Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
كتاب: الطهارة
فَانْتَهَيْنَا إِلى الْقَوْمِ وَقَدْ قَامُوا فِي الصَّلاَةِ. يُصَلِّ بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ
رَكْعَةٌ. فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ وَّهَ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ. فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ. فَصَلَّى بِهِمْ. فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ
النَّبِيُّ وَّهِ وَقُمْتُ. فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا.
قوله: (وقد قاموا في الصلاة) إلخ: فيه أن الإمام إذا تأخر عن أول الوقت استحبّ
للجماعة أن يقدموا أحدهم، فيصلي بهم إذا وثقوا بحسن خلق الإمام، وأنه لا يتأذى من ذلك،
ولا يترتب عليه فتنة. فأما إذا لم يأمنوا أذاه فإنهم يصلون في أول الوقت فرادى، ثم إن أدركوا
الجماعة بعد ذلك استحبّ لهم إعادتها معهم.
قال القاري: ((وإنما يستحبّ ترك انتظاره - أي الإمام - إذا مضى زمان كثير، إن لم يعلموا
أنه متى يجيء، أما إذا علموا فيستحبّ الانتظار)). أي: إذا لم يخافوا خروج الوقت.
قوله: (يصلي بهم عبد الرحمن بن عوف) إلخ: ولابن سعد: ((فأسفر الناس بصلاتهم،
حتى خافوا الشمس فقدّموا عبد الرحمن)).
قوله: (ذهب يتأخر) إلخ: أي: شرع في التأخر من موضعه ليتقدم النبيّ وَّه.
قوله: (فأومأ إليه) إلخ: أي: أن يكون على حاله.
قوله: (فصلى بهم) إلخ: فيه اقتداء الفاضل بالمفضول، وجواز صلاة النبيّ وَّر خلف
بعض أمته .
وقد ثبت في الصحيحين: ((أن رسول الله وَّر ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم،
فحانت الصلاة، فصلى أبو بكر ظله بالناس، فجاء رسول الله وَطر والناس في الصلاة - وفي
بعض الروايات ما يعلم منه أن مجيئه وسيتر كان في مفتح الصلاة - حتى وقف في الصف، فالتفت
أبو بكر فرأى رسول الله وص له، فأشار إليه رسول الله صلهو أن: امكث مكانك، ثم استأخر أبو بكر
حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ◌َ﴿ فصلى، فلما انصرف قال: يا أبا بكر، ما منعك
أن تثبت إذا أمرتك؟ فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله وَلات)).
قال النووي: ((أما بقاء عبد الرحمن في صلاته وتأخر أبي بكر الصديق رضيثًا ليتقدم
النبيّ وَّر: فالفرق بينهما أن في قضية عبد الرحمن كان قد ركع ركعة، فترك النبيّ وَّر التقدم لئلا
يختلّ ترتيب صلاة القوم، بخلاف قضية أبي بكر ظُه، فإنه كان استفتح الصلاة)).
قال الحافظ تخلّفُهُ: ((وبهذا يجاب عن الفرق بين المقامين، حيث امتنع أبو بكر هنا أن
يستمر إماماً، وحيث استمر في مرض موته وق له حين صلى خلفه الركعة الثانية من الصبح، كما
صرح به موسى بن عقبة في المغازي، فكأنه لما أن مضى معظم الصلاة حسن الاستمرار، ولما
أن لم يمض منها إلا اليسير لم يستمرّ)).
قوله: (الركعة التي سبقتنا) إلخ: بفتح السين والباء والقاف، وبعدها مثناة من فوق ساكنة،
أي: وجدت قبل حضورنا، كذا في الشرح.

٢٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٣٣ - (٨٢) حدّثنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. قَالا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ
عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّ مَسَحَ
عَلَى الْخُقَيْنِ، وَمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَعَلَى عِمَامَتِهِ.
٦٣٤ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَكْرٍ،
عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، بِمِثْلِهِ.
٦٣٥ - (٨٣) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. جَمِيعاً عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ.
قَالَ ابْنُ حَاتِم: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْحَسَنِ،
عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً، عَنْ أَبِهِ؛ (قَالَ بَكْرٌ: وَقَدْ سَمِعْتُ مِن ابْنِ الْمُغِيرَةِ) أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ
تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ، وَعَلَى الْخُفَيْنِ.
٦٣٦ - (٨٤) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةَ ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. كِلاَهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْحَكّم،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمِنِ بْنِ أَبِي لَيْلَىُ، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ بِلاَلٍ (١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ
مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ .
وَفِي حَدِيثِ عِيَسى: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ، حَدَّثَنِي بِلاَلٌ. وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا
عَلِيٍّ، (يَعْنِي ابْنَ مُسْهِرٍ)، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
وفي رواية ابن سعد ((فصلينا الركعة التي أدركنا، وقضينا التي سبقتنا، فقال وَل حين صلى
خلف عبد الرحمن: ما قبض نبي قط حتى صلى خلف رجل صالح من أمته))، وفي هذا الحديث
دليل على أن المسبوق إنما يقضي الركعة السابقة، وهو قوله وَلجر: ((وما فاتكم فاقضوا)) والله
أعلم.
٨٤ - (٢٧٥) - قوله: (والخمار) إلخ: يعني بالخمار العمامة، لأنها تخمر الرأس أي:
تغطيه .
قوله: (وفي حديث عيسى حدثني الحكم) إلخ: معنى هذا أن الأعمش يروي عنه هنا
(١) قوله: ((عن بلال)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب المسح على العمامة، رقم
(١٠٤) و(١٠٥) وباب المسح على الخفين، رقم (١٢٠). وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب
المسح على الخفين، رقم (١٥٣) والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب ما جاء في المسح على
العمامة، رقم (١٠١). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في المسح على
العمامة، رقم (٥٦١).

٢٣
كتاب: الطهارة
وقَالَ فِي الْحَدِيثِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَه.
(٢٤) - باب: التوقيت في المسح على الخفين
٦٣٧ - (٨٥) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا
الثَّوْرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلاَئِيِّ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ
شُرَيْحِ بْنِ هَانِىءٍ (١)؛ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
اثنان: أبو معاوية، وعيسى بن يونس. فقال أبو معاوية في روايته عن الأعمش: ((عن الحكم))
وقال عيسى بن أبي ليلى في روايته عن الأعمش: ((قال: حدثني الحكم)) فأتى ((بحدثني)) بدل
(عن)) ولا شك أن ((حدثنا)) أقوى، لا سيما من الأعمش الذي هو معروف بالتدليس. وقال أيضاً
أبو معاوية في روايته عن الأعمش: ((عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال، عن كعب بن
عجرة)). وقال عيسى في روايته عن الأعمش: ((حدثني الحكم، عن ابن أبي ليلى، قال: حدثني
بلال» فأتی ابحدثني بلال)» موضع ((عن بلال)).
ثم اعلم أن هذا الإسناد الذي ذكره مسلم كثّفُ تعالى مما تكلم عليه الدارقطني في كتاب
العلل، وذكر الخلاف في طريقه، والخلاف عن الأعمش فيه، وأن بلالاً سقط منه عند بعض
الرواة، وذكر الخلاف في طريقه، والخلاف عن الأعمش فيه، وأن بلالاً سقط منه عند بعض
الرواة، واقتصر على كعب بن عجرة، وأن بعضهم عكسه، فأسقط كعباً، واقتصر على بلال، وأن
بعضهم زاد البراء بين بلال وابن أبي ليلى، وأكثر من رواه رووه كما هو في مسلم، وقد رواه
بعضهم عن علي بن أبي طالب ظُه، عن بلال. والله أعلم.
(٢٤) - باب: التوقيت في المسح على الخفين
٨٥ - (٢٧٦) - قوله: (عن عمرو بن قيس الملائي) إلخ: الملائي بضم الميم وبالمد، كان
يبيع الملاء، وهو نوع من الثياب، معروف، الواحدة ملاءة بالمد، وكان من الأخيار.
قوله: (عن الحكم بن عتيبة) إلخ: بضم العين، وبعدها مثناة من فوق، ثم مثناة من تحت،
ثم موحدة.
قوله: (عن القاسم بن مخيمرة) إلخ: مخيمرة بضم الميم وبالخاء المعجمة.
قوله: (عن شريح بن هانىء) إلخ: شريح بالشين المعجمة، وبالحاء، وهانىء بهمزة آخره.
(١) قوله: ((عن شريح بن هانىء)) حديث علي بن أبي طالب هذا أخرجه النسائي في كتاب الطهارة، باب التوقيت
في المسح على الخفين للمقيم، رقم (١٢٨) و(١٢٩).
قال ابن الأثير رحمه الله في جامع الأصول (٢٤٣/٧، رقم ٥٢٨٣): ((أخرجه مسلم وأخرجه النسائي لم
یذکر عائشة)) اهـ.
=

٢٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ فَسَلْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ. فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ:
جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَّيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْماً وَلَيْلَةً لِلْمُقِيم.
قوله: (فقالت: عليك بابن أبي طالب) إلخ: قال الشارح كثّفُ: ((فيه أنه يستحب للمحدث
والمعلم والمفتي إذا طلب منه ما علمه عند أجلّ منه أن يرشد إليه، وإن لم يعرفه قال: اسأل عنه
فلاناً)) اهـ.
قلت: وفيه أيضاً ذكر عائشة رضيبه علياً رظللله بخير وفضل ومنقبة عند مسيس الحاجة إليه،
فتنبه له، فإن فيه إصلاح من يغلط في ترك عائشة تسمية الرجل الآخر من الرجلين الذين كان
النبي ◌َّ يهادي بينهما في مرض موته، وسمت أحدهما، وهو العباس ظه، وكان الآخر
علياً څبه.
قوله: (جعل رسول الله وَّ ر ثلاثة أيام) إلخ: قال النووي: ((في هذا الحديث حجة واضحة
لمذهب الجمهور أن المسح على الخفين مؤقت بثلاثة أيام في السفر، وبيوم وليلة في الحضر،
وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة ظنّه، فمن بعدهم.
وقال مالك في المشهور عنه: يمسح بلا توقيت، وهو قول قديم ضعيف عن الشافعي.
قال الشيخ أبو بكر الرازي: ((ومن حيث ثبت المسح على الخفين ثبت التوقيت فيه للمقيم
والمسافر على ما بيّا، لأن بمثل الأخبار الواردة في المسح مطلقاً ثبت التوقيت أيضاً، فإن بطل
التوقيت بطل المسح، وإن ثبت المسح ثبت التوقيت.
فإن احتج المخالف في ذلك بما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لعقبة بن عامر حين
قدم عليه وقد مسح على خفيه جمعة: ((أصبت السنة)) وبما روى حماد بن زيد عن كثير بن شنظير
عن الحسن ((أنه سئل عن المسح على الخفين في السفر، فقال: كنا نسافر مع أصحاب
رسول الله ◌َ﴿ فلا يوقتون))، قيل له: قد روى سعيد بن المسيب عن عمر أنه قال لابنه عبد الله
حين أنكر على سعد المسح على الخفين: ((يا بني، عمك أفقه منك، للمسافر ثلاثة أيام ولياليها،
وللمقیم یوم وليلة)).
وسويد بن غفلة عن عمر أنه قال: ((ثلاثة أيام ولياليها للمسافر، ويوم وليلة للمقيم)) وقد
قلت: قد أخرج الإمام النسائي رحمه الله هذا الحديث عن طريقين: أحدهما عن طريق: ((إسحاق بن
إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن عمرو بن قيس الملائي، عن الحكم)) وليس فيه ذكر
عائشة. وأما الطريق الثاني فهكذا: ((أخبرنا هناد بن السري، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن الحكم))
وفيه ذكر عائشة رضي الله عنها .
والحديث أخرجه ابن ماجه أيضاً في سننه في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في التوقيت في المسح
للمقيم والمسافر، رقم (٥٥٢). والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة والطهارة، باب التوقيت في المسح.

٢٥
كتاب: الطهارة
ثبت عن عمر التوقيت على الحد الذي بيناه، فاحتمل أن يكون قوله وثيقة لعقبة حين مسح على
خفيه جمعة: ((أصبت السنة)) يعني: أنك أصبت السنة في المسح، وقوله: ((إنه مسح جمعة)) إنما
عنى به أنه مسح جمعة على الوجه الذي يجوز عليه المسح، كما يقول القائل: مسحت شهراً
على الخفين، وهو يعني على الوجه الذي يجوز فيه المسح، لأنه معلوم أنه لم يرد به أنه مسح
شهراً دائماً لا يفتر، وإنما أراد به المسح في الوقت الذي يحتاج فيه إلى المسح، كذلك إنما أراد
الوقت الذي يجوز فيه المسح، وكما تقول: صليت الجمعة شهراً بمكة، والمعنى في الأوقات
التي يجوز فيها فعل الجمعة.
وأما قول الحسن: ((إن أصحاب النبي ◌َّ﴿ الذين سافرنا معهم كانوا لا يوقتون)): فإنه إنما
عنى به - والله أعلم - أنهم ربما خلعوا الخفاف فيما بين يومين أو ثلاثة، وإنهم لم يكونوا
يداومون على مسح الثلاث حسبما قد جرت به العادة من الناس أنهم ليسوا يكادون خفافهم لا
ينزعونها ثلاثاً، فلا دلالة فيه على أنهم كانوا يمسحون أكثر من ثلاث.
فإن قيل: في حديث خزيمة بن ثابت عن رسول الله وَليقول أنه قال: ((المسح على الخفين
للمسافر ثلاثة أيام ولياليها، وللمقيم يوم وليلة، ولو استزدناه لزادنا)) وفي حديث أبي بن عمارة
أنه قال: ((يا رسول الله، أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قال يوماً؟ قال: ويومين، قال: وثلاثة؟
قال: نعم وما شئت)) وفي حديث آخر قال: ((حتى بلغ سبعاً)).
قيل له: أما حديث خزيمة وما قيل فيه: ((ولو استزدناه لزادنا)) فإنما هو ظن من الراوي،
والظن لا يغني من الحق شيئاً .
وأما حديث أبي بن عمارة، فقد قيل: إنه ليس بالقوي، وقد اختلف في سنده، ولو ثبت
كان قوله: ((وما شئت)) على أنه يمسح بالثلاث ما شاء، وغير جائز الإعتراض على أخبار
التوقيت بمثل هذه الأخبار الشاذة المحتملة للمعاني مع استفاضة الرواية عن النبيّ وَّه بالتوقيت.
فإن قيل: لما جاز المسح وجب أن يكون غير موقت كمسح الرأس، قيل له: لا حظّ للنظر
مع الأثر، فإن كانت أخبار التوقيت ثابتة فالنظر معها ساقط، وإن كانت غير ثابتة فالكلام حينئذٍ
ينبغي أن يكون في إثباتها، وقد ثبت التوقيت بالأخبار المستفيضة من حيث لا يمكن دفعها،
وأيضاً فإن الفرق بينهما ظاهر من طريق النظر، وهو أن مسح الرأس هو المفروض في نفسه،
وليس ببدل عن غيره، والمسح على الخفين بدل عن الغسل مع إمكانه من غير ضرورة، فلم يجز
إثباته بدلاً إلا في المقدار الذي ورد به التوقيت.
فإن قيل: قد جاز المسح على الجبائر بغير توقيت وهو بدل عن الغسل: قيل له: أما على
مذهب أبي حنيفة فهذا السؤال ساقط، لأنه لا يوجب المسح على الجبائر، وهو عنده مستحب،

٢٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
تركه لا يضرّ، وعلى قول أبي يوسف ومحمد أيضاً لا يلزم، لأنه إنما يفعله عند الضرورة،
كالتيمم، والمسح على الخفين جائز بغير ضرورة، فلذلك اختلفا))(١).
قلت: ويمكن أن يقال: إنه كان المسح في أول الأمر غير موقت، ثم لما سألوا المدة
وأكثروا في المسألة كما يظهر من حديث أبي بن عمارة قصد النبي وتّ ر التحديد والتشديد فيه،
كما أن كثرة السؤال من بني إسرائيل في البقرة صارت موجبة في حقهم التشديد والتقييد بقيود لم
تكن لازمة في أصل الحكم، قال ابن عباس: «لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنهم شدّدوا
فشدّد عليهم)) ولهذا ورد في حديث أبي هريرة عند البخاري: ((دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من
كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم)). وذكر مسلم سبب هذا الحديث فقال: ((عن أبي
هريرة خطبنا رسول الله وَّ﴾: قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا، فقال رجل: أكل عام
يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله وَلجر: لو قلت: نعم، لوجبت، ولما
استطعتم ثم قال: ذروني ما تركتكم)) الحديث. ولا يبعد أيضاً أن يكون النبيّ وم * لما أراد
التحديد والتوقيت لكثرة سؤالهم فما أحب أن يقضي فيه بمحض اختياره، بل رأى المصلحة في
أن يستشير من بعض أولي النهي والخبرة من أصحابه، فاستقر الرأي على جعله للمقيم يوماً
وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وحينئذٍ فمعنى قول خزيمة بن ثابت ظلاله: ((ولو استزدناه
لزادنا)) أنا لو كنا مستدعين الزيادة في أصل توقيت المسح وتحديده لكان المرجو أن يقبلها
النبيّ وَّه، ولكنا قنعنا ورضينا بما وقّت به وَل﴾.
ولا يخفى عليك أن لاستدعاء بعض الأمة ومشورته مدخلاً في توقيت بعض الأحكام
الشرعية المتعلقة بمصالح العباد، تهوينا وتوسعة على هذه الأمة المرحومة، وإكراماً لها. وهذا
كما استشارِ النبيّ وَّ في توقيت الصدقة حين نزل ﴿يَأَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا نَجْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ
نَجْوَنَكُنْ صَدَقَّةٌ﴾ [سورة المجادلة، الآية: ١٢]، فقال لعلي: ما ترى، دينار؟ قال: لا يطيقون، قال:
نصف دينار؟ قال: لا يطيقون، قال: ما ترى؟ قال: شعيرة، فقال له النبيّ وَّلقول: إنك لزهيد، قال
علي: فبي خفف الله عن هذه الأمة)) رواه ابن جرير، ورواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن
غريب. فظن خزيمة الله توقيت المسح على الخفين من هذا القبيل. كذا أفاد محصله شيخنا
المحمود قدس الله روحه، والله أعلم.
وقال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: ((لو ثبت (أي زيادة قوله: ((ولو استزدناه لزادنا)))
لم تقم بها حجة، لأن الزيادة على ذلك التوقيت مظنونة أنهم لو سألوه زادهم، وهذا صريح في
أنهم لم يسألوا ولا زيدوا، فكيف تثبت زيادة بخبر دل على عدم وقوعها)»؟.
(١) انظر أحكام القرآن للجصاص ٣٤٨/٢ - ٣٥٠ ذكر الخلاف في المسح على الخفين.

٢٧
كتاب: الطهارة
قَالَ: وكَانَ سُفْيَانُ إِذَا ذَكَرَ عَمْراً أَثْنَى عَلَيْهِ.
٦٣٨ - (٠٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا زَكَّرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو،
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنِ الْحَكْمِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٦٣٩ - (٠٠٠) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ،
عَنِ الْحَكَم، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِىءٍ؛ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ
الْمَسْحِ عَلَىَ الْخُفَّيْنِ. فَقَالَتِ: انْتِ عَلِيًّا، فَإِنَّهُ أَعْلِّمُ بِذَلِكَ مِنِّي، فَأَتَيْتُ عَلِيًّا، فَذَكْرَ عَنِ
النَّبِيِّ ◌ََّ، بِمِثْلِهِ.
قال الشوكاني: «وغايتها بعد تسليم صحتها أن الصحابي ظن ذلك، ولم نتعبد بمثل هذا
ولا قال واحد: إنه حجة، وقد ورد توقيت المسح من طريق جماعة من الصحابة، ولم يظنوا ما
ظنّه خزيمة
قلت: وأما قصة عقبة بن عامر رَالله فما أول به العلامة أبو بكر الرازي لا يجري فيما رواه
الدارقطني، قال: ((خرجت من الشام إلى المدينة يوم الجمعة، فدخلت المدينة يوم الجمعة،
ودخلت على عمر بن الخطاب، فقال: متى أولجت خفيك في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة،
قال: فهل نزعتهما؟ قلت: لا، قال: أصبت السنة)) قال أبو بكر: هذا حديث غريب. قال أبو
الحسن: وهو صحيح الإسناد، لكنا نقول: إن هذه الرواية - مع مخالفتها لما روى الدارقطني عن
عمر في التوقيت، ومع غرابتها كما اعترف به أبو بكر النيسابوري شيخ الدارقطني، والكلام في
أن عمر به قال: ((أصبت)) أو قال: ((أصبت السنة)) - لا تقاوم الأحاديث الكثيرة المرفوعة
المعروفة الصريحة في الرفع والتحدید.
قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: ((المسح ثبت بالتواتر، واتفق عليه أهل السنة
والجماعة، واطمأنت النفس إلى اتفاقهم، فلما قال أكثرهم: لا يجوز المسح للمقيم أكثر من
خمس صلوات يوم وليلة، ولا يجوز للمسافر أكثر من خمس عشرة صلاة، ثلاثة أيام ولياليها؛
فالواجب على العالم أن يؤدي صلاته بيقين، واليقين الغسل حتى يجمعوا على المسح، ولم
يجمعوا فوق الثلاث للمسافر ولا فوق اليوم للمقيم)).

٢٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٢٥) - باب: جواز الصلوات كلها بوضوء واحد
٦٤٠ - (٨٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ
سُفْيَانَ. قَالَ: حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْقَدٍ، عَنْ سٌّلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ (١)؛ أَنَّ النَّبِيِّ بَيّ:
((صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ
(٢٥) - باب: جواز الصلوات كلها بوضوء واحد
٨٦ - (٢٧٧) - قوله: (بوضوء واحد) إلخ: قال النووي: «وهذا جائز بإجماع من يعتد به،
وحكى أبو جعفر الطحاوي وأبو الحسن بن بطال في شرح صحيح البخاري عن طائفة من العلماء
أنهم قالوا: يجب الوضوء لكل صلاة، وإن كان متطهراً، واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ
إِلَى الضَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٦]، وما أظن هذا المذهب يصح عن أحد،
ولعلهم أرادوا استحباب تجديد الوضوء عند كل صلاة، ودليل الجمهور الأحاديث الصحيحة؛
منها: هذا الحديث، وحديث أنس في صحيح البخاري: ((كان رسول الله وَلم يتوضأ عند كل
صلاة، وكان أحدنا يكفيه الوضوء ما لم يحدث))، وحديث سويد بن النعمان في صحيح البخاري
أيضاً: ((أن رسول الله وَ ﴿ صلى العصر، ثم أكل سويقاً، ثم صلى المغرب ولم يتوضأ)) وفي معناه
أحاديث كثيرة».
قال الحافظ: ((وما في حديث أنس من التوضىء لكل صلاة طاهراً أو غير طاهر، الظاهر
أن ذلك كان غالب عادته لل لحديث سويد المذكور، وحديث بريدة حديث الباب.
قال الطحاوي: يحتمل أن ذلك كان واجباً عليه خاصة، ثم نسخ يوم الفتح لحديث بريدة،
ويحتمل أنه كان يفعله استحباباً ثم خشي أن يظن وجوبه فتركه لبيان الجواز.
قال الحافظ: وهذا أقرب، وعلى تقدير الأول فالنسخ كان قبل الفتح، بدليل حديث
سويد بن النعمان، فإنه كان في خيبر، وهي قبل الفتح بزمان.
ويدل على النسخ ما أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة من حديث عبد الله بن حنظلة:
((أن النبيّ وَّل أمر بالوضوء، لكل صلاة، فلما شق عليه أمر بالسواك)). ووضع عنه الوضوء إلا
(١) قوله: ((عن أبيه)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب الوضوء لكل صلاة، رقم
(١٣٣) وليس فيه ذكر المسح، وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب الرجل يصلي الصلوات بوضوء
واحد، رقم (١٧٢). والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب ما جاء أنه يصلي الصلوات بوضوء
واحد، رقم (٦١). وابن ماجه في سننه في كتاب الطهارة، باب الوضوء لكل صلاة، والصلوات كلها
بوضوء واحد، رقم (٥١٠).

٢٩
كتاب: الطهارة
الْيَوْمَ شَيْئاً لَمْ تَكُنْ تَصْتَعُهُ. قَالَ: ((عَمْداً صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ)).
(٢٦) - باب: كراهة غمس المتوضى وغيره يده المشكوك
في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثاً
٦٤١ - (٨٧) وحدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ. قَالا:
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ أَنَّ
من حدث، وكان عبد الله بن عمر يرى أن به قوة على ذلك، كان يفعله حتى مات.
وروى أبو داود والترمذي بإسناد ضعيف عن ابن عمر أن النبيّ وَّ قال: ((من توضأ على
طهر كتب الله به عشر حسنات)).
وروى أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن النبيّ وَّير قال: ((لولا أن أشقّ على أمتي
لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك)). وهو يدل على عدم الوجوب مع الندب
إليه، والله أعلم.
قوله: (لم تكن تصنعه) إلخ: فيه تصريح بأن النبيّ وَّ ر كان يواظب على الوضوء لكل صلاة
عملاً بالأفضل، وصلى الصلوات في هذا اليوم بوضوء واحد بياناً للجواز، كما قال ◌َالنير: ((عمداً
صنعته، یا عمر)).
وفي هذا الحديث جواز سؤال المفضول الفاضل عن بعض أعماله التي في ظاهرها مخالفة
للعادة، لأنها قد تكون عن نسيان فيرجع عنها، وقد تكون تعمداً لمعنى خفي على المفضول
فيستفيده، والله أعلم.
(٢٦) - باب: كراهة غمس المتوضىء وغيره يده المشكوك
في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثاً
٨٧ - (٢٧٨) - قوله: (نصر بن علي الجهضمي) إلخ: بفتح الجيم والضاد المعجمة.
قوله: (وحامد بن عمر البكراوي) إلخ: بفتح الموحدة وإسكان الكاف، وهو حامد بن
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب الاستجمار وتراً،
رقم (١٦٢) والنسائي في سننه في كتاب الطهارة، باب تأويل قوله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم
إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ رقم (١). وأبو داود في سننه في كتاب الطهارة، باب
في الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها، رقم (١٠٣ - ١٠٥). والترمذي في جامعه، في كتاب
الطهارة، باب ما جاء إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها، رقم (٢٤). وابن
ماجه في سننه في كتاب الطهارة وسننها، باب الرجل يستيقظ من منامه، هل يدخل يده في الإناء قبل أن
يغسلها، رقم (٣٩٣).

٣٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
النَّبِيَّ وَّرِ قَالَ: ((إِذَا اسْتَنْقَظَّ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثَاً،
فَإِنَّهُ لا يَذْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» .
عمر بن حفص بن عمر بن عبد الله بن أبي بكرة نفيع بن الحارث الصحابي، فنسب حامد إلى
جده .
قوله: (إذا استيقظ أحدكم) إلخ: التقييد به لأن توهم نجاسة اليد في الغالب يكون من
المستيقظ، فلا مفهوم له .
قوله: (في الإناء) إلخ: أي: إناء الماء، وفي معناه كل مائع، ومن المعلوم أن ماء الإناء
لم يكن إلا قليلاً، فلا يحتاج تقييده بالقليل.
قوله: (حتى يغسلها ثلاثاً) إلخ: والنهي محمول على التنزيه بدليل العلة، فيكون الغسل
ثلاثاً سنة، وفيه دليل لمذهبنا حيث قيدوا تطهير النجاسة الغير المرئية بغسلها ثلاثاً، فإنه لما حكم
الشرع في النجاسة المتوهمة بالتثليث فالمتحققة أولى بذلك، ولأن الظاهر أن النجاسة لا تزول
بالمرة الواحدة، ألا ترى أن النجاسة المرئية قد لا تزول بالمرة الواحدة؟ فكذا غير المرئية، ولا
فرق سوى أن ذلك يرى بالحس وهذا يعلم بالعقل، والاعتبار بالحدث غير سديد، لأن ثمة لا
نجاسة رأساً، وإنما عرفنا وجوب الغسل نصاً غير المعقول المعنى، والنص ورد بالاكتفاء بمرة
واحدة، فإن النبيّ وَّله توضأ مرة مرة، وقال: ((هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به)).
ثم التقدير بالثلاث عندنا ليس بلازم، بل هو مفوض إلى غالب رأيه، وأكبر ظنه، وإنما
ورد النص بالتقدير بالثلاث بناء على غالب العادات، فإن الغالب أنها تزول بالثلاث، ولأن
الثلاث هو الحد الفاصل لإبلاء العذر كما في قصة العبد الصالح مع موسى حيث قال له موسى
في المرة الثالثة: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَُّنِ عُذْرًا﴾ [سورة الكهف، الآية: ٧٦] وإن كانت النجاسة مرئية كالدم
ونحوه فطهارتها زوال عينها، ولا عبرة فيه بالعدد، لأن النجاسة في العين، فإن زالت العين
زالت النجاسة، وإن بقيت بقيت. كذا في البدائع.
قوله: (أين باتت يده) إلخ: أي: من جسده، كما قال القسطلاني، وفي رواية أخرى
لمسلم: ((فيم باتت يده)) وفي رواية لابن خزيمة وغيره: ((أين باتت يده منه)) كذا في الفتح.
قال عليّ القاري: ((روى النووي عن الشافعي وغيره من العلماء أن أهل الحجاز كانوا
يستنجون بالحجارة، وبلادهم حارة، فإذا ناموا عرقوا فلا يؤمن أن تطوف يده على موضع
النجاسة، أو على بثرة أو قملة، والنهي عن الغمس قبل غسل اليد مجمع عليه، لكن الجماهير
على أنه نهي تنزيه لا تحريم، فلو غمس لم يفسد الماء ولم يأثم الغامس. وقال التوربشتي: هذا
في حق من بات مستنجياً بالأحجار، معرورياً، ومن بات على خلاف ذلك ففي أمره سعة،
ويستحب له أيضاً غسلها، لأن السنة إذا وردت لمعنى لم تكن لتزول بزوال ذلك المعنى، وفي

٣١
كتاب: الطهارة
٦٤٢ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ. قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا
أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً. كِلَهُمَا عَنِ الأَعَمْشِ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ وَأَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي
شرح السنة علق النبيّ ◌َّ # غسل اليدين بالأمر الموهوم، وما علق بالموهوم لا يكون واجباً،
فأصل الماء واليدين على الطهارة، فحمل الأكثرون هذا الحديث على الاحتياط، وذهب الحسن
البصري والإمام أحمد في إحدى الروايتين إلى الظاهر، وأوجبا الغسل، وحكما بنجاسة الماء،
كذا نقله الطيبي .
وقال الشمني: عن عروة بن الزبير وأحمد بن حنبل وداود: أنه يجب على المستيقظ من
نوم الليل غسل اليدين، لظاهر الحديث، ولنا أن النوم إن كان حدثاً فهو كالبول، وإن كان سبباً
للحدث فهو كالمباشرة، وكل ذلك لا يوجب غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء عندهم، وأنه عليه
الصلاة والسلام علل الغسل بتوهم النجاسة، وتوهمها لا يوجبه، فكان ذلك دليلاً على السنة
وعدم الوجوب)). كذا في المرقاة.
قال النووي: ((وفي هذا الحديث دلالة لمسائل كثيرة: منها أن موضع الاستنجاء لا يطهر
بالأحجار، بل يبقى نجساً معفواً عنه في حق الصلاة. ومنها: أن الماء القليل إذا وردت عليه
نجاسة نجّسته، وإن قلّت ولم تغيّره، لأن الذي تعلق باليد ولا يُرى: قليل جداً، وكانت عادتهم
استعمال الأواني الصغيرة التي تقصر عن قلتين، بل لا تقاربهما)) اهـ.
قلت: وفي هذه المسألة اختلاف معروف بين العلماء نذكر تفصيله بقدر الحاجة.
قال صاحب البحر من أصحابنا: ((اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد
أوصافه بالنجاسة لا تجوز الطهارة به، قليلاً كان الماء أو كثيراً، جارياً كان أو غير جار، هكذا
نقل الإجماع في كتبنا، وممن نقله أيضاً النووي في شرح المهذب عن جماعات من العلماء، وإن
لم يتغير بها فاتفق عامة العلماء على أن القليل ينجس بها دون الكثير، ولكن اختلفوا في الحد
الفاصل بين القليل والكثير:
فقال مالك تتّثهُ: إن تغير أحد أوصافه بها فهو قليل لا يجوز الوضوء به، وإلا فهو كثير،
وحيئذٍ يختلف الحال بحسب اختلاف النجاسة في الكم.
وقال الشافعي: إذا بلغ الماء قلتين فهو كثير، فيجوز الوضوء به، وإلا فهو قليل لا يجوز
الوضوء به .
وقال أبو حنيفة في ظاهر الرواية عنه: يعتبر فيه أكبر رأي المبتلى به إن غلب على ظنه أنّه
بحيث تصل النجاسة إلى الجانب الآخر لا يجوز الوضوء، وإلا جاز، وممن نص على أنه ظاهر
المذهب شمس الأئمة السرخسي في المبسوط، وقال: ((إنه الأصح)) ..
وقال الإمام أبو بكر الرازي في أحكام القرآن في سورة الفرقان: ((إن مذهب أصحابنا أن

٣٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
هُرَيْرَةَ. فِي حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةً: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ. وَفِي حَدِيثٍ وَكِيعٍ. قَالَ: يَرْفَعُهُ
بِمِثْلِهِ.
كل ما تيقنّا فيه جزء من النجاسة أو غلب على الظن ذلك لا يجوز الوضوء به، سواء كان جارياً
أو لا)) اهـ.
وقال الإمام أبو الحسن الكرخي في مختصره: ((وما كان من المياه في الغدران أو في
مستنقع من الأرض وقعت فيه نجاسة نظر المستعمل في ذلك، فإن كان في غالب رأيه أن
النجاسة لم تختلط بجميعه لكثرته توضأ من الجانب الذي هو طاهر عنده في غالب رأيه في إصابة
الطاهر منه، وما كان قليلاً يحيط العلم أن النجاسة قد خلصت إلى جميعه أو كان ذلك في غالب
رأیه لم يتوضأ منه)) اهـ.
وقال ركن الإسلام أبو الفضل عبد الرحمن الكرماني في شرح الإيضاح: ((واختلفت
الروايات في تحديد الكثير، والظاهر عن محمد أنه عشر في عشر، والصحيح عن أبي حنيفة أنه
لم يوقت في ذلك بشيء وإنما هو موكول إلى غلبة الظن في خلوص النجاسة)) اهـ.
وقال الحاكم الشهيد في الكافي الذي هو جمع كلام محمد: ((قال أبو عصمة: كان
محمد بن الحسن يوقت عشرة في عشرة، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة، وقال: لا أوقت فيه
شيئاً .
وقال الإمام الإسبيجابي في شرح مختصر الطحاوي كثّفُهُ: ((ثم الحد الفاصل بين القليل
والكثير عند أصحابنا هو الخلوص، وهو أن يخلص بعضه من جانب إلى جانب، ولم يفسر
الخلوص في رواية الأصول. وسئل محمد عن حد الحوض؟ فقال: مقدار مسجدي، فذرعوه،
فوجدوه ثمانية في ثمانية، وبه أخذ محمد بن سلمة، وقال بعضهم: مسحوا مسجد محمد فكان
داخله ثمانياً في ثمان، وخارجه عشراً في عشر. ثم رجع محمد إلى قول أبي حنيفة، وقال: لا
أوقت فيه شيئاً)) اهـ.
وفي معراج الدراية: ((الصحيح عن أبي حنيفة تغلُّ أنه لم يقدر في ذلك شيئاً، وإنما قال:
هو موكول إلى غلبة الظن في خلوص النجاسة من طرف إلى طرف، وهذا أقرب إلى التحقيق،
لأن المعتبر عدم وصول النجاسة، وغلبة الظن في ذلك تجري مجرى اليقين في وجوب العمل،
كما إذا أخبر واحد بنجاسة الماء وجب العمل بقوله، وذلك يختلف بحسب اجتهاد الرائي
وظنه)) اهـ وكذا في شرح المجمع والمجتبى.
وفي الغاية: ((ظاهر الرواية عن أبي حنيفة اعتباره بغلبة الظن وهو الأصح)) اهـ.
وفي الينابيع: ((قال أبو حنيفة: الغدير العظيم هو الذي لا يخلص بعضه إلى بعض ولم
يفسره في ظاهر الرواية، وفوّضه إلى رأي المبتلى به، وهو الصحيح وبه أخذ الكرخي)) اهـ.

٣٣
كتاب: الطهارة
٦٤٣ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. ح وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا
وهكذا في أكثر كتب أئمتنا، فثبت بهذه النقول المعتبرة عن مشاخينا المتقدمين مذهب إمامنا
الأعظم أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن أجمعين، فتعين المصير إليه.
وأما ما اختاره كثير من مشايخنا المتأخرين بل عامتهم - كما نقله في معراج الدراية - من
اعتبار العشر في العشر: فقد علمت أنه ليس مذهب أصحابنا، وأن محمداً - وإن كان قدّر به -
رجع عنه، كما نقله الأئمة الثقات الذين هم أعلم بمذهب أصحابنا)) اهـ (١).
قلت: والظاهر من إحالة محمد تقدير الماء على مساحة مسجده أنه لم يكن منه أيضاً
تحديداً، بل كان تقريباً وتخميناً، قاله شيخنا المحمود كذُّ .
وأما ما ذكره شارح الوقاية ووجّه كلام محمد فردّه صاحب البحر من ثلاثة أوجه من شاء
فليراجعه .
والذي تحصل لهذا العبد الضعيف - غفر الله له - من مجموع الأقوال والأدلة في مسألة
الماء - والله أعلم - هو: أن الماء عندنا خلق طاهراً طهوراً بالطبع، لا ينجسه شيء، ولا يصير
نفسه خبيثاً بملاقاة النجاسة، نعم، يجب التحرز عن استعمال النجاسات، لأنها من الخبائث التي
حرمها الله تعالى، ونبيه وَّه، قال تعالى في حق رسوله وَله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ
الْخَبَيِثَ﴾ [سورة الأعراف، آية: ١٥٧] واللفظ بعمومه ليس مقصوراً على الأكل فقط، كما زعمه
البعض، بل يعم كل طيبة وخبيثة كما نبه عليه المحقق الراغب في مفرداته، ومن لوازمه التعميم
في أنواع الاستعمال، وهذا هو الأليق بسياق الآية، فإنها سيقت تنويهاً بشأن النبيّ الأميّ وَّل،
ولو كان تحريم الخبائث مختصاً بأكلها لم يكن لقوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ﴾ [سورة البقرة،
آية: ٢٦٧] بعد الأمر بالإنفاق من الطيبات معنى كما لا يخفى. والغرض أن الماء أيضاً قد يصير
متروك الاستعمال، لا لكونه نجساً، بل لمجاورته النجاسة التي لا يكاد ينفك استعماله عن
استعمال بعض أجزائها، ولهذا ورد النهي عن غمس المستيقظ في الوضوء، فإنه لا يدري أين
باتت يده منه أي: من جسده، وورد النهي عن البول في الماء الدائم الذي لا يجري، والاغتسال
فيه من جنابة، وورد الأمر بإراقة الماء الذي ولغ فيه الكلب مرفوعاً وموقوفاً.
وقال لى: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات)).
وورد عند أحمد في حديث المغيرة بن شعبة المار في باب المسح على الخفين أن الماء
(١) انظر البحر الرائق (٧٤/١ - ٧٦) تحت شرح قول الماتن: ((أو بماء دائم فيه نجس إن لم يكن عشراً في
عشر)).

٣٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، كِلاَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
النَّبِّ ◌َِِّ، بِمِثْلِهِ.
الذي توضأ به النبيّ ◌َو أخذه المغيرة من أعرابية صبّته له من قربة كانت جلد ميتة، وأن النبيّ ◌َّل
قال له: ((سلها، فإن كانت دبغتها فهو طهور، وأنها قالت: إي والله، لقد دبغتها)) كذا في الفتح.
وقال الهيثمي رواه أحمد والطبراني في الكبير ببعضه، وفيه علي بن زيد عن القاسم،
وفيهما كلام، وقد وُثّقا .
وعن أنس بن مالك ((أن النبيّ وَّر استوهب وضوء، فقيل له: لم نجد ذلك إلا في مسك
ميتة، قال: أدبغتموه؟ قالوا: نعم، قال: فهلمّ، فإن ذلك طهور)) رواه الطبراني في الأوسط،
وإسناده حسن. ويؤيده ما رواه مسلم في باب طهارة جلود الميتة عن ابن وعلة السبائي عن ابن
عباس ◌ّ، وهذه الآثار كلها تدل على أن الماء وإن كان في نفسه طهوراً إلا أنه يكون مهجوراً
إذا لاقته نجاسة بحيث يظن مستعمل الماء أنه يستعمل بعضها، وحينئذٍ يطلقون لفظ المتنجس
على الماء توسعاً، لا لكونه نجساً، بل لاختلاط أجزاء النجاسة بأجزائه، فالماء في حد ذاته
طهور، واستعمال الخبائث حرام بنص القرآن لا سيما في موقع التطهير الذي هو لإزالة النجاسة،
وعلى هذا فمعنى قوله وَّر في بير بضاعة - والله أعلم - ((أن الماء طهور باق على طهوريته لا
ينجسه شيء أبداً)) كما ذكر ابن حزم في المحلى من طريق قتادة أن ابن مسعود قال: «لو اختلط
الماء بالدم لكان الماء طهوراً» أما التحرز عن الخبائث فمجرد العلم الكلي الجملي بأنه يلقى فيه
الحيض والنتن ولحوم الكلاب، أي: قد يقع فيه بعض هذه الأشياء في بعض الأحيان اتفاقاً لا
يقضي بوجود النجاسات في الحالة الراهنة، حتى يجب هجران الماء للتحرز عن استعمال
النجاسة، وليس مبنى هجران الماء الذي قد يعبرون عنه بتنجس الماء عند أحد من الأئمة إلا
العلم الجزئي بوجود النجاسة فيه في وقت الاستعمال، فلم يلتفت النبيّ وَّ إلى إخبارهم عن
العلم الكلي الإجمالي، وأفصح بطهورية الماء وأنها لا يزيلها شيء، فلا يترك استعماله إلا إذا
تعذّر انفكاكه عن استعمال النجاسة، وهم - ﴿ه - لم يخبروا عن وجود النجاسات فيه حين
السؤال، ولم يسألوا عن الصورة التي فيها يوجد العلم الجزئي بوجود الخبيث في الماء.
قال الشيخ ولي الله الدهلوي كفَّهُ: ((وهل يمكن أن يظن ببئر بضاعة أنها كانت تستقرّ فيها
النجاسات؟ كيف وقد جرت عادة بني آدم بالاجتناب عما هذا شأنه؟ فكيف يستقي بها
رسول الله وَه؟ بل كانت تقع فيها النجاسات من غير أن يقصد إلقاؤها كما نشاهد من آبار
زماننا، ثم تخرج تلك النجاسات، فلما جاء الإسلام سألوا عن الطهارة الشرعية الزائدة على ما
عندهم، فقال رسول الله والقر: ((الماء طهور لا ينجسه شيء)) يعني: لا ينجس نجاسة غير ما
عندكم، وليس هذا تأويلاً ولا صرفاً عن الظاهر، بل هو كلام العرب)) اهـ.
وقال الخطابي: ((قد توهم بعضهم أن إلقاء العذرة والجيف وخروق الحيض في بئر بضاعة

٣٥
كتاب: الطهارة
٦٤٤ - (٨٨) وحدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا
كان عادة وتعمداً، وهذا لا يظن بذمي ولا وثني، فضلاً عن مسلم، فلم يزل من عادة الناس
قديماً وحديثاً مسلمهم وكافرهم تنزيه الماء وصول عن النجاسات، فكيف يظن بأهل ذلك الزمان
وهم أعلى طبقات أهل الدين وأفضل جماعات المسلمين، والماء ببلادهم أعز والحاجة إليه
أمس أن يكون هذا صنيعهم بالماء، وامتهانهم له، وقد لعن رسول الله وَّر من تغوط في موارد
الماء ومشارعه؟ فكيف من اتخذ عيون الماء ومنابعه مطرح الأنجاس؟ وإنما كان ذلك من أجل
أن هذه البئر موضعها في حدور من الأرض، وكانت السيول تمسح هذه الأقذار من الطرق
والأفنية، وتحملها فتلقيها فيه)) اهـ.
فالعلم الكلي الجملي بوقوع النجاسة في بعض الأحيان المبهمة يقاومه العلم الكلي
الجملي بخروج أجزاء النجاسة في بعض الأحيان المبهمة بنزح الماء والاستقاء منه، فهذه بهذه.
قال الإمام أبو نصر البغدادي المعروف بالأقطع: ((لا يظن بالنبيّ وَلي أنه كان يتوضأ من بئر
هذه صفتها مع نزاهته وإيثاره الرائحة الطيبة، ونهيه عن الامتخاط في الماء، فدل أن ذلك كان
يفعل في الجاهلية، فشكّ المسلمون في أمرها فبّن النبيّ وَّلتر أنه لا أثر لذلك مع كثرة النزح)).
وقال الطحاوي تَغَفُهُ: ((إن معنى قوله: ((الماء طهور لا ينجسه شيء)) - والله أعلم - أنه لا
يبقى نجساً بعد إخراج النجاسة منه بالنزح، وليس هو على حال كون النجاسة فيها))، وادعى
الطحاوي أن بئر بضاعة كانت سيحاً، وروى ذلك عن الواقدي، وفي كتاب الاستئذان من صحيح
البخاري رواية تدل على كونها بئر بستان، كما قاله الإسماعيلي (راجع الفتح ٢٩ ج ١١).
وقال الشيخ الإمام أبو بكر الرازي: ((قوله ◌َلاير: ((الماء طهور لا ينجسه شيء)) لا دلالة فيه
على جواز استعماله، وإنما كلامنا في جواز استعماله بعد حلول النجاسة فيه، فليس يجوز
الاعتراض به على موضع الخلاف، لأنا نقول: إن الماء طهور لا ينجسه شيء، ومع ذلك لا
يجوز استعماله إذا حلّته نجاسة، ولم يقل النبيّ وَّو: إن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فاستعملوه))
حتى تحتج به لقولك.
فإن قيل: هذا الذي ذكرت يؤدي إلى إبطال فائدته. قيل له: قد سقط استدلالك بالظاهر
إذا، وصرت إلى أن تستدل بغيره، وهو أن حمله على غير مذهبك تخلية من الفائدة، ونحن نبيّن
أن فيه ضروباً من الفوائد غير ما ادعيت من جواز استعماله بعد حلول النجاسة فيه، فنقول: إنه
أفاد أن الماء لا ينجس بمجاورته للنجاسة، ولا يصير في حكم أعيان النجاسات، واستفدنا به أن
الثوب والبدن، إذا أصابتهما نجاسة فأزيلت بموالاة صبّ الماء عليها أن الباقي من الماء الذي
في الثوب ليس هو في حكم الماء الذي جاوره عين النجاسة، فيلحقه حكمها، لأنه إنما جاور ما
ليس بنجس في نفسه، وإنما يلحقه حكم النجاسة بمجاورته لها، ولولا قوله وسم لكان جائزاً أن
يظن ظان أن الماء المجاور للنجاسة قد صار في حكم عين النجاسة، فينجس ما جاوره، فلا

٣٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ نَلِ قَالَ: ((إِذَا
يختلف حينئذٍ حكم الماء الثاني والثالث إلى العاشر، وأكثر من ذلك في كون جميعه نجساً،
فأبطل النبيّ وَ * هذا الظن وأفادنا أن الماء الذي لحقه حكم النجاسة من جهة المجاورة لا يكون
في معنى أعيان النجاسات، وأفادنا أيضاً أن البئر إذا ماتت فيه فأرة فأخرجت أن حكم النجاسة
إنما لحق ما جاور الفأرة دون ما جاور هذا الماء، وأن الفأرة لم تجعله بمنزلة أعيان النجاسات،
فلذلك حكمنا بتطهير بعض مائها .
وهكذا نقول في حديث القلتين - إن صح وسلم من الاضطراب الإسنادي والمتني اللفظي
والمعنوي - إنهم ثّ لم يسألوا عن الماء المعين الذي ولغ فيه الكلب أو السبع، بل كان
الغرض من السؤال الاستفسار عن حكم مطلق المياه التي تكون بالفلاة، والعادة قاضية بالعلم
الكلي الجملي بأن السباع والدواب تنوب هذه المياه، فهل بهذا العلم الكلي باختلاط النجاسات
يتنجس الماء ويخبث، أي: يصير متروك الاستعمال ومهجورة؟ فأعلمهم النبيّ وَّر بأن الماء لا
يتنجس ولا يصير خبثاً، كما أخبرهم في بئر بضاعة إلا أنه لو نبّه هنا على أمر يزيل الوساوس
الناشئة من ذلك العلم الكلي الإجمالي، فقال: ((إذا بلغ الماء قلتين - وفي بعض الروايات
الصحيحة ((أو ثلاثاً)) - لم يحمل الخبث)) أي: إذا كان الماء كثيراً (والعدد تقريب لا تحديد كما
تدل عليه رواية ((أو ثلاثاً)) ويكون خارجاً عن حد الأواني التي يعتاد حفظها وتغطيتها، ويدخل
في حدود المعادن التي لا يمكن صونها عن مثل ما سألوه فكيف يحكم بكونه خبيثاً بمحض ذلك
العلم الكلي الإجمالي؟ ولو جاز هذا الحكم لامتنع استعمال ماء المعادن بالكلية، ويلزم تعطله
رأساً من انتفاع العباد به، وفيه تحجير ما وسّع الله، وإدخال حرج عظيم على الناس، فذكر
القلتين أو ثلاثاً ليس لاعتبار مفهوم الشرط، بل هو كناية عن كثرة الماء وخروجه من حدود
الأواني إلى حدود المعادن التي يستحيل صيانتها عن المستقذرات، وقريب منه ما ذكره السمعاني
عن أبي يوسف تقدُ قال: سألني الإمام أبو حنيفة عن قوله عليه: ((إذا بلغ الماء قلتين)) فقلت له
أقوالاً لم يرض بها، فقلت: ما معناه - يرحمك الله _؟ فقال: معناه إذا كان جارياً (أي: كثيراً)
فقبلت رأسه، وبكيت من الفرح.
قال الكردري: ومعنى الحديث على هذا - إن شاء الله تعالى - بلغ الماء أي: من جريانه من
قلة إلى قلة.
قال الشيخ ولي الله الدهلوي: ((وكان أعلى الأواني: القلة، ولا يعرف أعلى منها عندهم
آنية، وليست القلال سواء، فقلة عندهم تكون قلة ونصفاً، وقلة وربعاً، وقلة وثلثاً، ولا تعرف قلة
تكون كقلتين، فهذا حد لا تبلغه الأواني، ولا ينزل منه المعدن، والنازل منه لا يسمى حوضاً
ولا جوبة، وإنما يقال له حفيرة)) اهـ.
فهذا تنبيه منه وهو على سبب إلغاء العلم الكلي الجملي بوقوع النجاسات في الماء، فإن

٣٧
كتاب: الطهارة
اسْتَنْقَظَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْرِغْ عَلَى يَدِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي إِنَائِهِ، فَإِنَّهُ لا يَذْرِي فِيمَ
بَاتَتْ یَدُهُ» .
اعتباره يفضي إلى تعطيل مياه المعادن بالكلية، وهذا محال بالضرورة، فالمعتبر عندنا طهورية
الماء مطلقاً مع الاحتراز عن استعمال الخبائث، وبهذين الأمرين صرح القرآن الحكيم، وليس لنا
دليل على أن الشارع قد عفا عن استعمال الخبائث التي نتيقّن بوجودها في بعض المياه مع إمكان
التحرز عنها .
وأما دعوى استحالة النجاسة بعد وقوعها في الماء على الفور فمجرد ادعاء لا دليل عليه،
ويعلم بطلانه بالاختبار، نعم! عدم تغير أوصاف الماء دليل على كون النجاسة غير غالبة على
الماء لا على نفي وجودها، ولهذا صرح بعض الحنفية بأن النجاسة إذا وقعت في طرف من
الغدير العظيم يجوز التطهر من الطرف الآخر الذي لا يظن المبتلى به خلوص أثر النجاسة إليه،
وبهذه الجزئية أيضاً يضمحلّ تأثير العلم الكلي الجملي بانتياب السباع والدواب في المعادن،
والماء الكثير الذي لا يظن خلوص النجاسة من أحد طرفيه إلى الآخر فإنا لما لم نتيقن بوجود
النجاسة في طرف معين وجزء مشخص منه، ونعلم أن النجاسة لم تخلص إلى سائر أطرافه: بقي
الأمر على التوهم في كل طرف دون التيقّن والتحقق، ثم النزح والاستقاء منه جار بيقين غير
مسدود، فلعل أجزاء النجاسة خرجت بخروج بعض الماء.
قال الحافظ ابن تيمية كثّفُهُ: ((إن الاحتياط بمجرد الشك في أمور المياه ليس مستحباً ولا
مشروعاً، بل ولا يستحب السؤال عن ذلك، بل المشروع أن يبنى الأمر على الاستصحاب، فإن
قام دليل على النجاسة نجّسناه، وإلا فلا يستحب أن يجتنب استعماله بمجرد احتمال النجاسة،
وأما إذا قامت أمارة ظاهرة فذاك مقام آخر، والدليل القاطع أنه ما زال النبيّ وَلّ والصحابة
والتابعون يتوضئون، ويغتسلون، ويشربون من المياه التي في الآنية والدلاء الصغار والحياض
وغيرها، مع وجود هذا الاحتمال، بل كل احتمال لا يسند إلى أمارة شرعية لم يلتفت إليه،
وذلك أن المحرمات نوعان: محرم لوصفه، ومحرم لكسبه، فالمحرم لكسبه كالظلم والربا
والميسر، والمحرم لوصفه كالميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، والأول: أشد
تحريماً، والتورّع فيه مشهور، ولهذا كان السلف يحترزون في الأطعمة والثياب من الشبهات
الناشئة من المكاسب الخبيئة، وأما الثاني: فإنما حرم لما فيه من وصف الخبيث، وقد أباح الله
لنا طعام أهل الكتاب مع إمكان أن لا يذكوه التذكية الشرعية، أو يسموا عليه غير الله، وإذا علمنا
أنهم سموا عليه غير الله حرم ذلك في أصح قولي العلماء، وقد ثبت في الصحيح من حديث
عائشة أن النبيّ وَ سئل عن قوم يأتون باللحم ولا يدرى أسموا عليه أم لا؟ فقال: ((سموا أنتم
وكلوا)).
وأما الماء فهو في نفسه طهور، ولكن إذا خالطته النجاسة وظهرت فيه: صار استعماله

٣٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٤٥ - (٠٠٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، (يَعْنِي الْحِزَامِيَّ)، عَنْ أَبِي
الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ
هِشَام، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، (يَعْنِي ابْنَ
مَخْلَدٍ)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
رَافِعِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثَنِي
مُحَمِّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ وَابُنْ رَافِعٍ. قَالا: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ. قَالا جَمِيعاً: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي زِيَادٌ؛ أَنَّ ثَابِتَاً مَوْلَى
عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ فِيَ رِوَايَتِهِمْ جَمِيعاً عَنِ النَّبِيِّ نَّه بِهَذَا
الْحَدِيثِ. كُلُّهُمْ يَقُولُ: حَتَى يَغْسِلَهَا. وَلَمْ يَقُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: ثَلاَثًاً، إِلا مَا قَدَّمْنَا مِنْ رِوَايَةِ
جَابِرٍ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، وَأَبِي رَزِينٍ، فَإِنَّ
فِي حَدِيثِهِمْ ذِكْرَ الثَّلاَثِ.
استعمالاً لذلك الخبيث، فإنما نهي عن استعماله لما خالطه من الخبيث، لا لأنه في نفسه
خبيث، فإذا لم يكن هنا أمارة ظاهرة على مخالطة الخبيث له كان هذا التقدير والاحتمال مع
طيب الماء وعدم التغير فيه من باب الحرج الذي نفاه الله عن شريعتنا، ومن باب الآصار
والأغلال المرفوعة عنّا .
وقد ثبت أن عمر بن الخطاب رضيبه توضأ من جرة نصرانية مع قيام هذا الاحتمال.
ومرّ عمر بن الخطاب رَظُه وصاحب له بميزاب، فقال صاحبه: يا صاحب الميزاب! ماؤك
طاهر أم نجس؟ فقال عمر: ((يا صاحب الميزاب لا تخبره فإن هذا ليس عليه)) كذا في فتاوى ابن
تیمیة.
هذا ما عندي وعند الناس ما عندهم، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
وأما الكلام في حديثي بئر بضاعة والقلتين على طريقة المحدثين فالمقام لا يحتمل هذا
التفصيل، وعليك بمراجعة آثار السنن للنيموي وغيره من مظانّ هذا البحث.

٣٩
كتاب: الطهارة
(٢٧) - باب: حكم ولوغ الكلب
٦٤٦ - (٨٩) (٢٧٩) وحدّثني عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ.
أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ وَأَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ:
(إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ،
(٢٧) - باب: حكم ولوغ الكلب
٨٩ - (٢٧٩) - قوله: (إذا ولغ الكلب) إلخ: يقال: ولغ يلغ: بفتح اللام فيهما: إذا شرب
بطرف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحركه، وقال ثعلب: هو أن يدخل لسانه في الماء وغيره من
كل مائع، فيحركه. زاد ابن درستويه: شرب أو لم يشرب. قال ابن مكي: فإن كان غير مائع
يقال: لعقه. وقال المطرزي: فإن كان فارغاً يقال: لحسه، ومفهوم الشرط في قوله: ((إذا ولغ))
يقتضي قصر الحكم على ذلك، لكن إذا قلنا إن الأمر بالغسل للتنجيس يتعدى الحكم إلى ما إذا
لحس أو لعق مثلاً ويكون ذكر الولوغ للغالب، كذا في الفتح.
قوله: (في إناء أحدكم) إلخ: ظاهره العموم في الآنية، ومفهومه يخرج الماء المستنقع
مثلاً، وبه قال الأوزاعي مطلقاً، لكن إذا قلنا بأن الغسل للتنجيس يجري الحكم في القليل من
الماء دون الكثير، كذا قال الحافظ. وقد صح عن أبي هريرة ما رواه سعيد بن منصور في سننه
((أن أبا هريرة سئل عن الحوض يلغ فيه الكلب، ويشرب منه الحمار، فقال: لا يحرم الماء
شيء)) كذا في إعلام الموقعين. وهذا يدل على الفرق بين الأواني والمعادن كما قدمنا، والله
أعلم .
قوله: (فليرقه) إلخ: هذا يقوي القول بأن الغسل للتنجيس إذ المراق أعم من يكون ماء أو
طعاماً، فلو كان طاهراً لم يؤمر بإراقته للنهي عن إضاعة المال، لكن قال النسائي: ((لا أعلم
أحداً تابع علي بن مسهر على زيادة فليرقه)).
وقال حمزة الكناني: إنها غير محفوظة. وقال ابن عبد البر: لم يذكرها الحفاظ من
أصحاب الأعمش كأبي معاوية وشعبة. وقال ابن مندة: لا نعرف عن النبيّ وَّه بوجه من الوجوه
إلا عن علي بن مسهر بهذا الإسناد كذا في الفتح.
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب إذا شرب الكلب في
الإناء، (بعد باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان) رقم (١٧٢). والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة،
باب سؤر الكلب، رقم (٦٣) و(٦٤) و(٦٥) وباب الأمر بإراقة الإناء إذا ولغ فيه الكلب، رقم (٦٦) وأبو
داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب الوضوء بسؤر الكلب، رقم (٧١) و(٧٢) و(٧٣). والترمذي في
جامعه، في كتاب الطهارة، باب ما جاء في سؤر الكلب، رقم (٩١) وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة
وسننها، باب غسل الإناء من ولوغ الكلب، رقم (٣٦٣) و(٣٦٤).

٤٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ)) .
وقال في التلخيص: ((حسن إسناده الدارقطني، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه)). وقال في
الفتح: ((وقد ورد الأمر بالإراقة أيضاً من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعاً))، أخرجه ابن عدي،
لكن في رفعه نظر، والصحيح أنه موقوف، وكذا ذكر الإراقة حماد بن زيد عن أيوب عن ابن
سيرين عن أبي هريرة موقوفاً، وإسناده صحيح أخرجه الدارقطني وغيره.
قوله: (ثم ليغسله سبع مرار) إلخ: قال في البحر الرائق: ((أما سؤر الكلب فهو طاهر عند
مالك ومن تبعه، ولكن يغسل الإناء منه سبعاً تعبداً)).
وقال الشافعي: إنه نجس، ويغسل الإناء منه سبعاً إحداهن بالتراب، لما رواه أبو هريرة
- رَُّه - عنه ◌َّو أنه قال: ((يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات، أولا هن - أو أخراهن -
بالتراب)) رواه الأئمة الستة في كتبهم، وفي لفظ لمسلم وأبي داود: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ
فيه الكلب أن يغسل سبع مرات)) ورواه أيضاً مسلم من حديث أبي هريرة: «إذا ولغ الكلب في
إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات)) وروى مالك في الموطأ عن أبي الزناد عن الأعرج عن
أبي هريرة أن رسول الله وَّلقول قال: ((إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)).
قال ابن عبد البر: ((إن حديث أبي هريرة تواترت طرقه وكثرت عنه، والأمر بالإراقة دليل
التنجيس، وكذا الطهور، لأنه مصدر بمعنى الطهارة، فيستدعي سابقة الحدث أو الخبث، ولا
حدث في الإناء، فتعين الثاني، والحمل على التجوز والعدول عن الحقيقة الشرعية ليس له
قرينة، ولأنه متى دار الحكم بين كونه تعبدياً ومعقول المعنى: كان جعله معقول المعنى هو الوجه
لندرة التعبد وكثرة التعقل)).
قال الحافظ في الفتح: ((والتعليل بالتنجيس أقوى، لأنه في معنى المنصوص، وقد ثبت عن
ابن عباس ظه التصريح بأن الغسل من ولوغ الكلب ((بأنه رجس)) رواه محمد بن نصر المروزي
بإسناد صحيح، ولم يصح عن أحد من الصحابة خلافه)).
وقالت الحنفية: يغسل ثلاثاً، ولهم قوله {وَلافر: ((يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً)) روي
عن أبي هريرة فعلاً، وقولاً، ومرفوعاً، من طريقين:
الأول: أخرجه الدارقطني بَّه بإسناد صحيح عن عطاء، عن أبي هريرة: «إذا ولغ الكلب
في الإناء أهرقه، وغسل ثلاث مرات)).
قال الشيخ تقي الدين في الإلمام: ((هذا إسناد صحيح، ويمثل فتوى أبي هريرة أفتى عطاء
الراوي عنه، كما في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح، كذا في آثار السنن)).
الطريق الثاني: أخرجه ابن عدي في الكامل عن الحسين بن علي الكرابيسي بسنده إلى
عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ويقول: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله
ثلاث مرات)» ولم يرفعه غير الكرابيسي.