Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
الكلام في أن الفرس كم هو، لا في جواز إتمام أربع، فإنا نقول: إذا أتم كانت الأخريان نافلة،
لكن فيه أن المسنون في النفل عدم بنائه على تحريمه الفرض، فلم تكن عائشة رضيوثقا تواظبي على
خلاف السعة في السفر، فالظاهر أن وصلها بناء على اعتقاد وقوع الكل فرضاً، فليحمل على أنه
حدث لها تردد، أو ظن في أن جعلها ركعتين للمسافر: مقيد بحرجه بالإتمام، يدل عليه ما
أخرجه البيهقي، والدارقطني، بسند صحيح، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضيوثها:
((أنها كانت تصلي في السفر أربعاً، فقلت لها: لو صليت ركعتين؟ فقالت: يا ابن أختي، إنه لا
يشق عليّ)). وهذا - والله أعلم-، هو المراد من قول عروة: ((إنها تأولت)) أي تأولت أن الإسقاط
مع الحرج، لا أن الرخصة في التخيير بين الأداء والترك مع بقاء الافتراض في المخير في أدائه،
لأنه غير معقول، هذا ما في كتب الحديث.
وأما المذكور في بعض كتب الفقه من أنها كانت لا تعد نفسها مسافرة، بل حيث حلت
كانت مقيمة، ونقل قولها: ((أنا أم المؤمنين، فحيث حللت فهو داري)) لما سئلت عن ذلك:
فبعيد، ويتقضى أن لا يتحقق لها سفر أبداً في دار الإسلام، ولذ كان المروي عن رسول الله والقوى
المواظبة على القصر، في صحيح البخاري عن ابن عمر ظه: ((صبحت رسول الله وَيظهر في
السفر، فلم يزد على ركعتين، حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر، فلم يزد على ركعتين، حتى
قبضه الله تعالى، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين، حتى قبضه الله، وصحبت عثمان، فلم يزد
على ركعتين، حتى قبضه الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾
[الإحزاب: ٢١] انتهى.
وهو معارض للمروي من أن عثمان كان يتم، والتوفيق أن إتمامه المروي كان حين أقام
بمنى أيام منى، ولا شك أن حكم السفر منسحب على إقامة أيام منى، فساغ إطلاق أنه أتم في
السفر، ثم كان ذلك منه بعد مضي الصدر من خلافته، لأنه تأهل بمكة على ما رواه أحمد: ((أنه
صلى بمنى أربع ركعات، فأنكر الناس عليه، فقال: أيها الناس، إني تأهلت بمكة منذ قدمت،
وإني سمعت رسول الله (وَ ل﴿ يقول: من تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم)) اهـ.
قال الحافظ: ((هذا الحديث لا يصح، لأنه منقطع، وفي روايته من لا يحتج به)).
قال ابن القيم: ((وقد أعلّه البيهقي بانقطاعه وتضعيفه عكرمة بن إبراهيم)).
قال أبو البركات ابن تيمية: ((ويمكن المطالبة بسبب الضعف، فإن البخاري ذكره في
تاريخه ولم يطعن فيه، وعادته ذكر الجرح والمجروحين، وقد نص أحمد وابن عباس قبله أن
المسافر إذا تزوج لزمه الإتمام، وهذا قول أبي حنيفة كَّفُ، ومالك، وأصحابهما، وهذا أحسن ما
اعتذر به عن عثمان
قال الحافظ: ((والمنقول أن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصاً بمن كان

٣٨٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
شاخصاً سائراً، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم، فيتم. والحجة فيه ما
رواه أحمد بإسناد حسن، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: ((لما قدم علينا معاوية حاجًّا:
صلى بنا الظهر ركعتين بمكة، ثم انصرف إلى دار الندوة، فدخل عليه مروان وعمرو بن عثمان،
فقالا: لقد عبت أمر ابن عمك، لأنه كان قد أتم الصلاة، قال: وكان عثمان حيث أتم الصلاة
إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعاً أربعاً، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر
الصلاة، فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصلاة. قال: وروى البيهقي من طريق عبد
الرحمن بن حميد بن عوف، عن أبيه، عن عثمان أنه أتم بمنى، ثم خطب، فقال: ((إن القصر
سنة رسول الله ◌َ﴿ وصاحبيه، ولكنه حدث طغام - يعنى بفتح الطاء، والمعجمة - فخفت أن
يستنّوا))، وعن ابن جريج: ((أن أعرابياً ناداه في منى: يا أمير المؤمنين، ما زلت أصليها منذ
رأيتك عام أول: ركعتين))، وهذه طرق يقوي بعضها بعضاً، ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب
الإتمام، وليس بمعارض للوجه الذي اخترته، بل يقويه من حيث أن حالة الإقامة في أثناء السفر
أقرب إلى قياس الإقامة المطلقة عليها، بخلاف السائر، وهذا ما أدى إليه اجتهاد عثمان)) اهـ.
قال الشيخ بدر الدين العيني: ((وهذا الذي ذكره يؤيد ما ذهبنا إليه من وجوب القصر، لأنه
قال: كان يرى القصر مختصاً بمن كان شاخصاً سائراً، وظاهره أنه كان يرى القصر واجباً
للمسافر، وكان يرى حكم المقيم لمن أقام، ونحن أيضاً نرى ذلك، غير أن المسافر متى يكون
مقيماً فيه خلاف قد ذكرناه، فلا يضرنا هذا الخلاف، ودعوانا في وجوب القصر في حق
المسافر)) اهـ.
وقال الكرماني: «ثم إن راوية الحديث عائشة قد خالفت روايتها، وإذا خالف الراوي
روايته لا يجب العمل بروايته عندهم» (أي الخنيفة).
قلت: قد تقدم جوابه في كلام ابن الهمام.
وقال الشيخ بدر الدين العيني: ((جوابه في نفس الحديث، وهو قول عروة: ((تأولت كما
تأول عثمان، لأن الزهري لما روى هذا الحديث عن عروة عن عائشة ظهر له أن الركعتين هو
الفرض في حق المسافر، لكن أشكل عليه إتمام عائشة من حيث إنها أخبرت بفرضية الركعتين في
حق المسافر، ثم إنها كيف أتمت؟ فسأل عروةَ بقوله: ((ما بال عائشة تتم)) فأجاب عروة بقوله:
((تأولت ما تأول عثمان ر﴿به)) فنحن لا نقول: إن عائشة خالفت ما روته، بل نقول: إنها أولت
كما قال عروة، ومما يؤيد ذلك ما رواه البيهقي بإسناد صحيح من طريق هشام بن عروة، عن
أبيه: ((أنها كانت تصلي في السفر أربعاً، فقلت لها: لو صليت ركعتين؟ فقالت: يا ابن أختي،
لا تشق عليّ)) فهذا يدل على أنها تأولت القصر، ولم تنكره، وتأويلها إياه لا ينافي وجوبه في
نفس الأمر مع أن الإنكار لم ينقل عنها صريحاً .

٣٨٣
كتاب: صلاة المسافرين وقصرها
وبعد كل ذلك فنحن ما اكتفينا في الاحتجاج فيما ذهبنا إليه بهذا الحديث وحده، ولنا في
ذلك دلائل أخرى قد ذكرناها فيما مضى. وقال أبو عمر وغيره: قد اضطربت الآثار عن
عائشة ﴿يّا في هذا الباب. قلت: فلذلك ما اكتفى أصحابنا به في الاحتجاج) اهـ.
قال الحافظ ابن القيم: ((وأما حديث عائشة أن النبي ◌ّ# كان يقصر في السفر، ويتم،
ويفطر، ويصوم)): فلا يصح، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على
رسول الله ◌َ﴾" انتهى.
وقد روي: ((كان يقصر وتتم)) الأول بالياء آخر الحروف، والثاني بالتاء المثناة من فوق،
وكذلك: ((يفطر وتصوم)) أي تأخذ هي بالعزيمة في الموضعين. قال شيخنا ابن تيمية: ((وهذا
باطل، ما كانت أم المؤمنين لتخالف رسول الله وَ ل﴿ وجميع أصحابه، فتصلي خلاف صلاتهم،
كيف! والصحيح عنها: ((أن الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله وَلو إلى
المدينة زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر)) فكيف يظن بها مع ذلك أن تصلي بخلاف
صلاة النبي ◌َّ والمسلمين معه)) اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر تقلّثُ في التلخيص الحبير: ((ولفظ ((تتم وتصوم)) بالمثناة من فوق،
وقد استنكره أحمد، وصحته بعيدة، فإن عائشة كانت تتم، وذكر عروة أنها تأولت ما تأول عثمان
كما في الصحيح، فلو كان عندها رواية عن النبي ◌َّي لم يقل عروة: إنها تأولت، وقد ثبت في
الصحیحین خلاف ذلك)) اهـ.
وقال في بلوغ المرام: ((رواته ثقات إلا أنه معلول)).
وقال الحافظ ابن القيم: ((وقد أتمت عائشة بعد موت النبي ◌َّقر، قال ابن عباس وغيره:
إنها تأولت كما تأول عثمان، وإن النبي وس* كان يقصر دائماً، فركب بعض الرواة من الحديثين
حديثاً، وقال: فكان رسول الله وَله يقصر وتتم هي)) فغلط بعض الرواة، فقال: ((كان يقصر ويتم))
أي هو.
والتأويل الذي تأولته قد اختلف فيه، فقيل: ظنت أن القصر مشروط بالخوف والسفر، فإذا
زال الخوف زال سبب القصر، وهذا التأويل غير صحيح، فإن النبي بَلّ سافر آمناً، وكان يقصر
الصلاة والآية قد أشكلت على عمره وغيره، فسأل عنها رسول الله وَ لته، فأجابه بالشفاء،
وأن هذا صدقة من الله، وشرع للأمة، وكان هذا بيان أن حكم المفهوم غير مراد، وأن الجناح
مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف، وغايته أنه نوع تخصيص للمفهوم، أو رفع له، وقد
يقال: إن الآية اقتضت قصراً يتناول قصر الأركان بالتخفيف، وقصر العدد بنقصان ركعتين، وقيد
ذلك بأمرين: الضرب بالأرض، والخوف، فإذا وجد الأمران أبيح القصران، فيصلون صلاة

٣٨٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الخوف مقصورة عددها وأركانها، وإن انتفى الأمران فكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران،
فيصلون صلاة تامة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصرة وحده، فإذا وجد الخوف
والإقامة قصرت الأركان واستوفى العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، فإن
وجد السفر والأمن قصر العدد، واستوفى الأركان، وسميت صلاة أمن، وهذا نوع قصر، وليس
بالقصر المطلق، وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمى تامة باعتبار
إتمام أركانها، وأنها لم تدخل في قصر الآية، والأول اصطلاح كثير من الفقهاء المتأخرين،
والثاني يدل عليه كلام الصحابة كعائشة وابن عباس وغيرهما، وهذا ثابت عن عمر رَظ ◌ُه، وهو
الذي سأل النبي ◌َ: ((ما بالنا نقصر وقد أمِنّا؟ فقال له رسول الله وَله: صدقة تصدق بها الله
عليكم، فاقبلوا صدقته)) ولا تناقض بين حديثيه، فإن النبي * لما أجابه بأن هذه صدقة الله
عليكم، ودينه اليسر السمح، علم عمر أنه ليس المراد من الآية قصر العدد، كما فهمه كثير من
الناس، فقال: ((صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر)) وعلى هذا فلا دلالة في الآية على أن قصر
العدد مباح منفي عنه الجناح، فإن شاء المصلي فعله وإن شاء أتم.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويظهر لي أن صلاة المسافر في نفسها من حيث التشريع
تمام غير قصر، كما يدل عليه حديث عائشة والسائب بن يزيد، وآثار كثيرة من الصحابة
ومن حيث أحوال المصلي يسمى قصراً، فإن الأصل في أحواله التوطن والإقامة، والسفر
عارض، فكأن أصل الصلاة في حقه هي صلاة الحضر، فصلاة السفر صارت قصراً بالنسبة إلى
ما هو أصل الصلاة من حيث أحواله، ولهذا نسب القصر في الآية إلى المصلين، فقال: ﴿أَن
نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ [النساء: ١٠١] وقال عمر وغيره في نفس صلاة المسافر مع قطع النظر عن أحوال
المصلين: ((إنها تمام غير قصر))، والله أعلم.
وأما قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَاحُ﴾ [النساء: ١٠١] فقال العلامة السيد الآلوسي: ((وروده
بنفي الجناح لأنهم ألفوا الإتمام، فكانوا مظنة أن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر،
فصرح بنفي الجناح عليهم لتطيب به نفوسهم، وتطمئن إليه، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ
الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يََّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] مع أن ذلك الطواف واجب عندنا،
ركن عند الشافعي رظُه تعالى، وعن أبي جعفر ربه أنه تلا هذه الآية لمن استبعد الوجوب بنفي
الجناح، وقال المحقق الشاطبي في الموافقات: ((إن رفع الجناح قد يكون مع الواجب، كقوله
تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] وقد يكون مع مخالفة المندوب، كقوله:
﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] فلو كان رفع الجناح يستلزم التخيير في
الفعل والترك لم يصح مع الواجب، ولا مع مخالفة المندوب، وليس كذلك التخيير المصرح به،
فإنه لا يصح مع كون الفعل واجباً دون الترك، ولا مندوباً، أو بالعكس)) اهـ.

٠
٣٨٥
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
وبالجملة فنفي الجناح في آية القصر لا يدل على عدم وجوب القصر، والدلائل قائمة على
وجوبه كما تقدم.
قال الحافظ ابن القيم: ((وكان رسول الله ﴿ يواظب في أسفاره على ركعتين ركعتين، ولم
يربع قط إلا شيئاً فعله في بعض صلاة الخوف)). كما سنذكره هناك، ونبين ما فيه إن شاء الله
تعالی.
وقال أنس: ((خرجنا مع رسول الله ﴿ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين،
حتى رجعنا إلى المدينة)) متفق عليه اهـ.
قال صاحب البدائع: ((ولو كان القصر رخصة والإكمال هو العزيمة لما ترك العزيمة إلا
أحياناً، إذ العزيمة أفضل، وكان رسول الله وَل﴿ لا يختار من الأعمال إلا أفضلها، وكان لا يترك
الأفضل إلا مرة أو مرتين تعليماً للرخصة في حق الأمة، فأما ترك الأفضل أبداً - وفيه تضييع
الفضيلة عن النبي ◌َّر في جميع عمره - فمما لا يحتمل)) اهـ.
قال ابن القيم تخلفهُ: ((ولما بلغ عبد الله بن مسعود أن عثمان بن عفان صلى بمنى أربع
ركعات، قال: ((إنا لله وإنا إليه راجعون، صليت مع رسول الله وَ لل بمنى ركعتين، وصليت مع
أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان»
متفق عليه، ولم يكن ابن مسعود يسترجع من فعل عثمان أحد الجائزين المخير بينهما، بل الأولى
على قول، وإنما استرجع لما شاهده من مداومة النبي ◌ّر وخلفائه على صلاة ركعتين في السفر.
وفي صحيح البخاري، عن ابن عمر ظُبه، قال: ((صحبت رسول الله وَّر، فكان في السفر
لا يزيد على ركعتين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان)) يعني في صدر خلافة عثمان، وإلا فعثمان قد
أتم في آخر خلافته، وكان ذلك أحد الأسباب التي أنكرت عليه، وقد خرج لفعله تأويلات، قد
ذكر بعضها فيما تقدم.
وأما ما روى النسائي والبيهقي وغيره عن عائشة رضيؤُها: ((أنها اعتمرت مع النبي ◌َّر من
المدينة إلى مكة، حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، قصرتَ وأتممت،
وصمتُ وأفطرتَ، قال: أحسنت يا عائشة)) فقد تقدم توجيهه في مبحث تقريره وقّلل وسكوته من
مقدمة هذا الشرح، فليراجع.
وقال الشوكاني: ((اعترض عليه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الواحد المقدسي في
كلام له على هذا الحديث، فقال: وَهِم في هذا في غير موضع، وذكر أحاديث في الرد عليه،
وقال ابن حزم: هذا حديث لا خير فيه. وطعن فيه، وردّ عليه ابن النحوي، وفي إسناده العلاء بن
زهير، والعلاء بن زهير قال ابن حبان: كان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، فبطل
الاحتجاج به فيما لم يوافق الأثبات.

٣٨٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقال ابن القيم: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث كذب على عائشة،
ولم تكن عائشة تصلي بخلاف صلاة رسول الله وَّ ر وسائر الصحابة، وهي تشاهدهم يقصرون ثم
تتم هي وحدها بلا موجب، كيف! وهي القائلة: ((فرضت الصلاة ركعتين، فزيد في صلاة
الحضر، وأقرت صلاة السفر))، فكيف يظن أنها تزيد على ما فرض الله، وتخالف رسول الله وله
وأصحابه؟! قال الزهري لعروة لما حدثه عن أبيه عنها بذلك: فما شأنها كانت تتم الصلاة؟
فقال: تأولت كما تأول عثمان، فإذا كان النبي ◌َّه* قد حسن فعلها وأقرها عليه فما للتأويل حينئذ
وجه، ولا يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير، وقد أخبر ابن عمر أن
رسول الله وَير لم يكن يزيد في السفر على ركعتين، ولا أبو بكر، ولا عمر، أفيظن بعائشة أم
المؤمنين مخالفتهم، وهي تراهم يقصرون. وأما بعد موته وَ ل﴿ فإنها أتمّت كما أتم عثمان،
وكلاهما تأول تأويلاً، والحجة في روايتهم، لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له. والله
أعلم.
وقد قال أمية بن خالد لعبد الله بن عمر: ((إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في
القرآن، ولا نجد صلاة السفر في القرآن)) (أي مجرداً عن الخوف) يعني قصر الصلاة في سفر
الأمن، وكان هذا هو المراد من سؤال عمر من النبي ( 98 - كما تقدم - فقال له ابن عمر: ((يا
أخي، إن الله بعث محمداً وَلغيره، ولا نعلم شيئاً، فإنما نفعل كما رأينا محمداً بَّهِ يفعل)).
وقد قال أنس: ((خرجنا مع رسول الله ◌َّه إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى
رجعنا إلى المدينة)) .
وقال ابن عمر: ((صحبت رسول الله ◌َّلر، فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر،
وعمر، وعثمان پ". وهذه كلها أحاديث صحيحة)) اهـ.
وأما حديث: ((صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)) فهو - كما قال البدر العيني تَّثُ
- حجة لنا، لأنه أمر بالقبول، فلا يبقى خيار الرد شرعاً، إذ الأمر للوجوب.
فإن قلت: المتصدق عليه يكون مختاراً في قبول الصدقة، كما في المتصدق عليه من
العباد.
قلت: معنى قوله: ((تصدق الله بها عليكم)) حكم عليكم، لأن التصدق من الله فيما لا
يحتمل التمليك يكون عبارة عن الإسقاط، كالعفو من الله تعالى اهـ.
واعلم أن من مشايخنا من لقب المسألة بأن القصر عندنا عزيمة، والإكمال رخصة، وهذا
التلقيب على أصلنا خطأ، لأن الركعتين من ذوات الأربع في حق المسافر ليستا قصراً حقيقة

٣٨٧
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
١٥٦٩ - (٢) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ
عندنا، بل هما تمام فرض المسافر، وإلاكمال ليس رخصة في حقه بل هو إساءة ومخالفة للسنة،
هكذا روي عن أبي حنيفة أنه قال: ((من أتم الصلاة في السفر فقد أساء وخالف النسة)). وهذا
لأن الرخصة اسم لما تغير عن الحكم الأصلي لعارض إلى تخفيف ويسر، لما عرف في أصول
الفقه، ولم يوجد معنى التغيير في حق المسافر رأساً، إذ الصلاة في الأصل فرضت ركعتين في
حق المقيم والمسافر جميعاً لما يذكر، ثم زيدت ركعتان في حق المقيم، وأقرت الركعتان على
حالهما في حق المسافر، كما كانتا في الأصل، فانعدم معنى التغيير أصلاً في حقه، وفي حق
المقيم وجد التغيير، لكن إلى الغلظ والشدة، لا إلى السهولة واليسر، والرخصة تنبىء عن ذلك،
فلم يكن ذلك رخصة في حقه حقيقة، ولو سمي مجازاً لوجود بعض معاني الحقيقة، وهو
التغيير، كذا في البدائع.
تنبيه:
قال الحافظ ابن حجر: ((والذي يظهر لي، وبه تجتمع الأدلة السابقة: أن الصلوات فرضت
ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة عقب الهجرة، إلا الصبح، كما
يدل عليه حديث الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، عند ابن خزيمة (وتقدم في أوائل شرح هذا
الباب). ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية السابقة، وهي قوله
تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوةِ﴾ ويؤيد ذلك ما ذكره ابن الأثير في شرح المسند:
أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة، وهو مأخوذ مما ذكره غيره أن نزول آية
الخوف كان فيها، وقيل: كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية، ذكره الدولابي،
وأورده السهيلي بلفظ: ((بعد الهجرة بعام أو نحوه)) وقيل: بعد الهجرة بأربعين يوماً، فعلى هذا
المراد بقول عائشة: ((فأقرت صلاة السفر)) أي باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف، لا أنها
استمرت منذ فرضت)) اهـ.
قال السندي: ((والأقرب أن يراد أنها رجعت إلى الحالة الأولية، حتى كأنها أقرت عليها))
اهـ. فلا يلزم من ذلك أن القصر عزيمة.
قال الشيخ الأنور أطال الله بقاءه: ((وعلى هذا فعليهم إثبات أن المسافر والمقيم كانا يتمان
بعد الهجرة إلى المدينة، ثم أنزل الله قصر صلاة المسافر في القرآن بعد الهجرة في السنة الرابعة،
فقول الحافظ كثُّ نافذ في محمل الحديث، لكنه يجب أن يكون له أصل بجميع أجزائه، والحال
أنه لا مرفوع، ولا أثر، ولا أصل يدل على أن صلاة المسافر كانت أربعاً في المدينة، وأيضاً
يلزم على هذا التقدير تكرار النسخ في حكم واحد، أي في صلاة المسافر، والعلماء يتحرزون
من التزامه في حكم واحد مهما أمكن، وظواهر أحاديث عائشة وغيرها تردّه)) اهـ.

٣٨٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَِّ قَالَتْ:
فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاَةَ، حِيْنَ فَرَضَهَا، رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ أَتَمَّهَا فِي الْحَضَرِ. فَأَقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ عَلَى
الْفَرِيضَةِ الأُولَی.
١٥٧٠ - (٣) وحدّثني عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةً عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ،
عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ الصَّلاَةَ أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنٍ. فَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلاَةُ
الْحَضَرِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةً تُتِمُّ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأْوَّلَ
عُثْمَانُ.
١٥٧١ - (٤) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ -
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ؛ قَالَ: قُلْتُ
لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ(١): ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَغْيِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرَّوَاْ﴾
[النساء: ١٠١] فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ! فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ. فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ عَنْ
ذَلِكَ. فَقَالَ: ((صَدَقَةٌ
٣ - ( ... ) - قوله: (كما تأول عثمان) الخ: مراد عروة بقوله: ((كما تأول عثمان)): التشبيه
بعثمان في الإتمام بتأويل، لا اتحاد تأويلهما.
٤ - (٦٨٦) - قوله: (عن عبد الله بن بابيه) الخ: هو بباء موحدة، ثم ألف، ثم موحدة
أخرى مفتوحة، ثم مثناة تحت، ويقال فيه: ابن باباه، وابن بابي بكسر الباء الثانية.
قوله: (فقد أمن الناس) الخ: أي: وذهب الخوف، فما وجه القصر؟
قوله: (فقال: صدقة) الخ: أي: قصر الصلاة في السفر مع الأمن صدقة، قال ابن حجر:
أي رخصة لا واجب، وإلا لم يسم صدقة، قلت: الصدقة أعم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا اُلْقَدَقَتُ
لِلْفُقَرَآءِ﴾ [التوبة: ٦٠] كذا في المرقاة.
(١) قوله: ((قلت لعمر بن الخطاب)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في فاتحة كتاب تقصير الصلاة في السفر،
رقم (١٤٣٤) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، تفريع أبواب صلاة السفر، باب صلاة المسافر، رقم
(١١٩٩) و(١٢٠٠) والترمذي في جامعه، في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة النساء، رقم (٣٠٣٤)
وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب تقصير الصلاة في السفر، رقم (١٠٦٥)
والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب قصر الصلاة في السفر، رقم (١٥١٣) وأحمد في مسنده (١ :
٢٥ و٣٦).

٣٨٩
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ. فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ)).
١٥٧٢ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ.
قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ
أُمَيَّةَ؛ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ... بِمِثْلٍ حَدِيثِ ابْنِ إِذْرِيسَ.
١٥٧٣ - (٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ وَقُتَيْبَةُ بْنُ
سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأُخْنَسِ، عَنْ
مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)؛ قَالَ: فَرَض اللَّهُ الصَّلاَةَ عَلَى لِسَانٍ نَبِيُّكُمْوَّهِ فِي الْحَضَرِ
أَرْبَعاً، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنٍ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً.
قوله: (تصدق الله بها) الخ: أي: تفضل الله بها توسعة ورحمة عليكم.
قوله: (فاقبلوا صدقته) الخ: أي: سواء حصل الخوف أم لا. وإنما قال في الآية: ﴿إِنْ
﴾ [النساء: ١٠١] لأنه خرج مخرج الغالب من أحوال المسافرين حال نزولها في الخوف من
الكفار، فلا مفهوم له، فحينئذ لا تدل على عدم القصر إن لم يكن خوف، وأمر «فاقبلوا)) ظاهره
الوجوب، فيؤيد قول أبي حنيفة: إن القصر عزيمة والإتمام إساءة. وقد قال البغوي: أكثرهم
على وجوب القصر. كذا في المرقاة. قال الباجي: فتأول عمر وابنه والسائل لهما أن الآية تدل
على القصر الذي هو رد الرباعية إلى ركعتين. وقال ابن حبيب وغير واحد: معنى القصر في الآية
في الخوف الترتيب، وتخفيف الركوع والسجود والقراءة، والأول أظهر في عرف اللغة.
إِنْ
٥ - (٦٨٧) - قوله: (على لسان نبيكم) الخ: هو كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَطِقُ عَنِ اَلْمَوَ (
هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى (١)﴾ [النجم: ٣ و٤]
وفي كنز العمال عن ابن عباس ظبه قال: ((إن الله أنزل جملة الصلاة، وإنه للمسافر
صلاة، وللمقيم صلاة، فلا ينبغي للمقيم أن يصلي صلاة المسافر، ولا ينبغي للمسافر أن يصلي
صلاة المقيم)) (عب).
قوله: (وفي الخوف ركعة) الخ: أي: مع كل طائفة، كما في آية الخوف، في الثنائية
الحقيقية أو الحكمية. قال الحافظ: ((وبالاقتصار في الخوف على ركعة واحدة يقول إسحاق
والثوري ومن تبعهما، وقال به أبو هريرة وأبو موسى الأشعري وغير واحد من التابعين، ومنهم
(١) قوله: ((عن ابن عباس)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة،
رقم (٤٥٧) وفي كتاب تقصير الصلاة في السفر، رقم (١٤٤٢) و(١٤٤٣) وأبو داود في سننه، في كتاب
الصلاة، باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعة ولا يقضون رقم (١٢٤٧) وابن ماجه في سننه، في كتاب
إقامة الصلاة والسنة فيها، باب تقصير الصلاة في السفر، رقم (١٠٦٨) وأحمد في مسنده (١: ٣٥٥).

٣٩٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٥٧٤ - (٦) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. جَمِيعاً عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ
مَالِكٍ. قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مَالِكِ الْمُزَنِيُّ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ عَائِذِ الطَّائِيُّ عَنْ
بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَسِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ الصَّلاَةَ عَلَى لِسَانٍ
نَبِّكُمْ وَّرِ. عَلَى الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ، وَعَلَى الْمُقِيمِ أَرْبَعاً، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً.
١٥٧٥ - (٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ.
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ الْهُذَلِيِّ؛ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ
عَبَّاسٍ(١): كَيْفَ أُصَلِّي إِذَا كُنْتُ بِمَكَّةَ، إِذَا لَمْ أُصَلِّ مَعَ الإِمَامِ؛ فَقَالَ: رَكْعَتَيْنٍ. سُنَّةَ أَبِي
الْقَاسِمِ وَّهِ.
١٥٧٦ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع. حَدَّثَنَا
سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنَا أَبِي.
جَمِيعاً عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
١٥٧٧ - (٨) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ. حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَفْصِ بْنِ
عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ (٢) فِي طَرِيقٍ مَكَّةً.
قَالَ: فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ أَقْبَلَ وَأَقْبَلْنَا مَعَهُ. حَتَّى جَاءَ رَحْلَهُ. وَجَلَسَ وَجَلَسْنَا
من قيّد ذلك بشدة الخوف، وقال الجمهور: قصر الخوف قصر هيأة لا قصر عدد، وتأولوا
حديث الباب أن المراد به ركعة مع الإمام، وليس فيه نفي الثانية)) اهـ. وهو محمول على الخوف
مع السفر، كما هو أغلب الأحوال، وهذا التأويل لا بد منه للجمع بين الأدلة، والله أعلم.
٦ - ( ... ) - قوله: (أيوب بن عائذ) الخ: بالذال المعجمة.
٧ - (٦٨٨) - قوله: (إذا لم أصل مع الإمام) الخ: فإن المسافر إذا صلى خلف الإمام
المقیم يجب اتباعه.
٨ - (٦٨٩) - قوله: (حتى جاء رحله) الخ: أي: منزله.
(١) قوله: ((ابن عباس)) الحديث أخرجه النسائي في سننه في كتاب تقصير الصلاة في السفر، باب الصلاة بمكة،
رقم (١٤٤٤) و(١٤٤٥) وأحمد في مسنده (١: ٢٢٦).
(٢) قوله: ((ابن عمر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب تقصير الصلاة، باب من لم يتطوع في
السفر دبر الصلاة وقبلها، رقم (١١٠١) و(١١٠٢) والنسائي في سننه، في كتاب تقصير الصلاة في السفر،
باب ترك التطوع في السفر، رقم (١٤٥٨) و(١٤٥٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، تقريع أبواب
صلاة المسافر، باب التطوع في السفر، رقم (١٢٢٣) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، أبواب =

٣٩١
كتاب: صلاة المسافرين وقصرها
مَعَهُ. فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ نَحْوَ حَيْثُ صَلَّى. فَرَأَى نَاساً قِيَاماً. فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلاءِ؟
قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ. قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحاً لأَتْمَمْتُ صَلاَتِي. يَا ابْنَ أَخِي، إِنِّي صَحِبْتُ
قوله: (فحانت منه التفاتة) الخ: أي: حضرت وحصلت.
قوله: (نحو حيث صلى) الخ: أي: نحو المكان الذي كان قد صلى فيه.
قوله: (يسبحون) الخ: أي: يتنفلون.
قوله: (لو كنت مسبحاً) الخ: أي: مصلياً النافلة في السفر.
قوله: (أتممت صلاتي) الخ: أي: المكتوبة.
قال النووي: ((معناه لو اخترت التنفل لكان إتمام فريضتي أحبّ إليّ، ولكني لا أرى واحداً
منهما، بل السنة: القصر وترك التنفل، ومراده النافلة الراتبة مع الفرائض، كسنة الظهر والعصر
وغيرها من المكتوبات، وأما النوافل المطلقة فقد كان ابن عمر يفعلها في السفر، وروي عن
النبي ◌ّلو أنه كان يفعلها، كما ثبت في مواضع من الصحيح عنه.
وقد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب النوافل
الراتبة، فكرهها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي وأصحابه والجمهور.
ودليله الأحاديث المطلقة في ندب الرواتب، وحديث: ((صلى رسول الله وَّ ر الضحى يوم
الفتح بمكة، وركعتي الصبح حين ناموا حتى طلعت الشمس)) وأحاديث أخر صحيحة ذكرها
أصحاب السنن، والقياس على النوافل المطلقة، ولعل النبي وغير كان يصلي الرواتب في رحله
ولا يراه ابن عمر، فإن النافلة في البيت أفصل، أو لعله تركها في بعض الأوقات تنبيها على
جواز تركها .
وأما ما يحتج به القائلون بتركها من أنها لو شرعت لكان إتمام الفريضة أولى، فجوابه: أن
الفريضة متحتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها، وأما النافلة فهي إلى خيرة المكلف، فالرفق أن
تكون مشروعة، ويتخير، إن شاء فعلها وحصل ثوابها، وإن شاء تركها ولا شيء عليه)) اهـ.
قال الحافظ: ((وتعقب بأن مراد ابن عمر بقوله: ((لو كنت مسبحاً لأتممت)) يعني: أنه لو
كان مخيراً بين الإتمام وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحب إليه، لكنه فهم من القصر التخفيف،
فلذلك كان لا يصلي الراتبة ولا يتم) اهـ.
قال الشيخ بدر الدين في شرح البخاري: ((وقال الترمذي: اختلف أهل العلم بعد
النبي ◌َّي، فرأى بعض أصحاب النبي ◌َّر أن يتطوع الرجل في السفر، وبه يقول أحمد وإسحاق،
= السفر، باب ما جاء في التقصير في السفر، رقم (٥٤٤) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة
فيها، باب التطوع في السفر، رقم (١٠٧١) وأحمد في مسنده (١: ٥٦ و٨٣).

٣٩٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ولم تر طائفة من أهل العلم أن يصلي قبلها ولا بعدها، ومعنى من لم يتطوع في السفر قبول
الرخصة، ومن تطوع فله في ذلك فضل كثير، وهو قول أكثر أهل العلم يختارون التطوع في
السفر.
وقال السرخسي في المبسوط، والمرغيناني: لا قصر في السنن، وتكلموا في الأفضل،
قيل: الترك ترخصاً، وقيل: الفعل قريباً.
وقال الهندواني: الفعل أفضل في حال النزول، والترك في حال السير. قال هشام: رأيت
محمداً كثيراً لا يتطوع في السفر قبل الظهر ولا بعدها، ولا يدع ركعتي الفجر والمغرب، وما
رأيته يتطوع قبل العصر ولا قبل العشاء، ويصلي العشاء ثم يوتر)) انتهى.
قال القاري في شرح المشكاة: ((والمعتمد في المذهب أنه يصلي بها في المنزل ويتركها إذا
كان في الطريق)) اهـ.
قال العيني: ((فإن قلت: قال الترمذي: حدثنا علي بن حجر، حدثنا حفص بن غياث، عن
الحجاج، عن عطية، عن ابن عمر، قال: ((صليت مع النبي ◌ّطر الظهر في السفر ركعتين، وبعدها
ركعتين)) وقال: هذا حديث حسن، وقال: حدثنا محمد بن عبيد المحاربي أبو يعلى الكوفي،
حدثنا علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن عطية، وعن نافع، عن ابن عمر، قال: ((صليت مع
النبي ◌َّ في الحضر والسفر، فصليت معه في الحضر الظهر أربعاً، وبعدها ركعتين، وصليت معه
الظهر في السفر ركعتين، وبعدها ركعتين، والعصر ركعتين، ولم يصل بعدها شيئاً، والمغرب في
الحضر والسفر سواء، ثلاث ركعات لا تنقص في الحضر ولا في السفر، وهي وتر النهار،
وبعدها ركعتين)) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، سمعت محمداً يقول: ما روى ابن أبي ليلى
حديثاً أعجب إليّ من هذا، فما التوفيق بين هذا وبين حديث الباب؟
قلت: هذان الحديثان تفرد بإخراجهما الترمذي، أما وجه التوفيق فقد قال شيخنا زين
الدين تخّثه: الجواب أن النفل المطلق وصلاة الليل لم يمنعهما ابن عمر ولا غيره، فأما السنن
الرواتب فيحمل حديثه المتقدم - يعني حديث الباب - على الغالب من أحواله في أنه لا يصلي
الرواتب، وحديثه في هذا الباب - أي الذي رواه الترمذي -: على أنه فعله في بعض الأوقات
لبيان استحبابها في السفر، وإن لم يتأكد فعلها فيه كتأكده في الحضر، أو أنه كان نازلاً في وقت
الصلاة، ولا شغل له يشتغل به عن ذلك، أو سائراً وهو على راحلته، ولفظه في الحديث المتقدم
يعني حديث الباب هو بلفظ ((كان)) وهي لا تقتضي الدوام)) اهـ.
وفي فتح الباري: ((قال صاحب الهدي (ابن القيم): لم يحفظ عن النبي ◌ّ أنه صلى سنة
الصلاة قبلها ولا بعدها في السفر، إلا ما كان من سنة الفجر.

٣٩٣
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
رَسُولَ اللّهِ وَّهِ فِي السَّفَرِ. فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ. وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ
عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ. وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ. ثُمَّ
صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
١٥٧٨ - (٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ، يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ
مُحَمَّدٍ عَنْ حَقْصِ بْنِ عَاصِم؛ قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضاً. فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ يَعُودُنِيّ. قَالَ: وَسَأَلْتُهُ
عَنِ السُّبْحَةِ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ فِي السَّفَرِ. فَمَا رَأَيْتُهُ يُسَبِّحُ. وَلَوْ
كُنْتُ مُسَبِّحاً لأَتْمَمْتُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾
[الأحزاب: ٢١].
١٥٧٩ - (١٠) حدّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. قَالُوا :
حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، وَهَوَ ابْنُ زَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ. كِلَاَهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَّسٍ بِنْ مَالِك(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهُ
قلت: ويرد على إطلاقه ما رواه أبو داود، والترمذي، من حديث البراء بن عازب قال:
(سافرت مع النبي ◌ّل﴿ ثمانية عشر سفراً، فلم أره ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر)) وكأنه
لم يثبت عنده، لكن الترمذي استغربه، ونقل عن البخاري أنه رآه حسناً، وقد حمله بعض العلماء
على سنة الزوال لا على الراتبة قبل الظهر، والله أعلم.
قوله: (فلم يزد على ركعتين) الخ: قال ابن دقيق العيد: ((وهذا اللفظ يحتمل أن يريد أن لا
يزيد في عدد ركعات الفرض، فيكون كناية عن نفي الإتمام، والمراد به الإخبار عن المداومة
على القصر، ويحتمل أن يريد: لا يزيد نفلاً، ويمكن أن يريد ما هو أعم من ذلك)) اهـ.
(١) قوله: ((عن أنس بن مالك)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب تقصير الصلاة، باب يقصر إذا
خرج من موضعه، رقم (١٠٨٩) وفي كتاب الحج، باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح، رقم (١٥٤٦)
و(١٥٤٧) وباب رفع الصوت بالإهلال، رقم (١٥٤٨) وباب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال عند
الركوب على الدابة، رقم (١٥٥١) وباب من نحر هديه بيده، رقم (١٧١٢) وباب نحر البدن قائمة، رقم
(١٧١٤) و(١٧١٥) وفي كتاب الجهاد، باب الخروج بعد الظهر، رقم (٢٩٥١) وباب الارتداف في الغزو
والحج، رقم (٢٩٨٦) والنسائي في سننه، في كتاب الصلاة، باب صلاة العصر في السفر، رقم (٤٧٨)
وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب متى يقصر المسافر، رقم (١٢٠٢) والترمذي في جامعه، في
كتاب الصلاة، أبواب السفر، باب ما جاء في التقصير في السفر رقم (٥٤٦) والدارمي في سننه، في كتاب
الصلاة، باب قصر الصلاة في السفر، رقم (١٥١٥) و(١٥١٦) وأحمد في مسنده (٣: ١١٠ و١١١ و١٧٧
و ٢٣٧ و ٢٦٨).

٣٩٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
صَلَّى الُهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعاً. وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَّيْنِ.
والسياق يدل على أن المراد هو الثاني أو الثالث، والله أعلم.
وقوله في عثمان: ((فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله)) قال الحافظ: فهي إشكال، لأنه
كان في آخر أمره يتم الصلاة كما تقدم قريباً، فيحمل على الغالب، أو المراد به أنه كان لا يتنفل
في أول أمره ولا في آخره، وأنه إنما كان يتم إذا كان نازلاً، وأما إذا كان سائراً فيقصر، فلذلك
قيده في هذه الرواية بالسفر، وهذا أولى لما تقدم تقريره في الكلام على تأويل عثمان.
١٠ - (٦٩٠) - قوله: (بذي الحليفة ركعتين) الخ: قال الحافظ: ((واستدل به على استباحة
قصر الصلاة في السفر القصير، لأن بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال. وتعقب بأن ذا الحليفة
لم تكن منتهى السفر، وإنما خرج إليها حيث كان قاصداً إلى مكة، فاتفق نزوله بها، وكانت أول
صلاة حضرت بها العصر فقصرها، واستمر يقصر إلى أن رجع)) اهـ.
أقوال العلماء في المسافة التي تقصر فيها الصلاة وبيان الآثار الواردة فيه
واختلف العلماء في المسافة التي تقصر فيها الصلاة، فقال أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون:
إنها مسيرة ثلاثة أيام ولياليها سير الإبل ومشي الأقدام، هذا هو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة.
وروي عن أبي يوسف يومان وأكثر الثالث. وكذا روى الحسن عن أبي حنيفة، وابن
سماعة عن محمد.
ومن مشايخنا من قدره بخمسة عشر فرسخاً، وجعل لكل يوم خمس فراسخ.
ومنهم من قدره بثلاث مراحل.
قال في الهداية: ((وعن أبي حنيفة، التقدير بالمراحل، وهو قريب من الأول)). قال في
النهاية: ((أي التقدير بثلاث مراحل قريب من التقدير بثلاثة أيام، لأن المعتاد من السير في كل
يوم مرحلة واحدة، خصوصاً في أقصر أيام السنة، كذا في المبسوط)) اهـ.
وقال مالك: أربعة بُرُد، كل بريد اثنا عشر ميلاً .
واختلفت أقوال الشافعي فيه، قيل: ستة وأربعون ميلاً، وهو قريب من قول بعض
مشايخنا، لأن العادة: القافلة لا تقطع في يوم أكثر من خمسة فراسخ، وقيل: يوم وليلة، وهو
قول الزهري والأوزاعي، وأثبت أقواله أنه مقدر بيومين. كذا في البدائع مع زيادة.
قال في ردّ المحتار: ثم اختلفوا (أي مشايخنا الحنفية في التقدير بالفراسخ) فقيل: أحد
وعشرون، وقيل: ثمانية عشر، وقيل: خمسة عشر، والفتوى على الثاني، لأنه الأوسط. وفي
المجتبى: فتوى أئمة خوارزم على الثالث، والفرسخ ثلاثة أميال، فالقول الثالث قريب من القول
بأربعة بُرُد، وهي ستة عشر فرسخاً، كما هو مذهب مالك وغيره.

٣٩٥
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
وقد روى البخاري تعليقاً في صحيحه، والبيهقي إسناداً، عن عطاء بن أبي رباح: ((أن ابن
عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين، ويفطران في أربعة برد)).
قال أبو عمر بن عبد البر كثّفُ: ((هذا عن ابن عباس معروف من نقل الثقات، متصل
الإسناد عنه من وجوه. وقد اختلف عن ابن عمر في تحديد ذلك اختلافاً كثيراً، وأصح ما روي
عنه ما رواه ابنه سالم ونافع أنه كان لا يقصر إلا في اليوم التام أربعة برد)) اهـ.
قلت: وهذا هو المختار عند شيوخنا، وقد أفتى به مولانا الشيخ رشيد أحمد الجنجوهي
قدس الله روحه.
قال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله سره: ((واعلم أن السفر والإقامة، والزنا، والسرقة،
وسائر ما أدار الشارع عليه الحكم: أمور يستعملها أهل العرف في مظانها، ويعرفون معانيها،
ولا ينال حده الجامع المانع إلا بضرب من الاجتهاد والتأمل، ومن المهم معرفة طريق
الاجتهاد، فنحن نعلم نموذجاً منها في السفر، فنقول: هو معلوم بالقسمة والمثال يعلم جميع
أهل اللسان أن الخروج من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى خيبر سفر لا محالة، وقد ظهر من
فعل الصحابة وكلامهم: أن الخروج من مكة إلى جدة، وإلى الطائف، وإلى عسفان، وسائر ما
يكون المقصد فيه على أربعة برد سفر، ويعلمون أيضاً أن الخروج من الوطن على أقسام تردد إلى
المزارع والبساتين وهيمان بدون تعيين مقصد وسفر، ويعلمون أن اسم أحد هذه لا يطلق على
الآخر، وسبيل الاجتهاد أن يستقرء الأمثلة التي يطلق عليها الاسم عرفاً وشرعاً، وأن يسبر
الأوصاف التي بها يفارق أحدها قسيمه، فيجعل أعمها في موضع الجنس، وأخصها في موضع
الفصل، فعلمنا أن الانتقال من الوطن جزء نفسي، إذ من كان ثاوياً في محل إقامته في إقامته لا
يقال له: مسافر، وإن الانتقال إلى موضع معين جزء نفسي، وإلا كان هيماناً لا سفراً، وإن كون
ذلك الموضع بحيث لا يمكن له الرجوع منه إلى محل إقامته في يومه وأوائل ليلته جزء نفسي،
وإلا كان مثل التردد إلى البساتين والمزارع، ومن لازمه أن يكون مسيرة يوم تام، وبه قال سالم،
لكن مسيرة أربعة برد متيقن، وما دونه مشكوك، وصحة هذا الاسم يكون بالخروج من سور البلد
أو حلة القرية أو بيوتها يقصد موضع هو على أربعة برد، وزوال هذا الاسم إنما يكون بنية الإقامة
مدة صالحة يعتد بها في بلدة أو قرية)) اهـ.
قال العبد الضعيف: وإني لم أجد إلى الآن رواية أربعة برد (وهي ستة عشر فرسخاً) عن
أصحابنا في كتب الفقه، والمذكور في ظاهر الروايات هي مسيرة ثلاثة أيام، وإليه ذهب عثمان بن
عفان، وابن مسعود، وسويد بن غفلة، والشعبي، والنخعي، والثوري، وابن حيي، وأبو قلابة،
وشريك بن عبد الله، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين، وهو رواية عن عبد الله ابن عمر، كما
في عمدة القاري، وعن عمر: تقصر الصلاة في مسيرة ثلاث ليال، رواه ابن جرير، كما في

٣٩٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الكنز، وخالفهم فيه آخرون من الصحابة والتابعين به، ولهذا قال ابن قدامة في المغني: ((قال
المصنف: ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة، لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة
فيها مع الاختلاف، وقد روي عن ابن عباس وابن عمر خلاف ما احتج به أصحابنا، ثم لو لم
يوجد ذلك لم يكن في قولهم حجة مع قول النبي ◌َّر وفعله، وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير
إلى التقدير الذي ذكروه لوجهين: أحدهما أنه مخالف لسنة النبي ◌ّطير التي رويناها، ولظاهر
القرآن، لأن ظاهره إباحة القصر لمن ضرب في الأرض لقوله: ﴿وَإِذَا ضَيُّ فِى الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ
◌ُنَاُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ [النساء: ١٠١] وقد سقط شرط الخوف بالخبر المذكور عن يعلى بن أمية،
فبقي ظاهر الآية متناولاً كل ضرب في الأرض، وقول النبي وَّار: ((يمسح المسافر ثلاثة أيام)) جاء
لبيان أكثر مدة المسح، فلا يصح الاحتجاج به ههنا، وعلى أنه يمكنه قطع المسافة القصيرة في
ثلاثة أيام، وقد سماه النبي وَ ل سفراً، فقال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر
مسیرة یوم إلا مع ذي محرم)).
والثاني: أن التقدير بابه التوقيف، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد، سيما وليس له أصل
يرد إليه، ولا نظير يقاس عليه، والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع
علی خلافه)) اهـ.
قلت: أقوال السلف م بقدرها المشترك تدل على أنهم لم يرضوا في هذه المسألة
بإطلاق الظاهرية، وإباحة الفطر والقصر بأدنى ضرب في الأرض، بل هم كالمجمعين على أن
الضرب في الأرض الذي يعتد به في إباحة الفطر والقصر لا بد له من التحديد، وشيء من
التقييد، وهذا هو السبب الذي ألجأ ابن حزم إلى التقييد بميل، مع شدة جموده على ظاهريته، ثم
وقع الخلاف في تشخيص ذلك التحديد وتحصيله، فاضطربت أقوالهم فيه، وتباينت آراؤهم، ولم
يوجد عند أحد منهم شيء من المرفوع صحيح صريح في هذا الباب، ولو كان وجد لكان المصير
إليه هو المتعين، ومع هذا لما نظرنا في نصوص الشارع وقواعد الشرع وجدنا فيها أشياء هادية
إلى أن مدة السفر التي يعتد بها الشارع، ومقدار الضرب في الأرض الذي يوجب عنده تغييراً في
أحوال المكلفين وأحكامهم: قد قدر بثلاثة أيام ولياليهن، فإنه يت لقّ ما أباح للمسافر أن يجاوز
هذه المدة في المسح على الخفين، وأوجب عليه نزعهما عند انقضائها، وما أحل لامرأة تؤمن
بالله واليوم الآخر أن تسافر هذه المدة إلا ومعها ذو محرم لها، واختلاف الروايات فيه لا يورث
شكاً وتردداً في هذه المدة، بل إنما يشك في الأقل منها، ويبقى هذه المدة متيقنة بها على كل
حال، فمن قال بتغير أحكام الصيام وإتمام الصلاة بمسيرة ثلاثة أيام، وأناط الفطر والقصر بهذه
المدة من السفر والضرب في الأرض: فله متعلق قوي بالنصوص ورجحان واضح عند أولى
البصائر، ولله الحمد.

٣٩٧
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
١٥٨٠ - (١١) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ
وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ. سَمِعَا أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ
أَرْبَعاً. وَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ.
١٥٨١ - (١٢) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. كِلاَهُمَا عَنْ
غُنْدَرٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِيِّ؛
قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ(١) عَنْ قَصْرِ الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ إِذَا خَرَجَ،
مَسِيرَةً ثَلاَثَةٍ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلاثَةٍ فَرَاسِخَ،
قال صاحب البحر: ((وأنا أتعجب من فتواهم في هذا وأمثاله بما يخالف مذهب الإمام،
خصوصاً المخالف للنص الصريح) اهـ.
تنبيه:
نبه ابن عابدين على أن المراد بالأيام ما تقطع فيه المراحل المعتادة، وفي الدر المختار
وغيره: ((لو أسرع فوصل في يومين إلى مكان مسافة ثلاثة أيام بالسير المعتاد: قصر)).
قال ابن عابدين: ((وظاهره أنه كذلك لو وصل إليه في زمن يسير بكرامة، لكن استبعده (ابن
الهمام) في فتح القدير، بانتفاء مظنة المشقة، وهي العلة في القصر)) اهـ.
قلت: والظاهر أن هذا الاستبعاد من ابن الهمام يجري في أسفار زماننا أيضاً من سير
البابورة والمواتر وغيرهما، والله أعلم.
١٢ - (٦٩١) - قوله: (عن يحيى بن يزيد الهنائي) الخ: الهنائي هو بضم الهاء، وبعدها
نون مخففة، وبالمد، منسوب إلى هناء بن مالك بن فهم، قاله السمعاني.
ويحيى هذا: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم فيه: شيخ، كما في التهذيب،
والميزان. وهو في المرتبة السادسة من مراتب التعديل عند العراقي وغيره.
قوله: (مسيرة ثلاثة أميال) الخ: قال الحافظ: ((وحكى النووي أن أهل الظاهر ذهبوا إلى
أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال، وكأنهم احتجوا في ذلك بحديث الباب، وهو أصح حديث
ورد في بیان ذلك وأصرحه)) اهـ.
وقال أبو عمر: «هذا عن يحيى بن يزيد الهنائي، قال: سألت أنس بن مالك عن قصر
الصلاة، فقال: ((كان رسول الله ◌َي﴿ إذا خرج ... )) إلى آخره، ويحيى: شيخ بصري، ليس لمثله
(١) قوله: ((أنس بن مالك)) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، تفريع أبواب صلاة السفر،
باب متى يقصر المسافر، رقم (١٢٠١) وأحمد في مسنده (٣: ١٢٩).

٣٩٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(شُعْبَةُ الشَّاكُ) صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
١٥٨٢ - (١٣) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ.
قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ
عُبَيْدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ؛ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ (١) إِلَى قَرْيَةٍ، عَلَى رَأْسِ
أن يروي مثل هذا الذي خالف فيه جمهور الصحابة والتابعين، ولا هو ممن يوثق به في مثل
ضبط هذا الأمر، وقد يحتمل أن يكون أراد سفراً بعيداً، ثم أراد ابتداء قصر الصلاة إذا خرج
ومشى ثلاثة أميال، فيتفق حضور صلاة فيقصر)) اهـ.
قال النووي: ((هذا ليس على سبيل الاشتراط، وإنما وقع بحسب الحاجة، لأن الظاهر من
أسفاره وسط * أنه ما كان يسافر سفرا طويلاً، فيخرج عند حضور فريضة مقصورة، ويترك قصرها
بقرب المدينة ويتمها، وإنما كان يسافر بعيداً من وقت المقصورة، فتدركه على ثلاثة أميال أو
أكثر أو نحو ذلك، فيصليها حينئذ، والأحاديث المطلقة مع ظاهر القرآن متعاضدات على جواز
القصر من حين يخرج من البلد، فإنه حينئذ يسمى مسافراً، والله أعلم)) اهـ.
قلت: وما حكاه الحافظ عن النووي من أن أقل مسافة القصر عند الظاهرية ثلاثة أميال
فكلامه في شرح مسلم ليس صريحاً فيه، فليراجع.
قوله: (شعبة الشاك) الخ: وإذا وقع الشك في الثلاثة والاثنين فلا يسوغ التمسك به على
اشتراط الثلاث.
١٣ - (٦٩٢) - قوله: (عن يزيد بن خمير) الخ: بضم الخاء المعجمة، قال النووي تَّتُهُ:
((فيه أربعة تابعيون يروي بعضهم عن بعض: يزيد بن خمير فمن بعده.
قوله: (عن جبير بن نفير) الخ: بضم النون، وفتح الفاء.
قوله: (مع شرحبيل بن السمط) الخ: السمط: بكسر السين، وإسكان الميم، ويقال:
السمط، بفتح السين وكسر الميم. قال النووي كثّفُهُ: ((وهذا الحديث مما قد يتوهم أنه دليل لأهل
الظاهر، ولا دلالة فيه بحال، لأن الذي فيه عن النبي ◌َّ وعمر ◌َ لُه: إنما هو القصر بذي
الحليفة، وليس فيه أنها غاية السفر، وأما قوله: ((قصر شرحبيل على رأس سبعة عشر ميلاً، أو
ثمانية عشر ميلاً)) فلا حجة فيه، لأنه تابعي فعل شيئاً يخالف الجمهور، أو يتأول على أنها كانت
في أثناء سفره، لا أنها غايته، وهذا التأويل ظاهر، وبه يصح احتجاجه بفعل عمر، ونقله ذلك
عن النبي ◌َّر، والله أعلم)).
(١) قوله: ((شرحبيل بن السمط)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب تقصير الصلاة في السفر، رقم
(١٤٣٨) وأحمد في مسنده (١: ٣٠).

٣٩٩
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
سَبْعَةَ عَشَرَ أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلاً. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. فَقُلْتُ لَهُ. فَقَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ صَلَّى بِذِي
الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. فَقُلْتُ لَهُ. فَقَالَ: إِنَّمَا أَفْعَلُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَفْعَلُ.
١٥٨٣ - (١٤) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: عَنِ ابْنِ السِّمْطِ. وَلَمْ يُسَمِّ شُرَحْبِيلَ. وَقَالَ: إِنَّهُ أَتَى أَرْضاً يُقَالُ لَهَا
دُوْمِينُ مِنْ حِمْصَ. عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةً عَشَرَ مِيلاً .
١٥٨٤ - (١٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي
إِسَحْاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ(١)؛ قَالَ: خَرَجْنَا مَع رَسُولِ اللّهِ وَلِهِمِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَّكَّةً.
فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ. حَتَّى رَجَعَ. قُلْتُ: كَمْ أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: عَشْراً.
١٤ - ( ... ) - قوله: (يقال لها دومين) الخ: بضم الدال وفتحها، وجهان مشهوران،
والواو ساكنة، والميم مكسورة.
قوله: (من حمص) الخ: حمص لا ينصرف، وإن كانت اسماً ثلاثياً ساكن الأوسط، لأنها
عجمية اجتمع فيها: العجمية، والعلمية، والتأنيث. قاله النووي تَظُّ.
٠٠
١٥ - (٦٩٣) - قوله: (قال: عشراً) الخ: أي: في حجة الوداع، كما سيأتي في رواية
شعبة .
قال الحافظ: ((وفي حديث ابن عباس: ((قدم النبي ◌َّ وأصحابه لصبح رابعة)) ولا شك أنه
خرج من مكة صبح الرابع عشر، فتكون مدة الإقامة بمكة وضواحيها عشرة أيام بلياليها، كما قال
أنس، وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء، لأنه خرج منها في اليوم الثامن، فصلى الظهر
بمنى، ومن ثم قال الشافعي: إن المسافر إذا أقام ببلدة قصر أربعة أيام. وقال أحمد تغذّفُهُ: إحدى
وعشرين صلاة) اهـ.
قال: ((وفي الحديث إطلاق اسم البلد على ما جاورها وقرب منها، لأن منى وعرفة ليسا
(١) قوله: ((عن أنس بن مالك)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب تقصير الصلاة، باب ما جاء في
التقصير، وكم يقيم حتى يقصر، رقم (١٠٨١) وفي كتاب المغازي، باب مقام النبي وَ ه بمكة زمن الفتح،
رقم (٤٢٩٧) والنسائي في سننه، في كتاب تقصير الصلاة في السفر، رقم (١٤٣٩) وباب المقام الذي يقصر
بمثله الصلاة، رقم (١٤٥٣) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب متى يتم المسافر، رقم (١٢٣٣)
والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في كم تقصر الصلاة، رقم (٥٤٨) وابن ماجه في
سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب كم يقصر الصلاة المسافر إذا أقام ببلدة، رقم (١٠٧٧)
والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب فيمن أراد أن يقيم ببلدة كم يقيم حتى يقصر الصلاة، رقم
(١٥١٨) وأحمد في مسنده (٣: ١٨٧ و١٩٠ و٢٨٢).

٤٠٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٥٨٥ - (٠٠٠) وحدّثناه قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ. ح وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ
من مكة، أما عرفة فلأنها خارج الحرم، فليست من مكة قطعاً، وأما منى ففيها احتمال، والظاهر
أنها ليست من مكة، إلا إن قلنا: إن اسم مكة يشمل جميع الحرم.
قال أحمد بن حنبل: ليس لحديث أنس وجه، إلا أنه حسب أيام إقامته وَّ ر في حجته منذ
دخل مكة إلى أن خرج منها لا وجه له إلا هذا.
وقال المحب الطبري: أطلق على ذلك إقامة بمكة، لأن هذه المواضع مواضع النسك،
وهي في حكم التابع لمكة، لأنها المقصود بالأصالة، لا يتجه سوى ذلك، كما قال الإمام
أحمد، والله أعلم)) اهـ.
اختلاف العلماء في الزمان الذي يجوز للمسافر إذا أقام فيه في بلد أن يقصر
قال العلامة ابن رشد في بداية المجتهد: ((وأما اختلافهم في الزمان الذي يجوز للمسافر
إذا أقام فيه في بلد أن يقصر: فاختلاف كثير، حكى فيه أبو عمر نحواً من أحد عشر قولاً، إلا
أن الأشهر منها هو ما عليه فقهاء الأمصار، ولهم في ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها مذهب مالك والشافعي: أنه إذا أزمع المسافر على إقامة أربعة أيام: أتمّ.
والثاني: مذهب أبي حنيفة وسفيان الثوري: أنه إذا أزمع على إقامة خمسة عشر يوماً:
أتم.
والثالث: مذهب أحمد وداود: أنه إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام: أتم.
وسبب الخلاف أنه أمر مسكوت عنه في الشرع، والقياس على التحديد ضعيف عند
الجميع، ولذلك رام هؤلاء كلهم أن يستدلوا لمذهبهم من الأحوال التي نقلت عنه عليه الصلاة
والسلام أنه أقام فيها مقصراً، أو أنه جعل لها حكم المسافر.
فالفريق الأول احتجوا لمذهبهم بما روي أنه ظلَّا أقام بمكة ثلاثاً يقصر، في عمرته، وهذا
ليس فيه حجة، على أنه النهاية للتقصر، وإنما فيه حجة على أنه يقصر في الثلاثة فما دونها .
والفريق الثاني: احتجوا لمذهبهم بما روي أنه أقام بمكة عام الفتح مقصراً، وذلك نحواً
من خمسة عشر يوماً في بعض الروايات، وقد روى سبعة عشر يوماً، وثمانية عشر يوماً، وتسعة
عشر يوماً، رواه البخاري عن ابن عباس، وبكل قال فريق.
والفريق الثالث: احتجوا بمقامه في حجه بمكة مقصراً أربعة أيام.
وقد احتجت المالكية لمذهبها أن رسول الله ومقر جعل للمهاجر مقام ثلاثة أيام بمكة بعد
قضاء نسكه، فدل هذا عندهم على أن إقامة ثلاثة أيام ليست تسلب عن المقيم فيها اسم السفر،
وهي النكتة التي ذهب الجميع إليها وراموا استنباطها من فعله عليه الصلاة والسلام، أعني: متى