Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
كتاب: الصلاة
الله سبحانه وتعالى أقرب إلى الخشوع وأجدر به من رفعها وإعلائها، إلا أن يتعين الرفع وعدم
التجاوز عنه بحجة ملزمة لمصلحة راجحة عند الشارع، وقد مرّ أن الخشوع هو المطلوب الأصلي
في جميع أجزاء الصلاة، فهذا يرجح خفض الصوت على رفعه في الصلاة في سائر الأقوال التي
جاءت التوسعة فيها من الشارع رفعاً وخفضاً، كالتأمين، فإنه قد جرى التوارث بجهره وإسراره،
ووردت النصوص في كلا الجانبين، ولهذا صرح صاحب البرهان من فقهائنا بإباحة جهره، إلا
أن الإسرار به وإخفاءه يلائم الخشوع ويناسبه أزيد من الجهر، ورفع الصوت به عندنا .
وأيضاً ((آمين)) دعاء، كما قال عطاء، وضابطة الدعاء الإخفاء ما لم يدل دليل على خلافه،
قال تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ [سورة الأعراف، آية: ٥٥] وفي صحيح ابن حبان - كما في
البحر الرائق - : ((خير الدعاء الخفي)) فكل دعاء لم ينص الشارع على تعيين جهره وإظهاره بل
تركه موسعاً للعباد فالإخفاء فيه هو الأصل. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقد روى عبد الرزاق في مصنفه بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي قال: ((خمس يخفيهن
الإمام: سبحانك اللهم وبحمدك، والتعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وآمين، واللهم ربنا لك
الحمد» .
وروى الطحاوي وابن جرير في تهذيب الآثار عن أبي وائل قال: ((عمر وعلي لا يجهران
ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا بالتعوذ، ولا بآمين)) وإسناده ضعيف، ولكن يعضد بعضه ما روى
ابن حزم تعليقاً، فقال: وروينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أن عمر بن الخطاب قال: ((يخفي
الإمام أربعاً: التعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وآمين، وربنا لك الحمد)) ثم قال: وروينا عن
علقمة والأسود كليهما، عن ابن مسعود قال: ((يخفي الإمام ثلاثاً: التعوذ، وبسم الله الرحمن
الرحيم، وآمين)) ثم قال: وقال سفيان الثوري (وهو العمدة في رواية الجهر) وأبو حنيفة: يقولها
الإمام سراً، ذهبوا إلى تقليد عمر بن الخطاب وابن مسعود، ولا حجة في أحد مع رسول الله وَلقر ،
فقد عارض هذه الموقوفات بالمرفوع، ولم يتردد في ثبوت السر عن عمر وابن مسعود أصلاً كما
هو الظاهر.
قال الشيخ الأنور كثّفُ : ((وفي مجمع الزوائد لنور الدين الهيثمي: وظاهره يؤيد الشافعية،
وهو أن اليهود ما حسدوا مثل حسدهم على ثلاثة أشياء: رد السلام، وآمين، وإقامة الصفوف،
وهذا الحديث في واقعة في بيت عائشة من مسند معاذ وهو عن عائشة أيضاً مع اضطراب، وفيه
علي بن عاصم متكلم فيه.
ونقول: إن في السنن الكبرى: ((أن اليهود يحسدون على قول: ربنا لك الحمد، والحال
أنه لا يقول أحد بجهره، فما هو جوابكم هنا فهو جوابنا ثمة. فما دل على الجهر.
وأيضاً نقول: وقع في الخصائص الكبرى للسيوطي بطريق حارث بن أبي أسامة: ((أعطى

٣٤٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
أمتي آمين، ولم يعط من قبلهم إلا موسى عليه السلام حين دعا وآمّن أخوه هارون)) فلعل اليهود
علموا من الجهر في خارج الصلاة مثل تأمين هارون عليه السلام، فلا يثبت به الجهر في داخل
الصلاة .
(قلت: يرد هذا الجواب ما ورد في حديث عائشة، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين، وفي
حديث معاذ وقولهم خلف إمامهم في المكتوبة: آمين، رواه الطبراني في الأوسط وحسّن الهيثمي
إسناده).
وأيضاً نقول: إن جهره عليه السلام كان للتعليم لما في أبي داود(١) حتى يسمع من يليه من
الصف الأول بطريق بشر بن نافع وهو متكلم فيه، وقد ثبت الجهر بالأدعية للتعليم، كما ذكرنا،
ويدل عليه ما في المعجم للطبراني أنه أمّن ثلاث مرات، وكيف لا! وقد صرح وائل بنفسه: ((ما
أراه إلا ليعلمنا)) إلخ أخرجه أبو بشر الدولابي في كتاب الأسماء والكنى بسند يحيى بن سلمة بن
كهيل، وهو مختلف فيه، ووثقه الحاكم في المستدرك، ولكنه متساهل في حق الرواية في
مستدركه، ووثقه ابن حبان، فإنه ذكره في كتاب الثقات، ولكنه ذكره أيضاً في كتاب الضعفاء،
فتحيرت من هذا، وربما يذكر راوياً في الكتابين، فقيل: إنه يسهو عن ذكره في الكتاب الأول،
وإني رأيت في كتاب الضعاف تحت ترجمة إبراهيم بن طهمان أن هذا له دخل في الضعاف
والثقات، فذكرته في الكتابين، فذهب ما انبرى لقلبي)) اهـ.
قوله: (فإنه من وافق) إلخ: المراد الموافقة في القول والزمان.
قال ابن المنير: ((الحكمة في إيثار الموافقة في القول والزمان أن يكون المأموم على يقظة
للإتيان بالوظيفة في محلها، لأن الملائكة لا غفلة عندهم، فمن وافقهم كان متيقظاً».
قوله: (تأمين الملائكة) إلخ: الظاهر أن المراد بهم من يشهد تلك الصلاة من الملائكة
ممن في الأرض أو في السماء، وقيل: جميعهم، وقيل: الحفظة منهم، وقيل: الذين يتعاقبون
منهم إذا قلنا أنهم غير الحفظة.
وروى عبد الرزاق عن عكرمة قال: ((صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء، فإذا
وافق آمين في الأرض: آمين في السماء، غفر للعبد)) اهـ. ومثله لا يقال بالرأي، فالمصير إليه
أولى. كذا في الفتح.
قوله: (ما تقدم من ذنبه) إلخ: ظاهره غفران جميع الذنوب الماضية، وهو محمول عند
العلماء على الصغائر، وقد تقدم البحث في ذلك في أبواب الطهارة. وأما ما زاد بعضهم في
الحديث: ((وما تأخر)) فهي رواية شاذة، قاله الحافظ.
(١) ٢٤٦/١ باب التأمين وراء الإمام، رقم (٩٣٤).

٣٤٣
كتاب: الصلاة
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ لِهِ يَقُولُ ((آمِينَ)).
٩١٥ - (٧٣) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ بَلِهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكِ. وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ.
٩١٦ - (٧٤) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرٌو؛ أَنَّ أَبَا
يُونُسَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلِ قَالَ: ((إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ: آمِينَ.
وَالْمَلائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ. فَوَافَقَ إِحْدَاهُمَا الأَخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ).
٩١٧ - (٧٥) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ. حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ وَالْمَلائِكَةُ فِي
السَّمَاءِ: آمِينَ. فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى. غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَتْبِهِ)).
٩١٨ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّام
بْنِ مُنَيِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِِّ بِمِثْلِهِ.
٩١٩ - (٧٦) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ)، عَنْ
سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((إِذَا قَالَ الْقَارِىءُ: ((غَيْرٍ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالْينَ)). فَقَالَ مَنْ خَلْفَهُ: آمِينَ. فَوَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ. غُفِرَ
لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
(١٩) - باب: ائتمام المأموم بالإمام
٩٢٠ - (٧٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَعَمْرٌو
النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ. جَمِيْعاً عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ
عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ. قَّالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ(١) يَقُولُ: سَقَطَ النَّبِيُّ وَِّ عَنْ فَرَسٍ.
قوله: (قال ابن شهاب) إلخ: هو متصل إليه برواية مالك عنه، كما في الفتح.
(١٩) - باب: ائتمام المأموم بالإمام
٧٧ - (٤١١) - قوله: (سقط النبي ( 18) إلخ: أفاد ابن حبان أن هذه القصة كانت في ذي
الحجة سنة خمس من الهجرة.
(١) قوله: ((أنس بن مالك)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب الصلاة في =

٣٤٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَجُحِشَ شِقُهُ الأَيْمَنُ. فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ. فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ. فَصَلَّى بِنَا قَاعِداً. فَصَلَّيْنَا
وَرَاءَهُ قُعُوداً. فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ قَالَ:
قوله: (فجحش) إلخ: بجيم مضمومة ثم حاء مهملة مكسورة، أي خدش والخدش قشر
الجلد، وفي بعض الروايات: ((انفكت قدمه)) وفي بعض الروايات: ((جحش ساقه أو كتفه)) وهذا
لا ينافي كون قدمه قد انفكت، لاحتمال وقوع الأمرين.
وفي الإكمال: ((الأمراض الحسية)): الأنبياء عليهم السلام فيها كغيرهم، تعظيماً لأجرهم،
ولا يقدح في رتبتهم، بل هو تثبيت لأمرهم، وإنهم بشر إذ لو لم يصبهم ما أصاب البشر مع ما
يظهر على أيديهم من خرق العادة لقيل فيهم ما قالت النصارى في عيسى بن مريم عليه السلام،
ويستثنى من ذلك ما هو نقص کالجنون».
قوله: (شقه الأيمن) إلخ: وفي رواية ابن جريج ((ساقه الأيمن)) وليست مصحفة كما زعم
بعضهم، وإنما هي مفسرة لمحل الخدش من الشق الأيمن، لأن الخدش لم يستوعبه .
قوله: (فحضرت الصلاة) إلخ: الأظهر أنه فرض، لقوله: ((حضرت الصلاة)) أي المعهودة.
قوله: (فصلينا وراءه قعوداً) إلخ: وفي حديث عائشة: ((وصلى وراءه قوم قياماً)) فظاهره
يخالف حديث الباب، والجمع بينهما أنهم ابتدأوا الصلاة قياماً، فأومأ إليهم بأن يقعدوا،
فقعدوا، ففي حديث الباب اختصار، وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس،
- والله أعلم - .
السطوح والمنبر والخشب، رقم (٣٧٨) وفي كتاب الأذان، باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، رقم (٦٨٩)
=
وباب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة، رقم (٧٣٢) و(٧٣٣) وباب يهوى بالتكبير حين يسجد، رقم (٨٠٥)
وفي كتاب تقصير الصلاة، باب صلاة القاعد، رقم (١١١٤).
وأخرجه أيضاً مقتصراً على ذكر الإيلاء دون الصلاة في كتاب الصوم، باب قول النبي ◌َّر: إذا رأيتم الهلال
فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، رقم (١٩١١) وفي كتاب المظالم، باب الغرفة والعلية المشرفة وغير
المشرفة في السطوح وغيرها رقم (٢٤٦٩) وفي كتاب النكاح، باب قول الله تعالى: ﴿الرجال قوامون على
النساء بما فضل الله بعضهم على بعض﴾، رقم (٥٢٠١) وفي كتاب الطلاق، باب قول الله تعالى: ﴿الذين
يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾، رقم (٥٢٨٩) وفي كتاب الأيمان والنذور، باب من حلف أن لا
يدخل على أهله شهراً وكان الشهر تسعاً وعشرين، رقم (٦٦٨٤). وأخرجه النسائي في كتاب الإمامة، باب
الائتمام بالإمام، رقم (٧٩٥) وباب الائتمام بالإمام يصلي قاعداً، رقم (٨٣٣)، وأبو داود في سننه، في
كتاب الصلاة، باب الإمام يصلي من قعود، رقم (٦٠١) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما
جاء إذا صلى الإمام قاعداً فصلوا قعوداً، رقم (٣٦١)، وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة
فيها، باب ما جاء في ((إنما جعل الإمام ليؤتم به))، رقم (١٢٣٨). والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة،
باب فيمن يصلي خلف الإمام، والإمام جالس، رقم (١٢٥٩) وأحمد في مسنده (١١٠/٣).

٣٤٥
كتاب: الصلاة
(إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ. فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا. وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا. وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا. وَإِذَا
قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَّ الْحَمْدُ. وَإِذَا صَلَّى قَاعِداً فَصَلُوا قُعُوداً
أَجْمَعُونَ)) .
فائدة:
ووقع في رواية جابر عند أبي داود أنهم دخلوا يعودونه مرتين، فصلى بهم فيهما، لكن بين
أن الأولى كانت نافلة، وأقرهم على القيام وهو جالس. والثانية كانت فريضة وابتدأوا قياماً،
فأشار إليهم بالجلوس. وفي رواية بشر عن حميد عن أنس عند الإسماعيلي نحوه. كذا في
الفتح.
قوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) إلخ: الائتمام: الاقتداء والإتباع، أي جعل الإمام إماماً
ليقتدى به ويتبع، ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه ولا يساويه ولا يتقدم عليه في موقفه، بل
يراقب أحواله، ويأتي على أثره بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال.
قاله الحافظ تَخَذَتُهُ .
وقال الأبي: ((وهذا الحديث حجة لمالك والجمهور (منهم أبو حنيفة) في ارتباط صلاة
المأموم بصلاة الإمام لا سيما مع زيادة قوله: ((فلا تختلفوا عليه)) وردّ على الشافعي والمحدثين
في قولهم بصحة صلاة المفترض خلف المتنفل، وصلاة الظهر خلف من يصلي العصر،
واحتجوا بحديث الآتي الكلام عليه، وقصروا الاختلاف المنهي عنه على الاختلاف في الأفعال
الظاهرة، وعممه مالك، إذ لا اختلاف أشد من الاختلاف في النيات في صلاة فرضين أو نفل
وفرض)).
قوله: (فإذا كبّر فكبروا) إلخ: جزم ابن بطال ومن تبعه حتى ابن دقيق العيد أن الفاء في
قوله: ((فكبروا)) للتعقيب. قالوا: ومقتضاه الأمر بأن أفعال المأموم تقع عقب فعل الإمام، لكن
تعقب بأن الفاء التي للتعقيب هي العاطفة، وأما التي هنا فهي للربط فقط، لأنه وقعت جواباً
للشرط، فعلى هذا لا تقتضي تأخر أفعال المأموم عن الإمام إلا على القول بتقدم الشرط على
الجزاء.
وقد قال قوم: إن الجزاء يكون مع الشرط، فعلى هذا لا تنتفي المقارنة، كذا في الفتح.
لكن في حديث أبي هريرة عند أبي داود وأحمد: «فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا
ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد)» دليل على
نفي إرادة المقارنة - والله أعلم - .
أقوال الأئمة في أن الإمام إذا صلى قاعداً صلى من خلفه قائماً أو قاعداً
قوله: (فصلوا قعوداً أجمعون) إلخ: قال الشوكاني: ((قد استدل بالأحاديث المذكورة في

٣٤٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الباب: القائلون أن المأموم يتابع الإمام في الصلاة قاعداً وإن لم يكن المأموم معذوراً وممن قال
بذلك: أحمد، وإسحاق، والأوزاعي، وابن المنذر، وداود، وبقية أهل الظاهر. قال ابن حزم:
((وبهذا نأخذ إلا فيمن يصلي إلى جنب الإمام يذكر الناس ويعلمهم تكبير الإمام، فإنه يتخير بين
أن يصلي قاعداً أو بين أن يصلي قائماً))، قال ابن حزم: ((وبمثل قولنا يقول جمهور السلف)). ثم
رواه عن جابر، وأبي هريرة وأسيد بن حضير، قال: ((ولا مخالف لهم يعرف في الصحابة)) ورواه
عن عطاء، وروي عن عبد الرزاق أنه قال: ((ما رأيت الناس إلا على أن الإمام إذا صلى قاعداً
صلى من خلفه قعوداً))، قال: وهي السنة عن غير واحد، وقد حكاه ابن حبان أيضاً عن الصحابة
الثلاثة المذكورين، وعن قيس بن قهد (بفتح القاف وسكون الهاء) أيضاً من الصحابة، وعن أبي
الشعثاء وجابر بن زيد من التابعين، وحكاه أيضاً عن مالك بن أنس، وأبي أيوب سليمان بن داود
الهاشمي، وأبي خيثمة، وابن أبي شيبة، ومحمد بن إسماعيل ومن تبعهم من أصحاب الحديث،
مثل محمد بن نصر، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة.
ثم قال بعد ذلك: وهو عندي ضرب من الإجماع الذي أجمعوا على إجازته، لأن من
أصحاب رسول الله ور أربعة أفتوا به، والإجماع عندنا إجماع الصحابة، ولم يرو عن أحد من
الصحابة خلاف لهؤلاء الأربعة، لا بإسناد متصل، ولا منقطع، فكأن الصحابة أجمعوا على أن
الإمام إذا صلى قاعداً كان على المأمومين أن يصلوا قعوداً، وقد أفتى به من التابعين: جابر بن
زيد، وأبو الشعثاء، ولم يرو عن أحد من التابعين أصلاً خلافه، لا بإسناد صحيح ولا واه، فكأن
التابعين أجمعوا على إجازته .
قال: وأول من أبطل في هذه الأمة صلاة المأموم قاعداً إذا صلى إمامه جالساً: المغيرة
ابن مقسم صاحب النخعي، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان، ثم أخذ عن حماد أبو حنيفة،
وتبعه علیه من بعده من أصحابه))، انتھی كلام ابن حبان.
وحكى الخطابي في المعالم، والقاضي عياض عن أكثر الفقهاء خلاف ذلك، وحكى
النووي عن جمهور السلف خلاف ما حكى ابن حزم عنهم، وحكاه ابن دقيق العيد عن أكثر
الفقهاء المشهورين.
وقال الحازمي كثّفُ في الاعتبار ما لفظه: ((وقال أكثر أهل العلم: يصلون قياماً ولا يتابعون
الإمام في الجلوس، وقد أجاب المخالفون لأحاديث الباب بأجوبة:
أحدها: دعوى النسخ، قاله الشافعي، والحميدي، وغير واحد، وجعلوا الناسخ ما سيأتي
من صلاته بَّر في مرض موته بالناس قاعداً، وهم قائمون خلفه، ولم يأمر بالقعود، وأنكر أحمد
نسخ الأمر بذلك، وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين: إحداهما: إذا ابتدأ الإمام الراتب

٣٤٧
كتاب: الصلاة
الصلاة قاعداً لمرض يرجى برؤه، فحينئذ يصلون خلفه قعوداً. ثانيتهما: إذا ابتدأ الإمام الراتب
قائماً لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قياماً سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعداً أم لا، كما في
الأحاديث التي في مرض موته وَله، فإن تقريره لهم على القيام دل على أنه لا يلزمهم الجلوس
في تلك الحالة، لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة قائماً، وصلوا معه قياماً)).
وقال ابن الهمام كثّفُ: ((وقد علم أنه وَّلتر خرج إلى محل الصلاة قائماً يهادي، ثم جلس،
فالظاهر أنه كبر قبل الجلوس، وصرحوا في صلاة المريض أنه إذا قدر على بعضها قائماً - ولو
التحريمة - وجب القيام فيه، وكان ذلك متحققاً في حقه ويلي، إذ مبدأ حلوله في ذلك المكان
كان قائماً، فالتكبير قائماً مقدورة حينئذ، وإذا كان كذلك فهو رد النص حينئذ اقتداء القائمين
بجالس شرع قائماً)) اهـ.
قال الشوكاني: ((بخلاف الحالة الأولى (أي واقعة السقوط عن الفرس) فإنه وَل و ابتدأ
الصلاة جالساً، فلما صلوا خلفه قياماً أنكر عليهم، ويقوي هذا الجمع أن الأصل عدم النسخ،
لا سيما وهو في هذه الحالة يستلزم النسخ مرتين، لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا
يصلي قاعداً، وقد نسخ إلى القعود في حق من صلى إمامه قاعداً، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك
تقتضي وقوع النسخ مرتین، وهو بعید.
والجواب الثاني من الأجوبة التي أجاب بها المخالفون لأحاديث الباب: دعوى
التخصيص بالنبي 18 في كونه يؤم جالساً، حكى ذلك القاضي عياض، قال: ولا يصح لأحد أن
يؤم جالساً بعده وَ لاغير. قال: وهو مشهور قول مالك وجماعة من أصحابه، قال: وهذا أولى
الأوقاويل، لأنه ويلي﴿ لا يصح التقدم بين يديه في الصلاة، ولا في غيرها، ولا لعذر، ولا لغيره،
وردّ بصلاته وي﴿ خلف عبد الرحمن بن عوف وخلف أبي بكر، وقد استدل على دعوى التخصيص
بحديث الشعبي عن جابر مرفوعاً: ((لا يؤمّن أحد بعدي جالساً)) وأجيب عن ذلك بأن الحديث
من وجه من الوجوه، كما قال العراقي، وهو أيضاً عند الدارقطني من رواية جابر الجعفي عن
الشعبي مرسلاً، وجابر متروك، وروي أيضاً من رواية مجالد عن الشعبي، ومجالد ضعفه
الجمهور، ولما ذكر ابن العربي أن هذا الحديث لا يصح: عقبه بقوله: ((بيد أني سمعت بعض
الأشياخ أن الحال أحد وجوه التخصيص، وحال النبي وَ طير والتبرك به وعدم العوض منه يقتضي
الصلاة خلفه قاعداً، وليس ذلك كله لغيره))، انتهى.
قال ابن دقيق العيد: ((وقد عرف أن الأصل عدم التخصیص حتی یدل عليه دلیل)) انتهى،
على أنه يقدح في التخصيص ما أخرجه أبو داود ((أن أسيد بن حضير كان يؤم قومه، فجاء
رسول الله وَّ﴾ يعوده، فقيل: يا رسول الله، إن إمامنا مريض، فقال: إذا صلى قاعداً فصلوا
قعوداً)) قال أبو داود: وهذا الحديث ليس بمتصل. وما أخرجه عبد الرزاق عن قيس بن قهد

٣٤٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الأنصاري أن إماماً لهم اشتكى على عهد رسول الله وَ لتر، قال: فكان يؤمنا جالساً، ونحن
جلوس، قال العراقي: ((وإسناده صحيح)) اهـ.
وإذا عرفت الأجوبة التي أجاب بها المخالفون لأحاديث الباب فاعلم أن قد أجاب
المتمسكون بها عن الأحاديث المخالفة لها بأجوبة:
منها: قول ابن خزيمة: إن الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يصلي قاعداً لم يختلف
في صحتها، ولا في سياقها، وأما صلاته وَيَّر في مرض موته فاختلف فيها: هل كان إماماً أو
مأموماً؟
ومنها: أن بعضهم جمع بين القضيتين بأن الأمر بالجلوس كان للندب، وتقريره قيامهم
خلفه کان لبيان الجواز.
قال الحافظ: ((وفي مرسل عطاء عند عبد الرزاق بعد قوله: ((وصلى الناس وراءه قياماً)):
(«فقال النبي ◌ّير: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما صليتم إلا قعوداً، فصلوا صلاة إمامكم
ما كان، إن صلى قائماً فصلوا قياماً، وإن صلى قعاداً فصلوا قعوداً).
ومنها: أنه استمر عمل الصحابة على القعود خلف الإمام القاعد في حياته وَ ل﴿ وبعد موته،
كما تقدم عن أسيد بن حضير وقيس بن فهد، روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر («أنه
اشتكى، فحضرت الصلاة، فصلى بهم جالساً، وصلوا معه جلوساً)) وعن أبي هريرة أيضاً ((أنه
أفتى بذلك، وإسناده - كما قال الحافظ - صحيح.
ومنها: ما روي عن ابن شعبان أنه نازع في ثبوت كون الصحابة صلوا خلفه ود ليل قياماً غير
أبي بكر، لأن ذلك لم يرو صريحاً. قال الحافظ كَّفُ : والذي ادعى نفيه قد أثبته الشافعي.
وقال: إنه في رواية إبراهيم عن الأسود عن عائشة. قال الحافظ تَّتُ : ثم وجدته مصرحاً به في
مصنف عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني عطاء ... فذكر الحديث، ولفظه: ((فصلى
النبي وَ رّ قاعداً، وجعل أبا بكر وراءه بينه وبين الناس، وصلى الناس وراءه قياماً)) قال: وهذا
مرسل يعتضد بالرواية التي علقها الشافعي عن النخعي، قال: وهذا الذي يقتضيه النظر، لأنهم
ابتدأوا الصلاة مع أبي بكر قياماً، فمن ادعى أنهم قعدوا بعد ذلك فعليه البيان. كذا في نيل
الأوطار.
وقال الشيخ الأنور كثّفُ في الجمع بين أحاديث الباب وبين قصة مرض الموت: «إنه حكى
عياض عن ابن القاسم أن الصلاة في حديث الباب كانت نفلاً، كما في الفتح وعمدة القاري،
أي نفلاً في حق القوم، وإلا فكانت له وهو ظهراً كما عند الطحاوي، أو أعادوا الظهر نفلاً،
وهذا أقرب، والنفل لا يجب فيه القيام، ومتى كان الإمام قاعداً ويجوز للمقتدي أن يقعد

٣٤٩
كتاب: الصلاة
فالمطلوب المرضي أن لا يترك ما يقتضيه وضع الائتمام أي المشاكلة في الأفعال، كما يظهر من
بعض جزئيات التراويح من قاضي خان، وكأنه ◌َّ # شرع في الصلاة في بيته منفرداً، فجاءوا
واقتدوا، والظاهر أنهم قد أدوا المكتوبة في المسجد حيث ينادى لها، ولم ينقل أن المسجد
النبوي كان قد أهمل، فتنفلوا واتجروا عليه بلا إذن لها حينئذ، والمراد بحديث الباب: ((إذا
صلى جالساً فصلوا جلوساً)) إذا جاز الجلوس، والمسوق له طلب جلوس القوم عند جلوس
الإمام، حيث جاز الجلوس للقوم، وطلب إمام قائم عند ما قاموا، وتفصيل جواز الجلوس
خارج عن الغرض، لأن الغرض: القيام عند القيام، والجلوس: عند الجلوس، وأما متى يجب
القيام؟ ومتى يجوز الجلوس؟ فمن أراد تفصيله فليراجع إلى خارج. كما قال السندي بمثله ذلك
في حديث تنصيف الأجر في حاشية النسائي.
والحاصل أن فيه طلب المشاكلة، ومسألة الائتمام، لا مسألة وجوب القيام وجواز
الجلوس، وبين المسألتين اجتماع وافتراق، ففي الحديث طلب الجلوس عند صحته. وأما متى
يصح ومتى لا فلا)).
واعلم أنه ليس في السياق تعليق الحكم بعذر الإمام أيضاً، وإن كان في هذه الواقعة عذر،
فظاهره أنهم يقعدون إذا صلى قاعداً، ولو بغير عذر وحديث: ((صل قائماً، فإن لم تستطع
فقاعداً)) لا يفصل بين الفريضة والنافلة، فلم يبق في وجوب القيام في الفريضة وجواز القعود في
النافلة إلا الإجماع، وهو في الفتح عن ابن رشيد، وحينئذ يمكن أن يحمل على حالة اتفاقهما
في جواز القعود، ويقيد المأموم بما قيد به الإمام من صورة الالتقاء، في الحكم، وإذا افترقت
حالتهما لم يشمله. فتأمل.
وقال الشيخ ولي الله الدهلوي كَّفُ: ((وقوله {وَلّ: ((إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً))
منسوخ بدليل إمامة النبي ◌ّ﴿ في آخر عمره جالساً، والناس قيام، والسر في هذا النسخ أن
جلوس الإمام وقيام القوم يشبه فعل الأعاجم في إفراط تعظيم ملوكهم، كما صرح به في بعض
روايات الحديث، فلما استقرت الأصول الإسلامية، وظهرت المخالفة مع الأعاجم في كثير من
الشرائع رجح قياس آخر، وهو أن القيام ركن الصلاة، فلا يترك من غير عذر، ولا عذر
للمقتدي» اهـ.
قلت - وبالله التوفيق - : عذر المقتدي الائتمام وترك الاختلاف على إمامه. قال
السندي كلّثُ في حاشية مسلم: ((ثم لا يخفى أنه * جعل القعود عند قعود الإمام من جملة
الاقتداء به، والاقتداء به حكم ثابت غير منسوخ بالاتفاق، فينبغي أن يكون القعود عند قعود
الإمام كذلك)) اهـ. وأما الأمر بالقيام فقد خص منه المتنفل القادر بالإجماع مع فرضية سائر
الأركان في حقه، فليخص أيضاً المؤتم بالقاعد للأحاديث الكثيرة الواردة فيه، وتعامل

٣٥٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٩٢١ - (٧٨) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح. أَخْبَرَنَا
اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ قَالَ: خَرَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ الْ عَّنْ فَرَسٍ،
فَجُحِشَ. فَصَلَّى لَنَا قَاعِدَاً ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.
، مع عدم نقل الخلاف عن أحدهم، وأحاديث الائتمام أقوال كلية، وقصة مرض
الصحابة رضـ
الموت واقعة جزئية تحتمل الخصوصية، وقد وقع فيها أمور لا تحمل إلا على خصوصيته والخير ،
كما قاله الطحاوي، والحال أحد وجوه التخصيص، ومع ذلك لم يرد فيما أعلم حديث متصل
ثابت فيه ذكر قيام الناس غير أبي بكر وراءه بيّهو إلا ما علق الشافعي عن النخعي، وهذا منقطع،
وأما مرسل عطاء: ففي تهذيب التهذيب: قال علي بن المديني: مرسلات مجاهد أحب إلي من
مرسلات عطاء بكثير، كان عطاء يأخذ عن كل ضرب.
وقال الفضل بن زياد عن أحمد: ليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء،
فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد اهـ. ولعله قد اختلط عنده واقعة السقوط بواقعة المرض،
والظاهر من كون قصة المرض بعد واقعة السقوط عن الفرس، وورود أحاديث الائتمام أن
يكونوا قد انتقلوا من القيام خلف أبي بكر إلى القعود خلف النبي ◌َّ لما عرفوا من وضع
الائتمام، لا أنهم بقوا على القيام، فأما قيام أبي بكر فلعله لضرورة التبليغ وإسماع التكبير
واطلاع الناس على أفعاله ور، وهذا كقيامه إلى جنب الإمام وثباته على مكانه ومخالفة موقف
المأموم للضرورة، مع أنه به - في قصة ذهابه ** للإصلاح بين بني عمرو بن عوف - قد تأخر
حتى استوى في الصف بعد أمره في بأن يثبت مكانه، كما في الباب الآتي، فالأقرب إلى
النصوص عندي ما رواه ابن حزم، والأحوط ما قاله محمد بن الحسن ومالك: أن لا يؤم أحد
بعده ول * جالساً، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
ثم بعد مدة راجعت رسالة الإمام الشافعي كثَّثُ ، فإذا فيها: أخبرنا يحيى بن حسان، عن
حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ◌ًا ، مثل حديث مالك، وبين فيه أن
قال: ((صلى النبي وَ﴿ قاعداً وأبو بكر خلفه قائماً، والناس خلف أبي بكر قيام)) اهـ ورجاله كلهم
ثقات، وأخرجه البيهقي في المعرفة (من طريق الأسود عن عائشة) نحوه أيضاً، كما في نصب
الراية .
قال صاحب إعلاء السنن: ((ولعل الحافظ كثُّ لم يطلع عليه، لكونه ساقطاً من بعض نسخ
الرسالة، كما نبه عليه المصحح، ولكنه ثبت في النسخة المطبوعة الموجودة عندنا، وأشار إليه
أيضاً الحازمي في الاعتبار، فذكر سنده كما ذكرنا)) اهـ وهذا بعد ثبوته قاطع للنزاع، ومدحض
للشبهات التي ذكرناها، ولله الحمد.
٧٨ - ( ... ) - قوله: (خرّ رسول الله وَلاير) إلخ: أي: سقط، وكذا قوله في الرواية الآتية:
((صرع عن فرس)) أي سقط عن ظهره.

٣٥١
كتاب: الصلاة
٩٢٢ - (٧٩) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيِى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ صُرِعَ عَنْ قَرَسٍ. فَجُحِشَ شِقُهُ الأَيْمَنُ
بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا. وَزَادَ: ((فَإِذَا صَلَّى قَائِماً، فَصَلُوا قِيَاماً)).
٩٢٣ - (٨٠) حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ رَكِبَ فَرَساً فَصُرِعَ عَنْهُ. فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ بِنَحْوِ
حَدِيثِهِمْ. وَفِيهِ: ((إِذَا صَلَّى قَائِماً، فَصَلُوا قِيَاماً)) .
٩٢٤ - (٨١) حدّثنا عَبْدِ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
أَخْبَرَنِي أَنَسٌ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَ سَقَطَ مِنْ فَرَسِهِ. فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ وَسَاقَ الْحَدِيَثَ. وَلَّيْسَ
فِيهِ زِيَادَةُ يُونُسَ وَمَالِكٍ.
٩٢٥ - (٨٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ(١)؛ قَالَتِ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَضْحَابِهِ
يَعُودُونَهُ. فَصَلَّى رَسُولُ اللّهِ وَهِ جَالِساً. فَصَلَّوْا بِصَلاتِهِ قِيَامَاً، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ: أَنِ اجْلِسُوا.
فَجَلَسُوا. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ. فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا. وَإِذَا رَفَعَ
فَارْفَعُوا. وَإِذَا صَلَّى جَالِساً فَصَلُّوا جُلُوساً».
٩٢٦ - (٨٣) حدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّدٌ (يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ) ح وَحَدَّثَنَا أَبُو
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا
أَبِي. جَمِيعاً عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
٩٢٧ - (٨٤) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ.
٨٢ - (٤١٢) - قوله: (اشتكى رسول الله) إلخ: من الشكاية، وهي المرض، وكان سبب
ذلك ما في حديث أنس المذكور.
(١) قوله: ((عن عائشة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب إنما جعل الإمام ليؤتم
به، رقم (٦٨٨) وفي كتاب تقصير الصلاة، باب صلاة القاعد، رقم (١١١٣) وفي كتاب السهو، باب
الإشارة في الصلاة، رقم (١٢٣٦) وفي كتاب المرضى، باب إذا عاد مريضاً فحضرت الصلاة، فصلى بهم
جماعة، رقم (٥٦٥٨)، وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب الإمام يصلي، من قعود، رقم (٦٠٥)
وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في إنما جعل الإمام ليؤتم به، رقم
(١٢٣٧)، وأحمد في مسنده (٦/ ٥٧ و٥٨).

٣٥٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (١)؛ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ. فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ.
وَهُوَ قَاعِدٌ. وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ. فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا فَرَأْنَا قِيَاماً. فَأَشَارَ إِلَيْنَا فَقَعَدْنَا.
فَصَلَّيْنَا بِصَلاتِهِ قُعُوداً. فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: (إِنْ كِذْتُمْ آنِفاً لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّوم. يَقُومُونَ
عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ. فَلا تَفَعْلُوا. أَتْتَمُوا بِأَئِمَّتِّكُمْ. إِنْ صَلَّى قَائِماً فَصَلُّوا قِيَاماً. وَإِنْ
صَلَّى قَاعِداً فَصَلُوا قُعُوداً».
٩٢٨ - (٨٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الرُّؤَاسِيُّ عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهُ. وَأَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ. فَإِذَا كَبَّرَ
رَسُولُ اللهِ وَ كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ. لِيُسْمِعَنَا. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ.
٨٤ - (٤١٣) - قوله: (وأبو بكر يسمع الناس) إلخ: استدل به ابن حبان على أنهم قعدوا
بعد أن كانوا قياماً في قصة مرض الموت. وقال: ((إن ذلك (أي إسماع الناس التكبير) لم يكن
إلا في مرض موته، لأن صلاته في مرضه الأول كانت في مشربة عائشة، ومعه نفر من أصحابه
لا يحتاجون إلى من يسمعهم التكبير، بخلاف صلاته في مرض موته، فإنها كانت في المسجد
بجمع كثير من الصحابة، فاحتاج أبو بكر أن يسمعهم التكبير)) انتهى.
قال الحافظ: ((ولا راحة له فيما تمسك به، لأن إسماع التكبير في هذا لم يتابع أبا الزبير
عليه أحد، وعلى تقدير أنه حفظه فلا مانع أن يسمعهم أبو بكر التكبير في تلك الحالة، لأنه
يحمل على أن صوته وي ليه كان خفياً من الوجع، وكان من عادته أن يجهر بالتكبير، فكان أبو بكر
يجهر عنه بالتكبير لذلك، ووراء ذلك كله أنه أمر محتمل لا يترك لأجله الخبر الصريح بأنهم
صلوا قياماً كما تقدم في مرسل عطاء وغيره)). كذا في الفتح، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (تفعلون فعل فارس) إلخ: قال النووي كثُّ: ((فيه النهي عن قيام الغلمان، والتباع
على رأس متبوعهم الجالس لغير حاجة، وأما القيام للداخل إذا كان من أهل الفضل والخير
فليس من هذا، بل هو جائز قد جاءت به أحاديث، وأطبق عليه السلف والخلف، وقد جمعت
دلائله وما يرد عليه في جزء، وبالله التوفيق والعصمة)).
قوله: (فلا تفعلوا) إلخ: مرتب على التعليل المذكور، وقيل: أمرهم بالجلوس وقت
جلوس الإمام لئلا يستر بعضهم بعضاً عما يشاهد من فعل الإمام، - والله أعلم - .
(١) قوله: ((عن جابر)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح باب الرخصة في الالتفات في
الصلاة يميناً وشمالاً، رقم (١٢٠١)، وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب الإمام يصلي من قعود،
رقم (٦٠٢) و(٦٠٦)، وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في إنما جعل
الإمام ليؤتم به رقم (١٢٤٠) وأحمد في مسنده (٣٣٤/٣).

٣٥٣
كتاب: الصلاة
٩٢٩ - (٨٦) حدّثنا قُتَيَِّةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ (يَعْنِي الْحِزَامِيَّ) عَنْ أَبِي الزِّنَادِ،
عَنِ الأَعْرَج. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: ((إِنَّمَا الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ. فَلا
تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ. فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا. وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا. وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ،
فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا. وَإِذَا صَلَّى جَالِساً فَصَلُوا جُلُوساً
أَجْمَعُونَ)) .
٩٣٠ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّام
بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ بِمِثْلِهِ.
(٢٠) - باب: النهي عن مبادرة الإمام بالتكبير وغيره
٩٣١ - (٨٧) حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ خَشْرَم. قَالا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ
يُونُسَ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
يُعَلِّمُنَا. يَقُولُ: ((لا تُبَادِرُوا الإِمَامَ. إِذَا كَبِّرَ فَكَبُرُوا. وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلا الضَّالِينَ﴾، فَقُولُوا:
آمِينَ. وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا. وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ)).
٩٣٢ - (٠٠٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ) عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي
صَالِحِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ بِنَخْوِهِ. إِلَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾
فَقُولُواً: ((آمِينَ)) وَزَادَ: ((وَلا تَرْفَعُوا قَبْلَهُ)).
٩٣٣ - (٨٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح
وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ) حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَعْلَى وَهُوَ ابْنُ عَطَاءٍ
سَمِعَ أَبَا عَلْقَمَةَ. سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ. فَإِذَا صَلَّى
(٢٠) - باب: النهي عن مبادرة الإمام بالتكبير وغيره
٨٨ - (٤١٦) - قوله: (إنما الإمام جنة) إلخ: أي ساتر لمن خلفه ومانع من خلل يعرض
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب إقامة الصف من تمام
الصلاة، رقم (٧٢٢) وباب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة، رقم (٧٣٤) والنسائي في سننه، في كتاب
الافتتاح، باب تاويل قوله عزّ وجلّ: ﴿وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ رقم (٩٢٢)
و(٩٢٣) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب الإمام يصلي من قعود، رقم (٦٠٣) و(٦٠٤). وابن
ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في إنما جعل الإمام ليؤتم به، رقم
(١٢٣٩) وأحمد في مسنده (٢٣٠/٢ و٣٤١ و٣٧٦ و٤١١ و٤١٦ و٤٦٧).

٣٥٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَاعِداً فَصَلُوا قُعوداً. وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. فَإِذَا
وَافَقَ قَوْلُ أَهْلِ الأَرْضِ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَتْبِهِ)).
٩٣٤ - (٨٩) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ حَيْوَةَ؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ مَوْلَى
أَبِي هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ بَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ
الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا. وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا. وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ،
فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَّكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا صَلَّى قَائِماً فَصَلُوا قِيَامَاً. وَإِذَا صَلَّى قَاعِداً فَصَلُوا تُعُوداً
أَجْمَعُونَ)) .
(٢١) - باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما من
يصلي بالناس وأن من صلى خلف إمام جالس لعجزه عن القيام لزمه
القيام إذا قدر عليه، ونسخ القعود خلف القاعد في حق من قدر على القيام
٩٣٥ - (٩٠) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زَائِدَةُ. حَدَّثَنَا مُوسَى ابْنُ
أَبِي عَائِشَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ(١) فَقُلْتُ لَهَا: أَلا تُحَدِّثِنِي
لصلاتهم بسهو أو مرور، أي كالجنة، وهي الترس الذي يستر من وراءه، ويمنع وصول مكروه
إليه. كذا في الشرح.
(٢١) - باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما من
يصلي بالناس، وأن من صلى خلف إمام جالس لعجزه عن القيام لزمه القيام
إذا قدر عليه، ونسخ القعود خلف القاعد في حق من قدر على القيام
٩٠ - (٤١٨) - قوله: (ألا تحدثيني) إلخ: هو سؤال عما يعني من طلب العلم.
(١) قوله: ((عائشة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الوضوء، باب الغسل والوضوء في المخضب
والقدح والخشب والحجارة، رقم (١٩٨) وفي كتاب الأذان، باب حد المريض أن يشهد الجماعة، رقم
(٦٦٤) و(٦٦٥) وباب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة، رقم (٦٧٩) وباب من قام إلى جنب الإمام لعلة،
رقم (٦٨٣) وباب إنما جعل الإمام ليؤتم به، رقم (٦٨٧) وباب من أسمع الناس تكبير الإمام، رقم (٧١٢)
وباب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم، رقم (٧١٣) وباب إذا بكى الإمام في الصلاة، رقم (٧١٦)
وفي كتاب الهبة، باب هبة الرجلا لامرأته والمرأة لزوجها، رقم (٢٥٨٨) وفي كتاب فرض الخمس، باب
ما جاء في بيوت أزواج النبي ◌َّته، رقم (٣٠٩٩) وفي كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله الله تعالى: ﴿لقد
كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين﴾، رقم (٣٣٨٤) وفي كتاب المغازي، باب مرض النبي ◌َّ ووفاته،
رقم (٤٤٤٢) و(٤٤٤٥) وفي كتاب الطب، باب (بلا ترجمة بعد باب اللدود) رقم (٥٧١٤) وفي كتاب =
١

٣٥٥
كتاب: الصلاة
عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللّهِ وَ لَ؟ قَالَتْ: بَلَّى. تَقُلَ النَّبِيُّ وَّهِ. فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) قُلْنَا: لا.
وَهُمْ يَنْتَظِرونَكَ. يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((ضَعُوا لِي مَاءٌ فِي الْمِخْضَبٍ)) فَفَعَلْنَا. فَاغْتَسَلَ. ثُمَّ
ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ. ثُمَّ أَفَاقَ فَقَّالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) قُلْنَا: لا. وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ.
يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ((ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ)) فَفَعَلْنَا فَاغْتَسَلَ. ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيّ
عَلَيْهِ. ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) قُلْنَا: لا. وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ:
قوله: (ثقل النبي ◌َّيه) إلخ: بضم القاف على وزن صغر، قاله في الصحاح، أي اشتد
مرضه وتناهى ضعفه، يقال: ثقل في مرضه: إذا ركدت أعضائه عن خفة الحركة.
قوله: (أصلى الناس) إلخ: فيه تأكيد أمر الصلاة، وأنها من أهم ما يسأل عنه، وفيه فضل
المبادرة إلى الصلاة أول الوقت، وإنما لم يبادر الصحابة - كما فعلوا في حديث خروجه إلى بني
عمرو بن عوف، وفي حديث تقديم عبد الرحمن بن عوف في غزاة تبوك - لأنهم هنا رجوا
خروجه عن قرب، وفي ذينك علموا بعده، أو ظنوا أنه قد صلى. وفيه أن الإمام إذا تأخر ورجي
مجيئه عن قرب أنه ينتظر. كذا في الإكمال.
قوله: (في المخضب) إلخ: بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الضاد المعجمة
بعدها موحدة. والمشهور أنه الإناء الذي يغسل فيه الثياب من أي جنس كان، وقد يطلق على
الإناء صغيراً كان أو كبيراً .
قوله: (فاغتسل) إلخ: وفي بعض روايات البخاري: ((هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل
أو كيتهن، لعلي أعهد إلى الناس، وأجلس في مخضب لحفصة زوج النبي ◌َّر، ثم طفقنا نصب
عليه من تلك القرب)) وفي رواية الطبراني في هذا الحديث: ((من آبار شتى)) والظاهر أن ذلك
للتداوي لقوله في رواية أخرى في الصحيح: (لعلي أستريح فأعهد)) أي: أوصي. كذا في الفتح.
وقال الطيبي كثّفُ: ((في الحديث دليل على استحباب الغسل من الإغماء، وإذا تكرر الإغماء
استحب تكرار الغسل، ولو اغتسل مرة لتعدد الإغماء جاز)) اهـ.
قوله: (لينوء) إلخ: أي: يقوم وينهض.
الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من التعمق التنازع والغلو في الدين والبدع، رقم (٧٣٠٣) والنسائي
=
في سننه، في كتاب الإمامة، باب الائتمام بالإمام يصلي قاعداً، رقم (٨٣٤) و(٨٣٥) والترمذي في جامعه،
كتاب الإمامة، باب الائتمام بالإمام يصلي قاعداً، رقم (٨٣٤) و(٨٣٥) والترمذي في جامعه، في كتاب
المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كليهما، رقم (٣٦٧٢) وابن ماجه في سننه، في
كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة رسول الله وَّر في مرضه، رقم (١٢٣٢) و(١٣٣٣)
وفي كتاب الجنائز، باب ما جاء في ذكر مرض رسول الله وَ طير، رقم (١٦١٨) والدارمي في سننه، في
المقدمة، باب في وفاة النبي ◌َّار، رقم (٨٣) وأحمد في مسنده (٢٥١/٦).

٣٥٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
((ضَعُوا لِي مَاءَ فِي الْمِخْضَبِ)) فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَّالَ:
((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) فَقُلْنَا: لاَ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَتْ: وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي
الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ بَهِ لِصَلاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ. قَالَتْ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ إِلَى
أَبِي بَكْرٍ، أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. فَأَتَاهِ الرَّسُولُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ
بِالنَّاسِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ رَجُلاً رَقِيقاً: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ. قَالَ: فَقَّال عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ
قوله: (فأغمي عليه) إلخ: قال الأسنوي في المهمات: ((نقل القاضي حسين أن الإغماء لا
يجوز على الأنبياء إلا ساعة أو ساعتين، فأما الشهر أو الشهرين فلا يجوز، كالجنون، وقد
استعاذ * من البرص والجنون، فيحمل على أنه تعليم للخلق)).
قوله: (ثم أفاق فقال: أصلي) إلخ: فيه إشارة إلى أنه وَ ير بكليته باطنه متوجه إلى أداء
الصلاة مع أمته .
قوله: (والناس عكوف) إلخ: بضم العين، جمع، أي: عاكفون مقيمون.
قوله: (فأتاه الرسول) إلخ: هو بلال ﴿ه ، كما في الفتح.
قوله: (يأمرك أن تصلي بالناس) إلخ: هذا من أدل دليل على فضيلة أبي بكر رَؤُبه على
غيره، وتنبيه على أنه الأحق بالخلافة، لأن الصلاة للخليفة، ولذا قال الصحابة رضي : رضينا
لدنيانا من رضيه و * لديننا، وقال عمر ربه: من كانت تطيب نفسه منكم أن يؤخره عن مقام
أقامه فيه رسول الله وَلقر . كذا في الإكمال.
قوله: (وكان رجلاً رقيقاً) إلخ: فسره في الطريق الثاني بأنه لا يملك دمعه إذا قرأ القرآن.
قوله: (يا عمر صل بالناس) إلخ: قال الحافظ تغلفهُ : ((وقول أبي بكر هذا لم يرد به ما
أرادت عائشة)) .
قال النووي: «تأوله بعضهم على أنه قاله تواضعاً، ولیس کذلك، بل قاله للعذر المذكور،
وهو كونه رقيق القلب كثير البكاء، فخشي أن لا يسمع الناس)) انتهى.
ويحتمل أن يكون ربه فهم من الإمامة الصغرى: الإمامة العظمى، وعلم ما في تحملها
من الخطر، وعلم قوة عمر على ذلك، فاختاره، ويؤيده أنه عند البيعة أشار عليهم أن يبايعوه أو
يبايعوا أبا عبيدة بن الجراح، والظاهر أنه لم يطلع على المراجعة المتقدمة (أي مراجعة عائشة
وحفصة مع النبي ◌َّر) وفهم من الأمر له بذلك تفويض الأمر له في ذلك، سواء باشر بنفسه أو
استخلف .
قال القرطبي كَتَّقُ: ((ويستفاد منه أن للمستخلف في الصلاة أن يستخلف ولا يتوقف على
إذن خاص له بذلك))، كذا في الفتح.

٣٥٧
كتاب: الصلاة
◌ِذَلِكَ. قَالَتْ: فَصَلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ. ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً
فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ. أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ؛ لِصَلاةِ الظُّهْرِ. وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ. فَلَمَّا رَآهُ أَبُو
بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ. فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيِّ وَِّ أَنْ لا يَتَأَخَّرَ. وَقَالَ لَهُمَا: ((أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ))
فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبٍ أَبِي بَكْرٍ. وَكَان أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلاةِ النَّبِيِّ بَّهِ. وَالنَّاسُ
قوله: (أنت أحق) إلخ: فيه شهادة الصحابة رضيه له بالتقديم.
قوله: (تلك الأيام) إلخ: أي: سبع عشرة صلاة، كما نقله الدمياطي، مدة شدة مرضه عليه
السلام.
قوله: (خفة) إلخ: أي: من المرض، وقوة على الخروج إلى الجماعة.
قوله: (فخرج بين رجلين) إلخ: فيه تأكيد أمر الجماعة والأخذ فيها بالأشد، وإن كان
المرض يرخص في تركها، ويحتمل أن يكون فعل ذلك لبيان جواز الأخذ بالأشد، وإن كانت
الرخصة أولى. وقال الطبري: ((إنما فعل ذلك لئلا يعذر أحد من الأئمة بعده نفسه بأدنى عذر
فيتخلف عن الإمامة، ويحتمل أن يكون قصد إفهام الناس أن تقديمه لأبي بكر كان لأهليته
لذلك، حتى إنه صلی خلفه)).
قوله: (لصلاة الظهر) إلخ: هو صريح في أن الصلاة المذكورة كانت الظهر.
قوله: (فلما رآه أبو بكر) إلخ: وفي بعض الروايات: ((فما سمع أبو بكر حسّه)) وفي
بعضها: ((فلما أحس الناس به سبّحوا)).
قوله: (إلى جنب أبي بكر) إلخ: أي يساره. كما في رواية أبي معاوية عن الأعمش في
الصحيحين، وهذا هو مقام الإمام.
قوله: (بصلاة النبي ◌َّظاهر) إلخ: هذا يدل على أن النبي ◌َّ كان هو الإمام في هذه الصلاة،
وفي بعض الروايات ما يدل على أنه وم # كان مأموماً، وهو اختلاف شديد، فمن العلماء، من
سلك الترجيح، ومنهم من سلك الجمع، فحمل القصة على التعدد.
قال الشيخ ابن الهمام ((وما روى الترمذي عن عائشة قالت: ((صلى النبي وَّر في مرضه
الذي توفي فيه خلف أبي بكر قاعداً)) وقال: حسن صحيح. وأخرج النسائي عن أنس: ((آخر
صلاة صلاها رسول الله وَ﴿ مع القوم في ثوب واحد متوشحاً خلف أبي بكر)) فـ أولاً: لا
يعارض ما في الصحيح، وثانياً: قال البيهقي: لا تعارض، فالصلاة التي كان فيها إماماً صلاة
الظهر يوم السبت أو الأحد، والتي كان فيها مأموماً: الصبح من الإثنين، وهي آخر صلاة صلاها
حتى خرج من الدنيا، ولا يخالف هذا ما ثبت عن الزهري عن أنس في صلاتهم يوم الإثنين
وكشف الستر ثم أرخاه (كما سيأتي)، فإنه كان في الركعة الأولى، ثم إنه وجد من نفسه خفة،
فخرج، وأدرك معه الثانية، يدل عليه ما ذكر موسى بن عقبة في المغازي عن الزهري، وذكره أبو

٣٥٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يُصَلُّونَ بِصَلاةٍ أَبِي بَكْرٍ. وَالنَّبِيُّ نَّرِ قَاعِدٌ.
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَهُ: أَلا أَغْرِضُ عَلَيْكَ مَا
حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضٍ رَسُولِ اللَّهِ بَِّ؟ فَقَالَ: هَاتِ. فَعَرَضْتُ حَدِيثَهَا عَلَيْهِ فَمَا أَنْكَرَ
الأسود عن عروة: ((أنه عليه السلام أقلع عنه الوعك - أي الحمى - ليلة الإثنين، فغدا إلى الصبح
يتوكأ على الفضل بن عباس وغلام له، وقد سجد الناس مع أبي بكر، حتى قام إلى جنب أبي
بكر، فاستأخر أبو بكر، فأخذ عليه السلام بثوبه، فقدمه في مصلاه، فصفًا جميعاً
ورسول الله وهو جالس، وأبو بكر يقرأ، فركع معه الركعة الأخرى، ثم جلس أبو بكر حتى قضي
سجوده، فتشهد وسلم، وأتى رسول الله وَّ ر بالركعة الأخرى، ثم انصرف إلى جذع من جذوع
المسجد ... )) فذكر القصة في عهده إلى أسامة بن زيد فيما بعثه إليه، ثم في وفاته عليه السلام
يومئذ أخبرنا به أبو عبد الله الحافظ بسنده إلى ابن لهيعة حدثنا الأسود عن عروة، فذكره،
فالصلاة التي صلاها أبو بكر مأموماً صلاة الظهر، وهي التي خرج فيها بين العباس وعلي، والتي
كان فيها إماماً الصبح، وهي التي خرج فيها بين الفضل بن عباس وغلام له، فقد حصل بذلك
الجمع. كذا في المرقاة.
قلت: وهذا الذي ذكره عن عروة مرسل، والكلام في ابن لهيعة مشهور، وسياق حديث
أنس عند مسلم ينافيه، ففيه: ((قال أنس: آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله وَل كشف الستارة يوم
الإثنين ... )) إلى آخر القصة، وفي بعض طرقه: ((وأرخى نبي الله 18َّ الحجاب فلم يقدر عليه
حتى مات)) وهذا مشعر بعدم خروجه وَّر من البيت بعد إرخاء الحجاب، - والله أعلم -.
قوله: (بصلاة أبي بكر) إلخ: سيأتي في الباب من رواية الأعمش: ((وأبو بكر كان يسمعهم
التكبير)) وهذا يدل على أن أبا بكر كان مبلغاً، فمعنى الاقتداء اقتداؤهم بصوته، ويؤيده أنه وَلا كان
جالساً، وكان أبو بكر قائماً، فكان بعض أفعاله يخفى على بعض المأمومين، فمن ثم كان أبو
بكر كالإمام في حقهم، - والله أعلم - .
قال السيوطي: ((خص ◌ّر بجواز استخلافه في الإمامة كما وقع لأبي بكر حين تأخر،
وقدمه فيما قاله جماعة من العلماء، وادعى ابن عبد البر أنه من خصائصه عليه السلام، وادعى
الإجماع على ذلك، ونوقض بأن الخلاف مشهور عند الشافعية في ذلك، كذا في المرقاة. وفي
الدر المختار: يجوز له أن يستخلف إذا حصر عن قراءة قدر المفروض، لحديث أبي بكر
الصديق ، فإنه لما أحس بالنبي ** حصر عن القراءة، فتأخر، فتقدم النبي وَلو وأتم
الصلاة)) اهـ. فهو كما تراه حمله على الحصر، لكنه مُطالَب بالدليل عليه، ولم يأت به، - والله
أعلم - .
قوله: (هات) إلخ: بكسر التاء مفرد ((هاتوا)) بمعنى: أحضر.

٣٥٩
كتاب: الصلاة
مِنْهُ شَيْئاً. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ؟ قُلْتُ: لا. قَالَ: هُوَ
عليّ
٩٣٦ - (٩١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِع) قَالا: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ؛
أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا اشْتَكَىْ رَسُولُ اللّهِ وَلهَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ. فَاسْتَأَذَنَ أَزْوَاجَهُ
أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِهَا .
قوله: (هو علي ﴿ه) إلخ: في المرقاة: ((قيل: كأنه أنكر على عائشة أنها لم تسم علياً
مع العباس، لما كان عندها شيء من علي، قلت: إنما هجرت اسمه لا أنها أبغضته بقلبها،
وهذا كما قال النبي وَّر لها: ((إني أعرف رضاك وعدم رضاك عني، فقالت: كيف يا رسول الله؟
فقال: تقولين عند الرضا: لا ورب محمد، وعند عدم الرضا: لا ورب إبراهيم، فقال: نعم،
يا رسول الله، لكني ما أهجر إلا اسمك»، اهـ.
قال الحافظ: ((وزاد الإسماعيلي في حديث الباب من رواية عبد الرزاق عن معمر (ولكن
عائشة لا تطيب نفساً له بخير)) ولابن إسحاق في المغازي عن الزهري ((ولكنها لا تقدر على أن
تذكره بخير)) ولم يقف الكرماني على هذه الزيادة، فعبر عنها بعبارة شنيعة، وفي هذا رد على من
تنطع فقال: لا يجوز أن يظن ذلك بعائشة، وردّ على من زعم أنها أبهمت الثاني لكونه لم يتعين
في جميع المسافة، إذ كان تارة يتوكأ على الفضل، وتارة على أسامة، وتارة على عليّ، وفي
جميع ذلك الرجل الآخر هو العباس، واختص بذلك إكراماً له، وهذا توهم ممن قاله، والواقع
خلافه، لأن ابن عباس في جميع الروايات الصحيحة: جازم بأن المبهم علي، فهو المعتمد،
- والله أعلم - ، ودعوى وجود العباس في كل مرة والذي يتبدل غيره مردودة بدليل ما وقع في
رواية عاصم ((فخرج بين بريرة ونوبة)) (بضم النون وبالموحدة ذكره بعضهم في النساء الصحابيات
فوهم، وإنما هو عبد أسود) ويجمع بينها وبين حديث الباب - كما قال النووي - بأنه خرج من
البيت إلى المسجد بين هذين (أي بريرة ونوبة) ومن ثم إلى مقام الصلاة بين العباس وعلي، أو
يحمل على التعدد، ويدل عليه ما في رواية الدارقطني ((أنه خرج بين أسامة بن زيد والفضل بن
عباس)) وأما ما في مسلم ((أنه خرج بين الفضل بن العباس وعلي)) فذاك في حال مجيئه إلى بيت
عائشة)). كذا في الفتح.
٩١ - ( ... ) - قوله: (فاستأذن أزواجه أن يمرض) إلخ: بضم أوله وفتح الميم وتشديد
الراء، أي يخدم في مرضه، وفي رواية يزيد بن بابنوس عن عائشة عند أحمد ((أنه وصل* قال
لنسائه: إني لا أستطيع أن أدور بيوتكن فإن شئتن أذنتن لي)) وفي مرسل أبي جعفر عند ابن أبي
شيبة أنه * قال: ((أين أكون غداً؟)) كررها فعرفت أزواجه أنه إنما يريد عائشة، فقلن:

٣٦٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَأَذِنَّ لَهُ. قَالَتْ فَخَرَجَ وَيَدٌ لَهُ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ. وَيَدٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ. وَهُوَ يَخُظُّ
بِرِجْلَيْهِ فِي الأَرْضِ. فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ. فَقَالَ: أَتَدْرِيّ مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي
لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ هُوَ عَلِيٍّ.
٩٣٧ - (٩٢) حدّثني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ. حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي. قَالَ:
حَذَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ
مَسْعُودٍ؛ أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَّتْ: لَمَّا تَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ. وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ
اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي. فَأَذِنَّ لَهُ فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنٍ. تَخُظُ رِجْلاهُ فِي الأَرْضِ.
بَيْنَ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ.
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللَّهِ بَالَّذِي قَالَتْ عَائِشَةُ. فَقَال لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ:
هَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا. قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ
عَلِيٌّ .
٩٣٨ - (٩٣) حدّثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي.
حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ
مَسْعُودٍ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ نَ﴿ قَالَتْ:" لَقَدْ رَاجَعْتُ رَسُولَ اللّهِ نَّهِ فِي ذَلِكَ. وَمَا
حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةٍ مُرَاجَعَتِهِ إِلا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلاً قَامَ مَقَامَهُ
يا رسول الله، قد وهبنا أيامنا لأختنا عائشة، وفي بعض الروايات: «كان يقول: أين أنا حرصاً
على بيت عائشة، لما كان يومى سكن، وأذن له نساءه أن يمرض في بيتي)) وذكر ابن سعد بإسناد
صحيح عن الزهري أن فاطمة هي التي خاطبت أمهات المؤمنين بذلك، فقال لهن: إنه يشق عليه
الاختلاف)). كذا في الفتح.
قوله: (فأذنَّ له) إلخ: بفتح الهمزة وكسر المعجمة وتشديد النون، أي الأزواج، واستدل به
على أن القسم كان واجباً عليه، ويحتمل أن ي كون فعل ذلك تطبيباً لهن)).
قوله: (فخرج ويد له) إلخ: أي: إلى بيت عائشة رضيلها.
قوله: (وهو يخط برجليه) إلخ: أي: لا يعتمد عليهما، ولا يقدر أن يرفعهما عنها من
الضعف .
قوله: (واشتد به وجعه) إلخ: أي: المرض، والعرب تسمي كل مرض وجعاً.
٩٢ - ( ... ) - قوله: (وما حملني على كثرة مراجعته) إلخ: أي: في باب استخلاف أبي
بكر. قال في الإكمال: ((قد بينت في الآخر ما راجعت به، وما لأجله راجعت، ففيه التورية