Indexed OCR Text
Pages 1-20
وَوسُ عَة صـ فِيـ 2 محدد ◌ِشِرِيٍ صَحِيحٌ الإِمَامْ مُتْلِم ◌َ الحَجَخِ الْمُشْرَى بَُّ تأليف الشَّيخ شَبِيرُ أحمَ العِثْمَانِىُّ تعليقات العُلّمَةَ المُفْتِ حَمَّدُ رَفِيَّع العُثْمَانِ التّخْرِيحِ وَالتّقيمُ نُورُالبَشْرَيْنُ نُورُ الحَقْ مُراجَعَة وتدقيقُ وتَكَمَلَة يَحْمُودٌ شَاكِرٌ تتمة كتاب الطهارة - كتاب الحيض - كتاب الصلاة الجزء الثالث دَارُ العَيَّاء التراث العَربي بَيروت - لبنان جميع الحقوق محفوظة للناشر جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزءاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على إسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً. Copyright @ All rights reserved All rights of this publication are reserved exclusively to DAR EHIA AL -TOURATH AL-ARABI Beirut - Lebanon. No part of this publication may be translated, reproduced, photocopied, pho- tagraphed, taped on audio cassettes, or stored in a data base or saved on a retrievable system distributed in any form or by any means, without the prior written permission of the publisher. الطبعة الأولى م 2006 . ^ 1426 دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان بيروت - لبنان - بناية كليوبترا - شارع دكاش ص.ب: 11/7957 الرمز البريدي: 2250 1107 هاتف: 540000 - 544440 فاكس: 850717 Beirut - Liban - Imm Kileopatra - Rue Dakkache P.O.Box 11\7957 Postal Code 1107 2250 Tel.Off: 544440 - 540000 Fax: 850717 Alr (20.5 £ ٥ كتاب: الطهارة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ [بقية كتاب: الطهارة] (٢٢) - باب: المسح على الخفين ٦٢١ - (٧٢) (٢٧٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةً. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً وَوَكِيعٌ، (وَاللَّفْظُ لِيَحْبَى)، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ؛ قَالَ: بَالَ جَرِيرٌ(١)، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُقَّيْهِ. فَقِيلَ: تَفْعَلُ هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَيْهِ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. (٢٢) - باب: المسح على الخفين ٧٢ - (٢٧٢) - قوله: (فقيل أتفعل هذا) إلخ: القائل له ذلك هو: همام الراوي عن جرير، كما في رواية الطبراني. قوله: (ومسح على خفيه) إلخ: قال الشيخ ولي الله الدهلوي تقذفُهُ: ((لما كان مبنى الوضوء على غسل الأعضاء الظاهرة التي تسرع إليها الأوساخ، وكانت الرجلان تدخلان عند لبس الخفين في الأعضاء الباطنة، وكان لبسهما عادة متعارفة عندهم، ولا يخلو الأمر بخلعهما عند كل صلاة من حرج: سقط غسلهما عند لبسهما في الجملة، ولما كان من باب التيسير الاحتيال بما لا تسترسل معه النفس بترك المطلوب استعمله الشارع لههنا من وجوه ثلاثة: أحدها: التوقيت بيوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليها للمسافر، لأن اليوم بليله مقدار صالح للتعهد، يستعمله الناس في كثير مما يريدون تعهده، وكذلك ثلاثة أيام بلياليها، فوزع المقداران على المقيم والمسافر لمكانهما من الحرج. (١) قوله: ((جرير)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب الصلاة في الخفاف، رقم (٣٨٧). والنسائي في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، رقم (١١٨). وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، رقم (١٥٤). والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب في المسح على الخفين، رقم (٩٣)، وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في المسح على الخفين، رقم (٥٤٣). ٦ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ الأَعْمَشُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ. لأَنَّ إِسْلاَمَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. ٠٠٠ والثاني: اشتراط أن يكون لبسهما على طهارة ليمتثل بين عيني المكلف أنهما كالباقي على الطهارة قياساً على قلة وصول الأوساخ إلى الأعضاء المستورة، وأمثال هذه القياسات مؤثرة فيما پرجع إلى تنبيه النفس . والثالث: أن يمسح على ظاهرهما عوض الغسل إبقاء لمذكر ونموذج)) اهـ. قال الشيخ بدر الدين العيني كثّفُ: ((واعلم أنه قد وردت في المسح على الخفين عدة أحاديث تبلغ التواتر على رأي كثير من العلماء، قال الميموني عن أحمد: فيها سبعة وثلاثون صحابياً. وفي رواية الحسن بن محمد عنه: أربعون، كذا قاله البزار في مسنده. وقال ابن أبي حاتم: أحد وأربعون صحابياً. وفي الأشراف عن الحسن: حدثني به سبعون صحابياً)). وقال ابن عبد البر: ((مسح على الخفين سائر أهل بدر والحديبية وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة، والتابعين، وفقهاء الأمصار، وعامة أهل العلم والأثر، ولا ينكره إلا مخذول مبتدع خارج عن جماعة المسلمين)). وفي البدائع: ((المسح على الخفين جائز عند عامة الفقهاء وعامة الصحابة إلا ما روي عن ابن عباس أنه أنه لا يجوز، وهو قول الرافضة. ثم قال: روي عن الحسن البصري تَّثُ أنه قال: ((أدركت سبعين بدرياً من الصحابة ﴿إن كلهم يرون المسح على الخفين)) ولهذا رآه أبو حنيفة كثّفُ من شرائط السنة والجماعة، فقال: ((منها أن تفضل الشيخين، وتحب الختنين، وترى المسح على الخفين، وأن لا تحرم نبيذ الجر)) يعني: المثلث. وروي أنه قال: ((ما قلت بالمسح حتى جاءني مثل ضوء النهار)) فكان الجحود رداً على كبار الصحابة، ونسبته إياهم إلى الخطأ فكان بدعة، ولذا قال الكرخي: ((أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين)). قال الحافظ: ((وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، ومنهم العشرة)). وقال الشوكاني: ((قال ابن عبد البر المالكي: لا أعلم من روى عن أحد من فقهاء السلف إنكاره إلا عن مالك، مع أن الروايات الصحيحة مصرحة عنه بإثباته، وقد أشار الشافعي في الأم إلى إنكار ذلك على المالكية، والمعروف المستقر عندهم الآن قولان: الجواز مطلقاً، وثانيهما: للمسافر دون المقيم. وعن ابن نافع في المبسوطة: أن مالكاً إنما كان يتوقف في خاصة نفسه، مع إفتائه بالجواز، ولذا قال أحمد: من ترك المسح كترك مالك صلينا خلفه، ومن ترك إنكاراً کالمبتدعة لم نصل خلفه». وقال الإمام الهمام الشيخ أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي: ((قد ثبت المسح على الخفين ٧ كتاب: الطهارة ٦٢٢ - (٠٠٠) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَم. قَالا: أَخْبَرَنَا عن النبي صل* من طريق التواتر والاستفاضة، من حيث يوجب العلم، ولذلك قال أبو يوسف تَّقُ: إنما يجوز نسخ القرآن بالسنة إذا وردت كورود المسح على الخفين في الاستفاضة، وما دفع أحد من الصحابة من حيث نعلم المسح على الخفين، ولم يشك أحد منهم في أن النبيّ وَله قد مسح، وإنما اختلف في وقت مسحه: أكان قبل نزول المائدة أو بعدها؟ قال الشيخ: ولما كان ورود هذه الأخبار على الوجه الذي ذكرنا من الاستفاضة مع كثرة عدد ناقليها، وامتناع التواطؤ والسهو والغفلة عليهم فيها: وجب استعمالها مع حكم الآية، وقد بيّنا أن في الآية احتمالاً للمسح، استعملناه في حال لبس الخفين، واستعملنا الغسل في حال ظهور الرجلين، فلا فرق بين أن يكون مسح النبيّ و ﴿ قبل نزول المائدة أو بعدها من قبل أنه إن كان مسح قبل نزول الآية فالآية مرتبة عليه، غير ناسخة له، لاحتمالها ما يوجب موافقته من المسح في حال لبس الخفين، ولأنه لو لم يكن فيها احتمال لموافقة الخبر لجاز أن تكون مخصوصة به، فيكون الأمر بالغسل خاصاً في ظهور الرجلين دون حال لبس الخفين، وإن كانت الآية متقدمة للمسح، فإنما جاز المسح لموافقته ما احتملته الآية، ولا يكون ذلك نسخاً، ولكنه بيان للمراد بها، وإن كان جائزاً نسخ الآية بمثله لتواتره وشيوعه. قال: وأما المسح على الجوربين فلم يجزه أبو حنيفة والشافعي إلا أن يكونا مجلدين، وحكى الطحاوي عن مالك أنه لا يمسح وإن كانا مجلدين، وحكى بعض أصحاب مالك عنه أنه لا يمسح إلا أن يكونا مجلدين كالخفين، وقال الثوري وأبو يوسف ومحمد والحسن بن صالح: يمسح إذا كانا ثخينين وإن لم يكونا مجلدين، والأصل فيه أنه قد ثبت أن مراد الآية الغسل على ما قدمنا، فلو لم ترد الآثار المتواترة عن النبيّ وَ ﴿ في المسح على الخفين: لما أجزنا المسح، فلما وردت الآثار الصحاح واحتجنا إلى استعمالها مع الآية استعملناها معها على موافقة الآية في احتمالها للمسح، وتركنا الباقي على مقتضى الآية ومرادها، ولما لم ترد الآثار في جواز المسح على الجوربين في وزان ورودها في المسح على الخفين: أبقينا حكم الغسل على مراد الآية، ولم ننقله عنه. ومن لههنا قال الإمام مسلم بن الحجاج: ((لا يترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهزيل)). فإن قيل: روى المغيرة بن شعبة وأبو موسى أن النبيّ وَّلتر مسح على جوربيه ونعليه. قيل له: ((يحتمل أنهما كانا مجلدين، فلا دلالة فيه على موضع الخلاف، إذ ليس بعموم لفظ، وإنما هو حكاية فعل لا نعلم حاله. وأيضاً يحتمل أن يكون وضوء من لم يحدث، كما مسح على رجليه وقال: ((هذا وضوء من لم يحدث)) ومن جهة النظر إتفاق الجميع على امتناع جواز المسح على اللفافة، إذ ليس في العادة المشي فيها، كذلك الجوربان. وأما إذا كانا مجلدين فهما بمنزلة الخفين يمشي فيهما، وبمنزلة الجرموقين، ألا ترى أنهم قد اتفقوا على أنه ٨ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عِيسىُ بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ الثَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ. فِي هَذَا الإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيث أَبِي مُعَاوِيَةً. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ عِيسَى وَسُفْيَانَ: قَالَ: فَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ يُعْجِبُهُمْ هُذَا الْحَدِيثُ، لأَنَّ إِسْلاَمَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. ٦٢٣ - (٧٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةً(١)؛ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَّةِ، فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةٍ قَوْمٍ. إذا كان كله مجلداً جاز المسح، ولا فرق بين أن يكون جميعه مجلداً أو بعضه بعد أن يكون بمنزلة الخفين في المشي والتصرف)). كذا في أحكام القرآن. قلت: وقد روى بعض فقهائنا رجوع الإمام أبي حنيفة إلى قول صاحبيه في مسألة الجوربين الثخينين، وأصله أنه لما مرض مسح على الجورين من غير نعل، وقال لعواده: فعلت ما كنت منعت عنه، فاستدلوا به على رجوعه. والله أعلم، وتفصيل أقسام الجوارب وأحكامها مبسوط في الكبيرى . - قوله: (كان بعد نزول المائدة) إلخ: وعند الطبراني من رواية محمد بن سيرين عن جرير: أن ذلك كان في حجة الوداع، والله أعلم. فبطل احتمال كون المسح على الخفين منسوخاً بآية الوضوء التي في المائدة. قال الشارح: ((وروينا في سنن البيهقي عن إبراهيم بن أدهم قال: ما سمعت في المسح علی الخفین أحسن من حديث جرير)). ٧٣ - (٢٧٣) - قوله: (إلى سباطة قوم) إلخ: بضم المهملة بعدها موحدة. قال الطيبي: ((السباطة والكناسة الموضع الذي يرمى فيه التراب والأوساخ وما يكنس من المنازل، وإضافتها إلى القوم للتخصيص لا للتمليك، لأنها كانت مواتاً سبخة))، كذا في المرقاة. قال الحافظ: ((وتكون في الغالب سهلة لا يرتد فيها البول على البائل، وإنها لا تخلو عن (١) قوله: ((عن حذيفة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الوضوء، باب البول قائماً وقاعداً رقم (٢٢٤) وباب البول عند صاحبه والتستر بالحائط، رقم (٢٢٥). وباب البول عند سباطة قوم، رقم (٢٢٦). وفي كتاب المظالم، باب الوقوف والبول عند سباطة قوم رقم (٢٤٧١) والنسائي في سننه في كتاب الطهارة، باب الرخصة في البول في الصحراء قائماً، رقم (٢٦) و(٢٧) و(٢٨). وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب البول قائماً، رقم (٢٣). والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك (أي البول قائماً) رقم (١٣). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في البول قائماً، رقم (٣٠٥). وباب ما جاء في المسح على الخفين، رقم (٥٤٤). والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة والطهارة، باب في البول قائماً رقم (٦٧٤). ٩ كتاب: الطهارة فَبَالَ قَائِماً. فَتَنَخَيْتُ. فَقَالَ: النجاسة، وبهذا يندفع إيراد من استشكله، لكون البول يوهي الجدار (وذكره موجود في الرواية الآتية) ففيه إضرار. أو نقول: إنما بال فوق السباطة لا في أصل الجدار، وهو صريح رواية أبي عوانة في صحيحه. وقيل: يحتمل أن يكون علم إذنهم في ذلك بالتصريح أو غيره، أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرف في مال أمته دون غيره، لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم، وهذا وإن كان صحيح المعنى لكن لم يعهد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه وَلتت)) . قوله: (فبال قائماً) إلخ: استدل به لمالك في الرخصة في مثل رؤوس الإبر من البول. وفيه نظر، لأنه ◌َ﴾ في تلك الحالة لم يصل إلى بدنه منه شيء، وإلى هذا أشار ابن حبان في ذكر السبب في قيامه، قال: ((لأنه لم يجد مكاناً يصلح للقعود، فقام لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان عالياً، فأمن أن يرتد إليه شيء من بوله)). وقيل: لأن السباطة رخوة يتخللها البول، فلا يرتد إلى البائل منه شيء. وقيل: السبب في ذلك ما روي عن الشافعي وأحمد أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك، فلعله كان به، وروى الحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة قال: «إنما بال رسول الله وَ ﴿ قائماً لجرح كان في مأبضه)) والمأبض بهمزة ساكنة بعدها موحدة ثم معجمة: باطن الركبة، فكأنه لم يتمكن لأجله من القعود، ولو صح هذا الحديث لكان فيه غنى عن جميع ما تقدم، لكن ضعّفه الدارقطني والبيهقي. والأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله البول عن قعود، والله أعلم. وحكى ابن ماجه عن بعض مشايخه أنه قال: «كان من شأن العرب البول قائماً، ألا تراه يقول في حديث عبد الرحمن بن حسنة: ((قعد يبول كما تبول المرأة)). وقال في حديث حذيفة: ((فقام كما يقوم أحدكم)) ودل حديث عبد الرحمن المذكور على أنه ◌َّ كان يخالفهم في ذلك، فيقعد لكونه أستر وأبعد من مماسة البول، وهو حديث صحيح صححه الدارقطني وغيره، ويدل عليه حديث عائشة قالت: ((ما بال رسول الله وَلقر قائماً منذ أنزل عليه القرآن)) رواه أبو عوانة في صحيحه والحاكم. قال الحافظ: ((وحديث عائشة مستند إلى علمها، فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما في غير البيوت فلم تطلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة وهو من كبار الصحابة، وقد وقع في بعض روايات حذيفة أن ذلك كان بالمدينة، فتضمن الرد على ما نفته من أن ذلك لم يقع بعد نزول القرآن، وقد ثبت عن عمر وعلي، وزيد بن ثابت، وغيرهم: أنهم بالوا قياماً، وهو دال على الجواز من غير كراهة إذا أمن الرشاش. والله أعلم)) ولم يثبت عن النبيّ ◌َّر في النهي عنه شيء، كما بينته في أوائل شرح الترمذي والله أعلم»، كذا في الفتح. ١٠ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (اذنُهُ)) فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ. فَتَوَضَّأَ، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. ٦٢٤ - (٧٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ؛ قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ. وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بَالْمَقَارِيضِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لا يُشَدِّدُ قوله: (فقال: ادنه) إلخ: استدل به على جواز الكلام في حال البول، وفيه أن هذه الرواية قد بينت في رواية البخاري أن قوله: ((ادنه)) كان بالإشارة لا باللفظ، فلا يتم الاستدلال. كذا في نيل الأوطار. قال الحافظ: ((وأما مخالفته وسي * لما عرف من عادته من الإبعاد عند قضاء الحاجة عن الطريق المسلوكة، ومن أعين النظار، فقد قيل فيه: إنه « كان مشغولاً بمصالح المسلمين، فلعله طال عليه المجلس حتى احتاج إلى البول فلو أبعد لتضرر، واستدئى حذيفة ليستره من خلفه عن رؤية من لعله يمر به، وكان قدامه مستوراً بالحائط، أو لعله فعله لبيان الجواز، ثم هو في البول، وهو أخفّ من الغائط لاحتياجه إلى زيادة تكشف، ولما يقترن به من الرائحة، والغرض من الإبعاد التستر، وهو يحصل بإرخاء الذيل، والدنو من الساتر. وروى الطبراني من حديث عصمة بن مالك قال: ((خرج علينا رسول الله وَّر في بعض سكك المدينة، فانتهى إلى سباطة قوم، فقال: يا حذيفة استرني)) فذكر الحديث. وظهر منه الحكمة في إدنائه حذيفة في تلك الحالة، وكان حذيفة لما وقف خلفه، عند عقبه استدبره، وظهر أيضاً أن ذلك كان في الحضر لا في السفر، فيستدل به على جواز المسح على الخفين في الحضر)). كذا في الفتح. ٧٤ - ( ... ) - قوله: (يشدد في البول) إلخ: بين ابن المنذر وجه هذا التشديد، فأخرج من طريق عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أنه سمع أبا موسى - ورأى رجلاً يبول قائماً - فقال: ((ويحث، أفلا قاعداً)) ثم ذكر قصة بني إسرائيل، وبهذا يظهر مطابقة حديث حذيفة في تعقبه على أبي موسى . قوله: (ويبول في قارورة) إلخ: أي: لئلا ينتشر البول ويصيب رشاشه البدن أو الثوب. قوله: (جلد أحدهم) إلخ: وفي رواية البخاري ((ثوب أحدهم)). قال القرطبي: مراده بالجلد (في رواية مسلم) وأحد الجلود التي كانوا يلبسونها، وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الإصر الذي حملوه، ويؤيده رواية أبي داود، ففيها: ((كان إذا أصاب جسد أحدهم)) لكن رواية البخاري صريحة في الثياب، فلعل بعضهم رواه بالمعنى، كذا في الفتح. قوله: (لا يشدد هذا التشديد) إلخ: مقصود حذيفة أن هذا التشديد خلاف السنة فإن ١١ كتاب: الطهارة هَذَا التَّشْدِيدَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللّهِ وَلِهِ نَتَمَاشَىْ. فَأَتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ. فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ. فَبَالَ. فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ. فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِثْتُ. فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ. ٦٢٥ - (٧٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنٍ الْمُهَاجِرِ. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً(١)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ◌ِ ◌ّوَ؛ أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ ، النبيّ ◌َّ﴿ بال قائماً، ولا شك في كون القائم معرضاً للرشيش، ولم يلتفت النبيّ وَطلقوا إلى هذا الاحتمال، ولم يتكلف البول في قارورة، كما فعل أبو موسى رَظُه ، والله أعلم. قوله: (فانتبذت منه) إلخ: بالنون والذال المعجمة، أي: تنحيت، يقال: جلس فلان نبذة بفتح النون وضمها، أي: ناحية، وهذا يدل على أنه لم يبعد منه بحيث لا يراه، وإنما صنع ذلك ليجمع بين المصلحتين: عدم مشاهدته في تلك الحالة، وسماع ندائه لو كانت له حاجة، أو رؤية إشارته إذا أشار له، وهو مستدبره. ٧٥ _ (٢٧٤) - قوله: (خرج لحاجته) إلخ: كان هذا في السفر في غزوة تبوك عند صلاة الفجر. (١) قوله: ((عن أبيه المغيرة بن شعبة)) إلخ: الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب الرجل يوضىء صاحبه، رقم (١٨٢) وباب المسح على الخفين، رقم (٢٠٣) وباب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان، رقم (٢٠٦) وفي كتاب الصلاة، باب الصلاة في الجبة الشامية، رقم (٣٦٣) وباب الصلاة في الخفاف رقم (٣٨٨). وفي كتاب الجهاد، باب الجبة في السفر والحرب، رقم (٢٩١٨) وفي كتاب المغازي، باب (بغير ترجمة) بعد نزول النبي وس ؤر الحجر، رقم (٤٤٢١). وفي كتاب اللباس، باب من لبس جبة ضيقة الكمين في السفر، رقم (٥٧٩٨). وباب لبس جبة الصوف في الغزو، رقم (٥٧٩٩) ومسلم في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب تقدم الجماعة من يصلى بهم إذا تأخر الإمام، رقم (٩٦٢). والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، صفة الوضوء، باب غسل الكفين، رقم (٨٢) وباب المسح على العمامة مع الناصية، رقم (١٠٧) و(١٠٨) وباب المسح على الخفين، رقم (١٢٣) و(١٢٤) وباب المسح على الخفين في السفر، رقم (١٢٥). وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، رقم (١٤٩ - ١٥٢). والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب ما جاء في المسح على الخفين أعلاه أسفله، رقم (٩٧) وباب ما جاء في المسح على الخفين ظاهرهما، رقم (٩٨) وباب ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين، رقم (٩٩). وباب ما جاء في المسح على العمامة. رقم (١٠٠) وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في المسح على الخفين، رقم (٥٤٥) وباب في مسح أعلى الخفين وأسفله، رقم (٥٥٠) وباب ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين، رقم (٥٥٩) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة والطهارة، باب في المسح على الخفين، رقم (٧١٩). ١٢ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ. فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحِ (مَكَانَ حِينَ، حَتَّى). ٦٢٦ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى قوله: (فاتّبعه المغيرة) إلخ: بتشديد المثناة المفتوحة، وسيأتي أن النبيّ ◌َّ هو الذي أمره أن يتّبعه بالإداوة. قاله الحافظ. قوله: (فصبّ عليه حين فرغ) إلخ: معناه بعد انفصاله من موضع قضاء حاجته وانتقاله إلى موضع آخر، فصبّ عليه في وضوئه. وأما رواية ((حتى فرغ)) فلعل معناها فصبّ عليه في وضوئه حتى فرغ من الوضوء، فيكون المراد بالحاجة الوضوء، وقد جاء في الرواية الأخرى مبيناً أن صبه عليه كان بعد رجوعه من قضاء الحاجة، والله أعلم. وفي هذا الحديث دليل على جواز الاستعانة في الوضوء، وقد ثبت أيضاً في حديث أسامة بن زيد ربه أنه صب على رسول الله وَّر في وضوئه حين انصرف من عرفة، وقد جاء في أحاديث - ليست بثابتة - النهي عن الاستعانة . قال أصحابنا: الاستعانة ثلاثة أقسام: أحدها: أن يستعين بغيره في إحضاره الماء، فلا كراهة فيه ولا نقص. والثاني: أن يستعين به في غسل الأعضاء، ويباشر الأجنبي بنفسه غسل الأعضاء، فهذا مكروه إلا لحاجة. والثالث: أن يصبّ عليه، فهذا الأولى تركه. وهل يسمى مکروهاً؟ فيه وجهان کذا قال النووي. قال الحافظ: ((نعم يستحب أن لا يستعين أصلاً (أي: بلا عذر كما في ردّ المحتار) وأما ما رواه أبو جعفر الطبري عن ابن عمر أنه كان يقول: ((ما أبالي من أعانني على طهوري أو على ركوعي أو على سجودي)) فمحمول على الإعانة بالمباشرة، لا بالصبّ، بدليل ما رواه الطبري أيضاً وغيره عن مجاهد أنه كان يسكب على ابن عمر وهو يغسل رجليه، وقد روى الحاكم في المستدرك من حديث الربيع بنت معوذ أنها قالت: ((أتيت النبيّ وَل﴿ بوضوء، فقال: اسكبي، فسكبت عليه)) وهذا أصرح في عدم الكراهة من الحديثين المذكورين، لكونه في الحضر، ولكونه بصيغة الطلب)) اهـ. والله أعلم. قوله: (ومسح على الخفين) إلخ: قد تقدم أن هذه القصة كانت في غزوة تبوك، ونزول آية الوضوء التي في المائدة كان في المريسيع، كما صرح به الحافظ. وتبوك متأخر عن المريسيع قطعاً، فحديث المغيرة أيضاً رافع لاحتمال النسخ، كحديث جرير، والله أعلم. وحديث المغيرة هذا ذكر البزار أنه رواه عنه ستون رجلاً، ولخص الحافظ فوائد طرقه الصحيحة في الفتح. ١٣ كتاب: الطهارة ابْنَ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. ٦٢٧ - (٧٦) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلاَلٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ؛ قَالَ: بَيْنَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ. إِذْ نَزَلَ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ مِنْ إِدَاوَةٍ كَانَتْ مَعِي. فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى ◌ُفَّيْهِ. ٦٢٨ - (٧٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً؛ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَّرَ فِي سَفَرٍ. فَقَالَ: ((يَا مُغِيَّرَةُ، خُذِ الإِدَاوَةَ) فَأَخَذْتُهَا، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ. ثَمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيْقَةُ الْكُمَّيْنِ. فَذَهَب يُخْرِجُ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ عَلَيْهِ. فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا. فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ. ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ صَلَّى. ٦٢٩ - (٧٨) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَم. جَمِيعاً عَنْ عِيسى بْنِ يُونُسَ. قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عِيسَى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُسّلِم، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ بَه لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ. فَلَمَّا رَجَعَ تَلَّقَّيْتُهُ بِالإِدَاوَةِ . فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ. ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ. ثُمَّ ذَهَبَ لِيَغْسِلَ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَتِ الْجُبَّةُ فَأَخْرَجَهُمْا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَهُمَا وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ صَلَّى بِنَا. ( ... ) - قوله: (فغسل وجهه ويديه) إلخ: الفاء تفصيلية، أي: المراد بقوله: ((فتوضأ)) الوضوء بالكيفية المذكورة. ٧٦ - ( ... ) - قوله: (ذات ليلة) إلخ: أي: في آخر الليل قبل الفجر. ٧٧ - ( ... ) - قوله: (وعليه جبة شامية) إلخ: فيه ردّ على بعض الفقهاء أن لبس الإنسان غير زيّ أهل إقليمه يسقط المروءة. قال الحافظ: ((وفي الحديث الانتفاع بثياب الكفار حتى يتحقق نجاستها، لأنه ◌َ ل لبس الجبة ولم يستفصل. وأشار البخاريّ إلى أن لبس النبيّ وَّر الجبّة الضيقة إنما كان لحال السفر، لاحتياج المسافر إلى ذلك، وأن السفر يغتفر فيه لبس غير المعتاد في الحضر)). ٧٨ - (٠٠٠) - قوله: (ثم صلى بنا) إلخ: قال السندي: ((ظاهره أنه أمّ بهم، وسيجيء أن عبد الرحمن هو الذي كان إماماً للقوم في ذلك اليوم، أجاب بعض الحاضرين: أن ((صلى بنا)) ١٤ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٦٣٠ - (٧٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي مَسِيرٍ. فَقَال لِي: ((أَمَعَكَ مَاءٌ)) قُلْتُ: نَعَمْ. فَنَزِلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى فِي سَوَاد اللَّيْلِ. ثُمَّ جَاءَ فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ. فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ. فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْهَا. حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ. فَغَسَل ذِرَاعَيْهِ. وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ. ثُمَّ أَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: (دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ)) وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا . " بمعنى: ((معنا)) ويمكن أن يقال: إنه أمّهم في صلاة الظهر بذلك الوضوء)) والله تعالى أعلم. ٧٩ - ( ... ) - قوله: (وعليه جبة من صوف) إلخ: استدل به القرطبي تَُّ على أن الصوف لا ينجس بالموت، لأن الجبة كانت شامية، وكانت الشام إذ ذاك دار كفر، ومأكول أهلها الميتات، كذا قال. قال ابن بطال: ((كره مالك لبس الصوف لمن يجد غيره لما فيه من الشهرة بالزهد، لأن إخفاء العمل أولى، قال: ولم ينحصر التواضع في لبسه، بل في القطن وغيره ما هو بدون ثمنه)). قوله: (ثم أهويت) إلخ: أي: قصدت الهوي من القيام إلى القعود، وقيل: الإهواء إمالة اليد إلى شيء ليأخذه، أي: انحنيت. قوله: (لأنزع خفيه) إلخ: ظناً أنه يجب غسل الرجلين في مطلق الأحوال. قال ابن بطال: («فيه خدمة العالم، وأن للخادم أن يقصد إلى ما يعرف من عادة مخدومه قبل أن يأمره)). قوله: (فإني أدخلتهما طاهرتين) إلخ: وروى الحميدي في مسنده عن المغيرة بن شعبة قال: ((قلنا يا رسول الله، أيمسح أحدنا على الخفين؟ قال: نعم، إذا أدخلهما وهما طاهرتان)). وعن أبي هريرة: ((أن رسول الله وَ﴿ توضأ ومسح على خفيه، فقلت: يا رسول الله، رجليك تغسلهما، قال: إني أدخلتهما طاهرتان)) رواه أحمد. وعن صفوان بن عسال قال: ((أمرنا - يعني النبي ◌َ﴾ - أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثاً)) رواه أحمد وابن خزيمة، وقال الخطابي: هو صحيح الإسناد. قال الشيخ أبو بكر الرازي: ((قال أصحابنا: إذا غسل رجليه وليس خفيه، ثم أكمل الطهارة قبل الحدث أجزأه أن يمسح إذا أحدث، وهو قول الثوري، وروي عن مالك مثله، وذكر الطحاوي عن مالك والشافعي أنه لا يجزيه إلا أن يلبس خفيه بعد إكمال الطهارة، وحديث الباب وما يشابهه لا يدل على وجوب إكمال الطهارة قبل اللبس، فإن من غسل رجليه فقد طهرتا قبل إكمال طهارة سائر الأعضاء، كما يقال: غسل رجليه، وكما يقال: صلى ركعة، وإن لم يتم صلاته)) اهـ. ١٥ كتاب: الطهارة ٦٣١ - (٨٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ قال الشيخ أكمل الدين البابرتي كثّفُ: ((إنا قد اتفقنا أن المسح لا يجوز إلا بعد طهارة كاملة، وإن اختلفنا في وقتها، (أي: في وقت كمالها) فلو كانت الطهارة ناقصة عند حلول الحدث لزم أن يكون الخف رافعاً للحدث الحكمي الحال بالقدم، لأنه وإن زال بالماء حقيقة لكنه باق حكماً، لعدم التجزي، وعن بقية الأعضاء أيضاً ليرد المسح على طهارة كاملة، وكان رافعاً لا مانعاً، ولزم الخلف. فإن قلت: هذا يقتضي وجود الطهارة الكاملة وقت الحدث، ونحن لا نمنع ذلك، وإنما نقول: إنها لا تكفي بل يحتاج إلى وجودها وقت اللبس أيضاً، وما ذكرتم لا يمنع ذلك. قلت: ((هذا ناهض، ودافعه أن وجودها يحتاج إليه عند طريان مزيلها، وهو الحدث تحقيقاً للإزالة، وأما قبل ذلك فهي مستغنى عنها، فلا فائدة في اشتراطها)). قال صاحب البحر: ((إن المقصود وقوع المسح على خف يكون ملبوساً عند أول حدث يحدث بعد اللبس على طهارة كاملة، وهذا المقصود موجود في جميع الصور التي جوّز الحنفية فيها المسح، منها أن يبدأ بغسل رجليه ثم يلبسهما، ثم يكمل الوضوء. ومنها: أن يتوضأ إلا رجليه، ثم يغسل واحدة ويلبس خفها، ثم يغسل الأخرى ويلبسه. وقال الشافعي: لا بدّ من لبسهما على وضوء تام ابتداء، لما في الصحيحين عن المغيرة: ((كنت مع النبيّ ◌َّ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما)) وأهويت: بمعنى قصدت، ولما أخرجه ابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما من حديث أبي بكرة: ((أن رسول الله وَ ل و رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة، إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما)) ونص الشافعي كثّفُ على أن إسناده صحيح؛ والبخاري على أنه حديث حسن. والجواب أن معنى ((أدخلتهما)) أدخلت كل واحدة الخف وهي طاهرة، لا أنهما اقترنا في الطهارة والإدخال، لأن ذلك غير متصور عادة، وهذا كما يقال: ((دخلنا البلد ونحن ركبان)) يشترط أن يكون كل واحد راكباً عند دخولها، ولا يشترط أن يكون جميعهم ركباناً عند دخول كل واحد منهم، ولا اقترانهم في الدخول. كذا أجاب في التبيين وغيره، على أن كلاً من الحديثين المذكورين ليس بمعترض لعدم الجواز في الصور المذكورة. اللهم إلا إن كان حديث أبي بكرة بطريق مفهوم المخالفة، وهو طريق غير صحيح عند أهل المذهب على ما عرف في علم الأصول مع أن كلاً منهما وما ضاهاهما يجوز أن يكون خرج مخرج البيان لما هو الأكمل في ذلك والأحسن، وأهل المذهب قائلون بأن هذا الذي عيّنه مخالفوهم محلاً للجواز نظراً إلى هذه الأحاديث: هو الوجه الأكمل)) كذا في البحر الرائق. قلت: والتعليل في حديث الباب بقوله: ((فإني أدخلتهما طاهرتين)). وكذا تعليق المسح ١٦ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَبِي زَائِدَةً عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِهِ؛ أَنَّهُ وَضَّأَ النَّبِيَّ ◌َِّ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُقَّيْهِ. فَقَالَ لَهُ. فَقَالَ: ((إِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ)). (٢٣) - باب: المسح على الناصية والعمامة ٦٣٢ - (٨١) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ (يَعْنِي أَبْنَ زُرَيْع)، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ. حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، عَنَّ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ بَلِهِ وَتَخَلَّفْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ قَالَ: ((أَمَعَكَ مَاءٌ؟)) فَأَتَيْتُهُ بِمِطْهَرَةٍ. فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ. ثُمَّ ذَهَبَ يَخْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ. فَأَخْرَجَ على إدخال القدمين على طهر في حديث صفوان بن عسال وغيره: تنبيه على أن مناط جواز المسح هي طهارة القدمين فقط عند اللبس، ولو حسن تحققها في ضمن الوضوء المرتب الكامل. وأما طهارة سائر أعضاء الوضوء عند اللبس فلا مدخل لها في تجويز المسح وعدمه، وإلا فلا فائدة في ذكر القدمين خاصة في موقع التعليل. فما في حديث أنس أن رسول الله وليه قال: ((إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليصل فيهما، وليمسح عليهما، ثم لا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة)) أخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم، ورواته عن آخرهم ثقات، وأخرجه الدارقطني في سننه، قال صاحب التنقيح: إسناده قوي: محمول(١) على أحسن صور تطهير القدمين وأعرفها التي يغلب وقوعها، لا على أصل الإباحة والجواز، فإن الأحاديث التي ذكرناها سابقاً تدل على أن المدخل في جواز المسح ليس إلا لطهارة القدمين عند لبس الخفين، دون سائر أعضاء الوضوء، نعم! وجوب كمال الطهارة عند الحدث ثبت بدليل آخر، كما بيّنا، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٨٠ - ( ... ) - قوله: (وضّأ النبي ◌َ *) إلخ: أي: سكب الوضوء على يديه. (٢٣) - باب: المسح على الناصية والعمامة ٨١ - ( ... ) - قوله: (بكر بن عبد الله المزني عن عروة بن المغيرة) إلخ: قال القاضي عياض: ((حمزة بن المغيرة هو الصحيح عندهم في هذا الحديث، وإنما عروة بن المغيرة في الأحاديث الأخر، وحمزة وعروة ابنان للمغيرة، والحديث مروي عنهما جميعاً، لكن رواية بكر بن عبد الله المزني إنما هي عن ((حمزة بن المغيرة)) و((عن ابن المغيرة)) غير مسمى، ولا يقول بكر: عروة، ومن قال: عروة عنه، فقد وهم)) كذا في الشرح. قوله: (تخلف رسول الله) إلخ: أي: تأخر. قوله: (يحسر عن ذراعيه) إلخ: أي: يكشف بفتح الياء وكسر السين. (١) قوله: ((فما)) مبتدأ وقوله: ((محمول)) إلخ، خبره. من المؤلف رحمه الله. ١٧ كتاب: الطهارة يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ. وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ. وَمَسَحَ بِنَاصِيتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى خُفَيْهِ. ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبْتُ. قوله: (ومسح بناصيته) إلخ: الناصية هي مقدم الرأس. قوله: (وعلى العمامة) إلخ: قال الشيخ العلامة أبو بكر الرازي كثّفُ: ((اختلف في المسح على العمامة، فقال أصحابنا ومالك والحسن بن صالح والشافعي: لا يجوز المسح على العمامة ولا على الخمار. وقال الثوري: (لعله أبو الثور، فإن الثوري مع الفريق الأول كما نقله الترمذي) والأوزاعي (وأحمد وداود): يمسح على العمامة. والدليل على صحة القول الأول قوله تعالى: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ [سورة المائدة، رقم: ٦] وحقيقته تقتضي إمساسه الماء ومباشرته، وماسح العمامة غير ماسح برأسه، فلا تجزيه صلاته إذا صلى به. وأيضاً فإن الآثار متواترة في مسح الرأس، فلو كان المسح على العمامة جائزاً لورد النقل به متواتراً في وزان وروده في المسح على الخفين، فلما لم يثبت عنه مسح العمامة من جهة التواتر لم يجز المسح عليها من وجهين: أحدهما: أن الآية تقتضي مسح الرأس، فغير جائز العدول عنه إلا بخبر يوجب العلم. والثاني: عموم الحاجة إليه، فلا يقبل في مثله إلا المتواتر من الأخبار. قال الشيخ: ((وإن احتجوا بما روى بلال والمغيرة بن شعبة: ((أن النبيّ وَلقر مسح على الخفين والعمامة)) وما روى راشد بن سعد عن ثوبان ((قال: بعث رسول الله وَالر سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبيّ ◌َ ﴿ أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين)): قيل لهم: هذه أخبار مضطربة الأسانيد، وفيها رجال مجهولون، ولو استقامت أسانيدها لما جاز الاعتراض بمثلها على الآية، وقد بيّنا في حديث المغيرة بن شعبة: ((أنه مسح على ناصيته وعمامته))، وفي بعضها: ((على جانب عمامته))، وفي بعضها: ((وضع يده على عمامته)) فأخبر أنه فعل المفروض في مسح الناصية، ومسح على العمامة، وذلك جائز عندنا، ويحتمل ما رواه بلال ما بيّن في حديث المغيرة . وأما حديث ثوبان: فمحمول على معنى حديث المغيرة أيضاً، بأن مسحوا على بعض الرأس وعلى العمامة، والله أعلم)). قلت: أما حديث بلال: فقال الحافظ جمال الدين الزيلعي: ((أخرجه مسلم، ورواه النسائي بقصة فيها فائدة حسنة)) ولعله أشار إلى ما أخرج النسائي في باب المسح على الخفين من حديث أسامة بن زيد قال: ((دخل رسول الله ﴿ ﴿ وبلال الأسواق، فذهب لحاجته ثم خرج، قال أسامة: فسألت بلالاً، ما صنع؟ قال بلال: ذهب النبيّ وَل ◌ّ لحاجته، ثم توضأ، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ومسح على الخفين، ثم صلى)) وهذا يدل على ما قاله الشيخ أبو بكر كظّفُهُ احتمالاً أن المسح على العمامة لعله كان مع الرأس. ١٨ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وأما حديث ثوبان فمع عدم سماع راشد بن سعد من ثوبان كما صرح به أحمد وغيره قال شمس الأئمة السرخسي فيه: ((إن النبيّ وَطّور خصّ به تلك السرية لعذرهم، فقد كان عليه الصلاة والسلام يخص بعض أصحابه بأشياء، كما خصّ عبد الرحمن بن عوف تظله: بلبس الحرير، و خزيمة څله بشهادته وحده)) اهـ. وقد صرح بعض الحنفية بسقوط مسح الرأس لبعض الأعذار، وحينئذٍ فالمسح على العمامة يكون كمسح الرجلين، بل وسائر أعضاء الوضوء في وضوء من لم يحدث، كما رواه الطحاوي عن علي قال العلامة عبد القادر بن يوسف الشهير بقدري آفندي الحنفي في واقعات المفتين: ((ذكر الجلابي في كتاب الصلاة له: أن من به وجع في رأسه لا يستطيع معه مسحه يسقط الفرض في حقه، وأنشد: ويسقط مسح الرأس عمن برأسه من الداء ما إن بله يتضرر وقال الحافظ ابن القيم: ((ومسح أي: النبيّ وَّر على العمامة مقتصراً عليها، (أي: مع عدم ذكر الرأس) ومع الناصية، وثبت منه ذلك فعلاً وأمراً في عدة أحاديث، لكن قضايا أعيان يحتمل أن يكون خاصّة بحال الحاجة والضرورة، ويحتمل العموم كالخفين، وهو أظهر)) اهـ. قلت: حديث ثوبان نصّ في أن أمره وَ لتر كان في حق المعذورين الذين أصابهم البرد، فما رواه أحمد في مسنده (٦: ١٢) من طريق مكحول عن نعيم بن حماد عن بلال أن رسول الله واله قال: ((امسحوا على الخفين والخمار)) مع قول ابن عبد البر: إن حديث مكحول عن نعيم منقطع لم يسمع منه، بينهما كثير بن مرّة، يحتمل أن يكون في حق من ورد فيه حديث ثوبان، ويحتمل العموم أن يكون تعبير حديث بلال الفعلي الذي رواه مسلم وأصحاب السنن بالقول من تصرف بعض الرواة، والله أعلم. قال الخطابي كنّفُ: «فرض الله مسح الرأس، والحديث في مسح العمامة محتمل للتأويل، فلا يترك المتيقن للمحتمل، والقياس على الخفين بعيد، فإن أحاديث المسح عليهما رويت متواترة، كما ذكرنا، ولم يبق فيه اختلاف في الصور الأول، ولا مساغ فيها للتأويل والتخصيص، وفي الأمر بنزع الخفين عند كل وضوء مشقة شديدة وحرج عظيم، كما لا يخفى، بخلاف المتعمم)) . قال السرخسي تكذّلهُ: ((لا يلحقه كثير حرج في إدخال اليد تحت العمامة، والمسح على الرأس)». قال مالك: «إنه بلغه أن جابر بن عبد الله الأنصاري سئل عن المسح على العمامة، فقال: لا حتی یمسح الشعر بالماء)». ١٩ كتاب: الطهارة قال الزرقاني: ((لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٦] والماسح على العمامة لم یمسح برأسه)) اهـ. قلت: وهذا كما لا يقال لمن بلّ عمامته: بلّ رأسه أو شعره. وينبغي أن تراجع هنا ما قدمنا في بيان مسح الرأس من الفرق بين قولهم: ((مسحت رأسي)) و((مسحت برأسي)) في باب صفة الوضوء وكماله، فإنه يعينك على فهم هذا المقام. ويمكن أن يقال: إن المراد بالمسح في الأحاديث التي فيها ذكر المسح على العمامة فقط، إيقاع فعل المسح المعهود المعروف عند الشرع، يعني: مسح الرأس، وحذف المفعول به اكتفاء بذكر ما يلابسه، وهي العمامة، فالتقدير: ((مسح برأسه على عمامته)) وقوله: ((على عمامته)) من قبيل قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية، الآية: ٢٣]. قال في روح المعاني: ((على علم)) حال من الفاعل، أي: أضلّه الله تعالى عالماً بأنه أهل لذلك، لفساد جوهر روحه، أو من المفعول أي: أضلّه الله عالماً بطريق الهدى، فهو كقوله تعالى: ﴿فَمَا أَخْتَلَفُواْ إِلَّا مِنْ بَعْدٍ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الجاثية، الآية: ١٧]. وهكذا معنى («مسح على عمامته)): أي: مسح برأسه متعمماً. ومحطّ الفائدة حينئذٍ - والله أعلم - بيان ترك الاستيعاب في المسح، وعدم نزع العمامة عن الرأس، كما يشير إلى هذا المقصود ما رواه أبو داود في سننه عن أنس بن مالك قال: ((رأيت رسول الله سيم يتوضأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة)). وكذا ما رواه الشافعي كثُّ في مسنده عن عطاء مرسلاً: ((أن النبيّ وَلّ توضأ، فحسر العمامة ومسح مقدم رأسه)) ولا يبعد أن يكون معنى المسح على الخفين الذي هو قرين المسح على العمامة في أكثر هذه الأحاديث أيضاً: المسح على الرجلين متخفّفاً، أي: ما احتيج إلى نزع الخفين بل مسح على الرجلين في حالة التخفف، وقد وقع عند مسلم في ((باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام)) حديث مغيرة بلفظ: ((ثم توضأ على خفيه)) وهو ظاهر في المعنى الذي ذكرناه، أي: توضأ متخفّفاً. نعم، فرق بين مسح الرأس في حالة التعمم ومسح الرجلين في حالة التخفف، بأن الأول يقع على محله حقيقة، والثاني إنما يقع على محله توسعاً، كما حملوا قراءة الجرّ في ((أرجلكم)) على التخفف تأويلاً. وعطف العمامة على الخفين، أو العكس في الأحاديث: لا يستلزم أن يكون المسح في كليهما بلون واحد، وهذا كما قالوا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَبِكَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٥٦] إن الصلاة المضافة إلى الله تعالى لها لون، والمضافة إلى الملائكة لها لون آخر. وكذا اختلاف كيفيات الرجس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَّرُ وَاَلْمَيْسِرُ وَاُلْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٩٠] معلوم محقق، فمعنى حديث بلال ((مسح على الخفين والخمار)) أنه أوقع المسح المعهود المعروف على ٢٠ الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الرجلين متخفّفاً، وعلى الرأس متعمماً، وما احتاج إلى نزع الخفين على القدمين، ولا الخمار عن الرأس. وبالجملة فهذا التأويل ليس بأبعد من تأويل الماسحين قوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ بالمسح على العمامة، والله أعلم. وأما حديث المغيرة بن شعبة ففيه الجمع بين الناصية والعمامة، وهذا جائز عندنا، كما تقدم فيما نقلنا عن الشيخ أبي بكر الرازي كثّفُ، وهو لا يعارض آية الوضوء، ولعل إلى هذا الجواب يشير قول عمر الله حين سأله نباتة الجعفي عن المسح على العمامة: ((إن شئت فامسح، وإن شئت فدع)). وعن سلمان الفارسي («أنه قال لرجل: امسح على خفيك، وعلى خمارك، وامسح بناصيتك)) ذكر هذين الأثرين ابن حزم في المحلى. وكل ما رأينا من آثار الصحابة ﴿ه ما وجدنا في أكثره التصريح بالاكتفاء على المسح على العمامة من دون مس الشعر، وأما نفس المسح عليها فلا ننكره. وقال الزرقاني: ((قال الحافظ ابن عبد البر كثّفُ: روي عن النبيّ وَّر أنه مسح على عمامته، من حديث عمرو بن أمية، وبلال، والمغيرة، وأنس، وكلها معلولة. وخرّج البخاري حديث عمرو، وقد بيّنا فساد إسناده في كتاب الأجوبة عن المسائل المستغربة من البخاري)). وأما ما ادّعاه ابن القيم في تهذيب السنن من كون المسح على العمامة سنة ماضية مشهورة عند ذوي القناعة من أهل العلم في الأمصار: فهذا ليس من المشهور الأصولي الذي تجوز به الزيادة على القاطع عند الحنفية أو تركه، فإن المشهور عندهم هو ما كان آحاد الأصل متواتراً في القرن الثاني والثالث، وهو يوجب ظناً فوق ظن خبر الآحاد، قريباً من اليقين بحيث يكاد يدخل في حد اليقين، فوجب تقييد مطلق الكتاب بمثل ذلك المشهور، وإلا فلا يترك كتاب الله الذي هو متيقّن الثبوت غاية التيقّن بما ليس بمتيقّن ثبوته من النبيّ وَّه ولا قريباً منه، وإلى هذا الأصل الجليل الكلي أشار الناطق بالصواب عمر بن الخطاب ربه بقوله في حديث فاطمة بنت قيس: ((لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت)) وقد تقدم تحقيقه كافياً شافياً في مقدمة هذا الشرح، ولله الحمد. ولو سلم صحة ما قاله ابن القيم كثُّ فلا يفيد إلا ثبوت المسح على العمامة، والكلام إنما هو في الاكتفاء به، ولم يثبت. وقال محمد بن الحسن في الموطأ: ((بلغنا أن المسح على العمامة كان فترك)). قال مولانا عبد الحي اللكنوي في تعليقه: ((لم نجد إلى الآن ما يدل على كون مسح العمامة منسوخاً، لكن ذكروا أن بلاغات محمد كثّفُ مسندة، فلعل عنده وصل بإسناده)).