Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١
كتاب: الإيمان
يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هُمُ الَّذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَّيَّرُونَ وَلاَ يَكْتَؤُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ
يَتَوَكَّلُونَ)) .
٥٢٥ _ (٣٧٣) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي: ابْنَ أَبِي حَازِم -
عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ (١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ قَالَ: ((لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةً مِنْ أُمَّتِّي
سَبْعُونَ أَلْفاً،َ أَوْ سَبْعُمِائَةٍ أَلْفَ (لاَ يَذْرِي أَبُو حَازِمٍ أَيَّهُمَا قَالَ) مُتَمَاسِكُونَ. آخِذٌ بَعْضُهُمْ
بَعْضاً. لاَ يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ، وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ)).
٥٢٦ _ (٣٧٤) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ
الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا. ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَّمْ أَكُنَّ فِي صَلاَةٍ. وَلَكِنِّي لُدِغْتُ. قَالَ: فَمَاذَا
صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: اسْتَرْقَيْتُ. قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيُّ.
فَقَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمُ الشَّعْبِيُّ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ حُصَيْبِ الأَسْلَمِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: لا
٣٧٣ - (٢١٩) - قوله: (متماسكون) إلخ: بالرفع على الصفة. قال النووي: ((كذا في معظم
النسخ، وفي بعضها بالنصب على الحال)).
قوله: (لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم) إلخ: هذا ظاهره يستلزم الدور، وليس كذلك،
أي: بعضهم بجنب بعض .
٣٧٤ - (٢٢٠) - قوله: (الكوكب الذي انقضّ) إلخ: بالقاف والضاد المعجمة، معناه:
سقط .
قوله: (البارحة) إلخ: هي أقرب ليلة مضت، ويقال قبل الزوال: رأيت الليلة، وبعد
الزوال: رأيت البارحة.
قوله: (أما إني لم أكن في صلاة) إلخ: قال ذلك خشية أن يوصف بما لم يفعل. قال
الأبي: ((قالت امرأة لأبي حنيفة: أنت أبو حنيفة الذي يقال: إنه يحيي الليل كله؟ قال: ولم أكن
أحييه، فصرت أحييه حياء أو كراهة أو أوصف بما لم أفعل)).
قوله: (ولكن لدغت) إلخ: بالدال المهملة والغين المعجمة، يقال: لدغته العقرب وذوات
السموم: إذا أصابته بسمها، وذلك بأن تأبره بشوكتها .
قوله: (عن بريدة بن الحصيب) إلخ: هو بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين.
(١) قوله: ((عن سهل بن سعد)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة
الجنة وأنها مخلوقة، رقم (٣٢٤٧) وفي كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، رقم
(٦٥٤٣) وباب صفة الجنة والنار، رقم (٦٥٥٤).
٤٠٢
۔۔
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رُقْيَةَ إِلا مِنْ عَيْنِ أَوْ حُمَةٍ. فَقَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ. وَلَكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ
عَبَّاسٍ(١)، عَنِ النَّبِيِّ بََّ قَالَ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ. فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيِطُ. وَالنَّبِيَّ
وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلاَنِ. وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ. إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَظَتَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي.
فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى نَّهِ وَقَوْمُهُ. وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الأَفْقِ. فَتَظَرْتُ، فَإِذَا سَوَادْ عَظِيمٌ. فَقِيلَ
لِي: انْظُرْ إِلَى الأَفْقِ الآخَرِ. فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ. وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفاً
يَذْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ.
قوله: (لا رقية إلا من عين) إلخ: هي إصابة العاين غيره بعينه، والعين حق.
قوله: (أو حمة) إلخ: بضم المهملة وتخفيف الميم، قال ثعلب وغيره: هي اسم العقرب،
وقال القزاز: هي شوكة العقرب، وكذا قال ابن سيده: أنها الإبرة التي تضرب بها العقرب
والزنبور، وقال الخطابي: ((الحمة كل هامة ذات سم من حية أو عقرب، قال الخطابي: ومعنى
الحديث: لا رقية أشفى وأولى من رقية الجن وذي الحمة)).
وقد رقي النبي ◌َّله وأمر بها فإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله تعالى فهي مباحة، وإنما جاءت
الكراهة منها لما كان بغير لسان العرب، فإنه ربما كان كفراً أو قولاً يدخله الشرك، قال:
ويحتمل أن يكون الذي كره من الرقية ما كان على مذهب الجاهلية في العوذ التي كانوا
يتعاطونها، ويزعمون أنها تدفع عنهم الآفات ويعتقدون أنها من قبل الجن ومعونتهم.
قوله: (عرضت عليّ) إلخ: بضم أوله على البناء للمجهول، و((عليّ)) بالتشديد.
قوله: (ومعه الرهيط) إلخ: تصغير الرهط، وهي الجماعة دون العشرة.
وقوله: (والنبي ليس معه أحد) إلخ: والحاصل أن الأنبياء يتفاوتون في عدد أتباعهم.
قوله: (سواد عظيم) إلخ: والسواد ضد البياض، هو الشخص الذي یری من بعيد.
قوله: (انظر إلى الأفق) إلخ: الأفق الناحية، والمراد به هنا ناحية السماء.
قوله: (فإذا سواد عظيم) إلخ: وفي حديث ابن مسعود: ((فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرجال))
وفي لفظ لأحمد: ((فرأيت أمتي قد ملأوا السهل والجبل، فأعجبني كثرتهم وهيئتهم، فقيل:
أرضيت يا محمد؟ قلت: نعم)) وقد استشكل الإسماعيلي كونه ◌َّير لم يعرف أمته حتى ظن أنهم
(١) قوله: ((ابن عباس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، باب وفاة موسى
وذكره بعد، رقم (٣٤١٠) وفي كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو، رقم
(٥٧٠٥) وباب من لم يرق، رقم (٥٧٥٢) وفي كتاب الرقاق، باب ومن يتوكل على الله فهو حسبه، رقم
(٦٤٧٢) وباب يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، رقم (٦٥٤١) والترمذي في جامعه، في كتاب صفة
القيامة، باب رقم (١٦) بعد باب ما جاء في صفة أواني الحوض.
٤٠٣
كتاب: الإيمان
ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُوَلَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلا
عَذَابٍ. فَقَالَ: بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ
وُلِدُوا فِي الإِسْلاَم وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ فَقَالَ ما
الذي تَخُوضُونَ فِيَهِ؟ فأخبروه. فقال: هُمُ الَّذِينَ لا يَرْقُونَ، وَلا يَسْتَرْقُونَ،
أمة موسى، وقد ثبت من حديث أبي هريرة: «كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ فقال: إنهم غرّ
محجلون من أثر الوضوء)) وفي لفظ: ((سيما ليست لأحد غيرهم)) وأجاب بأن الأشخاص التي
رآها في الأفق لا يدرك منها إلا الكثرة من غير تمييزة لأعيانهم، وأما ما في حديث أبي هريرة
فمحمول على ما إذا قربوا منه، وهذا كما يرى الشخص شخصاً على بعد فيكلمه ولا يعرف أنه
أخوه، فإذا صار بحيث يتميز عن غيره عرفه، ويؤيده أن ذلك يقع عند ورودهم عليه الحوض.
قوله: (فخاض الناس) إلخ: هو بالخاء والضاد المعجمتين، أي: تكلموا وتناظروا، وفي
هذا إباحة المناظرة في العلم، والمباحثة في نصوص الشرع عى جهة الاستفادة وإظهار الحق،
والله أعلم.
قوله: (وذكروا أشياء) إلخ: في حديث جابر: ((وقال بعضنا: هم الشهداء)) وفي رواية له:
((من رقّ قلبه للإسلام)).
قوله: (هم الذين لا يرقون) إلخ: قد أنكر الشيخ تقي الدين بن تيمية هذه الرواية، وزعم
أنها غلط من راويها، واعتلّ بأن الراقي يحسن إلى الذي يرقيه، فكيف يكون ذلك مطلوب الترك؟
وأيضاً فقد رقى جبريل النبي وَليه، ورقى النبي وقليل أصحابه، وأذن لهم في الرقى، وقال: ((من
استطاع أن ينفع أخاه فليفعل)) والنفع مطلوب، قال: وأما المسترقي فإنه يسأل غيره ويرجو نفعه،
وتمام التوكل ينافي ذلك، قال: وإنما المراد وصف السبعين بتمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن
يرقيهم، ولا يكويهم، ولا يتطيرون من شيء.
وأجاب غيره بأن الزيادة من الثقة مقبولة، وسعيد بن منصور حافظ، وقد اعتمده البخاري
ومسلم، واعتمد مسلم على روايته هذه، وبأن تغليط الراوي مع إمكان تصحيح الزيادة لا يصار
إليه، والمعنى الذي حمله على التغليط موجود في المسترقي، لأنه اعتلّ بأن الذي لا يطلب من
غيره أن يرقيه: تام التوكل، فكذا يقال له: والذي يفعل غيره به ذلك ينبغي أن لا يمكنه منه لأجل
تمام التوكل، وليس في وقوع ذلك من جبريل دلالة على المدعي، ولا في فعل النبي ◌َّ له أيضاً
دلالة، لأنه في مقام التشريع وتبيين الأحكام، ويمكن أن يقال: إنما ترك المذكورون الرقى
والاسترقاء حسماً للمادة، لأن فاعل ذلك لا يأمن أن يكل نفسه إليه، وإلا فالرقية في ذاتها ليست
ممنوعة، وإنما منع منها ما كان شركاً، أو احتمله، ومن ثم قال وَ لّ: ((اعرضوا عليّ رقاكم))،
و ((لا بأس بالرقي ما لم يكن شرك)) ففيه إشارة إلى علة النهي.
٤٠٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَلا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ. فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي
مِنْهُمْ. فَقَالَ: أَنْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: سَبَقَكَ
بِهَا عُگَّاشَةُ)).
٥٢٧ _ (٣٧٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ حُصِيْنٍ،
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ)).
ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِي الْحَدِيثِ، نَحْوَ حَدِيثٍ هُشَّيْمٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِ.
(٩٥) - باب: كون هذه الأمة نصف أهل الجنة
٥٢٨ _ (٣٧٦) حدّثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ(١)؛ قَالَ: ((قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا
رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالَ فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ قَالَ: أَمَا تَرْضَوْنَ
قوله: (لا يتطيرون) إلخ: أي: إنهم لا يتشائمون كما كانوا يفعلون في الجاهلية، كانوا في
الجاهلية يعتمدون على الطير فإذا خرج أحدهم لأمر فإن رأى الطير طار يمنة تيمن به واستمر،
وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع، وربما كان أحدهم يهيّج الطير ليطير، فيعتمدها، فجاء الشرع
بالنهي عن ذلك، وكانوا يسمونه السانح - بمهملة ثم نون ثم حاء مهملة - والبارح - بموحدة
وآخره مهملة - فالسانح: ما ولاك ميامنه بأن يمرّ عن يسارك إلى يمينك. والبارح: بالعكس،
وكانوا يتيمنون بالسانح، ويتشائمون بالبارح، وليس في شيء من سنوح الطير وبروحها ما يقتضي
ما اعتقدوه، وإنما هو تكلف بتعاطي ما لا أصل له.
(٩٥) - باب: بيان كون هذه الأمة نصف أهل الجنة
٣٧٦ - (٢٢١) - قوله: (عن عبد الله) إلخ: هو ابن مسعود نظّ ◌ُه.
قوله: (أما ترضون أن تكونوا) إلخ: قال ابن التين: ((ذكره بلفظ الاستفهام الإرادة تقرير
البشارة بذلك، وذكره بالتدريج ليكون أعظم لسرورهم)).
قوله: (فكبرنا) إلخ: وفي بعض الروايات: ((فحمدنا)) وفي بعضها: ((ففرحوا)) وفي ذلك كله
(١) قوله: ((عن عبد الله)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الرقاق، باب الحشر، رقم (٦٥٢٨)
وفي كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي وض98ّ، رقم (٦٦٤٢) والترمذي في جامعه في كتاب
صفة الجنة، باب ما جاء في صف أهل الجنة، رقم (٢٥٤٧). وابن ماجه في سننه، في كتاب الزهد، باب
صفة أمة محمد ، رقم (٤٢٨٣).
٤٠٥
كتاب: الإيمان
أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ
الْجَنَّةِ. وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ. مَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْكُفَّارِ إِلا كَشَعْرَةٍ بَيْضَاءَ فِي ثَوْرٍ أَسْوَدَ، أَوْ
كَشَعْرَةٍ سَوْدَاءَ فِي ثَوْرٍ أَبْيَضَ)).
٥٢٩ - (٣٧٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى) قَالا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
قَالَ: ((كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّهِ بِّهِ فِي قُبَّةِ، نَحْواً مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلاً فَقَالَ: أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ
أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ. فَقَالَ: أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ. فَقَالَ:
وَالَّذِي نَفْسِي بَيدِهِ، إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَذَاكَ أَنَّ الْجَنَّةَ لا يَدْخُلُهَا إلا
نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلا كَالشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ. أَوْ
كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ)».
دلالة على أنهم استبشروا بما بشرهم به، فحمدوا الله على نعمته العظمى، وكبروه استعظاماً
لنعمته بعد استعظامهم لنقمته .
قوله: (أن تكونوا شطر أهل الجنة) إلخ: زاد الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: ((وإني
لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، بل أرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة)) ولا تصح هذه الزيادة،
لأن الكلبي واه، لكن أخرج الترمذي وصححه من حديث بريدة يرفعه: «أهل الجنة عشرون ومائة
صف، أمتي منها ثمانون صفاً)) وله شاهد من حديث ابن مسعود بنحوه، وأتم منه ما أخرجه
الطبراني، وهذا يوافق رواية الكلبي، فكأنه 8* لما رجا رحمة ربه أن تكون أمته نصف أهل
]﴾ [الصحى،
الجنة أعطاه ما ارتجاه وزاده، وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ
آية: ٥].
قوله: (كشعرة بيضاء) إلخ: قال ابن التين: «أطلق الشعرة وليس المراد حقيقة الوحدة،
لأنه لا يكون ثور ليس في جلده غير شعرة واحدة من غير لونه)).
قال الأبي: ((أتى به توجيهاً لكونهم الشطر، فإن قلت: لا يتوجه به بل يبعده. لأنه إذا
كانوا كالشعرة المذكورة فكيف يكونون الشطر؟ .
قلت: أسقط الراوي في هذا الطريق ما يتم به التوجيه، وهو قوله في الآخر: ((لا يدخل
الجنة إلا المؤمنون)) أي: لا يستبعد كونهم الشطر مع أنهم كالشعرة المذكورة، لأنه لا يدخل
الجنة إلا المؤمنون، وهم من المؤمنين: الشطر)).
٣٧٧ - (٠٠٠) - قوله: (في قبة) إلخ: وفي بعض الروايات: ((أسند رسول الله وَل ظهره
بمنى إلى قبة من أدم)).
٤٠٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٣٠ - (٣٧٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكٌ (وَهُوَ
ابْنُ مِغْوَلٍ) عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: ((خَطَبَنَا
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةِ أَدَم، فَقَالَ: أَلَا لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ. اللَّهُمَّ،
هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ، اشْهَدٍ، أَتُحِبُونَ أَنَّكُمْ رُبُعُ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ:
أَتُحِبُّونَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا
شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، مَا أَنْتُمْ فِي سِوَاكُمْ مِنَ الأُمَم إِلاَّ كَالشَّعَرةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَبْيَضِ، أَوْ
كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ)).
(٩٦) - باب: قوله ◌َّير: ((يقول الله لآدم:
أَخْرِجْ بَعْثَ النارِ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمائة وتسعة وتسعين)»
٥٣١ _ (٣٧٩) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْعَبْسِيُّ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ(١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَليهِ: ((يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا آدَمُ
فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. قَالَ: يَقُولُ:
قوله: (لا يدخلها إلا نفس مسلمة) إلخ: هذا نص صريح في أن من مات على الكفر لا
يدخل الجنة أصلاً، وهذا النص على عمومه بإجماع المسلمين.
٣٧٨ - (٠٠٠) - قوله: (اللهم هل بلغت) إلخ: معناه أن التبليغ واجب عليّ، وقد بلغت،
فاشهد لي به .
[(٩٦) - باب: قوله {وَّر: ((يقول الله لآدم: أخرج ... إلخ]
٣٧٩ - (٢٢٢) - قوله: (حدثنا عثمان بن أبي شيبة العبسي) إلخ: بالباء الموحدة والسين
المهملة .
قوله: (يقول الله عزّ وجل يا آدم) إلخ: ثبت في الروايات أن خطاب آدم بذلك أول شيء
يقع يوم القيامة .
قوله: (والخير في يديك) إلخ: في الاقتصار على الخير نوع تعطيف ورعاية للأدب وإلا
فالشّر أيضاً بتقدير الله كالخير.
(١) قوله؛ ((عن أبي سعيد)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأنبياء، باب قصة يأجوج
ومأجوج، رقم (٣٣٤٨) وفي كتاب التفسير، تفسير سورة الحج، باب وترى الناس سكارى، رقم (٤٧٤١)
وفي كتاب الرقاق، باب قوله عزّ وجلّ: إن زلزلة الساعة شيء عظيم، رقم (٦٥٣٠) وفي كتاب التوحيد،
باب قول الله تعالى: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم
قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾، رقم (٤٧٨٣).
٤٠٧
كتاب: الإيمان
أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعِينَ (١).
قَالَ: فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ
قوله: (أخرج بعث النار)(٢) إلخ: البعث بمعنى المبعوث، وأصلها في السرايا التي يبعثها
الأمير إلى جهة من الجهات للحرب وغيرها، ومعناها هنا: ميز أهل النار من غيرهم، وإنما
خص بذلك آدم لكونه والد الجميع، ولكونه كان قد عرف أهل السعادة من أهل الشقاوة، فقد رآه
النبي ◌ّ ليلة الإسراء ((وعن يمينه أسودة، وعن شماله أسودة)) الحديث، كما تقدم في حديث
الإسراء.
قوله: (وما بعث النار) إلخ: الواو عاطفة على شي محذوف، تقديره: ((سمعت وأطعت
وما بعث النار)) أي: وما مقدار مبعوث النار.
قوله: (من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) إلخ: في حديث أبي هريرة عند البخاري:
((من كل مائة تسعة وتسعين)) فإما أن يقدم حديث أبي هريرة على حديث أبي سعيد فإنه يشتمل
على زيادة، فإن حديث أبي سعيد يدل على أن نصيب أهل الجنة من ألف: واحد، وحديث أبي
هريرة يدل على أنه عشرة، فالحكم للزائد، أو لا ينظر إلى العدد أصلاً، بل المراد القدر
المشترك بين الحديثين، أي: تقليل عدد أهل الجنة، أو يحمل حديث أبي سعيد على جميع ذرية
آدم فيكون من كل ألف: واحد، وحديث أبي هريرة على من عدا يأجوج ومأجوج، فيكون من
كل ألف عشرة: ويقرب ذلك أن يأجوج ومأجوج ذكروا في حديث أبي سعيد دون حديث أبي
هريرة، ويحتمل أن يكون الأول يتعلق بالخلق أجمعين، والثاني بخصوص هذه الأمة، ويقربه
قوله: ((إذا أخذ منا)) لكن في حديث ابن عباس: ((وإنما أمتي جزء من ألف جزء)»، ويحتمل أن
تقع القسمة مرتين: مرة من جميع الأمم قبل هذه الأمة، فيكون من كل ألف واحد، ومرة من هذه
الأمة فقط، فيكون من كل ألف عشرة، ويحتمل أن يكون المراد ببعث النار الكفار ومن يدخلها
من العصاة، فيكون من كل ألف تسعمائة وتسعون كافراً، ومن كل مائة تسعة وتسعون عاصياً،
والعلم عند الله تعالى، كذا في الفتح.
قوله: (فذاك حين يشيب الصغير) إلخ: معناه موافقة الآية في قوله تعالى: ﴿زَلْزَةَ السَّاعَةِ
شَىْءُ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج، الآيتان: ١، ٢] إلى آخرها وقوله
(١) أقول: هؤلاء كلهم كفار، لأنهم هم أهل النار حقيقة، أما المؤمنون فكلهم أهل الجنة حقيقة وإن دخل
بعضهم في النار لأجل معاصيهم لكنهم يخرجون منها: ويدخلون الجنة ثم لا يخرجون منها (رف).
(٢) إن أريد ببعث النار الذين يخلدون فيها وهم الكفار لا يبقى في الحديث إشكال، فيحصل أن الذين يخلدون
في النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، والذين يدخلون الجنة وهم المؤمنون سواء كانوا صالحين أو
فساقاً من كل ألف واحد، فالواحد من كل ألف مؤمن والباقي (وهم تسعمائة وتسعة وتسعون) كفار. والله
أعلم. (رف).
٤٠٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِسُكَارَى وَلكِنَّ عَذَابَ اللَّهُ شَدِيدٌ قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا
ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفاً. وَمِنْكُمْ (١) رَجُلٌ قَالَ: ثُمَّ قَالَ:
تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَنَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ﴾﴾ [المزمل، آية: ١٧] وقد اختلف العلماء في
وقت وضع كل ذات حمل حملها وغيره من المذكور، فقيل: عند زلزلة الساعة قبل خروجهم من
الدنيا، وقيل: هو في القيامة، فعلى الأول هو على ظاهره، وعلى الثاني يكون مجازاً، لأن
القيامة ليس فيها حمل ولا ولادة، وتقديره ينتهي به الأهوال والشدائد إلى أنه لو تصورت
الحوامل هناك لوضعن أحمالهن، كما تقول العرب: أصابنا أمر يشيب منه الوليد، يريدون شدته،
والله أعلم.
قوله: (أينا ذاك الرجل) إلخ: قال الطيبي: ((يحتمل أن يكون الاستفهام على حقيقته، فكان
حق الجواب أن ذلك الواحد فلان، أو من يتصف بالصفة الفلانية، ويحتمل أن يكون استعظاماً
لذلك الأمر واستشعاراً للخوف منه، فلذلك وقع الجواب بقوله: ((أبشروا)) ووقع في حديث أبي
هريرة: ((فقالوا: يا رسول الله، إذا أخذ منا من كل مائة تسعة وتسعون فماذا يبقى)) وفي حديث
أبي الدرداء: ((فبكى أصحابه)).
قوله: (فإن من يأجوج ومأجوج ألف) إلخ: ظاهره زيادة واحد عما ذكر من تفصيل
الألف، فيحتمل أن يكون من جبر الكسر، والمراد أن من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة
وتسعين أو ألفاً إلا واحداً، وأما قوله: ((ومنكم رجل)) تقديره: ((والمخرج منكم)) أو ((ومنكم رجل
مخرج)).
قال الطيبي: ((فيه إشارة إلى أن يأجوج ومأجوج داخلون في العدد المذكور والوعيد، كما
يدل قوله: (ربع أهل الجنة)) على أن في غير هذه الأمة أيضاً من أهل الجنة)).
وقال القرطبي: ((قوله: ((من يأجوج ومأجوج ألف) أي: منهم، وممن كان على الشرك
مثلهم، وقوله: ((ومنكم رجل)) يعني: من أصحابه، ومن كان مؤمناً مثلهم)).
قلت: وحاصله أن الإشارة بقوله: ((منكم)) إلى المسلمين من جميع الأمم، وقد أشار إلى
ذلك في حديث ابن مسعود بقوله: ((إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة)) كذا في الفتح.
قال السنوسي: ((الذي فهمته من هذا الحديث - والله تعالى أعلم بمراد نبيه عليه الصلاة
والسلام - أنه يتعين أن يكون الخطاب في قوله وَلير: ((ومنكم رجل)) لهذه الأمة، وليس المعنى:
أن منكم رجلاً يدخل الجنة، ويقابله من يأجوج ومأجوج ألف يدخلون النار، وإنما المعنى بيان
مطلق قلة هذه الأمة بالنسبة إلى سائر الأمم، بحيث إن يأجوج ومأجوج خاصة - وهم بعض سائر
(١) قوله عليه السلام: ((ومنكم)) أي من هذه الأمة أمة الإجابة، أو المراد أصحاب النبي ◌َو خاصة (رف).
٤٠٩
كتاب: الإيمان
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّي لِأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا. ثُمَّ قَالَ:
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لِأَظْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا. ثُمَّ قَالَ:
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لِأَظْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَظْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الأُمَمِ كَمَثَلٍ
الشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالرَّتْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ)).
٥٣٢ - (٣٨٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ،
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. كِلاَهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالا: ((مَا أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ فِي
النَّاسِ إِلا كَالشَّغْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَبْيَضِ وَلَمْ
يَذْكُرَاَ: أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ)».
الأمم - يقابل الألف منهم في النسبة واحد منكم، فكيف لو جمعوا مع غيرهم؟ والمقصود تبشير
هذه الأمة وتقوية رجائهم ودفع ما عظم خوفهم منهم، حيث سمعوا أن بعث النار من ألف
تسعمائة وتسعة وتسعون، فظنوا أن هذا العدد لكثرته لا يكمل إلا بالأكثر منهم، فيكون من يدخل
النار منهم أكثر ممن يدخل الجنة، فبين لهم وَّر بهذا الحديث قلتهم عن سائر الأمم، وأن بعث
النار لا يتوقف تكميله على أن يدخل فيه أحد منهم، بل لو أدخلوا كلهم الجنة فوفي تكميله
بالنسبة إليهم كفرة يأجوج ومأجوج باعتبار النسبة المذكورة في أول الحديث فضلة (١) الله تعالى
أعلم بقدرها تضم إلى سائر الكفرة ليكمل بها بعث النار، وتبقى النسبة معها محفوظة بالنسبة إلى
جميع من يدخل الجنة من سائر الأمم، فتأمل ذلك، وبالله تعالى التوفيق)).
قال الحافظ: ((والمعتمد أن يأجوج ومأجوج من بني آدم ثم من بني يافث بن نوح، وبه
جزم وهب وغيره، وهما اسمان أعجميان عند الأكثر منعاً من الصرف للعلمية والعجمية، وقيل:
بل عربيان، واختلف في اشتقاقهما، فقيل: من أجيج النار، وهو التهابها، وقيل: من الأجة
بالتشديد، وهي الاختلاط، أو شدة الحر، وقيل: من الأج وهو سرعة العدو، وقيل: من
الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة، وجميع ما ذكر من الاشتقاق مناسب لحالهم)) كذا في الفتح.
وقد بسطنا الكلام على يأجوج ومأجوج في فوائد القرآن الكريم فليراجع.
قوله: (أو كالرقمة في ذراع الحمار) إلخ: الرقمة قطعة بيضاء تكون في باطن عضو الحمار
والفرس، وتكون في قوائم الشاة. وقال الداودي: الرقمة شيء مستدير لا شعر فيه، سميت به
لأنه كالرقم .
تم شرح كتاب الإيمان من صحيح مسلم، بفضل الله وحسن توفيقه، ولله الحمد والمنة.
(١) كذا في الأصل ولعل في العبارة سقطاً من المؤلف رحمه الله. قال شيخنا محمد رفيع العثماني حفظه الله:
((راجعت شرح السنوسي فوجدت عبارته هكذا، فالسقط في عبارته)).
٤١٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
(٢) - كتاب: الطهارة
كتاب: الطهارة
الكتاب مصدر، وهو الجمع لغة بمعنى المكتوب، جعل اصطلاحاً عنواناً لمسائل مستقلة،
كذا في الدر المختار.
وقال بعض العلماء: المسائل إن اعتبرت بجنسها تصدّر بالكتاب، لأن الكتاب في اللغة:
الجمع، والجنس يشمل الأنواع غالباً، فيكون معنى الجمع مناسباً لمعنى الجنس، وإن اعتبرت
بنوعها تصدّر بالباب، لأن الباب في اللغة: النوع، فيكون ذكره مناسباً لنوع المسائل، وإن
اعتبرت بفصلها وفرقها عما قبلها: تصدر بالفصل، لأن الفصل في اللغة: الفرق والقطع، فيكون
ذكره مناسباً للمسائل المنقطعة عما قبلها. قال: وأكثر المصنفين من الفقهاء والمحدثين مشوا
على هذه الطريقة.
والطهارة مصدر ((طهر)) بالفتح، ويضم، بمعنى النظافة لغة، ولذا أفردها المؤلف، أي:
لكونها مصدراً، وهو اسم جنس يشمل جميع أنواعها من: وضوء وغُسل، وتيمم وغَسل بدن، أو
ثوب، ونحوه، فلا حاجة إلى الجمع، ولذا قيل: المصدر لا يثنى ولا يجمع.
وشرعاً: النظافة عن حدث أو خبث، ويراد بالخبث ما يعم الحسي والمعنوي، فيشمل
أيضاً الوضوء على الوضوء بنية القربة، لأنه مطهر للذنوب.
قال ابن عابدين تخلّثهُ: ((إن مدار أمور الدين على الاعتقادات والآداب والعبادات
والمعاملات والعقوبات)) اهـ.
فقدم الإمام مسلم كثّثهُ كتاب الإيمان على سائر أبواب الشرع من العبادات والمعاملات
وغيرها، لزيادة شرف الإيمان في الفضل، ولكونه شرطاً لصحة العبادات المتقدمة على ما
سواها، وقدمت العبادات على غيرها إهتماماً بشأنها، فإن العباد لم يخلقوا إلا لها، قال الله
تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ أَلْجِنَّ وَالْإِنسَِ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات، آية: ٥٦] والصلاة من جملة العبادات تالية
للإيمان نصاً: كقوله تعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ﴾ [البقرة، آية: ٣]، وكحديث (بني
٤١١
كتاب: الطهارة
(١) - باب: فضل الوضوء
٥٣٣ - (١) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلاَلٍ. حَدَّثَنَا أَبَانٌ. حَدَّثَنَا
يَحْيَى؛ أَنَّ زَيْداً حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَا سَلَّم حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْعَرِيِّ(١)؛ قَالَ: قَالَ
الإسلام على خمس)) وفعلاً (غالباً): فإن أول واجب بعد الإيمان في الأغلب فعل الصلاة،
لسرعة تهيىء أسبابها وجوباً، كما قال الشرنبلالي: ((إن الإجماع منعقد على أفضليتها، بدليل
((أي: الأعمال أفضل (أي: بعد الإيمان) فقال: الصلاة لوقتها)).
والطهارة مفتاح الصلاة على ما ورد في الحديث، وشرط لازم لها في كل الأركان، فلذا
قدمها الإمام الهمام تّفُ على سائر الأبواب بعد الإيمان.
(١) - باب: فضل الوضوء
الوضوء هنا بالضم.
قال في مجمع البحار: ((الوضوء بالفتح: الماء، وبالضم: التوضؤ من الوضاءة: الحسن،
وقد أثبت سيبويه بالفتح أيضاً في المصدر، وحكى الفتح والضم في كليهما .
١ - (٢٢٣) - قوله: (أن أبا سلام حدث عن أبي مالك) إلخ: قال الشارح: ((هذا الإسناد
مما تكلم فيه الدارقطني وغيره، فقالوا: سقط بين أبي سلام وأبي مالك: عبد الرحمن بن غنم،
لأن معاوية بن سلام رواه عن أخيه زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، عن عبد الرحمن بن
غنم، عن أبي مالك الأشعري، كما أخرجه النسائي، وابن ماجه، وغيرهما .
ويمكن الجواب عن هذا بأن الظاهر من حال مسلم تقفُ أنه علم سماع أبي سلام لهذا
الحديث عن أبي مالك، فيكون أبو سلام سمعه من أبي مالك، وسمعه أيضاً من عبد الرحمن بن
غنم عن أبي مالك، فرواه مرة كذا، ومرة كذا، وكيف ما كان فالمتن صحيح لا مطعن فيه والله
أعلم)) اهـ.
قال الحافظ في ترجمة أبي سلام: ((ممطور أبو سلام الأسود الحبشي الأعرج الدمشقي.
قال الدار قطني: بينه وبين أبي مالك الأشعري عبد الرحمن بن غنم. وقال أبو زرعة الدمشقي:
أخبرني مروان، قال: قلت لمعاوية: (أي: حفيد أبي سلام) سمع جدك من كعب؟ (المراد به أبو
مالك) قال: لا أدري)).
(١) قوله: ((عن أبي مالك الأشعري)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة،
رقم (٢٤٣٩). والترمذي في جامعه، في كتاب الدعوات، رقم الباب (٨٦) رقم الحديث (٣٥١٧). وابن
ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء شطر الإيمان، رقم (٢٨٠).
٤١٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ. وَالْحَمْدُ للَّهِ
وقال الحافظ في ترجمة الحارث بن الحارث الأشعري الشامي: ((ذكر أبو نعيم أنه يكنى
أبامالك، وذكر في الرواة عنه جماعة ممن يروي عن أبي مالك الأشعري. قال ابن الأثير:
والصواب أنه غيره، وأكثر ما يرد غير مكنى، وقاله، يعني: فرق بينهما كثير من العلماء، منهم
أبو حاتم الرازي، وابن معين، وغيرهما .
وأما أبو مالك فهو كعب بن عاصم على اختلاف فیه.
وقال الأزدي: الحارث بن الحارث الأشعري تفرد بالرواية عنه أبو سلام.
قلت: ((مما أوقع أبا نعيم في الجمع بينهما أن مسلما وغيره أخرجوا لأبي مالك الأشعري
حديث: ((الطهور شطر الإيمان)) من رواية أبي سلام عنه بإسناد حديث: ((إن الله أمر يحيى بن
زكريا بخمس كلمات سواء)»، وقد أخرج أبو القاسم الطبراني هذا الحديث بعينه بهذا الإسناد في
ترجمة الحارث بن الحارث الأشعري في الأسماء، فإما أن يكون الحارث بن الحارث يكنى
أيضاً أبا مالك، وإما أن يكونا واحداً، والأول أظهر، فإن أبا مالك متقدم الوفاة، كما سيأتي في
ترجمته)».
ثم قال في ترجمة أبي مالك الأشعري من الكنى: «قلت: أبو مالك الأشعري الذي روى
عنه أبو سلام الأسود، وشهر بن حوشب، ومن في طبقتهما هو الحارث بن الحارث الأشعري،
وقد قدمت في ترجمته ما يدل على ذلك، وبينت أنه تأخرت وفاته. وأما أبو مالك الأشعري هذا
فهو آخر قديم، كما تقدم هنا أنه مات في خلافة عمر هو ومعاذ بن جبل وغيرهما، وقد وقع
للمؤلف عدم تخرجهما في الأطراف أيضاً، ونبهت عليه هناك، والفصل بينهما في غاية
الإشكال، حتى قال أبو أحمد الحاكم في ترجمته: أبو مالك الأشعري أمره مشتبه جداً».
قوله: (الطهور) إلخ: أريد به الفعل، لا الماء الذي يتطهر به، فهو مضموم الطاء على
المختار، وقول الأكثرین.
وقال سيبويه: الطهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معاً، فعلى هذا يجوز أن يكون
الحديث بفتح الطاء وبضمها، والمراد بهما التطهر، وإن جعلته اسما لما يتطهر به كالسعوط فهو
على حذف المضاف، أي: استعماله. ويؤيده ما ورد في رواية لابن ماجه: ((إسباغ الطهور شطر
الإيمان)».
قال العيني في عمدة القاري: ((وأما إسباغ الوضوء فبفتح الواو لا غير، لأنه في معنى إبلاغ
الوضوء مواضعه)) اهـ.
قلت: فكذا ((الطهور)) في رواية ابن ماجه، والله أعلم.
قوله: (شطر الإيمان) إلخ: الشطر في الأصل النصف، كما قاله الشارح. وأخرج الترمذي
٤١٣
كتاب: الطهارة
في أبواب الدعوات بلفظ: ((الطهور نصف الإيمان)) من حديث رجل من بني سليم، وحسنه.
وقوله والقر: ((الطهور شطر الإيمان)) اختلف في معناه، فقيل: إن الأجر في الوضوء ينتهي
تضعيفه إلى نصف أجر الإيمان.
قال علي القاري في شرح المشكاة: ((فيه نظر ظاهر، لأن ثواب الصلاة - التي من جملة
شروطها الوضوء - لا يقال: إنه نصف ثواب الإيمان، بل جميع الأعمال لا يصلح أن يكون
نصفاً للإيمان إلا على معتقد فاسد للمعتزلة والخوارج، حيث جعلوا العمل شطر الإيمان، على
أنه لا يلزم من كون العمل شطراً أنه يساوي ثوابه ثواب الإيمان، كيف؟! ويتوقف صحة العمل
على الإيمان دون العكس، فهو أصل في الجملة، فلا يكون مساوياً للفرع أبداً)) اهـ.
قلت: الأجر في الشريعة نوعان: أجر أصلي، يستحقه العبد بنفس العمل في علم الله،
حسب قواعده وضوابطه التي وضعها الله سبحانه وتعالى الجزاء أعمال العباد، بالقسط والعدل.
وأجر مضاعف يعطيه من يشاء من عباده يوم القيامة بمزيد كرمه، وإسباغ نعمته ووفور رحمته،
وذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء، قال الله عزّ وجل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
كَمَثَلِ حَّةٍ أَنْبَتَتْ سَيْعَ سَنَابِلَ فِ كُلِّ سُتْلَةِ مِّئَةُ حَّةُ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمُ
[البقرة، ٢٦١].
وهذا كما أن في هذا العصر في أثناء حروب نصارى أوروبا مع السلطنة العثمانية التركية -
أيدها الله تعالى بنصره - لما نهض مسلموا الهند لإعانة السلطنة المحروسة بالأموال الضخيمة،
فجمعوا من الروبية والذهب والفضة والأواني والثياب والمواشي وغيرها ما أعطاه من وفقه الله
سبحانه وتعالى من معاشر المسلمين للإنفاق في سبيله، ثم باعوا العروض والمواشي منها بيع من
يزيد، فوالله ولد الضان - الذي أعطاه مسلم من صعاليك المسلمين الذين لا يجدون إلا جهدهم -
بلغ ثمنه عند البيع خمسمائة روبية، وأزيد منه، فحينئذ يجوز أن يقال: إن ثمن ولد الضان بلغ
قيمة الفرس، يعني: ثمنه العارضي الوقتي بلغ قيمته الأصلية، وإلا فهو لا يساويه بل لا يدانيه في
شيء.
فهكذا للطهور أجر معين عند الله، وللصلاة أجر، وللزكاة أجر، وللصوم أجر، وللإيمان
أجر، وبإزاء كل عمل من أعمال القلب والجوارح أجر، فهذا الأجر المعين بإزاء الطهور بل
جميع الأجور المعينة بإزاء جميع الأعمال الحسنة لا يداني الأجر المعين للإيمان في جزء من
ألف ألف أجزاءه(١)، لأن الفرع لا يساوي الأصل أبداً، كما قاله المعترض، إلا أنه إذا أراد الله
(١) والوجه: جزئه كما هو الظاهر.
٤١٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
سبحانه وتعالى أن يمن على عباده المؤمنين بتضعيف أجور حسناتهم لكمال شفقته، وسعة
رحمته، ووفور رأفته: فيضاعف أجر الطهور إلى أن يبلغ أجره المضاعف الفضلي نصف أجر
الإيمان الأصلي، لا الأصليُ الأصليَ، ولا المضاعفُ المضاعفَ، فإن الإيمان إذا ضوعف
أجره حسب ما ضوعف أجر الطهور فلا يمكن أن يصل أدنى مراتبه أجور سائر الأعمال الحسنة
المضاعفة، فضلاً عن الطهور وحده.
وما قلنا من تضاعف أجر الطهور إلى نصف أجر الإيمان لا يلزم منه جزئية الطهور للإيمان
حقيقة، كما هو مذهب المعتزلة والخوارج، بل المبائن يساوي المبائن في الأجر بالمعنى الذي
ذكرنا، كما أخرج الطبراني من حديث أبي أمامة وعقبة بن عامر: ((من صلى الصبح في جماعة،
ثم مكث حتى يسبح سبحة الضحى، كان له كأجر حاج ومعتمر تام له حجته وعمرته، ونظائره
كثيرة لا تخفى على من تدبر في الأحاديث والله أعلم.
وقيل: معنى ((الطهور شطر الإيمان)) أن الإيمان يجبّ ما قبله من الخطايا، وكذلك الوضوء
إلا أن الوضوء لا يصح إلا مع الإيمان، فصار لتوقفه عليه في معنى الشطر.
قال علي القاري: ((وهذا مبني على أصل الشافعية أنه عبادة مستقلة، يحتاج إلى نية، وهي
لا تصح إلا من أهلها، وإلا فعندنا يصح الوضوء من الكافر، فالأظهر أن يقال: إنما كان شطراً
لأنه يحظ الكبائر والصغائر، والوضوء يختص بالصغائر، ولا بد من تقييد هذا الوضوء عندنا
أيضاً بالنية، ليصير عبادة مكفرة للسيئة، والله أعلم)) اهـ.
قلت: وإذا قيدنا الوضوء في الحديث بالنية: فلا حاجة إلى أن يبني قول القائل أيضاً على
أصل الشافعية، فإن الوضوء مع النية لا يصح إلا من مسلم عند الأحناف والشوافع جميعاً .
وقال زين العرب تبعاً لغيره: ((والمراد بالإيمان هنا: (أي: في حديث الشطر) الصلاة،
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَنَ اَللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ [البقرة، آية: ١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس،
وإنما جعلت الطهارة شطر الصلاة، لأن صحتها باستجماع الشرائط والأركان، والطهارة أقوى
الشرائط وأظهرها، فجعلت كأنها لا شرط سواها، والشرط شطر ما يتوقف عليه المشروط)).
وقيل: المراد بالشطر مطلق الجزء، لا النصف الحقيقي، كقوله تعالى: ﴿وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ
فَلَنُوَلْيَنَّكَ قِبْلَةً﴾ [البقرة، آية: ١٤٤] ثم إما أن يراد بالإيمان: الصلاة، فلا إشكال، أو يراد به:
الإيمان المتعارف، فالجزء محمول على أجزاء كماله، ولا ينافيه ما جاء في رواية بعبارة
النصف، فإنه قد يكون بمعنى الجزء، كما قيل في المهور ((علم الفرائض نصف العلم)) كذا في
شرح المشكاة.
وقال الإمام الجامع بين الشريعة والطريقة أبو حامد الغزالي في إحياء العلوم: ((قال
٤١٥
كتاب: الطهارة
تَمْلأُ الْمِيزَانَ.
النبي وَله: ((الطهور نصف الإيمان)) قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ﴾ [المائدة، آية: ٦] فتفطن ذوو البصائر
بهذه الظواهر أن مراد الشارع ليس مقصوراً على عمارة الظاهر بالتنظيف بإفاضة الماء فقط، بل
الطهارة لها أربع مراتب :
المرتبة الأولى: تطهير الظاهر عن الأحداث والأخبات.
المرتبة الثانية: تظهير الجوارح عن الجرائم والآثام.
المرتبة الثالثة: تطهير القلب عن الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة.
المرتبة الرابعة: تطهير السر عما سوى الله تعالى، وهي طهارة الأنبياء صلوات الله عليهم،
والصديقين.
والطهارة في كل مرتبة نصف العمل الذي فيها، فإن الغاية القصوى في عمل السر أن
ينكشف له جلال الله تعالى وعظمته، ولن تحل معرفة الله تعالى بالحقيقة في السر ما لم يرتحل ما
سوى الله منه، وهذا تطهير السر، ولذلك قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِ خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾
[الأنعام، آية: ٩١] لأنهما لا يجتمعان في قلب، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
وأما عمل القلب فالغاية القصوى عمارته بالأخلاق المحمودة، والعقائد المشروعة، ولن
يتصف بها ما لم ينظف عن نقائصها من العقائد الفاسدة، والرذائل الممقوتة، فتطهيره أحد
الشطرين، وهو الشطر الأول الذي هو شرط في الثاني، فكان الطهور شطر الإيمان بهذا المعنى،
وكذلك تطهير الجوارح عن المناهي (والأحداث والأخباث) أحد الشطرين، وهو الشطر الأول،
وعمارتها بالطاعات (والأنوار التعبدية التي تتجلى يوم القيامة في صورة الغرة والتحجيل) الشطر
الثاني.
والحاصل أن الإيمان في أي: مرتبة أخذ نصفه الطهور الذي وقع في تلك المرتبة،
فالإيمان الكامل في كل مرتبة عبارة عن التحلية والتخلية، والتخلية هي الطهارة، ولهذا الكلام
تفصيل تركناه مخافة التطويل، وفيما ذكرنا من التوجيهات لحديث الباب كفاية، إلا أن التوجيه
الأخير الذي نقلناه عن الغزالي مع كونه لطيفاً دقيق المأخذ لا يساعده بعض الروايات التي
أخرجها الترمذي عن أبي مالك الأشعري بلفظ: ((الوضوء شطر الإيمان)) إلا أن يقال: إنه رواية
بالمعنى، والله أعلم بالصواب.
قوله: (تملأ الميزان) إلخ: بالتأنيث على تأويل الكلمة أو الجملة، أي: لو قدر ثوابه
مجسماً لملأ، أو محمول على أن الأقوال والأعمال والمعاني تتجسد ذواتها في العالم الثاني.
قال بعض المحققين: فإن قلت: كيف توزن الأعمال وهي أعراض مستحيلة البقاء؟ وكذا
الأعراض لا توصف بالثقل والخفة؟
٤١٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ للَّهِ تَمْلآنِ
فالجواب أن نصوص الشرع تظاهرت على وزن الأفعال، وثقل الموازين وخفتها، فوجب
القبول، وترك الاعتراض بسبب قصور الفهم وركاكة العقل، (ولا سيما إذا شاهدنا في هذا
العصر آلات يقيد فيها النغمات والأصوات) ومن أطلعه الله على الأسرار، وكشف له عجائب
الأقدار يرى أن المقيد بعقله ليس له مقدار، على أنه ورد وزن الصحائف.
وقال الإمام الغزالي تغّثه: ((النفس بذاتها مهيأة، لأن ينكشف لها حقائق الأمور، لكن
تعلقها بالجسد مانع عن ذلك، فإذا انكشف الغطاء بالموت يعرف أن أعماله مؤثرة في تقريبه من
الله تعالى، وإبعاده، ويعلم مقادير تلك الآثار، وأن بعضها أشد تأثيراً من البعض، والله قادر
على أن يجري سبباً يعرف الخلق في لحظة مقادير الأعمال بتشكيل حقيقي، أو تمثيلي خيالي،
فحد الميزان ما يتميز به الزيادة والنقصان، ومثاله في العالم الحسي مختلف، كالميزان والقبان
للأثقال، والأصطرلاب لحركات الأفلاك، والمسطر لمقادير الشعر، ومقياس الحرارة لإدراك
درجاتها، وغيره من المقاييس، فلتقريبه بأفهام البليد والجليد مُثل ما أريد. قال علي القاري:
((فمخالفة المعتزلة فيه كنظائره إنما نشأت عن تحكيم عقولهم الفاسدة، ونظرهم إلى الأدلة الواهية
الكاسدة)» .
قوله: (وسبحان الله والحمد لله تملآن) إلخ: وفي رواية للدارمي: ((لا إله إلا الله والله أكبر
تملأن ما بين السماء والأرض)) (المشكاة).
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ((أسماء الله تعالى مندرجة في أربع كلمات، هن
الباقيات الصالحات)).
الكلمة الأولى قوله: ((سبحان الله)) ومعناها في كلام العرب: التنزيه والسلب، فهي مشتملة
على سلب النقص والعيب عن ذات الله وصفاته، فما كان من أسمائه سلباً فهو مندرج تحت هذه
الكلمة، كالقدوس: وهو الطاهر من كل عيب، والسلام: وهو الذي سلم من كل آفة.
الكلمة الثانية: قوله: ((الحمد لله)) وهي مشتملة على إثبات ضروب الكمال لذاته وصفاته،
فما كان من أسمائه متضمناً للإثبات كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير، فهو مندرج تحت
الكلمة الثانية، فقد نفينا بقولنا: ((سبحان الله)) كل عيب عقلناه، وكل نقص فهمناه، وأثبتنا
((بالحمد لله)) كل كمال عرفناه، وكل جمال أدركناه.
ووراء ما نفيناه وأثبتناه شأن عظيم قد غاب عنا وجهلناه، فنحققه من جهة الإجمال بقولنا :
(الله أكبر)) - وهي الكلمة الثالثة - بمعنى أنه أجلّ مما نفيناه وأثبتناه، وذلك معنى قوله اَلّةٍ: ((لا
أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)) فما كان من أسمائه متضمن المدح فوق ما عرفناه
وأدركناه، كالأعلى والمتعالي، فهو مندرج تحت قولنا: ((الله أكبر)).
٤١٧
كتاب: الطهارة
أَوْ تَمْلأُ، مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. وَالصَّلاَةُ نُورٌ. وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ. وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ.
فإذا كان في الوجود من هذا شأنه نفينا أن يكون في الوجود من يشاكله أو يناظره، فحققنا
ذلك بقولنا: ((لا إله إلا الله)) - وهي الكلمة الرابعة - فإن الألوهية ترجع إلى استحقاق العبودية،
ولا يستحق العبودية إلا من اتصف بجميع ما ذكرناه، فما كان من أسمائه متضمناً للجميع على
الإجمال، كالواحد الأحد ذي الجلال والإكرام، فهو مندرج تحت قولنا: ((لا إله إلا الله)) ولو
أدرجت الباقيات الصالحات في كلمة منها على سبيل الإجمال - وهي ((الحمد لله)) - لاندرجت
فيها، كما قال علي بن أبي طالب ربه: ((لو شئت أن أوقر بعيراً من قولك ((الحمد لله)) لفعلت))،
فإن الحمد هو الثناء، والثناء يكون بإثبات الكمال تارة وبسلب النقص أخرى، وتارة بالاعتراف
بالعجز عن درك الإدراك، وتارة بإثبات التفرد بالكمال، والتفرد بالكمال من أعلى مراتب المدح
والكمال، فقد اشتملت هذه الكلمة على ما ذكرناه في الباقيات الصالحات، لأن الألف واللام
فيها لاستغراق جنس المدح، والحمد مما علمناه وجهلناه، ولا خروج للمدح عن شيء مما
ذكرناه، ولا يستحق الألوهية إلا من اتصف بجميع ما قررناه)) كذا في طبقات الشافعية.
قوله: (تملآن أو تملأ) إلخ: الشك من الراوي، قال النووي: ((ضبطناهما بالمثناة من
فوق)) .
قال الطيبي كثّفُ: ((فالأول أي: تملآن ظاهر، والثاني فيها ضمير الجملة، أي: الجملة
الشاملة لهما)) .
قلت: ويمكن أن يكون الإفراد بتقدير كل واحدة منهما.
قوله: (ما بين السماء والأرض) إلخ: إما باعتبار الثواب، أو لأنها مملوءة من الآيات
الدالة على وجود الصفات الثبوتية ونفي النعوت السلبية، والله أعلم كذا في المرقاة.
قوله: (والصلاة نور) إلخ: أي: في القبر، وظلمة القيامة. وقيل: إنها تمنع من الفحشاء
وتهدي إلى الصواب، كالنور. وقيل: أراد بالنور الأمر الذي يهتدي به صاحبه يوم القيامة، قال
الله تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ﴾ [الحديد، آية: ١٢] وقيل: لأنها سبب إشراق أنواع المعارف،
وانشراح القلب، ومكاشفات الحقائق لفراغ القلب فيها. وقيل: النور السيما في وجه المصلي.
قوله: (والصدقة برهان) إلخ: معناه يفزع إليها كما يفزع إلى البرهان، فإن العبد إذا سئل
يوم القيامة عن مصرف ماله: كانت صدقته براهين في الجواب. وقيل: يُوسم المتصدق بسيماء
يعرف بها، فيكون برهاناً على الفلاح والهدى، فلا يسأل عن المصرف. وقيل: إنها حجة على
إيمان صاحبها، فإن المنافق يمتنع منها .
قوله: (والصبر ضياء) إلخ: قيل: الصبر هو: حبس النفس عما تتمنى من الشهوات، وعلى
ما يشق عليها من العبادات، وفيما يصعب عليها من النائبات.
٤١٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقيل: المراد به الصبر عن الدنيا ولذاتها الدنية، وعن المعاصي، وعلى التكاليف
الشرعية، وفي المصيبات والمحن الكونية، فيخرج العبد عن عهدتها، فتكون ضياء لأن يترك
الصبر عليها يدخل في ظلمة المعاصي، كذا في المرقاة.
قال الأستاذ أبو علي الدقاق كثّفُ: ((حقيقة الصبر أن لا يعترض على المقدور، فأما إظهار
البلايا لا على وجه الشكوى فلا ينافي الصبر، قال الله تعالى في أيوب فَلَّا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِراً
نِعْمَ الْعَبْدِ﴾ [صَ، آية: ٤٤] مع أنه قال: ﴿أَنِى مَسَّنِىَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء، ٨٣] والله أعلم.
وقيل: المراد بالصبر هنا: الصوم، بقرينة ذكره مع الصلاة والصدقة، إذ المراد بها الزكاة،
كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾ [البقرة، آية: ٤٥] وسمي الصوم صبراً لثبات
الصائم وحبسه نفسه عن الشهوات، وسمي شهر رمضان شهر الصبر.
وقيل: قوله: ((ضياء)) يعني: في ظلمة القبر، لأن المؤمن إذا صبر على الطاعات والبلايا
في سعة الدنيا، وعن المعاصي فيها: جازاه الله تعالى بالتفريج والتنوير في ضيق القبر وظلمته .
وقال بعضهم: الصبر ضياء في قلبه، لأن الصبر على المكاره في دين الله تذلل، ومن تذلل
في الله سهل عليه الطاعات، ومشاق العبادات، وتجنب المحظورات، ومن كان هذا شعاره لا
شك أن في قلبه ضياء، والضياء أقوى من النور. قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءُ
وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس، آية: ٥] وذلك لأن الصبر أوسع من الصلاة، لأن كل واحد من الواجبات
والمحظورات تحتاج إلى الصبر، نعم! إذا فسر الصبر بالصوم فذلك لتخصيصه بالنهار،
كتخصيص الشمس به، لا لمزية الصوم على الصلاة إلا على قول من يقول: الصوم أفضل من
الصلاة، لأن الصوم يشبه الصمدانية - وهو من صفات الرب - والصلاة تذلل - وهو من صفات
العبد - ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((الصوم لي وأنا أجزي به)) كذا حققه السيد، كذا قال علي
القاري تقفُ، إلا أن في كون الضياء أقوى من النور مطلقاً كلاماً، قال الخفاجي تثاثه: ((إن النور
يقرب منه الضوء)، إلا أن الزمخشري قال: ((الإضاءة فرط الإنارة))، فقيل: إنه جعل الضوء أبلغ
من النور، لقوله تعالى: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَاُلْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس، آية: ٥] وأنكره في الفلك الدائر
وقال: ليس له في اللغة شاهد، ولا في الاستعمال مساعد، وقد سوى بينهما ابن السكيت، ولا
دليل في الآية. وأجيب بأن كلام ابن السكيت بحسب أصل الوضع، وما ذكر بحسب
الاستعمال، كما في الأساس.
والتحقيق ما في الكشف: ((من أن الضوء فرع النور، وهو الشعاع المنتشر، ولذا أطلق
النور على الذوات دون الوضوء، ولكون الأبصار تمد حلية الضوء، كأن فيه مبالغة من جهة
أخری)».
٤١٩
كتاب: الطهارة
وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو. فَبَايِعٌ نَفْسَهُ. فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا)).
(٢) - باب: وجوب الطهارة للصلاة
٥٣٤. (٠٠٠) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ
وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ، قَالُوا حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنَ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ:
دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى ابْنِ عَامِرٍ يَعُودُهُ وَهُوَ مَرِيضٌ. فَقَالَ: أَلا تَدْعُو اللَّهَ لِي، يَا ابْنَ
عُمَّرَ؟ قَالَ(١): إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((لَا تُقْبَلُ صَلاةٌ
وتنويره ما حققه في ((الروض الأنف)) في قول ورقة:
يقيم به البرية أن تموجا
ويظهر في البلاد ضياء نور
بأن في البيت ما يوضح الفرق بينهما، فإن الضياء الشعاع المنتشر عن النور، فالنور أصله
ومبدؤه كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة، آية: ١٧]، ((وجعل الشمس
ضياء)»، لأن القمر لا ينتشر عنه ما ينتشر عنها، لا سيما في طرفي الشهر، ولذا سمى الله القمر
﴿نُورًا﴾ دون ((ضياء))، فعلم أن بينهما فرقاً: لغة واستعمالا، وإن كان في كل منهما أبلغية من
جهة، وأن إطلاق النور على الله وجهه ظاهر، كذا في نسيم الرياض.
قوله: (حجة لك أو عليك) إلخ: معناه ظاهر، أي: تنتفع به إن تلوته وعملت به، وإلا فهو
حجة عليك.
قوله: (كل الناس يغدو) إلخ: أي: يصبح أو يسير. قيل: الغدو السير في أول النهار، ضد
الرواح، وغدا يغدو غدواً: مأخوذ من الغدوة: ما بين الصباح وطلوع الشمس، والمعنى: كل
أحد يسعى ويجتهد في الدنيا، ويرى أثر عمله في العقبى.
قال الطيبي: ((وهو مجمل، تفصيله: قوله وقليل: ((فبائع نفسه)) أي: حظها بإعطائها، وأخذ
عوضها وهو عمله وكسبه، فإن عمل خيراً فقد باعها، وأخذ الخير عن ثمنها)).
قوله: (فبائع نفسه) إلخ: معناه كل إنسان يسعى بنفسه فمنهم من يبيعها لله تعالى بطاعته،
فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى باتباعهما، فيوبقها، أي: يهلكها. والله
أعلم.
(٢) - باب: وجوب الطهارة للصلاة
(٢٢٤) - قوله: (لا تقبل) إلخ: في القاموس: ((تقبله وقبله - كعلمه - قبولاً (أي: بالفتح)
وقد يضم: أخذه)).
(١) قوله: ((قال)) أي ابن عمر، والحديث أخرجه الترمذي في جامعه في فاتحة كتابه، أبواب الطهارة، باب ما =
٤٢٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ،﴾ [الشورى، آية: ٢٥] وقال: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ
وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر، آية: ٣] كذا في شرح القاموس.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: فالقبول في الأصل معناه: الأخذ يقابله الرد، وحاصل
الحديث أن الله سبحانه وتعالى لا يأخذ صلاة أهديت إليه بغير طهارة، بل يردها إلى صاحبها،
فتبقى ذمته مشغولة بها غير فارغة عن المطالبة بها .
وهذا القبول - أي: بمعنى الأخذ مطلقاً - ضد الرد، هو المرادف لنفس صحة العمل،
والموجب لفراغ الذمة، إلا أنا نشاهد أنه قد يكون أخذ الشيء المطلوب بحيث يلوح عليه مخايل
رضى الآخذ، والتبشبش والسرور، وإسفار الوجه وضحكه إليه، وهو القبول الحسن، الكامل من
أفراده.
وقد يكون بحيث يصحبه شيء من الكراهية والانقباض والتسخط والتكلم وعبس الوجه،
إلا أنه لا يرده، وهو أدنى درجات القبول، فالمنفي في حديث الباب هو نفس القبول المطلق
الشامل لجميع أفراده، وهو ضد الرد، والمنفي في أمثال قوله ظلئها: ((من أتى عرّافاً لم تقبل له
صلاة)) هو بعض أفراد القبول الذي سميناه بالقبول الحسن، اقتباساً من قوله عزّ وجل: ﴿فَلَقَبَّلَهَا
رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران، آية: ٣٧] وهو المثبت في قول ابن عمر رضيًّا: ((لأن تقبل لي صلاة
واحدة أحب إليّ من جميع الدنيا، لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة، آية:
٢٧] .
ومن ههنا قال صاحب البحر: ((إن القبول لا يلازم الصحة، لأن الصحة تعتمد وجود
الشرائط والأركان، والقبول يعتمد صدق العزيمة وخلوصها، وله شرائط كثيرة)) اهـ.
وهذا الذي قلناه من حمل حديث الباب على حقيقة القبول، وحديث العراف وغيره على
التجوز فيه، بإطلاق العام على أكمل ما صدقاته: عكس ما قاله الحافظ في الفتح، فإنه ادعى أن
القبول معناه الحقيقي: هو الذي حملنا عليه حديث العراف، والمعنى الذي حملنا عليه حديث
الباب هو المجاز.
وما ذكرنا من اجتماع القبول مع شيء من السخط والكراهية نبه عليه العلامة بحر العلوم
في فواتح الرحموت، حيث قال :
(«يقول هذا العبد: ما ذكره الشيخ ابن الهمام مندفع، فإنه ذهب أن المقصود في العبادات:
الثواب، لكن لا نسلم أنه ينافي تعلق النهي الذي موجبه العقاب، فإنه يجوز أن يثاب ويعاقب
جاء لا تقبل صلاة بغير طهور رقم (١) وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب لا يقبل الله
=
صلاة بغير طهور، رقم (٢٧٢).