Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ كتاب: الحيض (١٨) - باب: جواز الاغتسال عرياناً في الخلوة ٧٦٨ - (٧٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّام ابْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ(٦) عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلِهِ: ((كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةٌ. يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةٍ بَعْضِ. وَكَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ يَغْتَسِلُ وَخْدَهُ. فَقَالُوا: وَاللَّهِ، مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلا أَنَّهُ آدَرُ. قَالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ. وكلها صحيحة. قال أهل اللغة: عرية الرجل - بضم العين وكسرها - هي متجردة، والثالثة على التصغير. كذا في الشرح. (١٨) - باب: جواز الاغتسال عرياناً في الخلوة ٧٥ - (٣٣٩) - قوله: (كانت بنو إسرائيل) إلخ: أي: جماعتهم، وهو كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ اُلْأَعْرَابُ ءَامَنًا﴾ [سورة الحجرات، آية: ١٤]. قوله: (يغتسلون عراة) إلخ: إن كان التعري جائزاً في شريعتهم فتستر موسى فَلَِّل تنزه وكرم أخلاق، وإن لم يكن من شريعتهم فتعريهم تساهل كما يتساهل فيه عندنا كثير. كذا في إكمال المعلم. قال الحافظ: ((والظاهر الأول، وإلا لما أقرهم موسى على ذلك. وما وقع من طريق الحسن ومحمد وخلاس عن أبي هريرة مرفوعاً عند البخاري: ((أن موسى كان رجلاً حيياً ستيراً لا يرى من جلده شيء استحياء منه» يشعر بأن اغتسال بني إسرائيل عراة بمحضر منهم كان جائزاً في شرعهم، وإنما اغتسل موسى وحده استحياء، والله سبحانه وتعالى أعلم)). قوله: (ينظر بعضهم إلى سوءة بعض) إلخ: السوءة هي العورة، سميت بذلك لأنه يسوء صاحبها کشفها . قوله: (إلا أنه آدر) إلخ: بالمد وفتح الدال المهملة وتخفيف الراء، قال الجوهري: ((الأدرة: نفخة في الخصية، وهي بفتحات. وحكى بعضهم بضم أوله وإسكان الدال)). وقد وقع في رواية الحسن ومحمد وخلاس عند الرخاي: ((فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقال: ما يستتر (١) قوله: ((أبو هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الغسل، باب من اغتسل عرياناً وحده في الخلوة، ومن تسترفا لتستر أفضل، رقم (٢٧٨). وفي كتاب أحاديث الأنبياء، باب (بغير ترجمة، بعد (باب حديث الخضر مع موسى عليهما السلام) رقم (٣٤٠٤) وفي كتاب التفسير، باب ((لا تكونوا كالذين آذوا موسى)) رقم (٤٧٩٩) والترمذي في جامعه، في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأحزاب، رقم (٣٢٢١). ١٤٢ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ. فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ. قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى هذا التستر إلا من عيب بجلده: إما برص، وإما أدرة، وإما آفة)). قال النووي: ((قال أهل اللغة: إن آدر هو عظيم الخصيتين)). قوله: (فوضع ثوبه على حجر) إلخ: وفي بعض الروايات: ((فوضع ثيابه على الحجر)) قال الحافظ: ((وظاهره أنه دخل الماء عرياناً، وعليه بوب البخاري ((من اغتسل عرياناً)) وقد وقع في رواية علي بن زيد عن أنس عند أحمد في هذا الحديث ((أن موسى كان إذا أراد أن يدخل الماء لم يلق ثوبه حتى يواري عورته)) وفي بعض روايات البخاري: ((فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله)) والنبيّ ◌َّه قص القصة ولم يتعقب شيئاً منها، فدل على موافقتها بشرعنا، وإلا فلو كان فيها شيء غير موافق لبینه)). قال فقهائنا: إن وجوب ستر العورة عام ولو في الخلوة على الصحيح، لأنه تعالى وإن كان يرى المستور كما يرى المكشوف، لكنه يرى المكشوف تاركاً للأدب والمستور متأدباً، وهذا الأدب واجب مراعاته عند القدرة عليه إلا لغرض صحيح كتغوط واستنجاء، وحكي في القنية أقوالاً في تجرده للاغتسال منفرداً، منها: أنه يكره، ومنها: أنه يعذر إن شاء الله، ومنها: لا بأس به، ومنها: يجوز في المدة اليسيرة، ومنها: يجوز في بيت الحمام الصغير، كذا في رد المحتار. قال ابن حجر: ((وحاصل حكم من اغتسل عارياً أنه إن كان بمحل خال لا يراه أحد يحرم عليه نظر عورته وجب عليه التستر منه إجماعاً على ما حكي، ووهم بعض من لا علم عنده وقال: الواجب على ذلك غض البصر عنه، فلا يلزمه التستر، وهذا كلام ساقط، لأن وجوب الغض لا يبيح التكشف، ولا يقاس هذا بما حكي من الإجماع على أن للنساء أن يخرجن سافرات الوجوه، وعلى الرجال الغض، أما أولاً: فذاك لحاجة المشقة في ستر الوجه في الطرقات، وأما ثانياً: فهذا يتسامح به فيه ما لا يتسامح به في ذلك، لأن وجه المرأة ليس بعورة، ولذا أباح النظر له مع أمن الفتنة كثيرون، بخلاف العورة الكبرى التي هي السوأتان فإنه لم يقل أحد بحل نظرها، وكذا بقية ما بين السرة والركبة عند من يقول بأنه عورة، فوجب ستر الكل حذراً من تطرق نظر محرم إليه فيكون متسبباً له بعدم تستره، والتسبب في الحرام - ولو من الغير - حرام، كذا في المرقاة)). قوله: (ففرّ الحجر) إلخ: بحياة وإدراك خلقهما الله عز وجل له، ونحن لا نشترط في ذلك بنية أعني: البلة والرطوبة المزاجية، فهو على مذهبنا بيّن، وحركته في ذلك كحركة الحية، ويحتمل أن حركته تلك بفعل ملك، وفيه خرق العادة للأنبياء عليها. كذا قال الأبي. قوله: (فجمح موسى) إلخ: أي: جرى أشد الجري من جمح الفرس إذا غلب صاحبه. ١٤٣ كتاب: الحيض بِإِثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْيِي حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةٍ مُوسَى. قَالُوا: وَاللَّهِ، مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ. فَقَامَ الْحَجَرُ حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ. قَالَ: فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْباً)). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ، إِنَّهُ بِالْحَجَرِ نَدَبٌ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ. ضَرْبُ مُوسَى بِالْحَجَرِ . قوله: (بإثره) إلخ: بكسر الهمزة مع إسكان الثاء، ويقال: أثره بفتحهما، لغتان مشهورتان. قوله: (ثوبي حجر) إلخ: هو بفتح الياء الأخيرة من ثوبي، أي: أعطني ثوبي، أو ردّ ثوبي، وحجر بالضم على حذف حرف النداء، وفي بعض الروايات: ((ثوبي يا حجر)). كذا في الفتح. قوله: (حتى نظرت بنو إسرائيل) إلخ: الظاهر أنهم رأوا جسده، وبه يتم الاستدلال على جواز النظر عند الضرورة لمداواة أو شبهها . قوله: (ما بموسى من بأس) إلخ: فيه أن الأنبياء في خلقهم وخلقهم على غاية الكمال، وأن من نسب نبياً من الأنبياء إلى نقص في خلقته فقد آذاه، ويخشى على فاعله الكفر. قاله الحافظ تَخَذَثُ . قوله: (حتى نظر إليه) إلخ: بضم النون وكسر الظاء، مبني لما لم يسم فاعله. قوله: (فطفق) إلخ: بكسر الفاء وفتحها، معناه: جعل وأقبل، صار ملتزماً لذلك، كذا في الشرح، أي: أخذ يضرب الحجر وأجراه مجرى من يعقل لكونه فرّ بثوبه، فانتقل عنده من حكم الجماد إلى حكم الحيوان، فناداه، فلما لم يعطه ضربه، وقيل: يحتمل أن يكون موسى أراد بضربه إظهار المعجزة بتأثير ضربه فيه، ويحتمل أن يكون عن وحي. قاله الحافظ في الفتح. قوله: (بالحجر ضرباً) إلخ: زاد في رواية الحسن وغيره ((بعصاه)) وفيه أن الآدمي يغلب عليه طباع البشر، لأن موسى علم أن الحجر ما سار بثوبه إلا بأمر من الله، ومع ذلك عامله معاملة من يعقل حتى ضربه، ويحتمل أنه أراد بيان معجزة أخرى لقومه بتأثير الضرب بالعصا في الحجر. كذا في الفتح. قوله: (والله إنه بالحجر) إلخ: قال في إكمال إكمال المعلم: ((علم أبي هريرة أن الأثر الذي بالحجر من ضرب موسى يحتمل أنه سمعه، ولا يقال: فيه الحلف على الظن، لأنه يتواتر أنه أثر العصا، لأن ما سمعه الصحابي هو معلوم، وإنما هو ظني لمن بعده)). قوله: (ندب) إلخ: بالنون والدال المهملة المفتوحتين، وهو الأثر. قوله: (ستة أو سبعة) إلخ: كذا وقع بالشك لههنا، ووقع عند ابن مردويه من رواية حبيب بن سالم عن أبي هريرة الجزم بست ضربات. قوله: (ضرب موسى بالحجر) إلخ: وزاد في آخره من طريق الحسن وغيره عند البخاري ١٤٤ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (١٩) - باب: الاعتناء بحفظ العورة ٧٦٩ - (٧٦) وحدّثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ بْنِ مَيْمُونٍ. جَمِيعاً عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ بَكْرٍ. قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. وَاللَّفْظُ لَهُمَا. (قَالَ إِسْحاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) أَخْبَرِّنَا ابْنُ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَّبْدِ اللَّهِ(١) يَقُولُ: لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ نَّهِ وَعَبَّاسٌ ((فذلك قوله: ﴿يَُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُوْ كَذِنَ مَاذَوْا مُوسَى فَبَرََّهُ اللهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَحِيهًا ﴾ [سورة الأحزاب، آية: ٦٩])). (٦٩ (١٩) - باب: الاعتناء بحفظ العورة ٧٦ - (٣٤٠) - قوله: (أنه سمع جابر بن عبد الله يقول) إلخ: وكانت القصة قبل البعثة، فرواية جابر لذلك من مراسيل الصحابة، فإما أن يكون سمع ذلك من رسول الله وَ له بعد ذلك، أو من بعض من حضر ذلك من الصحابة، والذي يظهر أنه العباس، وقد حدث به عن العباس أيضاً ابنه عبد الله، وسياقه أتم، أخرجه الطبراني، وفيه: ((فقام فأخذ إزاره، وقال: نهيت أن أمشي عرياناً». قوله: (لما بنيت الكعبة) إلخ: سميت الكعبة كعبة لعلوها وارتفاعها. وقيل: لاستدارتها وعلوها . قال السهيلي: «بنيت في الدهر خمس مرات: الأولى: حين بناها شيث بن آدم، وكانت في حياة آدم ظلّلا خيمة من لؤلؤة حمراء يطوف بها ويأنس، لأنها من الجنة. الثانية: حين بناها إبراهيم لِّلا. الثالثة: حين بنتها قريش قبل الإسلام بخمسة أعوام. وقيل: قبل المبعث بخمس عشرة سنة، وهي التي في حديث الباب. الرابعة: حين احترقت أيام ابن الزبير بشرارة طارت إليها من أبي قيس فاحترقت الأستار فاحترق البيت فهدمها ابن الزبير وبناها على خلاف ما كانت عليه. الخامسة: لما قدم عبد الملك مكة، قال: لسنا من تخليط أبي خبيب في شيء - يعني ابن (١) قوله: ((جابر بن عبد الله)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها، رقم (١٥٨٢). ١٤٥ كتاب: الحيض يَنْقُلانِ حِجَارَةٌ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ بَّهِ: اجْعَلْ إِزَارَكْ عَلَى عَاتِقِكَ، .. الزبير - فهدمها وردّها على ما كانت عليه في عهد رسول الله وَّر، ثم ندم عبد الملك على ذلك، وقال: ليتني تركت أبا خبيب وما تحمل، فلما قدم أبو جعفر المنصور أراد ردّها على ما بناها ابن الزبير، وشاور في ذلك، فقال له مالك كفّثه: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، أن لا تجعل هذا البيت لعبة للملوك بعدك، لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا غيره، فتذهب هيبته من قلوب الناس فصرفه من رأيه . وقيل: إن آدم عليّ بناها قبل شيث، وبناء جرهم لها إنما كان إصلاحاً. كذا في إكمال إكمال المعلم. قال الحافظ: ((وروى إسحاق بن راهويه من طريق خالد بن عروة عن علي في قصة بناء إبراهيم البيت، قال: فمرّ عليه الدهر فانهدم، فبنته العمالقة، فمرّ عليه الدهر فانهدم فبنته جرهم، فمرّ عليه الدهر فانهدم فبنته قريش، ورسول الله وَّ و يومئذٍ شاب، فلما أرادوا أن يضعوا الحجر الأسود اختصموا فيه، فقالوا: نحكم بيننا أول من يخرج من هذه السكة، فكان النبيّ وَّل أول من خرج منها، فحكم بينهم أن يجعلوه في ثوب ثم يرفعه من كل قبيلة رجل. وذكر أبو داود الطيالسي في هذه الحديث: ((أنهم قالوا: نحكم أول من يدخل في باب بني شيبة، فكان النبيّ ◌َ﴿ أول من دخل منه، فأخبروه، فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب، فرفعوه، ثم أخذه فوضعه بيده)). وروى الفاكهي أن الذي أشار عليهم أن يحكموا أول داخل: أبو أمية بن المغيرة المخزومي، أخو الوليد، وعند موسى بن عقبة أن الذي أشار عليهم بذلك هو الوليد بن المغيرة المخزومي، وأنه قال لهم: لا تجعلوا فيها مالاً أخذ غصباً، ولا قطعت فيه رحم، ولا انتهكت فیه ذمة)) اهـ. قوله: (ينقلان حجارة) إلخ: وفي حديث العباس بن عبد المطلب عند الطبراني والبيهقي: ((لما بنت قريش الكعبة انفردت رجلين رجلين ينقلون الحجارة، فكنت وابن أخي، فجعلنا نأخذ أزرنا فنضعها على مناكبنا، ونجعل عليها الحجارة، فإذا دنونا من الناس لبسنا أزرنا، فبينما هو أمامي إذ صرع، فسعيت وهو شاخص ببصره إلى السماء، قال: فقلت لابن أخي: ما شأنك؟ قال: نهيت أن أمشي عرياناً، قال: فكتمته حتى أظهر الله نبوته)). قوله: (اجعل إزارك على عاتقك) إلخ: العاتق ما بين المنكب والعنق، أي: اجعل إزارك على رقبتك، ثم احمل عليها الحجارة كما يشعر به الرواية الآتية، وفي بعض الروايات من حديث أبي الطفيل: ((فبينما النبيّ وَي يحمل الحجارة من أجياد، وعليه نمرة، فضاقت عليه النمرة، فذهب بعضها على عاتقه، (أي: بإشارة العباس رُه) فبدت عورته من صغرها، فنودي: یا محمد، خمر عورتك». ١٤٦ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم مِنَ الْحِجَارَةِ. فَفَعَلَ، فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ. وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ. ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: (إِزَارِي، إِزَّارِي)» فَشَدَّ عَلَيْهِ إِزَارَهُ. قَالَ ابْنُ رَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَلَى رَقَبْتِكَ. وَلَمْ يَقُلْ: عَلَى عَاتِقِكَ. ٧٧٠ - (٧٧) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحاقَ. حَذَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ، عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ، فَجَعَلْتَهُ عَلَى مَنْكِكَ، دُونَ الْحِجَارَةِ. قَالَ: فَحَلَّهُ، فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِهِ. فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. قَالَ: فَمَا رُؤيَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ عُرْيَاناً . ٧٧١ - (٧٨) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأُمَوِيُّ. حَدَّثَنِي أَبِي. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ بْنِ عَبَّادِ بنِ حُنَيْفِ الأَنْصَارِيُّ أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ قوله: (من الحجارة) إلخ: وفي بعض الروايات ((اجعل إزارك على رقبتك يقك من الحجارة)) . قوله: (فخرّ إلى الأرض) إلخ: وفي بعض الروايات الآتية: ((فسقط مغشياً عليه)). قال النووي كثّفُ: ((في هذا الحديث بيان بعض ما أكرم الله سبحانه وتعالى به رسوله وَليه، وأنه ولو كان مصوناً محمياً في صغره عن القبائح وأخلاق الجاهلية)). قال أبو عبد الله السنوسي: ((الأنبياء عليه الصلاة والسلام معصومون معتنى بهم من الصغر)) . قوله: (وطمحت عيناه) إلخ: بفتح المهملة والميم، أي: ارتفعتا، والمعنى أنه صار ينظر إلى فوق. قوله: (ثم قام) إلخ: وفي بعض الروايات: ((ثم أفاق فقال)). قوله: (إزاري إزاري) إلخ: أي: أعطني إزاري. ﴿ته)). قوله: (فشدّ عليه إزاره) إلخ: وفي بعض الروايات: ((فشده عليه، أي: العباس ٧٧ - ( ... ) - قوله: (لو حللت إزارك) إلخ: وجواب لو محذوف، إن كانت شرطية، وتقديره: ((لكان أسهل عليك)) وإن كان للتمني فلا حذف. قوله: (فما رؤي) إلخ: بضم الراء بعدها همزة مكسورة، ويجوز كسر الراء بعدها مدة، ثم همزة مفتوحة، وفي رواية الإسماعيلي: ((فلم يتعرّ بعد ذلك))، وفي حديث أبي الطفيل ((فما رؤيت له عورة قبل ولا بعد)) وفيه: أنه ولو كان مصوناً عما يستقبح قبل البعثة وبعدها، وفيه: النهي عن التعري بحضرة الناس. ١٤٧ كتاب: الحيض مَخْرَمَةَ(١)؛ قَالَ: أَقْبَلْتُ بِحَجَرٍ، أَحْمِلُهُ، ثَقِيلٍ. وَعَلَيَّ إِزَارٌ خَفِيفٌ. قَالَ: فَانْحَلَّ إِزَارِي وَمَعِيَ الْحَجَرُ. لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَضَعَهُ حَتَّى بَلَغْتُ بِهِ إِلَى مَوْضِعِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَى : (ارْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ فَخُذْهُ. وَلا تَمْشُوا عُرَاةً». (٢٠) - باب: ما يستتر به لقضاء الحاجة ٧٧٢ - (٧٩) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، (وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ)، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعدٍ، مَوْلَى الْحَسنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ(٢)؛ قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَلِ ذَاتَ يَوْم خَلْفَهُ. فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثاً لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَداً مِنَ النَّاسِ. وَكَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ لِحَاجَتِهِ، هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ . ٧٨ - ٣٤١) - قوله: (عن المسور بن مخرمة) إلخ: المسور بكسر الميم وسكون السين المهملة ومخرمة بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء. قوله: (لم أستطع أن أضعه) إلخ: أي: الحجر وآخذ ثوبي. قوله: (حتى بلغت به) إلخ: أي: بالحجر . قوله: (ولا تمشوا عراة) إلخ: نهي تحريم، وعراة جمع عار، كقضاة جمع قاض، عمّ الخطاب ثانياً إيذاناً بأن الحكم عام، وقيد المشي واقعي، أو إيماء إلى أنه أقبح. (٢٠) - باب: ما يستتر به لقضاء الحاجة ٧٩ - (٣٤٢) - قوله: (وعبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي) إلخ: بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة. قوله: (هدف) إلخ: بفتح الهاء والدال، هو ما ارتفع من الأرض من بناء، أو كثيب رمل، أو جبل. قوله: (أو حائش نخل) إلخ: بالحاء المهملة والشين المعجمة، هو حائط نخل، كما فسره (١) قوله: ((عن المسور بن مخرمة)) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الحمام، باب ما جاء في التعري، رقم (٤٠١٦). (٢) قوله: ((عن عبد الله بن جعفر)) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الجهاد، باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم، رقم (٢٥٤٩) وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب الارتياد للغائط والبول، رقم (٣٤٠). والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة والطهارة، باب التستر عند الحاجة، رقم (٦٦٩) وباب ما يستحب أن يستتر به، رقم (٧٦١). ١٤٨ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ ابْنُ أَسْمَاءَ فِي حَدِيثِهِ: يَعْنِي حَائِطَ نَخْلٍ . (٢١) - باب إنما الماء من الماء ٧٧٣ - (٨٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. (قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنْ شَرِيكٍ (يَعْنِي ابْنَ أَبِ نَمِرٍ) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ (١)؛ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَهِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ إِلَى قُبَاءٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَنِي سَالِم وَقَفَ رَسُولُ اللّهِ إِلَهُ عَلَى بَابٍ عِثْبَانَ، فَصَرَخَ بِهِ. فَخَرَجَ يَجُرُّ إِزَارَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((أَعْجَلْنَا الرَّجُلَ)) فَقَالَ عِثْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُعْجَلُ عَنِ امْرَأَتِهِ وَلَمْ يُمْنِ. مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: ((إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ)). في الكتاب، وقال ابن تيمية صاحب المنتقى: ((حائش نخل أي: جماعته، ولا واحد له من لفظه» . قال الشوكاني: ((والحديث يدل على استحباب أن يكون قاضي الحاجة مستتراً حال الفعل بما يمنع من رؤية الغير له وهو على تلك الصفة)). (٢١) - باب: بيان أن الجماع كان في أول الإسلام لا يوجب النسل إلا أن ينزل المني وبيان نسخه وأن الغسل يجب بالجماع ٨٠ - (٣٤٣) - قوله: (إلى قباء) إلخ: هو بضم القاف، ممدود مذكر مصروف، هذا هو الصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون، وفيه لغة أخرى: أنه مؤنث غير مصروف، وأخرى: أنه مقصور. قوله: (على باب عتبان) إلخ: بكسر العين، وقيل: بضمها . قوله: (أعجلنا الرجل) إلخ: أي: أوقعناه في العجلة. قوله: (ولم يمن) إلخ: بضم الياء وإسكان الميم، هذا هو الأفصح الأشهر، قال الله تعالى: @﴾ [سورة الواقعة، آية: ٥٨]. ﴿أَفَرََّيْتُم مَّا تُمْنُونَ قوله: (إنما الماء من الماء) إلخ: قال الحافظ: ((فيه جناس تام، والمراد بالماء الأول: ماء الغسل، وبالثاني: المني)). (١) قوله: ((عن أبيه)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر، رقم (١٨٠) وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة باب في الإكسال، رقم (٢١٧)، وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب الماء من الماء، رقم (٦٠٦). ١٤٩ كتاب: الحيض ٧٧٤ - (٨١) حدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ وفي المشكاة: ((قال ابن عباس: ((إنما الماء من الماء في الاحتلام)) رواه الترمذي)). قال التوربشتي: ((قول ابن عباس ما تأويل على سبيل الاحتمال، ولو انتهى الحديث (أي: حديث الباب) إليه بطوله لم يكن يتأوله بهذا التأويل)) اهـ. فإن السياق يأباه، ويحتمل أن يكون مراد ابن عباس ربه أن حكم: ((الماء من الماء» باقٍ إلى الآن في الاحتلام، وإن نسخ عمومه باعتبار سائر الأفراد)). والله أعلم. قال النووي: ((اعلم أن الأمة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع، وإن لم يكن معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال، وكان جماعة من الصحابة على أنه لا يجب إلا بالإنزال، ثم رجع بعضهم وانعقد الإجماع بعد الآخرين)) اهـ. وقال الحافظ: ((ويعرف بهذا (أي: بما حكاه من كلام الشافعي وغيره) أن الخلاف كان مشهوراً بين التابعين ومن بعدهم، لكن الجمهور على إيجاب الغسل وهو الصواب، وقد ذهبوا إلى أن ما دلّ عليه حديث الباب من الاكتفاء بالوضوء، إذا لم ينزل المجامع: منسوخ بما دلّ عليه أحاديث أبي هريرة وعائشة المذكورة في الباب بعده. والدليل على النسخ ما رواه أحمد وأبو داود عن أبي بن كعب قال: ((إن الفتيا التي كانوا يقولون: الماء من الماء رخصة كان رسول الله * رخص بها في أول الإسلام ثم أمرنا بالاغتسال بعدها))، وفي لفظ رواه الترمذي وصححه إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نهى عنها)). قال الحافظ بعدما نبّه على علل الإسناد: ((وفي الجملة هو إسناد صالح لأن يحتج به، وهو صريح في النسخ)). ويؤيده ما رواه أحمد عن رافع بن خديج قال: ((ناداني رسول الله وَّل وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أنزل، فاغتسلت وخرجت، فأخبرته، فقال: لا عليك، الماء من الماء، قال رافع: ثم أمرنا رسول الله (وَلقر بعد ذلك بالغسل)) حسنه الحازمي. قال الشوكاني: ((وفي تحسينه نظر، لأن في إسناده رشدين، وليس من رجال الحسن، وفيه أيضاً مجهول))، فإنه قال: ((عن بعض ولد رافع بن خديج)) فلينظر، فالظاهر ضعف الحديث لا حسنه . قال الشوكاني: ((وقد ذكر الحازمي في الناسخ والمنسوخ آثاراً تدل على النسخ)). قال الحافظ: ((وقد ذكر الشافعي أن كلام العرب يقتضي أن الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع، وإن لم يكن معه إنزال، فإن كل من خوطب بأن فلاناً أجنب من فلانة، عقل أنه أصابها وإن لم ينزل. قال: ولم يختلف أن الزنا الذي يجب به الحد هو الجماع، ولو لم يكن معه إنزال)» اهـ. ١٥٠ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ)). ٧٧٥ - (٨٢) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلاءِ بْنُ الشِّخِّيرِ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَنْسَخُ حَدِيثُهُ بَعْضُهُ بَعْضاً. كَمَا يَنْسَخُ الْقُرْآنُ بَعْضُهُ بَعْضاً . ٧٧٦ _ (٨٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكّمِ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنَصَارِ. فَّأَرْسَلَ إِلَيْهِ. فَخَرَجٌ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ. فَقَالَ: ((لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاك؟)) قَالَ: نَعَمْ. يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((إِذَا أَعْجِلْتَ أَوْ أَقْحَطْتَ. فَلا غُسْلَ عَلَيْكَ. وَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ)). وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ : إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ أُقْحِظْتَ. ٨٢ - (٣٤٤) - قوله: (نا أبو العلاء بن الشخير) إلخ: اسمه يزيد بن عبد الله بن الشخير - بكسر الشين، والخاء المعجمتين، والخاء المشددة - وأبو العلاء تابعي، ومراد مسلم برواية هذا الكلام عن أبي العلاء أن حديث: ((الماء من الماء» منسوخ، وقول أبي العلاء: ((إن السنة تنسخ السنة)» هذا صحيح. قال صاحب الإكمال: ((ينسخ من السنة المتواتر بالمتواتر، والآحاد بالآحاد، والآحاد بالمتواتر، واختلف في عكسه، والجمهور على المنع)). وقد مرّ بعض تفصيله في المقدمة. ٨٣ - (٣٤٥) - قوله: (مرّ على رجل من الأنصار) إلخ: وهو عتبان بن مالك قوله: (فأرسل إليه) إلخ: لعله وَلّ مرّ بقرب من داره، فأرسل إليه. قوله: (ورأسه يقطر) إلخ: ينزل منه الماء قطرة قطرة من أثر الغسل. قوله: (لعلنا أعجلناك) إلخ: أي: عن فراغ حاجتك من الجماع، وفيه جواز الأخذ بالقرائن. قوله: (إذا أعجلت أو أقحطت) إلخ: وفي رواية ابن بشار: ((أعجلت أو أقحطت)) أما ((أعجلت)) فهو في الموضعين بضم الهمزة وإسكان العين وكسر الجيم وأما ((أقحطت)) فهو في الأولى بفتح الهمزة والحاء، وفي رواية ابن بشار بضم الهمزة وكسر الحاء، مثل ((أعجلت)) والروايتان صحيحتان، ومعنى الإقحاط هنا عدم إنزال المني، وهو استعارة من قحوط المطر، وهو انحباسه، وقحوط الأرض، وهو عدم إخراجها النبات. ١٥١ كتاب: الحيض ٧٧٧ - (٨٤) حدّثنا أَبُوَ الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أَيُّوَبَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (١)؛ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ عَنِ الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنَ الْمَرْأَةِ ثُمَّ يُكْسِلُ؟ فَقَالَ: ((يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْمَزْأَةِ. ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِي)). ٧٧٨ - (٨٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْمَلِيِّ، عَنِ الْمَلِيِّ - (يَعْنِي بِقَوْلِهِ: الْمَلِيِّ عَنِ الْمَلِيِّ، أَبُو أَيُّوبَّ)، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ؛ أَنَّهُ قَالَ، فِي الرَّجُلِ يَأْتِي أَهْلَهُ ثُمَّ لا يُنْزِلُ قَالَ: ((يَغْسِلُ ذَكَّرَهُ وَيَتَّوضَّأُ)). ٧٧٩ - (٨٦) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ حِ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة؛ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدِ الْجُهَنِيَّ(٢) أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ. قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتّ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: ((يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ. وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ)). قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. ٨٤ - (٣٤٦) - قوله: (ثم يكسل) إلخ: ضبطناه بضم الياء، ويجوز فتحها، يقال: أكسل الرجل في جماعه إذا ضعف عن الإنزال، وكسل أيضاً بفتح الكاف وكسر السين، والأول أفصح. قوله: (يغسل ما أصابه من المرأة) إلخ: قال النووي: «فيه دليل على نجاسة رطوبة فرج المرأة)). قوله: (عن المليِّ عن المليِّ) إلخ: أي: ملىء بالعلم، معتمد عليه، وهو بالهمزة: الثقة الغني. قوله: (أبو أيوب عن أُبَيّ) إلخ: أبو بالواو للحكاية، والجملة مفعول ((يعني)) كذا في مجمع البحار. ٨٦ - (٣٤٧) - قوله: (قال عثمان: سمعته من رسول الله) إلخ: زاد البخاري من طريق (١) قوله: ((عن أبي بن كعب)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الغسل، باب غسل ما يصيب من فرج المرأة، رقم (٢٩٣). (٢) قوله: ((زيد بن خالد الجهني)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الغسل، باب غسل ما يصيب من فرج المرأة، رقم (٢٩٢). ١٥٢ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٧٨٠ - (٠٠٠) وحدَثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ. حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، عَنِ الْحُسَيْنِ. قَالَ يَحْيَى: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ؛ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ(١) أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بِ. (٢٢) - باب: نسخ ((الماء من الماء))، ووجوب الغسل بالتقاء الختانين ٧٨١ - (٨٧) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ. ح وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ. وَمَطَرٌ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي رَافِعِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(٢)؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ،وَ هِّ قَالَ: ((إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا. فَقَذَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ)). شيبان عن يحيى ((فسألت عن ذلك علياً، والزبير، وطلحة، وأبي بن كعب، فأمروه بذلك)). ( ... ) - قوله: (وأخبرني أبو سلمة) إلخ: وفي البخاري: ((قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة» قال الحافظ: ((هو عطف على مقدر، أي: أخبرني بكذا وأخبرني بكذا)). (٢٢) - باب: نسخ: ((الماء من الماء)». ووجوب الغسل بالتقاء الختانين ٨٧ - (٣٤٨) - قوله: (إذا جلس بين شعبها) إلخ: الضمير المستتر فيه، وفي قوله: (جهد) للرجل، والضميران البارزان في قوله: ((شعبها)) و((جهدها)) للمرأة، ترك إظهار ذلك للمعرفة به، و((الشعب)): جمع شعبة، وهي القطعة من الشيء، قيل: المراد هنا يداها ورجلاها، وقيل: رجلاها وفخذاها، وقيل: ساقاها وفخذاها، وقيل: فخذاها واسكتاها، وقيل: فخذاها وشفراها، وقيل: نواحي فرجها الأربع. قال الأزهري: الاسكتان ناحيتا الفرج، والشفران: طرف الناحيتين، ورجح القاضي عياض الأخير، واختار ابن دقيق العيد الأول، قال: لأنه أقرب إلى الحقيقة، أو هو حقيقة في الجلوس، وهو كناية عن الجماع، فاكتفي به عن التصريح، كذا في الفتح. قوله: (ثم جهدها) إلخ: بفتح الجيم والهاء، يقال: جهد وأجهد: أي: بلغ المشقة، قيل: (١) قوله: ((أبا أيوب)) انظر التعليقة السابقة. (٢) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الغسل، باب إذا التقى الختانان، رقم (٢٩١) والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، ذكر ما يوجب الغسل وما لا يوجبه، باب وجوب الغسل إذا التقى الختان، رقم (١٩١) و(١٩٢). وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب في لإكسال، رقم (٢١٦). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان، رقم (٦١٠). والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة والطهارة، باب في مس الختان الختان، رقم (٧٦٧). ١٥٣ كتاب: الحيض وَفِي حَدِيثِ مَطَرٍ: ((وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ)). قَالَ زُهَيْرٌ مِنْ بَيْنِهِمْ: ((بَيْنَ أَشْعُبِهَا الأَرْبَعِ)). ٧٨٢ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ (ثُمَّ اجْتَهَدَ)) وَلَمْ يَقُلْ: ((وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ)). ٧٨٣ - (٨٨) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ. حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، (وَهَذَا حَدِيثُهُ)، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ هِلالٍ. قَالَ: (وَلا أَعْلَمُهُ إِلا عَنْ أَبِي بُرْدَةً)، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ رَهْطٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ. فَقَالَ الأَنْصَارِيُّونَ: لا يَجِبُ الْغُسْلُ إِلا مِنَ الدَّفْقِ أَوْ معناه كدّها بحركته، أو بلغ جهده في العمل بها، ولمسلم من طريق شعبة عن قتادة: ((ثم اجتهد)) ورواه أبو داود من طريق شعبة وهشام معاً، عن قتادة بلفظ: ((وألزق الختان بالختان)) بدل قوله: ((ثم جهدها)) وهذا يدل على أن الجهد هنا كناية عن معالجة الإيلاج. قوله: (وإن لم ينزل) إلخ: قال النووي: ((معنى الحديث أن إيجاب الغسل لا يتوقف على نزول المني، بل متى غابت الحشفة في الفروج وجب الغسل على الرجل والمرأة، وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة ومن بعدهم، ثم انعقد الإجماع على ما ذكرنا)). قوله: (بين أشعبها الأربع) جمع شعب والشعب الاجتماع. ٨٨ - (٣٤٩) - قوله: (اختلف في ذلك رهط) إلخ: وهذا الاختلاف قد وقع في زمن عمر بن الخطاب، وساق الطحاوي قصته بأبسط سياق وأتمه من حديث رفاعة، قال: ((إني لجالس عند عمر بن الخطاب ربه إذ جاء رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في الغسل من الجنابة برأيه، فقال عمر ربه: أعجل عليّ به، فجاء زيد، فقال عمر: قد بلغني من أمرك أن تفتي الناس بالغسل من الجنابة برأيك في مسجد النبيّ وَلّ، فقال له زيد: أما والله، يا أمير المؤمنين، ما أفتيت برأيي، ولكني سمعت من أعمامي شيئاً فقلت به، فقال: من أي أعمامك؟ فقال: من أبي بن كعب، وأبي أيوب ورفاعة بن رافع، فالتفت إليّ عمر، فقال: ما . يقول هذا الفتى؟ قال: قلت: إنا كنا لنفعله على عهد رسول الله بَّار ثم لا تغتسل، قال: أفسألتم النبيّ وَّر عن ذلك؟ فقلت: لا، قال: عليّ بالناس فاتفق الناس أن الماء لا يكون إلا من الماء إلا ما كان من علي ومعاذ بن جبل، فقالا: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فقال: ١٥٤ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم مِنَ الْمَاءِ. وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: بَلْ إِذَا خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ. قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: فَأَنَا أَشْفِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ. فَقُمْتُ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ(١). فَأُذِنَ لِي. فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّاهْ، (أَوْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ)، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ. وَإِنِّي أَسْتَحْيِيكِ. فَقَالَتْ لا تَسْتَحْيِي أَنْ تَسْأَلَنِي عَمَّا كُنْتَ سَائِلاً عَنْهُ أُمَّكَ الَّتِ وَلَدتْكَ. فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ. قُلْتُ: فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ؟ قَالَتْ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَظْتَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ: ((إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، وَمَسَّ يا أمير المؤمنين، لا أجد أحداً أعلم بهذا من أمر رسول الله وَ﴿ من أزواجه، فأرسل إلى حفصة، فقالت: لا علم لي، فأرسل إلى عائشة، فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فتحطم عمر قال: لئن أخبرت بأحد يفعله ثم لا يغتسل لأنهكته عقوبة)). قال الطحاوي: ((فهذا عمر به قد حمل الناس على هذا بحضرة أصحاب رسول الله وَله، فلم ينكر ذلك عليه منكر، وسلموا ذلك له، فذلك دليل على رجوعهم أيضاً إلى قوله)). قلت: مناط الحكم بوجوب الغسل من الجنابة هو خروج المني على وجه الدفق والشهوة كما يشير إليه لفظ ((جنباً) في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَّهَّرُواْ﴾ [سورة المائدة، آية: ٦] على ما نبّه عليه صاحب الهداية، وهذا هو المراد بقوله وَطيار: ((إنما الماء من الماء)) وهذا الحكم باقٍ إلى الآن في الاحتلام وفي خروج المني بالنظر أو اللمس أو غيرهما، نعم، كان الحكم في ابتداء الإسلام دائراً على ثبوت الخروج حقيقة وحساً، ثم شدّد فيه، وأقيم مظنة الخروج - وهو التقاء الختانين مع تواري الحشفة - مقام الخروج، والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله: (بل إذا خالط) إلخ: أي: الرجل المرأة، والمخالطة كناية عن الجماع. قوله: (إني أستحييك) إلخ: أي: أستحيي من ذكر جماع النساء، وهو مما يستحى منه، لا سيما بحضرة النساء، ولا سيما عائشة رضيها ومكانها من التوقير، وقد بسطته للسؤال بقولها: ((عما کنت سائلاً عنه أمك». قوله: (على الخبير سقطت) إلخ: قال النووي: ((معناه صادفت خبيراً بحقيقة ما سألت عنه، عارفاً بخفیه وجلیه، حاذقاً فیه)). وفي إكمال إكمال المعلم: ((على الخبير سقطت)) مثل، قال أبو عبيد: وأصله لمالك بن جبير أحد حكماء العرب، وبه تمثل الفرزدق حين لقيه الحسين، وهو يريد العراق للبيعة، وقال (١) قوله: ((عن عائشة)) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب ما جاء إذا التقى الختانان وجب الغسل، رقم (١٠٨) و(١٠٩). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان، رقم (٦٠٨). ١٥٥ كتاب: الحيض الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ)). ٧٨٤ - (٨٩) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَّيْلِيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أُمِّ كُلْتُومٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيّ بَّهِ. قَالَتْ: إِنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهِ عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُّ أَهْلَهُ ثُمَّ يُكْسِلُ. هَلْ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ؟ وَعَائِشَةُ جَالِسَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَّهِ: ((إِنِّي لِأَفْعَلُ ذَلِكَ. أَنَا وَهَذِهِ. ثُمَّ نَغْتَسِلُ)). له: ما وراءك؟ فقال: ((على الخبير سقطت)) قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والأمر ينزل من السماء، فقال: صدقتني. قوله: (ومس الختان الختان) إلخ: ولفظ الترمذي: ((إذا جاوز الختان الختان)). قال الحافظ ابن سيد الناس في شرح الترمذي، حاكياً عن ابن العربي: ((وليس المراد (أي في حديث الباب) حقيقة المس، ولا حقيقة الملاقاة، وإنما هو من باب المجاز والكناية عن الشيء بما بينه وبين ملابسة أو مقاربة، وهو ظاهر، وذلك أن ختان المرأة في أعلى الفرج، ولا يمسه الذكر في الجماع))، وقد أجمع العلماء كما أشار إليه على أنه لو وضع ذكره على ختانها ولم يولجه لم يجب الغسل على واحد منهما، فلا بد من قدر زائد على الملاقاة، وهو ما وقع مصرحاً به في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ: ((إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل)) أخرجه ابن أبي شيبة، والتصريح بلفظ الوجوب في هذا الحديث والذي قبله مشعر بأن ذلك على وجه الحتم ولا خلاف فيه بين القائلين بأن مجرد ملاقاة الختان الختان سبب للغسل، كذا في نيل الأوطار. ٨٩ - (٣٥٠) - قوله: (عن أم كلثوم) إلخ: تابعية، وهي بنت أبي بكر الصديق، وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن جابراً صحابي، وهو أكبر من أم كلثوم سناً، ومرتبة، وفضلاً، روم أجمعين. قوله: (إني لأفعل ذلك) إلخ: فيه جواز ذكر مثل هذا بحضرة الزوجة إذا ترتبت عليه مصلحة، ولم يحصل به أذى، وإنما قال النبيّ وَله بهذه العبارة ليكون أوقع في نفسه، فهذا مبالغة في البيان، لا سيما مع ما تقدّم من الرخصة في ترك الغسل. ١٥٦ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٢٣) - باب: الوضوء مما مست النار ٧٨٥ - (٩٠) وحدّثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي. حَدَّثَنِي عُقَيْلِ بْنُ خَالِدٍ. قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام؛ أَنَّ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدِ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَاهُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ(١) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وُلِّهِ يَقُولُ: ((الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)). (٢٣) - باب: الوضوء مما مست النار ٩٠ - (٣٥١) - قوله: (الوضوء مما مست النار) إلخ: قال النووي: ((ذكر مسلم تَُّ تعالى في هذا الباب الأحاديث الواردة بالوضوء مما مست النار، ثم عقبها بالأحاديث الواردة بترك الوضوء مما مست النار، فكأنه يشير إلى أن الوضوء منسوخ، وهذه عادة مسلم وغيره من أئمة الحديث، يذكرون الأحاديث التي يرونها منسوخة ثم يعقبونها بالناسخ)). وقد اختلف العلماء في قوله وَالر: (توضؤوا مما مست النار)) فذهب جماهير العلماء من السلف والخلف - منهم الخلفاء الراشدون، والأئمة الأربعة - إلى أنه لا ينتقض الوضوء بأكل ما مسته النار، وذهبت طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي وضوء الصلاة بأكله. قال النووي: ((وهذا الخلاف كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على عدم وجوب الوضوء)). واحتج الموجبون بحديث الباب ونظائره، واحتج الجمهور بالأحاديث الواردة بترك الوضوء مما مسته النار، وقد ذكر مسلم هنا منها جملة، وباقيها في كتب أئمة الحديث المشهورة، وأجابوا عن حديث الوضوء مما مست النار بأنه منسوخ، ودليل تأخر أحاديث الترك حديث جابر ظُه قال: ((كان آخر الأمرين من رسول الله وَلل ترك الوضوء مما مست النار)) قال النووي: ((وهو حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وغيرهما من أهل السنن بأسانيدهم الصحيحة)) لكن قال الحافظ في التلخيص: ((قال أبو داود: هذا اختصار من حديث («قربت للنبيّ ◌َ ﴿ خبزاً ولحماً، فأكل، ثم دعا بوضوء، فتوضأ قبل الظهر، ثم دعا بفضل طعامه، فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)) وقال ابن حبان نحواً مما قاله أبو داود، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه في العلل نحوه))، وزاد: ((ويمكن أن يكون شعيب حدث به من حفظه فوهم فيه)). قال الحافظ: ((وله علة أخرى))، قال الشافعي في سنن حرملة: ((لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل)) اهـ. (١) قوله: ((زيد بن ثابت)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب الوضوء مما غيّرت النار، رقم (١٧٩). والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة والطهارة، باب الوضوء مما مست النار، رقم (٧٣٢). ١٥٧ كتاب: الحيض قال العلامة ابن التركماني: ((ودعوى الاختصار في غاية البعد، وذكر البيهقي في المعرفة أنه قد روي عن حجاج بن محمد، وعبد الرزاق، ومحمد بن بكر، عن ابن جريج، عن ابن المنكدر، قال: ((سمعت جابر بن عبد الله)) الحديث، فإن لم يكن ذكر السماع فيه وهماً من ابن جريج فالحديث صحيح على شرط صاحبي الصحيح)) اهـ. قال بعض العلماء: ((والعلل التي ذكروها في حديث جابر كلها واهية بعد صحة الطريق بأصله وثقة رواته)) اهـ. قال الحافظ في التلخيص: ((ويشيد أصل حديث جابر ما أخرجه البخاري في الصحيح عن سعيد بن الحارث ((قلت لجابر: الوضوء مما مست النار؟ قال: لا)). وللحديث شاهد من حديث محمد بن مسلمة أخرجه الطبراني في الأوسط ولفظه: ((أكل آخر أمره لحماً ثم صلى ولم يتوضأ) كذا في التلخيص، قال الهيثمي: وفيه يونس بن خالد، ولم أر من ذكره)). وروى سعيد بن منصور في سننه، وابن أبي شيبة في مصنفه، عن جابر بن عبد الله قال: ((أكلت مع رسول الله وَّر، ومع أبي بكر، وعمر، وعثمان خبزاً ولحماً، فصلوا ولم يتوضؤوا)) كذا في كنزل العمال. فذكره رولُله أبا بكر وعمر وعثمان مع النبيّ وَّه يشير إلى كون ترك الوضوء آخر الأمرين من رسول الله الحار. وروى الضياء في المختارة، وابن أبي شيبة - كما في كنز العمال - وأحمد، والطبراني في الكبير، ورجاله ثقات - كما في مجمع الزوائد - عن المغيرة بن شعبة ((أن رسول الله و لو أكل طعاماً، ثم أقيمت الصلاة، فقام وقد كان توضأ قبل ذلك، فأتيته بماء ليتوضأ منه، فانتهرني، وقال: وراءك، فساءني والله ذلك، ثم صلى، فشكوت ذلك إلى عمر، فقال: يا نبي الله، إن المغيرة قد شق عليه انتهارك إياه، وخشي أن يكون في نفسك عليه شيء، فقال النبيّ ◌َّ: ليس في نفسي إلا خير، ولكن أتاني بماء لأتوضأ، وإنما أكلت، ولو فعلت فعل الناس بعدي ذلك)) اهـ. ففيه دلالة على تقدم العهد بالوضوء مما مست النار على تركه، وإلا فلا معنى الإتيان المغيرة بالماء للتوضىء لو لم يكن الوضوء معهوداً معروفاً من قبل، وظاهر أن مثل ذلك العلم لا يستفاد إلا من جهة الشارع، فدل الحديث على أن الترك كان بعد الفعل والأمر. وفي الباب حديث آخر رواه الطبراني في الكبير (وفيه ابن إسحاق وهو مدلّس ثقة) عن الحسن بن علي ((أنه دخل على رسول الله * * في بيت فاطمة، فناولته كتف شاة مطبوخة، فأكلها، ثم قام يصلي، فأخذت ثيابه، فقالت: ألا توضأ يا رسول الله، قال: بم يا بنية؟ قالت: قد أكلت مما مسته النار، قال: إن أطهر طعامكم ما مسته النار)) وهذا نظير حديث المغيرة في الدلالة على تقدم الأمر بالوضوء، وفعله على الترك والامتناع منه . ١٥٨ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٠٠ وحكى البيهقي عن عثمان الدارمي أنه قال: ((لما اختلفت أحاديث الباب ولم يتبيّن الراحج منها نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون بعد النبيّ وَّر، فرجّحنا به أحد الجانبين)) وارتضى النووي هذا في شرح المهذب وبهذا تظهر حكمة تصدير البخاري حديث ترك الوضوء بالأثر المنقول عن الخلفاء الثلاثة، قاله الحافظ. وروى مالك في الموطأ عن موسى بن عقبة، عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري ((أن أنس بن مالك قدم من العراق، فدخل عليه أبو طلحة، وأبي بن كعب، فقرب لهما طعاماً قد مسته النار، فأكلوا منه، فقام أنس فتوضأ، فقال أبو طلحة، وأبي بن كعب: ما هذا يا أنس؟ أعراقية؟ (أي: أبالعراق استفدت هذا العلم وتركت عمل أهل المدينة المتلقى عن النبيّ وَّ؟) فقال أنس: ليتني لم أفعل (أي: لأنه يوهم الشبهة) وقام أبو طلحة وأبي بن كعب فصليا ولم يتوضأ)». قال الطحاوي: ((فهذا أبو طلحة وأبو أيوب قد صليا بعد أكلهما مما غيرت النار، ولم يتوضأ، وقد رويا عن رسول الله ير أنه أمر بالوضوء من ذلك فيما قد روينا عنهما في هذا الباب، فهذا لا يكون عندنا إلا وقد ثبت نسخ ما قد رويا عن النبيّ وَل ◌ّ من ذلك عندهما. قال الزرقاني: ((فدل فعلهما وإنكارهما وهما منهما على أنس، ورجوعه إليهما على أن إجماع أهل المدينة على أن لا وضوء مما مست النار، (والمسألة مما تعم به البلوى في كل زمان) وهو من الحجج القوية الدالة على نسخ الوضوء منه. قال: وهو يفيد أيضاً رد ما ذهب إليه الخطابي من حمل أحاديث الأمر على الاستحباب، إذ لو كان مستحباً ما ساغ إنكارهما عليه، والله أعلم)) اهـ. قال المهلب: ((إنهم كانوا ألِفوا في الجاهلية قلة التنظيف، فأمروا بالوضوء مما مست النار، فلما تقررت النظافة في الإسلام وشاعت: نسخ)) اهـ. وقد ورد في حديث أبي أمامة الباهلي ((أن النبيّ ◌َّ كان يقول لأصحابه: إذا كان أحدكم على وضوء فأكل طعاماً، لا يتوضأ منه إلا أن يكون لبن الإبل إذا شربتموه فتمضمضوا بالماء)) رواه الطبراني في الكبير. قال الهيثمي: ((ورجاله لم أر من ترجم أحداً منهم، ورواه الضياء في المختارة، وقد التزم فيه الصحة، وذكره صاحب الكنز من غير تعقب، والله أعلم)). هذا، والقول العدل عندنا ما حققه الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((أن موجبات الوضوء في شريعتنا على ثلاث درجات: إحداها: ما اجتمع عليه جمهور الصحابة، وتطابق فيه الرواية، والعمل الشائع، وهو البول، والغائط والريح، والمذي، والنوم الثقيل. ١٥٩ كتاب: الحيض والثانية: ما اختلف فيه السلف من فقهاء الصحابة والتابعين، وتعارض فيه الرواية عن النبيّ ◌َّ: كمس الذكر، ولمس المرأة، والأصح في هذه (أي: في هذا القسم من الموجبات) أن من احتاط فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن لا فلا سبيل عليه في صراح الشريعة، ولا شبهة أن لمس المرأة مهيّج للشهوة، مظنة لقضاء شهوة دون شهوة الجماع، وأن مس الذكر فعل شنيع، ولذلك جاء النهي عن مس الذكر بيمينه في الاستنجاء، فإذا كان قبضاً عليه كان من أفعال الشياطين لا محالة، والدم السائل والقيء الكثير ملوّثان للبدن، ملبدان للنفس، والقهقهة في الصلاة خطيئة تحتاج إلى كفارة، فلا عجب أن يأمر الشارع بالوضوء من هذه، ولا عجب أن لا يأمر، ولا عجب أن يرغب فيه من غير عزيمة. والثالثة: ما وجد فيه شبهة من لفظ الحديث، وقد أجمع الفقهاء من الصحابة والتابعين على تركه: كالوضوء مما مست النار، فإنه ظهر عمل النبيّ وَّر والخلفاء وابن عباس وأبي طلحة وغيرهم بخلافه، وبيّن جابر أنه منسوخ، وكان السبب في الوضوء منه أنه ارتفاق كامل لا يفعل مثله الملائكة، فيكون سبباً لانقطاع مشابهتهم، وأيضاً فإن ما يطبخ بالنار يذكّر نار جهنم، ولذلك نهى عن الكي إلا لضرورة، فلذلك لا ينبغي للإنسان أن يشغل قلبه به، أي: بالقسم الثالث من موجبات الوضوء)). وقد أشار الشيخ قدس الله روحه في شرح الموطأ إلى ((أن الوضوء من أمثال هذه الأمور يمكن أن يكون مندوباً في حق الخواص المشتغلين بتهذيب النفس، المتجردين لتزكيتها، ولا يكون شريعة عامة يكلف بها سائر العباد، والله أعلم) اهـ. قال الإمام الشعراني: ((ووجه الوضوء مما مست النار، أن النار مظهر غضبي يعذب الله تعالى به من شاء من العصاة، فلا يناسب من أكل مما مست النار أن يقف بين يدي الله تعالى إلا بعد التطهر منه طهارة كاملة، ووجه ترك الوضوء منه خفاء هذا الوجه على غالب الناس، فلذلك كان الوضوء منه خاصاً بالأكابر الذين يعرفون وجه ذلك، بخلاف الأصاغر فلا يؤمرون بالوضوء منه، وكان ذلك آخر الأمرين من رسول الله وَطر، توسعة على الملة)) اهـ. وقال الحافظ ابن القيم: ((إن المعنى الذي أمرنا بالوضوء لأجله منها هو اكتسابها من القوة النارية، وهي مادة الشيطان التي خلق منها، والنار تطفأ بالماء، وقد ظهر اعتبار نظيره في الأمر بالوضوء من الغضب»، ففي الحديث: ((إن الغضب من الشيطان، فإذا غضب أحدكم فلیتوضأ)» اهـ. قلت: وجملة الكلام في هذا المقام أن أحاديث الأمر بالوضوء مما مسته النار إما إيجاب منسوخ، وإما استحباب غير منسوخ، والثاني أظهر، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. ١٦٠ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٧٨٦ - (٠٠٠) قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ وَجَدَ أَبًّا هُرَيْرَةَ(١) يَتَوَضَّأُ عَلَى الْمَسْجِدِ. فَقَالَ: إِنَّمَا أَتَوَضَّأُ مِنْ أَنْوَارِ أَقِطِ أَكَلْتُهَا. لأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((تَوَضَّأُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)». ٧٨٧ - (٠٠٠) قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وَأَنَا أُحَدِّثُهُ هَذَا الْحَدِيثَ؛ أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةً بْنَ الزُّبَيْرِ عَنِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ(٢)، زَوْجَ النَّبِيِّ نَّهِ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: (تَوَضَّأُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)). (٣٥٢) - قوله: (أن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أخبره) إلخ: قال النووي: ((هكذا هو في مسلم هنا، وفي باب الجمعة، والبيوع، ووقع في باب الجمعة من كتاب مسلم من رواية ابن جريج: إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، وكلاهما قد قيل، وقد اختلف الحفاظ فيه على هذين القولين، فصار إلى كل واحد منهما جماعة كثيرة، وقارظ: بالقاف، وكسر الراء، وبالظاء المعجمة)). قوله: (يتوضأ على المسجد) إلخ: قال النووي: «فيه دليل على جواز الوضوء في المسجد، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على جوازه ما لم يؤذ به أحداً)). قوله: (من أثوار أقط) إلخ: الأثوار: جمع ثور، وهو القطعة من الأقط، وهو بالثاء المثلثة، والأقط: لبن جامد مستحجر، وهي مما مسّت النار، كذا في نيل الأوطار. قوله: (لأني سمعت رسول الله (وَ (*) إلخ: ((استدلال بالعموم، وقد وقع في حديث لأبي هريرة عند البزار أن رسول الله * توضأ من أثوار أقط، ثم أكل كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ)). وهو في الصحيح خلا قوله: ((ثم أكل كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ)) ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ البزار، كذا في مجمع الزوائد. (١) قوله: ((أبا هريرة)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب الوضوء مما غيرت النار، رقم (١٧١) و(١٧٢) و(١٧٣) و(١٧٦)، وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب التشديد في ذلك، رقم (١٩٤). والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء مما غيرت النار، رقم (٧٩). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننه، باب الوضوء مما غيرت النار، رقم (٤٨٥). (٢) قوله: ((عائشة زوج النبي ◌َّ)) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء مما غيرت النار، رقم (٤٨٦).