Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١
كتاب : الإيمان
جَدِّي، قال: حَدَّثَنِي عُقْيَلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ،وَهِ يَقُولُ: ((ثُمَّ فَتَرَ
الْوَحْيُّ عَنِّي فَتْرَةً. فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي)). ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثٍ يُونُسَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَجُثِثْتُ مِنْهُ فَرَقاً
حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ)) قَالَ: وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرُّجْزُ الأَوْثَانُ. قَالَ: ثُمَّ حَمِيَ الْوَخْيُّ
بَعْدُ، وَتَتَابَعَ .
٤٠٦ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ
الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ. نَحْوَ حَدِيثٍ يُونُسَ وَقَالُ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّفِّرُ
﴾ [المدثر: ١ - ٥] قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلاَةُ. (وَهِيَ الأَوْثَانُ)
﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُزْ
وَقَالَ: ((فَجُثِثْتُ مِنْهُ)) كَمَا قَالَ عُقَيْلٌ.
٤٠٧ - (٢٥٧) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ،
قال: سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةً: أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.
فَقُلْتُ: أَوِ اقْرَأْ. فَقَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: يَا أَيُّهَا
الْمُدَّثِّرُ. فَقُلْتُ: أَوِ اقْرَأْ؟ قَالَ جَابِرٌ: أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللّهِ وَ لِهِ. قَالَ: «جَاوَرْتُ
بِحِرَاءٍ شَهْراً، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي نَزَلْتُ
٢٥٦ - (٠٠٠) - قوله: (حتى هويت إلى الأرض) إلخ: يقال: هوى وأهوى، يعني:
سقط .
قوله: (ثم حمى الوحي بعد وتتابع) إلخ: هما بمعنى، فأكد أحدهما بالآخر، ومعنى
(حمى)) كثر نزوله وازداد من قولهم: ((حميت النار والشمس)) أي: قويت حرارتها .
قوله: (أي: القرآن أنزل قبل؟ قال: يا أيها المدثر) إلخ: قال الشارح: ((هذا ضعيف بل
باطل، والصواب أن أول ما أنزل على الإطلاق: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق، آية: ١] كما صرح به في
حديث عائشة رضيُّها، وأما: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّفِرُ ﴾﴾ [المدثر، آية: ١] فكان نزولها بعد فترة الوحي كما
صرح به في رواية الزهري عن أبي سلمة عن جابر، والدلالة صريحة فيه في مواضع.
منها قوله: ((وهو يحدث عن فترة الوحي)) إلى أن قال: «فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ﴾)).
ومنها: قوله ◌َّير: ((فإذا الملك الذي جاءني بحراء)» ثم قال: ((فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الْمُدَّثِّرُ﴾)» .
ومنها قوله: (ثم تتابع الوحي)) يعني: بعد فترته، فالصواب أن أول ما نزل ((اقرأ)) وأن أول
ما نزل بعد فترة الوحي: ﴿يَأَتُهَا الْمُدَّثِّرُ
٢٥٧ - (٠٠٠) - قوله: (جاورت بحراء شهراً) قال الحافظ: ((والمشكل من رواية يحيى بن
٢٤٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَلَمْ
أَرَ أَحَداً، ثُمَّ نُودِيتُ. فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَداً، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا هُوَ عَلَى
الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ، يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةً
(٤٠) قُر ◌َأَذِزْ
فَقُلْتُ: دَفِّرُونِي فَدَتَّرُونِي. فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
وَثِيَابَكَ فَطَهِرْ
٢
وَرَبَّكَ فَكْبِرْ
٢
[المدثر: ١ - ٤] .
٤٠٨ - (٢٥٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ
الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ. بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: ((فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ».
أبي كثير قوله: ((جاورت بحراء شهرا)) إلى آخر ما قال، فإنه بظاهره يدل على أن الأولية الحقيقية
للمدثر، ويزيل الإشكال أحد أمرين: إما أن يكون سقط على يحيى بن أبي كثير وشيخه من
القصة مجيء جبريل بحراء بـ﴿اقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ﴾ وسائر ما ذكرته عائشة، وإما أن يكون جاورة واله
بحراء شهراً آخر، ففي مرسل عبيد بن عمير عند البيهقي: أنه كان يجاور في كل سنة شهراً وهو
رمضان، وكان ذلك في مدة فترة الوحي، فعاد إليه جبريل بعد انقضاء جواره)).
قوله: (فاستبطنت بطن الوادي) إلخ: أي: صرت في باطنه.
قوله: (فإذا هو على العرش في الهواء) إلخ: المراد بالعرش: الكرسي، كما تقدم في
الرواية الأخرى؛ ((على كرسي بين السماء والأرض)).
قوله: قال أهل اللغة: العرش هو السرير، وقيل: سرير الملك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا عَرْشُّ
عَظِيمٌ﴾ [النمل، آية: ٢٣] والهواء ممدود يكتب بالألف، وهو الجو بين السماء والأرض، كما في
الرواية الأخرى: ((والهواء: الخالي)) قال الله تعالى ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم، آية: ٤٣].
قوله: (رجفة شديدة) إلخ: معناها : الاضطراب.
قوله: (فصبوا عليّ ماء) إلخ: وفي رواية علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عند
البخاري في تفسير المدثر ((فأتيت خديجة، فقلت: دثروني، وصبوا عليّ ماء بارداً، قال:
فدثروني، وصبوا عليّ ماءاً بارداً)) الحديث. قال الحافظ: ((وكان الحكمة في الصب بعد التدثر
طلب حصول السكون، لما وقع في الباطن من الانزعاج، أو أن العادة أن الرعد تعقبها الحمى،
وقد عرف من الطب النبوي معالجتها بالماء البارد)).
٢٤٣
كتاب: الإيمان
(٧٤) - باب: الإسراء برسول الله وَّل إلى السماوات، وفرض الصلوات
٤٠٩ - (٢٥٩) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَالَ:
(٧٤) - باب: الإسراء برسول وَّة، إلى السماوات وفرض الصلاة
قال الحافظ: ((وقد اختلف السلف بحسب اختلاف الأخبار الواردة، فمنهم من ذهب إلى
أن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسد النبي وَّالل وروحه بعد المبعث، وإلى
هذا ذهب الجمهور من العلماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين، وتواردت عليه ظواهر الأخبار
الصحيحة، ولا ينبغي العدول عن ذلك إذ ليس في العقل ما يحيله حتى يحتاج إلى تأويل،
(قلت: ولا سيما في هذا العصر الذي شاهد الناس فيه من التجارب الروحية، والأعمال
الكهربائية ما ترك الأوهام حائرة) نعم! جاء في بعض الأخبار ما يخالف بعض ذلك، فجنح
لأجل ذلك بعض أهل العلم منهم إلى أن ذلك كله وقع مرتين: مرة في المنام توطئة وتمهيداً،
ومرة ثانية في اليقظة كما وقع نظير ذلك في ابتداء مجيء الملك بالوحي)) اهـ.
وقال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((وأسري به ◌َّ و إلى المسجد الأقصى، ثم
إلى سدرة المنتهى، وإلى ما شاء الله، وكل ذلك بجسده وَّر في اليقظة، ولكن ذلك في موطن هو
برزخ بين المثال والشهادة جامع لأحكامهما، فظهر على الجسد أحكام الروح وتمثل الروح
والمعاني الروحية أجساداً، ولذلك بان لكل وقعة من تلك الوقائع تعبير)) اهـ.
قال الحافظ: ((وقد اختلف في وقت المعراج، فقيل: كان قبل المبعث، وهو شاذ إلا إن
حمل على أنه وقع حينئذ في المنام كما تقدم، وذهب الأكثر إلى أنه كان بعد المبعث، ثم
اختلفوا، فقيل: قبل الهجرة بسنة، قاله ابن سعد وغيره، وبه جزم النووي، وبالغ ابن حزم، فنقل
الإجماع وهو مردود ((فإن في ذلك اختلافاً كثيراً يزيد على عشرة أقوال)).
٢٥٩ - (١٦٢) - قوله: (حدثنا ثابت البناني) إلخ: البناني بضم الباء الموحدة منسوب إلى
بنانة قبيلة معروفة، وثابت من أعلام أهل البصرة وثقاتهم، اشتهر بالرواية عن أنس بن مالك،
وصحبه أربعين سنة .
(١) قوله: ((عن أنس بن مالك)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المناقب، باب كان النبي ◌َّ
تنام عينه ولا ينام قلبه، رقم (٣٥٧٠) وفي كتاب التفسير، كتاب الرقاق، باب في الحوض، رقم (٦٥٨١).
وفي كتاب التوحيد، باب ما جاء في قوله عز وجل: ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾، رقم (٧٥١٧) والنسائي في
سننه، في كتاب الصلاة، باب فرض الصلاة، رقم (٤٥٠) و(٤٥١) والترمذي في جامعه، في كتاب
التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل، رقم (٣١٣١). وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة
فيها، باب ما جاء في فرض الصلوات الخمس والمحافظة عليها، رقم (١٣٩٩).
٢٤٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ (وَهُوَّ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ ودُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى
طَرْفِهِ) قَالَ: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. قَالَ:
قوله: (أتيت بالبراق) إلخ: هو بضم الموحدة وتخفيف الراء، مشتق من البريق فقد جاء في
لونه أنه أبيض، أو من البرق، لأنه وصفه بسرعة السير، أو من قولهم: شاة برقاء إذا كان خلال
صوفها الأبيض طاقات سود، ولا ينافيه وصفه في الحديث بأن البراق أبيض، لأن البرقاء من
الغنم معدودة في البياض، انتهى. ويحتمل أن لا يكون مشتقاً.
قيل: الحكمة في الإسراء به راكباً مع القدرة على طي الأرض له إشارة إلى أن ذلك وقع
تأنيساً له بالعادة في مقام خرق العادة، لأن العادة جرت بأن الملك إذا استدعى من يختص به
يبعث إليه بما يركبه .
قوله: (وهو دابة أبيض) إلخ: قال ابن أبي جمرة: ((خص بذلك إشارة إلى الاختصاص به،
لأنه لم ينقل أن أحداً ملكه بخلاف غير جنسه من الدواب، قال: والقدرة كانت صالحة لأن
يصعّد بنفسه من غير براق، لكن ركوب البراق كان زيارة له في تشريفه، لأنه لو صعد بنفسه لكان
في صورة ماش، والراكب أعز من الماشي)).
قوله: (فوق الحمار) إلخ: أي: أكبر منه.
قوله: (دون البغل) إلخ: أي: أصغر منه، والغرض أنه كان مركوباً متوسطاً معتدل الخلق.
قوله: (يضع حافره عند منتهى طرفه) إلخ: الطرف - بالفتح وسكون الراء - النظر، أي:
يضع رجله عند منتهى ما يرى بصره، وفي حديث ابن مسعود عند أبي يعلى، والبزار: ((إذا أتى
على جبل ارتفعت رجلاه وإذا هبط ارتفعت يداه)) .
قوله: (فركبته) إلخ: في رواية لأبي سعيد في شرف المصطفى: ((فكان الذي أمسك بركابه
جبريل، وبزمام البراق ميكائيل، وفي رواية معمر عن قتادة عن أنس ((أن رسول الله وَ ل ليلة
أسري به أتى بالبراق مسرجاً ملجماً، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما حملك على هذا؟
فوالله، ما ركبك خلق قط أكرم على الله منه، قال: فارفضّ عرقاً)) أخرجه الترمذي، وقال: حسن
غریب، وصححه ابن حبان .
قال ابن المنير: ((إنما استصعب البراق تيها وزهواً بركوب النبي وَل*، وأراد جبريل
استنطاقه، فلذلك خجل وارفضّ عرقاً من ذلك، وقريب من ذلك رجفة الجبل به حتى قال له:
اثبت، فإنما عليك نبي وصديق وشهيد، فإنها هزة الطرب لا هزة الغضب)). كذا في الفتح.
قوله: (حتى أتيت بيت المقدس) إلخ: بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال، ويروى
بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة، قال الواحدي: ((أما من شدده فمعناه: المطهر،
وأما من خففه فقال أبو علي الفارسي: لا يخلو إما أن يكون مصدراً، أو مكاناً، فإن كان مصدراً
٢٤٥
كتاب: الإيمان
فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأَنْبِيَاءُ. قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَنْنِ،
..
كان كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْ جِعُكُمْ﴾ [الأنعام، آية: ٦٠] ونحوه من المصادر، وإن كان مكاناً فمعناه
بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة، أو بيت مكان الطهارة، وتطهيره إخلاؤه من الأصنام،
وإبعاده منها)). وقال الزجاج: البيت المقدس: المطهر، وبيت المقدس: أي: المكان الذي
يطهر فيه من الذنوب، ويقال فيه أيضاً: إيلياء. والله أعلم.
قوله: (فربطته بالحلقة) إلخ: بسكون اللام ويفتح، قال صاحب التحرير: ((المراد حلقة
باب مسجد بيت المقدس)) والله أعلم.
وفي ربط البراق: الأخذ بالاحتياط في الأمور وتعاطي الأسباب، وأن ذلك لا يقدح في
التوكل إذا كان الاعتماد على الله تعالى، والله أعلم. وأنكر حذيفة رضيبه ربط البراق بالحلقة،
فروى أحمد والترمذي من حديثه قال: ((تحدثون أنه ربطه، أخافَ أن يفر منه؟ قد سخره له عالم
الغيب والشهادة)) قال البيهقي: ((المثبت: المقدم على النافي، فمن أثبت ربط البراط: معه زيادة
علم على من نفى فهو أولى بالقبول)).
قوله: (التي يربط به الأنبياء) إلخ: تذكير الضمير باعتبار إعادته على معنى الحلقة وهو
الشيء، أي: الذي يربط به، وظاهر هذا القول يدل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا
يركبون البراق، وهذا مصرح في بعض الروايات للنسائي وابن مردويه. كما في الفتح.
قوله: (ثم دخلت المسجد) إلخ: أي: المسجد الأقصى، وهذا المقدار من الإسراء مما
أجمع عليه العلماء، وإنما خلاف المعتزلة في الإسراء إلى السماء، بناء على منع الخرق
والالتئام، تبعاً لكلام الحكماء اللئام.
قوله: (فصليت فيه ركعتين) إلخ: وأنكر حذيفة ربه في حديثه أنه وُّ صلى في بيت
المقدس، واحتج بأنه لو صلى لكتب عليكم الصلاة فيه، كما كتب عليكم الصلاة في بيت
العتيق، والجواب عنه منع التلازم في الصلاة إن كان أراد بقوله: ((كتب عليكم)) الفرض وإن راد
التشريع: فنلتزمه، وقد شرع النبي ◌َّرِ الصلاة في بيت المقدس، فقرنه بالمسجد الحرام ومسجده
في شد الرحال، وذكر فضيلة الصلاة فيه في غير ما حديث.
ووقع في رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس عند النسائي: ((فركبت ومعي جبريل، فسرت،
فقال: انزل، فصل، ففعلت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة، وإليه المهاجرة)) يعني : -
بفتح الجيم - ووقع في حديث شداد بن أوس عند البزار والطبراني: ((أنه أول ما أسري به مرّ
بأرض ذات نخل، فقال له جبريل: انزل فصل، فنزل فصلى، فقال: صليت بيثرب))، ثم قال في
روايته: ((ثم قال: انزل فصل، مثل الأول، قال: صليت بطور سيناء، حيث كلم الله موسى، ثم
قال: أنزل، فذكر مثله، قال: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى)) وقال في رواية شداد بعد
٢٤٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ. فَقَال
قوله: (يثرب)): ((ثم مرّ بأرض بيضاء، فقال: انزل فصل، فقال: صليت بمدين)) وفيه ((أنه دخل
المدينة من بابها اليماني فصلى في المسجد)).
قوله: (ثم خرجت) إلخ: أي: من المسجد.
قوله: (فجاءني جبريل غلّلا بإناء من خمر) إلخ: قد وقع في هذه الرواية أن إتيانه بالآنية
كان ببيت المقدس قبل المعراج، ووقع في رواية قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة أن
إتيانه بها كان بعد وصوله إلى سدرة المنتهى. وأيضاً قد اختلفت الرواية في بيان عدد الأواني
المعروضة عليه وير، ففي بعضها ذكر آنيتين: أنية الخمر، وآنية اللبن، وفي بعضها ذكر آنية
العسل معهما، وفي بعضها ذكر آنية الماء.
قال الحافظ: ((ويجمع بين هذا الاختلاق إما بحمل (ثم)) على غير بابها من الترتيب، وإنما
هي بمعنى الواو هنا، وإما بوقوع عرض الآنية مرتين: مرة عند فراغه من الصلاة ببيت المقدس،
وسببه ما وقع له من العطش، ومرة عند وصوله إلى سدرة المنتهى. ورؤية الأنهار الأربعة.
وأما الاختلاف في عدد الآنية وما فيها فيحمل على أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره
الآخر، ومجموعها أربعة آنية، فيها أربعة أشياء من الأنهار التي رآها تخرج من عند سدرة
المنتهى، ووقع في حديث أبي هريرة عند الطبري لما ذكر سدرة المنتهى: ((يخرج من أصلها
أنهار من ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذة للشاربين، ومن عسل مصفى))
فلعله عرض عليه من كل نهر إناء، والله أعلم)) كذا في الفتح.
قوله: (فاخترت اللبن) إلخ: هذا اللفظ وقع مختصراً ههنا، والمراد أنه مَّ قيل له: اختر
أي: الإنائين شئت، كما جاء مبيناً بعد هذا في هذا الباب من رواية أبي هريرة، فألهم وَّر اختيار
اللبن.
قال الحافظ في الفتح: ((والحكمة في التخيير بين الخمر - مع كونه حراماً - واللبن - مع
كونه حلالاً - إما لأن الخمر حينئذ لم تكن حرمت، أو لأنها من الجنة، وخمر الجنة ليست
حراماً .
وقال في موضع آخر: ((ويؤخذ من عرض الآنية عليه وَله إرادة إظهار التيسير عليه، وإشارة
إلى تفويض الأمور إليه)).
وقال علي القاري كثّهُ في المرقاة: ((وإنما عرض عليه كلاهما إظهاراً على الملائكة فضله
باختياره الصواب».
قال ابن عبد البر تقّتُهُ: ((يحتمل أن يكون النبي وَّ﴾ نفر من الخمر، لأنه تفرس أنها
٢٤٧
كتاب: الإيمان
جِبْرِيلُ وَّهِ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا
ستحرم، لأنها كانت حينئذ مباحة، ولا مانع من افتراق مباحين مشتركين في أصل الإباحة في أن
أحدهما سيحرم، والآخر تستمر إباحته)).
قلت: ويحتمل أن يكون نفر منها لكونه لم يعتد شربها، فوافق بطبعه ما سيقع تحريمها
بعد، حفظاً من الله تعالى له ورعاية، واختار اللبن، لكونه مألوفاً له سهلاً، طيباً، طاهراً، سائغاً
للشاربين، سليم العاقبة، بخلاف الخمر في جميع ذلك.
قوله: (اخترت الفطرة) إلخ: أي: التي فطر الناس عليها، وهو الدين القيم، كما قال الله
تعالى: وأشار إليه وَ ه بقوله: ((كل مولود يولد على الفطرة)) انتقالاً مما يفطر به المولود، ويغذي
من اللبن المعهود.
قال القرطبي: ((يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرة، لأنه أول شيء يدخل بطن
المولود ويشق أمعاءه، والسر، في ميل النبي و # إليه دون غيره لكونه كان مألوفاً به، ولأنه لا
ينشأ عن جنسه مفسدة)) .
قال القاضي: ((المراد بها الفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها، فإن منها الإعراض عما
فيه غائلة وفساد، كالخمر المخل بالعقل: الداعي إلى الخير، الوازع عن الشر، المؤدي إلى
صلاح الدارين وخير المنزلين، والميل إلى ما فيه نفع خال عن مضرة دنيوية، ومعرة دينية،
كشرب اللبن، فإنه من أصلح الأغذية، وأول ما حصل به التربية)).
وقال ابن الملك: ((وفي هذا القول له عند أخذ اللبن لطف ومناسبة، فإن اللبن لما كان في
العالم الحسي ذا خلوص وبياض، وأول ما يحصل به تربية المولود: صيغ منه في العالم القدسي
مثال الهداية والفطرة التي يتم بها القوة الروحانية، بخلاف الخمر، فإنها لكونه ذات مفسدة:
صيغ منها مثال الغواية وما يفسد القوة الروحانية)). كذا في المرقاة.
قوله: (ثم عرج بنا) إلخ: بفتح العين والراء، أي: صعد على ما ذكر النووي، وتبعه
السيوطي، فالفاعل جبريل أو الرب الجليل، لقوله: ((بنا)) أي: بي وبجبريل، ويمكن أن يكون
قوله: (بنا)) بناء على التعظيم. وجنح الحافظ إلى الاحتمال الأول، وقال: ((والذي يظهر أن
جبريل في تلك الحالة كان دليلاً له فيما قصد له، فلذلك جاء سياق الكلام يشعر بذلك)).
تنبيه:
قال الحافظ: ((وهذه الرواية تؤيد وقوع المعراج عقب الإسراء في ليلة واحدة، وأصرح منه
حديث أبي سعيد الخدري عند ابن إسحاق: ((فلما فرغت مما كان في بيت المقدس أتي
بالمعراج)) فذكر الحديث، فلا يغرنك ذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، فإن الناطق يقضي
على الساكت)).
٢٤٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِلَى السَّمَاءِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيِلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَك؟ قَالَ:
مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ.
قوله: (إلى السماء) إلخ: ظاهره أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء، وتمسك به
أيضاً من زعم أن المعراج كان في ليلة غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس، فأما العروج ففي غير
هذه الرواية من الأخبار أنه لم يكن على البراق، بل رقى المعراج - وهو السلّم - كما وقع
مصرحاً به في حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق، والبيهقي في الدلائل.
قال علي القاري في المرقاة: ((الأظهر أن هذا اقتصار من الراوي وإجمال لما سبق أنه ربط
البراق بالحلقة التي يربط به الأنبياء، نعم، يمكن أن يكون سيره على البراق إلى بيت المقدس،
ثم إسراؤه إلى السماء بالمعراج الذي هو السلم، والله أعلم، فكأن الراوي طوى الرواية، فاختلّ
به أمر الدراية)).
قوله: (فاستفتح جبريل) إلخ: أي: طلب جبريل فتح باب السماء الدنيا. وفي حديث أبي
سعيد في ذكر الأنبياء عند البيهقي: ((إلى باب من أبواب السماء يقال له: باب الحفظة، وعليه
ملك يقال له إسماعيل، وتحت يده اثنا عشر ألف ملك)).
قوله: (قيل: ومن معك؟) إلخ: يشعر بأنهم أحسوا معه برفيق، وإلا لكان السؤال بلفظ
((أمعك أحد)) وذلك الإحساس إما بمشاهدة، لكون السماء شفافة، وإما بأمر معنوي: كزيادة
أنوار أو نحوها: يشعر بتجدد أمر يحسن معه السؤال بهذه الصيغة.
قوله: (قال: محمد) إلخ: فيه دليل على أن الاسم أولى في التعريف من الكنية. وقيل:
الحكمة في سؤال الملائكة - وقد بعث إليه - أن الله أراد اطلاع نبيه على أنه معروف بالملأ
الأعلى، لأنهم قالوا: ((أو بعث إليه)) فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له، وإلا لكانوا
يقولون: «ومن محمد» مثلاً .
قوله: (وقد بعث إليه) إلخ: الواو للعطف، وحرف الاستفهام مقدر، أي: أطلب وبعث
إليه الإسراء وصعود السماء، وليس المراد أصل البعث، لأن ذلك قد اشتهر في الملكوت
الأعلى. وقيل: سألوا تعجباً من نعمة الله عليه بذلك، أو استبشاراً به، وقد علموا أن البشر لا
يترقى هذا الترقي إلا بإذن الله تعالى، وأن جبريل لا يصعد بمن لم يرسل إليه. كذا في الفتح.
قلت: ولعل الحكمة في هذه الأسئلة من الحفظة، والأجوبة من جبريل: أن يُرِي الله
نبيه وسلّ نظام السماوات المحكم المتقن الذي لا يتطرق إليه فتور ولا خلل في وقت من
الأوقات، وأنه لا مجال لملك مقرب ولا لنبي مرسل أن يدخل حصن ملك الملوك إلا من بعد
إذنه الصادر بواسطة الحفظة، فهذا أيضاً من الآيات التي وقع الإسراء لأجل إراءتها، كما قال
سبحانه وتعالى: ﴿سُبْحَنَ اَلَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا
٢٤٩
كتاب: الإيمان
فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ، فَرَخَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ
جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَك؟ قَالَ. مُحَمَّدٌ. قِيلَ:
وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِابْنَي الْخَالَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، فَرَخَّبًا وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ
حَوْلَهُ لِرِيَهُ مِنْ ءَكِنَاً﴾ [الإسراء، آية: ١] أي: الإسراء من مكة إلى بيت المقدس، كأنه من مبادئ
المعراج المقصود منه إراءة الآيات العظام، وقال تعالى في النجم: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُرَ
﴾ [النجم، آية: ١٨] أي: وقع ما قصد بحيث لا يكتنه كنهه، ولا يقادره قدره، والله أعلم.
قوله: (ففتح لنا) إلخ: يدل على أن الباب كان مغلقاً. قال ابن المنير: ((حكمته التحقق أن
السماء لم تفتح إلا من أجله، بخلاف ما لو وجده مفتوحاً)).
قوله: (فإذا أنا بآدم) إلخ: قال الحافظ تغذّفُهُ: ((وقد استشكل رؤية الأنبياء في السماوات مع
أن أجسادهم مستقرة في قبورهم بالأرض. وأجيب بأن أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم، أو
أحضرت أجسادهم لملاقات النبي وسم# تلك الليلة، تشريفاً له وتكريماً، ويؤيده حديث
عبد الرحمن بن هاشم عن أنس، ففيه: ((وبعث له آدم فمن دونه من الأنبياء ((فافهم)). كذا في
الفتح.
قوله: (فرحّب بي ودعا لي بخير) إلخ: أي: قال لي: مرحباً بالنبي الصالح والابن
الصالح.
قال الشارح: ((فيه استحباب لقاء أهل الفضل بالبشر والترحيب والكلام الحسن والدعاء
لهم، وإن كانوا أفضل من الداعي)».
قوله: (فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا) إلخ: قال النووي: ((قال ابن
السكيت: ((يقال: ابنا خالة، ولا يقال: ابنا عمة، ويقال: ابنا عم، ولا يقال: ابنا خال)) اهـ.
ولم يبين سبب ذلك والسبب فيه أن ابني الخالة أم كل منهما خالة الآخر لزوماً، بخلاف ابني
العمة)).
قال العيني تغذّثُهُ: ((أي: يحيى وعيسى ابنا خالة، لأن أم يحيى إيشاع بنت فاقوذا أخت حنة
أم مريم، وبيان ذلك أن زكرياء ظلّلا وعمران بن ماثان كانا متزوجين بأختين: إحداهما عند
زكرياء، وهي إيشاع بنت فاقوذا، والأخرى عند عمران، وهي حنة بنت فاقوذا أم مريم، فولدت
إيشاع يحيى، وولدت حنة مريم، فتكون إيشاع خالة مريم، وتكون حنة خالة يحيى، فيطلق
عليهما أنهما ابنا خالة بهذا الاعتبار)) اهـ.
قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا﴾ الآية: ((إنما قدر الله
كون زكريا كفلها، لسعادتها، لتقتبس منه علماً جماً نافعاً، وعملاً صالحاً، لأنه كان زوج
٢٥٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الثَّالِثَةِ. فَاسْتَفَتَحَ جِبْرِيلُ. فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَال: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ:
مُحَمَّدٌ بَِّ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفْتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنا بِيُوسُفَ وَِّ، إِذَا
هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَظْرَ الْحُسْنِ، فَرَخَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ. ثَمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ،
خالتها، على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما، وقيل: زوج أختها كما ورد في
الصحيح: ((فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة)) وقد يطلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضاً
توسعاً، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله وَير قضى في
عمرة بنت حمزة أن تكون في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب، وقال: ((الخالة بمنزلة
الأم)) اهـ.
قوله: (وإذا هو قد أعطي شطر الحسن) إلخ: وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي، وأبي
هريرة عند ابن عائذ، والطبراني: ((فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله، قد فضل الناس بالحسن،
كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب»، وهذا ظاهره أن يوسف ظلّلا كان أحسن من جميع
الناس، لكن روى الترمذي من حديث أنس: ((ما بعث الله نبياً إلا حسن الوجه حسن الصوت،
وكان نبيكم أحسنهم وجهاً، وأحسنهم صوتاً)) فعلى هذا فيحمل حديث المعراج أن المراد غير
النبي ◌َّر، ويؤيده قول من قال: أن المتكلم لا يدخل في عمومه خطابه.
وأما حديث الباب فقد حمله ابن المنير على أن المراد أن يوسف أعطي شطر الحُسْن الذي
أوتيه نبينا وَّة، والله أعلم.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ((وفرق شيخ شيخنا قدس الله روحهما بين مفهومي الحسن
والجمال، بأن حسن الشيء بالنسبة إلى الرائين، وجماله في حد ذاته، فالحَسِين من استحسنه
الناظرون لصفاء منظره ووضوح رونقه وبهائه، والجميل من كان متناسب الأعضاء، أي: كل
عضو منه مناسب لمقابله وملاصقه في صفاته المستحسنة، ووصفه: كالطول والقصر، والصغر
والكبر، مع صفاء لونه، واعتدال قده، ولعل إلى هذا الجمال الذي ينبغي أن يسمى بالحسن
النظري أشار القائل بقوله:
إذا ما زدته نظراً
يزيدك وجهه حسناً
وادعى شيخ شيخنا نور الله مرقده أن نبينا و # كان أجمل خلق الله، كما أن يوسف عليه
الصلاة والسلام كان أحسنه، ولنعم ما قال أبو العباس الإشبيلي الواعظ تغّهُ في حق النبي
الكريم {لچر:
ومن صفوت له من ذا يكدره
من أنت محبوبه من ذا يغيره
والكل أعراض حسن أنت جوهره
هيهات عنك ملاح الناس تشغلني
قال علي القاري: ((وقد قال بعض الحفاظ من المتأخرين وهو من مشايخنا المعتبرين:
٢٥١
كتاب : الإيمان
فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ:
مُحَمَّدٌ. قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ بِّهِ، فَرَخَّبَ
وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَنًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] ثمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ
إنه وَ * كان أحسن من يوسف عليّلا إذا لم ينقل أن صورته كان يقع من ضوؤها على الجدران ما
يصير كالمرآة يحكي ما يقابله، وقد حكي ذلك عن صورة نبينا وَّر، لكن الله تعالى ستر عن
أصحابه كثيراً من ذلك الجمال الباهر، فإنه لو برز لهم لم يطيقوا النظر إليه، كما قاله بعض
المحققين: أما جمال يوسف ظلّلا فلم يستر منه شيء)).
قلت: ورأيت في بعض مكاتيب الشيخ السرهندي المجدد على رأس الألف الثاني ما
يقرب من هذا، بل أوضح منه، إلا أنه لا يحضرني الآن، والله أعلم.
قوله: في حق إدريس: (فرحب بي ودعا لي بخير) إلخ: أي: قال: مرحبا بالأخ الصالح
والنبي الصالح، كما جاء مصرحاً في رواية أخرى.
قال العيني تَغَفُ: ((فإن قلت: قال إدريس: مرحباً بالأخ الصالح، والحال أنه أب من آباء
النبي ◌َّر، وأنه جد أعلى لنوح ليلا، لأن نوحاً هو ابن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو
إدريس البَلاء.
قلت: قد قيل: إن إدريس أنه إلياس وأنه ليس بجد لنوح عليّا، وقيل: ليس فيه ما يمنع أن
يكون إدريس أبا للنبي وَّر، وإنما قال له: ((بالأخ الصالح)) تأدباً، وهو أخ وإن كان أباً، فالأنبياء
إخوة)) .
قوله: (قال الله عزّ وجل ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا (@)) إلخ: لعله أشار إلى أن المراد لبالمكان
العلي)) ههنا السماء الرابعة، خلافاً لمن قال: إنه الجنة، أي: وغير ذلك من الأقوال في تفسير
الآية.
واستشكل بعضهم ذلك بأن غيره من الأنبياء أرفع مكاناً منه. ثم أجاب بأن المراد أنه أمر
يرفع إلى السماء من هو حي غيره، وفيه نظر لأن عيسى أيضاً قد رفع وهو حي على الصحيح،
وكون إدريس رفع وهو حي لم يثبت من طريق مرفوعة قوية، وقد روى الطبراني أن كعباً قال لابن
عباس في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا (﴾﴾: ((إن إدريس سأل صديقاً له من الملائكة، فحمله
بين جناحيه، ثم صعد به، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت، فقال له: أريد أن
تعلمني كم بقي من أجل إدريس؟ قال: وأين إدريس؟ قال: هو معي، فقال: إن هذا لشيء
عجيب، أمرت بأن أقبض روحه في السماء الرابعة، فقلت: كيف ذلك وهو في الأرض؟ فقبض
روحه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا (@) وهذا من الإسرائيليات، والله أعلم بصحة
ذلك.
٢٥٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْخَامِسَةِ. فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيِلُ. قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ.
قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ وََّ، فَرَخَّبَ وَدَعَا لِي
بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ:
جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَقُتِحَ لَنَا
فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى بََّ، فَرَجَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ
جِبْرِيلُ. فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ◌َِ. قِيلَ: وَقَدْ
بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بَإِبْرَاهِيمَ نََّ، مُسْنِداً ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيتِ
الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكِ لا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّذْرَةِ
الْمُنْتَھی،
وذكر ابن قتيبة أن إدريس رفع وهو ابن ثلثمائة وخمسين سنة، وفي حديث أبي ذر الطويل
الذي صححه ابن حبان أن إدريس كان نبياً رسولاً، وأنه أول من خط بالقلم، وذكر ابن إسحاق
له أوليات كثيرة، منها: أنه أول من خاط الثياب. كذا في الفتح.
قوله: (مسنداً ظهره) إلخ: بكسر النون، منصوباً على الحال، ويستفاد منه جواز الاستناد
إلى القبلة بالظهر وغيره.
قوله: (إلى البيت المعمور) إلخ: يعلم منه أن البيت المعمور في السماء السابعة، وعليه
أكثر الروايات. قال الحافظ: ((وأما ما جاء عن علي أنه في السادسة عند شجرة طوبى، فإن ثبت
حمل على أنه البيت الذي في السادسة بجانب شجرة طوبى، لأنه جاء عنه أن في كل سماء بيتاً
يحاذي الكعبة، وكل منها معمور بالملائكة، وكذا يقول فيما جاء عن الربيع بن أنس وغيره: ((إن
البيت المعمور في السماء الدنيا)) فإنه محمول على أول بيت يحاذي الكعبة من بيوت السماوات،
ويقال: إن اسم البيت المعمور الضراح - بضم المعجمة وتخفيف الراء وآخره مهملة - ويقال: بل
هو اسم من سماء الدنيا، أخرج الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ((ذكر لنا أن
رسول الله وَلي قال: البيت المعمور مسجد في السماء بحذاء الكعبة، لو خرّ لخرّ عليها، يدخله
سبعون ألف ملك كل يوم، إذا خرجوا منه لم يعودوا)).
قوله: (لا يعودون إليه) إلخ: أي: يدخلون فيه ذاهبين غير عائدين إليه أبداً لكثرتهم.
قوله: (ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى) إلخ: وقع بيان سبب تسميتها سدرة المنتهى في
حديث ابن مسعود عند المؤلف، ولفظه: ((لما أسري برسول الله وَّلو قال: انتهى به إلى سدرة
المنتهى، وهي في السماء السادسة، وإليها ينتهي ما يعرج من الأرض، فيقبض منها، وإليها
ينتهي ما يهبط فيقبض منها)) وقال النووي ناقلاً عن ابن عباس وغيره من المفسرين: ((سميت
سدرة المنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله وَ لت)).
٢٥٣
كتاب: الإيمان
وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَاَلِ. قَالَ: فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا غَشِيَ
قال الحافظ في الفتح: ((ولا يعارض حديث ابن مسعود المتقدم أنها في السادسة ما دلت
عليه بقية الأخبار أنه وصل إليها بعد أن دخل السماء السابعة، لأنه يحمل على أن أصلها في
السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السابعة، وليس في السادسة منها إلا أصل ساقها)).
قوله: (وإذا ورقها كآذان الفيلة) إلخ: بكسر الفاء وفتح التحتانية بعدها لام، جمع فيل،
وفي بعض الروايات مثل آذان الفيول، وهو جمع فيل أيضاً. وفي الفتح: ((قال ابن دحية اختيرت
السدرة دون غيرها لأن فيها ثلاثة أوصاف: ظل ممدود، وطعام لذيذ ورائحة زكية، فكانت بمنزلة
الإيمان الذي يجمع القول والعمل والنية، والظل بمنزلة العمل، والطعم بمنزلة النية، والرائحة
بمنزلة القول)).
قوله: (وإذا ثمرها كالقلال) إلخ: وفي بعض الروايات: ((فإذا نبقها مثل قلال هجر)) وهجر
بفتح الهاء والجيم: بلدة لا تنصرف للتأنيث والعلمية، ويجوز الصرف، والقلال بالكسر جمع قلة
بالضم، هي الجرار، يريد أن ثمرها في الكبر مثل القلال، وكانت قلال هجر معروفة عند
المخاطبين، فلذلك وقع التمثيل بها، والنبق بفتح النون وكسر الموحدة وسكونها أيضاً هو ثمر
السدر. كذا في الفتح، وفي القاموس: ((هجر محركة بلد باليمن مذكر مصروف، وقد يؤنث،
ويمنع، وقرية كانت بقرب المدينة ينسب إليها القلال، وينسب إلى هجر اليمن)). كذا في
المرقاة .
قوله: (فلما غشيها من أمر الله ما غشي) إلخ: إيماء إلى قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السَّدْرَةَ مَا
يَغْشَى قَلَّا)
﴾ [النجم، آية: ١٦] أي: الأنوار الربانية والتجليات الإلهية التي يضيق عنها نطاق البيان
والتعبير، ولا يدرك حقائقها، كما جاء في حديث أبي ذر رَضْلُله: ((فغشيها ألوان لا أدري ما هي))
وفي حديث ابن مسعود الآتي عند المؤلف ((قال: إذا يغشى السدرة ما يغشى)) قال: ((فراش من
ذهب)) كذا فسر المبهم في قوله: ((ما يشغى)) بالفراش، ووقع في رواية يزيد بن مالك عن أنس:
(جراد من ذهب)).
قال البيضاوي: ((وذكر الفراش وقع لى سبيل التمثيل، لأن من شأن الشجرة أن يسقط
عليها الجراد وشبهه، وجعلها من الذهب لصفاء لونها وإضاءتها في نفسها)) انتهى.
ويجوز أن يكون من الذهب حقيقة، ويخلق فيه الطيران، والقدرة صالحة لذلك، وفي
حديث أبي سعيد وابن عباس: (يغشاها الملائكة) وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: ((على كل
ورقة منها ملك))، والذي يظهر والله أعلم أن الملائكة كانوا في صور الجراد والفراش، وكان
تغشيتهم السدرة لمناسبات خاصة بينهم وبين الألوان والتجليات المذكورة وتعشقهم بها، والله
أعلم .
٢٥٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِها، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى،
فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلاَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى نَِّ. فَقَالَ: مَا فَرَضَ
قال الشيخ ولي الله الدهلوي: ((وأما الأنوار التي غشيتها: فتدليات إلهية، وتدبيرات
رحمانية، تلعلعت في الشهادة حيث ما استعدت لها)).
قوله: (تغيرت) إلخ: أي: السدرة عن حالتها الأولى إلى مرتبتها الأعلى.
قوله: (فما أحد من خلق الله) إلخ: أي: من مخلوقاته وسكان أرضه وسماواته .
قوله: (يستطيع أن ينعتها) إلخ: بفتح العين أي: يصفها .
قوله: (من حسنها) إلخ: تعليلية أي: من كمال جمالها وعظمة جلالها .
قوله: (فأوحى إليّ ما أوحى) إلخ: في إبهام الموصولة أو الموصوفة إيماء إلى تعظيم
الموحى، أو أنه من قبيل ما لا يحكى ولا يروى.
قوله: (ففرض عليّ) إلخ: وفي حديث أبي ذر: ((ففرض الله على أمتي خمسين صلاة)).
قال الحافظ في الفتح: ((والحكمة في وقوع فرض الصلاة ليلة المعراج أنه لما قدس ظاهراً
وباطناً حين غسل بماء زمزم بالإيمان والحكمة، ومن شأن الصلاة أن يتقدمها الطهور: ناسب
ذلك أن تفرض الصلاة في تلك الحالة، وليظهر شرفه في الملأ الأعلى، ويصلي بمن سكنه من
الأنبياء، وبالملائكة، وليناجي ربه، ومن ثم كان المصلي يناجي ربه جل وعلا .
وقال في موضع آخر: ((والحكمة في تخصيص فرض الصلاة بليلة الإسراء أنه وُّيقر لما عرج
به رأى في تلك الليلة تعبّد الملائكة، وأن منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد
فلا يقعد، فجمع الله له ولأمته تلك العبادات كلها في كل ركعة يصليها العبد بشرائطها من
الطمأنينة من الطمأنينة والإخلاص)) أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة، وقال: ((وفي اختصاص
فرضيتها بليلة الإسراء إشارة إلى عظيم بيانها، ولذلك اختص فرضها بكونه بغير واسطة، بل
بمراجعات تعددت)).
قوله: (فنزلت إلى موسى) إلخ: أي: بعد مروري بإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، فقد
روى الترمذي أنه 98 قال: ((لقيت إبراهيم ليلة أسرى بي، فقال: يا محمد، اقرأ أمتك مني
السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله،
والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)). كذا في المرقاة.
قال العارف ابن أبي جمرة كثّفُهُ: ((ويستفاد منه أن مقام الخلة مقام الرضا والتسليم، ومقام
التكلم مقام الإدلال والانبساط، ومن ثم استبد موسى بأمر النبي ◌ُّر بطلب التخفيف دون
إبراهيم علا، مع أن النبي ◌َّ من الاختصاص بإبراهيم أزيد مما له من موسى لمقام الأبوة،
ورفعة المنزلة، والاتباع في الملة)).
٢٥٥
كتاب: الإيمان
رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلاَةٌ. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّك، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ
أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذُلِكَ، فَإِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيل
وقال غيره: الحكمة في ذلك ما أشار إليه موسى ظلّ* في نفس الحديث من سبقه إلى
معالجة قومه في هذه العبادة بعينها، وأنهم خالفوه وعصوه.
قال القرطبي: ((الحكمة في تخصيص موسى بمراجعة النبي ويقول في أمر الصلاة لعلها لكون
أمة موسى كلفت من الصلوات بما لم تكلف به غيرها من الأمم، فثقلت عليهم، فأشفق موسى
على أمة محمد من مثل ذلك، ويشير إلى ذلك قوله: ((إني قد جربت الناس قبلك)) انتهى.
وقال غيره: لعلها من جهة أنه ليس في الأنبياء من له أتباع أكثر من موسى، ولا من له
كتاب أكبر ولا أجمع للأحكام من كتابه، فكان من هذه الجهة مضاهياً للنبي وَلّر، فناسب أن
يتمنى أن يكون له مثل ما أنعم به عليه من غير أن يريد زواله عنه، وناسب أن يطلعه على ما وقع
له وينصحه فيما يتعلق به، ويحتمل أن يكون موسى لما غلب عليه في الابتداء الأسف على نقص
حظ أمته بالنسبة لأمة محمد حتى تمنى ما تمنى أن يكون استدرك ذلك ببذل النصيحة لهم
والشفقة عليهم ما عساه أن يتوهم عليه فيما وقع منه في الابتداء.
وذكر السهيلي أن الحكمة في ذلك أنه كان رأى في مناجاته صفة أمة محمد صل# فدعا الله
أن يجعله منهم، فكان إشفاقه عليهم كعناية من هو منهم. كذا في الفتح.
قوله: (ارجع إلى ربك) إلخ: أبدى بعض الشيوخ حكمة لاختيار موسى تكرير ترداد
النبي *، فقال: لما كان موسى قد سأل الرؤية فمنع وعرف أنها حصلت لمحمد صل قصد
بتکریر رجوعه تكرير رؤيته ليرى من رأى كما قيل :
لعلي أراهم أو أرى من رآهم
قلت: ويحتاج إلى ثبوت تجدد الرؤية في كل مرة، قاله الحافظ تخذفيه .
قوله: (فإن أمتك لا يطيقون ذلك) إلخ: قيد بالأمة لأن قوة الأنبياء وعصمتهم تمنعهم عن
المخالفة، وتعينهم على الموافقة في الطاعة، ولو على أقصى غاية المشقة والطاقة، والمعنى: لا
تقدر أمتك عادة، أو سهولة، لضعفهم أو كسلهم.
قوله: (فإني قد بلوت بني إسرائيل) إلخ: أي: جربت، وفيه أن التجربة أقوى في تحصيل
المطلوب من المعرفة الكثيرة، ويستفاد منه تحكيم العادة والتنبيه بالأعلى على الأدنى، لأن من
سلف من الأمم كانوا أقوى أبدانا من هذه الأمة، وقد قال موسى في كلامه: ((إنه عالجهم على
أقل من ذلك فما وافقوه))، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة كثّفُهُ، والمراد بالأقل ما وقع في رواية
يزيد بن أبي مالك عن أنس في تفسير ابن مردويه ((فرض على بني إسرائيل صلاتان فما قاموا
بهما)».
٢٥٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَخَبَرْتُهُمْ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَظَّ عَنِّي خَمْساً.
فَرَجَعْتُ إِلى مُوسَى فَقُلْتُ: حَظَّ عَنِّي خَمَساً. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذُلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى
رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَبَيْنَ مُوسَى عَلَيْهِ
السَّلاَمُ حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خِمْسُ صَلَواتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلاَةٍ عَشْرٌ. فَذْلِكَ
خَمْسُونَ صَلاَةٌ. وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسِّنَةٌ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْراً،
قوله: (وخبرتهم) إلخ: أي: اختبرتهم وامتحنتهم.
قوله: (فحظّ عني) إلخ: أي: فوضع عن جهتي أو لأجلي عن أمتي.
قوله: (خمساً) إلخ: وفي بعض الأحاديث الصحيحة: ((فوضع شطرها)) وفي بعضها:
(فوضع عني عشراً)) قال ابن المنير: ((ذكر الشطر أعم من كونه وقع دفعة واحدة. قلت: وكذا
العشر، فكأنه وضع العشر دفعتين، والشطر في خمس دفعات، أو المراد بالشطر: البعض، وقد
حققت رواية ثابت المذكورة في الباب أن التخفيف كان خمساً خمساً، وهي زيادة معتمد يتعين
حمل باقي الروايات عليها .
قوله: (بين ربي وبين موسى ظلّا) إلخ: قال النووي: ((معناه بين الموضع الذي ناجيته أولا
فناجيته ثانياً، وبين موضع ملاقاة موسى أولاً .
قوله: (إنهن خمس) إلخ: أي: محتّمة، فيه دليل على جواز النسخ قبل الفعل، قال ابن
بطال وغيره: ((ألا ترى أنه عزّ وجل نسخ الخمسين بالخمس قبل أن تصلى، ثم تفضل عليهم بأن
أكمل لهم الثواب)) وتعقبه ابن المنير، فقال: ((هذا ذكره طوائف من الأصوليين والشراح، وهو
مشكل على من أثبت النسخ قبل الفعل، كالأشاعرة، أو منعه كالمعتزلة، لكونهم اتفقوا جميعاً
على أن النسخ لا يتصور قبل البلاغ، وحديث الإسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ، فو مشكل
عليهم جميعاً. قال: وهذه نكتة مبتكرة)).
قال الحافظ: ((إن أراد قبل البلاغ لكل أحد فممنوع، وإن أراد قبل البلاغ إلى الأمة
فمسلم، لكن قد يقال: ليس هو بالنسبة إليهم نسخاً، لكن هو نسخ بالنسبة إلى النبي وَّر، لأنه
كلف بذلك قطعاً، ثم نسخ بعد أن بلغه، وقبل أن يفعل، فالمسألة صحيحة التصوير في حقه التَّ،
والله أعلم)).
قوله: (لكل صلاة عشر) إلخ: أي: لكل صلاة واحدة حقيقة واختياراً: ثواب عشر
صلوات، أي: حكماً، واعتباراً .
قوله: (فذلك خمسون صلاة) إلخ: أي: فمجموع ما ذكر خمسون صلاة، وفي بعض
الأحاديث: ((هن خمس وهن خمسون)) أي: هن خمس عدداً باعتبار الفعل، وخمسون اعتداداً
باعتبار الثواب.
١
٢٥٧
كتاب: الإيمان
وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئاً، فَإِن عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةٌ. قَالَ: فَزَّلْتُ
حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى وَّهِ فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ النَّخْفِيفَ. فَقَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَ ◌ّهِ فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّ حَتَى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ))(١).
قوله: (ومن همّ بحسنة) إلخ: استئناف ببيان قاعدة أخرى، وعطية عظمى متضمنة للجزئية
المذكورة من فرض الصلاة خمساً وكونها خمسين، وقد تقدم شرح هذه القاعدة في الأبواب
السالفة فراجعها .
قوله: (فقلت: قد رجعت إلى ربي) إلخ: أي: وراجعته في أمر أمتي.
قوله: (حتى استحييت منه) إلخ: أبدى ابن المنير هنا نكتة لطيفة، فقال: ((يحتمل أنه وَله
تفرس من كون التخفيف وقع خمساً خمساً أنه لو سأل التخفيف بعد أن صارت خمساً لكان
سائلاً في رفعها، فلذلك استحیی)) اهـ.
ودلت مراجعته وبيّ لربه في طلب التخفيف تلك المرات كلها أنه علم أن الأمر في كل مرة
لم يكن على سبيل الإلزام بخلاف المرة الأخيرة، ففيها ما يشعر بذلك لقوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا
يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَذَنَّ﴾(٢) [قّ، الآية: ٢٩]، ووقع في رواية شريك التي ساقها البخاري في أبواب التوحيد
من الزيادة ما يدل على مراجعة النبي ◌َّ بعد المصير إلى خمس صلوات، وينافي ما اشتمل عليه
حديث الباب من الاستحياء وترك المراجعة، ولكن المحفوظ حديث الباب، وأما شريك - كما
قال مسلم كثّفُهُ - قدم وأخر، وزاد ونقص والله أعلم.
قوله: ((في نسخة عقب هذا الحديث: ((قال الشيخ أبو أحمد: حدثنا أبو العباس
الماسرحبسي)) إلخ: قال الشارح: ((أبو أحمد هذا هو الجلودي راوي الكتاب عن ابن سفيان عن
مسلم، وقد علا له هذا الحديث برجل، فإنه رواه أولاً عن ابن سفيان، عن مسلم، عن شيبان
ابن فروخ، ثم رواه عن الماسرجسي عن شيبان، واسم الماسرجسي أحمد بن محمد بن الحسين
النيسابوري، وهو بفتح السين المهملة وإسكان الراء وكسر الجيم، وهو منسوب إلى جده
ماسرجس، وهذه الفائدة - وهي قوله: قال الشيخ أبو أحمد إلى آخره - تقع في بعض الأصول في
الحاشية، وفي أكثرها في نفس الكتاب، وكلاهما له وجه، فمن جعلها في الحاشية فهو الظاهر
المختار لكونها ليست من كلام مسلم ولا من كتابه، فلا يدخل في نفسه إنماهي فائدة فشأنها أن
تكتب في الحاشية، ومن أدخلها في الكتاب فلكون الكتاب منقولاً عن عبد الغافر الفارسي عن
شيخه الجلودي، وهذه الزيادة من كلام الشيخ الجلودي، فنقلها عبد الغافر في نفس الكتاب
(١) حدثنا أبو أحمد، نا أبو العباس الماسرجسي، نا شيبان بن فروخ، نا حماد بن مسلمة يعني هذا الحديث
بطوله. كذا في بعض النسخ. من المؤلف رحمه الله.
(٢) وليس نظم الآية هكذا، وإنما هو ((ما يُبدل ... )).
٢٥٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤١٠ - (٢٦٠) حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِم الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا
سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مِّالِكِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أُتِيتُ
فَانْطَلَقُوا بِي إِلَى زَمْزَمَ فَشُرِحَ عَنْ صَدْرِي، ثُمَّ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُنْزِلْتُ)).
لكونها من جملة المأخوذ عن الجلودي، مع أنه ليس فيه لبس ولا إيهام أنها من أصل مسلم،
والله أعلم.
٢٦٠ - (٠٠٠) - قوله: (أتيت فانطلقوا بي) إلخ: أتيت بصيغة المجهول، أي: أتاني آت،
وهو الملك.
قوله: (فشرح عن صدري) إلخ: أي: شق، والظاهر أن المذكور في هذه الرواية وقوع شق
الصدر ليلة الإسراء، وقد استنكره بعضهم، وقال: إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد، كما
سيأتي في الرواية الآتية، ولا إنكار في ذلك، فقد تواردت الروايات به، وثبت شق الصدر أيضاً
عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم في الدلائل، ولكل منها حكمة، فالأول وقع فيه من الزيادة كما
عند مسلم من حديث أنس ((فأخرج علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك)) وكان هذا في زمن
الطفولية فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم وقع شق الصدر عند البعث زيادة
في إكرامه ليتلقى ما يوحى بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند
إرادة العروج إلى السماء ليتأهب للمناجاة، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع
المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة، كما تقرر في شرعه وَلل، وجميع ما ورد من شق
الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض
لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك.
قال القرطبي في المفهم: ((لا يلتفت لإنكار الشق ليلة الإسراء، لأن رواته ثقات مشاهير))،
كذا في الفتح، ولابن القيم كثّفُ كلام طويل في بيان أسباب شرح الصدر المعنوي والحسي، من
شاء الاطلاع عليه فليراجع زاد المعاد.
قوله: (ثم غسل بماء زمزم) إلخ: أي: قلبه كما هو المصرح في الأحاديث الأخر، ووقع
في الشفاء ((أن جبريل قال لما غسل قلبه: قلب سديد فيه عينان تبصران، وأذنان تسمعان)).
قال الحافظ: ((وفيه فضيلة ماء زمزم على جميع المياه)).
قال ابن أبي جمرة: ((وإنما لم يغسل بماء الجنة لما اجتمع في ماء زمزم من كون أصل
مائها من الجنة، ثم استقر في الأرض، فأريد بذلك بقاء بركة النبي (وَّر في الأرض)).
وقال السهيلي: ((لما كانت زمزم هزمة جبريل روح القدس لأم إسماعيل جد النبي قاليقول:
ناسب أن يغسل بمائها عند دخول حضرة القدوس ومناجاته)).
قوله: (ثم أنزلت) إلخ: قال الشارح: «هو بإسكان اللام وضم التاء، هكذا ضبطناه، وكذا
٢٥٩
كتاب: الإيمان
٤١١ - (٢٦١) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَّهِ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ
فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُ الشَّيْطَانِ
مِنْكَ. ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَهْزَمَ،
هو في جميع الأصول والنسخ، وكذا نقله القاضي عياض تقّثُ عن جميع الروايات، وفي معناه
خفاء واختلاف، قال القاضي: قال الوقشي: هذا وهم من الرواة، وصوابه ((تركت)) قال
القاضي: فسألت عنه ابن سراج، فقال: ((أنزلت)) في اللغة بمعنى ((تركت)) صحيح، وليس فيه
تصحيف، قال القاضي: وظهر لي أنه صحيح بالمعنى المعروف في ((أنزلت))، فهو ضد ((رفعت))
لأنه قال: ((انطلقوا بي، إلى زمزم، ثم أنزلت)) أي: ثم صرفت إلى موضعي الذي حملت منه،
قال: ولم أزل أبحث عنه حتى وقعت على الجلاء فيه من رواية الحافظ أبي بكر البرقاني، وإنه
طرف حديث، وتمامه: ((ثم أنزلت على طست من ذهب مملوءة حكمة وإيماناً)) هذا آخر كلام
القاضي عياض كثُّهُ. ومقتضى رواية البرقاني أن يضبط ((أنزلت)) بفتح اللام وإسكان التاء وكذلك
ضبطناه في الجمع بين الصحيحين للحميدي، وحكى الحميدي هذه الزيادة المذكورة عن رواية
البرقاني، وزاد عليها، وقال: أخرجها البرقاني بإسناد مسلم، وأشار الحميدي إلى أن رواية
مسلم ناقصة، وأن تمامها ما زاده البرقاني. والله أعلم)).
٢٦١ - (٠٠٠) - قوله: (وهو يلعب مع الغلمان) إلخ: بكسر الغين أي: الصبيان.
قوله: (فأخذه فصرعه) إلخ: أي: فطرحه، وألقاه على قفاه.
قوله: (فاستخرج منه علقة) إلخ: بفتحتين أي: دماً غليظاً، وهو أم المفاسد والمعاصي في
القلب . .
قوله: (هذا حظّ الشيطان منك) إلخ: أي: نصيبه لو دام معك.
قوله: (ثم غسله في طست) إلخ: بفتح الطاء وتكسر، وسينه مهملة في العربية، ومعجمة
في العجمية. وخص الطست لكونه أشهر آلات الغسل عرفاً، والذهب لكونه أعلى أنواع الأواني
الحسية وأصفاها، لأن فيه خواص ليست لغيره، ويظهر لنا ههنا مناسبات:
منها : أنه من أوافي الجنة.
منها : أنه لا تأكله النار ولا التراب، ولا يلحقه الصدأ .
ومنها: أنه أثقل الجواهر، فناسب ثقل الوحي، وقال السهيلي وغيره: ((إن نظر إلى لفظ
(١) قوله: ((عن أنس بن مالك)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الصلاة، باب أين فرضت الصلاة،
رقم (٤٥٣).
٢٦٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ثُمَّ لأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ. وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِتْرَهُ فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّداً
قَدْ قُتِلَ.
الذهب ناسب من جهة إذهاب الرجس عنه، ولكونه وقع عند الذهاب إلى ربه، وإن نظر إلى معناه
فلوضاءته ونقائه وصفائه وثقله ورسوبته، والوحي ثقيل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا نَقِيلًا
﴾ [المزمل، آية: ٥] ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف، آية: ٨، المؤمنون، آية: ١٠٢]
ولأنه أعز الأشياء في الدنيا، و((القول)) هو الكتاب العزيز، ولعل ذلك قبل أن يحرم استعمال
الذهب في هذه الشريعة، لأن تحريم الذهب إنما وقع بالمدينة، ولا يكفي أن يقال: إن
المستعمل له كان ممن لم يحرم عليه ذلك من الملائكة، لأنه لو كان قد حرم عليه استعماله لنزه
أن يستعمله غيره في أمر يتعلق ببدنه المكرم ويمكن أن يقال: إن تحريم استعماله مخصوص
بأحوال الدنيا وما وقع في تلك الليلة كان الغالب أنه من أحوال الغيب، فيلحق بأحكام الآخرة)).
قوله: (ثم لأمه) إلخ: بلام فهمز، أي: أصلح موضع شقه.
قوله: (ثم أعاده) إلخ: أي: القلب المخرج و((ثم)) ليس على بابها، فإن الالتئام بعد
الإعادة، قال التوربشتي: ((يقول: لأمت الجرح والصدع إذا شددته، فالتأم: يريد أنه سواه
وأصلحه)).
قال الحافظ: ((وقد اشتملت هذه القصة من خوارق العادة على ما يدهش سامعه، فضلاً
عمن شاهده، فقد جرت العادة بأن من شق بطنه وأخرج قلبه يموت لا محالة ومع ذلك فلم يؤثر
فيه ذلك ضرراً ولا وجعاً، فضلاً عن غير ذلك)).
قال ابن أبي جمرة: ((الحكمة في شق قلبه مع القدرة على أن يمتلئ قلبه إيماناً وحكمة بغير
شق الزيادة في قوة اليقين، لأنه أعطى برؤية شق بطنه وعدم تأثره بذلك ما آمن معه من جميع
المخاوف العادية، فلذلك كان أشجع الناس وأعلاهم حالاً ومقالاً، ولذلك وصف بقوله تعالى:
﴾ [النجم، آية: ١٧].
زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَنَى
واختلف هل كان شق صدره وغسله مختصاً به أو وقع لغيره من الأنبياء؟ وقد وقع للطبراني
في قصة تابوت بني إسرائيل أنه كان فيه الطست التي يغسل فيها قلوب الأنبياء، وهذا مشعر
بالمشاركة.
قوله: (وجاء الغلمان) إلخ: أي: الذين كانوا يلعبون معه في الصحراء.
قوله: (يسعون) إلخ: أي: يسرعون.
قوله: (إلى أمه) إلخ: أي: الرضاعية.
قوله: (يعني: ظئره) إلخ: أي: يريد أنس بأمه: مرضعته حليمة ◌َّا.
قوله: (إن محمداً قد قتل) إلخ: لأن تصور حياته بعد شق البطن ومعالجاته من خوارق
العادة .