Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
(٦) - باب: جواز الإقعاء على العقبين
١١٩٨ - (٣٢) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا
حَسَنْ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - وَتَقَّارَبَا فِي اللَّفْظِ - قَالا جَمِيعاً: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج.
أَخْبَرَنِي أَبُو الزَّبَيْرِ؛ أَنَهُ سَمِعَ طَاؤُساً (١) يَقُولُ: قُلْنَا لابْنِ عَبَّاسِ فِي الإِفْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ.
فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ. فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءَ بَالرَّجُلٍ. فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ هِيَ سُنَّهُ نَبِيِّكَ بَلـ
(٧) - باب: تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته
١١٩٩ - (٣٣) حدّثنا أَبُو جَعْفَرِ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَتَقَارَبًا
فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ - قَالاَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حَجَّاجِ الصَّوَّافِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ
أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلاَلٍ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكْمِ
السُّلَمِيِّ(٢)؛ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهـ
(٦) - باب: جواز الإقعاء على العقبين
٣٢ - (٥٣٦) قوله: (في الإقعاء) الخ: قد تقدم تفسيره، وحكمه، والكلام على معنى
حديث الباب، في ((باب ما يجمع صفة الصلاة، وما يفتتح به، وما يختم به)) تحت قوله: ((وكان
ينهى عن عقبة الشيطان)) فليراجع.
قوله: (جفاء بالرجل) الخ: الرجل ضبطناه بفتح الراء وضم الجيم، أي بالإنسان، وكذا
نقله القاضي عن جميع رواة مسلم، قال: ((وضبطه أبو عمر ابن عبد البر: بكسر الراء وإسكان
الجيم، قال أبو عمر: ومن ضم الجيم فقد غلط، ورد الجمهور على ابن عبد البر، وقالوا :
الصواب الضم، وهو الذي يليق به إضافة الجفاء إليه، والله أعلم.
(٧) - باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته
٣٣ - (٥٣٧) - قوله: (عن معاوية بن الحكم) الخ: هو من بني سليم، كان يسكن فيهم،
(١) قوله: ((طاؤسا)) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب الإقعاء بين السجدتين، رقم
(٨٤٥) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الرخصة في الإقعاء، رقم (٢٨٣) وأحمد
في مسنده (١ : ٣١٣).
(٢) قوله: ((معاوية بن الحكم السلمي)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب الكلام في
الصلاة، رقم (١٢١٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب تشميت العاطس في الصلاة، رقم
(٩٣٠) و(٩٣١) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب النهي عن الكلام في الصلاة، رقم (١٥١٠)
و(١٥١١) وأحمد في مسنده (٥: ٤٤٧ و ٤٤٨).

٤٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ. فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِم. فَقُلْتُ: وَاتُكُلَ
أُمِّيَاهْ، مَا شَأُنْكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِم. فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ
يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُ. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِّ ◌َِ.
ونزل المدينة، وعداده في أهل الحجاز، ذكره الطيبي. وفي المفاتيح: قيل: لا يروي غير هذا
الحديث. كذا في المرقاة.
قوله: (إذا عطس رجل) الخ: بفتح الطاء، وهو الموافق لما في القاموس، وضبطها
السيوطي في تعليقه على أبي داود بكسرها .
قوله: (فقلت: يرحمك الله) الخ: ظاهره أنه في جواب قوله: ((الحمد لله)).
قال النووي: ((إذا قال يرحمك الله بطلت صلاته، لأنه خاطبه، ولو قال: يرحمه الله،
فلا)). وقال ابن الهمام: ((لو قال لنفسه: يرحمك الله لا تفسد، كقوله: يرحمني الله، وعن أبي
يوسف: لا تفسد في قوله لغيره ذلك)) قاله القاري في المرقاة.
قوله: (فرماني القوم بأبصارهم) الخ: أي: أسرعوا في الالتفات إلىّ، ونظروا إليّ
بأبصارهم نظر منكر، ولذلك استعیر له الرمي.
قوله: (واثكل أمياه) الخ: ((وا)) حرف الندبة، و((ثكل)) بضم المثلثة وإسكان الكاف،
ويفتحهما جميعاً لغتان كالبُخْل والبَخَل، حكاهما الجوهري وغيره، وهو: فقدان المرأة ولدها،
وحزنها عليه لفقده. وقوله: ((أمّاه)) بتشديد الميم، وأصله ((أم)) زيدت عليه ألف الندبة لمد
الصوت، وأردفت بهاء السكت. وفي رواية ((أمياه)) بزيادة الياء، وأصله ((أمي)) زيدت عليه ألف
الندبة لذلك.
قوله: (يضربون بأيديهم) الخ: أي: زيادة في الإنكار عليّ.
قال الشوكاني: ((وهذا محمول على أنه وقع قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شيء في صلاته
للرجال، والتصفيق للنساء، ولا يقال: إن ضرب اليد على الفخذ: تصفيق)).
قوله: (على أفخاذهم) الخ: فيه دليل على أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة.
قوله: (يصمتونني) الخ: بتشديد الميم، أي: يسكتونني غضبت وتغيرت. قاله الطيبي.
أوعجبت لجهلي بقبح ما ارتبكت، ومبالغتهم في الإنكار عليّ، لكني سكتّ ولم أعمل
بمقتضى الغضب، قاله الطبيب.
أو سكتّ امتثالاً، لأنهم أعلم مني، ولم أعمل بمقتضى غضبي، ولم أسأل عن السبب.
قوله: (فلما صلى رسول الله) الخ: جواب ((لما)) محذوف، وهو ما دل عليه جملة ((فبأبي
هو وأمي ما رأيت معلماً ... )) إلى آخره، أي: اشتغل بتعلمي بالرفق، وحسن الكلام.

٤٣
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّماً قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيماً مِنْهُ. فَوَاللَّهِ، مَا كَهَرَنِي وَلاَ
ضَرَبَنِي وَلاَ شَتَمَنِي. قَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَضْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ.
قوله: (فبأبي هو وأمي) الخ: متعلق بمحذوف، أي هو ◌َّر مفدي بأبي وأمي.
قوله: (ما رأيت معلماً) الخ: فيه بيان ما كان عليه رسول الله وَلقر من عظيم الخُلق الذي
شهد الله تعالى له به، ورفقه بالجاهل، ورأفته بأمته، وشفقته عليهم، وفيه التخلق بخلقه وَ ◌ّر في
الرفق بالجاهل، وحسن تعليمه، واللطف به، وتقريب الصواب إلى فهمه.
قوله: (ما كهرني) الخ: أي: ما انتهرني. قال الطيبي: الكهر والقهر والنهر: أخوات.
وفي النهاية: ((يقال: كهره: إذا زبره واستقبله بوجه عبوس، وقرأ عبد الله بن مسعود فأما اليتيم
فلا تكهر.
قوله: (إن هذه الصلاة) الخ: إشارة إلى جنس الصلاة.
مبحث في أن الكلام في الصلاة هل يفسد الصلاة أم لا؟ وأقوال الأئمة في ذلك، وهل يفرق
في الكلام عامداً وساهياً وفي الكلام لإصلاح الصلاة أو لا يفرق؟
قوله: (لا يصلح فيها شيء) الخ: قال النووي كثّفُ: ((فيه تحريم الكلام في الصلاة، سواء
كان لحاجة أو غيرها، وسواء كان لمصلحة الصلاة أو غيرها، فإن احتاج إلى تنبيه أو إذن لداخل
ونحوه سبّح إن كان رجلاً، وصفقت إن كانت امرأة، هذا مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة
والجمهور من السلف والخلف.
وقال طائفة - منهم الأوزاعي -: يجوز الكلام لمصلحة الصلاة، لحديث ذي اليدين،
وسنوضحه في موضعه إن شاء الله تعالى، وهذا في كلام العامد العالم.
وأما الناسي فلا تبطل صلاته بالكلام القليل عندنا، وبه قال مالك، وأحمد، والجمهور.
وقال أبو حنيفة ظبه والكوفيون: تبطل.
دليلنا حدیث ذي الیدین.
فإن كثر كلام الناسي: ففيه وجهان مشهوران لأصحابنا، أصحهما: تبطل صلاته، لأنه
نادر، وأما كلام الجاهل إذا كان قريب عهد بالإسلام فهو ككلام الناسي، فلا تبطل الصلاة
بقليله، لحديث معاوية بن الحكم هذا الذي نحن فيه، لأن النبي ◌ّ لم يأمره بإعادة الصلاة،
لكن علمه تحريم الكلام فيما يستقبل)) اهـ.
قال الشيخ الإمام أبو بكر الرازي الحنفي كثّفُ في أحكام القرآن: ((ففي هذه الأخبار (أي
أحاديث الباب) حظر الكلام في الصلاة، ولم تختلف الرواة أن الكلام كان مباحاً في الصلاة إلى
أن حظره، واتفق الفقهاء على حظره إلا أن مالكاً تَُّ قال: يجوز فيها لإصلاح الصلاة. وقال

٤٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الشافعي كتّلهُ: كلام السهو لا يفسدها. ولم يفرق أصحابنا بين شيء منه، وأفسدوا الصلاة
بوجوده فيها على وجه السهو وقع أو لإصلاح الصلاة.
والدليل عليه: أن الآية التي تلونا من قوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] ورواية
من روى أنها نزلت في حظر الكلام في الصلاة مع احتماله له، لو لم ترد الرواية بسبب نزولها
ليس فيها فرق بين الكلام الواقع على وجه السهو والعمد. وبينه إذا قصد به إصلاح الصلاة أو لم
يقصد، وكذلك سائر الأخبار المأثورة عن رسول الله و 18 في حظره فيها لم يفرق فيها بين ما قصد
به إصلاح الصلاة وبين غيره، وبين السهو والعمد منه، فهي عامة في الجميع.
فإن قيل: النهي عن الكلام في الصلاة مقصور على العامد دون الناسي لاستحالة نهي
الناسي.
قيل له: حكم النهي قد يجوز أن يتعلق على الناسي كهو على العامد، وإنما يختلفان في
المأثم واستحقاق الوعيد، فأما في الأحكام التي هي فساد الصلاة وإيجاب قضائها فلا يختلفان،
ألا ترى أن الناسي بالأكل والحدث والجماع في الصلاة في حكم العامد فيما يتعلق عليه من
أحكام هذه الأفعال من إيجاب القضاء وإفساد الصلاة، وإن كانا مختلفين في حكم المأثم
واستحقاق الوعيد، وإذا كان ذلك على ما وصفنا كان حكم النهي فيما يقتضيه من إيجاب القضاء
معلقاً بالناسي كهو بالعامد، لا فرق بينهما فيه.
وإن اختلفا في حكم المأثم والوعيد، فقد دلت هذه الأخبار على فساد قول من فرق بين ما
قصد به الإصلاح للصلاة وبين ما لم يقصد به إصلاحها، وعلى فساد قول من فرق بين الناسي
والعامد، ويدل على ذلك أيضاً قول النبي ◌َّير في حديث معاوية بن الحكم: ((إن صلاتنا هذه لا
يصلح فيها شيء من كلام الناس)) وحقيقته الخبر، فهو محمول على حقيقته، فاقتضى ذلك إخباراً
من النبي ◌َّر بأن الصلاة لا يصلح فيها كلام الناس، فلو بقي مصلياً بعد الكلام لكان قد صلح
الكلام فيها من وجه، فثبت بذلك أن ما وقع فيه كلام الناس فليس بصلاة ليكون مخبره خبراً
موجوداً في سائر ما أخبر به، ومن وجه آخر أن ضد الصلاح هو الفساد، وهو يقتضيه في
مقابلته، فإذا لم يصلح فيها ذلك فهي فاسدة إذا وقع الكلام فيها، ولو لم يكن كذلك لكان قد
صلح الكلام فيها من غير إفساد، وذلك خلاف مقتضى الخبر.
واحتج الفريقان جميعاً من مخالفينا الذين حكينا قولهما بحديث أبي هريرة في قصة ذي
اليدين، وروي من طرق كثيرة، قال: ((صلى بنا رسول الله وَله إحدى صلاتي العشي - قال ابن
سيرين: قد سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا - قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم فقام إلى خشبة
معروضة في المسجد، فاتكأ عليها، كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبّك بين
أصابعه، ووضع خدّه الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد،

٤٥
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
فقالوا: أقصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه
طول، يقال له: ذو اليدين، قال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم
تقصر، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم كبر،
وسجد مثل سجوده، أو أطول، ثم رفع رأسه، وكبر، ثم كبر، وسجد مثل سجوده، أو أطول،
ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه ثم سلم، فيقول: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم)) رواه
الشيخان، قالوا: فأخبر أبو هريرة بما كان منه ومنهم من الكلام، ولم يمتنع من البناء، وقد كان
أبو هريرة متأخر الإسلام.
وروى يحيى بن سعيد القطان قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم
قال: أتينا أبا هريرة، فقلنا: حدثنا، فقال: ((صحبت رسول الله وَّ ر ثلاث سنين)) وقد روي عنه
أنه قدم المدينة والنبي ◌َّر بخيبر، فخرج خلفه، وقد فتح النبي ◌َّل خيبر.
قالوا: فإذا كانت هذه القصة بعد إسلام أبي هريرة، ومعلوم أن نسخ الكلام كان بمكة لأن
عبد الله بن مسعود رضيبه لما قدم على رسول الله و ◌ّر من أرض الحبشة كان الكلام في الصلاة
محظوراً، لأنه سلم عليه فلم يرد عليه، وأخبره بنسخ الكلام في الصلاة، فثبت بذلك أن ما في
حديث ذي اليدين كان بعد حظر الكلام في الصلاة)) اهـ.
وهذا التقرير مبني على أن إثبات النسخ قد وقع بمكة، وهو خلاف ما حققه العلماء.
قال الحافظ ابن حجر تكفَّلُ في حديث زيد بن أرقم الآتي في الباب: ((إنه ظاهر في أن نسخ
الكلام في الصلاة وقع بهذه الآية ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فيقتضي أن النسخ وقع
بالمدينة، لأن الآية مدنية بالاتفاق، فيشكل ذلك على قول ابن مسعود: إن ذلك وقع لما رجعوا
من عند النجاشي، وكان رجوعهم من عنده إلى مكة، وذلك أن بعض المسلمين هاجر إلى
الحبشة، ثم بلغهم أن المشركين أسلموا، فرجعوا إلى مكة، فوجدوا الأمر بخلاف ذلك. واشتد
الأذى عليهم، فخرجوا إليها أيضاً، فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن
مسعود الله مع الفريقين.
واختلف في مراده بقوله: ((فلما رجعنا)» هل أراد الرجوع الأول أو الثاني؟ فجنح القاضي
أبو الطيب الطبري وآخرون إلى الأول، وقالوا: كان تحريم الكلام بمكة، وحملوا حديث زيد
على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ، وقالوا: لا مانع أن يتقدم الحكم ثم تنزل الآية بوفقه، وجنح
آخرون إلى الترجيح، فقالوا: يترجح حديث ابن مسعود بأنه حكى لفظ النبي ونَطر، بخلاف زيد بن
أرقم، فلم یحکه.
وقال آخرون: إنما أراد ابن مسعود رجوعه الثاني، وقد ورد أنه قدم المدينة والنبي وَّل
يتجهز إلى بدر، وفي مستدرك الحاكم من طرق أبي إسحاق، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود،

٤٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عن ابن مسعود قال: ((بعثنا رسول الله وَله إلى النجاشي ثمانين رجلاً ... )) فذكر الحديث بطوله،
وفي آخره: ((فتعجل عبد الله بن مسعود فشهد بدراً)). وفي السير لابن إسحاق: ((إن المسلمين
بالحبشة لما بلغهم أن النبي 8ّ هاجر إلى المدينة رجع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون رجلاً،
فمات منهم رجلان بمكة، وحبس منهم سبعة، وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلاً، فشهدوا
بدراً))، فعلى هذا كان ابن مسعود من هؤلاء، كذا ذكر الحافظ في أبواب الصلاة.
وقال في باب هجرة الحبشة: إنه قد سرد ابن إسحاق أسماء من خرج في الهجرة الأولى
إلى الحبشة، وكانوا أحد عشر رجلاً، وجزم ابن إسحاق أن ابن مسعود إنما كان في الهجرة
الثانية، ويؤيده ما روى أحمد بإسناد حسن عن ابن مسعود قال: ((بعثنا النبي ◌َّ إلى النجاشي
ونحن نحو من ثمانين رجلاً، فيهم: عبد الله بن مسعود، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن
عرفطة، وعثمان بن مظعون، وأبو موسى الأشعري ... )) فذكر الحديث، فظهر أن اجتماعه
بالنبي ◌َّ بعد رجوعه كان بالمدينة، وإلى هذا الجمع نحا الخطابي تقُّهُ ولم يقف من تعقب
كلامه على مستنده، ويقوي هذا الجمع رواية كلثوم المتقدمة عن ابن مسعود، أي: ((إن الله قد
أحدث أن لا تكلموا في الصلاة إلا بذكر الله وما ينبغي لكم، فقوموا لله قانتين، فأمرنا
بالسكوت)) فإنها ظاهرة في أن كلا من ابن مسعود وزيد بن أرقم حكى أن الناسخ قوله تعالى:
﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ .
وأما قول ابن حبان: ((كان نسخ الكلام بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، قال: ومعنى قول
زيد بن أرقم: ((كنا نتكلم)) أي كان قومي يتكلمون، لأن قومه كانوا يصلون قبل الهجرة مع
مصعب بن عمير الذي كان يعلمهم القرآن، فلما نسخ تحريم الكلام بمكة بلغ ذلك أهل المدينة،
فتركوه)): فهو متعقب بأن الآية مدنية بالاتفاق، وبأن إسلام الأنصار وتوجه مصعب بن عمير
إليهم إنما كان قبل الهجرة بسنة واحدة، وبأن في حديث زيد بن أرقم: ((كنا نتكلم خلف
رسول الله ( 38)) كذا أخرجه الترمذي، فانتفى أن يكون المراد الأنصار الذين كانوا يصلون بالمدينة
قبل هجرة النبي 8َّول إليهم.
وأجاب ابن حبان في موضع آخر بأن زيد بن أرقم أراد بقوله: ((كنا نتكلم)) من كان يصلي
خلف النبي ◌ّه بمكة من المسلمين، وهو متعقب أيضاً بأنهم ما كانوا يجتمعون بمكة إلا نادراً،
وبما روى الطبراني من حديث أبي أمامة قال: ((كان الرجل إذا دخل المسجد فوجدهم يصلون
سأل الذي إلى جنبه، فيخبره بما فاته، فيقضي، ثم يدخل معهم، حتى جاء معاذ يوماً فدخل في
الصلاة ... )) فذكر الحديث، وهذا كان بالمدينة قطعاً، لأن أبا أمامة ومعاذ بن جبل إنما أسلما
بها)) اهـ.
قال في الجوهر النقي: ((فإن قيل: قد ذكر البيهقي في كتاب المعرفة عن الشافعي وهو

٤٧
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
موجود في الأم أن في حديث ابن مسعود ((أنه مرّ على النبي ◌َّه بمكة، قال: فوجدته يصلي في
فناء الكعبة)) قلنا: لم يذكر ذلك أحد من أهل الحديث فيما علمنا غير الشافعي، ولم يذكر سنده
لينظر فيه، ولم يجد البيهقي له سنداً مع كثرة تتبعه وانتصاره لمذهب الشافعي)) اهـ.
فبهذا كله ثبت أن نسخ الكلام في الصلاة إنما وقع بالمدينة، وقصة ذي اليدين أيضاً مدنية
قطعاً، إلا أنها لم يعلم تاريخها، فيندرج تحت المنسوخ.
أما التمسك بتحديث أبي هريرة بها، فقال الشيخ العلامة النيموي تقُّ تعالى: ((إن حديث
أبي هريرة من مراسيل الصحابة، لأنه لم يحضر قصة ذي اليدين، لأن ذا اليدين قتل بيدر، وكان
إسلام أبي هريرة بعده عام خيبر سنة سبع من الهجرة، واستدل على ذلك بثلاثة وجوه: أحدها:
أن ابن عمر ربه نص بأن إسلام أبي هريرة كان بعد ما قتل ذو اليدين، أخرجه الطحاوي في
معاني الآثار: حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أخبرنا الليث بن
سعد، قال: حدثني عبد الله بن وهب، عن عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر، أنه ذكر له
حديث ذي اليدين، فقال: ((كان إسلام أبي هريرة بعد ما قتل ذو اليدين)). قلت: رجاله كلهم
ثقات إلا العمري، فاختلف فيه، قواه غير واحد من الأئمة، وضعفه النسائي، وابن حبان.
وغيرهما، وتبعهم الحافظ في التقريب. وقال: ضعيف، وأعرض عن أعدل ما وصف به خلافاً
لما وعده في ديباجته، وأحسن شيء ما قاله الذهبي في الميزان: صدوق في حفظه شيء، وهذا
لا ينحط حديثه عن درجة الحسن، وقد حسن حديثه غير واحد من أهل العلم، وأخرج له مسلم
في صحيحه.
وقال الذهبي كثُّ في الميزان: ((قال الدارمي: قلت لابن معين: كيف حاله في نافع؟ قال:
صالح ثقة. قلت: هذا الأثر أخرجه الطحاوي من طريق العمري عن نافع، فهو حسن جداً .
الدليل على أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وجواب أدلة من قال: إنهما اثنان
وثانيها: أن ذا اليدين هو ذو الشمالين، كلاهما واحد، واستدل على ذلك بوجوه:
منها: ما رواه الزهري في حديث أبي هريرة: ((ذا الشمالين)) مكان ((ذي اليدين)) أخرجه
النسائي في سننه بوجهين، وكذلك غير واحد من المخرجين.
ومنها: ما رواه البزار، والطبراني في الكبير، عن ابن عباس، قال: ((صلى رسول الله وَليه
ثلاثاً، ثم سلم، فقال له ذو الشمالين: أنقصت الصلاة يا رسول الله؟ قال: كذاك يا ذا اليدين؟
قال: نعم، فرکی رکعة وسجد سجدتین)).
ومنها: ما قال ابن سعد في طبقاته: ((ذو اليدين، ويقال: ذو الشمالين، اسمه عمير بن
عمرو بن نضلة، من خزاعة.

٤٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ومنها: ما قال ابن حبان في ثقاته: ((ذو اليدين، ويقال له: ذو الشمالين أيضاً، ابن عبد
عمرو بن نضلة الخزاعي)). وقال أيضاً: ((ذو الشمالين عمير بن عبد عمرو بن نضلة بن عامر بن
الحارث بن غيثان الخزاعي، حليف بني زهرة» .
منها: ما قال أبو عبد الله محمد بن يحيى العدني في مسنده: قال أبو محمد الخزاعي: ذو
اليدين أحد أجدادنا، وهو ذو الشمالين.
ومنها: ما قال المبرد في الكامل: ((ذو اليدين هو ذو الشمالين، كان يسمى بهما جميعاً)).
ومنها: أن ذا اليدين يقال له: الخرباق، وهو ابن عبد عمرو بن نضلة، وذو الشمالين
أيضاً، ابن عبد عمرو بن نضلة.
قلت: فثبت بهذه الأقوال أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وقد اتفق أهل الحديث والسير
أن ذا الشمالین استشهد بیدر.
قال ابن إسحاق في مغازيه: ((هو خزاعي يكنى أبا محمد، حليف لبني زهرة، قدم أبوه مكة
فحالف عبد الحرث بن زهرة، شهد بدرا وقتل بها، قتله أسامة الجشمي، وقيل: إنه قتل يوم
أحد، والأول أصح وأكثر)).
وقال ابن هشام في سيرته: ((واستشهد من المسلمين يوم بدر مع رسول الله وَل من قريش -
إلى أن قال - وذو الشمالين ابن عبد عمرو بن نضلة حليف لهم من خزاعة)).
وقال البيهقي في المعرفة: ((ذو الشمالين هو ابن عبد عمرو بن نضلة حليف لبني زهرة من
خزاعة، استشهد يوم بدر، هكذا ذكره عروة بن الزبير، وسائر أهل العلم بالمغازي.
وثالثها: أن الزهري - وهو أحد أركان الحديث، وأعلم الناس بالمغازي - قد نص على أن
قصة ذي اليدين كانت قبل بدر. قال ابن حبان في صحيحه في النوع السابع عشر من القسم
الخامس بعد ما أخرج حديث أبي هريرة من قصة ذي اليدين: ((قال الزهري: كان هذا قبل بدر،
ثم أحكمت الأمور بعد)) قلت: وقد وافقه على ذلك ابن وهب على ما حكاه عنه العلامة ابن
التركماني في الجوهر النقي، حيث قال: ذكر عن ابن وهب أنه قال: ((إنما كان حديث ذي
اليدين في بدء الإسلام)).
قلت: فثبت بهذه الوجوه أن ذا اليدين هو ذو الشمالين الذي استشهد ببدر، وأن أبا هريرة
لم يكن حاضراً في قصة السهو، واعترضوا عليه بوجوه:
وحاصل كلامهم: أن الزهري وَهِمَ في جعله ذا الشمالين مكان ذي اليدين، والذي قتل
ببدر هو ذو الشمالين غير ذي اليدين، واستدلوا على ذلك بوجوه: أحدها: أن ذا اليدين اسمه

٤٩
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
الخرباق، اعتماداً على ما في مسلم من حديث عمران: ((فقام رجل يقال له: الخرباق، وكان في
يديه طول)) وأما ذو الشمالين فاسمه عمير.
وثانيها: أن ذا اليدين سُلمِي، اعتماداً على ما رواه في رواية: ((فأتاه رجل من بني سليم))
ويؤيده ما أخرجه السيوطي في جمع الجوامع، ثم علي المتقي في كنز العمال، عن عبد بن عمير
في قصة السهو: ((فأدركه ذو اليدين أخو بني سليم)).
وثالثها: أن ذا اليدين بقي بعد النبي وَلّ، رواه عنه المتأخرون من التابعين، واستدلوا على
ذلك بخبرین :
أحدهما: ما رواه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند، والطبراني في الكبير، وآخرون في
تصانيفهم من طريق معدي بن سليمان، قال: حدثنا شعيب بن مطير، عن أبيه مطير، ومطير
حاضر يصدق مقالته، قال: كيف كنت أخبرتك؟ قال: يا أبتاه، أخبرتني أنك لقيك ذو اليدين
بذي خشب، فأخبرك أن رسول الله وَ لو صلى بهم، إحدى صلاتي العشي وهي العصر ... ))
الحدیث.
وثانيهما: ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة من طريق عمرو بن مهاجر، أن محمد بن سويد
أفطر قبل الناس بيوم، فأنكر عليه عمر بن عبد العزيز، فقال: شهد عندي فلان أنه رأى الهلال،
فقال عمر: أذو اليدين هو؟
ورابعها: أن حديث الخرباق أخرجه مسلم وغيره عن عمران بن حصين، وهو متأخر
الإسلام، أسلم عام خيبر.
وخامسها: أن أبا هريرة حضر القصة، يدل عليه قوله: ((صلى بنا رسول الله وَالت)).
قلت: يا للعجب! كيف ينسبون الوهم إلى الزهري؟ ويزعمون أنه منفرد بذكر ذي
الشمالين؟ وقد مرّ ما يوافقه على جعله ذا الشمالين مكان ذي اليدين من حديث ابن عباس عند
البزار، والطبراني، ومن أقوال غير واحد من أهل العلم، وقد تابعه في ذلك عمران بن أبي
أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عند النسائي، والطحاوي، بإسناد قوي، قال النسائي في
سننه: أخبرنا عيسى بن حماد، قال: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي
أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: ((أن رسول الله وَلو صلى يوماً، فسلم في ركعتين، ثم
انصرف، فأدركه ذو الشمالين، فقال: يا رسول الله، أنقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم تنقص
ولم أنس، قال: بلى، والذي بعثك بالحق، قال رسول الله صل ير: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم،
فصلی بالناس رکیتین) انتهى.
قال العلامة ابن التركماني في الجوهر النقي: ((هذا سند صحيح على شرط مسلم)) انتهى.

٥٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقال الطحاوي في معاني الآثار: ((حدثنا ربيع المؤذن، قال: حدثنا شعيب بن الليث،
قال: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي
هريرة ... )) فذكر نحوه، وهذا أيضاً سند صحيح.
قلت: فبطل بذلك قول الذين زعموا أن ذا الشمالين لم يذكره أحد في هذه الرواية إلا
الزهري، وفوق كل ذي علم عليم.
وأما ما استدلوا به على وهمه من الوجوه المتقدمة فنستوفي عليها الكلام بفضل الله الملك
العزيز العلام.
أما الأول فيجاب عنه بأن الذي تكلم في السهو يقال له: الخرباق، وعمير، وذو اليدين،
وذو الشمالين جميعاً، وقيل: عبد الله أيضاً.
قال العلامة ابن الأثير تقذفُ في جامع الأصول: ((الخرباق السلمي اسمه عمير بن عبد
عمرو، يكنى أبا محمد، ويقال له: ذو اليدين، وذو الشمالين، والخرباق لقب، وقيل: هما
اثنان)».
وقال الشيخ محمد طاهر في كتابه («المغني)): ((الخرباق بكسر خاء، وسكون راء، وبموحدة
وبقاف، اسمه عمير بن عبد عمرو، يقال له: ذو اليدين، وذو الشمالين، وقيل: هما اثنان)).
وقال السمعاني في أنسابه: ((ذو الشمالين: هذا لقب عبد الله بن عمرو بن نضلة الخزاعي
المكي، له صحبة من النبي ◌ّله، وقيل له: ذو الشمالين، لأنه كان يعمل بيديه، روى قصته أبو
هريرة وروى عنه مطير أيضاً)) انتهى.
قلت: ويؤيده ما رواه الدارمي في رواية ولفظه: ((فقال له ذو الشمالين عبد الله بن عمرو بن
نضلة الخزاعي، وهو حليف بن زهرة)).
وأما الثاني: فيجاب عنه بأن ذا اليدين أيضاً من خزاعة، كما نص على ذلك ابن سعد في
الطبقات، وابن حبان في ثقاته، وقد مر عباراتهما، وقد يدل على ذلك ما قاله أبو محمد
الخزاعي من أن ذا اليدين أحد أجدادنا، وأما ذو الشمالين فقد ثبت أن اسم أحد أجداده كان
سليماً، قال ابن هشام في سيرته في باب من حضر ببدر: ((قال ابن إسحاق: وذو الشمالين بن
عبد عمرو بن نضلة بن غيثان بن سليم بن ملكان بن أقصى بن حارثة بن عمرو بن عامر، من
خزاعة)) انتهى.
قلت: فما ورد في قصة السهو ((رجل من بني سليم)) فأراد بذلك سليم بن ملكان، وهو من
خزاعة، لا سليم بن منصور الذي ليس بخزاعي، فاحفظه، فإن هذا الجواب لا تجده في غير هذا
الكتاب. والله أعلم بالصواب.

٥١
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
وأما الثالث: فيجاب عنه بأن ما رواه عبد الله بن أحمد وغيره من حديث ذي اليدين، عن
معدي بن سليمان، عن شعيب بن مطير، عن مطير، فهذه سلسلة الضعفاء:
أما معدي بن سليمان: فقال الذهبي في ميزانه: قال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال
النسائي: ضعيف. وقال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج به. وقال الحافظ كثُّهُ في التقريب:
ضعيف .
وأما شعيب بن مطير: فلا يعرف.
وأما مطير: فقال الذهبي في ميزانه: قال البخاري: لم يصح حديثه. وقال الحافظ تَُّهُ في
التقريب: مجهول الحال.
قلت: فثبت أن إسناده في غاية الضعف، فلا يصلح أن يستدل به على شيء مما يعارض
بما هو أقوى من حيث الدليل، ولضعف هذا السند قال البيهقي في المعرفة: ((ذو اليدين بقي بعد
النبي ◌َ ◌ّ فيما يقال)).
وأما ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة من حديث محمد بن سويد فلا دليل له في الباب، لأن
عمر بن عبد العزيز شبه الرجل الذي رأى الهلال بذي اليدين فيما أخبره مما يتعجب منه،
والعجب أنهم يزعمون أن ذا اليدين عاش بعد النبي ◌َّ زماناً، ومع ذلك لم يرو عنه غير مطير
الذي هو مجهول، مع أن قصته من أعجب الأمور.
وأما الرابع: فيجاب عنه بأن عمران لم يرو عنه شيء مما يدل على حضوره يوم ذي
اليدين، وقد أخرجه النسائي وغيره عن عمران بلفظ: ((صلى بهم)) وظاهر هذا القول أنه لم يحضر
تلك الصلاة، فيحمل حديثه على الإرسال.
وأما الخامس: وهو من أقوى الأدلة لمن ذهب إلى وَهَم الزهري، فيجاب عنه بأن
الطحاوي حمل قوله: ((صلى بنا)» على المجاز، وقال: إنما قول أبي هريرة عندنا: ((صلى بنا
رسول الله (وَل﴾)) يعني: بالمسلمين، وهذا جائز في اللغة، ثم استشهد عليه بقول النزال: ((قال لنا
رسول الله (َّ﴾)) وهو لم يدركه، ويقول طاؤوس: ((قدم علينا معاذ بن جبل)) وهو لم يحضره،
وبقول الحسن: ((خطبنا عتبة بن غزوان)) وهو لم يشهده، إنما يريدون بذلك قومهم وأهل بلدتهم،
فكذلك قول أبي هريرة في حديث ذي اليدين: ((صلى بنا رسول الله (وَلّ)) يريد به صلى
بالمسلمین .
واعترض عليه البيهقي في المعرفة بأن هذا ترك الظاهر، على أنه رواه يحيى بن أبي كثير
عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: ((بينما أنا أصلي مع رسول الله (وَّة))، فلم يجز في هذا القول
معناه: ((صلى بالمسلمين)) انتهى ملخصاً.

٥٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقال الحافظ ابن حجر كثُّ تعالى في الفتح: ((ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطحاوي ما
رواه مسلم وأحمد وغيرهما من يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، في هذا الحديث عن أبي
هريرة، بلفظ: ((بينما أنا أصلي مع رسول الله (َّ).
قلت: لم يترك الظاهر إلا بالقرينة الصارفة القوية، وقد أسلفناها، وقد ارتكبه البيهقي أيضاً
في السنن الكبرى في باب البيان أن النهي مخصوص ببعض الأمكنة، فيما رواه عن مجاهد قال:
((جاءنا أبو ذر ... )) إلى آخره، ثم قال: مجاهد لا يثبت له سماع عن أبي ذر، وقوله: ((جاءنا)»
يعني : جاء بلدنا .
قلت: وأما قوله: ((بينما أنا أصلي)» فليس بمحفوظ، ولعل بعض رواة هذا الحديث فهم من
قول أبي هريرة: ((صلى بنا)) أنه كان حاضراً، فروى هذا الحديث بالمعنى على ما زعمه (وأيضاً
قد صرح الزرقاني في شرح المواهب برواية الطبراني أن إسلام أبي هريرة كان متقدماً، إلا أنه
قدم المدينة بعد خيبر، ولعل له قدمة أخرى قبل هذا، والله أعلم)، وقد أخرجه مسلم من خمس
طرق، فلفظه في طريقين: ((صلى بنا)) وفي طريق: ((صلى لنا)) وفي طريق: ((أن رسول الله وله
صلى ركعتين)) وفي طريق: ((بينما أنا أصلي مع رسول الله (وَّ) تفرد به يحيى بن أبي كثير،
وخالفه غير واحد من أصحاب أبي سلمة وأبي هريرة، فكيف يقبل أن أبا هريرة قال في هذا
الخبر: ((بينما أنا أصلي))؟
فخلاصة الكلام أن ما زعموه من أن إسلام أبي هريرة كان قبل قصة ذي اليدين فسخيف
جداً، ويكفيك ما روي في الباب عن ابن عمر، وابن عباس، والزهري، وغيرهم من أهل العلم))
اهـ.
ثم قال الشيخ العلامة النيموي تغذّفُ: ((إن رواية قصة ذي اليدين وإن كانت في الصحيحين
لكنها مضطربة بوجوه :
منها: في الوقت: ففي بعض الروايات عند الشيخين: أنه صلى صلاة الظهر، وفي بعضها
عند مسلم: أنه صلى صلاة العصر، وفي بعضها عندهما: أنه صلى إحدى صلاتي العشي، وفي
رواية عند مسلم بلفظ: ((إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر))، وفي رواية عند البخاري
بلفظ: ((إحدى صلاتي العشي، قال محمد: وأكثر ظني أنها العصر))، وفي رواية له: ((الظهر
والعصر))، وفي رواية عند النسائي إحدى صلاتي العشي قال: قال أبو هريرة: ولكني نسيت)).
فالحاصل أن أبا هريرة قال مرة: صلاة الظهر بالجزم، وأخرى صلاة العصر بالجزم،
وتارة: إما الظهر وإما العصر بالشك، أو ما في معناه.
ومنها: في عدد الركعات، ففي حديث أبي هريرة عند الشيخين: أنه صلى ركعتين ثم سلم))
وفي حديث عمران بن حصين عند مسلم وغيره: ((أنه سلم في ثلاث ركعات)).

٥٣
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
ومنها في موقف النبي وَ ي بعد ما سلم ساهياً وقام من مكانه، ففي حديث أبي هريرة عند
الشيخين: ((ثم قال إلى خشبة في مقدم المسجد فاتكأ عليها)) أو ما في معناه، وفي حديث عمران
عند مسلم وغيره: ((ثم قام فدخل الحجرة)) أو ما في معناه.
ومنها: في سجدتي السهو، فأخرج الشيخان في هذه القصة ((أنه والر سجد سجدتي
السهو))، وعند أبي داود بإسناد صحيح من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة بلفظ: ((فركع
ركعتين أخريين، ثم انصرف، ولم يسجد سجدتي السهو)) تابعه على ذلك غير واحد من أصحاب
أبي هريرة، أخرج النسائي بإسناد صحيح من طريق ابن شهاب عن سعيد، وأبي سلمة، وأبي
بكر بن عبد الرحمن، وابن أبي حثمة، عن أبي هريرة أنه قال: ((لم يسجد رسول الله وَلقول يومئذ
قبل السلام ولا بعده)).
فانظر هذه الاختلافات التي وقعت في حديث أبي هريرة من قصة ذي اليدين، وقد
اضطربوا في دفعها، فمنهم من ذهب إلى تعدد الواقعة، وإليه جنح ابن خزيمة ومن تبعه، وقد قال
النووي في شرح مسلم نقلاً عن المحققين في رواية الظهر والعصر: إنهما قضيتان، وفي رواية
عمران بن حصين: هي قضية ثالثة في يوم آخر.
قلت: هذا قول لا يرتضيه الناظر، ولا يطمئن به الخاطر، لأن السائل، وسياق سؤاله
وسياق ما أجاب به النبي ◌ّله وما استفهم به الصحابة، كل ذلك: متحد في هذ الروايات، وقد
كان ابن سيرين تَُّ يرى التوحيد بين حديث أبي هريرة وحديث عمران، لأنه قال في آخر حديث
أبي هريرة: ((نُبِّئتُ أن عمران بن حصين قال: ثم سلم)) وذهب الحافظ ابن حجر كثّفُهُ أيضاً إلى
التوحید» اهـ.
وقال في الفتح: «هو الراجح في نظري، وإن كان ابن خزيمة ومن تبعه جنحوا إلى التعدد
لاختلاف السياقين، ففي حديث أبي هريرة أنه سلم من اثنتين، وأنه ◌ّ قام إلى خشبة في
المسجد، وفي حديث عمران أنه سلم من ثلاث ركعات، وأنه دخل منزله لما فرغ من الصلاة)).
فأما الأول: فقد حكى العلائي أن بعض شيوخه حمله على أن المراد به أنه سلم في ابتداء
الركعة الثالثة، واستبعده، ولكن طريق الجمع يكتفي فيها بأدنى مناسبة، وليس بأبعد من دعوى
تعدد القصة فإنه يلزم منه كون ذي اليدين في كل مرة سأل: ((أنقصت الصلاة أم نسيت؟)) وأن
النبي ◌َّر استفهم الصحابة عن صحة قوله.
وأما الثاني: فلعل الراوي لما رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة ظن أنه دخل منزله، لأن
الخشبة كانت في جهته، فإن كان كذلك، وإلا فرواية أبي هريرة أرجح لموافقة ابن عمر له على
سياقه، كما أخرجه الشافعي، وأبو داود، وابن ماجه، وابن خزيمة، ولموافقة ذي اليدين نفسه

٥٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
على سياقه، كما أخرجه أبو بكر الأثرم، وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند، وأبو بكر بن
أبي حثمة وغيرهم، وفي الصحيحين عن ابن سيرين ما يدل على أنه كان يرى التوحيد بينهما،
وذلك أنه قال في آخر حديث أبي هريرة: ((نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم)) اهـ.
قال الزرقاني في شرح الموطأ: ((وفيما رجحه نظر، فإن حمله على أنه سلم في ابتداء
الركعة الثالثة لا يصح، لأن السلام وقع وهو جالس عقب الركعتين، فأين ابتداء الثالثة؟ وغاية ما
يمكن تصحيحه بتقدير مضاف، هو في إرادة ابتداء الركعة الثالثة، فسلم سهواً قبل القيام، ولا
دليل عليه، وقوله: ((ليس بأبعد من دعوى التعدد))، للزوم وقوع الاستفهام في المرتين من ذي
اليدين، والنبي ◌َّير: مردود بأنه لا بعد فيه، ولو لزم ذلك استفهام دعوى ذي اليدين أولاً (١) لأنه
لم يمنع استفهامه ثانياً، لأنه زمان نسخ، لاسيما وقد اقتصر عمران على قوله: ((أقصرت الصلاة
يا رسول الله)) كما في مسلم (وذو اليدين كان فيه شيء من الجراءة التي توجد في أهل البوادي،
فكان يكلم رسول الله و ﴿ حين كان أبو بكر وعمر يهابان أن يكلماه. قال الزرقاني: ((قال
جماعة: كان ذو اليدين يكون بالبادية، فيجيء فيصلي مع النبي ◌َّر))) وكذلك استفهام المصطفى
الصحابة عن صحة قول ذي اليدين في المرة الأولى لا يمنع ذلك في المرة الثانية، لأن الصلاة
لم تقصر، وقد سلم معتقداً الكمال والإمام لا يرجع عن يقينه لقول المأمومين إلا لكثرتهم جداً،
بل عند الشافعي: ولا لكثرتهم جداً، ولا ريب أن هذا أقرب من إخراج اللفظ عن ظاهره
المحوج إلى تقدير مضاف بلا قرينة، وكونها حديث أبي هريرة لا ينهض لاختلاف المخرج أي
الصحابي، ثم ماذا يصنع بقول عمران في حديثه: ((فصلى ركعة ثم سلم)) وفي رواية: ((فصلى
الركعة التي كان ترك ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم)) وكلامهما في مسلم،
وتصحيحه بجنس الركعة ينبو عنه المقام نبواً ظاهراً، فدعوى التعدد أقرب من هذا بكثير، وموافقة
ابن عمر وذي اليدين لأبي هريرة على سياقه لا يمنع الجمع بالتعدد الذي صار إليه ابن خزيمة
وغيره، وليس في قول ابن سيرين: ((نبّئت أن عمران قال: ثم سلم)) دلالة قوية على أنه يرى
اتحاد الحديث، إذ غاية ما أفاده أن عمران قال في حديثه: ((ثم سلم)) ففيه إثبات السلام عقب
سجدتي السهو الخالي منه حديث أبي هريرة، وبعد ذلك هل هو متحد مع حديث أبي هريرة أو
حديث آخر مسكوت عنه؟ (وما في البخاري: ((فربما سألوه ثم سلم)) فلعل الغرض منه السؤال
عن ثبوت التسليم في السهو من غير التفات إلى خصوصية السهو المذكور في هذه القصة، كما
يشعر به سياق أبي داود، فقيل لمحمد: سلم في السهو؟ فقال: لم أحفظه من أبي هريرة،
الحديث، ويقاربه سياق الدارقطني في سننه).
(١) كذا في الأصل، ولعل في العبارة خللا. من المؤلف رحمه الله تعالى.

٥٥
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
وأما قوله: ((لعله ظن أنه دخل منزله)) فبعيد جداً، أو ممنوع لما يلزم عليه أن عمران أخبر
بالظن، وهو قد شاهد القصة، كيف! وقد قال: ((إنه ◌َ﴿ سلم في ثلاث ركعات من العصر، ثم
قام فدخل الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج
مغضباً، فصلى الركعة التي كان ترك ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم)) أخرجه مسلم
عن عمران، أفلا يعلم الحجرة من الخشبة التي في المسجد؟ ويؤول بذلك التأويل المتعسف
فراراً من دعوى التعدد، مع أنه أقرب من هذا بلا ريب)) اهـ. مع زيادة.
وبهذا يحصل الجواب عن الوجه الثاني والثالث من وجوه الاضطراب التي ذكرها
النيموي كلّتُهُ .
وأما الوجه الأول من تلك الوجوه أي الاضطراب في الوقت فقال الحافظ في الفتح:
((والظاهر أن أبا هريرة رواه كثيراً على الشك، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر، فجزم بها،
وتارة غلب على ظنه أنها العصر فجزم بها، وطرأ الشك في تعيينها أيضاً على ابن سيرين تَخْذُّهُ،
وكان السبب في ذلك الاهتمام بما في القصة من الأحكام الشرعية)) اهـ.
قلت: وظني أن الشك ليس من أبي هريرة، وما في النسائي من طريق ابن عون عن
محمد بن سيرين قال: قال أبو هريرة: ((صلى بنا النبي ◌َّ﴾ إحدى صلاتي العشي، قال: قال أبو
هريرة: ولكني نسيت)) فقول: ((لكني نسيت)) مقولة ((قال)) الأولى، ومقولة ((قال)) الثانية: الضمير
المحذوف، وتقدير الكلام: قال ابن سيرين: قالها (أي عيّنها) أبو هريرة، ولكني نسيت، وهذا
يوافق ما عند البخاري في باب تشبيك الأصابع في المسجد من الطريق المذكور، أي من طريق
ابن عون، عن محمد بن سيرين: ((سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا». فالشك من ابن سيرين،
وأكثر ظنه أنها العصر، كما في البخاري من طريق حفص بن عمر، عن يزيد بن إبراهيم، عن
محمد بن سيرين، لكن روى الطحاوي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن
أبي هريرة، وفيه: ((وأكثر ظني أنه ذكر الظهر)) وقد جزم بكونها هي الظهر: أبو سلمة بن عبد
الرحمن، عن أبي هريرة، كما في البخاري من طريق أبي الوليد، وفي النسائي من طريق بهز بن
أسد، وفي أبي داود من طريق معاذ، كلهم عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة،
وسعد بن إبراهيم قد تابعه على ذلك يحيى بن أبي كثير عند مسلم.
نعم، روى البخاري عن آدم عن شعبة بالشك في الظهر والعصر، فالظاهر أن الشك فيه من
آدم، لا من شعبة.
وبالجملة فالجازم الواحد قاض على الشاك، فكيف! وههنا جازمون.
فالحاصل: أن رواية سعد بن إبراهيم، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة أنها الظهر
تترجح عندنا على ما روى مسلم من طريق داود بن الحصن عن أبي سفيان مولى بن أبي أحمد:

٥٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أنها العصر، وداود بن الحصين قد تكلم فيه كثيرون، كما في التهذيب، وهو منكر الحديث، كما
قاله الساجي، وأبو سفيان مولى ابن أبي أحمد لا يداني أبا سلمة بن عبد الرحمن في التلقي عن
أبي هريرة، وكثرة الرواية عنه، والممارسة في حديثه، فالراجح في حديث أبي هريرة أنها قصة
الظهر، كما أن الراجح في حديث عمران أنها قصة العصر، بل هو المتعين في حديثه، ونظير
هذا الاضطراب في الوقت في حديث أبي هريرة الاضطراب في الوقت الذي وقع فيه تحويل
القبلة، ففي بعض الروايات: أنه الظهر، وفي بعضها: العصر، وفي بعضها بالشك فيهما، ومثل
هذا الاضطراب لا يوجب طرح الأحاديث، والله أعلم
بقي الوجه الرابع من وجوه الاضطراب، فأجاب عنه بعضهم بأن رواية: (لم يسجد
سجدتي السهو)) شاذة، قال النيموي تَغْلَفُ: وقد مرّ ردّه فيما أسلفناه من ذكر التوابع فتذكر.
قال النيموي كثّفُهُ: ((وفي الباب أحاديث أخرى كلها لا تخلو عن نظر:
منها: ما في صحيح البخاري: ((قال سعد: ورأيت عروة بن الزبير صلى من المغرب
ركعتين، فسلم وتكلم، ثم صلى ما بقي، وسجد سجدتين، وقال: هكذا فعل النبي ◌َّ).
قلت: هذا مرسل، وقد قال الحافظ في الفتح: ((ويحتمل أن يكون عروة حمله عن أبي
هريرة، فقد رواه عن أبي هريرة جماعة من رفقة عروة من أهل المدينة كابن المسيب، وعبيد الله بن
عبد الله بن عتبة، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث وغيرهم من الفقهاء.
ومنها: ما أخرجه البيهقي في المعرفة عن أبي عبد الله الحافظ، وأبي سعيد بن أبي عمرو،
قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا عبد
الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا سعيد - يعني ابن أبي عروبة - عن مطر الوراق، عن عطاء ((أن ابن
الزبير صلى بهم ركعتين من المغرب، ثم سلم، ثم قام إلى الحجر ليستلمه، فسبح القوم، فأقبل
عليهم فقال: ما شأنكم؟ ثم صلى أخرى، ثم سجد سجدتين وهو جالس)) قال: فذكر ذلك لابن
عباس فقال: ما أماط عن سنة نبيكم وَله.
قلت: إسناده ضعيف جداً، لأن يحيى بن أبي طالب قد تكلموا فيه، وسعيد بن أبي عروبة
كثير التدليس رواه بالعنعنة، ومطر الوراق حديثه عن عطاء ضعيف، كما في التقريب.
قلت: وله طريق أخرى في السنن الكبرى من جهة عسل عن عطاء، وعسل ضعفه جماعة،
(ولكن الحديث أخرجه أحمد بإسناد رجاله رجال الصحيح، كما في نيل الأوطار).
وعلى تقدير صحته فلعل ابن عباس به أراد بالسنة سنته و 18 في يوم ذي اليدين، وهي
منسوخة كما مر، وابن عباس به أيضاً روى قصة ذي اليدين، كما أخرجه البزار والطبراني من
حديثه، والله أعلم.

٥٧
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
ومنها: ما أخرجه أبو داود وغيره من طريق سويد بن قيس، عن معاوية بن حديج: ((أن
رسول الله وَيقول صلى يوماً فسلم، فبقيت من الصلاة ركعة، فأدركه رجل، فقال: نسيت من الصلاة
ركعة، فرجع فدخل المسجد، وأمر بلالاً فأقام الصلاة، فصلى للناس ركعة، فأخبرت بذلك
الناس، فقالوا لي: أتعرف الرجل؟ فقلت: لا إلا أن أراه، فمر بي، فقلت: هذا هو، فقالوا:
هذا طلحة بن عبيد الله)).
قلنا: هذه الواقعة لا يمكن وقوعها بعد نسخ الكلام، ألا ترى أنه أخبر أن النبي وأَّو رجع
فدخل المسجد، وأمر بلالاً فأقام الصلاة، فصلى للناس ركعة، ولا يجوز لأحد اليوم مثل ذلك،
لأن فعل الإقامة ونحوها قاطع الصلاة بالإجماع، على ما حكاه الطحاوي في معاني الآثار.
وأما ما قال البيهقي في المعرفة: ((وليس في شيء من الروايات التي عندنا أنه أمر بلالاً
فأذن وأقام، وإنما فيها: فأمر بلالاً فأقام الصلاة، وإنما يدل هذا على أنه أمرهم بالاجتماع
ليصلي بهم بقية الصلاة)) .
فيجاب بأن ظاهرقوله: ((أمر بلالاً فأقام الصلاة)) يدل على أمره بالإقامة لا على ما أوله
البيهقي، فافهم، كذا أجاب به عن هذا الحديث بعض علمائنا. ويظهر للعبد الضعيف - والله
أعلم - أنه قد ثبت ثبوتاً لا مرد له أن الكلام في الصلاة قد حرم ونهي عنه بعد الهجرة إلى المدنية
في أوائلها، ولا شك أنه قد وقع في أثناء بعض الصلوات قبل تمامها شيء من كلام الناس
وخطابهم، وبعض الأفعال المنافية للصلاة، كما في حديث أبي هريرة، وعمران بن حصين،
ومعاوية بن حديج، وغيرهم ره، ومنهم من تأخر إسلامه بكثير، ولا شبهة في أن صاحب
الشريعة قد أهدر هذا الكلام والخطاب. ولم يجعله مفسداً للصلاة، فهذا القدر منصوص لا
يمكن إنكاره.
بقي الكلام في سبب هذا الإهدار ومسامحة الشارع عنه، فقال الأوزاعي ومن وافقه: إن
الكلام من الإمام والمأمومين في هذه الوقائع قد كان لمصلحة الصلاة، والكلام - وإن تعمد - لا
يبطل الصلاة إذا كان لإصلاحها، فالمؤثر في إهدار الكلام عندهم في حديث ذي اليدين ونظائره
إنما هو صدوره لإصلاح الصلاة لا صدوره خاطئاً أو ناسياً أو متعمداً.
وقال الشافعي ومن وافقه: «إنما السبب في الإهدار أنه تكلم من تكلم في قصة ذي اليدين
وأمثالها وهو يرى أنه قد أكمل الصلاة، ومن تكلم في الصلاة وهو يرى أنه قد أكملها، أو نسي
أنه في صلاة فتكلم فيها: بنى على صلاته، وإن من تكلم في هذه الحال فإنما تكلم وهو يرى أنه
في غير صلاة، والكلام في غير الصلاة مباح)) اهـ. فالمؤثر في إباحة الكلام عندهم كون التكلم
ناسياً أو خاطئاً، لا كونه لإصلاح الصلاة.

٥٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
والإنصاف أن القول الأول من هذين القولين أقرب إلى معظم النصوص.
قال ابن بطال: يحتمل أن يكون قول زيد بن أرقم: ((ونهينا عن الكلام) أي إلا إذا وقع
عمداً لمصلحة الصلاة، فلا يعارض قصة ذي الیدین.
وتعقب بأنه وجل﴿ إنما تكلم ناسياً، وأما قول ذي اليدين له: ((قد كان بعض ذلك)) أو ((بلى،
قد نسيت)) وقول الصحابة له: ((صدق)) فإنهم تكلموا معتقدين للنسخ في وقت يمكن وقوعه فيه،
فتكلموا ظناً أنهم ليسوا في صلاة، كذا قيل. وهو فاسد، لأن قول ذي اليدين في الابتداء:
((أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله)) قد صدر منه رؤيته في حالة التردد والشك، فإنه لم يكن
جازماً بقصر الصلاة ولا بنسيانه وَ* ولم يترجح عنده أحد الاحتمالين، فلا يقال: إنه تكلم ظاناً
تمام صلاته فضلاً عن الجزم به وكذا قوله ميل ر: ((أصدق ذو اليدين)) وفي بعض الروايات في كنز
العمال: ((أصدق ذو اليدين أخو بني سليم)) قد وقع بعد ما أوقع قول ذي اليدين: ((بلى قد نسيت))
شكاً احتاج معه إلى استثبات الحاضرين، كما في الفتح. بل سياق البخاري في الأدب من
الصحيح صريح في تكلمه وّلة بعد استيقان السهو، ففيه: ((فقال أنس: لم أنس ولم تقصر)) قال:
وفي نسخة: ((قالوا: بل نسيت يا رسول الله، قال: صدق ذو اليدين، فقام فصلى ركعتين))
(صحيح بخاري ص٨٩٤ هندي) ثم ذو اليدين وغيره من الصحابة قد تكلموا بعد قوله وقاليقول: ((لم
تقصر)) وصاروا حينئذ جازمين بنسيانه والقر، وعدم تمام الصلاة، ولذا قصر ذو اليدين بعد
جوابه * على ذكر النسياد، فقط، والصحابة صدّقوه، فقالوا: (نعم)). والجواب بأنهم لم
ينطقوا، وإنما أومأوا، أي نعم، كما في رواية لأبي داود، وإطلاق القول على الإشارة مجاز
شائع: مدفوع بأن هذا خلاف روايات الأكثرين، ولعلهم جمعوا بين القول والإيماء، وبقول ذي
اليدين: ((بلى قد نسيت)) أو ((قد كان بعض ذلك)) أو ((إنك صليت ركعتين)) كما هو في حديث ابن
عمر عند أبي داود وغيره، فإنه لم ينقل عنه ظه الإيماء في رواية، وفي حديث ابن عمر رضيلها عند
أبي داود وابن ماجه، كما نقله الزيلعي، قالوا: تقدم فتقدم فصلى ركعتين، وفي نسخة من
صحيح البخاري قالوا: ((بل نسيت يا رسول الله)) كما نقلنا آنفاً فترجح كونهم نطقوا متعمدين،
وانفصل عنه من قال: كان نطقهم جواباً للنبي وَلقره، وجوابه لا تبطل به الصلاة، فإنه داخل تحت
قوله تعالى: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ ... ﴾ [الأنفال: ٢٤] إلا أنه لا ينفصل به عن قول ذي اليدين:
(بلى، قد نسيت)) بعد تيقن النسيان، وتحقق عدم تمام الصلاة، مع كون النبي ◌َّر لم يراجعه
لاستمراره 8# على نسيانه إذ ذاك، فلم يدخل تحت إجابة دعائه وَ ل كما هو الظاهر، وأيضاً لا
يلزم من وجوب الإجابة عدم قطع الصلاة. وأما مخاطبته وَّ في التشهد المسنون إسراره حياً
وميتاً وحاضراً وغائباً، فلا يقاس عليها سائر مخاطباته وَّر، وهذا واضح لا مرية فيه.
فالحاصل أن دلالة حديث ذي اليدين وأمثاله على إباحة التكلم ولو كان عمداً لإصلاح

٥٩
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
.
الصلاة كما زعمه الأوزاعي: أقوى وأرجح من دلالته على إباحة التكلم خطأ ونسياناً، كما زعمه
الشوافع.
بقي الكلام في أن إباحة التكلم لإصلاح الصلاة التي دل عليها حديث ذي اليدين وغيره
هل بقيت أو نسخة؟ فقال الشيخ الإمام أبو بكر الرازي الحنفي: لو كان حديث ذي اليدين بعد
نسخ الكلام لكان مبيحاً للكلام فيها، ناسخاً لحظره المتقدم له، لأنه لم يخبرهم أن جواز ذلك
مخصوص بحال دون حال، وقد روى سفيان بن عيينة عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن
النبي وَ ﴿ قال: ((من نابه في صلاته شيء فليقل: سبحان الله، إنما التصفيق للنساء، والتسبيح
للرجال)) وروى سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ُّ قال:
(التسبيح للرجال والتصفيق للنساء)) فمنع رسول الله وَّر لمن نابه شيء في صلاته من الكلام،
وأمر بالتسبيح، فلما لم يكن من القوم تسبيح في قصة ذي اليدين، ولا أنكر عليهم النبي وَّلـ
تركه: دل ذلك على أن قصة ذي اليدين كانت قبل أن يعلمهم التسبيح، إذ غير جائز أن يكون قد
علمهم التسبيح، ثم يخالفونه إلى غيره، ولو كانوا خالفوا ما أمروا به من التسبيح في مثل هذه
الحال لظهر فيه النكير عليهم في تركهم التسبيح المأمور به إلى الكلام المحظور. وفي هذا دليل
على أن قصة ذي اليدين كانت على أحد وجهين: إما قبل حظر الكلام (وهو الظاهر من وقوع
أفعال كثيرة منافية للصلاة من الانحراف عن القبلة والمشي الكثير، ودخوله وَّر حجرته، كما في
حديث عمران وغيره، والرجوع إلى المسجد، وأمر الإقامة، كما في حديث معاوية بن حديج)
وإما أن تكون حظر الكلام بدياً منه، ثم أبيح الكلام، ثم حظر بقوله: ((التسبيح للرجال والتصفيق
للنساء)) .
وجملة الأمر في ذلك: إن كان في حال إباحة الكلام بدياً قبل حظره، فلا حجة فيه
للمخالف، وإن كان بعد حظر الكلام فليس بممتنع أن يكون أبيح بعد الحظر، ثم حظر، فكان
آخر أمره الحظر، ونسخ به ما في حديث أبي هريرة، وقد بينا أن قوله: ((التسبيح للرجال
والتصفيق للنساء)» كان بعد حديث أبي هريرة، إذ لو كان متقدماً لأنكر عليهم ترك المأمور به من
التسبيح، ولكان القوم لا يخالفونه إلى الكلام مع علمهم بحظر الكلام، والأمر بالتسبيح، وفي
ذلك دليل على أن الأمر بالتسبيح ناسخ لحظر الكلام (ولعل الصحيح ناسخ للكلام) متأخر عنه،
فوجب أن يكون ما في حديث أبي هريرة مختلفاً في استعماله، فوجب أن تقضي عليه الأخبار
الواردة في الحظر، لأن من أصلنا أنه متى ورد خبران: أحدهما خاص، والآخر عام، واتفقوا
على استعمال العام واختلفوا في استعمال الخاص، كان الخبر المتفق على استعماله قاضياً على
المختلف فيه، كذا في أحكام القرآن لأبي بكر الرازي.
ولقائل أن يقول: إن الأمر بالتسبيح لمن نابه شيء في صلاته كان متقدماً على قصة ذي

٦٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
..
اليدين، وظاهر أن المراد بشيء ناب المصلي في صلاته هو الشيء الذي يصلح التنبيه عليه
ويشرع فيه التذكير كما إذا تحقق عند المصلي سهو إمامه ونسيانه مثلاً، فيسبح للتنبيه والتذكير،
إلا أن الصحابة ﴿٨ لما علموا أن الله عز وجل ينزل فرائضه على رسوله و # فرضاً بعد فرض،
فيفرض عليه ما لم يكن فرضه عليه، ويخفف بعض فرضه، وكان جائزاً عندهم أن يقع بعض هذا
التغيير في أثناء الصلاة كما نقلنا عن الحافظ ابن حجر في تحويل القبلة أنه وقع في أثناء الصلاة،
فرقوا بين النبي ◌ّي9 وبين سائر الأئمة من هذه الجهة، ولهذا لم يسبحوا في قصة ذي اليدين
وأمثالها لكون نسيانه * غير متعين عندهم، ولم يجدوا مساغاً إلا السؤال منه وَّل* فسلكوا مسلك
الأدب والاحتياط، ولم يكتفوا بضابطة تذكير الناسي وتنبيه الساهي لمفارقة حاله ولو أحوال سائر
الأئمة، ولهذا سامح الشارع عن تكلمهم، ومراجعتهم معه ◌َّ لإصلاح الصلاة لكونهم غير
عالمين بمشروعية التذكير في حقه وسي خاصة إذا نسي، وهذا كما سومح في شأن أهل قباء حيث
لم يؤمروا بإعادة صلوات صلوها إلى بيت المقدس بعد التحويل إلى الكعبة قبل بلوغ الأمر
إليهم، ثم بعد ذلك علَّمهم وأخبرهم أن التذكير مشروع في حقه وَ ر كسائر الأئمة، وليس هو من
التقدم بين يدي الرسول، ورجح احتمال النسيان على احتمال التشريع، وذلك فيما روى الشيخان
عن إبراهيم عن علقمة، قال: قال عبد الله: ((صلى رسول الله (ص 98 - قال إبراهيم: زاد أو نقص -
فلما سلم، قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذاو
كذا، قال: فثنى رجليه واستقبل فسجد سجدتين ثم سلم، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: إنه لو
حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني .. ))
الحديث. وفي كنز العمال عن أبي هريرة: ((خرج النبي وَ لّ يوماً إلى المسجد، فقال: أين الفتى
الدوسي؟ فقيل: هو ذاك يا رسول الله يوعك في آخر المسجد، فأتاني النبي ◌َّز، فمسح على
رأسي، وقال لي معروفاً، ثم أقبل على الناس، فقال: إن أنا سهوت في صلاتي فليسبح الرجال
ولتصفق النساء ... )) الحديث (عب) فهذا صريح في أمرهم بتذكيره وَّ * إذا نسي وسها، ونفى
الالتفات إلى احتمال التشريع، وقد وقع هذا الأمر بعد ما رأى النبي وَّر تكلمهم ومراجعتهم قبل
تمام الصلاة، وهذا في النظر الدقيق إنكار على صنيعهم، وسبب صنيعهم، وغير ممكن أنهم
كانوا قد رأوا هذا الإنكار وسمعوا هذا الأمر بالتذكير، ثم لم يعملوا به في يوم ذي اليدين
وغيره، فثبت قطعاً أن هذا الأمر بتذكير النبي * وقت نسيانه ورد بعد قصة ذي اليدين ونظائرها
فتحمل قصته وأشباهها على ما قبل مشروعية التذكير في حقه وَلقر، فالواجب على المفرقين بين
كلام العمد والنسيان وبين التكلم لمصلحة الصلاة والتكلم لغيرها أن يأتوا بحجة متأخرة عن
الأمر بتذكيره ﴿ إذا نسي، ولعلهم لا يجدون إلى ذلك سبيلاً، ومما يدل على أن قصة ذي
اليدين كانت حين كان الكلام مباحاً في الصلاة أن عمر بن الخطاب قد حدث به تلك الحادثة