع تسع ركعات. فإن قلت: قد صرحت في الصورة الأولى بقولها: ((لا يجلس إلا في الثامنة ولا يسلم إلا ٤٧ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها ثُمَّ يُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ. فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةٌ، يَا بُنَّيَّ. فَلَمَّا سَنَّ نَبِيُّ اللّهِ وَهِ، وَأَخَذَهُ اللَّحْمَ، أَوْتَرَ بِسَبْعٍ. وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الأَوَّلِ. فَتِلْكَ تِسْعٌ، يَا بُنَّيَّ. وَكَانَ نَبِيُّ اللّهِ بَّهِ إِذَا صَلَّى صَلاةٌ أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا . في التاسعة)) وصرحت في الصورة الثانية بقولها: ((لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة)). قلت: هذا اقتصار منها على جلوس الوتر وسلامه، لأن السائل إنما سأل عن حقيقة الوتر، ولم يسأل عن غيره، فأجابت مبينة بما في الوتر من الجلوس على الثانية بدون سلام، والجلوس أيضاً على الثالثة بسلام، وهذا عين مذهب أبي حنيفة، وسكتت عن جلوس الركعات التي قبلها، وعن السلام فيها، كما أن السؤال لم يقع عنها، فجوابها قد طابق سؤال السائل، غير أنها أطلقت على الجميع وتراً في الصورتين، لكون الوتر فيها)) اهـ. قال الشيخ الأنور: ((إن بعضهم جرى على ما فهمه من الحديث القولي: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) كابن عمر ﴿ّ فكان يفصل، ولعله لم ير فعله وَلتر كما رأته عائشة، ورآه ابن عباس، فقال في حديث سعد بن هشام كما عند مسلم والنسائي: ((صدقت)) وهي قد صرحت في ذلك الحديث بنفي السلام، وأن الوتر ثلاث، فصدقها فيه كله، لأنه وافق ما كان رآه ليلة مبيته. وعند أبي داود: ((فقال: هذا والله هو الحديث)) كل ذلك يدل على أن عنده سابقة علم بحقيقة الأمر، وأنه كان قد وقع فيه اشتباه للبعض إذ ذاك، ودل هذا ثانياً أن في حديثه ليلة المبيت أمر الوتر كان كذلك. قوله: (بعد ما يسلم هو قاعد) إلخ: قد سبق شرحه قريباً. قوله: (فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني) إلخ: خطاب عن عائشة رضيّا لسعد. قوله: (فلما أسن نبي الله) إلخ: هكذا هو في معظم الأصول: ((سن)) وفي بعضها: ((أسن)) وهذا هو المشهور في اللغة، أي: گبِر. قوله: (وأخذه اللحم) إلخ: أي غلب عليه حتى سمن، فضعفت حركته وقدرته على القيام، قاله الزرقاني في شرح المواهب. وقال ابن حجر: ((إنما كان في آخر حياته قبل موته بنحو سنة)) كذا في المرقاة. قوله: (وصنع في الركعتين مثل صنيعه) إلخ: يعني صلاهما قاعداً، كما كان يصنع قبل أن یسن . قوله: (إذا صلى صلاة أحب) إلخ: قال القارىء: وكذا كل عبادة. قوله: (أحب أن يداوم عليها) إلخ: وإنما كان يتركها أحياناً بعذر، أو لبيان الجواز، وكأن ٤٨ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ، أَوْ وَجَعُ، عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً. وَلا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ وَ لِهِ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ . هذا الكلام منها ينا توطئة وتمهيد لما يأتي من قوله: ((وكان إذا غلبه نوم أو وجع ... )) إلخ يعني هذا أيضاً من آثار استحبابه الدوام والمواظبة، والله أعلم. قوله: (غلبه نوم أو وجع) إلخ: أي منعه مرض أو ألم. قوله: (صلى من النهار) إلخ: أي في أوله ما بين طلوع الشمس إلى الزوال، قال الله عز وجل: ﴿جَعَلَ اُلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ﴾ [الفرقان: ٦٢]. قوله: (ثنتي عشرة ركعة) إلخ: فيه استحباب المحافظة على الأوراد، وأنها إذا فاتت تقضي، وتقدم أن الأرجح الرفق في العبادة، لأنه الذي في مظنة الدوام. قاله الأبي كثّتُهُ . وقال الشيخ الأنور: ((كان النبي ◌َّو لا يدع الوتر لا في السفر ولا في المرض، وإذا صلى الوتر في الليل ثلاثاً كان على هذا أن يكون قضاء صلاة الليل عشراً، لأن أكثر صلاته بالليل في الأكثر ثلاث عشرة، فقد يخال - والله أعلم - أن الشفع الموصول بالوتر له جهتان: صلاة ليل، وجزء من الوتر، فإذا قضى في وقته مع سائر صلاة الليل فذاك، ولم تظهر جهتان، وإذا فاتت صلاة الليل انفرزت الجهتان، وأثرت كل، وهكذا يكون الأمر في الحكم المجردة والمصالح المرسلة، لا تظهر في محل العمل، وتظهر في محل غيره، ككون الصلاة ذكراً في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [ظَه: ١٤] ظهر في محل التشبه بالمصلين وفي شدة الخوف، كما مر، ولا يخفى هذا على من له غور في أصول الفقه وكما كان الحجازيون يقولون بالقول كثيراً: إن الشفع للوتر لازم، ومع هذا فقد خرجت الواحدة عند الأعذار كالمرض والسفر، وظهرت عندهم، وكما أن كون الفريضة مثنى قبل الهجرة ظهر الآن في حالة السفر، والله أعلم. وهكذا حكم الجهات المتعددة في الشيء تظهر في محل لا في محل. وفي منتخب كنز العمال عن علي، قال: ((كان النبي ◌َّ ه يصلي من الليل التطوع ثمان ركعات، وبالنهار ثنتي عشرة ركعة)) (ع، ض(١)) وهو يروي: ((كان يوتر بثلاث)) أخرجه أحمد، والترمذي والطحاوي، وهو إذا روى تطوع الليل ثماني فلم تبق من أحد عشر إلا ثلاث الوتر، ولم يحسب الركعتان بعد الوتر جالساً، والله أعلم)). قوله: (ولا أعلم نبي الله) إلخ: قال القرطبي كثُّهُ: ((من باب نفي الشيء بنفي لازمه، دل الكلام على أنها كانت مترقبة أحوال رسول الله # ليلها ونهارها، وحضورها وغيبتها، أي لم يكن الفعل المذكور، إذ لو كان لعلمته)). (١) (ع)) رمز لأبي يعلى في مسنده، و((ض)) رمز للضياء المقدسي في المختارة. ٤٩ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها وَلا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ. وَلا صَامَ شَهْراً كَامِلاً غَيْرَ رَمَضَانَ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِها. فَقَالَ: صَدَقَتْ. لَوْ كُنْتُ أَقْرَبُهَا أَوْ أَدْخُلُ عَلَيْهَا لِأَتَيْتُهَا حَتَّى تُشَافِهَنِي بِهِ. قَالَ: قُلْتُ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ لا تَدْخُلُ عَلَيْهَا مَا حَدَّثْتُكَ حَدِيثَهَا . ١٧٣٧ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَة بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ؛ أَنَّهَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ. ثُمَّ انْطَلقَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَبِيعَ عَقَارَهُ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ. ١٧٣٨ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: انْظَلَقْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. فَسَأَلْتُّهُ عَنِ الْوِتْرِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بَقِصَّتِهِ، وَقَالَ فِيهِ: قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قُلْتُ: ابْنُ عَامِرٍ. قَالَتْ: نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ عَامِرٌ، أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ. ١٧٣٩ - (٠٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامٍ كَانَ جَاراً لَهُ قال ابن حجر: ((وذلك لا يحسن إلا ممن أحاط علمه بذلك الشيء، وتمكن منه تمكناً تاماً، ومن ثم أطرد ذلك في حقه تعالى، قال عز من قائل: ﴿أَتْنَبِئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِي الْأَرْضِّ﴾ [يونس: ١٨] أي لم يوجد، وإلا لتعلق علم الله به)). قوله: (ولا صلى ليلة إلا الصبح) إلخ: هذا بظاهره يخالف ما روى النسائي عن أبي ذر قال: ((قام رسول الله وَّر حتى أصبح بآية، والآية: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ ﴾ [المائدة: ١١٨])) وفي حديث عائشة عند الترمذي: ((قام النبي وَلتر بآية من القرآن اَلْعَرِزُ لْحَكِيمُ ليلة)) قال ابن حجر في شرح الشمائل: ((وقول ابن الملك (في حديث أبي ذر: ((حتى أصبح))): ((أي الليل كله)) فيه نظر، إذ المشهور عنه عليه الصلاة والسلام أنه ما سهر ليلة كلها قط، والحديث هذا لا دلالة عليه، إذ مبدأ قراءته يمكن أن يكون بعد قيامه من نومه منتهياً إلى الصبح، كذا في المرقاة. قوله: (حتى تشافهني به) إلخ: أي بهذا الحديث الشريف، يعني: لو لا ما بيني وبينها لأتيته(١)، ولأخذته عنها مشافهة. قوله: (لو علمت أنك لا تدخل عليها) إلخ: قال عياض كثُّ: ((هو على طريق العتب له في ترك الدخول عليها، ومكافأته على ذلك بأن يحرمه الفائدة، حتى يضطر إلى الدخول عليها)). (١) قوله: (لأتيته) ولعل الصواب ((لأتيتها)) والله أعلم. ٥٠ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ سَعِيدٍ. وَفِيهِ، قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قَالَ: ابْنُ عَامِرٍ. قَالَتْ: نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ أُصِيبَ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ، يَوْمَ أُحُدٍ. وَفِيهِ: فَقَالَ حَكِيمُ بْنُ أَفْلَحَ: أَمَا إِنِّي لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ لا تَدْخُلُ عَلَيْهَا مَا أَنْبَأْتُكَ بِحَدِيثِهَا . ١٧٤٠ - (١٤٠) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. جَمِيعاً عَنْ أَبِي عَوَانَةً. قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلاةُ مِنَ اللَّيْلِ مِنْ وَجَع، أَوْ غَيْرِهِ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً. ١٧٤١ - (١٤١) وحدّثنا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، أَخْبَرَنَا عِيسَى، (وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ)، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: كَانَ قوله: (صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة) إلخ: استدل به بعض من أنكر مشروعية قضاء الوتر، قال: فلم يقض الوتر إذ لو قضاه لصلى ثلاث عشرة. وقال محمد بن نصر: ((لم نجد عن النبي ◌َّر في شيء من الأخبار أنه قضى الوتر أو أمر بقضاءه)) . وهذا باطل، فقد أخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَليقول: ((من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره)) وأخرجه الترمذي وزاد: ((أو إذا استيقظ)» وأخرجه الحاكم أيضاً في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين. وإسناد الطريق التي أخرجه منها أبو داود: صحيح، كما قال العراقي. وعن عائشة عند أحمد، والطبراني في الأوسط، بلفظ: ((كان رسول الله وَل يصبح فيوتر)) وإسناده حسن. أي إذا فاته من الليل. قال الشوكاني: ((الحديث (أي حديث أبي داود) يدل على مشروعية قضاء الوتر إذا فات، وقد ذهب إلى ذلك من الصحابة: علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبادة بن الصامت، وعامر بن ربيعة، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وفضالة ابن عَبِيْد، وعبد الله بن عباس. كذا قال العراقي. قال: ومن التابعين: عمرو بن شرحبيل، وعبيدة السلماني، وإبراهيم النخعي، ومحمد بن المنتشر، وأبو العالية، وحماد بن أبي سليمان، ومن الأئمة: سفيان الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو أيوب سليمان بن داود الهاشمي، وأبو خيثمة. ثم اختلف هؤلاء: إلى متى يقضي؟ على ثمانية أقوال)) اهـ. ثم فصل هذه الأقوال، وعزى كل قول منها إلى قائله. فراجعه. ٥١ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ مَرِضَ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ◌ِشَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً . قَالَتْ: وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَ ◌ّهِ قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ، وَمَا صَامَ شَهْراً مُتَتَابِعاً إِلاَّ رَمَضَانَ. ١٧٤٢ - (١٤٢) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ. قَالا: أَخْبَرَنَا أَبْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ. أَخْبَرَاهُ عَنْ عَبَدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيِّ. قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ (١) يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الظُّهْرِ، قوله: (عن السائب بن يزيد) إلخ: فيه رواية صحابي عن تابعي، وهو السائب، عن عبد الرحمن، ويدخل في رواية الكبار عن الصغار. قوله: (عن عبد الرحمن بن عبد القاري) إلخ: القاريّ: بتشديد الياء، منسوب إلى القارة، القبيلة المعروفة . قوله: (سمعت عمر بن الخطاب يقول: ((قال) إلخ: تعقبه الدارقطني بأن ابن المبارك وغيره رواه عن عمر موقوفاً. قال النووي تغذّثُ: ((قد قدمنا غير مرة أن مثل هذا الإعلال فاسد، لأن مذهب المحققين أن الحديث إذا روي مرفوعاً وموقوفاً وموصولاً ومرسلاً فالحكم للرفع والوصل، لأنها زيادة ثقة، ولو كان الرافع والواصل أقل من العدد والحفظ. قوله: (من نام عن حزبه) إلخ: بكسر الحاء المهملة، وسكون الزاي، بعدها باء موحدة: الورد، والمراد هنا الورد من القرآن، وقيل: المراد ما كان معتاده من صلاة الليل، والحديث يدل على مشروعية اتخاذ ورد في الليل، وعلى مشروعية قضائه إذا فات النوم أو عذر من الأعذار، وأن من فعله ما بين صلاة الفجر وإلى صلاة الظهر كان كمن فعله في الليل. قوله: (أو عن شيء منه) إلخ: أي بعض حزبه. (١) قوله: (عمر بن الخطاب) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب متى يقضي من نام عن حزبه من الليل، رقم (١٧٩١ - ١٧٩٣) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب من نام عن حزبه، رقم (١٣١٣) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما ذكر فيمن فاته حزبه من الليل فقضاه بالنهار، رقم (٥٨١) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة، فيها، باب ما جاء فيمن نام عن حزبه من الليل، رقم (١٣٤٣) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب إذا نام عن حزبه من الليل، رقم (١٤٨٥) وأحمد في مسنده (١: ٣٢ و٥٣). ٥٢ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ)». قوله: (كتب له كأنما قرأه من الليل) إلخ: قال عياض تخلّفُ: هذا تفضيل من الله عز وجل، وهذا يدل على نافلة الليل أفضل، إذ لم يجعل هذه الفضيلة إلا لغلبة النوم)) اهـ. وقال القاري: ((فالوجه أن يقال: في الحديث إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اُلَّيْلَ [الفرقان: ٦٢])). وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا قال القاضي: ((أي ذو خلفة، يخلف كل منهما الآخر، يقوم مقامه، فيما ينبغي أن يعمل فيه من فاته ورده في أحدهما تداركه في الآخر)) اهـ. وهو منقول عن كثير من السلف: كابن عباس، وقتادة، والحسن، وسلمان، كما ذكره السيوطي في الدر، وأخرج عن الحسن أنه قال: ((من عجز بالليل كان له في أول النهار مستعتب، ومن عجز بالنهار كان له في أول الليل مستعتب))، اهـ. فتخصيصه بما قبل الزوال - مع شمول الآية النهار بالكمال - إشارة إلى المبادرة بقضاء الفوت قبل إتيان الموت، فإن في التأخير آفات، خصوصاً في حق الطاعات والعبادات، أو لأن وقت الفضاء أولى أن يصرف إلى القضاء، أو لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، ولا منع من الجمع، لاجتماع الحكم، فإن قائله أعطى جوامع الكلم». اهـ. وفي الموطأ من حديث عائشة أن رسول الله وَ ﴾ قال: ((ما من امرىء تكون له صلاة بليل يغلبه علیه النوم إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة)). قال الزرقاني: أجر صلاته، أي: التي اعتادها وغلبه النوم أحياناً، مكافأة له على نيته. قال الباجي: وذلك يحتمل أن له أجرها غير مضاعف، ولو عملها لضوعف له أجره، إذ لا خلاف أن المصلي أكمل حالاً، ويحتمل أن يريد: له أجر نيته، وأن له أجر من تمنى أن يصلي تلك الصلاة، أو أجر تأسفه على ما فاته منها، واستظهر غيره الأول، أي أجر نيته لا سيما مع قوله: ((وكان نومه عليه صدقة)). قال الباجي: ((يعني أنه لا يستحب به، ويكتب له أجر المصلين. وقال ابن عبد البر: فيه أن المرء يجازي على ما نوى من الخير، وإن لم يعمله، كما لو عمله، فضلاً من الله تعالى، إذا لم يحبسه عنه شغل دنيا، وكان المانع من الله، وأن النية يعطى عليها كالذي يعطى على العمل إذا حيل بينه وبين ذلك العمل بنوم أو نسيان أو غير ذلك من الموانع، وقد قال يقول: ((نية المؤمن خير من عمله، ونية الفاجر شر من عمله، وكل يعمل على نيته)) ومعناه أن النية بلا عمل خير من العمل بلا نية، لأن العمل بدونها لا ينفع، والنية الحسنة تنفع بلا عمل، ويحتمل أن يريد أن نية المؤمن في الأعمال الصالحة أكثر مما يقوى عليه منها)) انتهى. ٥٣ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها (١٩) - باب: صلاة الأوّابين حين ترمض الفصال ١٧٤٣ - (١٤٣) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (وَهْوَ ابْنُ عُلَيَّةَ)، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيِّ؛ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (١) رَأَىْ قَوْماً يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى. فَقَالَ: أَمَا لَقَدْ عَلِّمُوا أَنَّ الصَّلاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ. إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَاِلـ قَالَ: ((صَلاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ)) . قوله: (يصلون من الضحى) إلخ: أي عند ارتفاع الشمس شيئاً يسيراً، وفي رواية لابن مردويه في تفسيره: ((وهم يصلون بعد ما ارتفعت الشمس)) وفي رواية للطبراني: ((أنه مر بهم وهم يصلون صلاة الضحى حين أشرقت الشمس)). قوله: (لقد علموا أن الصلاة) إلخ: أي كيف يصلون مع علمهم أن الصلاة في غير هذا الوقت أفضل. قوله: (صلاة الأوابين) إلخ: الأواب الكثير الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة والطاعة، من الأوب، وهو الرجوع. قاله الطيبي. وقيل: هو المطيع، وقيل: هو المسبح. قوله: (حين ترمض الوصال) إلخ: هو بفتح التاء والميم، يقال: رَمِضَ يَرْمَضُ، كعلم يعلم، والرمضاء: الرمل الذي اشتدت حرارته بالشمس، أي حين يحترق أخفاف الفصال - وهي الصغار من أولاد الإبل، جمع فصيل - من شدة حر الرمل، قيل لأن هذا الوقت زمان الاستراحة فإذا تركها واشتغل بالعبادة استحق الثناء الجميل والجزاء الجزيل قال ابن الملك الرمضاء شدة وقع حر الشمس على الرمل وغيره، إلى حين يجد الفصيل حر الشمس، فيبرك من حدة الشمس وإحراقها أخفافها، فذلك حين صلاة الضحى، وهي عند مضي ربع النهار، وإنما أضافها إلى الأوابين لميل النفس فيه إلى الدعة والاستراحة، فالاشتغال فيه بالصلاة أوب من مراده النفس إلى مرضاة الرب. والحاصل: أن أوله حين تطلع الشمس، وآخره قرب الاستواء، وأفضله: أوسطه، وهو ربع النهار، لئلا يخلو كل ربع من النهار عن الصلاة. كذا في المرقاة. وقال الزبيدي: ((وظاهر الحديث أنه بيان الوقت، لا الوقت المختار، فإنه لم يذكر غير ذلك» . وقال ابن العربي: ((في هذا الحديث الإشارة إلى الاقتداء بسيدنا داود ظلّا في قوله: ﴿إِنَّهُ (4)﴾ [صّ: ١٧، ١٨]) فنبه على أن صلاته كانت إذا أَوََّبُ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِلْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ (١) قوله: (زيد بن أرقم) لم أجد هذا الحديث عند أحمد من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم تثاثهُ، وقد أخرجه الدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب في صلاة الأوابين، رقم (١٤٦٥) وأحمد في مسنده (٤/ ٣٦٦). ٥٤ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ١٧٤٤ - (١٤٤) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَام بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ. قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَله عَلَى أَهْلِ قُبَاءٍ وَهُمْ يُصَلُّونَ. فَقَالَ: ((صَلَاةُ الأَوَّابِينَ إِذَا رَمِضَتِ الْفِصَالُ)) . (٢٠) - باب: صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل ١٧٤٥ - (١٤٥) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِع وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١)؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللّهِ وَهِ عَنْ صَلاةِ اللَّيْلِ﴾. أشرقت الشمس، أثر حرها في الأرض حتى تجدها النصال حارة لا تبرك عليه، بخلاف ما تصنع الغفلة اليوم، فإنهم يصلونها عند طلوع الشمس، بل يزيد الجاهلون فيصلونها وهي لم تطلع قيد رمح ولا رمحين، يعتمدون بجهلهم وقت النهى بالإجماع)) اهـ. وقد تقدم منا في باب صلاة الضحى من حديث علي ◌َّ ◌ُّه ما يدل على كونها صلاتين، فليراجع. قوله: (عن نافع وعبد الله بن دينار) إلخ: كلاهما مولى ابن عمر قوله: (أن رجلاً) إلخ: لم أقف على اسمه . قوله: (سأل رسول الله) إلخ: وقع هذا السؤال في المسجد والنبي ◌َّر على المنبر، وفي بعض الروايات: ((أن رجلاً جاء إلى النبي ◌َّ وهو يخطب)). قوله: (عن صلاة الليل) إلخ: وسيأتي في رواية عبيد الله بن عبد الله بن عمر أن السائل قال: ((كيف أوتر صلاة الليل؟ وبهذا تعين أن غرض السائل كان السؤال عن كيفية إيتار الصلاة بالليل. (١) قوله: (عن ابن عمر) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب الحِلق والجلوس في المسجد، رقم (٤٧٢) و(٤٧٣) وفي كتاب الوتر، باب ما جاء في الوتر، رقم (٩٩٠) و(٩٩٣) وباب ساعات الوتر، رقم (٩٩٥) والنسائي في سننه، في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب كيف صلاة الليل، رقم (١٦٦٧ - ١٦٧٥) وباب كم الوتر كم الوتر، رقم (١٦٩٢) وباب كيف الوتر بواحدة، رقم (١٦٩٣ - ١٦٩٦) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في صلاة النهار، رقم (١٢٩٥) وباب صلاة الليل مثنى مثنى، رقم (١٣٢٦) وباب كم الوتر، رقم (١٤٢١) والترمذي في سننه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء أن صلاة الليل مثنى مثنى، رقم (٤٣٧) وباب ما جاء أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، رقم (٥٩٧) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الليل ركعتين، رقم (١٣١٨ - ١٣٢٠) وباب ما جاء في صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، رقم (١٣٢٢) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب صلاة الليل والنهار مثنى مثنى رقم (١٤٦٦) وباب في صلاة الليل، رقم (١٤٦٧) وأحمد في مسنده (٢: ٥ و ٢٦ و٣٠ و٣٣ و٤٠ و٤٤ و٤٩ و٥١ و٦٦ و٧١ و٧٥ و٧٧ و٧٩ و٨١ و٨٣ و١٠٢ و١١٩ و١٣٣ و١٣٤ و ١٤١ و١٤٨ و١٥٤ و١٥٥). ٥٥ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَهِ: ((صَلاةُ اللَّيْلِ قوله: (فقال رسول الله وَلغة: صلاة الليل) إلخ: وروى أصحاب السنن، وأحمد، وابن خزيمة، وابن حبان، من حديث علي بن عبد الله البارقي الأزدي، عن ابن عمر رضيته: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)) بزيادة و((النهار)) قال ابن عبد البر: لم يقله أحد عن ابن عمر غير علي، وأنكروه عليه، وكان يحيى ابن معين يضعف حديثه هذا، ولا يحتج به، ويقول إن نافعاً وعبد الله بن دينار وجماعة رووه عن ابن عمر بدون ذكر النهار، وروى بسنده عن يحيى ابن معين أنه قال: ((صلاة النهار أربع لا يفصل بينهن))، فقيل له: فإن أحمد بن حنبل يقول: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، فقال: بأي حديث؟ فقيل له: بحديث الأزدي، فقال: ومن الأزدي حتى أقبل منه وأدع يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع عن ابن عمر: ((أنه كان يتطوع بالنهار أربعاً لا يفصل بينهن)»؟ لو كان حديث الأزدي صحيحاً لم يخالفه ابن عمر (يعني مع شدة أتباعه). وقال الترمذي: ((اختلف أصحاب شعبة فيه، فوقفه بعضهم ورفعه بعضهم، والصحيح ما رواه الثقات عن ابن عمر، فلم يذكروا فيه صلاة النهار)). وقال النسائي: ((هذا الحديث عندي خطأ)) وكذا قال الحاكم في علوم الحديث. وقال النسائي في الكبرى: ((إسناده جيد، إلا أن جماعة من أصحاب ابن عمر خالفوا الأزدي، فلم يذكروا فيه النهار، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم في المستدرك، وقال: رواته ثقات . وقال الدارقطني في العلل: ذكر النهار فيه وَهَم. وقال الخطابي: روى هذا الحديث طاووس، ونافع، وغيرهما عن ابن عمر، فلم يذكر أحد فيه النهار، وإنما هو ((صلاة الليل مثنى مثنى)) إلا أن سبيل الزيادة من الثقة أن تقبل. وقال البيهقي: ((هذا حديث صحيح، وعلى البارقي احتج به مسلم، والزيادة من الثقة مقبولة. وقد صححه البخاري لما سئل عنه، ثم روی ذلك بسنده إليه، قال: وروى عن محمد بن سيرين عن ابن عمر مرفوعاً بإسناد كلهم ثقات)) انتهى. وقد ساقه الحاكم في علوم الحديث من طريق نصر بن علي، عن أبيه، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين به، وقال: له علة يطول ذكرها، وله طرق وشواهد، وقد ذكر بعض ذلك الحافظ في التلخيص، وقال في الفتح: («لكن روى ابن وهب بإسناد قوي عن ابن عمر نظراته : ((قال صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)) موقوف أخرجه ابن عبد البر من طريقه، فلعل الأزدي اختلط عليه الموقوف بالمرفوع، فلا تكون هذه الزيادة صحيحة على طريقة من يشترط في الصحيح أن لا يكون شاذاً . وقد روى ابن أبي شيبة من وجه آخر عن ابن عمر رضي الله («أنه كان يصلي بالنهار أربعاً أربعاً)) وهذا موافق لما نقله ابن معين)) اهـ. ٥٦ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّنْحَ، قلت: ويشكل بأنه لما صح عنه موقوفاً: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)) فكيف خالف عمله فتواه، وهذا أبعد عندي من عمله بخلاف ما رواه، فالظاهر أن موقوفه دليل على صحة الزيادة في مرفوعه، وأما عمله فالجواب عن مخالفة الموقوف هو الجواب عن مخالفة المرفوع، وسيأتي تفسير قوله: ((مثنى مثنى)) بحيث يزيل الإشكال إن شاء الله تعالى فانتظره. واختلف الأئمة في صلاة الليل والنهار، فقال أبو يوسف، ومحمد، ومالك، والشافعي، وأحمد: إن صلاة الليل مثنى مثنى، وهو أن يسلم في آخر كل ركعتين، وأما صلاة النهار فأربع عندهما (أي أبو يوسف ومحمد رحمهما الله وعند أبي حنيفة كثَّثُ أربع في الليل والنهار، وعند الشافعي تَفُ فيهما مثنى مثنى). وقال الأثرم عن أحمد: الذي أختاره في صلاة الليل مثنى مثنى، فإن صلى بالنهار أربعاً فلا بأس. قوله: (مثنى مثنى) إلخ: اثنين اثنين. وقد فسره ابن عمر راوي الحديث بقوله: ((تسلم من كل ركعتين)) بل ورد في رواية لأحمد مرفوعاً: ((صلاة الليل مثنى مثنى، تسلم في كل ركعتين)). قال الحافظ: ((وفيه رد على من زعم من الحنفية أن معنى ((مثنى)) أن يتشهد بين كل ركعتين، لأن راوي الحديث أعلم بالمراد، وما فسره به هو المتبادر إلى الفهم، لأنه لا يقال في الرباعية مثلاً: إنها مثنى))، واستدل بهذا على تعيين الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل. قال ابن دقيق العيد: وهو ظاهر السياق لحصر المبتدأ في الخبر، وحمله الجمهور على أنه لبيان الأفضل، لما صح من فعله وَلّل بخلافه، ولم يتعين أيضاً كونه لذلك، بل يحتمل أن يكون للإرشاد إلى الأخف، إذ السلام بين كل ركعتين أخف على المصلي من الأربع فما فوقها، لما فيه من الراحة غالباً، ما يعرض من أمرهم. قال: واستدل به أيضاً على عدم النقصان عن ركعتين في النافلة ما عدا الوتر. قال ابن دقيق العيد: والاستدلال به أقوى من الاستدلال بامتناع قصر الصبح في السفر إلى ركعة، يشير بذلك إلى الطحاوي، فإنه استدل على منع التنفل بركعة بذلك، واستدل بعض الشافعية للجواز بعموم قوله ومدير: ((الصلاة خير موضوع، فمن شاء استكثر، ومن شاء استقل)) صححه ابن حبان)». قوله: (فإذا خشي أحدكم الصبح) إلخ: قال الحافظ: ((استدل به على خروج وقت الوتر بطلوع الفجر، وأصرح منه ما رواه أبو داود، والنسائي، وصححه أبو عوانة وغيره من طريق سليمان بن موسى، عن نافع، أنه حدثه، أن ابن عمر كان يقول: ((من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وتراً، فإن رسول الله وَل# كان يأمر بذلك، فإذا كان الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر)) وفي صحيح ابن خزيمة من طريق قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مرفوعاً: ((من ٥٧ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها صَلَّى رَكْمَةٌ وَاحِدَةٌ، . أدركه الصبح ولم يوتر فلا وتر له)) وهذا محمول على التعمد، أو على أنه لا يقع أداء، لما رواه أبو داود من حديث أبي سعيد أيضاً مرفوعاً: ((من نسي الوتر أو نام عنه فليصله إذا ذكره)). قوله: (صلى ركعة واحدة) إلخ: واستدل بهذا على أنه لا صلاة بعد الوتر، وقد اختلف السلف في ذلك في موضعين: أحدهما في مشروعية ركعتين بعد الوتر عن جلوس، والثاني فيمن أوتر ثم أراد أن يتنفل في الليل: هل يكتفي بوتره الأول، وليتنفل ما شاء، أو يشفع وتره بركعة، ثم يتنفل. ثم إذا فعل ذلك: هل يحتاج إلى وتر آخر أولاً. فأما الأول فقد تقدم الكلام عليه قريباً، وأما الثاني فذهب الأكثر إلى أنه يصلي شفعاً ما أراد، ولا ينقص وتره، عملاً بقوله اليه : ((لا وتران في ليلة)) وهو حديث حسن أخرجه النسائي، وابن خزيمة، وغيرهما من حديث طلق بن علي، وإنما يصح نقض الوتر عند من يقول بمشروعية التنفل بركعة واحدة غير الوتر، وقد تقدم ما فيه . أقوال العلماء في أن الوتر ركعة واحدة، أو ثلاث ركعات مع الفصل بين الركعة الثالثة والشفع الذي قبلها، أو مع الوصل، وأدلة كل وإثبات ما هو الحق عند الحنفية ببيان شاف قال الحافظ: ((واستدل بقوله بَله: ((صلى ركعة واحدة)) على أن فصل الوتر (أي عند الشفع بالسلام) أفضل من وصله». وتعقب بأنه ليس صريحاً في الفصل، فيحتمل أن يريد بقوله: ((صلى ركعة واحدة)) أي مضافة إلى ركعتين مما مضى. واحتج بعض الحنفية لما ذهب إليه من تعيين الوصل والاقتصار على ثلاث: بأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاث موصولة حسن جائز، واختلفوا فيما عداه، قال: فأخذنا بما أجمعوا عليه وتركنا ما اختلفوا فيه . وتعقبه محمد بن نصر المروزي بما رواه من طريق عراك بن مالك، عن أبي هريرة، مرفوعاً وموقوفاً: ((لا توتروا بثلاث تشبهوا بصلاة المغرب)) وقد صححه الحاكم من طريق عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، والأعرج، عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه، وإسناده على شرط الشيخين، وقد صححه ابن حبان والحاكم. ومن طريق مقسم عن ابن عباس، وعائشة، كراهية الوتر بثلاث. وأخرجه النسائي أيضاً، وعن سليمان بن يسار أنه كره الثلاث في الوتر، وقال: لا يشبه التطوع الفريضة. فهذه الآثار تقدح في الإجماع الذي نقله. ٥٨ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّىْ)). وقد سبق الجواب عن هذه التعقبات، وأوضحنا هناك مراد من نهى عن الإيتار بثلاث و کرهه، والله أعلم. أما فصل الوتر ووصله ففي صحيح البخاري عن ابن عمر: ((أنه كان يسلم بين الركعة والركعتين في الوتر، حتى يأمر ببعض حاجته)) قال الحافظ: ((وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور بإسناد صحيح، عن بكر بن عبد الله المزني قال: ((صلى ابن عمر ركعتين، ثم قال: يا غلام، ارحل لنا، ثم قام، فأوتر بركعة)) وروى الطحاوي من طريق سلام سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: ((أنه كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمه، وأخبر أن النبي ◌َّو كان يفعله)) وإسناده قوي، ولم يعتذر الطحاوي عنه إلا باحتمال أن يكون المراد بقوله: ((بتسليمة)) أي التسليمة التي في التشهد، ولا يخفى بعد هذا التأويل، والله أعلم)) اهـ. قوله: (توتر له ما قد صلى) إلخ: قال الحافظ: ((استدل به على أن الركعة الأخيرة هي الوتر، وأن كل ما تقدمها شفع، واستدل به على تعيين الشفع قبل الوتر، وهو عن المالكية بناء على أن قوله: ((ما قد صلى)) أي من النفل، وحمله من لا يشترط سبق الشفع على ما هو أعم من النفل والفرض، وقالوا: إن سبق الشفع شرط في الكمال لا في الصحة، ويؤيده حديث أبي أيوب مرفوعاً: ((الوتر حق، فمن شاء أوتر بخمس، ومن شاء بثلاث، ومن شاء بواحدة)) أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان، والحاكم، وصح عن جماعة من الصحابة أنهم أوتروا بواحدة، من غير تقدم نفل قبلها)) اهـ. كذا قالوا. قال الشيخ العلامة الأنور كثّفُ في رسالته البديعة كشف الستر عن صلاة الوتر: ((اعلم أن حقيقة الإيتار لما كانت تتقوم بواحدة في الأصل، واعتبر في الوتر أن يكون لإيتار صلاة الليل: لزم أن تأتي هناك ألفاظ وأحاديث تكشف عن هذا، وعليه حديث («صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل)) ولما لم تكن صلاة الليل لازمة لزوم الوتر، وإنما الأمر فيها إلى المصلى، والصلاة خير موضوع فمن شاء استكثر ومن شاء استقل، على ما في حديث، فلا بد أن تأتي هناك ألفاظ تكشف عن هذا، وعليه التصدير بقوله: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) فأخذ من أقل ما تكون، وكرر اللفظ، ولم يعط من عنده عدداً فيها، وجاء اللفظ بذكر الأقل ولإرسال فيما بعده كيفما تدرج المصلي فيه شفعاً فعل لا نعمل كم يدرك، فهذا باب، ثم لما أكد الأمر وكان لا بد أن يعين ما هو وتر في الأصل - وهي الواحدة - وأقل ما يوتره - وهو شفع واحد - وأن يجعل صلاة برأسها: خرج أن الوتر ثلاث، وأفرخ الأمر عنه، وجاءت ألفاظ تكشف عن هذا، وهو حديث: ((صلاة المغرب وتر صلاة النهار، فأوتروا صلاة الليل)) وهل المراد أن المغرب أوترت النهاريات، أو أنها جاءت من بينها وتراً، وختمت النهاريات بها فكفت مؤنة الإيتار؟ الظاهر من اللفظ هو المراد الثاني، ولما كان لا بد أن يرغب في صلاة الليل فإنها لا يعاد لها بعد المكتوبة ٥٩ كتاب: صلاة المسافرين وقصرها شيء، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل، وأن لا يقتصر الأمر على أقل ما يكون وتراً وموتراً: جاءت ألفاظ تكشف عنه، وهو: ((لا توتروا بثلاث تشبهوا بصلاة المغرب)) ولكن أوتروا بخمس، أو سبع، أو كثر، ولما كان اعتبار الوتر موتراً لما قد صلى مع عدم ما قبله: يوهم أنه ليس بصلاة برأسها، وإنما هو لمحض محبة الإيتار، فإذا لم تكن هناك صلاة الليل لم يكن الوتر، كما في الفتح، في جواب موجبه بأن صلاة الليل ليست بواجبة، فكذا آخرها)) اهـ. إذن كان لا بد أن يبين أنه صار صلاة برأسها مع أقل ما يوتره، فجاءت ألفاظ تكشف عن هذا، وهو ((إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم: الوتر، جعلها الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر)). قال: ثم إنه قد وقع منهم استغراب للوتر بركعة، فعند الطحاوي عن سعيد بن المسيب قال: ((شهد عندي من شيب من آل سعد بن أبي وقاص، أن سعد بن أبي وقاص كان يوتر بواحدة)) . وعنده عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: ((أمّنا سعد بن أبي وقاص في صلاة العشاء الآخرة، فلما انصرف تنحى في ناحية المسجد، فأتبعته، فأخذت بيده، فقلت: يا أبا إسحاق، ما هذه الركعة؟ فقال: وتر أنام عليه، قال عمرو: فذكرت ذلك لمصعب بن سعد، فقال: كان يوتر بركعة))، يعني سعداً. وعنده عن عامر (هو الشعبي) قال: ((كان آل سعد وآل عبد الله بن عمر يسلمون في الركعتين من الوتر، ويوترون بركعة ركعة)). وكذا عند الطحاوي استغراب بعضهم إيتار معاوية ربه بركعة حتى صوبه ابن عباس، كما عنده وعند البخاري، أو استنكره مرة أخرى كما عند الطحاوي أيضاً، وسعيد بن المسيب مع رواية ما عن سعد قد أفتى بخلافه، كما عند الطحاوي أيضاً، وقد أخرج الحاكم والبيهقي: ((أن الحسن قيل له: كان ابن عمر يسلم في الركعتين من الوتر، فقال: كان عمر أفقه منه، كان ينهض في الثالثة بالتكبير)) وأخرجه محمد بن نصر أيضاً، ومن فهم منه نفى القعدة في البين - كالحافظ كثُّ - بناه على ما في ذهنه من قبل، وليس بصواب، وعن هذا قال في الموطأ بعد روايته أن سعد بن أبي وقاص رظ به كان يوتر بعد العتمة بواحدة، قال مالك: وليس على هذا العمل عندنا، ولكن أدنى الوتر ثلاث)) اهـ. وقال ابن الصلاح، كما في التلخيص: ((أنه لم يثبت منه وَ الز الاقتصار على واحدة، قال: لا نعلم في روايات الوتر مع كثرتها أنه عليه الصلاة والسلام أوتر بواحدة فحسب)) اهـ. وتعقبه الحافظ بما ليس بشيء وبعضهم بما عند الدارقطني عن القاسم بن محمد، عن عائشة: ((أن النبي ◌َّل﴿ أوتر بركعة)) اهـ. وهذا التعقب ليس في محله، فإن رواية الدارقطني هذه مختصرة مما عند البخاري من ٦٠ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ((باب كيف صلاة الليل)) حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا حنظلة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: ((كان النبي ◌َّر يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر وركعتا الفجر)) اهـ. وقد أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود أيضاً هكذا، فلم يثبت الاقتصار على واحدة من فعله ◌ّ أصلاً اهـ. قال الحافظ: ((وأما تعيين الثلاث موصولة ومفصولة فلم يشمله كلامه (أي كلام القاسم بن محمد) لأن المخالف من الحنفية يحمل كل ما ورد من الثلاث على الوصل، مع أن كثيراً من الأحاديث ظاهر في الفصل، كحديث عائشة: ((يسلم من كل ركعتين)) فإنه يدخل فيه الركعتان اللتان قبل الأخيرة، فهو كالنص في موضع النزاع، وحمل الطحاوي هذا ومثله على أن الركعة مضمومة إلى الركعتين قبلها، ولم يتمسك في دعوى ذلك إلا بالنهي عن البتيراء، مع احتمال أن يكون المراد بالبتيراء أن يوتر بواحدة فردة ليس قبلها شيء، وهو أعم من أن يكون مع الوصل أو الفصل، وصرح كثير منهم أن الفصل يقطعهما عن أن يكونا من جملة الوتر، ومن خالفهم يقول: إنها منه بالنية، وبالله التوفيق، والله أعلم)) اهـ. قال الشيخ الأنور: ((وحديث النهي عن البتيراء، وإن قدح ابن القطان في إسناده، لكن قد كثر تذاكره في كلام الصحابة تمسكاً به أو جواباً عنه، كما ثبت عن ابن عباس وعائشة عند الطحاوي، وعن ابن عمر أيضاً، فكان مقدمة مشهورة بينهم، وهذا يدل على أنه حديث في الواقع، ولا بد، وتفسيره فيما روى مرفوعاً، وأعل إسناده هو بالواحدة، ويدل عليه تصغيره، فإنه للتقليل، وهو في الواحدة. والله أعلم. ثم إن إسناد حديث النهي عن البتيراء في لسان الميزان من ترجمة عثمان بن محمد بن ربيعة، هكذا قال صاحب التمهيد: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل المهندس، حدثنا أبي، ثنا الحسن بن سليمان قبيطة، ثنا عثمان بن محمد، حدثنا الدراوردي، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد رضي الله: ((أن رسول الله وَلل نهى عن البتيراء: أن يصلي الرجل واحدة يوتر بها)) قال ابن القطان: ((هذا حديث شاذ لا يعرج على رواته)) انتهى. وبقية كلام ابن قطان ما لم يعرف عدالتهم، وليس دون الدراوردي من يغمض عنه، قلت: يريد بذلك عثمان وحده، وإلا فباقي الإسناد ثقات مع احتمال أن يخفى على ابن القطان حال بعضهم) اهـ. قال الشيخ الأنور: ((بقي الكلام في عثمان بن محمد، وقد صحح له الحاكم من البيوع حديث: ((لا ضرر ولا ضرار)) وأقره الذهبي هناك في تلخيصه، فكأن عبد الحق صاحب الأحكام، وكذا ابن القطان: لم يعرفاه، فساق الذهبي في الميزان الكلام فيه، ولم يتبين له وجهه في تلخيص المستدرك، فوافق الحاكم فأعلمه.