Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كتاب: الصلاة
١٠٥١ - (١٨٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ.
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ. قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: حَدَّثَ عُثْمَانُ بْنُ
أَبِي الْعَاصِ قَالَ: آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((إِذَا أَمَمْتَ قَوْماً فَأَخِفَّ بِهِمُ الصَّلاةَ».
١٠٥٢ - (١٨٨) وحدّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا
حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنَّ أَنَسٍ (١)؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّلِ كَانَ يُوجِزُ فِي
الصَّلاةِ وَيُتِمُّ .
١٠٥٣ - (١٨٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ
قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ)، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَكَانَ مِنْ أَخَفِّ النَّاسِ
صَلاَةً فِي تَمَامِ.
١٠٥٤ - (١٩٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ،
وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، (قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، يَعْنُونَ
ابْنَ جَعْفَرٍ)، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّهُ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ
وَرَاءَ إِمَامٍ قَظُ أَخَفَّ صَلاةٌ، وَلا أَتَمَّ صَلَاةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ.
١٨٧ - ( ... ) - قوله: (عهد إليّ) إلخ: أي: أوصى إليّ.
قوله: (إذا أمَمْت) إلخ: بالتخفيف.
قوله: (فأخفّ بهم) إلخ: بفتح الفاء المشددة، ويجوز كسرها .
١٩٠ - ( ... ) - قوله: (ما صليت وراء إمام قط) إلخ: أي: مع طول عمره، فإنه آخر من
مات بالبصرة من الصحابة، سنة إحدى وتسعين، وله من العمر مائة وثلاث سنين.
قوله: (أخف صلاة ولا أتمّ) إلخ: قال القاضي: ((خفة الصلاة عبارة عن عدم تطويل
قراءتها، والاقتصار على قصار المفصل، وكذا قصر (٢) المنفصل وعن ترك الدعوات الطويلة في
الانتقالات، وتمامها عبارة عن الإتيان بجميع الأركان والسنن، واللبث راكعاً وساجداً بقدر ما
یسبح ثلاثاً)) انتهى.
(١) قوله: ((عن أنس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب الإيجاز في الصلاة
وإكمالها، رقم (٧٠٦) والنسائي في سننه، في كتاب الإمامة، باب ما على الإمام من التخفيف، رقم (٨٢٥)
والترمذي في جامع، في كتاب الصلاة، باب ما جاء إذا أمّ أحدكم الناس فليخفّف، رقم (٢٣٧) والدارمي
في سننه، في كتاب الصلاة، باب ما أمر الإمام من التخفيف في الصلاة، رقم (١٢٦٣) وأحمد في منسده
(٢٧٦/٣).
(٢) كذا في الأصل ولم أفهمه. من المؤلف رحمه الله.

٤٤٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٠٥٥ - (١٩١) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيِىُ. أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ
الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ؛ قَالَ أَنَسٌ(١): كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ مَعَ أَمِّهِ، وَهُوَ فِي
الصَّلاةِ، فَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ الْخَفِيفَةِ أَوْ بِالسُّورَةِ الْقَصِيرَةِ.
١٠٥٦ ٠ (١٩٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع. حَدَّثَنَا
سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عُنْ قُتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َِّلِهِ: ((إِنِّي
لِأَدْخُلُ الصَّلاةَ أُرِيدُ إِطَالَتَهَا. فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الَصَّبِيِّ. فَأَخَفْفُ. مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ بِ».
وفيه إيهام أنه ما كان يقرأ أوساط المفصل وطوالها، وقد ثبت قراءته إياها، فالمعنى بالخفة
أنه ما كان يمططها ويمددها في غير مواضعها، كما يفعله الأئمة المعظمة حتى في مكة المكرمة
في زماننا، فإنهم يمدون في المدات الطبيعية قدر ثلاث ألفات، ويطولون السكتات في مواضع
الوقوفات، ويزيدون في عدد التسبيحات انتظاراً لفراغ المكبرين المطولين في النغمات، بل كانت
قراءته عظّ مجودة محسنة مرتلة مبينة، ومن خاصية قراءته اللطيفة أنها كانت خفيفة على النفوس
الشريفة، ولو كانت طويلة، لأن الأرواح لا تشبع منها، والأشباح لا تقنع بها، والمذهب عندنا
أنه لا ينبغي للإمام أن يطيل التسبيح أو غيره على وجه يمل به القوم بعد الإتيان بقدر السنة، لأن
التطويل سبب التنفير، وإنه مكروه، وإن رضي القوم بالزيادة لا يكره، ولا ينبغي أن ينقص عن
قدر أقل السنة في القراءة والتسبيح لمللهم. كذا في المرقاة.
١٩١ - (٤٧٠) - قوله: (بكاء الصبي مع أمه) إلخ: فيه أن الصبي يجوز إدخاله في المسجد
وإن کان الأولی تنزيه المسجد عمن لا يؤمن منه حدث.
قوله: (السورة القصيرة) إلخ: وبيّن ابن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن سابط
مقدارها، ولفظه ((أنه وي قرأ في الركعة الأولى بسورة طويلة، فسمع بكاء صبي، فقرأ بالثانية
بثلاث آیات» وهذا مرسل.
١٩٢ - ( ... ) - قوله: (من شدة وجد أمه به) إلخ: أي: حزنها، قال صاحب المحكم:
وجد يجد وجدا، بالسكون والتحريك: حزن، وكأن ذكر الأم ههنا خرج مخرج الغالب، وإلا
فمن كان في معناها ملتحق بها .
(١) قوله: ((عن أنس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب من أخفّ الصلاة عند بكاء
الصبي، رقم (٧٠٨) و(٧٠٩) و(٧١٠) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء أن النبي وَّ
قال: ((إني لأسمع بكاء الصبي في الصلاة فأخفّف)) رقم (٣٧٦) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة
والسنة فيها، باب الإمام يخفّف الصلاة إذا حدث أمر، رقم (٩٨٩) وأحمد في مسنده (١٠٩/٣).
٠

٤٤٣
كتاب: الصلاة
(٣٨) - باب: اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام
١٠٥٧ - (١٩٣) وحدّثنا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ
الْجَحْدَرِيُّ. كِلاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ. قَالَ حَامِدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ(١)؛ قَالَ: رَمَقْتُ الصَّلاَةَ مَعَ
مُحَمَّدٍ نَِّ، فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ
(٣٨) - باب: اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام
١٩٣ - (٤٧١) - قوله: (رمقت الصلاة) إلخ: أي: نظرتها وحفظتها .
قوله: (فوجدت قيامه) إلخ: قال الحافظ: ((وحكى ابن دقيق العيد عن بعض العلماء أنه
نسب هذه الرواية إلى الوهم، ثم استبعده، لأن توهم الراوي الثقة على خلاف الأصل.
ثم قال في آخر كلامه: ((فلينظر ذلك من الروايات ويحقق الاتحاد أو الاختلاف من مخارج
الحديث))، اهـ.
وقد جمعت طرقه فوجدت مداره على ابن أبي ليلى عن البراء، لكن الرواية التي فيها زيادة
ذكر القيام من طريق هلال بن أبي حميد عنه، ولم يذكره الحكم عنه، (إلا أن في لفظ لمسلم من
طريق الحكم: ((كانت صلاة رسول الله وَ * وركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده، وما
بين السجدتين: قريباً من السواء)) فقوله: ((صلاة رسول الله وَ لتر)) يحتمل أن يكون أنه أريد به
القيام للقراءة، كما أطلق لفظ الصلاة على الفاتحة في حديث أبي هريرة: ((قسمت الصلاة بيني
وبين عبدي ... )) الحديث) وليس بينهما (أي بين هلال والحكم) اختلاف في سوى ذلك، إلا ما
(١) قوله: ((عن البراء بن عازب)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب حد إتمام
الركوع والاعتدال فيه، رقم (٧٩٢) وباب الاطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع، رقم (٨٠١) وباب المكث
بين السجدتين، رقم (٨٢٠) والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب قدر القيام بين الرفع من الركوع
والسجود، رقم (١٠٦٦) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب طول القيام من الركوع وبين
السجدتين، رقم (٨٥٢) و(٨٥٤) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في إقامة الصلب إذا
رفع رأسه من الركوع والسجود، رقم (٢٧٩) و(٢٨٠) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب قدر كم
كان يمكث النبي # بعدما يرفع رأسه، رقم (١٣٣٩) و(١٣٤٠) وأحمد في مسنده (٤/ ٢٨٠ و ٢٨٥
و٢٩٤).
قال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقاته على جامع الترمذي (٦٩/٢): ((الحديث رواه البخاري ومسلم
وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وانظر شرح العمدة لابن دقيق العيد (٢٢٨/١ - ٢٣٠) وذخائر المواريث
(رقم ٨٨٦ ج ١ ص ٩٩)).
قلت: لم أجد الحديث في سنن ابن ماجه رغم بحثى الكثير، وراجعت ذخائر المواريث فلم يَعْزُ الحديث
إلى ابن ماجه. والله أعلم.

٤٤٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَرَكْعَتَّهُ، فَاعْتِدَاَلَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ
التَّسْلِيمِ والانْصِرَافِ، قَرِيباً مِنَ السَّوَاءِ.
زاده بعض الرواة عن شعبة عن الحكم من قوله: ((ما خلا القيام والقعود)) وإذا جمع بين الروايتين
ظهر من الأخذ بالزيادة فيهما أن المراد بالقيام المستثنى القيام للقراءة، وكذا القعود، والمراد به
القعود للتشهد، إلا أنه لم يظهر على هذا الجمع أنه ماذا يراد بالقيام المستثنى منه في حديث
مسلم: ((فوجدت قيامه فركعته فاعتداله بعد ركوعه ... )) الحديث، فإن فيه ذكر القيام للقراءة
والقيام من الركوع جميعاً، ولعل مراده بالاستثناء نحو مما ذكره في باب استواء الظهر في الركوع
أن المراد بذكرها في المستثنى منه إدخالها في الطمأنينة، وباستثناء بعضها إخراج المستثنى من
المساواة)) اهـ.
والذي يغلب على الظن - والله سبحانه وتعالى أعلم - هو ما قاله بعض العلماء من كون ذكر
القيام في هذا الحديث وهَماً واستثناء القيام والقعود هو أصح وأقرب إلى ما هو المنقول من صفة
صلاته في أكثر الأحيان، وأن التقارب إنما هو في غير هذين الركنين، ويشهد لذلك أنه لم يذكر
في الحديثين جلوس التشهد، فيكون ذكر القيام وهَماً ممن رواه، فإن القيام للقراءة أطول من
جميع الأركان في الغالب.
وقال بعضهم: إن المراد بقوله في حديث البراء: ((قريباً من السواء)) ليس أنه كان يركع
بقدر قيامه، وكذا السجود والاعتدال، بل المراد أن صلاته كانت متقاربة متناسبة معتدلة، فكان
إذا أطال القراءة أطال بقية الأركان، وإذا أخفها أخف بقية الأركان، فقد ثبت أنه قرأ في الصبح
بالصافات، وثبت في السنن عن أنس أنهم حزروا في السجود قدر عشر تسبيحات، فيحمل على
أنه إذا قرأ بدون ((الصافات)) اقتصر على دون العشرة، وأقله كما ورد في السنن أيضاً: ثلاث
تسبيحات.
وقيل: معنى قوله: ((قريباً من السواء)) أن كل ركن قريب من مثله: فالقيام الأول قريب من
الثاني، والركوع في الأولى قريب من الثانية، والمراد بالقيام والقعود الذين استثنيا الاعتدال
والجلوس بين السجدتين. ولا يخفى تكلفه.
قوله: (فرکعته) إلخ: أي: ركوعه.
قوله: (فاعتداله بعد ركوعه) إلخ: أي: قيامه بعده.
قوله: (فجلسته بين التسليم) إلخ: فيه دليل على أنه وَلّ كان يجلس بعد التسليم شيئاً يسيراً
في مصلاه.
قوله: (قريباً من السواء) إلخ: فيه إشعار بأن فيه تفاوتاً، لكنه لم يعيّنه، وهو دال على
الطمأنينة في الاعتدال وبين السجدتين لما علم من عادته من تطويل الركوع والسجود.

٤٤٥
كتاب: الصلاة
١٠٥٨ - (١٩٤) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ
الْحَكَمِ. قَالَ: غَلَبَ عَلَى الْكُوفَةِ رَجُلٌ، (قَدْ سَمَّاهُ)، زَمَنَ ابْنِ الأَشْعَثِ. فَأَمَرَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ
عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يُصَلَِّ بِالنَّاسِ. فَكَانَ يُصَلِّي فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ قَدْرَ مَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ
رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءُ الأَرْضِ. وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ. أَهْلَ الثََّاءِ
وَالْمَجْدِ. لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ. وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ.
قَالَ الْحَكَمُ: فَذَكَرْتُ ذُلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَىْ. فَقَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ
عَازِبٍ يَقُولُ: كَانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَّهَ وَرُكُوعُهُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ،
وَسُجُودُهُ، وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، قَرِيباً مِنَ السَّوَاءِ.
قَالَ شُعْبَةُ: فَذَكَرَتُهُ لِعَمْرِو بْنِ مُرَّةَ. فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلِى، فَلَمْ تَكُنْ صَلاتُهُ
مَكَذَا .
١٠٥٩ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ.
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ؛ أَنَّ مَطَرَ بْنَ نَاجِيَةً لَمَّا ظَهَرَ عَلَى الْكُوفَةِ، أَمَرَ أَبَا عُبَيْدَةَ أَنْ يُصَلِّيَ
بِالنَّاسِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
١٠٦٠ - (١٩٥) حدّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَام. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ
أَنَسٍ (١)؛ قَالَ: إِنِّي لا أُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يُصَلِّي بِنَا.
١٩٤ - ( ... ) - قوله: (على الكوفة رجل) إلخ: هو مطر بن ناجية كما سماه في الرواية
الثانية .
قوله: (قد سماه) إلخ: أي: سماه الحكم.
قوله: (زمن ابن الأشعث) إلخ: لعله محمد بن الأشعث الذي حاصر مسلم بن عقيل
،
وجاء به إلى عبيد الله بن زياد، كما في ترجمة الحسين بن علي بن أبي طالب ظُه من التهذيب.
قوله: (أبا عبيدة بن عبد الله) إلخ: ابن مسعود حظُه .
قوله: (اللهم ربنا لك الحمد ملأ السموات) إلخ: سيأتي شرح ألفاظ هذا الذكر بعد باب.
قوله: (فلم تكن صلاته هكذا) إلخ: أي: عمل ابن أبي ليلى لم يكن موافقاً لما رواه.
١٩٥ - (٤٧٢) - قوله: (لا آلو) إلخ: بهمزة ممدودة بعد حرف النفي، ولام مضمومة بعدها
واو خفية. أي لا أقصر.
٠
(١) قوله: ((عن أنس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب الطمأنينة حين يرفع =

٤٤٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئاً لاَ أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوع
أَنْتَصَبَ قَائِماً حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ. وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ مَكَثَ. حَتَّى يَقُولَ
الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ .
١٠٦١ - (١٩٦) وحدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ.
أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ خَلْفَ أَحَدٍ أَوْجَزَ صَلاةٌ مِنْ صَلاةِ
رَسُولِ اللهِ، فِي تَمَامَ. كَانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ مُتَقَّارِبَةً. وَكَانَتْ صَلاةُ أَبِي بَكْرٍ
مُتَقَارِبَةٌ. فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَدَّ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهِ إِذَا قَالَ:
(سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) قَامَ، حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ، ثُمَّ يَسْجُدُ، وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ،
حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ .
قوله: (لا أراكم تصنعونه) إلخ: فيه إشعار بأنهم كانوا يخلون بتطويل الاعتدال.
قوله: (قد نسي) إلخ: أي نسي وجوب الهوي إلى السجود. قاله الكرماني. ويحتمل أن
يكون المراد أنه نسي أنه في صلاة، أو ظن أنه وقت القنوت حيث كان معتدلاً، أو وقت التشهد
حیث کان جالساً .
١٩٦ - (٤٧٣) - قوله: (مدّ في صلاة الفجر) إلخ: أي: في قراءتها. وهذا يدل على أن
التقارب في هذا الحديث محمول على ما يشمل القيام أيضاً، - والله أعلم - .
قوله: (حتى نقول: قد أوهم) إلخ: بفتح الهمزة والهاء، فعل ماض مبني للفاعل. قال
القرطبي: ((ومعناه ترك. قال ثعلب: يقال أوهمت الشيء: إذا تركته كله، أوهم، ووهمت في
الحساب وغيره: إذا غلطت، أهم، ووهمت إلى الشيء: إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره)).
وقال في النهاية: ((أوهم في صلاته أي: أسقط منها شيئاً، يقال: أوهمت الشيء: إذا
تركته، وأوهمت في الكلام والكتاب: إذا أسقطت منه شيئاً، ووهم - يعني بكسر الهاء - يوهم
وهماً - بالتحريك - إذا غلط)).
قال ابن رسلان: ويحتمل أن يكون معناه: نسي. كذا في نيل الأوطار.
قال الشوكاني: ((والحديث يدل على مشروعية تطويل الاعتدال من الركوع والجلسة بين
السجدتين، وقد ذهب بعض الشافعية إلى بطلان الصلاة بتطويل الاعتدال والجلوس بين
السجدتين محتجاً بأن طولهما ينفي الموالاة، وما أدري ما يكون جوابه عن حديث الباب)) اهـ.
رأسه من الركوع، رقم (٨٠٠) وباب المكث بين السجدتين، رقم (٨٢١) وأبو داود في سننه، في كتاب
=
الصلاة، باب طول القيام من الركوع وبين السجدتين، رقم (٨٥٣) وأحمد في مسنده (١٦٢/٣).

٤٤٧
كتاب: الصلاة
(٣٩) - باب: متابعة الإمام والعمل بعده
١٠٦٢ - (١٩٧) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ. ح قَالَ:
وَحَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ يَخْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ. قَالَ:
وعن حديث حذيفة في صلاة الليل، وفيه: ((ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع، فكان ركوعه نحواً
من قيامه - إلى أن قال - ثم رفع رأسه من الركوع، فكان قيامه نحواً من قيامه - وفي رواية - نحواً
من ركوعه - إلى أن قال - ثم يسجد فكان سجوده نحواً من قيامه - إلى أن قال - ثم يرفع رأسه من
السجود وكان يقعد فيما بين السجدتين نحواً من سجوده)) رواه أبو داود مطولاً. وأصلح في
صحيح مسلم. وحديث البراء قد تقدم في الباب.
قال ابن دقيق العيد: ((هذا الحديث يدل على أن الاعتدال ركن طويل، وحديث أنس
أصرح في الدلالة على ذلك، بل هو نص فيه، فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف، وهو قولهم:
لم يسن فيه تكرير التسبيحات كالركوع والسجود، ووجه ضعفه أنه قياس في مقابلة النص، فهو
فاسد)) انتهى. على أنه قد ثبت مشروعية أذكار في الاعتدال أكثر من التسبيح المشروع في الركوع
والسجود، كما سيأتي.
وأما القول بأن طولهما ينفي الموالاة فباطل، لأن معنى الموالاة أن لا يتخلل فصل طويل
بين الأركان مما ليس فيها، وما ورد به الشرع لا يصح نفي كونه منها، وقد ترك الناس هذه السنة
الثابتة بالأحاديث الصحيحة: محدثهم وفققيههم، ومجتهدهم ومقلدهم، فليت شعري! ما الذي
عوّلوا عليه في ذلك؟ والله المستعان، كذا في نيل الأوطار.
قال شيخنا المحمود قدس الله روحه: ((وقول أنس: ((حتى نقول: قد أوهم، وحتى يقول
الناس: قد نسي)) يدل على أن هذا التطويل في القيام من الركوع والجلسة بين السجدتين لم يكن
فعلاً أكثر مما كانوا يعتادون رؤيته من النبيّ وَ﴿ في غالب الأحيان، بل كان وقوعه في غاية
الندرة والقلة، وإلا فلو قدر كون هذا النحو من التطويل سنة مستمرة معروفة كان يفعلها في عامة
الصلوات لم يكن لظنهم نسبة النسيان إليه * معنى، كما أنهم لما عرفوا منه وَله تطويل القراءة
أو الركوع والسجود في كثير من الأوقات لم يقولوا إذا طول فيه: أنه قد نسي أو أوهم، نعم!
مطلق الطمأنينة والتمكن والمكث بقدر يعتد به في الركوع والرفع منه والسجدتين والجلوس بينهما
أمر معروف معتاد متحتم لا يمكن إنكار تأكده وتحتمه، والناس عنه غافلون في هذا الزمان، والله
المستعان وعليه التكلان)).
(٣٩) - باب: متابعة الإمام والعمل بعده
١٩٧ - (٤٧٤) - قوله: (عن أبي إسحاق) إلخ: أي: السبيعي.
قوله: (عن عبد الله بن يزيد) إلخ: هو الخطمي، منسوب إلى خطمة - بفتح المعجمة

٤٤٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ (١)، (وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ)، أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ وَرَ. فَإِذَا رَفَعَ
وإسكان الطاء - بطن من الأوس، وكان عبد الله المذكور أميراً على الكوفة في زمن ابن
الزبير رد الله .
وفي الإسناد لطيفة، وهي: رواية صحابي ابن صحابي، عن صحابي ابن صحابي، كلاهما
من الأنصار، ثم من الأوس، وكلاهما سكن الكوفة. قاله الحافظ.
قوله: (وهو غير كذوب) إلخ: الظاهر أنه من كلام عبد الله بن يزيد، وعلى ذلك جرى
الحميدي في جمعه، وصاحب العمدة، لكن روى عياش الدوري في تاريخه عن يحيى بن معين
أنه قال: ((قوله: وهو غير كذوب)) إنما يريد عبد الله بن يزيد الراوي عن البراء، لا البراء، ولا
يقال لرجل من أصحاب رسول الله وَ لقول: غير كذوب، يعني: أن هذه العبارة إنما تحسن في
مشكوك في عدالته، والصحابة كلهم عدول لا يحتاجون إلى تزكية)).
وقد تعقبه الخطابي فقال: ((هذا القول لا يوجب تهمة في الراوي، إنما يوجب حقيقة
الصدق له، قال: وهذه عادتهم إذا أرادوا تأكيد العلم بالراوي والعمل بما روي، كان أبو هريرة
يقول: سمعت خليلي الصادق المصدوق. وقال ابن مسعود: حدثني الصادق المصدوق)).
وقال عياض - وتبعه النووي - : ((لاوصم في هذا على الصحابة، لأنه لم يرد به التعديل،
وإنما أراد به تقوية الحديث إذا حدث به البراء، وهو غير متهم، ومثل هذا قول أبي مسلم
الخولاني: حدثني الحبيب الأمين. وقد قال ابن مسعود وأبو هريرة، فذكرهما، قال: وهذا قالوه
تنبيهاً على صحة الحديث، لا أن قائله قصد به تعديل راويه. وأيضاً فتنزيه ابن معين للبراء عن
التعديل لأجل صحبته، ولم ينزه عن ذلك عبد الله بن يزيد لا وجه له، فإن عبد الله بن يزيد
معدود في الصحابة)) انتهى كلامه.
وقد علمت أنه أخد كلام الخطابي فبسطه، واستدرك عليه الإلزام الأخير، وليس بوارد،
لأن يحيى بن معين لا يثبت صحبة عبد الله بن يزيد، وقد نفاها أيضاً مصعب الزبيري، وتوقف
فيها أحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وأبو داود، وأثبتها ابن البرقي، والدارقطني وآخرون.
وقال النووي: ((معنى الكلام: حدثني البراء، وهو غير متهم، كما علمتم فئقوا بما أخبركم
(١) قوله: ((عن البراء)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب متى يسجد من خلف
الإمام، رقم (٦٩٠) وباب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة، رقم (٨٤٧) وباب السجود على سبعة أعظم،
رقم (٨١١) والنسائي في سننه، في كتاب الإمامة، باب مبادرة الإمام، رقم (٨٣٠) وأبو داود في سننه، في
كتاب الصلاة، باب ما يؤمر به المأموم من اتباع الإمام، رقم (٦٢٠) و(٦٢١) و(٦٢٢) والترمذي في
جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يبادر الإمام بالركوع والسجود، رقم (٢٨١) وأحمد
في مسنده (٢٨٤/٤).

٤٤٩
كتاب: الصلاة
رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ أَرَ أَحَداً يَحْنِي ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ. ثُمَّ
يَخِرُّ مَنْ وَرَاءَهُ سُجَّداً.
به عنه. وقد اعترض بعض المتأخرين على التنظير المذكور، فقال: كأنه لم يُلمّ بشيء من علم
البيان للفرق الواضح بين قولنا: فلان صدوق، فلان غير كذوب، لأن في الأول إثبات الصفة
للموصوف، وفي الثاني نفي ضدها عنه، فهما مفترقان. قال: والسر فيه أن نفي الضد كأنه يقع
جواباً لمن أثبته، بخلاف إثبات الصفة)) انتهى.
والذي يظهر لي أن الفرق بينهما أنه يقع في الإثبات بالمطابقة، وفي النفي بالالتزام، لكن
التنظير صحيح بالنسبة إلى المعنى المراد باللفظين، لأن كلا منهما يرد عليه أنه تزكية في حق
مقطوع بتزكيته، فيكون من تحصيل الحاصل، ويحصل الانفصال عن ذلك بما تقدم من أن المراد
بكل منهما تفخيم الأمر وتقويته في نفس السامع.
وذكر ابن دقيق العيد أن بعضهم استدل على أنه كلام عبد الله بن يزيد بقول أبي إسحاق في
بعض طرقه: سمعت عبد الله بن يزيد - وهو يخطب - يقول: حدثنا البراء، وكان غير كذوب.
قال: وهو محتمل أيضاً. قلت: لكنه أبعد من الأول، وقد وجدت الحديث من غير طريق أبي
إسحاق عن عبد الله بن يزيد، وفيه قوله أيضاً: حدثنا البراء وهو غير كذوب، أخرجه أبو عوانة
في صحيحه من طريق محارب بن دثار، قال: سمعت عبد الله بن يزيد على المنبر يقول: فذكره،
وأصله في مسلم، لكن ليس فيه قوله: ((وكان غير كذوب)) وهذا يقوي أن الكلام لعبد الله بن
يزيد، - والله أعلم - . كذا قال الحافظ في الفتح.
فإن قلت: نفي الكذوبية لا يستلزم نفي الكاذبية، مع أنه يجب نفي مطلق الكذب عنهما.
قلت: معناه غير ذي كذب، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [سورة فصلت، آية:
٤٦] أي وما ربك بذي ظلم، فإن الله لا يظلم مثقال ذرة، وإنه لا يظلم الناس شيئاً .
وقال شيخنا المحمود قدس الله روحه: ((لو كان البراء مع كونه صحابياً جليلاً يكذب في
شيء - معاذ الله - لا سيما في الرواية عن النبيّ وَليّ: لكان كذوباً، فنفي الكذوبية في حقه هو
نفي الكاذبية، وهذا نظير ما قاله بعض المحققين في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلٍَّ لِلْعَبِيدِ﴾ أي لو
كان تعالى ظالماً سبحانه لكان ظلاماً، لأن كل صفة له تعالى في أكمل المراتب، فنفى اللازم
لنفي الملزوم، - والله أعلم - )).
قوله: (أحداً يحني) إلخ: أي: يثني.
قوله: (ثم يخرّ من وراءه) إلخ: فيه تأخر المأموم حتى يتلبس الإمام بالركن الذي ينتقل إليه
بحيث يشرع المأموم بعد شروعه وقبل الفراغ منه. ووقع في حديث عمرو بن حريث عند مسلم:
((فكان لا يحني أحد منا ظهره حتى يستتم ساجداً) ولأبي يعلى من حديث أنس: ((حتى يتمكن
النبيّ وَّر من السجود)) وهو أوضح في انتفاء المقارنة.

٤٥٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٠٦٣ - (١٩٨) وحدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلاَّدِ الْبَاهِلِيُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى، (يَعْنِي ابْنَ
سَعِيدٍ)، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ. حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ، (وَهُوَ
غَيْرُ كَذُوبٍ)، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ إِذَا قَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) لَمْ يَخْنِ أَحْدٌ مِنَّا
ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ سَاجِداً ثُمَّ نَقَعُ سُجُوداً بَعْدَهُ.
١٠٦٤ - (١٩٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمِ الأَنْطَاكِيُّ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ
ابْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ مُحَارِبٍ بْنِ دِثَارٍ؛ قَالَ:
سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ، عَلَى الْمِنْبَرِ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ؛ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ
رَسُولِ اللّهِ بَهِ. فَإِذَا رَكَعَ رَكَعُوا. وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَال: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))
لَمْ نَزَلْ قِيَاماً حَتَّى نَرَاهُ قَدْ وَضَعَ وَجْهَهُ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ نَتَّبِعُهُ.
١٠٦٥ - (٢٠٠) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً.
حَدَّثَنَا أَبَانُ وَغَيْرُهُ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَىُ، عَنِ الْبَرَاءِ؛ قَالَ: كُنَّا مَعَ
النَّبِيِّ ◌َ. لاَ يَحْنُو أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى نَرَاهُ قَدْ سَجَدَ.
فَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. قَالَ: حَدَّثَنَا الْكُوفِيُّونَ: أَبَانُ وَغَيْرُهُ. قَالَ: حَتَّى نَرَاهُ
يَسْجُدُ.
والسنة عند الإمام أبي حنيفة تغلُّ المتابعة المقارنة بلا تعقيب ولا تراخ، وظاهر حديث
الباب يشهد لمذهب الصاحبين، ولعل الإمام يحمله على زمان التبدين، - والله أعلم - .
٢٠٠ - ( ... ) - قوله: (عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) إلخ: هذا مما تكلم فيه
الدارقطني، وقال: ((الحديث محفوظ لعبد الله بن يزيد عن البراء، ولم يقل أحد عن ابن أبي ليلى
غير أبان بن تغلب عن الحكم، وقد خالفه ابن عرعرة، فقال: عن الحكم، عن عبد الله بن يزيد،
عن البراء، وغير أبان أحفظ منه)). هذا كلام الدارقطني، وهذا الاعتراض لا يقبل، بل أبان ثقة
نقل شيئاً، فوجب قبوله، ولم يتحقق كذبه وغلطه، ولا امتناع في أن يكون مروياً عن ابن يزيد،
وابن أبي ليلى، - والله أعلم - كذا في الشرح.
وقد أشار زهير في روايته إلى نفي تفرد أبان به، فقال: ((حدثنا سفيان: قال: حدثنا
الكوفيون: أبان وغيره)» إلخ: كما سيأتي.
قوله: (لا يحنو أحد منا) إلخ: يحنو بالواو، وفي باقي الروايات بالياء، هما لغتان،
حكاهما الجوهري وغيره: حنيت وحنوت، لكن الياء أكثر، ومعناه: عطفته.
٢٠١ - (٤٧٥) - قوله: (عن الوليد بن سريع) إلخ: بفتح السين وكسر الراء.

٤٥١
كتاب: الصلاة
١٠٦٦ - (٢٠١) حدّثنا مُحْرِزُ بْنُ عَوْنِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ. حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةً
الأَشْجَعِيُّ أَبُو أَحْمَدَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ سَرِيعٍ، مَوْلَى آلِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
حُرَيْثٍ(١)؛ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ وَِّ الْفَجْرَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿فَلَّ أُقِْمُ بِلْخُنَِّ ﴿ الْجَارِ
[التكوير: ١٥-١٦]. وَكَانَ لاَ يَحْنِي رَجُلٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَسْتَتِمَّ سَاجِداً .
الُنَیِ
(٤٠) - باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع
١٠٦٧ - (٢٠٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً وَوَكِيعٌ عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى(٢)؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ، إِذَا
رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ.
قوله: (بالخنس) إلخ: قال المفسرون وأهل اللغة: هي النجوم الخمسة، وهي: المشتري،
وعطارد، والزهرة، والمريخ، وزحل، هكذا قال أكثر المفسرين، وهو مروي عن علي بن أبي
طالب ه، وفي رواية عنه أنها: هذه الخمسة، والشمس، والقمر، وعن الحسن: هي كل
النجوم، وقيل غير ذلك، والخنس: التي تخنس، أي ترجع في مجراها، والكنس التي تكنس أي
تدخل كناسها، أي تغيب في المواضع التي تغيب فيها. والكنس: جمع كانس، - والله تعالى
أعلم بالصواب - .
(٤٠) - باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع
٢٠٢ - (٤٧٦) - قوله: (قال سمع الله لمن حمده) إلخ: قال الشيخ الأكبر كَثُ في
الفتوحات: ((إذا رفع الإنسان رأسه من الركوع يقول العارف الجامع لأكمل الصلاة: سمع الله
لمن حمده، أي عند قوله: سبحان ربي العظيم، في حال ركوعه، وما حمده به في حال قيامه،
ثم يقول: يرد على نفسه بلسانه: اللهم ربنا ولك الحمد، فإنه في قوله: سمع الله لمن حمده،
نائب عن ربه، ورد في الحديث الصحيح: ((إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم
ربنا ولك الحمد)) فإن الله قال على لسان عبده: سمع الله لمن حمده، فلهذا يستحب للمنفرد أن
يسكت سكتة يفصل بين قوله: سمع الله لمن حمده، وبين قوله: اللهم ربنا ولك الحمد)).
قوله: (اللهم ربنا) إلخ: حذف حرف النداء ليؤذن بالقرب.
(١) قوله: ((عن عمرو بن حريث)) انظر ما خرجناه تحت رقم (١٠٣١) باب القراءة في الصبح.
(٢) قوله: ((عن ابن أبي أوفى)) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، ببا ما يقول إذا رفع رأسه
من الركوع، رقم (٨٤٦) والترمذي في جامعه، في كتب الدعوات، باب في دعاء النبي ◌َّر، رقم (٣٥٤٧)
وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع، رقم
(٨٧٨) وأحمد في مسنده (٣٥٣/٤ و٣٥٦ و٣٨١).

٤٥٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلُْ الأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)).
١٠٦٨ - ٢٠٣ /- حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلُ الأَرْضِ.
وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)» .
١٠٦٩ - (٢٠٤) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَجْزَأَةَ بْنِ زَاهِرٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى
قوله: (ملء السموات) إلخ: بالنصب: وهو الأكثر على أنه صفة مصدر محذوف، وقيل:
على نزع الخافض، أي بملء السموات، وبالرفع على أنه صفة الحمد.
والملء بالكسر اسم ما يأخذه الإناء إذا امتلأ، وهو مجاز عن الكثرة.
قال المظهر: ((هذا تمثيل وتقريب، إذ الكلام لا يقدر بالمكاييل، ولا تسعه الأوعية، وإنما
المراد منه تكثير العدد حتى لو قدر أن تلك الكلمات تكون أجساماً تملأ الأماكن: لبلغت من
كثرتها ما تملأ السماوات والأرضين)) كذا في المرقاة.
قوله: (وملء ما شئت من شيء بعد) إلخ: أي: بعد ذلك، أي ما بينهما، أو غير ما ذكر،
كالعرش والكرسي وما تحت الثرى. والأظهر أن المراد بالسموات والأرض: جهتا العلو
والسفل، والمراد بملء ما شاء من شيء بعد: ما تعلق به مشيئته.
قال التوربشتي كثّفُ: ((هذا؛ أي: ((ما شئت)) يشير إلى الاعتراف بالعجز عن أداء حق
الحمد بعد استفراغ المجهود، فإنه حمده ملء السموات والأرض، وهذا نهاية أقدام السابقين،
ثم ارتفع وترقى فأحال الأمر فيه على المشيئة، إذ ليس وراء ذلك للحمد منتهى، ولهذه الرتبة
التي لم يبلغها أحد من خلق الله استحق فعاليَّلا أن يسمى: أحمد)). كذا في المرقاة.
وقال الشيخ الأكبر تغذُ تعالى: ((قوله: ملء السموات والأرض ... )) إلى آخره، يقول: كل
جزء من العالم العلوي والسفلى وما بينهما وما يعطيه الإمكان، كل جزء منه معلوم بحكم
الوجود، والتقدير له ثناء خاص عليك من حيث عينه وأفراده، وجمعه بغيره في قليل الجمع
وكثيره، أحمدك بلسانه وبلسان كل حامد، فيكون لهذا الحامد بمثل هذه الألسنة جميع ما
يستدعيه من التجليات الإلهية ومن الأجور الحسية)).
٢٠٤ - ( ... ) - قوله: (عن مجزأة بن زاهر) إلخ: بميم مفتوحة، ثم جيم ساكنة، ثم زاي،
ثم همزة(١) تكتب ألفاً، ثم هاء. وحكى صاحب المطالع فيه كسر الميم أيضاً، ورجح الفتح،
(١) الزاي والهمزة مفتوحتان.

٤٥٣
كتاب: الصلاة
يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ. مِلْءُ السَّمَاءِ وَمِلُْ الأَرْضِ،
وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ. اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ. اللَّهُمَّ طَهُزْنِي مِنَ
الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُتَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الْوَسَخِ)).
وحكي أيضاً ترك الهمز فيه، قال: وقاله الجياني بالهمز. كذا في الشرح.
قوله: (اللهم طهرني بالثلج) إلخ: بسكون اللام.
قوله: (والبرد) إلخ: بفتحتين.
قوله: (وماء البارد) إلخ: من إضافة الموصوف إلى صفته، كقوله تعالى: ﴿ِجَانِبٍ
الْغَرْبِ﴾ [سورة القصص، آية: ٤٤] وقولهم مسجد الجامع وفيه المذهبان السابقان، مذهب الكوفيين:
أنه جائز على ظاهره، ومذهب البصريين: أن تقديره ماء الطهور البارد، وجانب المكان الغربي،
ومسجد الموضع الجامع.
قال الخطابي: ((ذكر الثلج والبرد تأكيداً، أو لأنهما ماءان لم تمسهما الأيدي، ولم
يمتهنهما الاستعمال)».
وقال ابن دقيق العيد: ((عبّر بذلك عن غاية المحو، فإن الثوب الذي يتكور عليه أشياء
منتقية يكون في غاية النقاء. قال: ويحتمل أن يكون المراد أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز
عن صفة يقع بها المحو، وكأنه كقوله تعالى: ﴿وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا﴾ [سورة البقرة، آية: ٢٨٦].
وأشار الطيبي إلى هذا بحثاً، فقال: ((يمكن أن يكون المطلوب من ذكر الثلج والبرد بعد
الماء شمول أنواع الرحمة والمغفرة بعد العفو لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية
الحرارة، ومنه قولهم: برّد الله مضجعه، أي رحمه ووقاه عذاب النار)) انتهى.
ويؤيده ورود وصف الماء بالبرودة في حديث عبد الله بن أبي أوفى عند مسلم، وكأنه جعل
الخطايا بمنزلة جهنم لكونها مسببة عنها، فعبّر عن إطفاء حرارتها بالغسل، وبالغ فيه باستعمال
المبردات ترقیاً عن الماء إلى أبرد منه.
وقال التوربشتي: ((خص هذه الثلاثة بالذكر، لأنها منزلة من السماء)»، كذا في الفتح.
قوله: (من الذنوب والخطايا) إلخ: هذا الدعاء صدر منه وَّر على سبيل المبالغة في إظهار
العبودية (وقد قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين) وقيل: قاله على سبيل التعليم لأمته.
واعترض بكونه لو أراد ذلك لجهر به، وأجيب بورود الأمر بذلك في حديث سمرة عند البزار،
قاله الحافظ تَخَذَتْهُ .
( ... ) - قوله: (الثوب الأبيض) إلخ: مجاز عن زوال الذنوب ومحو أثرها، ولما كان
الدنس في الثوب الأبيض أظهر من غيره من الألوان وقع التشبيه به. قاله ابن دقيق العيد.

٤٥٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٠٧٠ - (٠٠٠) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ كِلاَهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
فِي رِوَايَةٍ مُعَاذٍ ((كَمَا يُتَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّرَنِ)). وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ: (مِنَ الدَّنَسِ)).
١٠٧١ - (٢٠٥) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ
مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَّيْسٍ، عَنْ قَزْعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُذْرِيِّ(١)؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكَّوع قَالَ: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ.
مِلْءُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ. وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّثَّاءِ وَالْمَجْدِ. أَحَقُّ مَا قَالَ
الْعَبْدُ. وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ:َ اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ. وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ. وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ
مِنْكَ الْجَدُّ».
قوله: (من الدرن) إلخ: الوسخ، والدرن، والدنس، كله: بمعنى واحد.
٢٠٥ - (٤٧٧) - قوله: (أهل الثناء والمجد) إلخ: منصوب على النداء، هذا هو المشهور
المختار.
قوله: (أحق ما قال العبد) إلخ: تقديره: أحق ما قال العبد أي: أوجب ما يقوله عبد مثلي
السيد مثلك: اللهم لا مانع لما أعطيب، ولا معطي ... إلى آخره. وقوله: ((وكلنا لك عبد)) جملة
معترضة، ومثل هذا الاعتراض في القرآن وغيره كثير، وإنما يعترض ما يعترض من هذا الباب
للاهتمام به وارتباطه بالكلام السابق، وتقديره هنا: ((أحق قول العبد: لا مانع لما أعطيت وكلنا
لك عبد، فينبغي لنا أن نقول)). وإنما كان أحق ما قاله العبد لما فيه من التفويض إلى الله تعالى،
والإذعان له، والاعتراف بوحدانيته، والتصريح بأنه لا حول ولا قوة إلا به، وأن الخير والشر
منه، والحث على الزهادة في الدنيا والإقبال على الأعمال الصالحة.
قوله: (اللهم لا مانع لما أعطيت) إلخ: هو مقتبس من قوله تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن
رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَ مُرْبِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِةٍ﴾ [سورة فاطر، آية: ٢] وينبغي أن لا يحجبك المنع
والعطاء عن مولاك، لقول ابن عطاء: ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك.
قوله: (ولا ينفع ذا الجد منك) إلخ: قال النووي: ((الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور
(١) قوله: ((عن أبي سعيد الخدري)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب ما يقول في
قيامه ذلك، رقم (١٠٦٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع،
رقم (٨٤٧) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما يقول إذا رفع رأسه من
الركوع، رقم (٨٧٧) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب القول بعد رفع الرأس من الركوع، رقم
(٨٧٧) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب القول بعد رفع الرأس من الركوع، رقم (١٣١٩) وأحمد
في مسنده (٨٧/٣).

٤٥٥
كتاب: الصلاة
١٠٧٢ - (٢٠٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ. أَخْبَرَنَا
هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ قَيْسٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)؛ أَنَّ النَّبِيَّ وََّ، كَانَ إِذَا
رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ. قَالَ: ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمَّدُ. مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلُ الأَرْضِ، وَمَا
بَيْتَهُمَا. وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ. لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ. وَلاَّ مُعْطِيَ
لِمَا مَنَعْتَ. وَلاَ يَتْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ».
١٠٧٣ - (٠٠٠) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ. حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ. حَدَّثَنَا
قَيْسُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ إِلَى قَوْلِهِ: ((وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ
شَيْءٍ بَعْدُ)) وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
(٤١) - باب: النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود
١٠٧٤ - (٢٠٧) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ.
قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُحَيْمَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢)؛ قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللهِّ وَّهِ السِّتَارَةَ، وَالنَّاسُ صُفُوفٌ
أنه بالفتح، وهو الحظ في الدنيا من المال، أو الولد، أو العظمة، أو السلطان. والمعنى: لا
ينجيه حظه منك، وإنما ينجيه فضلك ورحمتك)).
قال ابن دقيق العيد: ((قوله: ((منك)) يجب إن يتعلق بـ ((ينفع)) وينبغي أن يكون ((ينفع)) قد
ضمن معنى ((يمنع)) وما قاربه، ولا يجوز أن يتعلق ((منك)) بالجد، كما يقال: حظي منك كثير،
لأن ذلك نافع.
(٤١) - باب: النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود
٢٠٧ - (٤٧٩) - قوله: (الستارة) إلخ: بكسر السين، وهي الستر الذي يكون على باب
البيت والدار.
(١) قوله: ((عن ابن عباس)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب ما يقول في قيامه ذلك،
رقم (١٠٦٧) و(١٠٦٨) وأحمد في مسنده (٢٧٠/١ و٢٧٥ و٣٣٣ و٣٧٠).
(٢) قوله: ((عن ابن عباس)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب تعظيم الرب في الركوع،
رقم (١٠٤٦) وباب الأمر بالاجتهاد في الدعاء في السجود، رقم (١١٢١) وأبو داود في سننه، في كتاب
الصلاة، باب في الدعاء في الركوع والسجود، رقم (٨٧٦) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب
النهي عن القراءة في الركوع والسجود، رقم (١٣٣١) و(١٣٣٢) وأحمد في مسنده (٢١٩/١).

٤٥٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ. فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشْرَاتِ النُّبُؤَّةِ
قوله: (خلف أبي بكر) إلخ: وهذا في مرض وفاته وَله .
قوله: (فقال: أيها الناس) إلخ: الأظهر أنه قاله بعد إحرامهم، والغالب أن سماعهم له
إنما يكون مع إصغاء، ففيه حجة لما أجازه في المدونة من الإنصات لسماع خبر يسير.
قوله: (لم يبق من مبشرات النبوة) إلخ: وفي بعض الروايات: ((لم يبق من النبوة إلا
المبشرات)) قال الحافظ: ((كذا ذكره باللفظ الدال على المضي تحقيقاً لوقوعه، والمراد
الاستقبال، أي لا يبقى، وقيل: هو على ظاهره، لأنه قال ذلك في زمانه، واللام في النبوة
للعهد، والمراد نبوته، والمراد: لم يبق بعد النبوة المختصة بي إلا المبشرات، ثم فسرها بالرؤيا
وصرح به في حديث عائشة عند أحمد بلفظ: ((لم يبق بعدي))، وللنسائي من رواية زفر بن
صعصعة عن أبي هريرة رفعه: ((أنه ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة)) وهذا يؤيد
التأويل الأول، وظاهر الاستثناء مع ما تقدم من أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة، أن الرؤيا نبوة،
وليس كذلك، لما تقدم أن المراد تشبيه أمر الرؤيا بالنبوة، أو لأن جزء الشيء لا يستلزم ثبوت
وصفه له، كمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله، رافعاً صوته لا يسمى مؤذناً، ولا يقال: إنه أذان،
وإن كانت جزءاً من الأذان، وكذا لو قرأ شيئاً من القرآن وهو قائم لا يسمى مصلياً، وإن كانت
القراءة جزءاً من الصلاة، ويؤيده حديث أم كرز - بضم الكاف، وسكون الراء، بعدها زاي -
الكعبية، قالت: سمعت النبيّ وَل﴿ يقول: ((ذهبت النبوة وبقيت المبشرات)) أخرجه أحمد وابن
ماجه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان. ولأحمد عن عائشة مرفوعاً: ((لم يبق بعدي من
المبشرات إلا الرؤيا)) وله وللطبراني من حديث حذيفة بن أسيد مرفوعاً: ((ذهبت النبوة وبقيت
المبشرات)) ولأبي يعلى من حديث أنس رفعه: ((أن الرسالة والنبوة قد انقطعت، ولا نبي ولا
رسول بعدي، ولكن بقيت المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: رؤيا المسلمين جزء من
أجزاء النبوة)).
قال المهلب ما حاصله: التعبير بالمبشرات خرج للأغلب، فإن من الرؤيا ما تكون منذرة،
وهي صادقة يريها الله تعالى للمؤمن رفقاً به، ليستعد لما يقع قبل وقوعه.
وقال ابن التين: معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي، ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون
إلا الرؤيا .
ويرد عليه الإلهام، فإن فيه إخبار بما سيكون، وهو للأنبياء بالنسبة للوحي كالرؤيا، ويقع
لغير الأنبياء، كما في الحديث الوارد في مناقب عمر: ((قد كان فيمن مضى من الأمم محدَّثون»،
وفسر المحدّث - بفتح الدال ـ بالملهم - بالفتح أيضاً - ، وقد أخبر كثير من الأولياء، عن أمور
مغيبة، فكانت كما أخبروا.
والجواب: أن الحصر في المنام لكونه يشمل آحاد المؤمنين، بخلاف الإلهام، فإنه مختص

٤٥٧
كتاب: الصلاة
إِلَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ. أَوْ تُرَى لَهُ. أَلاَ وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاِعاً أَوْ
سَاجِداً.
بالبعض، ومع كونه مختصاً فإنه نادر، فإنما ذكر المنام لشموله وكثرة وقوعه، ويشير إلى ذلك
قوله : ((فإن يكن)) وكأن السر في ندور الإلهام في زمنه وكثرته من بعده غلبة الوحي إليه مليار في
اليقظة، وإرادة إظهار المعجزات منه، فكان المناسب أن لا يقع لغيره منه في زمانه شيء، فلما
انقطع الوحي بموته وقع الإلهام لمن اختصّه الله به للأمن من اللبس في ذلك، وفي إنكار وقوع
ذلك مع كثرته واشتهاره مكابرة ممن أنكره)). كذا في فتح الباري.
قوله: (من مبشرات النبوة) إلخ: بكسر الشين المعجمة، جمع مبشرة، وهي البشرى، وقد
ورد في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوِ الدُّنْيَا﴾ [سورة يونس، آية: ٦٤] هي الرؤيا الصالحة أخرجه
الترمذي وابن ماجة. وفسر الشوكاني مبشرات النبوة بأول ما يبدو منها، قال: هو مأخوذ من
تباشير الصبح، وهو أول ما يبدو منه، وهو كقول عائشة رضي الله تعالى عنها: ((أول ما بدىء به
رسول الله وَلخير من الوحي ... )) الحديث.
قوله: (الرؤيا الصالحة) إلخ: ويعني بالصالحة: الملائمة، لا الصادقة، لأن الصادقة قد
تكون مولمة. وقلنا - يعني ذلك - لقوله: ((من المبشرات)) لأن التبشير إنما يكون بالمحبوب، إلا
أن مدلول الرؤية ظني، ومبشرات النبوة يقيني، وتخصيصها بالمسلم، لأنه الذي يناسب حاله
حال النبيّ في صدق الرؤيا. كذا في الإكمال.
قوله: (أو ترى له) إلخ: بصيغة المجهول، أي يراها غيره في حقه.
قوله: (ألا وإني نهيت) إلخ: قال عياض: خطابه الخاص به يشمل الأمة، لأن الأصل:
التأسي، حتى يقوم دليل على قصره عليه، وعكس المحققون، والدليل هنا ((صلوا كما رأيتموني
أصلي)».
قال الأبي: ((لا يحتاج إلى الاستدلال على الشمول بذلك، فإن ما يوهمه الحديث من قصر
النهي عليه قد أزاله أمره لهم أن يعظموا الله سبحانه في الركوع، وأن يدعوا في السجود)).
قال عياض: ((وكره الجمهور القراءة في الموضعين، وأجازها بعض السلف».
قوله: (راكعاً أو ساجداً) إلخ: أي في: هذين الحالتين.
قال الخطابي تَّلُ تعالى: «لما كان الركوع والسجود - وهما غاية الذل والخضوع -
مخصوصين بالذكر والتسبيح: نهى لعلّ عن القراءة فيهما، كأن النبيّ علا كره أن يجمع بين كلام
الله تعالى وكلام الخلق في موضع واحد، فيكونان سواء)) ذكره الطيبي تَُّهُ ، وفيه أنه ينتقض
بالجمع بينهما في حال القيام.

٤٥٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ. وَأَمَّا السُّجُودُ
وقال ابن الملك: ((وكأن حكمته أن أفضل أركان الصلاة: القيام، وأفضل الأذكار:
القرآن، فجعل الأفضل للأفضل، ونهى عن جعله في غيره، لئلا يوهم استواءه مع بقية الأذكار.
وقيل: خصت القراءة بالقيام أو القعود عند العجز عنه، لأنهما من الأفعال العادية، وقيل خصت
القراءة بالقيام أو القعود عند العجز عنه، لأنهما من الأفعال العادية، ويتمحضان للعبادة، بخلاف
الركوع والسجود، لأنهما بذواتهما يخالفان العادة، ويدلان على الخضوع والعبادة. ويمكن أن
يقال: إن الركوع والسجود حالان دالان على الذل، ويناسبهما الدعاء والتسبيح، فنهي عن
القراءة فيهما تعظيماً للقرآن الكريم، وتكريماً لقارئه القائم مقام الكليم، والله بكل شيء عليم)).
كذا في المرقاة.
وقال الشيخ الأكبر في الفتوحات: ((وشرع المناجات بالكلام الإلهي في القيام في الصلاة
دون غيره من الأحوال، للاشتراك في القيّومية، كما وقع الاشتراك في المناجاة، وهي: قال لي
وقلت له. قال: ولما كان المصلي في وقوفه بين يدي ربه في الصلاة له نسبة إلى القيّومية، ثم
انتقل عنها إلى حالة الركوع الذي هو الخضوع، وكذلك السجود، ولم تنبغ هذه الصفة أن تكون
لله تعالى قال النبيّ وَّ﴿ على ما فهم من كلام الله تعالى في قوله: ﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اٌلْعَظِيمِ
: [سورة الواقعة، آية: ٧٤، والحاقة، آية: ٥٢]: ((اجعلوها في ركوعكم)) وفي قوله: ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَيِّكَ
(٣)﴾ [سورة الأعلى، آية: ١]: ((اجعلوها في سجودكم يقول: نزهوا عظمة ربكم عن الخضوع،
اُلْأَعْلَى
فإن الخضوع إنما هو الله، لا بالله، فإنه يستحيل أن تقوم به صفة الخضوع)).
قوله: (فعظموا فيه الرب) إلخ: أي: سبحوه، ونزّهوه، ومجّدوه. وقد ذكر مسلم بعد هذه
الأذكار التي تقال في الركوع والسجود.
واستحب الشافعي كثُّ تعالى وغيره من العلماء أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم،
وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى، ويكرر كل واحدة منهما ثلاث مرات، ويضم إليه ما جاء في
حديث علي رظُه ذكره مسلم بعد هذا: ((اللهم لك ركعت، اللهم لك سجدت ... )) إلى آخره.
وإنما يستحب الجمع بينهما لغير الإمام، وللإمام الذي يعلم أن المأمومين يؤثرون التطويل، فإن
شك لم يزد على التسبيح، ولو اقتصر الإمام والمنفرد على ذكره النووي تغذّثُ .
وقال ابن عابدين كثّفُ من أصحابنا: ((إن في تثليث التسبيح في الركوع والسجود ثلاثة
أقوال عندنا (الفرضية، والوجوب، والسنية) أرجحها من حيث الدليل: الوجوب، تخريجاً على
القواعد المذهبية، فينبغي اعتماده، كما اعتمد ابن الهمام ومن تبعه رواية وجوب القومة والجلسة
والطمأنينة فيهما، كما مرّ. وأما من حيث الرواية فالأرجح: السنية، لأنها المصرح بها في
مشاهير الكتب، وصرحوا بأنه يكره أن ينقص عن الثلاث، وأن الزيادة مستحبة بعد أن يختم على
وتر: خمس، أو سبع، أو تسع، ما لم يكن إماماً .

٤٥٩
كتاب: الصلاة
فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنْ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ)).
١٠٧٥ - (٢٠٨) قالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ.
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُحَيْمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ السُّتْرَ.
وَرَأْسُهُ مَعْصُوبٌ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟)) ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ((إِنَّهُ لَمْ
وذكر في الحلية أن الأمر به والمواظبة عليه متظافران على الوجوب، فينبغي لزوم سجود
السهو أو الإعادة لو تركه ساهياً أو عامداً، ووافقه على هذا البحث العلامة إبراهيم الحلبي في
شرح المنية أيضاً .
وأجاب في البحر بأنه ظلإلا لم يذكره للأعرابي حين علمه، فهذا صارف للأمر عن
الوجوب، لكن استشعر في شرح المنية ورود هذا، فأجاب عنه بقوله: ولقائل أن يقول: إنما
يلزم ذلك أن لو لم يكن في الصلاة واجب خارج عما علّمه الأعرابي، وليس كذلك، بل تعيين
الفاتحة وضم السورة أو ثلاث آيات ليس مما علمه للأعرابي، بل ثبت بدليل آخر، فلم لا يكون
هذا كذلك)» انتهى، وفي بعضه نظر.
قوله: (فاجتهدوا في الدعاء) إلخ: أي: بالغوا في الدعاء حقيقة، وهو ظاهر، أو حكماً
كما في ((سبحان ربي الأعلى)).
وقال بعضهم أدعوا بعد قول ((سبحان ربي الأعلى))، فيستحب أن يجمع في سجوده بين
الدعاء والتسبيح، وستأتي الأحاديث فيه.
قوله: (فقمن) إلخ: بفتح القاف وفتح الميم وكسرها، لغتان مشهورتان، فمن فتح فهو عنده
مصدر لا يثني ولا يجمع، ومن كسر فهو وصف يثني ويجمع، وفي لغة ثالثة: قمين، بزيادة ياء
وفتح القاف وكسر الميم، ومعناه: حقيق، وجدير.
قوله: (أن يستجاب لكم) إلخ: لأن السجود أقرب ما يكون العبد فيه إلى ربه، فيكون
الدعاء في تلك الحالة أقرب إلى الإجابة.
قال الحافظ تَّلهُ: ((والاستجابة تشمل استجابة الداعي بإعطاء سؤاله، واستجابة المثني
بتعظيم ثوابه .
قوله: (قال أبو بكر: نا سفيان عن سليمان) إلخ: هذا من ورع مسلم وباهر علمه، لأن في
رواية اثنين: ((عن سفيان بن عيينة أنه قال: أخبرني سليمان بن سحيم)) وسفيان معروف بالتدليس،
وفي رواية أبي بكر: ((عن سفيان عن سليمان)) فنبه مسلم على اختلاف الرواة في عبارة سفيان.
٢٠٨ - ( ... ) - قوله: (ورأسه معصوب) إلخ: أي: مشدود بعصابة.

٤٦٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَبْقَ مِنْ مُبَشْرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّ الرُّوءِيَا. يَرَاهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ)) ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ
سُفْيَانَ.
١٠٧٦ - (٢٠٩) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَة قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ؛ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ
عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(١) قَالَ: نَهَاِي رَسُولُ اللهِ وَ يهِ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعاً أَوْ سَاجِداً .
١٠٧٧ - (٢١٠) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الْوَلِيدِ،
(يَعْنِي ابْنَ كَثِيرٍ). حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي
طَالِبٍ يَقُولُ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ وَه عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَأَنَا رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ.
١٠٧٨ - (٢١١) وحدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ. أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَزْيَمَ. أَخْبَرَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ وَ هِ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَلاَ
أَقُولُ: نَهَاكُمْ.
١٠٧٩ - (٢١٢) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وإِسْحَاقُ، قَالاَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ.
قوله: (يراها العبد الصالح) إلخ: التقييد بالصالح، لأنه يناسب حاله حال النبيّ في صدق
الرؤيا .
( ... ) - قوله: (إبراهيم بن عبد الله بن حنين) إلخ: حنين بضم الحاء وفتح النون.
٢١١ - ( ... ) - قوله: (ولا أقول: نهاكم) إلخ: قال عياض: ((يحتج به من لا يعمّم
خطاب المواجهة ولا القضايا العينية، وهو مذهب من حقق من أهل الأصول. وعمّمها بعضهم
قياساً على تعدية خطاب الله تعالى أهل زمنه وَ * إلى من بعدهم وقد يفرق بأن هذا خرج
بالإجماع. قال النووي كثّفُ: ((المعنى: النهي إنما سمعته بصيغة الخطاب، فإذاً أنقله كما
سمعته، وإن كان الحكم عاماً)).
(١) قوله: ((علي بن أبي طالب)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب النهي عن القراءة في
الركوع، رقم (١٠٤١) و(١٠٤٢) و(١٠٤٣) و(١٠٤٤) و(١٠٤٥) وباب النهي عن القراءة في السجود، رقم
(١١١٩) و(١١٢٠) وأبو داود في سننه، في كتاب اللباس، باب من كرهة (أي لبس الحرير) والترمذي في
جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في النهي عن القراءة في الركوع والسجود، رقم (٢٦٤) وأحمد في
مسنده (١/ ٨١).