Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلا يَنَامُ قَلْبِي)) . ١٧٢١ - (١٢٦) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ؛ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ(١) عَنْ صَلاةِ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. يُصَلِّي ثَمَانَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ يُوتِرُ. ثُمَّ يُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ .... سبقتها، وإلا فكيف يقبل في عائشة وابن عباس أنهما ممن كره الإيتار بثلاث، مع أن العمدة في إثبات ثلاثية الوتر عند مُشْبِتِها إنما هو حديث عائشة من طرق عديدة صحيحة، ورواية ابن عباس عند مسلم وغيره من كونه ◌َلّر موتراً بثلاث، والله تعالى أعلم. قوله: (أتنام قبل أن توتر) إلخ: قال ابن عبد البر: ((في هذا الحديث تقديم وتأخير، لأن السؤال بعد ذكر الوتر، ومعناه أنه كان ينام قبل صلاته، وهذا يدل على أنه كان يقوم، ثم ينام، ثم يقوم، فيوتر، ولذا جاء الحديث أربعاً، ثم أربعاً، ثم ثلاثاً، أظن ذلك - والله أعلم - من أجل أنه كان ينام بينهن، فقالت: أربعاً ثم أربعاً، تعني بعد نوم، ثم ثلاث بعد نوم، ولذا قالت: ((أتنام قبل أن توتر)) وقد قالت أم سلمة: ((كان يصلي، ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما ينام ثم ينام قدر ما صلى ... )) الحديث، يعني فهذا شاهد لحمل خبر عائشة على ما ذكر)) اهـ. قال مولانا الشيخ خليل أحمد قدس الله روحه في شرح أبي داود: ((غرض عائشة رضي عندي من سؤالها: أنها حفظت من رسول الله وَ لهو أن النوم ناقض للوضوء، ورأت رسول الله وليه ينام في أثناء صلاة الليل، ويوتر بعد النوم من غير أن يجدد وضوء، فسألته عن ذلك، فأجابها رسول الله * بأن عينيه تنامان، ولا ينام قلبه فيدرك الحدث، وليس أحد من أمته في ذلك مثله، فتنتقض طهارتهم، والله أعلم)). قوله: (ولا ينام قلبي) إلخ: لأن القلب إذا قويت حياته لا ينام إذا نام البدن، ولا يكون ذلك إلا للأنبياء، كما قال ◌َلّ: ((إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا)) ولذا قال ابن عباس وغيره من العلماء: رؤيا الأنبياء وحي، ولو سُلِّطَ النومُ على قلوبهم كانت رؤياهم كرؤيا من سواهم، ولذا كان ◌َّل ينام حتى ينفخ، ويسمع غطيطه، ثم يصلي ولا يتوضأ، لأن الوضوء إنما يجب بغلبة النوم على القلب، لا على العين، ولا يعارض نومه بالوادي، لأن الفجر متعلق بالعين لا بالقلب كما مر مبسوطاً، كما قال الزرقاني في شرح الموطأ. قوله: (ثم يصلي ركعتين وهو جالس) إلخ: أخذ بظاهر الحديث الأوزاعي، وأحمد فيما حكاه القاضي عنهما، وأباحاء ركعتين بعد الوتر جالساً، قال أحمد: لا أفعله، ولا أمنع من فعله، قال: وأنكره مالك. ١) ق»: (عائشة) انظر ما تقدم من تخريج حديث رقم (١٧٢٣). ٢٢ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قال النووي: ((الصواب أن هاتين الركعتين فعلهما وسيل بعد الوتر جالساً لبيان الجواز، ولم يواظب على ذلك، بل فعله مرة أو مرات قليلة، قال: ولا يغتر بقولها: ((كان يصلي ... )) فإن المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين أن لفظة ((كان)) لا يلزم منها الدوام ولا التكرار، وإنما هي فعل ماض تدل على وقوعه مرة، فإن دل دليلٌ عُمِلَ به، وإلا فلا تقتضيه بوضعها، وقد قالت عائشة: ((كنت أطيب رسول الله ﴿ ﴿ لحِلُّه قبل أن يطوف)) ومعلوم أنه رَّو لم يحج بعد أن صحبته عائشة إلا حجة واحدة، وهي حجة الوداع، قال: ولا يقال: لعلها طيبته في إحرامه بعمرة، لأن المعتمر لا يحل له الطيب قبل الطواف بالإجماع، فثبت أنها استعملت ((كان)) في مرة واحدة، قال: وإنما تأولنا حديث الركعتين لأن الروايات المشهورة في الصحيحين مصرحة بأن آخر صلاته وهو في الليل كانت وتراً، وفي الصحيحين أحاديث كثيرة مشهورة بالأمر يجعل آخر صلاة الليل وتراً، فكيف يظن به مَر مع هذه الأحاديث وأشباهها أنه يداوم على ركعتين بعد الوتر، ويجعلها آخر صلاة الليل، قال وأما ما أشار إليه القاضي عياض من ترجيح الأحاديث المشهورة ورد رواية الركعتين فليس بصواب، لأن الأحاديث إذا صحت وأمكن الجمع بينهما تعین، وقد جمعنا بینها ولله الحمد) اهـ. وقال ابن القيم في الهدى: ((وقد أشكل هذا - يعني حديث الركعتين بعد الوتر - على كثير من الناس، فظنوه معارضاً لقوله وَلجر: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)) ... )) ثم حكى عن مالك وأحمد ما تقدم، وحكى عن طائفة ما قدمنا عن النووي، ثم قال: ((والصواب أن يقال: إن هاتين الركعتين تجريان مجرى السنة، وتكميل الوتر، فإن الوتر عبادة مستقلة، ولا سيما إن قيل بوجوبه، فتجري الركعتان بعده مجرى سنة المغرب من المغرب، فإنها وتر النهار، والركعتان بعدها تكميل لها، فكذلك الركعتان بعد وتر الليل، والله أعلم» اهـ. قال الشوكاني: ((وقد ورد فعله ويقول لهاتين الركعتين بعد الوتر من طريق أم سلمة عند أحمد في المسند، ومن طريق غيرها، قال الترمذي كثّفُهُ: روى نحو هذا عن أبي أمامة، وعائشة، وغير واحد عن النبي ◌َّر، وفي المسند أيضاً، والبيهقي عن أبي أمامة: ((أن النبي وَّ كان يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس، يقرأ فيهما)) إذا زلزلت الأرض زلزالها)) (وقل) يا أيها الكافرون)). وروى الدارقطني نحوه من حديث أنس)) اهـ. ولفظه كما في كشف الستر (ص ٤٨): ((أن رسول الله وَّير كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس يقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن، و((إذا زلزلت)) وفي الأخرى بأم القرآن، و((قل يا أيها الكافرون)) قال لنا أبو بكر: هذه سنة تفرد بها أهل البصرة، وحفظها أهل الشام)) اهـ. قال الشيخ الأنور كثّفُهُ: ((والوجه فيهما: أنه ◌َ﴿ إنما صلاهما جالساً ليبقى آخرية الوتر لصلاة الليل صورة عند هذا أيضاً. (أي كأن هذا الجلوس إعلام بانتهاء قيام الليل) وليدل على أنّ من أسقطها فذلك إليه)) اهـ. والله سبحانه وتعالى أعلم. ٢٣ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ. ثُمَّ يُصَلِّ رَكْعَتَيْنٍ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ، مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ. ١٧٢٢ - (٠٠٠) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ. ح وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بِشْرِ الْحَرِيرِيُّ. حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، يَعْنِي ابْنَ سَلَّمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا: تِسْعَ رَكَعَاتِ قَائِماً. يُوتِرُ مِنْهُنَّ. قوله: (فإذا أراد أن يركع قام) إلخ: قال الشيخ الأنور في كشف الستر: ((قوله: «فإذا أراد أن يركع)) متعلق بما قبل الوتر كذا قيل، ولعله الصواب، تدل عليه روايات أخر، وما كانت الركعتان جالساً بتطويل القراءة حتى يقوم قبل الركوع، وقال الباجي: ومعنى ذلك أن آخر الصلاة مبني على التخفيف عما تقدم في أولها من الإتمام والتطويل، ولذا شرع هذا المعنى في صلاة الفرض اهـ. قلت: ولكن تقدم فى الباب الذي قبل هذا الباب من حديث علقمة بن وقاص، قال: قلت لعائشة: كيف كان يصنع رسول الله وَّر في الركعتين وهو جالس؟ قالت: ((كان يقرأ فيهما، فإذا أراد أن يركع قام فركع)) وهذا صريح في أن عائشة رضيها إنما بينت كيفيّة هاتين الركعتين، لا كيفية صلاة الليل قبل الوتر، والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله: (وحدثني يحيى بن بشر الحريري) إلخ: هو بفتح الحاء المهملة. قوله: (تسع ركعات قائماً يوتر منهن) إلخ: وفي بعض النسح: ((يوتر فيهن)) قال النووي: ((كلاهما صحيح) اهـ. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وهذا عندي مشكل جداً، فإن الوتر كان ثلاث ركعات من التسع بقيت صلاة الليل ست ركعات، هذا ينافي ما تقدم من طريق هشام عن يحيى عن أبي سلمة: ((يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر)) ومن طريق سعيد المقبري عن أبي سلمة: ((يصلي أربعاً)) وإن كان الوتر ركعة واحدة من التسع فهذا يخالف ما في طريق سعيد: ((ثم يصلي ثلاثاً)) بعد ذكر الأربع، والظاهر أنها الوتر، وحمله على تعدد القصة بعيد لاتحاد المخرج، وذكر سؤال أبي سلمة في كل من الروايات، اللهم إلا أن يقال: إن الوتر كان ركعة واحدة من التسع مفصولة عن الثمانية، وعد مع الواحدة الركعتين جالساً في طريق سعيد توسعاً، فقال: ((ثم يصلي ثلاثاً)) وحينئذٍ كانت الصلاة كلها ثلاث عشرة ركعة، ثمان ركعات من التجهد، وركعة واحدة من الوتر قائماً، كما صرح به في طريق شيبان ومعاوية بن سلام: ((تسع ركعات قائماً يوتر منهن، والركعتان بعده جالساً، ثم ركعتان بين النداء والإقامة من الصبح)) وهكذا وقع في حديث موسى بن إسماعيل، ومسلم بن إبراهيم، عن أبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة، عند أبي داود: ((أن النبي و ير كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، وكان يصلي ثماني ركعات، ٢٤ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ١٧٢٣ - (١٢٧) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ. سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَيْ أُمَّهْ، أَخْبِرِينِي عَنْ صَلاةٍ رَسُولِ اللّهِ وَّلِ. فَقَالَتْ: كَانَتْ صَلاتُهُ، فِي شَهْرٍ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ، ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِاللَّيْلِ، مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ. ١٧٢٤ - (١٢٨) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: كَانَّتْ صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ مِنَ اللَّيْلِ عَشَرَ رَكَعَتٍ. وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ. وَيَرْكَعُ رَكْعَتَي الْفَجْرِ. فَتِلْكَ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةٌ. ١٧٢٥ - (١٢٩) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَىُ. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسحَاقَ. قَالَ: سَأَلْتُ الأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ عَمَّا حَدَّثَتْهُ عَائِشَةُ(١) عَنْ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ؟ قَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَيُحْيِي ويوتر بركعة، ثم يصلي - قال مسلم: بعد الوتر، ثم اتفقا - ركعتين وهو قاعد، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ويصلي بين أذان الفجر والإقامة ركعتين)) وهذا يهدم كل ما بنوه على قوله: ((ثم يصلي ثلاثاً)) من كون الوتر ثلاث ركعات، ويدل على أنه سير ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على . تسع ركعات ما خلا الركعتين جالساً بعد الوتر، ولم يظهر لي إلى الآن في توجيهه ما ينشرح به الصدر ويطمئن به القلب، ولم أر أحد نبه عليه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. قوله: (عشر ركعات) إلخ: أي مع شفع الوتر. قوله: (ويوتر بسجدة) إلخ: أي بركعة مضمومة إلى شفع الوتر، كما يدل عليه قول القاسم بن محمد راوي الحديث: ورأينا أناساً منذ أدركنا يوترون بثلاث، وإن كلا لواسع. قوله: (فتلك ثلاث عشرة ركعة) إلخ: وفي رواية مسروق: ((قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله وَّل، فقالت: سبع، وتسع، وإحدى عشرة، سوى ركعتي الفجر)) قال الحافظ: ((مرادها أنه وقع ذلك منه في أوقات مختلفة، فتارة كان يصلي: سبعاً، وتارة: إحدى عشرة، وأما حديث القاسم عنها فمحمول على أن ذلك كان غالب حاله، كما مر في رواية أبي سلمة عنها)). قوله: (ويحيى آخره) إلخ: أي بالصلاة والأذكار وغيرها . قال عياض: ((فيه الرفق في العبادة، وترك طلب النهاية فيها، وخير الأمور أوسطها، كما (١) قوله: (عائشة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التهجد، باب من نام أول الليل وأحدى آخره، رقم (١١٤٦) والنسائي في سننه، في كتاب قيام الليل، باب إحياء الليل، رقم (١٦٤١) وباب وقت الوتر، رقم (١٦٨١) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في أيّ ساعات الليل أفضل، رقم (١٣٦٥) وأحمد في مسنده (٦: ١٠٢ و١٠٩ و١٧٦ و٢١٤ و٢٥٣). ٢٥ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها آخِرَهُ. ثُمَّ إِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَهْلِهِ قَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَنَامُ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الأَوَّلِ، - (قَالَتْ) -: وَثَبَ .. (وَلا وَاللَّهِ مَا قَالَتْ): قَامَ - فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ - (وَلا وَاللَّهِ مَا قَالَتِ: اغْتَسَلَ، وَأَنَا أَعْلَمُ مَا تُرِيدُ) - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُباً تَوَضَّأَ وُضُوءَ الرَّجُلِ لِلصَّلاةِ. ثُمَّ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ. ١٧٢٦ - (١٣٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ(١)؛ قَالَتْ: كَانَ قال ◌َله: ((إن نفسك عليك حقاً، ولعينيك عليك حقاً)) ولأن العمل إذا قل دام، واجتمع من قليله لطول الزمان: كثير، وخف على الناس تعوده، بخلاف ما إذا كثر ولم تضبطه عادة، ولأنه أسمع وأقرب للإجابة، كذا قال الأبي في شرح مسلم. قوله: (إلى أهله) إلخ: يعني الجماع. قال الكرماني: ((وهذا يدل على أنه وُّ كان يقضي حاجته من نسائه بعد إحياء الليل، وهو الجدير به ◌َطير، إذا العبادة مقدمة على غيرها)). قوله: (ثم ينام) إلخ: فيه: نوم الجنب قبل أن يغتسل، قال عياض: ((ليستريح من تعب الليل، وينشط لصلاة الصبح، والنوم بعد قيام الليل مستحسن، لأنه يذهب كلل السهر وصفرة الوجه)). قوله: (قالت: وثب) إلخ: أي قام بسرعة، ففيه الاهتمام بالعبادة والإقبال عليه بنشاط، وهو بعض معنى الحديث الصحيح: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)). قوله: (ولا والله، ما قالت: قام) إلخ: فيه المحافظة على الرواية باللفظ، وكذا في قوله: ((ولا والله ما قالت: اغتسل)) والفرق بين اللفظين في القرينتين ظاهر، فإن الوثوب يدل على الإسراع دون القيام، وكذا قولها: ((أفاض عليه الماء)» يدل على التخفيف، وعدم المبالغة في الغسل، دون لفظ ((الاغتسال)) والله أعلم. قوله: (وأنا أعلم ما تريد) إلخ: أي بقولها: ((أفاض عليه الماء)) دون ((اغتسل)). قوله: (وإن لم يكن جنباً) إلخ: تقدم منّا في ((باب نوم الجنب واستحباب الوضوء)) من كتاب الطهارة: أن سياق الطحاوي يخالف سياق مسلم لهذا الحديث، وذكرنا هناك أن أبا إسحاق قد غلط في اختصار هذا الحديث، كما صرح به الأئمة الكبار، فليراجع. قوله: (ثم صلى ركعتين) إلخ: أي سنة الصبح. قوله: (عمار بن رزيق) إلخ: براء مهملة، ثم بزاي معجمة. (١) قوله: (عائشة) لم أجد أحداً أخرج هذا الحديث من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم تخلثُ تعالى وأخرجه أحمد في مسنده (٦: ٢٥٣). ٢٦ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، حَتَّى يَكُونَ آخِرَ صَلاتِهِ الْوِتْرُ. ١٧٢٧ - (١٣١) حدّثني هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ. قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ(١) عَنَ عَمَلِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ يُحِبُّ الدَّائِمَ. قَالَ: قُلْتُ: أَيَّ حِينٍ كَانَ يُصَلِّي؟ فَقَالَتْ: كَانَ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ، قَامَ فَصَلَّى. ١٧٢٨ - (١٣٢) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ(٢). قَالَتْ: مَا أَلْفَى رَسُولَ اللَّهِ وَلـ قوله: (آخر صلاته الوتر) إلخ: قال النووي: «فيه دليل لما قدمناه من أن السنة جعل آخر صلاة الليل وتراً، وبه قال العلماء كافة، وسبق تأويل الركعتين بعده جالساً)). قوله: (كان يحب الدائم) إلخ: أي المواظبة العرفية، وفيه الحثّ على القصد في العبادة، وأنه ينبغي للإنسان أن لا يحتمل من العبادة إلا ما يطبق الدوام عليه، ثم يحافظ عليه. قاله النووي نّقُ . قوله: (كان إذا سمع الصارخ) إلخ: الصارخ هنا هو الديك باتفاق العلماء، قالوا وسمى بذلك لكثرة صياحه، قال الحافظ: ((وقع في مسند الطيالسي في هذا الحديث: ((والصارخ: الديك)» والصرخة: الصيحة الشديدة، وجرت العادة أن الديك يصيح عند نصف الليل غالباً، قاله محمد بن نصر. قال ابن التين: هو موافق لقول ابن عباس: ((نصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل. وقال ابن بطال: الصارخ يصرخ عند ثلث الليل، فكأنه كان يتحرى الوقت الذي ينادي فيه: هل من سائل كذا)) انتهى. وروى أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، بأسناد جيد عن زيد بن خالد الجهني مرفوعاً: ((لا تسبوا الديك، فإنه يوقظ للصلاة)) وفي لفظ: ((فإنه يدعو إلى الصلاة)). قال المصنف: وليس المراد أن يقول بصراخه حقيقة الصلاة، بل جرت العادة أنه يصرخ صرخات متتابعات عند طلوع الفجر، وعند الزوال، فطرة فطره الله عليها، ويذكر الناس بصراخه الصلاة . قوله: (ما ألفى رسول الله) إلخ: بالفاء، أي ما وجه، يقال: ألفيت الشيء، أي: وجدته، (١) قوله: (عائشة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التهجد، باب من نام عند السحر، رقم (١١٣٢) وفي كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، رقم (٦٤٦١) و (٢٤٢٦ والنسائي في سننه، في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب وقت القيام، رقم (١٦١٧) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب وقت قيام النبي وَ ﴿ من الليل، رقم (١٣١٧) وأحمد في مسنده (٦: ١١ و٢٠٣ و٢٧٩). (٢) قوله: (عن عائشة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التهجد، باب من نام عند السحر، = ٢٧ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها السَّحَرُ الأَعْلَى فِي بَيْتِي، أَوْ عِنْدِي، إِلا نَائِماً. ١٧٢٩ - (١٣٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ(١)؛ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَي الْفَجْرِ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً، حَدَّثَنِي، وتلافيته، أي: تداركته، قال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابٍ﴾ [يوسف، آية: ٢٥] أي: وجداه. قوله: (السحر الأعلى) إلخ: بالرفع، لأنه فاعل ((ألفى)) والسحر الأعلى أي أوله، والسحر يطلق على قبيل الصبح عند أهل اللغة، وأيضاً اشتقاق السحور منه، لأنه لا يجوز إلا قبل انفجار الصبح، وحكى الماوردي أنه السدس الأخير من الليل. وقيل: أوله الفجر الأول. قال العيني تكشّفُ: ((وذكر بعض من يعتني بشرح الأحاديث في شرح سنن أبي داود في تفسير هذا الحديث قوله: ((ما ألفاه السحر عندي إلا نائماً)) يعني ما أتى عليه السحر عندي إلا وهو نائم، فعلى هذا كانت صلاته بالليل وفعله فيه إلى السحر، ويقال: هذا النوم هو النوم الذي كان داود عليه الصلاة والسلام ينام، وهو أنه كان ينام أول الليلة، ثم يقوم في الوقت الذي ينادي فيه الله عز وجل: هل من سائل ... )) ثم يستدرك من النوم ما يستريح به من نصب القيام في الليل، وهكذا هو النوم عند السحر، على ما بوب له البخاري. وقال ابن التين: قولها: ((إلا نائماً)) أي مضطجعاً على جنبه، لأنها قالت في حديث آخر: «فإِن كُنتُ يقظانة حَدَّثَنِي وإلا اضطجع حتى يأتيه المنادي للصلاة)) فيحصل بالضجعة الراحة من نصب القيام، ولما يستقبله من طول صلاة الصبح، فلهذا كان ينام عند السحر. وقال ابن بطال: النوم وقت السحر كان يفعله النبي ◌َّ في الليالي الطوال، وفي غير شهر رمضان، لأنه قد ثبت عنه تأخير السحور اهـ. قال الحافظ ((ويحتاج في إخراج الليالي القصار إلى دليل)). قوله: (في بيتي أو عندي) إلخ: شك من الراوي. قوله: (فإن كُنتُ مستيقظة حدثني) إلخ: فيه دليل على إباحة الكلام بعد سنة الفجر، وهو مذهبنا ومذهب مالك والجمهور. رقم (١١٣٣) (١١٢٣) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب وقت قيام النبي ◌َّر من الليل، رقم = (١٣١٨) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الضجعة بعد الوتر وبعد ركعتي الفجر، رقم (١١٩٧) وأحمد في مسنده (٦: ١٣٧). (١) قوله: (عن عائشة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب تقصر الصلاة، باب إذا صلى قاعداً ثم صح أو وجد خفة تمم ما بقي، رقم (١١١٩) وفي كتاب التهجد، باب من تحدث بعد الركعتين ولم يضطجع، رقم (١١٦١) وباب الحديث بعد ركعتي الفجر، رقم (١١٦٨) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب الاضطجاع بعدها، رقم (١٢٦٢) و(١٢٦٣) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب = ٢٨ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَ إِلا اضْطَجَعَ. ١٧٣٠ - (٠٠٠) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَتَّابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ، مِثْلَهُ. ١٧٣١ - (١٣٤) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ(١). قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلَ. فَإِذَا أَوْتَرَ قَالَ: (قُومِي، فَأَوْتِرِي يَا عَائِشَةُ)) . وقال القاضي: ((وكرهه الكوفيون، وروى عن ابن مسعود وبعض السلفط لأنه وقت استغفار، والصواب: الإباحة لفعل النبي *، وكونه وقت استحباب الاستغفار لا يمنع من الكلام)) اهـ. قال القاري: ((نعم! كلامه عليه السلام لا شك أنه من كلام الآخر، وأما كلام الدنيا فلا شك أنه خلاف الأولى دائماً، فضلاً عما بين الصلاتين، لأن الحكم في وضع السنة أن يتهيأ لكمال الحالة، وطرد الغفلة فيدخل في الفريضة على كما الحضور واللذة)) اهـ. قوله: (وإلا اضطجع) إلخ: قال الحافظ: ((ظاهره أنه كان يضطجع إذا لم يحدثها، وإذا حدثها لم يضطجع، وإلى هذا جنح البخاري، وكذا ترجم له ابن خزيمة ((الرخصة في ترك الاضطجاع المفروض عند ركعتي الفجر)) ويعكر على ذلك ما وقع عند أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن أبي النضر، في هذا الحديث: ((كان يصلي من الليل، فإذا فرغ من صلاته اضطجع، فإن كنت يقظى تحدث معي، وإن كنت نائمة قام حتى يأتيه المؤذن)) فقد يقال: إنه كان يضطجع على كل حال، فإما أن يحدثها، وإما أن ينام، لكن المراد بقولها: «نام)» أي اضطجع، وبينه ما أخرجه البخاري قبل أبواب التهجد من رواية مالك عن أبي النضر وعبد الله بن يزيد جميعاً، عن أبي سلمة بلفظ: ((فإن كنت يقظى تحدث معي، وإن كنت نائمة اضطجع)) اهـ. وقد تقدم الكلام في الاضطجاع قريباً فراجعه. قوله: (فإذا أوتر) إلخ: أي إذا أراد أن يوتر، كما يدل عليه الرواية الآتية. قوله: (قومي فأوتري) إلخ: الظاهر أن الأمر للوجوب، وسيأتي الكلام في وجوب الوتر إن شاء الله . = ما جاء في الكلام بعد ركعتي الفجر، رقم (٤١٨) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب الكلام بعد ركعتي الفجر، رقم (١٤٥٣). (١) قوله: (عن عائشة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب الصلاة خلف النائم، رقم (٥١٢) وفي كتاب الوتر، باب إيقاظ النبي وَّر أهله بالوتر، رقم (٩٩٧) والنسائي في سننه، في كتاب القبلة، باب الرخصة في الصلاة خلف النائم، رقم (٧٦٠) وأحمد في مسنده (٦: ٥٠ و١٥٢ و٢٠٥). ٢٩ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها ١٧٣٢ - (١٣٥) وحدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ كَانَ يُصَلِّي صَلَاتَهُ بِاللَّيْلِ، وَهْيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَإِذَا بَقِيَ الْوِتْرُ أَنْقَظَهَا فَأَوْتَرَتْ. ١٧٣٣ - (١٣٦) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، وَاسْمُهُ وَاقِدٌ، وَلَقَبُّهُ وَقْدَانُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، كِلاهُمَا عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ(١). قَالَتْ: ٠٠ قوله: (فأوترت) إلخ: أي فقمت، فتوضأت، فأوترت. قال الحافظ: ((واستدل به على استحباب جعل الوتر آخر الليل سواء المتهجد وغيره، ومحله إذا وثق أن يستيقظ بنفسه أو بإيقاظ غيره)). واستدل به على وجوب الوتر، لكونه ◌َآل# سلك به مسلك الواجب، حيث لم يدعها نائمة، وأبقاها للتهجد. وتعقب بأنه لا يلزم من ذلك الوجوب، نعم، يدل على تأكد أمر الوتر، وأنه فوق غيره من النوافل الليلية. وفيه استحباب إيقاظ النائم لإدراك الصلاة، ولا يختص ذلك بالمفروضة، ولا بخشية خروج الوقت، بل يشرع لإدراك الجماعة، وإدراك أول الوقت، وغير ذلك من المندوبات. قال القرطبي: ولا يبعد أن يقال: ((إنه واجب في الواجب، مندوب في المندوب، لأن النائم وإن لم يكن مكلفاً لكن مانعه سريع الزوال، فهو كالغافل، وتنبيه الغافل واجب) اهـ. قلت: وليس في حديث الباب لفظ يدل على نفي التهجد عن عائشة، بل المقصود أن إيقاظها للإيتار إنما كان بعد فراغه 8* من تهجده، وقد ثبت أنه * كان يضطجع وينام في السحر الأعلى قبيل الصبح، وعلم أن وقت التهجد كان باقياً حين إيقاظه عائشة، فلا يبعد أن يكون عائشة تتهجد فيه قبل إيتارها ما شاء الله، ثم توتر، نعم! قد دل الحديث على نفي الإطالة في قيام الليل عن عائشة رّا، ولا ضير فيه، والله أعلم. قوله: (واسمه واقد، ولقبه وقدان) إلخ: قال النووي: ((هذا هو الأشهر، وقيل عكسه، وأبو يعفور هذا: بفتح التحتانية، وسكون المهملة، بعدها فاء مضمومة، وآخره راء مهملة، هو عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس - يكسر النون وسكون السين المهملة - ويقال له: أبو يعفور الكوفي، وثقه أحمد، وابن معين، غيرهما من الأئمة .. (١) قوله: (عن عائشة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوتر، باب ساعات الوتر، رقم = ٣٠ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ . ١٧٣٤ - (١٣٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ يَحْيَى بْنٍ وَثَّابٍ، عَنْ مَسْرُوَقٍ، عَنْ عَائِشَةً. قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ مِنْ أَوَّلِ اَللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ . ١٧٣٥ - (١٣٨) حدّثني عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. حَذَّثَنَا حَسَّانُ، قَاضِي كِرْمَانَ، عَنْ قوله: (من كل الليل أوتر) إلخ: قال الطيبي: ((يجوز أن يكون ((من)) في قوله: ((من الليل)) تبعيضية منصوبة بـ(أوتر)) و((من)) الثانية بدل منها، لأن الليل إذا قسم ثلاثة أقسام يكون لكل قسم منها أجزاء، ويجوز أن ((من)) الثانية بيان لمعنى البعضية، ويجوز أن الأولى ابتدائية، والثانية بيان الكل))، وهذا أوجه. كذا في شرح المواهب. قوله: (من أول الليل) إلخ: أي بعد صلاة العشاء. قوله: (وآخره) إلخ: أي حسب ما تيسر له. قوله: (فانتهى وتره إلى السحر) إلخ: زاد أبو داود، والترمذي: ((حتى مات)) قال النووي: ((معناه كان آخر أمره الإيتار في السحر، والمراد به آخر الليل، كما قالت في الروايات الأخرى)) اهـ. قال الحافظ: ((ويحتمل أن يكون اختلاف وقت الوتر باختلاف الأحوال، فحيث أوتر في أوله لعله كان وجعاً، وحيث أوتر وسطه لعله كان مسافراً، وأما وتره في آخره فكأنه كان غالب أحواله، لما عرف من مواظبته على الصلاة في أكثر الليل، والله أعلم)). والسحر قبيل الصبح، وحكى الماوردي أنه السدس الأخير، وقيل: أوله الفجر الأول، وفي رواية طلحة بن نافع، عن ابن عباس، عند أبي خزيمة: ((فلما انفجر الفجر قام فأوتر بركعة)) قال ابن خزيمة: المراد به الفجر الأول. قوله: (قاضي کرمان) إلخ: بفتح الكاف، وکسرها . (٩٩٦) والنسائي في سننه، في كتاب قيام الليل، باب وقت الوتر، رقم (١٦٨٢) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في وقت الوتر، رقم (١٤٣٥) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الوتر من أول الليل وآخره، رقم (٤٥٦) وفي كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء كيف كان قراءة النبي ◌َّر، رقم (٢٩٢٤) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الوتر آخر الليل، رقم (١١٨٥) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في وقت الوتر، رقم (١٥٩٥) وأحمد في مسنده، (٦: ٤٦ و٧٣ و١٠٧ و١٢٩ و١٦٧ و٢٠٤). ٣١ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كُلَّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ وََّ، فَانْتَهَىْ وِتْرُهُ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ. (١٨) - باب: جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض ١٧٣٦ - (١٣٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ (١) أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ. فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ عَقَاراً لَهُ بِهَا. فَيَجَّعَلَهُ فِي السِّلاحِ وَالْكُرَاعِ، وَيُجَاهِدَ الرُّومَ حَتَّى يَمُوتَ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، لَقِيَ أُنَّاساً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. فَّنَهَوْهُ عَنْ ذَلِكَ. وَأَخْبَرُوهُ؛ أَنَّ رَهْطَا سِتَّةً أَرَادُوا ذَلِكَ فِي حَيَاةِ نَبِيِّ اللّهِ بِّهَ، فَنَهَاهُمْ نَبِيُّ اللّهِ نَّهِ، وَقَالَ: ((أَلَيْسَ لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ؟)) فَلَمَّا حَدَّثُوهُ بِذَلِكَ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ. وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا. وَأَشْهَدَ عَلَى رِجْعَتِهَا. فَأَتَّى قوله: (إلى آخر الليل) إلخ: هذا يفسر لفظ ((السحر)) أي المراد بالسحر آخر الليل، كما تقدم. قوله: (أن سعد بن هشام بن عامر) إلخ: المدني، ثقة، من رجال الجميع، استشهد بأرض الهند قاله الزرقاني في ((شرح المواهب)). قوله: (يبيع عقاراً له) إلخ: وعَقار - بالفتح - الضيعة والنخل والأرض، يعني أراد أن ينخلع عنه ويبيعه فيشتري بثمنه السلاح والكراع، ويستعين بها على الجهاد في سبيل الله. قوله: (والكراع) إلخ: كغراب، اسم للخيل. قوله: (ويجاهد الروم) إلخ: أي نصارى الروم. قوله: (فنهاهم نبي الله) إلخ: حجة في أن الزهد والتبتل ليس بفراق النساء والانقطاع عن العلائق بالكلية، ويأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى. قوله: (وأشهد على رجعتها) إلخ: بفتح الراء وكسرها، والفتح أفصح عند الأكثرين. (١) قوله: (سعد بن هشام) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب قيام الليل، رقم (١٦٠٢) وباب الاختلاف على عائشة في إحياء الليل، رقم (١٦٤٢) وباب كيف يفعل إذا افتتح الصلاة قائماً، وذكر اختلاف الناقلين على عائشة في ذلك، رقم (١٦٥٢) وباب كيف الوتر بثلاث، رقم (١٦٩٩) وباب كيف الوتر بسبع، رقم (١٧١٩) و(١٧٢٠) وباب كيف الوتر بتسع، رقم (١٧٢١ _ ١٧٢٥) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في صلاة الليل، رقم (١٣٤٢ - ١٣٤٩) و(١٣٥٢) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الوتر بثلاث وخمس وسبع وتسع، رقم (١١٩١) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب صفة صلاة رسول الله وَّر، رقم (١٤٨٣) وأحمد في مسنده (٦: ٣٠ و٥٣ ٩٤ و٩٥ و١٠٩ و٢٠٣ و٢٣٥ و٢٣٦). ٣٢ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: أَلا أَدُلْكَ عَلَى أَعْلَم أَهْلِ الأَرْضِ بِوِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ وََّ؟ قَالَ: مَنْ؟ قَالَ: عَائِشَةُ. فَأْتِهَا فَاسْأَلْهَا. ثُمَّ اثْتِنِي فَأَخْبِرْنِي بِرَدِّهَا عَلَيْكَ. فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهَا. فَأَتَيْتُ عَلَى حَكِيم بْنِ أَفْلَحَ. فَاسْتَلْحَقْتُهُ إِلَيْهَا. فَقَالَ: مَا أَنَا بِقَارِبِهَا. لأَنِّي نَهَيْتُهَا أَنْ تَقُولَ فِي هَاتَيْنِ الشِّيعَتَيْنِ شَيْئاً فَأَبَتْ فِيهِمَا إِلا مُضِيًّا. قَالَ: فَأَقْسَمْتُ عَلَيْهِ. فَجَاءَ. فَانْطَلَقْنَا إِلَى عَائِشَةَ. فَاسْتَأْذَنَّا عَلَيْهَا، فَأَذِنَتْ لَنَا. فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: أَحَكِيمٌ؟ - (فَعَرَفَتْهُ) - فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَتْ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ. قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قَالَ: ابْنُ عَامِرٍ. فَتَرَحَّمَتْ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ خَيْراً . (قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ) - فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ. قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأْ قوله: (ألا أدلك) إلخ: فيه أنه يستحب للعالم إذا سئل أن يرشد إلى الأعلم، لأن الدين النصيحة، مع ما فيه من الإنصاف والتواضع. قوله: (قال: من) إلخ: أي قال سعد بن هشام: من هو؟ قوله: قال (عائشة) إلخ: أي قال ابن عباس: هي عائشة، ومن ههنا قال ابن القيم: إذا اختلف ابن عباس وعائشة ريه في شيء من أمر قيامه عليه الصلاة والسلام بالليل، فالقول قول عائشة، لكونها أعلم الخلق بقيامه بالليل، كما اعترف بذلك ابن عباس ذاته. قوله: (فأخبرني بردها عليك) إلخ: أي أخبرني بجوابها التي(١) تجيب به لسؤالك. قوله: (فاستلحقته) إلخ: أي استدعى سعد من حكيم أن يلحق معه إلى عائشة رضيثنا. قوله: (في هاتين الشيعتين) إلخ: الشيعتان: الفرقتان، والمراد تلك الحروب التي جرت بینهم . قوله: (فأبت فيها إلا مضيا) إلخ: أي إنها رؤيا لم تقبل مشورتي، وما امتنعت عن القول والمداخلة في أمرهما، بل مضت ودخلت فيما شجر بينهم. قوله: (فأقسمت عليه) إلخ: أقسم سعد بن هشام على حكيم أن يجيء معه إلى عائشة. قوله: (قال: ابن عامر) إلخ: أي قال حكيم: هو هشام بن عامر. قوله: (فترحمت عليه) إلخ: أي قالت: رحم الله عامراً، وأثنت عليه خيراً، كما سيجيء أنها قالت: ((نعم المرء كان عامر، أصیب یوم أحد)). قوله: (وكان أصيب يوم أحد) إلخ: أي عامر، وهو عامر بن أمية الأنصاري، شهد بدراً، وأصیب یوم أحد. (١) كذا وقع ههنا، ولعل الصواب: ((الذي)). ٣٣ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللّهِ وَ كَانَ الْقُرْآنَ. قَالَ فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ، وَلا أَسْأَلَ أَحَداً عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَمُوتَ. ثُمَّ بَدَا لِي فَقُلْتُ: أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ وَ. فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِلُ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ وَّهِ وَأَصْحَابُهُ حَوْلاً. وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْراً فِي السَّمَاءِ. حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ، فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، التَّخْفِيفَ. فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعاً بَعْدَ فَرِيضَةٍ. قَالَ: قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، قوله: (عن خُلُق رسول الله) إلخ: بضم الخاء واللام، ويسكون اللام أيضاً، أي: أخلاقه وشمائله، وقال بعضهم: أي طبعه ومروته. قوله: (كان القرآن) إلخ: قال القاري في ((المرقاة)): ((أي كان خلقه جميع ما فصل في القرآن من مكارم الأخلاق، فإن النبي وَلّ كان متحلياً به. وقيل: تعني: خلقه مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ [القلم: ٤] تعني أن العظيم إذا أعظم أمراً لم يقدر أحد قدره، ولم يعرف أحد طوره) اهـ. وقال الزرقاني: ((كان خلقه القرآن في العمل بأحكامه، والتأدب بآدابه، والاعتبار بأمثاله، وقصصه، وحسن تلاوته)». ويحتمل - كما قال القرطبي - أن تريد الآيات التي أثنت عليه وَلغيره، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وكقوله تعالى ﴿الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأَنِى﴾ [الأعراف: ١٥٧] وما في معنى ذلك. قال بعضهم: ((وفيه إيمان إلى التخلق بأخلاق الله فعبرت عن المعنى بقولها ذلك إسحياء من سبحات الجلال، وستراً للحال بلطف المقال، وهذا من وفور علمها وأدبها)) اهـ. قلت: والظاهر عندي أن معناه: كان الأحكام القرآنية وتعاليمه بمنزلة خصاله الفطرية الجبلية التي خلق عليها وَ﴿، فالقرآن مصحف عِلْمِي، ومحمد ◌َّ كأنه مصحف عَمَلِيٍّ، والله أعلم . قوله: (ولا أسأل عن أحد شيء) إلخ: فإن جوابها الوجيز البليغ الجامع المانع قد أغناني عن كل سؤال، ففيه متبع وهداية لكل رشد، وجلاء من كل شبهة. قوله: (عن قیام رسول الله ێ#) إلخ: أي بالليل. قوله: (افترض قيام الليل) إلخ: أي فرضه بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّقِلُ ﴾ قُرِ الَّلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل: ١، ٢]. (٢) قوله: (في آخر هذه السورة التخفيف) إلخ: في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّنْ تُخُصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكٌ. فَأَقْرَءُواْ مَا تَبَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠]. قوله: (تطوعاً بعد فريضة) إلخ: وهذا ظاهر في أنه كان فرضاً عليه وعلى الناس. وقيل: ٣٤ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فرض عليه وحده، مندوب لغيره، لأنه خصه بالخطاب ((بيا أيها المزمل)) وقيل: لم يفرض، ۔۔ لقوله: ﴿نِصْفَهُ، أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِلًا ؟ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٣، ٤] إذ ليست صيغة وجوب. وروى محمد بن نصر في قيام الليل، من طريق سماك، عن ابن عباس: شاهداً لحديث عائشة في أن بين الإيجاب والنسخ سنة، وكذا أخرجه محمد بن نصر عن أبي عبد الرحمن السلمي، والحسن، وعكرمة، وقتادة، بأسانيد صحيحة عنهم، وإنما احتاج حديث عائشة مع صحته إلى شاهد لأنها خولفت، فروى ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: «لما أنزل الله على نبيه ﴿وَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ﴾ [المزمل: ١] مكث النبي ◌َّر على هذه عشرة سنين يوم الليل كما أمره الله، وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه، فأنزل الله بعد عشر سنين ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْفَ مِنْ تُلْنَى الَّلِ - إلى قوله: فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [المزمل: ٢٠] فخفف الله عنهم بعد عشر سنين)). قال الحافظ: ((ومقتضى - أي حديث - عائشة ومن وافقها: أن النسخ وقع بمكة، لأن الإيجاب متقدم عن فرض الخمس ليلة الإسراء، وكانت قبل الهجرة بأكثر من سنة (وحكى الشافعي كثّفُ عن بعض أهل العلم أن آخر السورة نسخ افتراض قيام الليل إلا ما تيسر منه، ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس). واستشكل محمد بن نصر ذلك بأن الآية تدل على أن قوله تعالى: ﴿فَقْرَءُوا مَا تَبَشَرَ مِنْهُ﴾ إنما نزلت بالمدينة، لقوله فيها: ﴿وَءَاخَرُونَ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ﴾ إلخ، والقتال إنما وقع بالمدينة لا بمكة، والإسراء كان قبل ذلك. قال الحافظ: ((وما استدل به غير واضح، لأنه قوله تعالى: ﴿عَلِّمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ ... )) ظاهر في الاستقبال، فإنه سبحانه امتن عليهم بتعجيل التخفيف قبل وجود المشقة التي علم أنها ستقع)). وروى محمد بن نصر من حديث جابر: أن نسخ قيام الليل وقع لما توجهوا مع أبي عبيدة عامر بن الجراح في جيش الخَبَط - بفتح المعجمة والموحدة وطاء مهملة - وكان ذلك بعد الهجرة بمدة، لكن في إسناده علي بن زيد ابن جُدعان(١) وهو ضعيف، فوجوب قيام الليل قد نسخ في حقنا بإجماع، وشذ بعض التابعين، فأوجبه ولو قدر حلب شاة. وهل نسخ في حقه ◌َ # أم لا، قال: أكثر الشافعية: لا، قال القسطلاني: والصحيح نعم، ونقله الشيخ أبو حامد عن النصر للإمام الشافعي كثّفُ. قال النووي: ((وهو الأصح أو الصحيح)) اهـ. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: والظاهر أن آخر المزمل، أي قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّنْ تُوُ فَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَهُواْ مَا تَبَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ إنما نسخ الإحصاء وطول قيام الليل نصفه، أو الزائد (١) جدعان هذا ليس أباً لزيد بل هو جد جده. انظر تقريب التهذيب (٢: ٣٧، رقم ٣٤٢). ٣٥ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها عليه قليلاً، أو الناقص منه بقليل، فصار هذا تطوعاً بعد فريضته، كما قالت عائشة ومع ذلك فقد أمر بقراءة ما تيسر منه بعد النسخ مرتين، والظاهر منه أنه أراد إبقاء شيء من صلاة الليل، ولا أقل من الوتر. وعند سعيد بن منصور بسند جيد، عن ابن عمر: «ما أصبح رجل على غير وتر إلا أصبح على رأسه جرير - حبل - قدر سبعين ذراعاً)) وهذا يشعر بأن حديث ((عقد الشيطان على قافية الرأس)» - كما هو في الصحيحين -: محمول على ترك الوتر. وفي كنز العمال (٤: ١٦٨): ((عليكم بصلاة الليل ولو ركعة واحدة)) (حم في الزهد، وابن نصر، طب: عن ابن عباس). وعند أبي نصر عن الحسن، عن سمرة، قال: ((كان رسول الله* يأمرنا أن نقوم من الليل بما قل أو أكثر، وأن نجعل آخر ذلك وتراً)) إسناده مستقيم. وله طريق آخر في اللسان (٦: ١٥) ولفظه: ((أن يصلي أحدنا كل ليلة بعد العشاء المكتوبة: ما قل أو كثر، ويجعلها وتراً)) وهذا كله يرجح ما ذهب إليه بعض التابعين من افتراض بعض قيام الليل، ويشعر به صنيع البخاري كثّتُهُ أيضاً في تراجمه، ولكن هذا البعض ليس بمضبوط ومقدر كالخمس المكتوبة، فإنها فرائض مطلقة قطعية مستقلة مضبوطة محددة يكفر جاحدها، وليس الوتر كذلك، كما تقدم بسطه في شرح حديث ضمام بن ثعلبة من أوائل كتاب الإيمان، ولعل هذا هو مأخوذ ما روى عن أبي حنيفة كثّفُ: أن الوتر فرض، والمشهور عنه أنه واجب، وروى عنه: أنه سنة، وجمعوا بين هذه الروايات أنه فرض عملاً، وواجب اعتقاداً، وثابت بالسنة. ويمكن أن يقال: إن الوتر في أقل من مراتبه فرض، وبهيأته الخاصة من عدد الركعات، وكيفية الوصل، وغيرها صار واجباً، وهو تابع من وجه للصلوات الخمس، شرع لإكمالها، وقد يطلق عليه الفرض أيضاً لقوة وجوبه وأدائه مع شيء من النوافل الليلية قبله سنة سنها رسول الله وَّر، لا سيما في حق أهل القرآن، والله أعلم. الفرق بين مراتب الفرض والواجب وأنواعها ولا بأس بأن ننقل هنا بعض ما قال أصحابنا في بيان الفرض بين مراتب الفرض والواجب وأنواعهما : فقال ابن عابدين كفّثُ في أوائل الوتر من رد المحتار: ((واعلم أن الفرض نوعان: فرض عملاً وعلماً، وفرض عملاً فقط، فالأول كالصلوات الخمس، فإنها فرض من جهة العمل، لا يحل تركها، ويفوت الجواز بفوتها، بمعنى أنه لو ترك واحدة منها لا يصح فعل ما بعدها قبل قضاء المتروكة، وفرض من جهة العلم والاعتقاد، بمعنى أنه يفترض عليه اعتقادها، حتى يكفر بإنكارها، والثاني كالوتر، فإنه فرض عملاً كما ذكرناه، وليس بفرض علماً، أي لا يفترض ٣٦ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم اعتقاده حتى إنه لا يكفر منكره لظنية دليله، وشبهة الاختلاف فيه، ولذا يسمى واجباً، ونظيره مسح ربع الرأس، فإن الدليل القطعي أفاد أصل المسح، وأما كونه قدر الرابع فإنه ظني، ولكنه قام عند المجتهد ما رجح دليله الظني، حتى صار قريباً من القطعي، فسماه فرضاً - أي عملياً - بمعنى أنه يلزم عمله، حتى لو تركه ومسح شعرة مثلاً يفوت الجواز به، وليس فرضاً علماً، حتى لو أنكره لا يكفر، بخلاف ما لو أنكر أصل المسح. وبه علم أن الواجب نوعان أيضاً، لأنه كما يطلق على هذا الفرض الغير القطعي على ما هو دونه في العمل وفوق السنة، وهو ما لا يفوت الجواز بفوته، كقراءة الفاتحة، وقنوت الوتر، وتكبيرات العيدين، وأكثر الواجبات من كل ما يجبر بسجود السهو، وقد يطلق الواجب أيضاً على الفرض القطعي كما قدمناه عن التلويح في بحث فرائض الوضوء، فراجعه)). وقال في فرائض الوضوء بعد نقل عبارة البحر: ((أقول: بيان ذلك أنه الأدلة السمعية أربعة : الأول: قطعي الثبوت والدلالة، كنصوص القرآن المفسرة أو المحكمة، والسنة المتواترة التي مفهومها قطعي . الثاني: قطعي الثبوت ظني الدلالة، كالآيات المؤولة. الثالث: عكسه، كأخبار الآحاد التي مفهومها قطعي. الرابع: ظنيهما كأخبار الآحاد التي مفهومها ظني. فبالأول يثبت: الفرض والحرام، وبالثاني والثالث: الواجب وكراهة التحريم، وبالرابع: السنة والمستحب. ثم إن المجتهد قد يقوي عنده الدليل الظني، حتى يصير قريباً عنده من القطعي، فما ثبت به يسميه فرضاً عملياً، لأنه يعامل معاملة الفرض في وجوب العمل، ويسمى واجباً نظراً إلى ظنية دليله، فهو أقوى نوعي الواجب، وأضعف نوعي الفرض، بل قد يصل خبر الواحد عنده إلى حد القطعي، ولذا قالوا: إنه إذا كان متلقى بالقبول جاز إثبات الركن به، حتى ثبتت ركنية الوقوف بعرفات بقوله : ((الحج عرفة)). وفي التلويح: أن استعمال الفرض فيما ثبت بظني، والواجب فيما ثبت بقطعي: شائع مستفيض، فلفظ الواجب يقع على ما هو فرض علماً وعملاً، كصلاة الفجر، وعلى ظني هو في قوة الفرض في العمل، كالوتر، حتى يمنع تذكرة صحة الفجر كتذكر العشاء وعلى ظني هو دون الفرض في العمل، وفوق السنة، كتعيين الفاتحة، حتى لا تفسد الصلاة بتركها، لكن تجب سجدة السهو)) اهـ. ٣٧ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها فالحاصل أن الوتر عندنا عبادة برزخية بين الفرائض المطلقة وسائر الواجبات الاصطلاحية. وقال صاحب البدائع: ((ولا حجة لهم (أي لمنكري وجوب الوتر) في الأحاديث الأخر، لأنها تدل على فرضية الخمس، والوتر ليست بفرض، بل هي واجبة، وفي هذا حكاية، وهو ما روى أن يوسف بن خالد السمتي سأل أبا حنيفة عن الوتر، فقال: هي واجبة، فقال يوسف: كفرت يا أبا حنيفة - وكان ذلك قبل أن يتتلمذ عليه - كأنه فهم من قول أبي حنيفة أنه يقول: إنها فريضة، فزعم أنه زاد على الفرائض الخمس، فقال أبو حنيفة ليوسف: أيهولني إكفارك إياي؟ وأنا أعرف الفرق بين الفرض والواجب كفرق ما بين السماء والأرض، ثم بين له الفرق بينهما، فاعتذر إليه، وجلس عنده للتعليم بعد أن كان من أعيان فقهاء البصرة، وإذا لم يكن فرضاً لم تصر الفرائض الخمس ستاً بزيادة الوتر عليها، وبه تبين أن زيادة الوتر على الخمس ليست نسخاً لها، لأنها بقيت بعد الزيادة كل وظيفة اليوم والليلة فرضاً. أما قولهم: إنه لا وقت لها، فليس كذلك، بل لها وقت، وهو وقت العشاء، إلا أن تقديم العشاء عليها شرط عند التذكر، والمفروض لا يدل على التبعية (المطلقة) كتقديم كل فرض على ما يعقبه من الفرائض، ولهذا اختص بوقت استحساناً، فإن تأخيرها إلى آخر الليل مستحب، وتأخير العشاء إلى آخر الليل يكره أشد الكراهة، وذا أمارة الإصالة، إذ لو كانت تابعة للعشاء لتبعته في الكراهة والاستحباب جميعاً. وأما الجماعة (أي دائماً) والأذان والإقامة، فلأنها من شعائر الإسلام، فتختص بالفرائض المطلقة، وأما القراءة في ركعات الوتر كلها فلضرب احتياط عند تباعد الأدلة عن إدخالها تحت الفرائض المطلقة، فإنه وإن كان واجباً، ولكن الواجب ما يحتمل أنه فرض، ويحتمل أنه نفل، لكن يرجع جهة الفرضية فيه بدليل فيه شبهة، فيجعل واجباً مع احتمال النفلية، فإن كان فرضاً يكتفي بالقراءة في ركعتين منه، كما في المغرب، وإن كان نفلاً يشترط في الركعات كلها كما في النوافل، فكان الاحتياط وجوبها في الكل)) اهـ. أدلة وجوب الوتر ورد ما أورد عليها من لم يوجبها أما الأدلة على وجوب الوتر فحديث أبي بصرة الغفاري، رواه الحاكم في المستدرك في كتاب الفضائل، من طريق ابن لهيعة، حدثني عبد الله بن هبيرة، أن أبا تميم الجيشاني عبد الله بن مالك أخبره، أنه سمع عمرو بن العاص يقول: سمعت أبا بصرة الغفاري يقول: سمعت رسول الله ◌َّ يقول: ((إن الله تعالى زادكم صلاة، وهي الوتر، فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح)) اهـ. وسكت عنه، وأعله الذهبي في مختصره بابن لهيعة. وله طريق آخر عند الطبراني في معجمه، وأحمد في مسنده، عن ابن المبارك، ثنا سعيد بم يزيد، عن ابن هبيرة عن أبي تميم الجيشاني به. ٣٨ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وطريق آخر عند الطبراني عن الليث بن سعد، عن جبير بن نعيم، عن ابن هبيرة به. كذا في نصب الراية. قال الحافظ في الدراية: ((ولم يتفرد به ابن لهيعة، بل أخرجه أحمد والطبراني من وجهين جیدین عن ابن هبيرة)) اهـ. وقال ابن قدامة في ((المغنى)) بعد ذكر حديث أبي بصرة: ((رواه الأثرم واحتج به أحمد)). وحديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: ((إن الله عز وجل زادكم صلاة وهي الوتر)) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين بإسناد حسن، قاله الحافظ في الدراية. وفي نصب الراية بعد ذكر حديث أبي سعيد هذا: ((قال البزار في مسنده: ((وقد روى في هذا المعنى أحاديث، كلها معلولة)) ثم ذكر البزار منها أحاديث ابن عباس، وخارجة بن حذافة، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وذكر وجوه إعلالها، ولم يذكر حديث أبي سعيد هذا، ولا العلة فيه، والظاهر من سياق عبارته أنه أراد إعلال الأحاديث التي فصلها بعد الإجمال، ولم يقصد حديث الخدري، وحديث أبي بصرة، وإن كان مراده إعلال جميع الأحاديث المروية في المسألة، فمثل هذا الإفراط لا يلزم قبوله، والله أعلم)). وحديث خارجة: قال الشيخ ابن الهمام كَثُ: ((قد أخرجه الحاكم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه: ((خرج علينا رسول الله وَّل، فقال: ((إن الله أمدكم بصلاة خير لكم من حُمُر النعم، وهي الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر)) قال الحاكم: ((صحيح ولم يخرجاه لتفرد التابعي عن الصحابي، وقول الترمذي: غريب؛ لا ينافي الصحة، لما عرف، ولذا يقول مراراً في كتابه: حسن صحيح غريب، وما نقل عن البخاري من أنه أعله بقوله: ((لا يعرف سماع بعض هؤلاء من بعض)) فبناء على اشتراطه العلم باللقى، والصحيح الاكتفاء بإمكان اللقى، وإعلال ابن الجوزي له بابن إسحاق، وبعبد الله بن راشد، نقل تضعيف ابن راشد عن الدارقطني، أما ابن إسحاق فثقة ثقة لا شبهة عندنا في ذلك، ولا عند محققي المحدثين، ولو سلم فقد تابعه الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، وأما ما نقله عن الدارقطني من تضعيف ابن راشد فغلطه فيه صاحب التنقيح، لأن الدارقطني إنما ضعف عبد الله بن راشد البصري مولى عثمان بن عفان الراوي عن أبي سعيد الخدري، وأما هذا راوي حديث خارجة لهو الروقي أبو الضحاك المصري، ذكره ابن حبان في الثقات)) انتهى. ومتابعة الليث والتصريح يكون الروقي كلاهما في إسناد النسائي للحديث المذكور في كتاب الكنى، فتم أمر هذا الحديث على أتم وجه في الصحة، ولو لم يكن هذا كان في كثرة طرقه المضعفة ارتفاع له إلى الحسن)) اهـ. وأما ما قال ابن حبان - كما في التهذيب - إسناده منقطع ومتنه باطل، فقد عرفت الجواب عن انقطاع الإسناد، أما بطلان المتن فلم يوجهه . ٣٩ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها وقوله: ((ومن اعتمده فقد اعتمد إسناداً مشوشّاً)) فلم يظهر وجه التشويش، فقد صححه الحاكم، وسكت على تصحيحه الذهبي، حتى قال أبو زيد في كتاب الأسرار: هو حديث مشهور، وأخرجه الطحاوي بإسناده. قال العيني كثُّهُ: ((إنه سند صحيح، وإن سلم انقطاع الإسناد فلم نذكره للاعتماد، بل للاعتضاد، والاعتماد إنما هو على حديثي أبي بصرة وأبي سعيد كما مر)). وحديث بريدة كما سيأتي)). بقي الشأن في وجه الاستدلال بهذه الأحاديث، فقال صاحب البدائع: ((الاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنه أمر بها (في حديث أبي بصرة وغيره) ومطلق الأمر للوجوب. والثاني: أنه سماها زيادة، والزيادة على الشيء لا تتصور إلا من جنسه، فأما إذا كان غيره فإنه يكون قراناً لا زيادة، ولأن الزيادة إنما تتصور على المقدر، وهو الفرض، فأما النفل فليس بمقدر، فلا تتحقق الزيادة عليه، ولا يقال: إنها زيادة على الفرض، لكن في الفعل، لا في الوجوب، لأنهم كانوا يفعلونها قبل ذلك، ألا ترى أنه قال: ((ألا وهي الوتر)) ذكرها معرفة بحرف التعريف، ومثل هذا التعريف لا يحصل إلا بالعهد، ولذا لم يستفسروها، ولو لم يكن فعلها معهوداً لاستفسروا، فدل أن ذلك في الوجوب لا في الفعل)) اهـ. كذا في البدائع. ورد الوجه الأول من الاستدلال الثاني أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي، حيث قال: (به احتج علماء أبي حنيفة فقالوا: إن الزيادة لا تكون إلا من جنس المزيد، وهذه دعوى، بل الزيادة تكون من غير جنس المزيد، كما لو ابتاع بدرهم، فلما قضاه زاده ثمناً أو ربعاً إحساناً، كزيادة النبي وَ لـ لجابر في ثمن الجمل، فإنها زيادة وليست بواجبة)) اهـ. ورد الوجه الثاني الشيخ ابن الهمام، حيث قال: قيل: إن الزيادة لا تتحقق إلا عند حصر المزيد عليه، والمحصور الفرائض لا النوافل، ويشكل عليه ما ثبت بسند صحيح (عن أبي سعيد) أخرجه الحاكم والبيهقي عنه وَّر: ((إن الله تعالى زادكم صلاة إلى صلاتكم، هي خير لكم من حمر النعم، ألا وهي الركعتان قبل صلاة الفجر)) فإن اقتضى لفظ ((زادكم)) الحصر فإنه يجب في هذا كون المحصورة المزيدة عليه السنن الرواتب، وحينئذٍ فالمحصورة أعم من الفرائض والسنن الراتبة، فلا يستلزم لفظ ((زادكم)) كون المزيد فرضاً، لجواز كونه زيادة على المحصورة التي ليست بفرض، أعني السنن)) اهـ. قلت: إن كان المراد بالزيادة في الحديث المعنى الذي أشار إليه ابن العربي فهي لا تختص بالوتر، بل سائر النوافل قد شرعها الله تعالى للعباد لإكمال الفرائض، وليزيدهم إحساناً على إحسان، وقد رغب النبي ◌َّير في فعلها، وحث على المواظبة على الرواتب منها، ولكن لم يقل في حق واحدة منها: إن الله قد زاد صلاة إلى صلاتكم، أو أمدكم بها، إلا في الوتر وركعتي الفجر، فلو كان المراد بزيادتهما إلحاقهما بالصلوات الخمس في نفس كونهما صلاة مكمّلة لها ٤٠ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فالرواتب كلها كذلك، فأي خصوصية للوتر وركعتي الفجر؟ وإن كان الغرض من زيادتهما أنهما ألحقا بالفرائض وزيدتا عليها من حيث لزومهما وتحتمهما وشدة تأكدهما، فهذا هو مقصود من قال بأن الوتر واجب، أي متحتم عملاً كالفرائض فوق الرواتب، فكأن النوافل كلها زيادة على الفرائض من العبد، وهاتان الصلاتان زيادة من الله تعالى على ما فرضه، ولما كان أحاديث الزيادة والإمداد في حق الوتر جاءت من مخارج عديدة وطرق كثيرة عن جماعة من الصحابة، ولم يوجد هذه الكثرة والشهرة في حديث ركعتي الفجر: قال الإمام أبو حنيفة كثّفُ بوجوب الوتر، ولم يفصح بوجوب ركعتي الفجر إفصاحه بالوتر، ولكن أشار إلى ما يدل على كونهما قريباً من الواجب، حتى كاد علماؤنا أن يقولوا بوجوبهما، وفرعوا أحكاماً دالة عليه، بل قد صرح بعضهم به واختاره، فالزيادة في ركعتي الفجر أيضاً بالنسبة إلى الفرائض، لا بالنسبة إلى الرواتب، كما زعم ابن الهمام، والوتر أحق بكونه زيادة من ركعتي الفجر، فإنهما ليستا على شاكلة جديدة، بخلاف الوتر. ومما يدل على وجوب الوتر لحوقه بالفرائض في اتحتم: أن النبي وَلّ نهى عن الإيتار بالثلاث تحرزاً عن التشبه بالمغرب مع تباين وقتيهما، ولم يرد مثل هذا النهي في شيء من الرواتب والنوافل، مع كون بعضها مؤداة مع الفرائض وتشابهها معها في عدد الركعات كسنة الفجر مع فريضته، وسنة الظهر القبلية الرباعية مع فرضها، فليس هذا الاهتمام بالنهي عن التشبه بالمغرب في الوتر إلا لانسلاكه في سلك الفرائض من وجه، وشدة مشابهته بالمغرب، حتى يطلب التمييز من خارج بين فريضة الله المطلقة، وبين ما أوجب على لسان رسوله - * زيادة عليها وتكميلاً لها، ولعل السر في مشروعيته أن الصلوات كلها ما عدا المغرب كانت ثنائية في الابتداء، ثم جعلت رباعية إلا المغرب والصبح، فإنهما أبقيتا على ما كانتا عليه لحكمة إلهية لم نحط بها علماً، فصارت الصلوات المفروضة في الليل والنهار سبع عشرة ركعة، وكان الظاهر الأقيس تربيع جميع الصلوات، وتصييرها عشرين ركعة، فأمد الله سبحانه وتعالى الخمس المكتوبة بثلاث ركعات الوتر، وكمل بها عدد الركعات، فجعل وظيفة اليوم بليلته عشرين ركعة على عدد ساعات الليل والنهار الخالية عن الكراهة، (وساعات الكراهة هي ساعة فيها الطلوع، وساعة فيها الغروب، وساعتان من الضحوة الكبرى، كما صرح به بعض الحنفية) فكأن صلاة الوتر قد ركبت من بقايا الفجر والمغرب، إلا أن الحكمة التشريعية ما اقتضت وضعها في درجة المكتوبات، بل جعلها إمداداً، وإمداد الجيش إنما يكون من بعد وأعطى له وقتاً من أوقات المكتوبة، ولم يفرد له وقتاً، بل أدخله في وقتها، كمدد الجيش لا يفرد له نظر، والإمداد اتباع الثاني الأول تقوية وتأكيداً . وبالجملة فالوتر واجب اتصل أمره بأمر الفرائض، وكاد أن يدخل في صفوفها، والإمام أبو