Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١
كتاب: الإيمان
مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ. قَالَ: وَلَقِيتُ عِيسى (فَتَعَتَهُ النَّبِيّ ◌ََِّّ) فَإِذَا رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ
دِيمَاسِ (يَعْنِي حَمَّاماً) قَالَ: وَرَأَنْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ. قَالَ:
فَأَتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا لَبَنْ وَفِي الآخَرِ خَمْرٌ. فَقِيلَ لِي: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ
فَشَرِبْتُهُ. فَقَالَ: هُدِيتَ الْفِطْرَةَ، أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ
قلت: الظاهر أن تكون جعودته غالبة على سبوطته، لئلا ينافي ما سبق من كون موسى
جعداً. كذا قال علي القاري كَّهُ. وفيه إيماء إلى أن المراد بالجعودة في صفة موسى جعودة
الجسم لا جعودة الشعر، كما تقدم.
قوله: (فإذا ربعة أحمر) إلخ: ربعة بتسكين الموحدة، ويجوز فتحها على ما ذكره
العسقلاني، أي: مربوع الخلق، وفي النهاية: أي: لا طويل ولا قصير، والتأنيث على تأويل
النفس .
قال الشارح: ((وأما وصف عيسى صلوات الله عليه وسلامه في هذه الرواية - وهي رواية
أبي هريرة ربه - بأنه أحمر، ووصفه في رواية ابن عمر بعدها بأنه آدم، والآدم الأسمر، وقد
روى البخاري عن ابن عمر ها أنه أنكر رواية ((أحمر)) وحلف أن النبي ◌َّ لم يقله، يعني: وأنه
اشتبه على الراوي، فيجوز أن يتأول الأحمر على الآدم، ولا يكون المراد حقيقة الأدمة
والحمرة، بل ما قاربها، والله أعلم)).
قوله: (كأنما خرج من ديماس) إلخ: بكسر الدال وتفتح، على ما في القاموس: الكِن
والسرب والحمام قال الجوهري: فإن فتحت الدال جمعت على دياييس مثل شيطان وشياطين،
وإن كسرتها جمعت على دماميس كقيراط وقراريط.
قوله: (يعني: حماماً) إلخ: أي: يريد النبي ◌ّر بالديماس الحمام. قال الحافظ تَذته:
((هذا تفسير عبد الرزاق، والمراد وصفه بصفاء اللون ونضارة الجسم وكثرة ماء الوجه، حتى كأنه
كان في موضع كنّ، فخرج منه وهو عرقان، وفي رواية ابن عمر: (ينطف رأسه ماء)) وهو محتمل
لأن يراد الحقيقة، وأنه عرق حتى قطر الماء من رأسه، ويحتمل أن يكون كناية عن مزيد نضارة
وجهه، ويؤيده أن في رواية عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة عند أحمد وأبي داود: ((يقطر
رأسه ماء، وإن لم يصبه بلل)).
قوله: (أشبه ولده به) أي: بإبراهيم صورة ومعنى، فالمشابهة الصورية عنوان للمناسبة
المعنوية، مع أن الولد سر لأبيه في مبانيه ومعانيه.
قوله: (أما أنك) إلخ: أما بالتخفيف للتنبيه .
قوله: (لو أخذت الخمر) إلخ: أي: شربت أو ما شربت، والمعنى: لو ملت إليها أدنى
الميل .
٢٨٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
غَوَتْ أُمَّتُكَ)).
(٧٥) - باب: ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدَّجَّال
٤٢٤ - ٢٧٣ / حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (١)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «أَرَانِي لَيْلَةً عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجَّلاً آدَمَ
قوله: (غوت أمتك) إلخ: أي: نوعاً من الغواية المترتبة على شربها بناء على أنه لو شربها
لأحل للأمة شربها، فوقعوا في ضررها وشرها، ولما كان هو معصوماً لم يقل له: ((غويت)) على
ما تقتضيه المقابلة، وفيه إيماء إلى أن استقامة المقتدى من النبي والعالم والسلطان ونحوهم:
سبب لاستقامة أتباعم، لأنهم بمنزلة القلب للأعضاء، كذا قال علي القاري تظّتُهُ .
وقال الحافظ: ((قوله: غوت أمتك)) يحتمل أن يكون أخذه من طريق الفأل، أو تقدم عنده
علم بترتب كل من الأمرين، وهو أظهر)).
قال ابن المنير: (لم يذكر السر في عدوله عن العسل إلى اللبن كما ذكر السر في عدوله عن
الخمر، ولعل السر في ذلك كون اللبن أنفع، وبه يشتد العظم وينبت اللحم، وهو بمجرده قوت،
ولا يدخل في السرف بوجه، وهو أقرب إلى الزهد، ولا منافاة بينه وبين الورع بوجه، والعسل
وإن كان حلالاً لكنه من المستلذات التي قد يخشى على صاحبها أن يندرج في قوله تعالى:
﴿أَذْهَبْتُمْ لَتِبَتِكُمْ﴾ [الأحقاف، آية: ٢٠] قلت: ويحتمل أن يكون السر فيه ما وقع في بعض طرق
الإسراء أنه وَ* عطش، كما تقدم في بعض طرقه مبيناً هناك، فأتى بالأقداح، فآثر اللبن دون غيره
لما فيه من حصول حاجته، دون الخمر والعسل، فهذا هو السبب الأصلي في إيثار اللبن،
وصادف مع ذلك رجحانه عليهما من عدة جهات. كذا في الفتح.
[(٧٥) - باب: ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال
٢٧٣ - (١٦٩) - قوله: (أراني ليلة) إلخ: بفتح الهمزة، ذكر بلفظ المضارع مبالغة في
استحضار صورة الحال.
(١) قوله: ((عن عبد الله بن عمر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول
الله: ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها﴾، رقم (٣٤٤٠) و(٣٤٤١). وفي كتاب اللباس، باب
الجعد، رقم (٥٩٠٢). وفي كتاب التعبير، باب رؤيا الليل، رقم (٦٩٩٩). وباب الطواف بالكعبة في
المنام، رقم (٧٠٢٦) وفي كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، رقم (٧١٢٨) والترمذي في جامعه، في كتاب
الفتن، باب ما جاء في صفة الدجال، رقم (٢٢٤١)، وأبو داود في سننه، في كتاب السنة، باب في
الدجال، رقم (٤٧٥٧).
٢٨٣
كتاب: الإيمان
كَأَخْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَخْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللُّمَمِ، قَدْ رَجَّلَهَا فَهِيَ
تَقْطُرُ مَاءَ، مُتَّكِئاً عَلَى رَجُلَيْنٍ أَوْ عَلَى عَوَائِقِ رَجُلَيْنٍ، يَطُوفُ بِالْبَيْتِ. فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟
فَقِيلَ: هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطِ، أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ
طَافِيَةٌ. فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟
قوله: (من أدم الرجال) إلخ: بضم همز وسكون دال مهملة، جمع آدم كحمر جمع أحمر،
على ما في النهاية .
قوله: (له لمة) إلخ: بكسر اللام وتشديد الميم يقال لشعر الرأس إذا جاوز شحمة الأذنين،
وألم بالمنكبين لمة، وإذا جاوزت المنكبين فهي جمة، وإذا قصرت عنها فهي وفرة.
قوله: (من اللمم) إلخ: بكسر ففتح، جمع لمة .
قوله: (قد رجلها) إلخ: بتشديد الجيم، أي: سرجها ومشّطها .
قوله: (فهي تقطر ماء) إلخ: قد تقدم أنه يحتمل أن يقيد أنها تقطر من الماء الذي سرجها
به، أو أن المراد الاستنارة، وكنى بذلك عن مزيد النظافة والنضارة.
قوله: (متكئاً على) إلخ: أي: معتمداً .
قوله: (على عواتق رجلين) إلخ: جمع عاتق، وهو ما بين المنكب والعنق.
قوله: (فسألت من هذا) إلخ: أي: سألت الطائفين أو الملائكة الحافين.
قوله: (إذا أنا برجل جعد) إلخ: بفتح جيم فسكون عين، وهو من الشعر خلاف السبط، أو
القصير منه، كذا في القاموس.
قوله: (قطط) إلخ: بفتح القاف والمهملة بعدها مثلها، هذا هو المشهور، وقد تكسر الطاء
الأولى، والمراد به شدة جعودة الشعر، ويطلق في وصف الرجل، ويراد به الذم، يقال: جعد
اليدين، وجعد الأصابع، أي: بخيل، ويطلق على القصير أيضاً، وأما إذا أطلق في الشعر
فيحتمل المدح والذم.
قوله: (كأنها عنبة طافية) إلخ: قال الحافظ في الفتح بعد نقل الروايات والأقاويل
المختلفة: ((والذي يتحصل من مجموع الأخبار أن الصواب في ((طافية)) أنه بغير همز، فإنها
قيدت في رواية الباب بأنه اليمنى، وصرح في حديث عبد الله بن مغفل وسمرة وأبي بكرة بأن
عينه اليسرى ممسوحة، والطافية هي البارزة، وهي غير الممسوحة، والعجب من يجوز رواية
الهمز في ((طافية)) وعدمه مع تضاد المعنى في حديث واحد، فلو كان ذلك في حديثين لسهل
الأمر)).
قال القاضي عياض: ((رويناه عن الأكثر بغير همز، وهو الذي صححه الجمهور، وبه جزم
٢٨٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَقِيلَ: هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ)).
٤٢٥ - (٢٧٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ (يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ)
عَنْ مُوسَى (وَهُوَ ابْنُ عُقْبَةَ) عَنْ نَافِع قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
يَوْماً، بَيْنَ ظَهْرَانَي النَّاسِ، الْمَسِيحَ الَدَّجَّالَ. فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيْسَ بِأَغْوَرَ. أَلا
إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ)) قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّ:
(أَرَانِي اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ. فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَا تَرَى مِنْ أُدْم الرِّجَالِ. تَضْرِبُ
لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، رَجِلُ الشَّعْرِ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءٌ، وَاضِعاً يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَين، وَهُوَ
الأخفش، ومعناه أنها ناتئة نتوء حبة العنب من بين أخواتها)). قال الحافظ: ((من طفا الشيء
يطفو، بغير همز، إذا علا على غيره، وشبهها بالعنبة التي تقع في العنقود بارزة عن نظائرها)).
قوله: (فقيل: هذا المسيح الدجال) إلخ: قال التوربشتي تَّثُهُ: ((وجه تسميته بالمسيح في
أحب الوجوه إلينا أن الخير مسح عنه، فهو مسيح الضلالة، كما أن الشر مسح عن مسيح
الهداية، وقيل: سمي عيسى به لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برأ. وقيل: لأنه كان أمسح
الرجل، لا أخمص له. وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن. وقيل: لأنه كان يمسح
الأرض أي: يقطعها. وقيل: المسيح الصديق. وسمي الدجال به لأن إحدى عينيه ممسوحة لا
يبصر بها، والأعور يسمى مسيحاً)) انتهى، ولأنه يمسح في أيام معدودة جميع مساحة الأرض إلا
مكة والمدينة، فهو فعيل بمعنى فاعل، ووصف بالمسيح الدجال لأن المسيح وصف غلب على
عيسى عليه الصلاة والسلام، فوصف بالدجال ليتميز المحق من المبطل كذا في المرقاة.
قال الأبي تَغَفُهُ: ((وأما تسميته دجالاً فقال ثعلب: لقطعه الأرض، من ((دجل))، وقيل:
لتمويهه، من ((دجل)) إذا موه، ويقال لكل كذاب دجال لهذا المعنى)).
٢٧٤ - (٠٠٠) - قوله: (محمد بن إسحاق المسيبي) إلخ: بفتح الياء منسوب إلى جده
المسيب ابن أبي السائب.
قوله: (بين ظهراني الناس) إلخ: بفتح الظاء المعجمة وسكون الهاء بلفظ التثنية، أي:
جالساً في وسط الناس، والمراد أنه جلس بينهم مستظهراً لا مستخفياً، وزيدت فيه الألف والنون
تأكيداً، أو معناه أن ظهراً منه قدامه، وظهراً خلفه، وكأنهم حفوا به من جانبيه، فهذا أصله ثم
كثر حتى استعمل في الإقامة بين قوم مطلقاً، ولهذا زعم بعضهم أن لفظة ((ظهراني)) في هذا
الموضع زائدة .
قوله: (ألا إن المسيح الدجال أعور) إلخ: إنما اقتصر على ذلك مع أن أدلة الحدوث في
الدجال ظاهرة، لأن العور أثر محسوس يدركه العالم والعامي، ومن لا يهتدي إلى الأدلة
القطعية، فإذا ادعى الربوبية وهو ناقص الخلقة - والإله يتعالى عن النقص - علم أنه كاذب.
٢٨٥
كتاب: الإيمان
بَيْنَهُمَا يَطُوفُ بَالبَيْتِ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ مَزْيَمَ، وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلاً
جَعْداً قَطَطاً، أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتَ مِنَ النَّاسِ بِابْنٍ قَطَنِ، وَاضِعاً يَدَيْهِ عَلَى
مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنٍ، يَطُوفُ بَالْبَيْتِ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا الْمَسِيحُ الذَّجَّالُ)).
٤٢٦ - (٢٧٥) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: ((رَأَيْتُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ رَجُلاَ آدَمَ سَبِطَ الرَّأْسِ، وَاضِعاً يَدَيَهِ عَلَى
رَجُلَيْنٍ، يَسْكُبُ رَأْسُهُ (أَوْ يَقْطُرُ رَأْسُهُ). فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، أَوِ
الْمَسِيحُ ابْنُ مَزِيَمَ، (لا نَذْرِي أَّ ذَلِكَ قَالَ) وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلاً أَخْمَرَ، جَعْدَ الرَّأْسِ، أَغْوَّرَ
الْعَيْنِ الْيُمْنَى، أَشْبَهُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ ابْنُ قَطَنِ. فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ الدَّجَالُ)).
قوله: (كأشبه من رأيت من الناس بابن قطن) إلخ: بفتح القاف والطاء، المحفوظ أنه عبد
العزى بن قطن، رجل من خزاعة، هلك في الجاهلية، كما قال الزهري ظ به.
قوله: (واضعاً يديه على منكبي رجلين) إلخ: الظاهر أن المراد بهما من يعاونه على باطله
من أمرائه، كما أن المراد من الرجلين الأولين من يساعدان المسيح على حقه، ولعلهما المهدي
والخضر من أصحابه.
قوله: (يطوف بالبيت) إلخ: قال علي القاري: ((فيه إشعار بأن أحداً لا يستغني عن هذا
الجناب، ولا يفتح لهم غرض إلا من هذا الباب، وفي قوله تعالى ﴿مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة، آية: ١٢٥]
إيماء إلى ذلك، ولذا وجد الكفار في الجاهلية وزمن البعثة ما كانوا يتركون الطواف، والآن أيضاً
يتمنى اليهود والنصارى أن يتشرفوا برؤية هذا البيت والطواف حوله كذا في المرقاة.
قال الحافظ تَّثه: ((واستشكل كون الدجال يطوف بالبيت وكونه يتلو عيسى بن مريم، وقد
ثبت أنه إذا رآه يذوب، وأجابوا عن ذلك بأن الرؤيا المذكورة كانت في المنام، ورؤيا الأنبياء
وإن كانت وحياً لكن فيها ما يقبل التعبير)) اهـ.
قال التوربشتي: ((طواف الدجال عند الكعبة مع أنه كافر مؤول بأن رؤيا النبي ◌َّير من
مكاشفاته، كوشف بأن عيسى ظل في صورته الحسنة التي ينزل عليها يطوف حول الدين لإقامة
أوده وإصلاح فساده، وأن الدجال في صورته الكريهة التي ستظهر بطوف حول الدين يبقى العرج
والفساد)) اهـ.
وقال عياض كثُّهُ: ((إن منع الدجال من دخول مكة إنما هو عند خروجه في آخر الزمان)).
قال الحافظ: ((ويؤيده ما دار بين أبي سعيد وبين ابن صياد فيما أخرجه مسلم، وأن ابن صياد قال
له: ((ألم يقل النبي وَليه: إنه لا يدخل مكة ولا المدينة، وقد خرجت من المدينة أريد مكة)) فتأوله
من جزم بأن ابن صياد هو الدجال على أن المنع إنما هو حيث يخرج، وكذا الجواب عن مشيه
وراء عيسى ثـ
.
٢٨٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٢٧ - (٢٧٦) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((لَمَّا كَذَّبَتْنِي
قُرَيْشٌ. قُمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلا اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ.
٢٧٦ - (١٧٠) - قوله: (لما كذبتني قريش) إلخ: أي: نسبتني إلى الكذب في ما ذكرت من
قصة الإسراء، ووقع بيان ذلك التكذيب في طرق أخرى، فروى البيهقي في الدلائل من طريق
صالح ابن كيسان عن الزهري عن أبي سلمة قال: ((افتتن ناس كثير - يعني: عقب الإسراء - فجاء
ناس إلى أبي بكر، فذكروا له، فقال: أشهد أنه صادق، فقالوا: وتصدقه بأنه أتى الشام في ليلة
واحد (٢) ثم رجع إلى مكة؟ قال: نعم، إني أصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء، قال:
فسمي بذلك الصدیق)).
قال سمعت جابراً يقول، فذكر الحديث.
وفي حديث ابن عباس عند أحمد والبزار بإسناد حسن قال: قال رسول الله وَالر: «لما كان
ليلة أسري بي، وأصبحت بمكة، مرّ بي عدو الله أبو جهل، فقال: هل كان من شيء؟ فقال
رسول الله وَله: إني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحت بين أظهرنا؟ قال:
نعم، قال: فإن دعوت قومك أتحدثهم بذلك؟ قال: نعم، قال: يامعشر بني كعب بن لؤي،
قال: فانفضّت إليه المجالس حتى جاؤوا إليهما، فقال: حدث قومك بماحدثتني، فحدثتهم،
قال: فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجباً، قالوا: وتستطيع أن تنعت لنا
المسجد)) الحدیث.
قوله: (قمت في الحجر) إلخ: أي: في موضع بدئ بي الصعود أولاً لينجلي لي الشهود
ثانياً .
قوله: (فَجَلا الله بيت المقدس) إلخ: بتشديد اللام من التجلية، أي: أظهر، قيل: معناه
كشف الحجب بيني وبينه حتى رأيته، ووقع في رواية عبد اللّه بن الفضل عن أم سلمة عند مسلم:
((أشار إليها، قال: فسألوني عن أشياء لم أثبتها، فكربت كرباً لم أكرب مثله قط، فرفع الله لي
بيت المقدس أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا نبأتهم به))، ويحتمل أن يريد أنه حمل إلى أن
وضع بحيث يراه، ثم أعيد، وفي حديث ابن عباس المذكور: ((فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه
حتى وضع عند دار عقيل، فنعتّه، وأنا أنظر إليه)) وهذا أبلغ في المعجزة، ولا استحالة فيه، فقد
(١) قوله: ((عن جابر بن عبد الله)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مناقب الأنصار، باب حديث
الإسراء، رقم (٣٨٨٦) وفي كتاب التفسير، باب أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام رقم (٤٧١٠)
والترمذي في جامعه في كتاب التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل، رقم (٣١٣٣).
(٢) قوله: ((واحد)) ولعله ((واحدة)) بزيادة التاء.
٢٨٧
كتاب: الإيمان
فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ».
٤٢٨ - (٢٧٧) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ
يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ،ِهِ يَقُولُ: (َبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَنْتُنِي أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبِطُ
الشَّغْرِ، بَيْنَ رَجُلَيْنٍ، يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءَ (أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً) قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا ابْنُ
مَزْيَمَ. ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ، جَسِيمٌ، جَعْدُ الرَّأْسِ،
أحضر عرش بلقيس في طرفة عين لسليمان، وهو يقتضي أنه أزيل من مكانه حتى أحضر إليه،
وما ذاك في قدرة الله بعزيز، ووقع في حديث أم هانئ عند ابن سعد: ((فخيّل لي بيت المقدس
فطفقت أخبرهم عن آياته)) فإن لم يكن مغيراً من قوله ((فجلى)) وكان - ثابتاً - احتمل أن يكون
المراد أنه مثّل قريباً منه، كما تقدم نظيره في حديث ((أريت الجنة والنار)) وتأول قوله: ((جيء
بالمسجد)) أي: جيء بمثاله، والله أعلم.
ووقع في حديث شداد بن أوس عند البزار والطبراني ما يؤيد الاحتمال الأول، ففيه ((ثم
مررت بعير لقريش)) فذكر القصة، ((ثم أتيت أصحابي بمكة قبل الصبح، فأتاني أبو بكر، فقال:
أين كنت الليلة؟ فقال: إني أتيت بيت المقدس، فقال: إنه مسيرة شهر فصفه لي، فقال: ففتح لي
شراك كأني أنظر إليه لا يسألني عن شيء إلا أنبأته عنه)).
قوله: (فطفقت) إلخ: بكسر الفاء قبل القاف، أي: فشرعت.
قوله: (أخبرهم عن آياته) إلخ: أي: علامات بيت المقدس ودلالاته مما يكون من شواهد
حالات النبي ◌َّر ودلائل معجزاته.
قال الشيخ أبو محمد ابن أبي جمرة: ((الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج
إلى السماء إرادة إظهار الحق لمعاندة من يريد إخماده، لأنه لو عرج به من مكة إلى السماء لم
يجد لمعاندة الأعداء سبيلاً إلى البيان والإيضاح، فلما ذكر أنه أسري به إلى بيت المقدس سألوه
عن تعريفات جزئيات من بيت المقدس كانوا رأوها، وعلموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك، فلما
أخبرهم بها حصل التحقيق بصدقه فيما ذكر من الإسراء إلى بيت المقدس في ليلة، وإذا صح
خبره في ذلك لزم تصديقه في بقية ما ذكره، فكان ذلك زيادة في إيمان المؤمن، وزيادة في شقاء
الجاحد والمعاند)) انتهى ملخصاً من فتح الباري.
٢٧٧ - (١٧١) - قوله: (ينطف رأسه ماء) إلخ: أي: يقطر ويسيل، يقال: نطف - بفتح
الطاء - ينطف بضمها وكسرها .
قوله: (أو يهراق رأسه ماء) بضم الياء، معناه: ينصبّ.
قوله: (فإذا رجل أحمر جسيم) إلخ: في هذا الحديث أنه أحمر، ووقع في حديث
٢٨٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَعْوَرُ الْعَيْنِ، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنْبَةٌ طَافِيَةٌ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الدَّجَّالُ. أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهاً
ابْنُ قَطَنٍ)) .
٤٢٩ - (٢٧٨) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدٍ
الْعَزِيزِ (وَهُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ، وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ
مَسْرَايَ، فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِثْهَا، فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُ .
قَالَ: فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ. مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ.
عبد الله بن مغفل عند الطبراني: ((أنه آدم)) فيمكن أن تكون أدمته صافية، ولا ينافي أن يوصف
مع ذلك بالحمرة، لأن كثيراً من الأدم قد تحمر وجنته.
قوله: (أعور العين) إلخ: أي: اليمنى، ووقع في حديث سمرة عند الطبراني، وصححه
ابن حبان والحاكم: ((ممسوح العين اليسرى كأنها عين أبي تحيى شيخ من الأنصار)) اهـ، وهو
بكسر المثناة الفوقانية ضبطه ابن ماكولا عن جعفر المستغفري، ولا يعرف إلا من هذا الحديث.
كذا في الفتح.
٢٧٨ - (١٧٢) - قوله: (تسألني عن مسراي) إلخ: بفتح الميم، مصدر ميمي، أي: عن
مسيري .
قوله: (لم أثبتها) إلخ: من الإثبات، أي: لم أحفظها ولم أضبطها لاشتغالي بأمور أهم
منها .
قوله: (فكربت) إلخ: بصيغة المجهول، أي: أحزنت.
قوله: (كربة) إلخ: قال الجوهري: ((الكربة بالضم الغم الذي يأخذ النفس لشدته)).
قوله: (ما كربت مثله) إلخ: قال النووي: ((الضمير يعود على معنى الكربة، وهو الغم، أو
الهم، أو الشيء)).
قوله: (فرفعه الله) إلخ: أي: بيت المقدس.
قوله: (لي) إلخ: أي: لأجلي.
قوله: (أنظر إليه) إلخ: حال، والمعنى رفع الحجاب بيني وبينه لأنظر إليه، وأخبر الناس
بما اطلعت عليه .
قوله: (ما يسألوني) إلخ: بتشديد النون
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) لم أجد أحداً أخرج هذا الحديث من أصحاب الكتب الستة سوى مسلم رحمه الله.
٢٨٩
كتاب: الإيمان
وَقَدْ رَأْيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ
رِجَالِ شَئُوءَةً. وَإِذَا عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهاً
عُرْوَةٌ بْنُ مَسْعُودِ الثَّقَفِيُّ. وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ
(يَعْنِي نَفْسَهُ) فَحَانَتِ الصَّلاَةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلاَةِ قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدٌ، هَذَا
مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِي بِالسَّلاَمِ» .
قوله: (قد رأيتني في جماعة من الأنبياء) إلخ: أي: مع جمع في ليلة الإسراء، كما يدل
عليه السياق والسباق واللحاق، وهذه الرؤية غير رؤية السماء بالاتفاق.
قوله: (فحانت الصلاة) إلخ: أي: دخل وقتها، ولعل المراد بها صلاة التحية، أو يراد بها
صلاة المعراج على الخصوصية. كذا في المرقاة.
وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: ((حتى أتيت بيت المقدس، فصلى كل واحد منا
ركعتين))، وفي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه نحوه، وزاد: ((ثم دخلت المسجد
فعرفت النبيين من بين قائم وراكع وساجد، ثم أقيمت الصلاة، فأممتهم)) وفي رواية يزيد بن أبي
مالك عن أنس عند ابن أبي حاتم: ((فلم ألبث إلا يسيرا حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن،
فأقيمت الصلاة، فقمنا صفوفاً ننتظر من يؤمنا، فأخذ بيدي جبريل فقدمني، فصليت بهم))، وفي
حديث ابن عباس عند أحمد: ((فلما أتى النبي ◌َّر المسجد الأقصى قام يصلي، فإذا النبيون
أجمعون يصلون معه))، وفي حديث عمر عند أحمد أيضاً: ((أنه لما دخل بيت المقدس قال:
أصلي حيث رسول الله ( سير، فتقدم إلى القبلة فصلى)) وقد تقدم شيء من ذلك في الباب الذي
قبله .
قال عياض: ((يحتمل أن يكون صلى بالأنبياء جميعاً في بيت المقدس، ثم صعد منهم إلى
السماوات من ذكر أنه * رآه، ويحتمل أن تكون صلاته بهم بعد أن هبط من السماء، فهبطوا
أيضاً)).
قال الحافظ: ((والأظهر أن صلاته بهم ببيت المقدس كان قبل العروج، والله أعلم)) كذا في
الفتح.
قوله: (فأممتهم) إلخ: أي: صرت لهم إماماً .
قوله: (فالتفت إليه) إلخ: بصيغة المتكلم، أي: على قصد السلام عليه .
قوله: (فبدأني بالسلام) إلخ: أي: لما عرف من تعظيم المقام وآداب الكرام، وقال
الطيبي: ((إنما بدأ بالسلام ليزيل ما استشعره من الخوف منه بخلاف سلامه على الأنبياء ابتداء»
كما سبق.
٢٩٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٧٦) - باب في ذكر سدرة المنتهى
٤٣٠ - (٢٧٩) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ ابْنُ
مِغْوَلٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. وَأَلْفَاظُهُمْ
مُتَقَارِبَةٌ. قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَّا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ
طَلْحَةَ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ(١)؛ قَالَ: ((لَمَّا أُسْرِىَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَ لِ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةٍ
الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الأَرْضِ. فَيُقْبَضُ مِنْهَا.
وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا. فَيُقْبَضُ مِنْهَا. قَالَ: ﴿إِذْ يَغْشَى السَّذْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦]
قال: فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ.
[(٧٦) - باب: في ذكر سدرة المنتهى]
٢٧٩ - (١٧٣) - قوله: (وهي في السماء السادسة) إلخ: تقدم الكلام في ذلك، فتذكر.
قوله: (إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض) إلخ: أي: ما يصعد به من الأعمال والأرواح
الكائنة من جهة السفلى.
قوله: (فيقبض منها) إلخ: بصيغة المجهول فيه وفيما بعده.
قوله: (إليها ينتهي ما يهبط به من فوقها) إلخ: أي: من الوحي والأحكام النازلة من جهة
العليا .
قوله) (قال: فراش من ذهب) إلخ: الفراش بالفتح طير معروف، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ
يَكُونُ النَّاسُ كَأَلْفَرَاشِ اٌلْمَبْثُوثِ ﴾ [القارعة، آية: ٤]، وهذا تفسير من ابن مسعود رضيبه يحتمل أن
يكون مرفوعاً أو في حكم المرفوع.
قال الطيبي: «فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا وبين قوله في غير هذا الحديث: ((فغشيها
ألوان لا أدري ماهي)) قلت: قوله: ((غشيها ألوان لا أدري ما هي)) في موقع قوله: ﴿إِذْ يَغْشَى
(٣)﴾ [النجم، آية: ١٦] في إرادة الإبهام والتهويل وإن كان معلوماً، كما في قوله
السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى
تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اَلْيَّمِ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه، آية: ٧٨] في حق فرعون، ثم قوله هنا: ((فراش من ذهب))
بیان له .
أقول: الأظهر - والله أعلم - أن ما يغشى أشياء كثيرة لا تحصى، ومما لا يمكن أن يحاط
بها ويستقصى، لأن نفس السدرة إذا كانت هي المنتهى فكيف يكون إحاطة العلم بما فوقها مما
(١) قوله: ((عن عبد الله)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الصلاة، باب فرض الصلاة، رقم
(٤٥٢). والترمذي في جامعه، في كتاب التفسير، باب ((ومن سورة والنجم))، رقم (٣٢٧٦).
٢٩١
كتاب: الإيمان
قَالَ: فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ ثَلاَثًاً: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ. وأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ
الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئاً، الْمُفْحِمَاتُ)).
(٧٧) - باب: معنى قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾
وهل رأى النبي صل* ربه ليلة الإسراء؟
يغشى، وهو لا ينافي ذكر بعض ما رأى ورؤي، كذا في المرقاة. وقد تقدم شيء مما يتعلق بهذا
القول قريباً، فتذكره.
قوله: (فأعطي رسول الله وَّيه) إلخ: أي: تلك الليلة، أو في ذلك المقام أو الحالة.
قوله: (أعطي الصلوات الخمس) إلخ: أي: فرضيتها.
قوله: (وأعطي خواتيم سورة البقرة) إلخ: أي: الناطقة بكمال رحمة الله تعالى لهذه الأمة،
وتخفيفه عنهم، ومغفرته لهم ونصرته إياهم على الكافرين، فالمراد إعطاء مضمونها ومدلولها،
وإلا فسورة البقرة مدنية، والمعراج كانت بمكة، ويمكن أنها نزلت عليه و 98 ليلة المعراج بلا
واسطة، ثم نزل جبريل، فأثبت في المصاحف، كذا في اللمعات شرح المشكوة للشيخ عبد الحق
المحدث الدهلوي .
قلت: ولا بد من المصير إلى هذين الاحتمالين، وإلا فلا معنى لحديث أبي هريرة الذي
تقدم في باب تجاوز الله تعالى عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، فعليك بمراجعة
الباب المذكور من الكتاب.
وقال العلامة السندي: ((كأن المراد أنه قرر له إعطاءها، وأنها ستنزل عليه، وقيل له: هذه
ستنزل عليك ونحوه، فلا يشكل أن هذا ينافي ما تقدم قريباً من حديث أبي هريرة، وحديث ابن
عباس رضي تعالى عنهم.
قوله: (المقحمات) إلخ: بالرفع على نيابة الفعل، وهو بكسر الحاء، أي: الكبائر
المهلكات التي تقحم صاحبها النار إن لم يتجاوز عنه الملك الغفار.
قال ابن حجر: ((المراد بغفرانه أنه لا يخلد في النار بخلاف المشركين، وليس المراد أنه
لا تعذب أمته أصلاً، إذ قد علم من نصوص الشرع وإجماع أهل السنة إثبات عذاب العصاة من
الموحدين، وفيه أنه حينئذ لا يبقى خصوصية لأمته، ولا مزية لملته، اللهم إلا أن يقال: المراد
غالب هذه الأمة، فإنها أمة مرحومة، والله أعلم)). كذا في المرقاة.
(٧٧) - باب: قول الله عزّ وجل: (ولقد رآه نزلة أخرى)
وهل رأى النبي ◌َّل ربه ليلة الإسراء
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: سألت الشيخ العلامة التقي النقي الذي لم تر العيون مثله،
٢٩٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ولم ير هو مثل نفسه، ولو كان في سالف الزمان لكان له شأن في طبقة أهل العلم عظيم، وهو
سيدنا ومولانا الأنور الكشميري ثم الديوبندي، أطال الله بقائه: عن تفسير أوائل سورة النجم
وتحقيق رؤية النبي ◌ُّه ربه، فقرر الشيخ تقريراً حسناً بليغاً جامعاً لأشتات الروايات وأطراف
الكلام، منبّها على أغوار القرآن، فالتمست منه أن يقيده بالكتابة لتعم الفائدة، فاستجاب لملتمسي
- وعلى الله أجره - مع وجود الشواغل الكثيرة، وهذا نص ما كتبه بقلمه متعنا الله بطول بقائه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
﴿وَالنَّجْرِ إِذَا هَوَى ﴾﴾: أخذ من السماويات، لأن الكلام فيما بعد في خبر السماء، وفي
الإسراء إلى السماوات العلى إلى سدرة المنتهى إلى أن قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى ®)﴾ فهذه
فذلكة هذه الآيات(*) وأبهم الموحي - بكسر الحاء - فيها لانحصاره في الله تعالى، والوحي
والرسالة وذكر الأوصاف التي تنحصر في موصوف أبلغ من تسميته كما في قولهم: مررت بأكرم
القوم، ثم قال: ﴿عََّّهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾﴾ فانتقل إلى المعلم بعد ذكر الموحي، وجعلهما اثنين:
موحياً ومعلماً، ثم ذكر أوصاف المعلم، لأن الكلام إذن مع أهل مكة، وكانوا لا يعرفون
جبريل، فذكر صفته وفعله، وهذه أوصافه في سورة التكوير، وكأنه تعديل سند الوحي وبيان صفة
إتيانه وصورته، فإنه إذا قيل: يأتيه الملك، يهجس بالبال أنه كيف يأتي؟ فقال: إنه قادر على
ذلك وإنه ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ سوي مبارك الصورة، لا يؤنس من مثله إلا الخير، وإنه يدنو ويتدلى، فذكر
نعمته وصفته وحلیته، و کیفیة إتيانه.
قال ابن القيم: ﴿ذُو مِرَّةِ﴾ أي: جميل المنظر حسن الصورة ذو جلالة ليس شيطاناً أقبح
الخلق صورة، بل هو أجمل الخلق وأقواهم وأعظمهم أمانة ومكانة عند الله، قال: وهذا تعديل
لسند الوحي والنبوة، وتزكية له كما ذكر نظيره في صورة التكوير، فوصفه بالعلم والقوة وجمال
المنظر وجلالته، وهذه كانت أوصاف الرسولين الملكي والبشري)) اهـ.
وكان هذا من أول تقرير مع من خاطبهم، فبسطه شيئاً، وقد قيل كما ذكره البيضاوي
وغيره: ((في قوله: ﴿فَدَلََّ﴾ إشارة إلى أنه ما تجاوز عن مكانه، فإنه استرسال مع تعلق كتدلي
الثمرة، وهذا كنور عظيم منبسط في الجو تصاغر ودخل من كوة، فرآه الناظر غير منفصل عن
موضعه، وكأنه نحو بيان لما ذكروه في تمثل جبريل بشراً، ويفيد ههنا كما ذكره السهيلي ما رواه
ابن سنجر مسنداً إلى شريح بن عبيد، قال: ((لما صعد النبي ◌َّلّ إلى السماء، فأوحى إلى عبده ما
أوحى، فلما أحس جبريل بدنو الرب خرّ ساجداً، فلم يزل يسبح: سبحان رب الجبروت
(*) قوله: ((فذلكة هذه الآيات)) أي مجمل ما فُصّل وخلاصته. كذا في المعجم الوسيط، رف.
٢٩٣
كتاب: الإيمان
والملكوت والكبرياء والعظمة، حتى قضى الله إلى عبده ما قضى، قال: ثم رفع رأسه فرأيته في
خلقه الذي خلق عليه منظوماً أجنحته بالزبرجد واللؤلؤ والياقوت، فخيّل إلي أن ما بين عينيه سد
الأفقين، وكنت لا أراه قبل ذلك إلا على صور مختلفة، وكنت أكثر ما أراه على صورة دحية بن
خليفة الكلبي، وكان أحياناً لا يراه قبل ذلك إلا كما يرى الرجل صاحبه من وراء الغربال» اهـ.
قوله: ((﴿فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى ®) الضمير فيه لله تعالى لا لجبريل، فعند الطبري:
((فأوحى الله إليّ ما أوحى)) ونحو منه عند مسلم، وليس هذا انتشاراً في الضمائر ولا انفكاكاً في
النظم، فإن هذا الوصف منحصر في الله، وإنه قد جعل هناك موحياً ومعلماً، وإنه لما اختار
رسولاً انتهى الأمر إلى المرسل آخراً، ولم يكن الرسولٍ موحياً بل المرسِلُ هو الموحي، على
شاكلة قوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ إِنَّهُ﴾ [الشورى، آية: ٥١] وإنه ليس هناك
متعاطفات بالواو، وإنما هي سلسلة مرتبة بعضها إثر بعض في الخارج والانتهاء إلى الله، وهو
فذلكة أيضاً كما فيما قبله في قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى ﴾﴾ وهو استئناف أيضاً بإعادة ما
ـف عنه، كقوله: ﴿أَهْدِّنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ صِرَطُ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة،
الآيتان: ٦، ٧]، ثم قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ (١)﴾ [النجم، آية: ١١] ففصله عما قبله ولم يعطفه
عليه لأنه شامل لرؤية الله تعالى بالفؤاد، ولرؤية جبريل على صورته، وهما قبل الإسراء ولسائر
ما رأى في ليلة الإسراء، لقوله تعالى فيما بعد: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَ (®)﴾ [النجم، آية:
١٨] ولقوله في بني إسرائيل: ﴿لِثُرِيَكُ مِنْ ءَايَئِنَاً﴾ [الإسراء، آية: ١] ولقوله هناك: ﴿وَمَا جَعَلْنَا اُلُِّيَا الَّتِىّ
أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء، آية: ٦٠] فالفتنة هناك هي المماراة ههنا في قوله: ﴿أَفَتُمُونَهُ, عَلَى مَا
يَرَى (3)﴾ [النجم، آية: ١٢] فقوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴾ [النجم، آية: ١١] أي: ما كذب
الفؤاد عبدنا ما رأى، أي: هذا العبد، إما بفؤاده أو بعينه، ((فكذب)) متعد إلى مفعولين،
كقولهم: صدقت فلاناً الحديث، وكذبته، ويحتمل الاقتصار على مفعول واحد أيضاً، أي: ما
قال كذباً هذه المقولة، بل قال ما وقع بعد عيانا في الإسراء بالنسبة إلى رؤية الله تعالى، ولو لا
ضمير: ﴿وَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى (٣)﴾ [النجم، آية: ١٣] إلى العبد لكان الأوضح أن يقال: ما كذب
الفؤاد ما رأى، أي: ما رأى الفؤاد، أي: ما افتراه، وما قاله كذباً، وكون الرؤية ههنا رؤية
الفؤاد وفيما بعد رؤية البصر لا يورث فكّا في النظم، فإن الرؤية أمر واحد، والفرق من تلقاء
الفاعل، وقد صح الأحاديث المرفوعة، والآثار في الرؤيتين، ورؤية الله الأولى بالفؤاد، والثانية
بالبصر على مشاكلة حديث البعثة من تقدم الرؤيا على الواقعة، ثم ذكر مثل لكل طرفاً من الكلام
كمانقله في المواهب عن المهدوي، ولم يفسر على ضابطة الألفاظ شرحاً متعارفاً جامعاً ومانعاً،
بل ذكر بعض الماصدقات وأطرافاً من القصة، ومثله كثير في الحديث وعند السلف، كحديث:
((أول مسجد أسس على التقوى)).
٢٩٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ثم قال: ﴿أَفَتُوَنَّهُ عَلَى مَا يَرَى (13)﴾ [النجم، آية: ١٢] ولم يقل: ما قد رأى، فدل على أن ثم
رؤية أخرى بعد هذه، قاله السهيلي. وقال: ﴿عَلَى مَا يَرَى﴾ ولم يقل: ((فيما يرى)) لأنهم كانوا
يمارون في نفس الرؤية لا في خصوص المرئي.
وعن ابن عباس أنه كان يقول: ((إن محمداً { ل رأى ربه مرتين مرة ببصره ومرة بفؤاده)) رواه
الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح خلا جهور بن منصور الكوفي، وجهور بن منصور
ذكره ابن حبان في الثقات، كذا في الزوائد.
وعند الدارمي عن ابن غنم قال: ((نزل جبريل على رسول الله وَلقول، فشق بطنه، ثم قال
جبريل: ((قلب وكيع فيه أذنان سميعتان، وعينان بصيرتان)) إلخ قال أبو محمد: وكيع، يعني:
شديداً. أي: متيناً .
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم، ١٣] وهذه أيضاً شاملة للرؤيتين، أما رؤية جبريل
فظاهر، وأما رؤية الله تعالى فلأنها لا تكون إلا بدنو منه تعالى كنزوله إلى سماء الدنيا في الثلث
الليل الآخر، وكحديث: ((يطلع الله على أهل الجنة، فيقول: هل رضيتم))؟ فقوله: ((عند سدرة
المنتهى)) متعلق بالرائي، كقولك: رأيت الهلال من المسجد، لا بالمرئي كقولك: رأيته من
السحاب، وقد ذكره الطبري.
﴾ [النجم، ١٦] أي: من الأنوار والتجليات، فاجتمعت
وقوله: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَفْشَى
الملائكة عليه كالفراش. وعند النسائي: ((وأتيت سدرة المنتهى، فغشيتني ضبابة، خررت له
ساجداً)) وهذه الضبابة هي الظل من الغمام التي يأتي فيها الله ويتجلى.
ثم قال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا ◌َنَى (®)﴾ فصرح أنه يقظة، وهو أيضاً عام لكل ما رأى من
حيث اللفظ، لكن محطه هي معاملته مع الله فقط.
ثم فذلكه بقوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِهِ الْكُرَ (®) ولم يعطفه، لأنه أيضاً عام لكل ما
رأى، وحديث أبي ذر: ((رأيت نوراً، ونور أني أراه)) معناه واحد، أي: هو نور من أين رأيته،
وفي كتاب العلو للذهبي: ((ونقل المروزي عن أبي عبد الله - وسأله بما تدفع قول عائشة - قال:
بقول رسول الله وَ الر: ((رأيت ربي))، وقال أحمد في مسنده: ((ثنا أسود، ثنا حماد بن سلمة، عن
قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَلقول: (رأيت ربي عزّ وجل)) إسناده
قوي)) اهــ ليس مختصراً مما عند الترمذي من تفسير سورة ((ص)) عن ابن عباس أيضاً، لأنه
حديث آخر من طريق أبي قلابة، وهذا من طريق عكرمة عنه، وهو في تفسير النجم عند الترمذي
أيضاً، وهو مشهور عن ابن عباس، وبعضهم ينفي رؤية العين، ويريد أن العين لا تكفي في تلك
الرؤية فكل ما روى في هذه المسألة متجه، ذكر كل طرفاً والمجموع جامع للأطراف، وأبهم في
٢٩٥
كتاب: الإيمان
٤٣١ - (٢٨٠) وحدّثني أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادٌ (وَهُوَ ابْنُ الْعَوَّامِ) حَدَّثَنَا
الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَنَّ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَّوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ﴾
[النجم: ٩] قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ (١)؛ ((أَنَّ النَِّيّ ◌َّهِ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتْمِائَةٍ جَنَاحٍ)) .
سياق الرؤية لأنها لا تكتنه فتقع فيها مغالطات، فكان الوجه في إبهامها هذا. والله أعلم)) انتهى
كلام الشيخ الأنور.
والآن نشرع في شرح أحاديث الباب، وقد تكلمنا على تفسير آيات النجم في فوائد القرآن
بما فيه مقنع وشفاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
٢٨٠ - (١٧٤) - قوله: (سألت زر بن حبيش) إلخ: أما زر فبكسر الزاء وحبيش بضم الحاء
وفتح الموحدة، وآخره الشين المعجمة، وهو من المعمرين، زاد على مائة وعشرين سنة، وهو
من كبار التابعين .
قوله: (عن قول الله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْفَ ﴾﴾ [النجم، آية: ٩]) إلخ: القاب ما
بين القبضة، والسية من القوس، قال الواحدي: هذا قول جمهور المفسرين أن المراد القوس
التي يرمى بها، قال: وقيل: المراد بها الذراع، لأنه يقاس بها الشيء: قلت: وينبغي أن يكون
هذا القول هو الراجح، فقد أخرج ابن مردويه بإسناد صحيح عن ابن عباس، ال: القاب: القدر
والقوسين: الذراعان، ويؤيده أنه لو كان المراد به القوس التي يرمى بها لم يمثل بذلك ليحتاج
إلى التثنية، فكان يقال مثلاً: قاب رمح، أو نحو ذلك، وقد قيل: إنه على القلب، والمراد:
((فكان قابى قوس)) لأن ((القاب)) ما بين المقبض إلى السية، فكل قوس قابان بالنسبة إلى خالفته،
وقوله: ((أو أدنى)) أي: أقرب، قال الزجاج: خاطب الله بما ألفوا، والمعنى: فيما تقدرون أنتم
عليه، والله تعالى عالم بالأشياء على ما هي عليه، لا تردد عنده، وقيل: ((أو)) بمعنى ((بل))
والتقرير: بل هو أقرب من القدر المذكور، قاله الحافظ.
قال عياض في تفسير ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلََّ ﴾﴾: أكثر المفسرين على أن الدنو والتدلي منقسم بين
النبي وَل﴿ وجبريل، أو هما معاً من أحدهما إلى الآخر، أو من أحدهما إلى سدرة المنتهى،
وقيل: إنما هو منقسم بين الله سبحانه ورسوله 8* فالدنو: من النبي ◌َ﴾، والتدلي من الله
سبحانه، ولما استحال عليه تبارك وتعالى التخصيص بالجهة وجب التأويل، فدنو النبي ◌َّر كناية
عن عظيم قدره من حيث أنه انتهى إلى حيث لم ينته أحد، وتدلي الله سبحانه كناية عن إظهاره له
تلك المنزلة، ﴿قَابَ قَّوْسَيِنِ﴾ كناية عن نهاية القرب وإطلاعه على الحقيقة، ويتأول فيه ما يتأول في
قوله عن ربه: ((من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)).
قوله: (أن النبي ( * رأى جبريل) إلخ: والحاصل أن ابن مسعود كان يذهب في ذلك إلى
(١) قوله: ((ابن مسعود)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم : =
٢٩٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٣٢ - (٢٨١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ،
عَنْ زِرِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ﴾ [النجم: ١١]. قَالَ: ((رَأَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ
السَّلاَمُ لَهُ سِتُمائَةٍ جَنَاحٍ)).
٤٣٣ - (٢٨٢) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ
سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ، سَمِعَ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَ﴾
[النجم: ١٨]. قَالَ: رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَّتِهِ، لَهُ سِتُمائَةٍ جَنَاحِ.
٤٣٤ - (٢٨٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ،
عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١). ﴿وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]. قَالَ: ((رَأَى جِبْرِيلَ)).
٤٣٥ - (٢٨٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ
عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ(٢)؛ قَالَ: (رَآهُ بِقَلْبِهِ)).
٤٣٦ - (٢٨٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ، جَمِيعاً عَنْ وَكِيعِ،
أن الذي رآه النبي وَّير هو جبريل، كما ذهبت إلى ذلك عائشة، والتقدير على رأيه: ((فأوحى أي:
جبريل إلى عبده، أي: عبد الله محمد)) لأنه يرى أن الذي دنى فتدلى هو جبريل، وأنه هو الذي
أوحى إلى محمد، وكلام أكثر المفسرين من السلف يدل على أن الذي أوحى هو الله أوحى إلى
عبده محمد، ومنهم من قال: إلى جبريل.
٢٨٢ - (٠٠٠) - قوله: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) إلخ: اختلف في الآيات
المذكورة، فقيل: إن المراد بها جميع ما رأى النبي ◌َّر ليلة الإسراء، وحديث الباب يدل على
أن المراد صفة جبريل، قاله الحافظ.
٢٨٣ - (١٧٥) - قوله: في حديث أبي هريرة: (قال: رأى جبريل فعاليَّا) إلخ: هذا موافق
لما ذهب إليه ابن مسعود وعائشة
٢٨٤ - (١٧٦) - قوله: (رآه بقلبه) إلخ: أي: رأى النبي ◌َّ ربه بقلبه، كما هو مصرح في
روايات ابن عباس.
آمين، والملائكة في السماء، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه، رقم (٣٢٣٢) وفي كتاب
=
التفسير، باب ((فكان قاب قوسين أو أدنى)) حيث الوتر من القوس، رقم (٤٨٥٦) وباب ((فأوحى إلى عبده ما
أوحي)) رقم (٤٨٥٧). والترمذي في جامعه، في كتاب التفسير باب ومن سورة ((والنجم)) رقم (٣٢٧٧).
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) لم أجد هذا الحديث من أصحاب الكتب الستة سوى الإمام مسلم رحمه الله.
(٢) قوله: ((عن ابن عباس)) لم أجد من أخرج هذا الحديث من أصحاب الكتب الستة سوى الإمام مسلم
رحمه الله .
٢٩٧
كتاب: الإيمان
قَالَ الأَشَجُّ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحُصَيْنِ أَبِي جَهْمَةَ، عَنْ أَبِي
(١٢)﴾ [النجم: ١١] ﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى
الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى
[النجم: ١٣]. قَالَ: ((رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ)) .
١٣
٢٨٥ - (٠٠٠) - قوله: (عن زياد بن الحصين أبي جهمة) إلخ: بفتح الجيم وإسكان الهاء.
قوله: (قال: رآه بفؤاده مرتين) إلخ: قد تقدم في تقرير الشيخ الأنور بعض ما روي عن ابن
عباس من كون إحدى الرؤيتين ببصره وأخرى بفؤاده، فتنبه له.
قال الحافظ ابن حجر كثّهُ: ((اختلف السلف في رؤية النبي ◌ّل ربه، فذهبت عائشة وابن
مسعود إلى إنكارها، واختلف عن أبي ذر، وذهب جماعة إلى إثباتها، وحكى عبد الرزاق عن
معمر عن الحسن ((أنه حلف أن محمداً رأى ربه)). وأخرج ابن خزيمة عن عروة بن الزبير إثباتها،
وكان يشتد عليه إذا ذكر له إنكار عائشة، وبه قال سائر أصحاب ابن عباس، وجزم به كعب
الأحبار والزهري وصاحبه معمر وآخرون، وهو قول الأشعري وغالب أتباعه.
ثم اختلفوا هل رآه بعينه أو بقلبه؟ وعن أحمد كالقولين. قلت: جاءت عن ابن عباس
أخبار مطلقة، وأخرى مقيدة، فيجب حمل مطلقها على مقيدها، فمن ذلك:
ما أخرجه النسائي بإسناد صحيح، وصححه الحاكم أيضاً، من طريق عكرمة، عن ابن
عباس نظرته، قال: (أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد)
وأخرجه ابن خزيمة بلفظ: (إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة) الحديث.
وأخرج ابن إسحاق من طريق عبد الله بن أبي سلمة ((أن ابن عمر أرسل إلى ابن عباس،
هل رأى محمد ربه، فأرسل إليه أن نعم)).
ومنها ما أخرجه مسلم من طريق أبي العالية عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ
مَا رَأَ ﴿1﴾، ﴿وَلَقَدْ رَءَهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى ﴾﴾ قال: رأى ربه بفؤاده مرتين)) وله من طريق عطاء عن
ابن عباس قال: ((رآه بقلبه)).
وأصرح من ذلك ما أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء أيضاً عن ابن عباس قال: ((لم يره
رسول الله ( 98 بعينه إنما رآه بقلبه)) وعلى هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن
يحمل نفيها على رؤية البصر وإثباته على رؤية القلب.
ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب لا مجرد حصول العلم، لأنه وسلم كان عالماً بالله على
الدوام، بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت في قلبه، كما يخلق
الرؤية بالعين لغيره، والرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلاً، ولو جرت العادة بخلقها في
العين، وروى ابن خزيمة بإسناد قوي عن أنس قال: ((رأى محمد ربه)) وعند مسلم من حديث أبي
ذر أنه سأل النبي و ﴿ عن ذلك، فقال: ((نور أنى أراه)) ولأحمد عنه قال: ((رأيت نوراً)) ولابن
٢٩٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٣٧ - ٤/٢٨٦ - حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ
الأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا أَبُو جَهْمَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
٤٣٨ - (٢٨٧) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ دَاوُدَ، عَنِ
الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ؛ قَالَ: كُنْتُ مُتَّكِئاً عِنْدَ عائِشَةَ(١)، فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَائِشَةَ، ثَلاَثُ مَنْ
تَكَلَّم بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ. قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ
خزيمة عنه قال: ((رآه بقلبه ولم يره بعينه)) وبهذا يتبين مراد أبي ذر بذكره النور، أي: النور حال
بين رؤيته له ببصره، وقد رجح القرطبي في المفهم قول الوقف في هذه المسألة، وعزاه لجماعة
من المحققين، وقواه بأنه ليس في الباب دليل قاطع، وغاية ما استدل به للطائفتين ظواهر
متعارضة قابلة للتأويل، قال: وليست المسألة من العمليات، فيكتفي فيها بالأدلة الظنية، وإنما
هي من المعتقدات فلا يكتفي فيها إلا بالدليل القطعي.
وجنح ابن خزيمة في كتاب التوحيد إلى ترجيح الإثبات، وأطنب في الاستدلال له بما
يطول ذكره، وحمل ما ورد عن ابن عباس على أن الرؤيا وقعت مرتين: مرة بعينه، ومرة بقلبه،
وفيما أوردته من ذلك مقنع، وممن أثبت الرؤية لنبينا محمد # الإمام أحمد، فروى الخلال في
كتاب السنة عن المروزي قلت لأحمد: إنهم يقولون: إن عائشة قالت: من زعم أن محمداً رأى
ربه فقد أعظم على الله الفرية، فبأي شيء يدفع قولها؟ قال: ((بقول النبي { ل﴿ه: ((رأيت ربي)) قول
النبي (* أكبر من قولها)) كذا في الفتح، وروي عنه أنه كان يقول إذا سئل عن الرؤية: رآه رآه
حتى ينقطع نفسه، ولا يزيد على ذلك، كذا في روح المعاني.
٢٨٧ - (١٧٧) - قوله: (عن مسروق) إلخ: هو ابن الأجدع، قال أبو سعيد السمعاني في
الأنساب: ((سمي مسروقاً لأنه سرقه إنسان في صغره ثم وجد)).
قوله: (فقالت: يا أبا عائشة) إلخ: كنية مسروق.
قوله: (فقد أعظم على الله الفرية) إلخ: بكسر الفاء وإسكان الراء، أي: الكذب الذي هو
بلا مرية .
(١) قوله: ((عائشة رضي الله عنها)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق، باب إذا قال
أحدكم ((آمين)) والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه، رقم (٣٢٣٤). وفي
كتاب التفسير في تفسير سورة المائدة، باب ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ رقم (٤٦١٢) وفي
أول باب من تفسير سورة ((والنجم)) رقم (٤٨٥٥) وفي كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ((عالم الغيب
فلا يظهر على غيبه أحداً) رقم (٧٣٨٠) وباب قول الله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك
وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ رقم (٧٥٣١) والترمذي في جامعه، في كتاب التفسير، باب ومن سورة
الأنعام، رقم (٣٠٦٨) وباب ومن سورة (والنجم)) رقم (٣٢٧٨).
٢٩٩
كتاب: الإيمان
مُحَمَّداً وَّهِ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ. قَالَ: وَكُنْتُ مُتَّكِئاً فَجَلَسْتُ. فَقُلْتُ:
يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْظِرِينِي وَلا تَعْجَلِينِي. أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقَدْ رَءَاهُ بِلْأُمُّ الْمِينِ
(١٣)﴾ [النجم: ١٣] فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَأَلَ
(٢٣)﴾ [التكوير: ٢٣] ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى
عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ وَ. فَقَالَ: ((إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ. لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ
قال السندي: فقد أعظم على الله أي: على رسول الله وَله بحذف المضاف، والآية لبيان
أنه عده غير ممتثل لهذا الأمر، أو يقال: إن الله تعالى قد أخبر في هذه الآية بأنه إن لم يبلغ يعد
من العصاة الذين لم يبلغوا رسالته، وقصروا في أمره، فقال: ﴿لَّمْ تَفْعَلْ فََّا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾(١)
[المائدة، آية: ٦٧] وهو يَّر معدود عند الله من اللذين بلغوا رسالات الله، ومعلوم بذلك الوصف،
ولو فرض الكتمان للزم الكذب في إخبار الله تعالى بقوله: ﴿لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُمْ وَاللَّهُ﴾
[المائدة، آية: ٦٧] والله أعلم.
قوله: (أنظريني) إلخ: أي: أمهليني.
قوله: (فقال: إنما هو جبريل علا) إلخ: قال النووي تبعاً لغيره: ((لم تنف عائشة وقوع
الرؤية بحديث مرفوع ولو كان معها لذكرته وإنما اعتمدت الاستنباط على ما ذكرته من ظاهر
الآية)) اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: «جزمه بأن عائشة لم تنف الرؤية بحديث مرفوع تبع فيه ابن
خزيمة، فإنه قال في كتاب التوحيد من صحيحه: ((النفي لا يوجب علماً، ولم تحك عائشة أن
النبي ◌َّ أخبرها أنه لم ير ربه وإنما تأولت الآية)) انتهى. وهو عجيب، فقد ثبت ذلك عنها في
صحيح مسلم الذي شرحه الشيخ)) (أي: النووي) ثم ذكر حديث الباب.
قال الزرقاني في شرح المواهب: ((لم يقع في مسلم تصريح بأن النبي ◌َّ* نفى رؤيته لله
تعالى، وبهذا بطل تعجب الحافظ من النووي، لأن غاية ما في رواية مسلم أنها زيفت دليل
الخصم بإسنادها إلى المصطفى أن المراد جبريل، فلا يلتفت إلى غيره، ولكن لا يدل على نفي
الرؤية، كما صرح به الأبي، لأنه لا يلزم من إبطال الدليل بطلان المدلول، وأما رواية ابن
مردويه المصرحة بنفي الرؤية ورفعها إليه وغير (كما في الفتح والمواهب) فمعناه في الآية المسؤول
عنها، وهي: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى
﴾ [النجم، آية: ١٣] إن سلم أن رواية ابن مردويه تعادل رواية
مسلم، وإلا فما فيه أصح، ولم يقع فيه تصريح بنفي الرؤية مرفوعاً، وقد قال التقي السبكي في
تفسيره: قول ابن عطية: حديث عائشة عن النبي وتثير قاطع لكل تأويل في اللفظ، فيه نظر،
والاحتمال حاصل فيما سألت عنه ليس في لفظها صراحة بذكره)) (أي: في رواية مسلم) انتهى ما
قاله الزرقاني بتغير يسير .
(١) قوله: ((فإن)) بالفاء، وفي القرآن الكريم بالواو لا بالفاء.
٣٠٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطاً مِنَ السَّمَاءِ، سَاداً عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ)»
فَقَالَتَ: أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِلُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَ اَللَّطِيفُ
قوله: (غير هاتين المرتين) إلخ: أي: مرة في أجياد عند الأفق الأعلى، ومرة في السماء
عند سدرة المنتهى.
قوله: (ساداً عظم خلقه) إلخ: ضبط على وجهين: أحدهما بضم العين وإسكان الظاء،
والثاني بكسر العين وفتح الظاء، وكلاهما صحيح.
قوله: (أو لم تسمع أن الله عزّ وجل يقول: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ اْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام، ١٠٣]) إلخ:
قال الحافظ: ((احتجاج عائشة بالآية المذكورة خالفها فيه ابن عباس، فأخرج الترمذي من طريق
الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ((رأى محمد ربه، قلت: أليس الله يقول:
﴿لَّا تُدْرِكُهُ اٌلْأَبْصَرُ﴾ قال: ويحك، ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربه مرتين))
وحاصله أن المراد بالآية نفي الإحاطة عند رؤياه، لا نفي أصل رؤياه)) اهـ.
قال العلامة السيد الآلوسي البغدادي كثّفُ تعالى: ((وجمع بعضهم بين قولي ابن عباس
وعائشة بأن قول عائشة محمول على نفي رؤيته تعالى في نوره الذي هو نوره المنعوت بأنه لا
يقوم له بصر، وقول ابن عباس محمول على ثبوت رؤيته تعالى في نوره الذي لا يذهب
بالأبصار، بقرينة قوله في جواب عكرمة عن قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام، آية:
١٠٣]: ((ويحك، ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره)) وبه يظهر الجمع بين حديثي أبي ذر، أخرج
مسلم من طريق يزيد بن إبراهيم، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي ذر، قال: ((سألت
رسول الله وَله: هل رأيت ربك؟ قال: ((نور أنى أراه)) ومن طريق هشام وهمام كلاهما عن قتادة،
عن عبد الله، قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله وَلإر لسألته، فقال: عن أي شيء تسأله؟
قال: كنت أسأله هل رأيت ربك؟ فقال أبو ذر: قد سألته، فقال: ((رأيت نوراً)) فيحمل النور في
الحديث الأول على النور القاهر للأبصار بجعل التنوين للنوعية، أو للتعظيم، والنور في الثاني
على ما لا يقوم له البصر(١) والتنوين للنوعية، وإن صحت رواية الأول كما حكاه أبو عبد الله
المأزري بلفظ: ((نورَانِيّ)) - بفتح الراء وكسر النون وتشديد الياء - لم يكن اختلاف بين الحديثين،
ويكون ((نورَانِيّ)) بمعنى: المنسوب إلى النور على خلاف القياس، ويكون المنسوب إليه هو نوره
الذي هو نوره، والمنسوب هو النور المحمول على الحجاب حمل مواطاة في حديث السبحات،
في قوله عليه الصلاة والسلام: ((حجابه النور)) وهو النور المانع من الإحراق الذي يقوم له
البصر)) اهـ.
(١) كذا في الأصل ولعل الصحيح: ((ما يقوم له البصر)) ! هـ. من المثف رحمه الله.