Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا. فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤].
والنائم لعدم الإثم الذي جعلوا الكفارة منوطة به، والأحاديث الصحيحة قد صرحت بوجوب
ذلك عليهما .
وقد استضعف الحافظ في الفتح هذا الاستدلال، وقال: الكفارة قد تكون عن الخطأ كما
تكون عن العمد، على أنه قد قيل: إن المراد بالكفارة هي الإتيان بها، تنبيهاً على أنه لا يكفي
مجرد التوبة والاستغفار من دون فعل لها .
وقد أنصف ابن دقيق العيد، فردّ جميع ما تشبثوا به، والمحتاج إلى إمعان النظر ما ذكرنا
لك سابقاً من عموم حديث: ((فدين الله أحق أن يقضى)) لا سيما على قول من قال: إن وجوب
القضاء بدليل هو الخطاب الأول الدال على وجوب الأداء فليس عنده في وجوب القضاء على
العامد فيما نحن بصدده: تردد، لأنه يقول: المتعمد للترك قد خوطب بالصلاة ووجب عليه
تأديتها، فصارت ديناً عليه، والدين لا يسقط إلا بأدائه.
إذا عرفت هذا علمت أن المقام من المضايف، وأن قول النووي في شرح مسلم بعد
حكاية قول من قال: لا يجب القضاء على العامد: إنه خطأ من قائله، وجهالة من الإفراط
المذموم، وكذلك قول المقبلي في المنار: إن باب القضاء ركب على غير أساس ليس فيه كتاب
ولا سنة إلى آخر كلامه من التفريط)). انتهى.
وقال الأبي: «قول داود وغيره خرّجه القاضي سند على قول ابن حبيب بكفر من ترك
الصلاة، لأنه مرتد تاب، واختلف في الحربي يسلم: هل يقضي ما ترك ببلد الحرب؟ فقال
سحنون: يقضي، وأباه ابن عبد الحكم)).
قوله: (فليصلها إذا ذكرها) ولأبي يعلى والطبراني وابن عبد البر عن أبي جحيفة: ((ثم
قال : إنكم كنتم أمواتاً فردّ الله إليكم أرواحكم، فمن نام عن الصلاة فليصلها إذا استيقظ،
ومن نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها)).
وفي الصحيحين عن أنس مرفوعاً: ((من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا
ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك)). وبهذا كله علم أن في حديث الباب اختصاراً من بعض رواته.
قاله الزرقاني .
قوله: (فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾﴾ [طه: ١٤] الخ: قال عياض: قال
بعضهم: فيه تنبيه على ثبوت هذا الحكم، وأخذه من الآية التي تضمنت الأمر لموسى علّا، وأنه
مما يلزمنا اتباعه، وقال غيره: استشكل وجه أخذ الحكم من الآية، فإن معنى ((لذكري)) إما:
لذكري فيها، وإما: لأذكرك عليها، على اختلاف القولين في تأويلها، وعلى كل فلا يعطي ذلك.
قال ابن جرير: ولو كان المراد: حين تذكرها، لكان التنزيل لذكرها. وأصح ما أجيب به
أن الحديث فيه تغيير من الراوي، وإنما هو ((للذكرى)) بلام التعريف وألف القصر، كما في سنن
٣٦٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ يُونُسُ: وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا: لِلِذِكْرَىُ.
١٥٥٩ - (٣١٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ. كِلاهُمَا
عَنْ يَحْيَى. قَالَ ابْنُ حَاتِم: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سِّعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ حَدَّثَنَا أَبُو
حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ عَرَّسْنَا مَع نَبِيِّ اللّهِ وَهَ. فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ. فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ)) قَالَ
فَفَعَلْنَا. ثُمَّ دَعَا بِالْمَاءِ فَتَوَضَّأَ. ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ .. وَقَالَ يَعْقُوبُ: ثُمَّ صَلَّى سَجْدَتَيْنٍ - ثُمَّ
أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَصَلَّى الْغَدَاةَ.
أبي داود، وفيه وفي مسلم زيادة، وكان ابن شهاب يقرأها: ((للذكرى)) فبان بهذا أن استدلاله وَّله
إنما كان بهذه القراءة، فإن معناها للتذكر، أي لوقت التذكر.
قال عياض: وذلك هو المناسب لسياق الحديث، وعرف أن التغيير صدر من الرواة، كذا
في شرح الموطأ .
قال الحافظ: ((وقيل: معنى: ((أقم الصلاة لذكري)) إذا ذكرتها، أي لتذكيري لك إياها،
وهذا يعضد قراءة من قرأ: ((للذكرى)) وقال النخعي: اللام للظرف، أي إذا ذكرتني، أي إذا
ذكرت أمري بعد ما نسيت، وقيل: لا تذكر فيها غيري، وقيل: شكراً لذكري، وقيل: المراد
بقوله: ذكري: ذكر أمري، وقيل: المعنى إذا ذكرت الصلاة فقد ذكرتني، فإن الصلاة عبادة لله،
فمتى ذكرها ذكر المعبود، فكأنه أراد لذكر الصلاة)).
وقال التوربشتي: ((الأولى أن يقصد إلى وجه يوافق الآية والحديث، وكأن المعنى: أقم
الصلاة لذكرها، لأنه إذا ذكرها ذكر الله تعالى، أو يقدر مضاف، أي: لذكر صلاتي، أو ذكر
الضمير فيه موضع الصلاة لشرفها)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وظني - والله أعلم - أن النبي ◌ّالفر نبه على مأخذ المسألة
من كتاب الله، فإنه علم من قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤] أن إقامة الصلاة إنما
هي لذكر الرب، وقد خاطب الله سبحانه من ذهل عن ذكره ونسيه: في الكهف بقوله: ﴿وَآذكُر
زَبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ﴾ [الكهف: ٢٤] أي اذكره إذا فرط منك نسيان ذلك، ثم تذكرته، فإنه ما دام ناسياً
لا يؤمر بالذكر، فأمر بالتدارك عند التذكر، سواء قصر الفعل أم طال، فالآية المتلوة في حديث
الباب مع ضم آية الكهف تفيد مضمون قوله وَ لا ير: «فليصلها إذا ذكرها)) في حق الناسي، وقس
عليه النائم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
٣١٠ - ( ... ) - قوله: (ثم صلى سجدتين) الخ: أي: ركعتين، من باب تسمية الكل باسم
جزئه. قال النووي كثّلهُ: ((فيه استحباب قضاء النوافل الراتبة).
قوله: (فصلى الغداة) الخ: أي: فريضة الفجر، فإن قيل: كيف نام النبي وَّر عن صلاة
٣٦٣
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٥٦٠ - (٣١١) وحدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، (يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ)،
حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاح، عَنْ أَبِي قَتَادَةً(١)؛ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فَقَالَ:
(إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ. وَّتَأْتُونَ الْمَاءَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، غَدا))، فَانْطَلَقَ النَّاسِ
...
الصبح حتى طلعت الشمس؟ مع قوله وَّه: ((إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي)).
أجيب بأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك ما
يتعلق بالعين، لأنها نائمة، والقلب يقظان، قال النووي: هذا هو الصحيح المعتمد.
قال الحافظ: ((ولا يقال: القلب وإن لم يدرك ما يتعلق بالعين من رؤية الفجر - مثلاً - لكنه
يدرك إذا كان يقظاناً: مرور الوقت الطويل، فإن من ابتداء الفجر إلى أن حميت الشمس مدة لا
تخفى على من لم يستغرق، لأنا نقول: يحتمل أن قلبه كان مستغرقاً بالوحي، ولا يلزم وصفه
بالنوم، كما كان يستغرق حالة إلقاء الوحي يقظة. وحكمة ذلك بيان التشريع بالفعل، لأنه أوقع
في النفس، كما في سهوه في الصلاة.
قال: وقريب من هذا جواب ابن المنيّر بأن السهو قد يحصل له في اليقظة لمصلحة
التشريع، ففي النوم أولى، أو على السواء، وجمع أيضاً بأنه كان له حالان: أحدهما: ينام فيه
القلب، فصادف هذا الموضع. والثاني: لا ينام، وهو الغالب من أحواله، وهذا ضعيف. وقيل
غير ذلك، كما بسطه في فتح الباري.
٣١١ - (٦٨١) - قوله: (عن عبد الله بن رباح) الخ: رباح هذا: بفتح الراء وبالموحدة،
وأبو قتادة: الحارث بن ربعي الأنصاري.
قوله: (خطبنا رسول الله) الخ: فيه أنه يستحب لأمير الجيش إذا رأى مصلحة لقومه في
إعلامهم بأمر أن يجمعهم كلهم، ويشيع ذلك فيهم ليبلغهم كلهم، ويتأهبوا له، ولا يخص به
بعضهم وكبارهم، لأنه ربما خفي على بعضهم فيلحقه الضرر.
قوله: (وتأتون الماء إن شاء الله) الخ: فيه استحباب قول: ((إن شاء الله)) في الأمور
المستقبلة، وهو موافق للأمر به في القرآن.
(١) قوله: ((عن أبي قتادة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب الأذان بعد
ذهاب الوقت، رقم (٥٩٥) وفي كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة، رقم (٧٤٧١) والنسائي في
سننه، في كتاب المواقيت، باب فيمن نام عن صلاة، رقم (٦١٦) و(٦١٧) وباب إعادة ما نام عنه سن
الصلاة لوقتها من الغد، رقم (٦١٨) وفي كتاب الإمامة، باب الجماعة للفائت من الصلاة، رقم (٨٤٧)
وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب فيمن نام عن الصلاة أو نسيها، رقم (٤٣٧ - ٤٤١) والترمذي
في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في النوم عن الصلاة، رقم (١٧٧) وابن ماجه في سننه؛ في
كتاب الصلاة، باب من نام عن الصلاة أو نسيها، رقم (٦٩٨) وأحمد في مسنده (٥: ٢٩٨ و٣٠٢ و٣٠٧).
٣٦٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ. قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ يَسِيرُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ وَأَنَا
إِلَى جَنْبِهِ. قَالَ: فَنَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ. فَمَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ. فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ. مِنْ غَيْرِ أَنْ
أَوْقِظَهُ. حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى تَهَوَّرَ اللَّيْلُ مَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ. قَالَ:
فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ حَتَّى أَعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرٍ
السَّحَرِ مَانَ مَيْلَّةٌ هِيَ أَشَدُّ مِنَ الْمَيْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ. حَتَّى كَادَ يَنْجَفِلُ. فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ. فَرَفَعَ
رَأْسَهُ فَقَالٍ: (مَنْ هَذَا؟)) قُلْتُ: أَبُو قَتَادَةَ. قَالَ: ((مَتَّى كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ مِنِّي؟)) قُلْتُ: مَا زَالَ
هَذَا مَسِيرِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ. قَالَ: ((حَفِظَكَ اللَّهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِئَّهُ) ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَرَانَا نَخْفَى
عَلَى النَّاسِ؟)) ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟)) قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ. ثُمَّ قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ آخَرُ.
حَتَّى اجْتَمَعْنَا فَكُنَّا سَبْعَةَ رَكْبٍ. قَالَ: فَمَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِلَ عَنِ الطَّرِيقِ. فَوَضَعَ رَأْسَهُ. ثُمّ
قَالَ: ((اخْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاَتَنَا)). فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ثَّهِ وَ الشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ.
قَالَ: فَقُمْنَا فَزِعِينَ. ثُمَّ قَالَ: ((ارْكَبُوا)) فَرَكِبْنَا. فَسِرْنَا. حَتَّى إِذَا ازْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ. ثُمَّ
قوله: (لا يلوي أحد على أحد) الخ: أي: لا يعطف عليه، ولا ينظره، بل يسير بالعجلة،
وهذا كان مقصود النبي وَالر.
قوله: (حتى ابهارّ الليل) الخ: هو بالباء الموحدة وتشديد الراء، أي: انتصف، أو ذهب
معظمه .
قوله: (فنعس رسول الله) الخ: هو بفتح العين، والنعاس مقدمة النوم، وهو ريح لطيفة
تأتي من قبل الدماغ تغطي على العين، ولا تصل إلى القلب، فإذا وصلت إلى القلب كان نوماً.
قوله: (فدعمته) الخ: أي: أقمت ميله من النوم، وصرت تحته، كالدعامة للبناء فوقها .
قوله: (حتى تهور الليل) الخ: أي: ذهب أكثره، مأخوذ من: تهور البناء، وهو انهدامه،
يقال: تهور الليل، وتوهر. قاله النووي.
قوله: (كاد ينجفل) الخ: أي: ينقلب ويقع. قاله الأبي.
قوله: (قلت: أبو قتادة) الخ: فيه أنه إذا قيل للمستأذن ونحوه: من هذا، يقول: فلان،
باسمه، وأنه لا بأس أن يقول: أبو فلان إذا كان مشهوراً بكنيته.
قوله: (حفظك الله) الخ: فيه أنه يستحب لمن صنع إليه بمعروف أن يدعو لفاعله، وفيه
حديث آخر صحیح مشهور، قاله النووي.
قوله: (بما حفظت به نبيه) الخ: أي: بسبب حفظك نبيه .
قوله: (سبعة ركب) الخ: هو جمع راكب، كصاحب وصحب، ونظائره.
قوله: (فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس) الخ: يحتج به أبو حنيفة على أن الفائتة لا تصلى
عند طلوعها، وتقدم تقريره.
٣٦٥
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
دَعَا بِمِيضَأَةٍ كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ. قَالَ: فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءاً دُونَ وُضُوءٍ. قَالَ:
وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ. ثُمَّ قَالَ لأَّبِي قَتَادَةَ: ((اخْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ. فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأْ) ثُمّ
أَذِّنَ بِلاَلٌ بِالصَّلاةِ. فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ رَكْعَتَيْنٍ. ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ
كُلَّ يَوْمِ. قَالَ: وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ وَرَكِبْنَا مَعَهُ. قَالَ: فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ:
مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا فِي صَلاتِنَا؟ ثُمَّ قَالَ: ((أَمَا لَكُمْ
قوله: (بميضأة) الخ: بكسر الميم وبهمزة بعد الضاد، وهي الإناء الذي يتوضأ به،
كالركوة.
قوله: (وضوءاً دون وضوء) الخ: أي: وضوءا خفيفاً، مع أنه أسبغ الأعضاء. قال
القرطبي: ((اقتصر فيه على المرة لتبقى في الميضأة فضلة، لتظهر فيها البركة، وزعم البعض أن
المراد توضأ، ولم يستنج بالماء، بل استجمر بالأحجار، وغلطه النووي)).
قوله: (فسيكون لها نبأ) الخ: هو ما ظهر فيها حسبما نبّه عليه في الحديث. قال الأبي:
((فإن قلت عدم بقاء شيء فيها أبين في كونه معجزة وخرق عادة.
قلت: كان الشيخ (ابن عرفة) يحكي عن بعضهم أنه كان يقول: فعل ذلك ليظهر الفرق بين
الأمور الإلهية ومكتسبات الخلق، فإن الأمور الإلهية إيجاد عن عدم صرف، فلذلك أبقى ليظهر
الفرق)).
قال السنوسي: ((وحاصله لا جواب، لأن هذا أيضاً من الأمور الإلهية، وإنما الجواب
الحق أن يقال: إنه أبقى من وضوئه فضلة ليظهر أن البركة جاءت من لمس يده المباركة، أو
ليجتهد المكلف بعض اجتهاد في تعيين أن كثرة الماء ليس من طبع تلك الفضلة، فيثاب على
ذلك الاجتهاد .
ولا يقال: إن الجواب الأول هو جواب ابن عرفة الذي نقله بعينه أو يتضمنه، لأن صدور
الشيء ببركته و لو لا يقتضي أنه مكتسب له، لأن المكتسب من الأفعال هو المقارن للقدرة
الحادثة التعلق لها، وتكثير الماء ليس من متعلقات القدرة الحادثة حتى يصح، أو يقال: إنه من
مكتسبات الخلق، وإنما هو من الأمور الإلهية التي ليس للقدرة الحادثة تعلق بها أصلاً، فكما أن
نزول الغيث في الاستسقاء، ورفعه ببركة دعائه وَ ل﴿ لا يوجب لهما أن يعدّا من مكتسباته وَله،
فكذا تكثير الماء ببركة فضلة وضوئه وَّير وعظيم دعوته، فإن تسومح في الكسب وأطلق على هذه
الأمور كلها نظراً إلى وقوعها عند سبب منه وَله: لزم أن لا فرق حينئذ بين إبقاء فضلة في الإناء
وبین عدمه)) اهـ.
قوله: (يهمس إل بعض) الخ: بفتح الياء وكسر الميم، وهو الكلام الخفي.
قوله: (ثم قال: أما لكم) الخ: أي: قال مؤنساً لهم بأنه لا حرج عليهم في ذلك، لأنهم
٣٦٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فِيَّ أُسْوَةٌ؟)) ثُمَّ قَالَ: ((أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَغْرِيطٌ. إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلُ الصَّلاةَ
لم يتعمدوه، كما آنسهم قبل الارتحال لما شكوا إليه الذي أصابهم، فقال: لا ضير، أو لا
يضير. وقال في بعض الروايات: ((يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا، ولو شاء لردها إلينا في
حين غير هذا)). وفي بعضها: ((لو أن الله أراد أن لا تناموا عنها لم تناموا، ولكن أراد أن تكون
لمن بعدكم، فهكذا لمن نام أو نسي)) رواه أحمد عن ابن مسعود. قاله الزرقاني.
قوله: (في أسوة) الخ: يعني: لا إثم عليكم لمشاركتكم لي في الفعل، وأنا معصوم،
والمعصوم لا إثم عليه، فمن شاركه كذلك. قاله السنوسي تَُّ في شرح مسلم.
قوله: (ليس في النوم تفريط) الخ: قال النووي كثّفُهُ: ((فيه دليل على ما أجمع العلماء أن
النائم ليس بمكلف، وإنما يجب عليه قضاء الصلاة ونحوها بأمر جديد، هذا هو المذهب
الصحيح المختار عند أصحاب الفقه والأصول، ومنهم من قال: يجب القضاء بالخطاب السابق،
وهذا القائل يوافق على أنه في حال النوم غير مكلف)) اهـ.
وقال صاحب كشف الأسرار من أصحابنا: ((يعني حكم النوم تأخير حكم الخطاب في حق
العمل به، لا سقوط الوجوب، لاحتمال الأداء، حقيقة بالانتباه، أو احتمال خلفه، وهو القضاء
على تقدير عدم الانتباه، وهذا لأن نفس العجز لا يسقط أصل الوجوب، وإنما يسقط وجوب
العمل إلى حين القدرة إلا أن يطول زمان الوجوب، ويتكثر الواجب، فحينئذ يسقط دفعاً للحرج،
والنوم لا يمتدّ عادةً، بحيث يحرج العبد في قضاء ما يفوته في حال نومه، فإنه لا يمتدّ ليلاً
ونهاراً عادةً، وإذا كان - أي النوم - كذلك، أي كما بينا أنه غير ممتد، وغير مستلزم للحرج: لم
يسقط الوجوب به، لأنه لا يخل بالأهلية لأهلية وجود العبادات بالذمة وبالإسلام، والنوم لا
يخل بهما)). قال أبو اليسر: وقد أجمع المسلمون على هذا. ثم قال: وقوله وَلّى: ((فليصلها إذا
ذكرها)» دليل على أن الوجوب ثابت في حق النائم والناسي.
قال الإمام البرغري: ((في هذا الحديث إشارة إلى أن الصلاة واجبة حالة النوم، ولكن
تأخر وجوب أدائها بعذر النوم، لأنه فعلَّم قال: ((من نام عن صلاة ... )) ولو لم تكن واجبة حالة
النوم لما كان نائماً عن الصلاة)) اهـ.
قال الإمام فخر الإسلام: ((نعم، النوم ينافي الاختيار أصلاً، حتى بطلت عباراته (أي
النائم) في الطلاق والعتاق والإسلام وغير ذلك)) اهـ.
تنبيه:
قال الشوكاني: ((ظاهر الحديث أنه لا تفريط في النوم، سواء كان قبل دخول الوقت أو
بعده قبل تضيقه. وقيل: إنه إذا تعمد النوم قبل تضيق الوقت، واتخذ ذلك ذريعة إلى ترك الصلاة
لغلبة ظنه أنه لا يستيقظ إلا وقد خرج الوقت: كان آئماً، والظاهر أنه لا إثم عليه بالنظر إلى
٣٦٧
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلاةِ الأُخْرَى. فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا. فَإِذَا كَانَ الْغَدُ
النوم، لأنه فعله في وقت يباح فعله فيه، فيشمله الحديث، وأما إذا نظر إلى التسبب به للترك فلا
إشكال في العصيان بذلك، ولا شك في إثم من نام بعد تضيق الوقت، لتعلق الخطاب به، والنوم
مانع من الامتثال، والواجب إزالة المانع)) اهـ.
قوله: (حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى) الخ: قال العلامة السندي تخلّفُ: ((فيه دليل
للحنفية القائلين بعدم جواز الجمع، لكن قد يقال: إنه بإطلاقه ينافي جمع المزدلفة في الحج،
وهو خلاف مذهبهم، وعند التقييد يمكن تقييده بما يخرجه عن الدلالة، بأن يقال: أي يؤخر
الصلاة بغير مبيح شرعاً، أو نحوه، على أن الظاهر أن المراد بقوله: ((حتى يجيء وقت صلاة
أخرى)) أي حتى تخرج وقت تلك الصلاة، بطريق الكناية، لأن الغالب أنه بدخول الثانية يخرج
وقت الأولى، وذلك لأن خروج وقت الأولى مناط للتفريط، ولا دخل فيه لدخول وقت الثانية.
وأيضاً مورد الكلام كانت صلاة الصبح، والتفريط فيها يتحقق بمجرد خروج الوقت بلا دخول
وقت صلاة أخرى، وحينئذ فمضمون الكلام: أن المذموم هو التأخير إلى خروج الوقت، ولا
يخفى أنه إذا جاز الجمع في السفر لا يتحقق خروج الوقت بدخول وقت الثانية، لأن الشارع قرر
وقت الثانية وقتاً لهما، وكل منهما في وقتها حينئذ)).
قوله: (فإذا كان الغد) الخ: قال العلامة السندي كثّثُ في حاشية النسائي: ((أي ليصل
الوقتية من الغد للوقت، ولما كانت الوقتية من الغد عين المنسية في اليوم باعتبار أنها واحدة من
خمس، كالفجر والظهر مثلاً: صح رجع الضمير، والمقصود المحافظة على مراعاة الوقت فيما
بعد، وأن لا يتخذ الإخراج عن الوقت والأداء في وقت أخرى عادةً له)) اهـ.
وقال النووي: ((فمعناه أنه إذا فاتته صلاة فقضاها لا يتغير وقتها، ويتحول في المستقبل،
بل يبقى كما كان، فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد، ويتحول، وليس معناه أنه
يقضي الفائتة مرتين: مرة في الحال، ومرة في الغد، وإنما معناه ما قدمناه، فهذا هو الصواب في
معنى هذا الحديث، وقد اضطربت أقوال العلماء فيه، واختار المحققون ما ذكرته، والله أعلم)).
وقد عقد البخاري في صحيحه في هذا «باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر ولا يعيد إلا
تلك الصلاة)) .
قال علي بن المنيّر: ((صرح البخاري بإثبات هذا الحكم مع كونه مما اختلف فيه لقوة
دليله، ولكونه على وفق القياس، إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر، فمن قضى الفائتة كمل
العدد المأمور به، ولكونه على مقتضى ظاهر الخطاب لقول الشارع: ((فليصلها)) ولم يذكر زيادة،
وقال أيضاً: ((لا كفارة لها إلا ذلك)) فاستفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها)).
قال الحافظ: ((ويحتمل أن يكون البخاري أشار بقوله: ((ولا يعيد إلا تلك الصلاة)) إلى
٣٦٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَلْيُصَلُهَا عِنْدَ وَقْتِهَا)) ثُمَّ قَالَ: (مَا تَرَوْنَ النَّاسَ صَنَعُوا؟)) قَالَ: ثُمَّ قَالَ: ((أَضْبَحَ النَّاسُ فَقَدُوا
نَبِيَّهُمْ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: رَسُولُ اللّهِ وَهَ بَعْدَكُمْ، لَمْ يَكُنْ لِيُخَلْفَكُمْ. وَقَالَ النَّاسُ: إِنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَلِ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ، فَإِنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَّرَ يَرْشُدُوا)) .
قَالَ: فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ وَحَمِي كُلُّ شَيْءٍ. وَهُمْ يَقُولُونَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْنَا. عَطِشْنَا. فَقَال: ((لاَ هُلْكَ عَلَيْكُمْ)) ثُمَّ قَالَ:
تضعيف ما وقع في بعض طرق حديث أبي قتادة عند مسلم في قصة النوم عن الصلاة، حيث
قال: ((فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها)) فإن بعضهم زعم أن ظاهره إعادة القضية مرتين عند
ذكرها وعند حضور مثلها من الوقت الآتي، ولكن اللفظ المذكور ليس نصاً في ذلك، لأنه
يحتمل أن يريد بقوله: ((فليصلها عند وقتها)) أي الصلاة التي تحضر، لا أنه يريد أن يعيد التي
صلاها بعد خروج وقتها، لكن في رواية أبي داود من حديث عمران بن حصين في هذه القصة:
((من أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحاً فليقض معها مثلها)).
قال الخطابي: ((لا أعلم أحداً قال بظاهره وجوباً، قال: ويشبه أن يكون الأمر فيه
للاستحباب، ليحوز فضيلة الوقت في القضاء)) انتهى. ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك
أيضاً، بل عدوا الحديث غلطاً من راويه، وحكى ذلك الترمذي وغيره عن البخاري، ويؤيد ذلك
ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين أيضاً: ((أنهم قالوا: يا رسول الله، ألا نقضيها
لوقتها من الغد؟ فقال بَطقول: لا، ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم)) اهـ.
قال الشوكاني: ((إن ما ذكره الحافظ في الفتح من أنه رواها أبو داود من حديث عمران بن
حصين رأيناها في السنن من حديث أبي قتادة الأنصاري)).
وقال في بذل المجهود: ((إنه سهو من الحافظ))، والله أعلم.
تنبيه:
نقل في البدائع عن أبي يوسف تقدّفُ: ((أن في بداية الإسلام كانت الفرائض تقضى ثم تعاد
من الغد لوقتها، فنهى النبي وَّر عن ذلك، والله أعلم)).
قوله: (ثم قال: ما ترون الناس صنعوا) الخ: قال النووي: ((معنى هذا الكلام أنه وَلّ لما
صلى بهم الصبح بعد ارتفاع الشمس، وقد سبقهم الناس، وانقطع النبي ولو وهؤلاء الطائفة
اليسيرة عنهم، قال: ما تظنون الناس يقولون فينا؟ فسكت القوم، فقال النبي وتير: أما أبو بكر
وعمر فيقولان للناس: إن النبي 98َّ وراءكم، ولا تطيب نفسه أن يخلفكم وراءه ويتقدم بين
أيديكم، فينبغي لكم أن تنتظروه حتى يلحقكم، وقال باقي الناس: إنه سبقكم فالحقوه، فإن
أطاعوا أبا بكر وعمر رشدوا، فإنهما على الصواب، والله أعلم)).
قوله: (لاهلك) الخ: هو بضم الهاء، بمعنى الهلاك.
٣٦٩
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
(أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي)) قَالَ: وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ. فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَصُبُّ وَأَبُو قَتَادَةً يَسْقِيهِمِ.
فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءَ فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُوا عَلَيْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((أَحْسِنُوا الْمَلأَ.
كُلُكُمْ سَيَزْوَى)) قَالَ: فَفَعَلُوا. فَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ. حَتَّى مَا بَقِيٍ غَيْرِي
وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ وَرَ. قَالَ: ثُمَّ صَبَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ فَقَالَ لِي: ((اشْرَبْ)) فَقُلْتُ: لاَ أَشْرَبُ
حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْم آخِرُهُمْ شُرْباً)) قَالَ: فَشَرِبْتُ. وَشَرِبَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهِ. قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءَ.
قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحِ: إِنِّي لأُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ. إِذْ قَالَ
عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: انْظُرْ أَيُّهَا الْفَتَّى كَيْفَ تُحَدِّثُ. فَإِنِّي أَحَدُ الرَّكْبِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. قَالَ:
قوله: (أطلقوا لي غمرى) الخ: بضم الغين المعجمة، وفتح الميم، والراء، وهو القدح
الصغير. يقال: تغمرت: أي شربت قليلاً قليلاً.
قوله: (فلم يعدُ أن رأى الناس) الخ: من عدا، يعدو، بمعنى: تجاوز، وتكابّوا عليها: أي
ازدحموا عليها، تفاعل من الكبة بالضم، وهي الجماعة.
قوله: (أن رأى الناس) الخ: إما فاعل ((لم يعد)) ومفعوله: ((تكابوا)) على أنه فعل بمعنى
المصدر، بتقدير ((أن)) أو بدونها، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ، يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ﴾ [الروم: ٢٤]
أي لم يتجاوز رؤية الماء ازدحامهم، أو مفعوله وفاعله: ((تكابوا)) على ما ذكرنا، وقيل: المعنى
أي: لم يتجاوز السقي والصب رؤية الناس الماء في تلك الحال، وهي كبّهم عليه، وعلى هذا
الفاعل هو الضمير الراجع إلى الصب والسقي، والمفعول: ((أن رأى الناس)) و((تكابوا)) حال،
والله تعالى أعلم، قاله السندي تخذثهُ .
قوله: (أحسنوا الملأ) الخ: بفتح الميم واللام، وآخره همزة، وهو منصوب، مفعول:
((أحسنوا)). والملأ: الخلق، أي: أحسنوا خلقكم، ولا يضر بعضكم بعضاً. قال الأبي: وكان
الشيخ يفسر ((أحسنوا الملأ)) يعني: ليأخذ كل منكم حاجته. قال القرطبي: ومن رواه بسكون
اللام من الامتلاء، فقد أخطأ، لأنه لا يملأ أحد في هذه النازلة وعاءه.
قوله: (جامّين رواء) الخ: معنى ((جامّين)) نشاطاً، والجمام ذهاب الإعياء، والإجمام:
ترفيه النفس مدة، حتى يذهب عنها التعب، و((رواء)) ضد ((عطاش)) جمع راو، وهو المستكفي من
الماء، فالمراد مستريحين قد رَؤُوا من الماء.
قوله: (في مسجد الجامع) الخ: هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته، فعند الكوفيين
يجوز ذلك بغير تقدير، وعند البصريين لا يجوز إلا بتقدير، ويتأولون ما جاء في هذا بحسب
مواطنه، والتقدير هنا: مسجد المكان الجامع.
٣٧٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قُلْتُ: فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ. فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قلْتُ: مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: حَدِّثْ فَأَنْتُمْ
أَعْلَمُ بِحَدِيثِكُمْ. قَالَ: فَحَدَّثْتُ الْقَوْمَ. فَقَالَ عِمْرَانُ: لَقَدْ شَهِدْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَمَا شَعَرْتُ أَنَّ
أَحَداً حَفِظَهُ كَمَا حَفِظْتَهُ.
١٥٦١ - (٣١٢) وحدّثني أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
عَبْدِ الْمَجِيدِ. حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرِ الْعُطَارِدِيُّ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءِ الْعُطَارِدِيَّ عَنْ
عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ(١). قَالَ: كُنْتُ مَعَ نَبِيِّ اللّهِ بَه فِي مَسِيرٍ لَهُ. فَأَذْلَجْنَا لَيْلَتَنَا. حَتَّى إِذَا
كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ عَرَّسْنَا، فَغَلَبَتْنَا أَغْيُنُنَا حَتَّى بَزَغَتِ الشَّمْسُ. قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ
اسْتَيْقَظَ مِنَّا أَبُو بَكْرٍ، وَكُنَّا لاَ نُوقِظ نَبِيَّ اللّهِ بِهِ مِنْ مَنَامِهِ إِذَا نَامَ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ.
قوله: (حفظه كما حفظته) الخ: قال النووي: ((ضبطناه ((حفظته)) بضم التاء وفتحها،
وكلاهما حسن، وفي حديث أبي قتادة هذا: معجزات ظاهرات لرسول الله وَالآتى :
إحداها: إخباره بأن الميضأة سيكون لها نبأ، وكان كذلك.
الثانية: تكثير الماء القليل.
الثالثة: قوله وَير: ((كلكم سيروى)) وكان كذلك.
الرابعة: قوله وَى: ((قال أبو بكر وعمر كذا، وقال الناس كذا)).
الخامسة: قوله وَلقر: ((إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم، وتأتون الماء)) وكان كذلك، ولم
يكن أحد من القوم يعلم ذلك، ولهذا قال: ((فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد» إذ لو كان
أحد منهم يعلم ذلك لفعلوا ذلك قبل قوله وَ له .
٣١٢ - (٦٨٢) - قوله: (سلم بن زرير) الخ: هو بزاي في أوله مفتوحة، ثم راء مكررة.
قوله: (أدلجنا) الخ: هو بإسكان الدال، وهو سير الليل كله، وأما ((ادّلجنا)) بفتح الدال
المشددة، فمعناه: سرنا آخر الليل، هذا هو الأشهر في اللغة، وقيل: هما لغتان بمعنى، ومصدر
الأول (ادلاج)) بإسكان الدال، والثاني: إذلاج بكسر الدال المشددة.
قوله: (حتى بزغت الشمس) الخ: قال النووي: هو أول طلوعها .
قوله: (وكنا لا نوقظ نبي الله) الخ: ومن طريق عوف عن أبي رجاء عند البخاري: ((وكان
(١) قوله: ((عن عمران بن حصين)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب
وضوء المسلم يكفيه من الماء، رقم (٣٤٤) وباب (بلا ترجمة، بعد باب التيمم ضربة) رقم (٣٤٨) وفي
كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم (٣٥٧١) والنسائي طرفاً منه، في كتاب الطهارة، باب
التيمم بالصعيد، رقم (٣٢٢) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب فيمن نام عن الصلاة أو نسيها،
رقم (٤٣٣).
٣٧١
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
ثُمَّ اسْتَيْقَظَ عُمَرُ. فَقَامَ عِنْدَ نَبِيِّ اللّهِ لَّهِ. فَجَعَلَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ. حَتَّى اسْتَيْقَظَ
رَسُولُ اللّهِ وَهِ. فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ وَرَأَى الشَّمْسَ قَدْ بَزَغَتْ قَالَ: ((ارْتَحِلُوا)) فَسَارَ بِنَا. حَتَّى
إِذَا ابْيَضَّتِ الشَّمْسُ نَزَل فَصَلَّى بِنَا الْغَدَاةَ. فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّ مَعَنَا. فَلَمَّا
انْصَرَفَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((يَا فُلاَنُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَنَاً؟)) قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ،
أَصَابْتِنِي جَنَابَةٌ. فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ فَتَّمَّمَ بِالصَّعِيدِ. فَصَلَّى.
النبي وَّر إذا نام لم يوقظ حتى يكون هو يستيقظ، لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه)).
قال الحافظ: ((ما يحدث له)): بضم الدال، بعدها مثلثة، أي: من الوحي، كانوا يخافون
من إيقاظه قطع الوحي، فلا يوقظونه لاحتمال ذلك.
قال ابن بطال: يؤخذ منه التمسك بالأمر الأعم احتياطاً .
وقال الأبي: والأحسن في عدم إيقاظهم إياه أنه أدب.
قال النووي: ((ومع هذا فكانت الصلاة قد فات وقتها، فلو نام آحاد الناس اليوم وحضرت
صلاة وخيف فوتها نبّه من حضره، لئلا تفوت الصلاة)).
قوله: (ثم استيقظ عمر) الخ: وفي رواية يحيى بن سعيد، عن عوف، عند البخاري:
(«فكان أول من استيقظ فلان، ثم فلان، ثم فلان، يسميهم أبو رجاء، فنسي عوف، ثم عمر بن
الخطاب الرابع)).
قال الحافظ: ((فكان أول من استيقظ أبو بكر، ويشبه - والله أعلم - أن يكون الثاني عمران
راوي القصة، لأن ظاهر سياقه أنه شاهد ذلك، ولا يمكنه مشاهدته إلا بعد استيقاظه، ويشبه أن
يكون الثالث من شارك عمران في رواية هذه القصة المعينة، ففي الطبراني من رواية عمرو بن
أمية: ((قال ذو مخبر: فما أيقظني إلا حر الشمس، فجئت أدنى القوم فأيقظته، وأيقظ الناس
بعضهم بعضاً، حتى استيقظ النبي {َآ)).
قوله: (فجعل يكبر) الخ: قال الحافظ: ((وفي استعماله التكبير سلوك طريق الأدب،
والجمع بين المصلحتين، وخص التكبير لأنه أصل الدعاء إلى الصلاة)).
قال الأبي: ((أو يقال: إن التكبير تعريض لا نفس التيقيظ)).
قوله: (ارتحلوا) الخ: بصيغة الأمر، وتقدم سببه في شرح حديث أبي هريرة.
قوله: (حتى إذا ابيضت الشمس) الخ: أي صفت.
قوله: (أصابتني جنابة) الخ: زاد في رواية عوف: ((ولا ماء)) بفتح الهمزة، أي معي، أو
موجود، وهذا يحتمل أنه كان لا يعلم مشروعية التيمم أصلاً، أو في حق الجنب خاصة، فكان
حكمه حكم فاقد الطهورین .
٣٧٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ثُمَّ عَجَّلَنِي، فِي رَكْبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، نَظْلُبُ الْمَاءَ. وَقَدْ عَطِشْنَا عَطَشاً شَدِيداً. فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ
إِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَّةٍ رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ. فَقُلْنَا لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ قَالَتْ: أَيْهَاهُ. أَيْهَاهُ. لا
مَاءَ لَكُمْ. قُلْنَا: فَكَمْ بَيْنَ أَهْلِكِ وَبَيْنَ الْمَاءِ؟ قَالَتْ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. قُلْنَا: انْطَلِقِي إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ ،ِهِ. قَالَتْ: وَمَا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَلَمْ نُمَلِّكْهَا مِنْ أَمْرِهَا شَيْئاً حَتَّى انْطَلَقْنَا بِهَا.
فَاسْتَقْبَلْنَا بِهَا رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ. فَسَأَلَهَا فَأَخْبَرَتْهُ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَتْنَا. وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا مُؤْتِمَةٌ. لَهَا
صِيْيَانٌ أَيْتَامٌ. فَأَمَرَ بِرَاوِيَتِهَا. فَأُنِيخَتْ. فَمَجَّ فِي الْعَزْلاَ وَيْنِ الْعُلْيَاوَيْنِ
قوله: (ثم عجلني) الخ: أي: حثني، وأمرني أن أعجل.
قوله: (في ركب) الخ: وفي رواية عوف: ((فدعا فلاناً كان يسميه أبو رجاء نسيه عوف
(قال الحافظ: هو عمران بن حصين) ودعا علياً فقال: اذهبا فابتغيا الماء)).
قال الحافظ: ((ودلت هذه الرواية على أنه كان هو وعليّ فقط، لأنهما خوطبا بلفظ التثنية،
ويحتمل أنه كان معهما غيرهما على سبيل التبعية لهما، فيتجه إطلاق لفظ ((ركب)) في رواية
مسلم، وخصا بالخطاب لأنهما المقصودان بالإرسال)).
قوله: (نطلب الماء) الخ: فيه الجري على العادة في طلب الماء وغيره دون الوقوف عند
خرقها، وأن التسبب في ذلك غير قادح في التوكل.
قوله: (سادلة رجليها) الخ: السادلة: المرسلة المدلية.
قوله: (بين مزادتين) الخ: المزادة: بفتح الميم، والزاى: قربة كبيرة يزاد فيها جلد من
غيرها (في الهندية بكهال) وتسمى أيضاً: السطيحة، والمراد بهما: الراوية.
قوله: (قالت: أيهاه أيهاه) الخ: قال النووي: ((هكذا هو في الأصول، وهو بمعنى:
هيهات هيهات، ومعناه البعد من المطلوب واليأس منه، كما قالت بعده: ((لا ماء لكم)) أي ليس
لكم ماء حاضر ولا قريب، وفي هذه اللفظة بضع عشرة لغة، ذكرتها كلها مفصلة واضحة متقنة
مع شرح معناها وتصريفها وما يتعلق بها في تهذيب الأسماء واللغات)).
قوله: (قالت: وما رسول الله) الخ: وفي رواية عوف: ((قالت: الذي يقال له: الصابي،
قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي)).
قوله: (أنها مؤتمة) الخ: بضم الميم، وكسر التاء، أي ذات أيتام.
قوله: (فأمر براويتها) الخ: إن أريد بالراوية الجمل الذي يستقى عليه فأنيخت على بابه،
وإن أريد بها المزادة، فالمراد أنيخت حاملتها .
قوله: (فمجّ في العزلاوين) الخ: المج زرق الماء بالفم، والعزلاوان: تثنية ((عزلاء))
بالمد، قال ابن ولاد: عزلاء المزادة: فمها الأعلى الذي يخرج منه الماء، وقال الهروي: ثقبها
٣٧٣
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
ثُمَّ بَعَثَ بَرَاوِيَتِهَا. فَشَرِبْنَا. وَنَحْنُ أَرْبَعُونَ رَجُلاً عِطَاشٌ. حَتَّى رَوِينَا. وَمَلأْنَا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنَا
وَإِدَاوَةٍ. وَغَسَّلْنَا صَاحِبَنَا. غَيْرَ أَنَّا لَمْ نَسْقِ بَعِيراً. وَهِيَ تَكَادُ تَنْضَرِجُ مِنَ الْمَاءِ، (يَعْنِي
الأسفل الذي يفرغ منه الماء، وجمع العزلاء: العزالي بكسر اللام، وفي رواية عوف:
((فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبي ◌َّو بإناء ففرّغ فيه من أفواه المزادتين)). زاد الطبراني
والبيهقي من هذا الوجه: ((فتمضمض في الماء، وأعاده في أفواه المزادتين)).
قال الحافظ: ((وبهذه الزيادة تتضح الحكمة في ربط الأفواه بعد فتحها، وعرف منها أن
البركة إنما حصلت بمشاركة ريقه الطاهر المبارك للماء)) اهـ.
وقال بعض الشراح المتقدمين: ((إنما أخذوها واستجازوا أخذ مائها لأنها كانت كافرة
حربية، وعلى تقدير أن يكون لها عهد فضرورة العطش تبيح للمسلم الماء المملوك لغيره على
عوض، وإلا فنفس الشارع تفدى بكل شيء على سبيل الوجوب)).
قوله: (ثم بعث براويتها) الخ: أي: أثارها، لتقوم.
قوله: (وغسّلنا صاحبنا) الخ: يعنى: الجنب، وهو بتشديد السين، أي أعطيناه ما يغتسل
به، وفيه دليل على أن المتيمم إذا أمكنه استعمال الماء اغتسل. قاله النووي.
وفي رواية عوف: ((وكان آخر ذلك أن أعطي الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال:
اذهب فأفرغه علیك».
قال الحافظ: ((واستدل بهذه القصة على تقديم مصلحة شرب الآدمي والحيوان على غيره،
كمصلحة الطهارة بالماء لتأخير المحتاج إليها عمن سقي واستقى)).
قوله: (غير أنا لم نسق بعيراً) الخ: وفي رواية عوف: ((ونودي في الناس: اسقوا واستقوا،
فسقي من سقي، واستقى من شاء)).
قال الحافظ: ((والمراد أنهم سقوا غيرهم كالدواب ونحوها، واستقوهم، فقوله في رواية
مسلم: ((غير أنا لم نسق بعيراً)): محمول على أن الإبل لم تكن محتاجة إذ ذاك إلى السقي،
فيحمل قوله: ((فسقي)) على غيرها)).
قوله: (وهي تكاد تنضرج) الخ: أي: تنشق، وهو بفتح التاء، وإسكان النون، وفتح الضاد
المعجمة، وبالجيم، وروي بتاء أخرى بدل النون، وهو بمعناه، والأول هو المشهور، أي تكاد
تنشق من الماء، أو من الامتلاء منه، وفي رواية عوف: ((وايم الله لقد أقلع عنها، وإنه ليخیل إلینا
أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ فيها)» والمراد أنهم يظنون أن ما بقي فيها من الماء أكثر مما كان
أولاً .
٣٧٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْمَزَادَتَيْنِ)، ثُمَّ قَالَ: ((هَاتُوا مَا كَانَ عِنْدَكُمْ)) فَجَمَعْنَا لَهَا مِنْ كِسَرٍ وَتَمْرٍ. وَصَرَّ لَهَا صُرَّةً(١).
فَقَال لَهَا: ((اذْهَبِي فَأَطْعِمِي هَذَا عِيَالَكِ. وَاعْلَمِي أَنَّا لَمْ نَرْزَأْ مِنْ مَائِكِ)) فَلَمَّا أَتَتْ أَهْلَهَا
قَالَتْ: لَقَدْ لَقِيتُ أَسْحَرَ الْبَشَرِ. أَوْ إِنَّهُ لَنَبِيِّ كَمَا زَعَمَ. كَانَ مِنْ أَمْرِهِ ذَيْتَ وَذَيْتَ. فَهَدَى اللَّهُ
ذَاكَ الصِّرْمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ. فَأَسْلَمَتْ وَأَسْلَمُوا.
قوله: (وصُرّ لها صرة) الخ: قال في مجمع البحار: هو بضم الصاد فيهما.
قوله: (نرزا من مائك) الخ: قال النووي: ((هو بنون مفتوحة، ثم راء ساكنة، ثم زاي، ثم
همزة، أي لم ننقص، وزاد في رواية عوف: ((ولكن الله هو الذي أسقانا)) وقد اشتمل ذلك على
عَلم عظيم من أعلام النبوة)) .
قال الحافظ: ((وظاهره أن جميع ما أخذوه من الماء مما زاده الله تعالى وأوجده، وأنه لم
يختلط فيه شيء من مائها في الحقيقة، وإن كان في الظاهر مختلطاً، وهذا أبدع وأغرب في
المعجزة، وهو ظاهر قوله: ((ولكن الله هو الذي أسقانا)) ويحتمل أن يكون المراد: ما نقصنا من
مقدار مائك شيئاً، واستدل بهذا على جواز استعمال أواني المشركين ما لم يتيقن فيها النجاسة،
وفيه إشارة إلى أن الذي أعطاها ليس على سبيل العوض عن مائها، بل على سبيل التكرم
والتفضل)).
قوله: (أسحر البشر أو إنه لنبي) الخ: قال الأبي: ((موجبه أن تكثير القليل أمر مشترك بين
المعجزة والسحر، لأن من آثار السحر تكثير القليل، كما يفعل العجائبي: يخرج جوزاً كثيراً من
جوزة واحدة، وأنصفت، لأن الناظر في حين نظره غير عالم حتى يتبين له وجه الدليل، ولهذا
لما اتضح لها بعد أنه ليس بسحر، وإنما هو معجزة، لإدراكها الفرق بين المعجزة والسحر:
أسلمت، وللمتكلمين في الفرق بينهما وجوه، وعلى هذا فالأظهر في ((أو)) من كلامها أنها
للإضراب، أي: بل إنه نبي، وهو من حسن فطرتها، ولا يبعد حسن الفطرة على نساء العرب)).
قوله: (ذیت وذيت) الخ: هو بمعنى: كيت وكيت، وكذا وكذا، كناية عن حديث.
قوله: (ذلك الصرم) الخ: بكسر الصاد، أبيات مجتمعة.
قوله: (بتلك المرأة) الخ: أي: بسببها .
قوله: (فأسلمت وأسلموا) الخ: وفي صحيح البخاري من رواية عوف: ((فكان المسلمون
بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين، ولا يصيبون الصرم الذي هي منه، فقالت يوماً
(١) الصرة: ما يجمع فيه الشيء ويشد، كصرة الدراهم، وهي معروفة، وصَرَرْتُ الصِّرة: شددتها. انظر لسان
العرب (٤: ٤٥٢) والمعجم الوسيط (١: ٥١٥).
٣٧٥
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٥٦٢ - (٠٠٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ.
حَدَّثَنَا عَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ الأَعْرَابِيُّ عَنْ أَبِي رَجَاءِ الْعُطَارِدِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ؛
قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَهِ فِي سَفَرٍ. فَسَرَيْنَا لَيْلَةً. حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، قُبَيَّلَ
الصُّبْحِ، وَقَعْنَا تِلْكَ الْوَقْعَةَ الَّتِي لاَ وَقْعَةَ عِنْدَ الْمُسَافِرِ أَحْلَى مِنْهَا. فَمَا أَيْقَظَنَاَ إِلاَّ حَرُّ
الشَّمْسَِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ. وَزَادَ وَنَقَصَ. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ؛
فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَرَأَى مَا أَصَّابَ النَّاسَ. وَكَانَ أَجْوَفَ جَلِيداً. فَكَبَّرَ وَرَفَعَ
صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ. حَتَى اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ لِشِدَّةِ صَوْتِهِ، بِالتَّكْبِيرِ. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((لاَ ضَيْرَ. ارْتَحِلُوا)).
لقومها: ((ما أرى (أي الذي أرى هو أن) هؤلاء القوم يدعونكم عمداً، فهل لكم في الإسلام؟
فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام)).
قال الحافظ: ((ومحصل القصة أن المسلمين صاروا يراعون قومها على سبيل الاستئلاف
لهم، حتى كان ذلك سبباً لإسلامهم، وبهذا يحصل الجواب عن الإشكال الذي ذكره بعضھم،
وهو أن الاستيلاء على الكفار بمجرده يوجب رق النساء والصبيان، وإذا كان كذلك فقد دخلت
المرأة في الرق باستيلائهم عليها، فكيف وقع إطلاقها وتزويدها : - كما تقدم - لأنا نقول: أطلقت
لمصلحة الاستئلاف الذي جرّ دخول قومها أجمعين في الإسلام، ويحتمل أنها كان لها أمان قبل
ذلك، أو کانت من قوم لهم عهد)).
( ... ) - قوله: (فسرينا ليلة) الخ: قال الجوهري: تقول: سريت، وأسريت، بمعنى: إذا
سرت ليلاً، وقال صاحب المحكم: السري سير عامة الليل، وقيل: سير الليل كله، وهذا
الحديث يخالف القول الثاني. كذا في الفتح.
قوله: (قبيل الصبح) الخ: بضم القاف، هو أخص من ((قبل)) وأصرح في القرب.
قوله: (وقعنا تلك الواقعة) الخ: قال الحافظ كثَّثُ: ((وفي رواية أبي قتادة عند البخاري ذكر
سبب نزولهم، وهو سؤال بعض القوم في ذلك، وفي أنه وَّر قال: ((أخاف أن تناموا عن
الصلاة، فقال بلال: أنا أوقظهم)).
قوله: (وكان أجوف جليداً) الخ: من الجلادة، بمعنى الصلابة، أي: قوياً، و((أجوف»
أي: رفيع الصوت، يخرج صوته من جوفه بقوة.
قوله: (شكوا إليه الذي أصابهم) الخ: أي: من نومهم عن صلاة الصبح حتى خرج وقتها .
قوله: (لا ضير) الخ: أي: لا ضرر، وفيه تأنيس لقلوب الصحابة لما عرض لهم من
الأسف على فوات الصلاة في وقتها، بأنهم لا حرج عليهم، إذ لم يتعمدوا ذلك.
٣٧٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ.
١٥٦٣ - (٣١٣) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ؛
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهِ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ، فَعَرَّسَ بِلَيلٍ، اضْطَجَعَ عَلَى يَمِينِهِ. وَإِذَا عَرَّسَ
قُبَيْلَ الصُّبْحِ، نَصَبَ ذِرَاعَهُ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ.
١٥٦٤ - (٣١٤) حدّثنا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ قَالَ: ((مَنْ نَسِيَ صَلاةَ فَلْيُصَلْهَا إِذَا ذَكَرَهَا. لاَ كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّ
ذَلِكَ)).
قَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤].
١٥٦٥ - (٠٠٠) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ .
جَمِيعاً عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: ((لاَ كَفَّارَةَ لَهَا إِلاَّ
ذَلِكَ».
١٥٦٦ - (٣١٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ
قوله: (واقتص الحديث) الخ: قال النووي تغذّفه: ((وأعلم أن هذه الأحاديث جرت في
سفرين أو أسفار، لا في سفرة واحدة، وظاهر ألفاظها يقتضي ذلك، والله أعلم)).
٣١٤ - (٦٨٤) - قوله: (حدثنا هداب بن خالد) الخ: قال النووي: ((هذا الإسناد كله
بصریون)) .
قوله: (لا كفارة لها إلا ذلك) الخ: معناه لا يجزئه إلا الصلاة مثلها، ولا يلزم مع ذلك
شيء آخر. وقد تقدم تفصيل ما يتضمن هذه الأحاديث من الأحكام ودلائلها في شرح حديث أبي
هريرة، ولله الحمد.
(١) قوله: ((عن أنس بن مالك)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي
صلاة فليصل إذا ذكرها، رقم (٥٩٧) والنسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب فيمن نسي صلاة، رقم
(٦١٤) وباب فيمن نام عن صلاة، رقم (٦١٥) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب فيمن نام عن
الصلاة أو نسيها، رقم (٤٤٢) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الرجل ينسى
الصلاة، رقم (١٧٨) وابن ماجه في سننه، في كتاب الصلاة، باب من نام عن الصلاة، أو نسيها، رقم
(٦٩٥) و(٦٩٦) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب من نام عن صلاة أو نسيها، رقم (١٢٣٢)
وأحمد في مسنده (٣: ١٠٠ و٢٤٣ و٢٦٩ و٢٨٢).
٣٧٧
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ نَسِيَ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا
أَنْ يُصَلِيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا)).
١٥٦٧ - (٣١٦) وحدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهضَمِيُّ. حَدَّثَنِي أَبِي. حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَ: ((إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلاَةِ أَوْ غَفَلَ
عَنْهَا، فَلْيُصَلَّهَاَ إِذَا ذَكَرَهَا. فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤]).
٣٧٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الرَّحَيَةِ
٦ - كتاب: صلاة المسافرين وقصرها
(١) - باب: صلاة المسافرين وقصرها
١٥٦٨ - (١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ صَالِحِ بْنِ
كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ بََّ(١)؛ أَنَّهَا قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلاَةُ
رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ، فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ. فَأَقِرَّتْ صَّلاَةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَةِ الْحَضَرِ.
٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
(١) - باب: صلاة المسافرين وقصرها
١ - (٦٨٥) - قوله: (ركعتين ركعتين) الخ: كررت لفظ ((ركعتين)) لتفيد عموم التثنية لكل
صلاة، زاد ابن إسحاق قال: حدثني صالح بن كيسان بهذا الإسناد: إلا المغرب، فإنها كانت
ثلاثاً)) أخرجه أحمد من طريقه، وروى ابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي، من طريق الشعبي،
عن مسروق، عن عائشة، قالت: ((فرضت صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين، فلما قدم
رسول الله ﴿ المدينة، واطمأن: زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر
لطول القراءة، وصلاة المغرب، لأنها وتر النهار)) كذا في الفتح.
قوله: (وزيد في صلاة الحضر) الخ: وشاهد هذا الحديث: ما رواه الطبراني في الكبير،
عن السائب بن يزيد الكدي، ابن أخت النمر قال: ((فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، ثم زيد في
صلاة الحضر، وأقرّت صلاة السفر)) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
(١) قوله: ((عن عائشة زوج النبي ( 8) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب كيف
فرضت الصلوات في الإسراء، رقم (٣٥٠) وفي كتاب تقصير الصلاة، باب يقصر إذا خرج من موضعه، رقم
(١٠٩٠) وفي كتاب مناقب الأنصار، باب التاريخ، من أين أرَّخوا التاريخ، رقم (٣٩٣٥) والنسائي في
سننه، في كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة، رقم (٤٥٤) و(٤٥٥) و(٤٥٦) وأبو داود في سننه، في
كتاب الصلاة، فاتحة تفريع أبواب صلاة السفر، باب صلاة المسافر، رقم (١١٩٨) والدارمي في سننه، في
كتاب الصلاة، باب الصلاة في السفر، رقم (١٥١٧) وأحمد في مسنده (٦: ٢٣٤ و٢٤١ و٢٦٥ و٢٧٢).
٣٧٩
كتاب: صلاة المسافرين وقصرها
وعن أبي الكنود قال: ((سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان، نزلتا من
السماء، فإن شئتم فردوهما)). قال الهيثمي: رواه الطبراني في الصغير، ورجاله موثوقون.
اختلاف العلماء في أن قصر الصلاة في السفر واجب أم رخصة والتمام أفضل، وأدلة
كل، وتحقيق المقام
قال الشيخ بدر الدين العيني كثّفُهُ: ((ذهب جماعة من أهل العلم إلى ظاهره وعمومه وما
يوجبه لفظه، فأوجبوا القصر في السفر فرضاً، وقالوا: لا يجوز لأحد أن يصلي في السفر إلا
ركعتين ركعتين في الرباعيات، وحديث عائشة واضح في أن الركعتين للمسافر فرض، لأن
الفرض الواجب لا يجوز خلافه، ولا الزيادة عليه، ألا ترى أن المصلي في الحضر لا يجوز له
أن يزيد في صلاة من الخمس؟! ولو زاد لفسدت، فكذلك المسافر لا يجوز له أن يصلي في
السفر أربعاً، لأن فرضه فيه ركعتان. وممن ذهب إلى هذا: عمر بن عبد العزيز - إن صح عنه -
وعنه: الصلاة في السفر ركعتان، لا يصح غيرهما. ذكره ابن حزم محتجاً به، وحماد بن أبي
سليمان، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، وقول بعض أصحاب مالك، وروي عن مالك أيضاً،
وهو المشهور عنه أنه قال: ((من أتم في السفر أعاد في الوقت)).
واستدلوا بحديث عمر بن الخطاب: ((صلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر، على لسان
نبیکم ◌َ)). رواه النسائي بسند صحيح.
وبما رواه ابن عباس عند مسلم: ((أن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم ◌َّ في الحضر
أربعاً، وفي السفر ركعتين)).
وفي التمهيد من حديث أبي قلابة، عن رجل، من بني عامر: ((أنه أتى النبي وَّة، فقال له:
إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة)).
وعن أنس بن مالك القشيري عن النبي ◌َّر مثله .
وعند ابن حزم صحيحاً عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَل: ((صلاة السفر ركعتان، من
ترك السنة كفر)).
وعن ابن عباس: ((من صلى في السفر أربعاً كمن صلى في الحضر ركعتين)).
وفي مسند السراج بسند جيد عن عمرو بن أمية الضمري يرفعه: ((إن الله تعالى وضع عن
المسافر الصيام ونصف الصلاة)). وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس،
وابن عمر، والثوري
وقال الأوزاعي: ((إن قام إلى الثالثة ألغاها وسجد للسهو)).
٣٨٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقال الحسن بن حُيّي: ((إذا صلى أربعاً متعمداً أعادها إذا كان ذلك منه الشيء اليسير، فإن
طال ذلك منه وکثر في سفره لم يعد)).
وقال الحسن البصري: ((من صلى أربعاً عمداً بئس ما صنع، وقضيت عنه، ثم قال: لا
أبالك! أترى أصحاب محمد ﴿ تركوها لأنها ثقلت عليهم)).
وقال الأثرم: قلت لأحمد: الرجل يصلي أربعاً في السفر؟ قال: لا، ما يعجبنى.
وقال البغوي: قال الشافعي: ((هذا قول أكثر العلماء)).
وقال الخطابي: ((الأولى: القصر، ليخرج من الخلاف)).
وقال الترمذي: ((العمل على ما فعله النبي ◌َّر)) اهـ.
وقال شمس الأئمة السرخسي كَّفُ: ((والمعنى فيه أن الشفع الثاني ساقط عن المسافر، لا
إلى بدل، وبقاء الفرضية يوجب القضاء والأداء، فحين لم يثبت في حقه واحد منهما عرفنا أنه لم
تبق الفريضة فيما زاد على الركعتين في حقه، وأن الظهر في حقه كالفجر في حق المقيم ثم
المقيم، إذا صلى أربعاً فإن لم يقعد في الثانية فسدت صلاته، لاشتغاله بالنفل قبل إكمال
الفرض، وإن قعد في الثانية جازت صلاته، والأخريان تطوع له، فكذلك هنا، وبه فارق الصوم،
فإن الفريضة لما بقيت هناك لم ينفك عن قضاء أو أداء)) اهـ.
قال الشيخ ابن الهمام كََّفُ: ((ليس معنى كون الفعل فرضاً إلا كونه مطلوباً البتة، قطعاً أو
ظناً، على الخلاف الاصطلاحي، فإثبات التخيير بين أدائه وتركه رخصة في بعض الأوقات،
ليس حقيقته إلا نفي افتراضه في ذلك الوقت، للمنافاة بينه وبين مفهوم الفرض، فيلزم بالضرورة
أن ثبوت الترخص مع قيام الافتراض لا يتصور إلا في التأخير ونحوه من عدم إلزام بعض
الكيفيات التي عهدت لازمة في الفرض، وهذا المعنى قطعي في الإسقاط، فيلزم كون الفرض ما
بقي)) اهـ.
ثم قال: ((وفيه حديث عائشة رضيّا في الصحيحين، قالت: ((فرضت الصلاة ركعتين ركعتين،
فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر)) وفي لفظ قالت: ((فرض الله الصلاة حين فرضها
ركعتين، أتمها في الحضر، وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى)). زاد في لفظ: ((قال
الزهري: قلت: لعروة: فما بال عائشة تتم في السفر؟ قال: إنها تأولت كما تأول عثمان)). وفي
لفظ للبخاري: ((قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، ثم هاجر النبي وَلّ، ففرضت أربعاً،
فتركت صلاة السفر على الأول)) ذكره في ((باب من أين أرّخوا التاريخ)) وهذه الرواية ترد قول من
قال: إن زيادة الصلاة الحضر كانت قبل الهجرة، وهذا وإن كان موقوفاً فيجب حمله على
السماع، لأن أعداد الركعات لا يتكلم فيها بالرأي، وكون عائشة رؤيتها تتم، لا ينافي ما قلنا، إذ