Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كتاب: الصلاة
قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ.
قوله: (فإذا قال: إياك نعبد) إلخ: قال الإمام الرازي كثّفُ: ((إن المراد من هذه النون في
(نعبد)) نون الجمع، وهو تنبيه على أن الأولى بالإنسان أن يؤدي الصلاة بالجماعة)) ثم ذكر
وجوهاً في إتيان نون الجمع إلى أن قال: ((كأن العبد يقول: إلهي ما بلغت عبادتي إلى حيث
أستحق أن أذكرها وحدها، لأنها ممزوجة بجهات التقصير، ولكني أخلطها بعبادات جميع
العابدين، وأذكر الكل بعبارة واحدة، وأقول: إياك نعبد.
وههنا مسألة شرعية، وهي: أن الرجل إذا باع من غيره عشرة من العبيد، فالمشتري إما أن
يقبل الكل أو لا يقبل واحداً منها، وليس له أن يقبل البعض دون البعض في تلك الصفقة، فكذا
ههنا إذا قال العبد: إياك نعبد، فقد عرض على حضرة الله جميع عبادات العابدين، فلا يليق
بكرمه أن يميز البعض عن البعض، ويقبل البعض دون البعض، فإما أن يرد الكل، وهو غير
جائز، لأن قوله: ((إياك نعبد)) دخل فيه عبادات الملائكة وعبادات الأنبياء والأولياء، وإما أن
يقبل الكل، وحينئذ تصير عبادة هذا القائل مقبولة ببركة قبول عبادة غيره، والتقدير كأن العبد
يقول: إلهي إن لم تكن عبادتي مقبولة فلا تردني، لأني لست بوحيد في هذه العبادة، بل نحن
كثيرون، فإن لم أستحق الإجابة والقبول فأتشفع إليك بعبادات سائر المتعبدين، فأجبني)) اهـ.
قوله: (هذا بيني وبين عبدي) إلخ: قال الباجي: ((معناه أن بعضها تعظيم الله تعالى،
وبعضها استعانة للعبد على أمر دينه ودنياه)) اهـ. فالذي لله منها: إياك نعبد، والذي للعبد: وإياك
نستعين، اهـ.
قال الشيخ الأكبر كثّفُ: «هذه الآية ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ تتضمن سائلاً ومسؤولاً
مخاطباً، وهو الكاف من ((إياك))، ونون (نعبد))، و (نستعين)) هو العبد، فإنه العابد والمستعين،
فإذا قال العارف: إياك وحّد الحق بحرف الخطاب فجعله مواجهة لا على جهة التحديد، ولكن
امتثالاً لقول الشارع لمثل هذا السائل في معرض التعليم حين قال له: ((اعبد الله كأنك تراه)) ومن
عبد الله كأنه يراه فلا بد أن يواجهه بحرف الخطاب، وهو الكاف أو التاء، وإنما وحّده ولم
يجمعه أيضاً امتثالاً لأمر الله في قوله ((اعبد الله وحده)) فوحده في الخطاب كما وحّد نفسه في
الأمر.
ثم إن العارف ينظر إلى تفصيل عوالمه، وأن الصلاة قد عم حكمها جميع حالاته ظاهراً
وباطناً، لم ينفرد بذلك جزء عن آخر، فإنه يقف بكله ويركع كذلك، ويسجد كذلك، ويجلس
كذلك، فجمع عالمه على عبارة ربه وطلب المعونة منه على عبادته، فجاء بنون الجمع في قوله:
(نعبد)) و ((نستعين)) فعلم من الحق لما قيده بالنون أنه يريد منه أن يعبده بكليته، ويستعين به
بكليته، ومتى لم يكن المصلي بهذه المثابة من جمع عالمه على عبادة ربه كان كاذباً في قراءته،
فإن الله ينظر إليه فيراه ملتفتاً في صلاته، أو مشغولاً بخاطره وقلبه في دكانه وتجارته. وهو مع

٢٨٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَإِذَا قَالَ: أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا
الضَّالِّينَ. قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ)).
قَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثَنِي بِهِ الْعَلَاَءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ. دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ مَرِيضٌ
فِي بَيْتِهِ، فَسَأَلْتُهُ أَنَا عَنْهُ.
٨٧٧ - (٣٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الْعَلاَءِ بْنٍ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ، مَوْلَىْ هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةً
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ.
٨٧٨ - (٤٠) ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج.
أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ يَعْقُوبَ؛ أَنَّ أَبَا السَّائِبِ، مَوْلَى بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بَّنِ
هِشَام بْنٍ زُهْرَةَ، أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((مَنْ صَلَّى صَلاَةً
فَلَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأَمِّ الْقُرْآنِ». بِمِثْلٍ حَدِيثِ سُفْيَانَ. وَفِي حَدِيثِهما: ((قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ
الصَّلاةَ بَنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنٍ. فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي)) .
٨٧٩ - (٤١) حدّثني أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ الْمَعْقِرِيُّ. حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا أَبُو
هذا يقول: ((نعبد)) فيقول الله له: كذبت في كنايتك بجمعيتك على عبادتي، ألم تلتفت ببصرك إلى
غير قبلتك؟ ألم تصغ بسمعك إلى حديث الحاضرين، لتسمع ما يقولون؟ ألم تمش بقلبك وفكرك
في سوقك؟ فأين صدقك في قولك: (نعبد)) فيحضر العارف هذا كله في خاطره، ويستحيي أن
يقول: ((إياك نعبد)) لئلا يقول له: كذبت، فلا بد أن يجتمع من هذه تلاوته على عبادة ربه، حتى
يقول الحق له: صدقت في جمعيتك عليّ في عبادتي، وطلب معونتي)) اهـ.
قوله: (فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم) إلخ: أي: أرشدنا إلى المنهاج الواضح الذي
لا اعوجاج فيه، قال الشيخ الأكبر: ((وهو صراط التوحيدين: توحيد الذات، وتوحيد الإله
بلوازمها من الأحكام المشروعة التي هي حقها في قوله عليه السلام: ((إلا بحقها)).
قوله: (صراط الذين أنعمت عليهم) إلخ: وهم النبيون، والصدّيقون، والشهداء،
والصالحون، وحسن أولئك رفيقاً .
قوله: (هذا لعبدي) إلخ: لأنه سؤال يعود نفعه إلى العبد.
قوله: (ولعبدي ما سأل) إلخ: من الهداية وما بعدها. قال في الإكمال: «هو وعد صدق،
لكن بشرط اجتماع شرائط القبول من الإخلاص وغيره)).
٤١ - ( ... ) - قوله: (حدثنا أحمد بن جعفر المعقري) إلخ: بفتح الميم وإسكان العين
وكسر القاف، منسوب إلى معقر، وهي ناحية من اليمن.

٢٨٣
كتاب: الصلاة
أُوَيْسٍ. أَخْبَرَنِي الْعَلاءُ. قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ أَبِي وَمِنْ أَبِي السَّائِبِ، وَكَانَا جَلِيسَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛
قَالاَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَاهِ: ((مَنْ صَلَّى صَلاةَ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ
فَهِيَ خِدَاجٌ)) يَقُولُهَا ثَلاثاً. بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ.
٨٨٠ - (٤٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً عَنْ حَبِیبِ ابْنِ
الشَّهِيدِ. قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءٌ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((لا صَلاةَ
إِلا بِقِرَاءَةٍ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَا أَعْلَنَ رَسُولُ اللَّهِ بَةِ أَعْلَنَّهُ لَكُمْ. وَمَا أَخْفَاهُ أَخْفَيْنَاهُ لَكُمْ.
٨٨١ - (٤٣) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو) قَالا: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ عَنْ عَطَاءٍ؛ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فِي كُلِّ الصَّلاةِ
يَقْرَأُ. فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَسْمَغْنَاكُمْ. وَمَا أَخْفَى مِنَّا أَخْفَيْنَا مِنْكُمْ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ:
إِنْ لَمْ أَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: إِنْ زِدْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ خَيْرٌ. وَإِنِ انْتَهَيْتَ إِلَيْهَا أَجْزَأَتْ
عَنْكَ .
٤٢ - (٣٩٦) - قوله: (لا صلاة إلا بقراءة) إلخ: قد أنكره الدارقطني على مسلم، وقال:
((إن المحفوظ عن أبي أسامة وقفه، كما رواه أصحاب ابن جريج عنه عن عطاء، وكذا رواه
أحمد عن يحيى القطان وأبي عبيدة الحداد، كلاهما عن حبيب الشهيد موقوفاً. نعم! قوله: ((فما
أعلن رسول الله ﴿ أعلناه لكم ... )) إلى آخره يشعر بأن جميع ما ذكر متلقى عن النبي وَّر ،
فيكون للجميع حكم الرفع)). كذا في الفتح.
قال الشوكاني: ((وهذا الإشعار في غاية الخفاء باعتبار جميع الحديث)).
قوله: (فما أعلن رسول الله) إلخ: معناه ما جهر فيه بالقراءة جهرنا به، وما أسّر أسررنا
به .
٤٣ - ( ... ) - قوله: (أجزأت عنك) إلخ: أي: كفت.
قال الحافظ: ((فيه استحباب السورة أو الآيات مع الفاتحة، وهو قول الجمهور في الصبح
والجمعة، والأوليين من غيرهما، وصح إيجاب ذلك عن بعض الصحابة - وهو عثمان بن أبي
العاص - ومن بعدهم فيما رواه ابن المنذر وغيره، وهو مختار الحنفية مع رعاية الفرق بين
الوجوب والفرضية، كما تقدم بيانه، وبيان أدلته في مفتح هذا الباب، وقال به بعض المالكية،
وحكاه القاضي الفراء الحنبلي في شرح الصغير رواية عن أحمد.
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأذان، باب القراءة في الفجر، رقم
(٧٧٢) والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب قراءة النهار، رقم (٩٧١) وأبو داود في سننه، في كتاب
الصلاة، باب ما جاء في القراءة في الظهر، رقم (٧٩٧).

٢٨٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٨٨٢ - (٤٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَىُ. أَخْبَرَنَا يَزِيدُ (يَعْنِي ابْنَ زُرَيْع) عَنْ حَبِيبٍ
الْمُعَلِّم، عَنْ عَطَاءٍ؛ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فِي كُلِّ صَلاةٍ قِرَاءَةٌ. فَمَا أَسْمَعُّنَا النَّبِيُّ ◌َهُ
أَسْمَعْنَاَكُمْ. وَمَا أَخْفَى مِنَّا أَخْفَيْنَاهُ مِنْكُمْ. وَمَنْ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ فَقَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ. وَمَنْ زَادَ
فَهُوَ أَفْضَلُ.
٨٨٣ - (٤٥) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. قَالَ:
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِّ دَخَلَ
وفي البخاري عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: ((كان النبي وَلّ يقرأ في الركعتين من
الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة، ويسمعنا الآية أحياناً)) فهذا الحديث الفعلي الذي
ظاهره المواظبة مع الأحاديث القولية التي ذكرناها في مبدأ الباب: دليل على وجوب ما زاد على
الفاتحة، وهو السورة. وجملة ((إن زدت عليها فهو خير)) إلى آخره في حديث الباب ليس مرفوعاً،
ولا في حكم الرفع، بل هو فتوى أبي هريرة موقوف، نعم! حديث ابن عباس عند ابن خزيمة ((أن
النبيّ وَّ قام فصلى ركعتين لم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب)) يدل على عدم فرضية ضم السورة
وصحة الصلاة بدونه، وهو لا يقاوم الأحاديث القوية الصحيحة الكثيرة الدالة على وجوب ما زاد
على الفاتحة، ولعله محمول على عذر مجوز للاكتفاء على الفاتحة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
٤٥ - (٣٩٧) - قوله: (سعيد بن أبي سعيد عن أبيه) إلخ: قال الدارقطني: ((خالف يحيى
القطان أصحاب عبيد الله كلهم في هذا الإسناد، فإنهم لم يقولوا: ((عن أبيه)) ويحيى حافظ،
قال: فيشبه أن يكون عبيد الله حدث به على الوجهين)).
وقال البزار: (لم يتابع يحيى عليه)) ورجح الترمذي رواية يحيى.
قال الحافظ: ((لكل من الروايتين وجه مرجح: أما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ، وأما
الرواية الأخرى فللكثرة، ولأن سعيداً لم يوصف بالتدليس، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة،
ومن ثم أخرج الشيخان الطريقين)) اهـ.
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام
والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر وما يجهر فيها وما يخافت، رقم (٧٥٧) وباب أمر النبي وَلقه
الذي لا يتمّ ركوعه بالإعادة، رقم (٧٩٣) وفي كتاب الاستئذان، باب من ردّ فقال: عليك السلام. رقم
(٢٦٥١) و(٦٢٥٢) وفي كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسياً في الأيمان، رقم (٦٦٦٧) والنسائي
في سننه، في كتاب الافتتاح، باب فرض التكبيرة الأولى رقم (٨٨٥) وأبو داود في سننه، في كتاب
الصلاة، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، رقم (٨٥٦) والترمذي في جامعه، في كتاب
الصلاة، باب ما جاء في وصف الصلاة، رقم (٣٠٣) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة
فيها، باب إتمام الصلاة، رقم (١٠٦٠) وأحمد في مسنده (٤٣٧/٢).

٢٨٥
كتاب: الصلاة
الْمَسْجِدَ. فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى. ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولَ اللَّهِ وَِّهِ. فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
السَّلامَ. قَالَ: ((ارْجِعْ فَصَلٌ. فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)) فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى. ثُمَّ جَاءَ
إِلَى النَّبِّ ◌َِّ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((وَعَلَيْكَ السَّلامُ)) ثُمَّ قَالَ: ((ارْجِعْ فَصَلُ.
فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلُّ)) حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أُحْسِنُ
وللحديث طريق أخرى من غير رواية أبي هريرة أخرجها أبو داود والنسائي عن رفاعة بن
رافع، وهو أخو خلاد بن رافع المسيء في صلاته، وهما بدريان رضيًّا . كذا في المرقاة.
قوله: (فدخل رجل) إلخ: هو خلاد بن رافع بيّه ابن أبي شيبة، وأما ما وقع عند الترمذي:
((إذ جاء رجل كالبدوي، فصلى فأخفّ صلاته))، فهذا لا يمنع تفسيره بخلاد، لأن رفاعة شبهه
بالبدوي لكونه أخف الصلاة أو لغير ذلك.
قوله: (فصلى) إلخ: زاد النسائي من رواية داود بن قيس: ((ركعتين)) وفيه إشعار بأنه صلى
نفلاً، والأقرب أنها تحية المسجد، وفي الرواية المذكورة: ((وقد كان النبي ◌َّل يرمقه في صلاته)»
زاد في رواية إسحاق بن أبي طلحة: ((ولا ندري ما يعيب منها)).
قوله: (ارجع فصل) إلخ: وفي رواية ابن عجلان: ((أعد صلاتك)) أي على الوجه الذي
أمرت بإقامتها عليه. قال ابن الهمام: ((بترك الفرض تفرض الإعادة، وبترك الواجب تجب،
وبترك السنة تستحب)).
قوله: (لم تصل) إلخ: أي: ما أقمت الصلاة على الوجه المطلوب منك.
قوله: (وعليك السلام) إلخ: فيه تكرار السلام ورده وإن لم يخرج من الموضع، إذا وقعت
صورة انفصال.
قوله: (حتى فعل ذلك ثلاث مرات) إلخ: وقد استشكل تقرير النبي ومقو له على صلاته
- وهي فاسدة - على القول بأنه أخل ببعض الواجبات. وأجاب المازري بأنه أراد استدراجه بفعل
ما يجهله مرات، لاحتمال أن يكون فعله ناسياً أو غافلاً، فيتذكره فيفعله من غير تعليم، وليس
من باب التقرير على الخطأ، بل من باب تحقق الخطأ.
وقال النووي نحوه، قال: ((وإنما لم يعلمه أولاً ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره بصفة
الصلاة المجزئة)) .
وقال ابن الجوزي كثّفُ : ((يحتمل أن يكون ترديده لتفخيم الأمر وتعظيمه عليه، ورأى أن
الوقت لم يفته، فرأى إيقاظ الفطنة للمتروك)).
وقال ابن دقيق العيد: ((ليس التقرير بدليل على الجواز مطلقاً، بل لا بد من انتفاء الموانع،
ولا شك أن في زيادة قبول المتعلم لما يلقى إليه بعد تكرار فعله واستجماع نفسه وتوجه سؤاله :

٢٨٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
غَيْرَ هَذَا. عَلْمْنِي. قَالَ: ((إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَكَبُرْ. ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ
مصلحة مانعة من وجوب المبادرة إلى التعليم، لا سيما مع عدم خوف الفوات: إما بناء على
ظاهر الحال، أو بوحي خاص)).
وقال التوربشتي: ((إنما سكت عن تعليمه أولاً لأنه لما رجع لم يستكشف الحال من مورد
الوحي، وكأنه اغتر بما عنده من العلم، فسكت عن تعليمه زجراً له وتأديباً وإرشاداً إلى
استكشاف ما استبهم عليه، فلما طلب كشف الحال من مورده أرشد إليه)) انتهى.
لكن فيه مناقشة، لأنه إن تم له في الصلاة الثانية والثالثة لم يتم له في الأولى، لأنه والتر بدأه
لما جاء أول مرة بقوله: ((ارجع فصلٌ، فإنك لم تصلّ)) فالسؤال وارد على تقريره له على الصلاة
الأولى: كيف لم ينكر عليه في أثنائها؟ لكن الجواب يصلح بياناً للحكمة في تأخير البيان بعد
ذلك، - والله أعلم - ، كذا في الفتح.
قلت: وقد صرح بعض الحنفية بوجوب سجدتي السهو على من ترك الطمأنينة سهواً، فلهم
أن يقولوا: إن ترك الرجل الطمأنينة في أول مرة كان يحتمل السهو، فلعله لم ينكر عليه وَلاو لهذا
الاحتمال، ولما عسى أن يجبره بسجدة السهو في آخر الصلاة، فلما لم يجبر أمره بالإعادة. والله
سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (علمني) إلخ: وفي بعض الروايات: ((فقال الرجل: فأرني وعلمني، فإنما أنا بشر
أصيب وأخطىء، فقال: أجل)).
قوله: (إذا قمت إلى الصلاة) إلخ: وفي رواية ابن نمير الآتية: ((إذا قمت إلى الصلاة،
فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة، فكبر)) وفي بعض الروايات: ((فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد،
وأقم)) والمراد بالتشهد فيه قول الشهادتين عقيب الوضوء لا التشهد في الصلاة، كذا قال ابن
رسلان، وهو الظاهر من السياق. كذا في نيل الأوطار.
وفي بعض الروايات عند النسائي: ((إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما
أمره الله، فيغسل وجهه، ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه، ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله
ویحمده ویمجده)). وعند أبي داود: ((ويثني عليه)) بدل ((يمجده)).
قوله: (فكبر) إلخ: قال القاري: ((التكبير معناه التعظيم، فيجوز بلفظ ((الله أكبر)) وبكل ما
﴾﴾ [سورة الأعلى، آية: ١٥] وحديث:
دل على تعظيمه تعالى لقوله تعالى: ﴿وَذَّكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّ
((تحريمها التكبير)) وقوله ويّل في أوائل صلاته: ((الله أكبر)) مع المواظبة عليه يدل على كونه واجباً
لا على كونه ركناً، خلافاً للشافعي ومن تبعه)). كذا في المرقاة.
قوله: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) إلخ: قا الحافظ: ((لم تختلف الروايات في هذا
عن أبي هريرة، وأما رفاعة ففي رواية إسحاق: ((ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله تعالى))

٢٨٧
كتاب: الصلاة
ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِماً، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثُمَّ ارْفَعْ
حَتَّی تَطْمَئِنَّ جَالِساً.
وفي رواية يحيى بن علي: ((فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله)) وفي رواية
محمد بن عمرو عند أبي داود: ((ثم اقرأ بأم القرآن أو بما شاء الله)) ولأحمد وابن حبان من هذا
الوجه: ((ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت)) اهـ.
قوله: (حتى تطمئن راكعاً) إلخ: وفي بعض الروايات عند أحمد: ((فإذا ركعت فاجعل
راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، وتمكن لركوعك)) وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة: ((ثم
يكبر فيركع حتى تطمئن مفاصله ويسترخي)).
قوله: (حتى تعتدل قائماً) إلخ: وفي رواية ابن نمير عند ابن ماجه: ((حتى تطمئن قائماً))
أخرجه علي بن أبي شيبة عنه، وقد أخرج مسلم إسناده بعينه في هذا الحديث، لكن لم يسق لفظه
فهو على شرطه، وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن أبي أسامة وهو في مستخرج أبي
نعيم من طريقه، وكذا أخرجه السراج عن يوسف بن موسى أحد شيوخ البخاري عن أبي أسامة،
فثبت ذكر الطمأنينة في الاعتدال على شرط الشيخين، ومثله في حديث رفاعة عند أحمد وابن
حبان، وفي لفظ لأحمد ((فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها)).
قوله: (ثم اسجد) إلخ: وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة: ((ثم يكبر فيسجد حتى يمكن
وجهه أو جبهته حتى تطمئن مفاصله وتسترخي)).
قوله: (ثم ارفع) إلخ: في رواية إسحاق: ((ثم يكبر فيرفع حتى يستوي قاعداً على مقعدته،
ويقيم صلبه))، وفي رواية محمد بن عمرو: ((فإذا رفعت رأسك فاجلس على فخذك اليسرى)) وفي
رواية إسحاق: ((فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن جالساً، ثم افترش فخذك اليسرى، ثم
تشهد» .
مسألة: تعديل الأركان والطمأنينة فيها وتحقيق ما هو الحق في ذلك
قوله: (حتى تطمئن جالساً) إلخ: قال في البحر: ((ومقتضى الدليل وجوب الطمأنينة في
الأربعة: أي في الركوع، والسجود، وفي القومة، والجلسة، ووجوب نفس الرفع من الركوع
والجلوس بين السجدتين للمواظبة على ذلك كله، وللأمر في حديث المسيء صلاته، ولما ذكره
قاضيخان من لزوم سجود السهو بترك الرفع من الركوع ساهياً، وكذا في المحيط، فيكون حكم
الجلسة بين السجدتين كذلك، لأن الكلام فيهما واحداً، والقول بوجوب الكل هو مختار المحقق
ابن الهمام وتلميذه ابن أمير الحاج، حتى قال: ((إنه الصواب)) - والله أعلم - الموفق
للصواب)) اهـ.
وقال في شرح المنية: ((ولا ينبغي أن يعدل عن الدراية - أي الدليل - إذا وافقها رواية على

٢٨٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
..
ما تقدم عن فتاوى قاضي خان، ومثله ما ذكر في القنية من قوله: وقد شدد القاضي الصدر في
شرحه في تعديل الأركان جميعها تشديداً بليغاً، فقال: وإكمال كل ركن واجب عند أبي حنيفة
ومحمد، وعند أبي يوسف والشافعي فريضة، فيمكث في الركوع والسجود وفي القومة بينهما
حتى يطمئن كل عضو منه، هذا هو الواجب عند أبي حنيفة ومحمد، حتى لو تركها أو شيئاً منها
ساهياً يلزمه السهو، ولو عمداً يكره أشد الكراهة، ويلزمه أن يعيد الصلاة، وتكون معتبرة في حق
سقوط الترتيب ونحوه، كمن طاف جنباً تلزمه الإعادة، والمعتبر هو الأول كذا هذا)) اهـ.
والحاصل أن الأصح رواية ودراية وجوب تعديل الأركان، وأما القومة والجلسة وتعديلهما
فالمشهور في المذهب: السنية، وروي وجوبها، وهو الموافق للأدلة، وعليه الكمال ومن بعده
من المتأخرين، وقد علمت قول تلميذه: ((إنه الصواب)).
وقال أبو يوسف كَُّ بفرضية الكل، واختاره في المجمع، والعيني، ورواه الطحاوي
(الذي هو العمدة في بيان اختلاف العلماء في الفقه كما في عمدة القاري وأنشد العيني هنا :
إذا قالت حذام فصدقوها
فإن القول ما قالت حذام)
عن أئمتنا الثلاثة، وقال في الفيض: ((إنه الأحوط)) اهـ. وهو مذهب مالك والشافعي
وأحمد وللعلامة البركلي رسالة سماها: ((معدل الصلاة)) أوضح المسألة فيها غاية الإيضاح،
وبسط فيها أدلة الوجوب، وذكر ما يترتب على ترك ذلك من الآفات، وأوصلها إلى ثلاثين آفة،
ومن المكروهات الحاصلة في صلاة يوم وليلة، وأوصلها إلى أكثر من ثلاث مائة وخمسين
مكروهاً، فينبغي مراجعتها ومطالعتها، كذا في رد المحتار.
والذي يظهر لهذا العبد الضعيف - والله أعلم - أن أدنى ما يطلق عليه تعديل الأركان
والطمأنينة فيها فرض لازم، كما قال أبو يوسف والشافعي وغيرهما، فإن الله سبحانه وتعالى ما
أمرنا بمحض أداء الصلاة بل أمرنا بإقامتها في مواضع من كتابه، أي بأدائها بحفظ أوقاتا
وحدودها ورعاية حقوقها وشروطها وتعديل أركانها، فمن صلى ولم يعدّل أركانها ولم يطمئن
فيها فليس هو عندي ممن أقام الصلاة، وقد أشار سبحانه وتعالى في بيان صلاة الخوف من كتابه
إلى أن إقامة الصلاة إنما تتحقق وقت وجود الطمأنينة، فإن القوم لما وقع منهم الإياب
والذهاب، وأبيحت لهم الأفعال التي نهوا عنها في الصلاة، وفقدوا الأمن والطمأنينة: فصلاتهم
في هذه الحالة وإن اعتد بها الشرع ضرورة إلا أن القرآن لم يطلق عليها لفظ الإقامة في حقهم،
بل قال: ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةُ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُعَلُواْ مَعَكَ﴾ [سورة النساء، آية: ١٠٢] ولهذا أمرهم
بالذكر عقيب صلاة الخوف في كل الأحوال، تلافياً لما فاتهم من تحسين الصلاة والطمأنينة
فيها: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْحَيِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد، آية: ٢٨] ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَطْمَأْنَهُمْ﴾ أي
حصلت لكم الطمأنينة وزال القلق والانزعاج [سورة النساء، آية: ١٠٣] أي أتموها وأدوا حقوقها

٢٨٩
كتاب: الصلاة
٠٠
وعدّلوا أركانها، كما يفهم من مراجعة روح المعاني وابن كثير وغيرهما، فدل على أن إقامة
الصلاة لا تتحصل إلا وقت وجود الطمأنينة، ومعلوم أن الطمأنينة المرادة ههنا هي التي تحصل
من أحوال وأسباب خارجة، فما ظنك بالطمأنينة المطلوبة في نفس أركان الصلاة وأدائها؟!
قال الشيخ ولي الله الدهلوي تثاثه: ((إن أصل الصلاة ثلاثة أشياء: أن يخضع الله تعالى
بقلبه، ويذكر الله بلسانه، ويعظمه غاية التعظيم بجسده، ولما لم يكن الركوع ولا السجود تعظيماً
إلا بأن يلبث على تلك الهيئة زماناً، ويخضع لرب العالمين، ويستشعر التعظيم قلبه في تلك
الحالة: جعل ذلك ركناً لازماً، ولما كانت القومة والسجدة بدون الطمأنينة طيشاً ولعباً منافياً
للطاعة أمرنا بالطمأنينة فيهما)) اهـ.
فقوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا واعبدوا﴾ لا يخفى أن المراد بهما الانحناء ووضع
الجبهة على الأرض على وجه العبادة وغاية التعظيم، وهذا لا يحصل إلا بشيء من الطمأنينة
والاعتدال، وإلا فيشبه نوعاً من الاستهزاء والاستخفاف.
وفي السنن عن النبي وَّلإر قال: ((لا يقبل الله صلاة رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود))
يعني: يقيم صلبه إذا رفع من الركوع، وإذا رفع من السجود.
وفي الصحيح ((أن حذيفة بن اليمان ظبه رأى رجلاً لا يقيم صلبه في الركوع والسجود،
فقال: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ كذا وكذا، فقال: إما إنك لو متّ لمت على غير
الفطرة التي فطر الله عليها محمداً وَ لير)). وقد روى هذا المعنى ابن خزيمة في صحيحه مرفوعاً
إلى النبي وَّيه، وأنه قال لمن نقر في الصلاة: ((أما إنك لو مت على ذا مت على غير الفطرة التي
فطر الله عليها محمداً وَلاغير)) أو نحو هذا. وقال: ((مثل الذي يصلي ولا يتم ركوعه وسجوده: مثل
الذي يأكل لقمة أو لقمتين فما تغنى عنه)).
وفي صحيح مسلم عن النبي بَّ أنه قال: ((تلك صلاة المنافق: يرقب أحدهم الشمس حتى
إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعاً لا يدكر الله فيها إلا قليلاً)).
وعن أبي قتادة قال: قال رسول الله وَ لقوله: ((أشر الناس سرقة الذي يسرق من صلاته،
فقالوا: يا رسول الله، فكيف يسرق في صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها - أو قال: ولا
يقيم صلبه في الركوع والسجود - )) رواه أحمد.
وأما حديث الباب فليس ظني بالصحابي البدري (أي خلاد بن رافع ظته أنه قد فاته من
الطمأنينة قدر الفرض أو الواجب، بحيث لم يتنبه له أيضاً بعد تنبيه النبي ◌ّر ثلاث مرات،
والصحابة ه أيضاً لم يشعروا بمحل تقصيره كما مرّ من قولهم: ((لا ندري ما يعيب منها)) من
رواية إسحاق بن أبي طلحة بل استثقلوا نكيره وي طير بعد وقوفهم على تقصيره، کما ورد في حديث

٢٩٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلُّهَا)).
رفاعة عند الترمذي بإسناد حسن: ((فعاف الناس وكبر عليهم أن يكون من أخفّ صلاته لم يصل))
فيعلم بالضرورة أنه كان تاركاً لبعض مراتب السنة، وفاقداً لمزيد الطمأنينة المعتدة بها، فنفى
رسول الله وَّر عنه الصلاة بنفي كمالها، ووصف له كيفية إقامة الصلاة مشيراً إلى نعت الكمال
الذي كان قد فاته، حتى بدأ في تعليمه بالأمر بإسباغ الوضوء والتشهد عقيبه، ولم يأمر بالإعادة،
ولو لم يكن على طهر لقال: ((ارجع فتوضأ)).
قال الشوكاني: ((وقد يحتج لتوجه النفي إلى الكمال بما وقع في بعض روايات الحديث
عند أبي داود والترمذي من حديث رفاعة بلفظ: ((فإن انتقصت منه شيئاً انتقصت من صلاتك
وكان أهون عليهم من الأول أنه من انتقص من ذلك شيئاً انتقص من صلاته ولم تذهب كلها)).
فهذا يدل على أن نفي الصلاة بمعنى نفي الكمال، إذ لو كان بمعنى نفي الصحة لم يكن فرق بين
أعرف بمقاصد الشرع)).
المقالتين، ولما كانت هذه أهون عليهم والصحابة
قال شيخنا المحمود قدس الله روحه: ((إن الشافعي ومن وافقه قد فهم من قول النبي ◌َير:
((صل فإنك لم تصل)) ما فهمه الصحابة قبل بيان النبي وَّر من نفي الصحة، وأبو حنيفة كَُّ فهم
منه ما فهموا بعد بيانه ◌َّله من نفي الكمال والتمام، فوازن بينهما واختر أيهما شئت.
قلت: ومما ذكرنا من حمل الحديث على بيان كيفية إقامة الصلاة وبعض مراتب إتمامها
- كما يشهد به آخر الحديث في رواية الترمذي وغيره - يظهر لك أن الحديث ليس مقصوراً على
بيان الواجبات التي تنتفي الصلاة رأساً بانتفائها، بل مشتمل على بعض المكمّلات والمتممات
أيضاً، ولهذا لا يصح عندي الاستدلال على وجوب شيء من الأشياء بمجرد ذكره في هذا
الحديث، كما تكرر ذلك من الفقهاء. نعم! عدم ذكر شيء من الأشياء في هذا الحديث قرينة
قوية على عدم وجوبه، لكون الموضع موضع بيان وتعليم للجاهل، إلا أن يثبت بدليل آخر أقوى
أو أصرح منه: وجوبه، وإنما قلت: ((قرينة)) ولم أقل: ((دليل)) لأنه يحتمل أن يكون عدم الذكر
فيه بسبب آخر مثل كون وجوبه معلوماً عند المخاطب من قبل، كما قال النووي في النية والقعود
الأخير المتفق على وجوبهما، أو غير ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
قوله: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) إلخ: وفي رواية محمد بن عمرو: ((ثم اصنع ذلك
في كل ركعة وسجدة)) كذا في الفتح. والركعة فيها بمعنى الركوع، أو في كل ركوع وسجود،
فهذه الرواية تشعر بأن المشار إليه بذلك في قوله وهي: ((ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)) هي
الطمأنينة والاعتدال لا سائر ما بينه النبي ﴿ في الحديث، وكان الرجل إنما قصر في إتمام
الركوع والسجود كما وقع في حديث رفاعة عند ابن أبي شيبة: ((فصلى صلاة خفيفة لم يتم
ركوعها ولا سجودها)) فوجب التنبيه على محل تقصيره - والله تعالى أعلم - .

٢٩١
كتاب: الصلاة
٨٨٤ _ (٤٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح
وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ سَعِيدٍ بْنٍ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى. وَرَسُولُ اللَّهِ نَّهِ فِي نَاحِيَةٍ. وَسَاقَا الْحَدِيثَ بِمِثْلٍ
هَذِهِ الْقِصَّةِ. وَزَادَا فِيهِ: ((إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَأَسبغِ الْوُضُوءَ. ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِرْ)).
(١٢) باب: نهي المأموم عن جهره بالقراءة خلف إمامه
٨٨٥ _ (٤٧) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. كِلاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ. قَالَ
سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنٍ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ(١)؛ قَالَ:
صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ صَلاةَ الظُّهْرِ (أَوِ الْعَصْرِ) فَقَالَ: أَيُّكُمْ قَرَأَ خَلْفِي بِسَبِّحَ اسْمَ رَبِّكَ
الأَعْلَى؟)) فَقَالَ رَجُلٌ : أَنَا. وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّ الْخَيْرَ. قَالَ: ((قَدْ عَلِمْتُ أَنْ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا)).
٨٨٦ _ (٤٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى يُحَدِّثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ
حُصَيْنٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ صَلَّى الظُّهْرَ. فَجَعَلَ رَجُلٌ يَقْرَأُ خَلْفَهُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى.
فَلَمَّا أَنْصَرَفَ قَالَ: ((أَيُّكُمْ قَرَأَ) أَوْ (أَيُّكُمُ الْقَارِىءُ)) فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَّا. فَقَالَ: ((قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ
بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا)).
(١٢) - باب: نهي المأموم عن جهره بالقراءة خلف إمامه
٤٧ - (٣٩٨) - قوله: (صلاة الظهر - أو العصر -) إلخ: وفي الروايتين الأخيرتين: أنه كان
في صلاة الظهر، بلا شك.
قوله: (أن بعضكم خالجنيها) إلخ: أي نازعنيها. قال النووي: ((ومعنى هذا الكلام:
الإنكار عليه، والإنكار في جهره أو رفع صوته، بحيث أسمع غيره، لا عن أصل القراءة)) اهـ.
وقد تقدم منا ما يتعلق بهذا في أوائل الباب الذي قبله فراجعه.
٤٨ - ( ... ) - قوله: (عن قتادة سمعت زرارة) إلخ: فيه فائدة، وهي أن قتادة كتّثُ مدلس،
وقد قال في الرواية الأولى: ((عن)) والمدلس لا يحتج بعنعنته إلا أن يثبت سماعه لذلك الحديث
ممن عنعن عنه في طريق آخر.
(١) قوله: ((عن عمران بن حصين)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب ترك القراءة خلف
الإمام فيما لم يجهر فيه، رقم (٩١٨) و(٩١٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب من رأى القراءة
إذا لم يجهر، رقم (٨٢٨) و(٨٢٩) وأحمد في مسنده (٤٢٦/٤ و٤٤١).

٢٩٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٨٨٧ _ (٤٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ. ح وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ هِ صَلَّى الُّهْرَ. وَقَالَ: ((قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنيهَا)).
(١٣) - باب: حجة من قال لا يجهر بالبسملة
٨٨٨ - (٥٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى وَابْنُ بَشَّارٍ. كِلاهُمَا عَنْ غُنْدَرٍ. قَالَ ابْنُ
الْمُثَتَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ (١)
قَالَ: صَلَّيْتُ مَع رَسُولِ اللَّهِ وَهَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَداً مِنْهُمْ يَقْرَأُ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
(١٣) - باب: حجة من قال لا يجهر بالبسملة
٥٠ - (٣٩٩) - قوله: (حدثنا محمد بن جعفر) إلخ: وهو غندر، فذكره ابن بشار بلقبه،
وابن المثنی باسمه .
قوله: (فلم أسمع أحداً منهم) إلخ: قال بعض الناس: لعلهم كانوا يجهرون، إلا أن
أنساً مُبه لم يسمعه، وهذا يرده الرواية الآتية من طريق الأوزاعي، فإن لفظها ((فكانوا يستفتحون
بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها)» وهذا
النفي لا يجوز إلا مع العلم بذلك، لا يجوز بمجرد كونه لم يسمع من إمكان الجهر بلا سماع.
قال الحافظ ابن تيمية كَفُ: ((إن أنساً كان يخدم النبي وّل من حين قدم النبي ◌َّر المدينة
إلى أن مات، وكان يدخل على نسائه قبل الحجاب، ويصحبه حضراً وسفراً، وكان حين حج
النبي ◌َّ﴿ تحت ناقته يسيل عليه لعابها، أفيمكن مع هذا القرب الخاص والصحبة الطويلة أن لا
يسمع النبي ◌ّو يجهر بها مع كونه يجهر بها؟ هذا مما يعلم بالضرورة بطلانه في العادة، ثم إنه
صحب أبا بكر وعمر وعثمان، وتولى لأبي بكر وعمر ولايات، ولا كان يمكن مع طول مدتهم
أُنھم کانوا یجهرون وهو لا یسمح ذلك)) اهـ.
(١) قوله: ((عن أنس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير، رقم
(٧٤٣) والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، رقم (٩٠٧)
و(٩٠٨) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب من لم ير الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، رقم
(٧٨٢) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في افتتاح القراءة بـ((الحمد لله رب العالمين))
رقم (٢٤٦) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، رقم (٨١٣) والدارمي في سننه، في
كتاب الصلاة، باب كراهية الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، رقم (١٢٤٣) وأحمد في مسنده (١٠١/٣
و١١١ و١١٤ و١٦٨ و٢٠٣ و٢٠٥ و ٢٢٣ و ٢٥٥ و ٢٧٣).

٢٩٣
كتاب: الصلاة
قلت: وكما أنه من المحال أن يصحب النبي وَّ مدة عشر سنين ثم يصحب أبا بكر وعمر
وعثمان خمساً وعشرين سنة فلم يسمع منهم الجهر بها في صلاة واحدة: كذلك من المحال أن
يسهو أنس لبعد عهده عن مثل هذا العمل الذي كان يجهر به ليلاً ونهاراً، ويراه بعينه ويسمعه
بأذنيه سنين وقروناً متطاولة، هذا لا يمكن.
قال ابن تيمية: ((فتبين أن حمل حديث الباب على عدم السماع تحريف لا تأويل، ورواية
الأوزاعي الآتية في الكتاب تنفي أيضاً تأويل من تأول قوله: ((يفتتحون الصلاة بالحمد الله رب
العالمين)) أنه أراد السورة، فإن قوله: ((يفتتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله
الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها)» صريح في أنه قصد الافتتاح بالآية لا بسورة
الفاتحة التي أولها ((بسم الله الرحمن الرحيم)) إذ لو كان مقصوده ذلك لتناقض حديثاه. وأيضاً فإن
افتتاح الصلاة بالفاتحة قبل السورة وهو من العلم الظاهر العام الذي يعرفه الخاص والعام، كما
يعلمون أن الركوع قبل السجود، وجميع الأئمة غير النبي وَل﴿ وأبي بكر وعمر وعثمان يفعلون
هذا، ليس في نقل مثل هذا فائدة، ولا هذا مما يحتاج فيه إلى نقل أنس، وهم قد سألوه عن
ذلك، وليس هذا مما يسئل عنه.
ومثل حديث أنس حديث عائشة في الصحيح أيضاً: ((أن النبي وهي* كان يفتتح الصلاة
بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين ... )) إلى آخره وقد روي: ((يفتتح الصلاة بالحمد لله
رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين)) هذا صريح في إرادة الآية، لكن مع هذا ليس في
حديث أنس نفي لقراءتها سراً، لأنه روي ((فكانوا لا يجهرون بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) وهذا
إنما نفي هنا الجهر. وأما اللفظ الآخر ((لا يذكرون)) فهو إنما ينفي ما يمكنه العلم بانتفائه، وذلك
موجود في الجهر، فإنه إذا لم يسمع مع القرب علم أنهم لم يجهروا. وأما كون الإمام لم
يقرأها: فهذا لا يمكن إدراكه إلا إذا لم يكن له بين التكبير والقراءة سكتة يمكن فيها القراءة
سراً، ولهذا استدل بحديث أنس على عدم القراءة من لم ير هناك سكوتاً، كمالك تقدّثه وغيره.
ولكن قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة «أنه قال: يا رسول الله، أرأيت
سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال: أقول كذا وكذا)) إلى آخره.
وفي السنن من حديث عمران وأبيّ وغيرهما ((أنه كان يسكت قبل القراءة)) وفيها ((أنه كان
يستعيذ)) وإذا كان له سكوت لم يمكن أنساً أن ينفي قراءتها في ذلك السكوت، فيكون نفيه للذكر
وإخباره بافتتاح القراءة بها إنما هو في الجهر اهـ.
قلت: ويؤيده رواية من رواه عنه بلفظ ((فلم يكونوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم)) كذا
رواه سعيد بن أبي عروبة عند النسائي وغيره، كما في الفتح، ولا تعرض فيه للقراءة سراً، ولا
على نفيها، إذ لا علم لأنس بها حتى يثبتها أو ينفيها، وكذلك قال لمن سأل: إنك لتسأل عن

٢٩٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
شيء ما أحفظه، فإن العلم بالقراءة السرية إنما يحصل بأخبار أو سماع عن قرب، وليس في
الحديث شيء منهما، ورواية من روى ((فكانوا يسرون)) كأنها مروية بالمعنى من لفظ ((لا يجهرون))
- والله أعلم - ، كذا في نصب الراية.
قال الحافظ ابن تيمية: ((ويؤيد حديث أنس حديث عبد الله بن مغفل في السنن («أنه سمع
ابنه يجهر بها، فأنكر عليه، وقال: يا بني، إياك والحدث)) وذكر أنه صلى خلف النبي وَّر وأبي
بكر وعمر وعثمان، فلم يكونوا يجهرون بها)) فهذا مطابق لحديث أنس وحديث عائشة اللذين في
الصحيح.
وأيضاً فمن المعلوم أن الجهر بها مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فلو كان
النبي وَليل يجهر بها كالجهر بسائر الفاتحة لم يكن في العادة ولا في الشرع ترك نقل ذلك، بل لو
انفرد بنقل مثل هذا الواحد والاثنان لقطع بكذبهما، إذ التواطؤ فيما تمنع العادة والشرع كتمانه
كالتواطؤ على الكذب فيه، وبمثل هذا يكذب دعوى الرافضة في النص على عليّ في الخلافة،
وأمثال ذلك، وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس بالجهر بها حديث صريح، ولم يرو
أهل السنن المشهورة كأبي داود، والترمذي، والنسائي شيئاً من ذلك، وإنما يوجد الجهر بها
صريحاً في أحاديث موضوعة يرويها الثعلبي والماوردي وأمثالهما في التفسير، أو في بعض كتب
الفقهاء الذين لا يميزون بين الموضوع وغيره، أو يرويها من جمع هذا الباب كالدارقطني
والخطيب وغيرهما، فإنهم جمعوا ما روي، وإذا سئلوا عن صحتها قالوا بموجب علمهم، كما
قال الدارقطني لما دخل مصر وسئل أن يجمع أحاديث الجهر بها، فجمعها، فقيل له: هل فيها
شيء صحيح؟ فقال: أما عن النبي وَّ ر فلا، وأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف. وسئل
أبو بكر الخطيب عن مثل ذلك، فذكر حديثين: حديث معاوية لما صلى بالمدينة، وقد رواه
الشافعي قال: حدثنا عبد المجيد، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، أن
أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره، أن أنس بن مالك قال: ((صلى معاوية بالمدينة فجهر فيها بأم
القرآن، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها، ولم يكبر
حين يهوى، حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين من كل
مكان: يا معاوية، أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم
للسورة التي بعد أم القرآن، وكبّر حين يهوي ساجداً)).
وقال الشافعي: أنبأنا إبراهيم بن محمد، قال: حدثني ابن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن
رفاعة، عن أبيه: ((أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم، ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ولم
يكبر إذا خفض وإذا رفع، فناداه المهاجرون حين سلم، والأنصار: أي: معاوية، سرقت
الصلاة)) وذكره.

٢٩٥
كتاب: الصلاة
وقال الشافعي: أنبأنا يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن
عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، عن معاوية والمهاجرين والأنصار بمثله، أو مثل معناه، لا
يخالفه. وأحسب هذا الإسناد أحفظ من الإسناد الأول، وهو في كتاب إسماعيل بن عبيد بن
رفاعة عن أبيه عن جده عن معاوية. وذكر الخطيب أنه أقوى ما يحتج به، وليس بحجة، كما
يأتي بيانه.
فإذا كان أهل المعرفة بالحديث متفقين على أنه ليس في الجهر حديث صحيح ولا صريح
فضلاً أن يكون فيها أخبار مستفيضة أو متواترة: امتنع أن النبي ◌َّ و كان يجهر بها كما يمتنع أن
يكون كان يجهر بالاستفتاح والتعوذ، ثم لا ينقل، وليعلم أن الذي تتوافر الهمم والدواعي على
نقله في العادة ويجب نقله شرعاً هي الأمور الوجودية، فأما الأمور العدمية فلا خبر لها، ولا
ينقل منها إلا ما ظن وجوده أو احتيج إلى معرفته، فينقل للحاجة، فلو نقل ناقل أن الخطيب يوم
الجمعة سقط من المنبر ولم يصل الجمعة، أو أن قوماً اقتتلوا في المسجد بالسيوف، فإنه إذا نقل
هذا: الواحد والاثنان والثلاثة دون بقية الناس علمنا كذبهم في ذلك، لأن هذا مما تتوافر الهمم
والدواعي على نقله في العادة، وإن كانوا لا ينقلون عدم الاقتتال ولا غيره من الأمور العدمية
يوضح ذلك أنهم لم ينقلوا الجهر بالاستفتاح والاستعاذة، واستدلت الأمة على عدم جهره بذلك،
وإن كان لم ينقل نقلاً عاماً عدم الجهر بذلك، فبالطريق الذي يعلم عدم جهره بذلك يعلم عدم
جهره بالبسملة.
والأمور العدمية لما احتيج إلى نقلها نقلت، فلما انقرض عصر الخلفاء الراشدين وصار
بعض الأئمة يجهر بها كابن الزبير ونحوه، سأل بعض الناس بقايا الصحابة كأنس فروى لهم أنس
ترك الجهر بها، وأما مع وجود الخلفاء فكانت السنة ظاهرة مشهورة، ولم يكن في الخلفاء من
يجهر بها، فلم يحتج إلى السؤال عن الأمور العدمية حتى ينقل فعلمنا بالاضطرار أن النبي وَلّ لم
یکن یجهر بالبسملة کجهره بالفاتحة، ولکن یمکن أنه کان یجھر بها أحیاناً أو أنه کان يجهر بها
قديماً، ثم ترك ذلك، كما روى أبو داود في مراسيله عن سعيد بن جبير، ورواه الطبراني في
معجمه عن ابن عباس: ((أن النبي ◌َّ ر كان يجهر بها بمكة، فكان المشركون إذا سمعوها سبُّوا
الرحمن، فترك الجهر، فما جهر بها حتى مات)) فهذا محتمل اهـ. إلا أن احتمال النسخ بعيد،
فإن ما رواه سعيد بن جبير من ترك الجهر لسب المشركين وهزئهم إنما المراد منه ترك الجهر
الشديد لا اختيار المخافتة، فإنه صرح في روايات نقلها الحافظ في الدراية أنه نزلت فيه: ﴿وَلَا
تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [سورة الإسراء، آية: ١١٠] وهذه الآية كما نهى فيها عن الجهر نهى عن
المخافتة، وكيف يكون الجهر بالبسملة ممنوعاً مطلقاً للسبب المذكور مع مشروعية الجهر
بالفاتحة، وفيها اسم الرحمن موجود، فينبغي أن يكون حكم الجهر بالتسمية والفاتحة واحداً.

٢٩٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ولهذا قال الحافظ في الدراية: ((إن حديث سعيد بن جبير مرسل معلول المتن)).
وقال الحازمي: ((الإنصاف أن ادعاء النسخ في الجانبين باطل)).
قال ابن تيمية: ((وأما الجهر العارض أي أحياناً لا اعتياداً فمثل ما في الصحيح أنه كان
يجهر بالآية أحياناً في السرية، ومثل جهر بعض الصحابة خلفه بقوله: ربنا ولك الحمد حمداً
كثيراً طيباً مباركاً فيه، ومثل جهر عمر بقوله: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى
جدك ولا إله غيرك، ومثل جهر ابن عمر وأبي هريرة بالاستعاذة، ومثل جهر ابن عباس بالقراءة
على الجنازة ليعلموا أنها سنة، ويمكن أن يقال: جهر من جهر بها من الصحابة كان على هذا
الوجه ليعرفوا أن قراءتها سنة، لا لأن الجهر بها سنة)) اهـ. قلت: وعليه حمل صاحب الهداية
من أصحابنا أحاديث الجهر.
قال ابن تيمية كثُّ : ((ومن تدبر عامة الآثار الثابتة في هذا الباب علم أنه آية من كتاب الله،
وأنهم قرأوها لبيان ذلك، لا لبيان كونها من الفاتحة، وأن الجهر بها سنة مثل ما ذكر ابن وهب
في جامعه: قال: أخبرني رجال من أهل العلم عن ابن عباس، وأبي هريرة، وزيد ابن أسلم،
وابن شهاب مثله بغير هذا الحديث، عن ابن عمر («أنه كان يفتتح القراءة ببسم الله الرحمن
الرحيم)) قال ابن شهاب: يريد بذلك أنها آية من القرآن، فإن الله أنزلها. قال: وكان أهل الفقه
يفعلون ذلك فيما مضى من الزمان، وحديث ابن عمر معروف من حديث حماد بن زيد عن أيوب
عن نافع عن ابن عمر ((أنه كان إذا صلى جهر ببسم الله الرحمن الرحيم، فإذا قال: غير
المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: بسم الله الرحمن الرحيم)) (لعله في مفتح السورة).
فهذا الذي ذكره ابن شهاب الزهري هو أعلم أهل زمانه بالسنة يبين حقيقة الحال، فإن
العمدة في الآثار في قراءتها، إنما هي عن ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر، وقد عرف حقيقة
حال حديث ابن عمر رضيه في ذلك، وكذلك غيره ﴿ه أجمعين. ولهذا كان العلماء بالحديث
ممن يروي الجهر بها ليس معه حديث صريح لعلمه بأن تلك أحاديث موضوعة مكذوبة على
رسول الله ، وإنما يتمسك بلفظ محتمل مثل اعتمادهم على حديث نعيم المجمر عن أبي
هريرة، قال: ((كنت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم الكتاب، حتى بلغ
((ولا الضالين)) قال: آمين، وقال الناس: آمين، ويقول: كلما سجد: الله أكبر، فلما سلم قال:
والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله وَطير)) رواه النسائي وابن خزيمة وغيرهما، فإن
العارفين بالحديث يقولون: إنه عمدتهم في هذه المسألة، ولا حجة فيه، فإنه قد تقدم في باب
قراءة الفاتحة حديث أبي هريرة: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين)) الحديث، وليس فيه
ذكر البسملة، ومن زاد فيه البسملة فقد اتفق أهل العلم على كذب هذه الزيادة، وإنما كثر الكذب
في أحاديث الجهر لأن الشيعة ترى الجهر، وهم أكذب الطوائف، فوضعوا في ذلك أحاديث

٢٩٧
كتاب: الصلاة
لبّسوا بها على الناس دينهم، ولهذا يوجد في كلام أئمة السنة من الكوفيين كسفيان الثوري أنهم
يذكرون من السنة: المسح على الخفين وترك الجهر بالبسملة، كما يذكرون تقديم أبي
بكر به وعمر ونحو ذلك، لأن هذا كان من شعار الرافضة، ولهذا ذهب أبو علي بن أبي هريرة
أحد الأئمة من أصحاب الشافعي إلى ترك الجهر بها، قال: لأن الجهر بها صار من شعار
المخالفين، كما ذهب من ذهب من أصحاب الشافعي إلى تسنمة القبور، لأن التسطيح صار من
شعار أهل البدع، فحديث أبي هريرة دليل على أنها ليست من القراءة الواجبة، ولا من القراءة
المقسومة، وهو على نفي القراءة مطلقاً أظهر من دلالة حديث نعيم المجمر على الجهر، فإن في
حديث نعيم المجمر ((أنه قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ أم القرآن)) وهذا دليل على أنها
ليست من أم القرآن عندهم، وحديث أبي هريرة الذي مر في الكتاب - أي حديث قسمة الصلاة -
يصدق ذلك، وذلك ينفي وجوب قراءتها عند أبي هريرة، فيكون أبو هريرة - إن كان قرأ بها .
قرأها استحباباً لا وجوباً، والجهر بها مع كونها ليست من الفاتحة قول لم يقل به أحد من الأئمة
الأربعة وغيرهم من الأئمة المشهورين، ولا أعلم به قائلاً، لكن كونها من الفاتحة وإيجاب
قراءتها مع المخافتة بها قول طائفة من أهل الحديث، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وإذا كان
أبو هريرة إنما قرأها استحباباً لا وجوباً، وعلى هذا القول لا تشرع المداومة على الجهر بها كان
جهره بها أولى أن يثبت دليلاً على أنه ليعرفهم استحباب قراءتها، وأن قراءتها مشروعة كما جهر
عمر بالاستفتاح، وكما جهر ابن عباس بقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة، ونحو ذلك، ويكون
أبو هريرة قصد تعريفهم أنها تقرأ في الجملة، وإن لم يجهر بها، وحينئذ فلا يكون هذا مخالفاً
لحديث أنس الذي في الصحيح، وحديث عائشة الذي في الصحيح، وغير ذلك.
هذا إن كان الحديث دالاً على أنه جهر بها، فإن لفظه ليس صريحاً بذلك من وجهين:
أحدهما: أنه قال: ((قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ أم القرآن)) ولفظ القراءة محتمل أن يكون
قرأها سراً، ويكون نعيم علم ذلك بقربه منه، فإن قراءة السرّ إذا قويت يسمعها من يلي القارىء،
ويمكن أن أبا هريرة أخبره بقراءتها. الثاني: أنه لم يخبر عن النبي وَلاير أنه قرأها قبل أم الكتاب،
وإنما قال في آخر الصلاة: ((إني لأشبهكم صلاة برسول الله وَّر)) وفي الحديث أنه أمّن وكبّر في
الخفض والرفع، وهذا ونحوه مما كان يتركه الأئمة، فيكون أشبههم برسول الله ويقلل من هذه
الوجوه التي فعل فيها ما فعله رسول الله وَّر، وتركوه هم، ولا يلزم إذا كان أشبههم بصلاة
رسول الله* أن تكون صلاته مثل صلاته من كل وجه، ولعل قراءتها مع الجهر أمثل من ترك
قراءتها بالكلية عند أبي هريرة، وكان أولئك لا يقرءونها أصلاً، فيكون قراءتها مع الجهر أشبه
عنده بصلاة رسول الله ويلي، وإن كان غيره ينازع في ذلك، وإلى هذا الجواب أشار الحافظ في
الدراية، - والله أعلم - .

٢٩٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
..
قال ابن تيمية: ((وأما حديث المعتمر بن سليمان ((أنه كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم
قبل فاتحة الكتاب وبعدها، ويقول ما آلو أن أقتدي بصلاة أُبي، وقال أبي: ما آلو أن أقتدي
بصلاة أنس، وقال أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة النبي وَلير)) صححه الحاكم، فيعلم أن تصحيح
الحاكم وحده لا يوثق به فيما دون هذا، فكيف في مثل هذا الموضع الذي يعارض فيه بتوثيق
الحاكم ما قد ثبت خلافه في الصحيح، والمعروف عن المعتمر وأبيه سليمان أنهما كانا يجهران
بالبسملة، لكن نقله عن أنس هو المنكر، كيف! وأصحاب أنس الثقات الأثبات يروون عنه
خلاف ذلك حتى إن شعبة سأل قتادة عن هذا، قال: أنت سمعت أنساً يذكر ذلك؟ قال: نعم.
وأخبره باللفظ الصريح المنافى للجهر، ونقل شعبة عن قتادة ما سمعه من أنس في غاية الصحة،
وأرفع درجات الصحيح عند أهله، إذ قتادة أحفظ أهل زمانه، أو من أحفظهم، وكذلك إتقان
شعبة وضبطه هو الغاية عندهم.
ثم يقال: هب أن المعتمر أخذ صلاته من أبيه، وأبوه عن أنس، وأنس عن النبي ◌َّر ،
فهذا مجمل ومحتمل، إذ ليس يمكن أن يثبت كل حكم جزئي من أحكام الصلاة بمثل هذا
الإسناد المجمل، لأنه من المعلوم أن مع طول الزمان وتعدد الإسناد لا تضبط الجزئيات في
أفعال كثيرة متفرقة حق الضبط إلا بنقل مفصل لا مجمل، وإلا فمن المعلوم أن مثل منصور بن
المعتمر وحماد بن أبي سليمان والأعمش وغيرهم أخذوا صلاتهم عن إبراهيم النخعي وذويه،
وإبراهيم أخذها عن علقمة والأسود ونحوهما، وهم أخذوها عن ابن مسعود، وابن مسعود عن
النبي و ◌َ﴾، وهذا الإسناد أجلّ رجالاً من ذلك الإسناد، وهؤلاء أخذ الصلاة عنهم: أبو حنيفة
والثوري وابن أبي ليلى وأمثالهم من فقهاء الكوفة، فهل يجوز أن يجعل نفس صلاة هؤلاء هي
صلاة رسول الله وَلي بهذا الإسناد حتى في موارد النزاع؟
وأما حديث معاوية الذي فيه أنه صلى بالصحابة بالمدينة فأنكروا عليه ترك قراءة البسملة
في أول الفاتحة وأول السورة، حتى عاد يعمل ذلك، فإن هذا الحديث وإن كان الدار قطني قال:
إسناده ثقات، وقال الخطيب: هو أجود ما يعتمد عليه في هذه المسألة، كما نقل ذلك عنه نصر
المقدسي: فهذا الحدیث یعلم ضعفه من وجوه:
أحدها: أنه يروى عن أنس أيضاً الرواية الصحيحة الصريحة المستفيضة الذي يرد هذا.
الثاني: أن مدار ذلك الحديث على عبد الله بن عثمان بن خثيم، وقد ضعفه طائفة، وقد
اضطربوا في روايته إسناداً ومتناً، كما تقدم، وذلك يبين أنه غير محفوظ.
الثالث: أنه ليس فيه إسناد متصل السماع، بل فيه من الضعفة والاضطراب ما لا يؤمن معه
الانقطاع أو سوء الحفظ.

٢٩٩
كتاب: الصلاة
الرابع: أن أنساً كان مقيماً بالبصرة، ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحد علمناه أن أنساً
کان معه، بل الظاهر أنه لم یکن معه.
الخامس: أن هذه القضية بتقدير وقوعها كانت بالمدينة، والراوي لها أنس، وكان
بالبصرة، وهي مما تتوافر الهمم والدواعي على نقلها، ومن المعلوم أن أصحاب أنس المعروفين
بصحبته وأهل المدينة لم ينقل أحد منهم ذلك، بل المنقول عن أنس وأهل المدينة نقيض ذلك،
والناقل ليس من هؤلاء، ولا من هؤلاء.
السادس: أن معاوية لو كان رجع إلى الجهر في أول الفاتحة والسورة لكان هذا أيضاً
معروفاً من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل هذا أحد عن معاوية، بل الشاميون
كلهم - خلفاؤهم وعلماؤهم - كان مذهبهم ترك الجهر بها، بل الأوزاعي مذهبه فيها مذهب
مالك تغلفهُ: لا يقرؤوها سراً ولا جهراً. فهذه الوجوه وأمثالها إذا تدبرها العالم قطع بأن حديث
معاوية إما باطل لا حقيقة له، وإما مغير عن وجهه، وأن الذي حدث به بلغه من وجه ليس
بصحيح، فحصلت الآفة من انقطاع إسناده، وقيل: هذا الحديث لو كان تقوم به الحجة لكان
شاذاً، لأنه خلاف ما رواه الناس الثقات الأثبات عن أنس، وعن أهل المدينة، وأهل الشام،
ومن شرط الحديث أن لا يكون شاذاً ولا معللاً، وهذا شاذ معلل، إن لم يكن من سوء حفظ
بعض رواته.
والعمدة التي اعتمدها المصنفون في الجهر بها ووجوب قراءتها إنما هو كتابتها في
المصحف بقلم القرآن، وأن الصحابة جردوا القرآن عما ليس منه، والذين نازعوهم دفعوا هذه
الحجة بلا حق كقولهم: القرآن لا يثبت إلا بقاطع، ولو كان هذا قاطعاً لكفر مخالفه، وقد سلك
أبو بكر بن الطيب الباقلاني وغيره هذا المسلك، وادعوا أنهم يقطعون بخطأ الشافعي في كونه
جعل البسملة من القرآن معتمدين على هذه الحجة، وأنه لا يجوز إثبات القرآن إلا بالتواتر ولا
تواتر هنا، فيجب القطع بنفي كونها من القرآن.
والتحقيق أن هذه الحجة مقابلة بمثلها، فيقال لهم: بل يقطع بكونها من القرآن -حيث
كتبت، كما قطعتم بنفي كونها ليست منه. ومثل هذا النقل المتواتر عن الصحابة بأن ما بين
اللوحين قرآن، فإن التفريق بين آية وآية: يرفع الثقة بكون القرآن المكتوب بين لوحي المصحف:
كلامَ الله، ونحن نعلم بالاضطرار أن الصحابة الذين كتبوا المصاحف نقلوا إلينا أن ما كتبوه بين
لوحي المصحف كلام الله الذي أنزله على نبيه وَلو لم يكتبوا فيه ما ليس من كلام الله، فإن قال
المنازع: إن قطعتم بأن البسملة من القرآن حيث كتبت فكفّروا النافي، قيل لهم: وهذا يعارض
حكمه إذا قطعتم بنفي كونها من القرآن فكفروا منازعكم، وقد اتفقت الأمة على نفي التكفير في
هذا الباب مع دعوى كثير من الطائفتين القطع بمذهبه، وذلك لأنه ليس كل ما كان قطعياً عند

٣٠٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
شخص يجب أن يكون قطعياً عند غيره، وليس كل ما ادعت طائفة أنه قطعي عندها يجب أن
يكون قطعياً في نفس الأمر، بل قد يقع الغلط في دعوى المدعي القطع في غير محل القطع، كما
يغلط في سمعه وفهمه ونقله وغير ذلك من أحواله، كما قد يغلط الحس الظاهر في مواضع» اهـ.
ونقل ابن عابدين عن التحرير: أن القطعي إنما يكفر منكره إذا لم تثبت فيه شبهة قوية،
كإنكار ركن، وهنا قد وجدت، وذلك لأن من أنكرها - كمالك - ادعى عدم تواتر كونها قرآناً في
الأوائل، وأن كتابتها فيها لشهرة استنان الافتتاح بها في الشرع، والمثبت يقول: إجماعهم على
كتابتها مع أمرهم بتجريد المصاحف يوجب كونها قرآناً، والاستنان لا يسوغ الإجماع لتحققه في
الاستعاذة، والحق أنها من القرآن لتواترها في المصحف، وهو دليل كونها قرآناً، ولا نسلم
توقف ثبوت القرآنية على تواتر الأخبار بكونها قرآناً، بل الشرط فيما هو قرآن تواتره في محله
فقط، وإن لم يتواتر كونه في محله من القرآن)) اهـ.
قال ابن عابدين: ((والحاصل أن تواترها في محلها أثبت أصل قرآنيتها))، وأما كونها قرآناً
متواتراً فهو متوقف على تواتر الإخبار به، ولذلك لم يكفر منكرها بخلاف غيرها، لتواتر الأخبار
بقرآنيته، فالمختار عندنا ما قال في الدر المختار: ((وسمي سراً في كل ركعة وهي آية من القرآن
أنزلت للفصل بين السور، وليست من الفاتحة، ولا من كل سورة في الأصح))، كذا في رد
المختار، وهذا هو مقتضى الأدلة، ومقتضى كتابتها سطراً مفصولاً عن السورة، يؤيد ذلك قول
ابن عباس: ((كان رسول الله وَ﴿ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم)»
رواه أبو داود. وقد ذكر ابن القيم في الهدي ((أن النبي وَّ كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم
تارة، ويخفيها أكثر مما جهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائماً في كل يوم وليلة خمس
مرات أبداً حضراً وسفراً، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين، وعلى جمهور أصحابه وأهل بلده
في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال، حتى يحتاج إلى التشبث فيه بألفاظ مجملة،
وأحاديث واهية. فصحیح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح)).
قال الحافظ في الدراية: ((ومن حجج من أثبت الجهر أن أحاديثه جاءت من طرق كثيرة،
وتركه عن أنس وابن مغفل فقط، والترجيح بالكثرة ثابت، وبأن أحاديث الجهر شهادة على
إثبات، وتركه شهادة على نفي، والإثبات مقدم، وبأن الذي روي عنه ترك الجهر قد روي عنه
الجهر، بل روي عن أنس إنكار ذلك، كما أخرج أحمد والدارقطني من طريق سعيد بن يزيد أبي
سلمة، قال: قلت لأنس: أكان رسول الله وَلهل يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم أو الحمد الله رب
العالمين؟ قال: ((إنك تسألني عن شيء ما حفظته، ولا سألني عنه أحد قبلك)).
وأجيب عن الأول: بأن الترجيح بالكثرة إنما يقع بعد صحة السند، ولا يصح في الجهر
شيء مرفوع، كما نقل عن الدارقطني، وإنما يصح عن بعض الصحابة موقوف.