Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
كتاب: الإيمان
(٦٢) - باب: الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق
كان القاصد مهدر الدم في حقه، وإن قتل كان في النار،
وأن من قتل دون ماله فهو شهيد
٣٥٨ - (٢٢٥) حدّثني أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ مَخْلَدٍ)
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ قَالَ:
جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ
مَالِي؟ قَالَ: ((فَلاَ تُعْطِهِ مَالَكَ)) قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: (قَاتِلْهُ)) قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟
(٦٢) - باب: الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق
كان القاصد مهدر الدم في حقه، وإن قتل كان في النار،
وأن من قتل دون ماله فهو شهيد
٢٢٥ - (١٤٠) - قوله: (فلا تعطه مالك) إلخ: أي: لا يلزمك أن تعطيه، وليس المراد
تحريم الإعطاء.
قوله: (قال: قاتله) إلخ: وفي حديث مخارق بن سليم بعض ما يتقدم على المقاتلة، فقد
أخرج النسائي من حديث ابن مخارق عن أبيه، قال: ((جاء رجل إلى النبي ◌َّ، فقال: الرجل
يأتيني فيريد مالي، قال: ذكّره بالله، قال: فإن لم يذكر؟ قال: فاستعن عليه بمن حولك من
المسلمين، قال: فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين؟ قال: فاستعن عليه بالسلطان، قال: فإن
نأى: السلطان عني؟ قال: قاتل دون مالك حتى تكون من شهداء الآخرة أو تمنع مالك)) كذا في
عمدة القاري.
قوله: (فأنت شهيد) إلخ: اختلف في تمسية الشهيد شهيداً :
فقال النضر بن شميل: لأنه حي، فكأن أرواحهم شاهدة، أي: حاضرة.
وقال ابن الأنباري: لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة.
وقيل: لأنه يشهد عند خروج روحه ما أعد له من الكرامة .
وقيل: لأنه یشهد له بالأمان من النار.
وقيل: لأن عليه شاهداً بكونه شهيداً .
وقيل: لأنه لا يشهده عند موته إلا ملائكة الرحمة .
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب المحاربة، باب ما يفعل من تُعرِّض
لماله، رقم (٤٠٨٧) و(٤٠٨٨).

١٦٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: ((فَأَنْتَ شَهِيدٌ)) قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: ((هُوَ فِي النَّارِ)).
٣٥٩ _ (٢٢٦) حدّثني الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
رَافِع - وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
أَخْبَرِّنَا ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَخوَلُ؛ أَنَّ ثَابِتاً مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَا كَانَ تَيَسَّرُوا
لِلْقِتَالِ، فَرَكِبَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَوَعَظَهُ خَالِدٌ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
وقيل: لأنه الذي يشهد يوم القيامة بإبلاغ الرسل.
وقيل: لأن الملائكة تشهد له بحسن الخاتمة.
وقيل: لأن الأنبياء تشهد له بحسن الاتباع لهم.
وقيل: لأن الله يشهد له بحسن نيته وإخلاصه .
وقيل: لأنه يشاهده الملائكة عند احتضاره.
وقيل: لأنه يشاهد الملكوت من دار الدنيا ودار الآخرة.
وقيل: لأنه مشهود له بالأمان من النار.
وقيل: لأن عليه علامة شاهدة بأنه قد نجا .
وبعض هذا يختص بمن قتل في سبيل الله، وبعضها يعم غيره، وبعضها قد ينازع فيه. قاله
الحافظ في ((الفتح)).
قوله: (قال: هو في النار) إلخ: أي: أنه يستحق ذلك، وقد يجازي وقد يعفى عنه إلا أن
يكون مستحلاً لذلك بغير تأويل، فإنه يكفر ولا يعفى عنه. والله أعلم.
٢٢٦ - (١٤١) - قوله: (لما كان بين عبد الله بن عمرو وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان)
إلخ: أشار إلى ما بَيّنه حيوة في روايته عند الطبري فإن أولها: ((أن عاملاً لمعاوية أجرى عيناً من
ماء ليسقي بها أرضاً، فدنا من حائط لآل عمرو بن العاص، فأراد أن يخرقه ليجري العين منه إلى
الأرض، فأقبل عبد الله بن عمرو ومواليه بالسلاح، وقالوا: والله لا تخرقون حائطنا حتى لا
يبقى منا أحد ... )) فذكر الحديث، والعامل المذكور هو عنبسة بن أبي سفيان كما ظهر من رواية
مسلم، وكان عاملاً لأخيه على مكة والطائف، والأرض المذكورة كانت بالطائف، وامتناع
عبد الله بن عمرو من ذلك لما يدخل عليه من الضرر، فلا حجة فيه لمن عارض به حديث أبي
هريرة ربه فيمن أراد أن يضع جذعه على جدار جاره. والله أعلم.
قوله: (تيسروا للقتال) إلخ: أي: تأهبوا وتهيأوا.
قوله: (فركب خالد بن العاص) إلخ: أي: أخو عمرو بن العاص، وعم عبد الله بن
عمرو .

١٦٣
كتاب: الإيمان
عَمْرٍو(١): أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ قَالَ: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)) .
قوله: (من قتل دون ماله) إلخ: قال القرطبي تَغَفُ: (دون)): في أصلها ظرف مكان بمعنى
(تحت)) وتستعمل للسببية على المجاز، ووجهه أن الذي يقاتل عن ماله غالباً إنما يجعله خلفه أو
تحته، ثم يقاتل عليه، وفي رواية لأبي داود الترمذي: ((من أريد ماله بغير حق، فقاتل، فقتل،
فهو شهيد)»، ولابن ماجه من حديث ابن عمر نحوه، وروى الترمذي وبقية أصحاب السنن من
حديث سعيد بن زيد نحوه، وفيه ذكر الأهل والدم والدين، وفي حديث أبي هريرة عند ابن
ماجه: ((من أريد ماله ظلماً فقتل فهو شهيد)).
قال النووي تغلُّهُ: ((فيه جواز قتل من قصد أخذ المال بغير حق، سواء كان المال قليلاً أو
کثیراً، وهو قول الجمهور)) اهـ.
وقال ابن المنذر: وروينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن
أنفسهم وأموالهم، وقد أخذ ابن عمر لصاً في داره، فأصلت عليه السيف، قال سالم: فلولا أنا
لضربه به. وقال النخعي: إذا خفت أن يبدأك اللص فابدأه. وقال الحسن: إذا طرق اللص
بالسلاح فاقتله. وسئل مالك عن القوم يكونون في السفر، فتلقاهم اللصوص، قال: يقاتلونهم
ولو على دائق. وقال عبد الملك: إن قدر أن يمتنع من اللصوص فلا يعطهم شيئاً. وقال أحمد:
إذا كان اللص مقبلاً، وأما موالياً: فلا، وعن إسحاق مثله. وقال أبو حنيفة في رجل دخل على
رجل ليلاً للسرقة، ثم خرج بالسرقة من الدار، فاتبعه الرجل فقتله: لا شيء عليه، وقال
الشافعي تغذُّهُ: من أريد ماله في مصر أو في صحراء، أو أريد حريمه فالاختيار له أن يكلمه أو
يستغيث، فإن منع أو امتنع لم يكن له قتاله، فإن أبى أن يمتنع من قتله من أراد قتله فله أن يدفعه
عن نفسه وعن ماله، وليس له عمد قتله، فإذا لم يمتنع، فقاتله، فقتله: لا عقل فيه ولا قود ولا
كفارة. كذا في عمدة القاري.
قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر إذا أريد ظلماً بغير
تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان، للآثار
الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه. كذا في الفتح.
قوله: (فهو شهيد) إلخ: قال الشارح رحمه الله تعالى: ((اعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام:
(١) قوله: ((عبد الله بن عمرو)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المظالم، باب من قاتل دون
ماله، رقم (٢٤٨٠) والنسائي في سننه، في كتاب المحاربة، باب من قتل دون ماله، رقم (٤٠٨٩ - ٤٠٩٤)
وأبو داود في سننه، في أواخر كتاب الأدب، باب في قتال اللصوص، رقم (٤٧٧١) والترمذي في جامعه،
في كتاب الديات، باب ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، رقم (١٤١٩) و(١٤٢٠)، ولم يذكر أحد
منهم القصة التي ذكرها مسلم رحمه الله تعالی.

١٦٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٦٠ - (٠٠٠) وحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح وحَدَّثَنَا
أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
(٦٣) - باب: استحقاق الوالي، الغاش لرعيته، النارَ
٣٦١ - (٢٢٧) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُوِ الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: عَادَ
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارِ الْمُزَنِيّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ. قَالَ مَعْقِلٌ(١): إِنِّي
أحدها: المقتول في حرب الكفار بسبب من أسباب القتال، فهذا له حكم الشهداء في
ثواب الآخرة وفي أحكام الدنيا، وهو أنه لا يغسل ولا يصلى عليه.
والثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا، وهو المبطون، والمطعون، وصاحب
الهدم، ومن قتل دون ماله وغيرهم من جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته: شهيداً، فهذا يغسل
ويصلى عليه، وله في الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول.
والثالث: من غل في الغنيمة وشبهه ممن وردت الآثار بنقي تسميته: شهيداً إذا قتل في
حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا، فلا يغسل ولا يصلى عليه، وليس له ثوابهم
الكامل في الآخرة، والله أعلم اهـ.
وليعلم أن قوله ((لا يصلى عليه)) في موضعين مبني على مذهب الشافعي تَظُّ تعالى،
وسيأتي الاختلاف فيه في أبواب الصلاة.
(٦٣) - باب: استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار
٢٢٧ - (١٤٢) - قوله: (عن الحسن) إلخ: هو البصري.
قوله: (عاد عبيد الله بن زياد) إلخ: يعني: أمير البصرة في زمن معاوية، وولده يزيد،
وأبوه زياد هو: زياد بن أبيه الذي يقال له زياد بن أبي سفيان.
قوله: (معقل بن يسار المزني) إلخ: هو الصحابي المشهور، سكن البصرة وابتنى بها داراً،
وإليه نسب نهر معقل الذي بالبصرة، شهد بيعة الحديبية، وتوفي بالبصرة.
قوله: (في مرضه الذي مات فيه) إلخ: كانت وفاة معقل بالبصرة فيما ذكره البخاري في
الأوسط ما بين الستين إلى السبعين. وذلك في خلافة يزيد بن معاوية.
(١) قوله: ((فقال معقل)): الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأحكام، باب من استرعى رعية فلم
ينصح، رقم (٧١٥٠) و(٧١٥١) وقد أخرجه مسلم أيضاً في كتاب الإمارة، باب فضيلة الأمير العادل وعقوبة
الجائر، رقم (١٨٢٩) وأحمد في مسنده (٢٥/٥ و٢٧).

١٦٥
كتاب: الإيمان
مُحَدِّثُكَ حَدِيثاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ بِهِ، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ، إِنِّي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ بَلهِ يَقُولُ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشِّ
لِرَعِيَّتِهِ، إِلا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)) .
٣٦٢ - (٢٢٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، عَنْ يُونُسَ، عَنِ
الْحَسَنِ؛ قَالَ: دَخَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ وَهُوَ وَجِعٌّ، فَسَأَلَّهُ فَقَالَ: إِنِّي
مُحَدِّثُكَ حَدِيثاً لَمْ أَكُنْ حَدَّثْتُكَهُ. إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: (لاَ يَسْتَرْعِي اللَّهُ عَبْداً رَعِيَّةً،
يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ وَهْوَ غَاشِّ لَهَا،
قوله: (لو علمت أن لي حياة ما حدثتك) إلخ: قيل: سبب ذلك هو ما وصفه الحسن
البصري من سفك الدماء في ما أخرجه الطبراني في ((الكبير)) عن الحسن، قال: ((لما قدم علينا
عبيد الله بن زياد أميراً، أمّره علينا معاوية غلاماً سفيهاً يسفك الدماء سفكاً شديداً، وفينا
عبد الله بن مغفل المزني، فدخل عليه ذات يوم، فقال له: انته عما أراك تصنع، فقال له: وما
أنت وذاك؟ قال: ثم خرج إلى المسجد، فقلنا له: ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه على رؤوس
الناس؟ فقال: إنه كان عندي علم، فأحببت أن لا أموت حتى أقول به على رؤوس الناس، ثم
قام، فما لبث أن مرض مرضه الذي توفي فيه، فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده ... )) فذكر نحو
حديث الباب، فيحتمل أن يكون القصة وقعت للصحابيين.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ((إنما فعل معقل بن يسار هذا، لأنه علم قبل هذا أنه
ممن لا ينفعه الوعظ، كما ظهر منه مع غيره، ثم خاف معقل من كتمان الحديث، ورأى تبليغه أو
فعله، لأنه خافه لو ذكره في حياته لما يهيج عليه هذا الحديث، ويثبته في قلوب الناس من سوء
حاله)) اهـ.
قال الحافظ: ((كأنه كان يخشى بطشه، فلما نزل به الموت أراد أن يكف بذلك بعض شره
عن المسلمين)) .
قوله: (يسترعيه الله رعية) إلخ: أي: جعله الله راعياً عليها .
قوله: (وهو غاش) إلخ: وفي الرواية الأخرى: ((ثم لا يجهد لهم وينصح)) وحاصل
الروايتين أنه أثبت الغش في إحداهما، ونفي النصيحة في الأخرى، فكأنه لا واسطة بينهما،
ويحصل ذلك: بظلمه لهم بأخذ أموالهم، أو سفك دمائهم، أو انتهاك أعراضهم، أو حبس
حقوقهم، وترك تعريفهم ما يجب عليهم في أمر دينهم ودنياهم، وبإهمال إقامة الحدود فيهم،
وردع المفسدين منهم، وترك حمايتهم، ونحو ذلك.
قال الحافظ: ((يريد أن الله إنما ولاه على عباده ليديم لهم النصيحة، لا ليغشهم، حتى
يموت على ذلك، فلما قلب القضية استحق أن يعاقب)).

١٦٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِلا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)) قَالَ: أَلَا كُنْتَ حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: مَا حَدَّثْتُكَ، أَوْ لَمْ
أَكُنْ لِأَحَدُثَكَ.
٣٦٣ - (٢٢٩) وحدّثني الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، يَعْنِي الْجُعْفِيَّ، عَنْ
زَائِدَةَ، عَنْ هِشَام؛ قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: كُنَّا عِنْدَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ نَعُودُهُ، فَجَاءَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
زِيَادٍ. فَقَالَ لَهُ مَّعْقِلٌ: إِنِّي سَأُحَدِّثُكَ حَدِيثاً سَمِعْتُهُ مِنَ رَسُولِ اللَّهِ بِ هِ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى
حَدِيثِهِمًا .
٣٦٤ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وإِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ. (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي
أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ؛ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يِّسَارٍ فِي مَرَضِهِ.
فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ لَوْلاَ أَنِّي فِي الْمَوْتِ لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ. سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَلِ﴿ يَقُولُ: ((مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لاَ يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ، إِلا لَمْ
يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ».
قوله: (إلا حرم الله عليه الجنة) إلخ: قال ابن بطال: هذا وعيد شديد على أئمة الجور،
فمن ضيع من استرعاه الله، أو خانهم، أو ظلمهم: فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم
القيامة، فكيف يقدر على التحلل من ظلم أمة عظيمة! ومعنى: ((حرم الله عليه الجنة)) أي: أنفذ
الله عليه الوعيد، ولم يرض عنه المظلومين. قيل: هذا الوعيد يحمل على المستحل، والأولى أنه
محمول على غير المستحل، وإنما أريد به الزجر والتغليظ، وقد وقع في الرواية الآتية في الباب:
(لم يدخل معهم الجنة)) وهو يؤيد أن المراد أنه لا يدخل الجنة في وقت دون وقت.
٢٢٨ - (٠٠٠) - قوله: (ما حدثتك) إلخ: أي: بسبب من الأسباب لا يجب عليه ذكره.
(٠٠٠) - قوله: (أبو غسان المسمعي) إلخ: بكسر الميم الأولى، وفتح الثانية، منسوب إلى
مسمع بن ربيعة .
قوله: (عن أبي المليح) إلخ: بفتح الميم، اسمه عامر، وقيل: زيد بن أسامة.
قوله: (يلي أمر المسلمين) إلخ: قال ابن التين: يلي جاء على غير القياس، لأن ماضيه:
ولي - بالكسر - ومستقبله: يولي - بالفتح - وهو مثل: ورث يرث.

١٦٧
كتاب: الإيمان
(٦٤) - باب: رفع الأمانة والإيمان
من بعض القلوب، وعرض الفتن على القلوب
٣٦٥ - (٢٣٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا
أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنٍ وَهْبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ (١)؛ قَالَ:
حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلهَ حَدِيثَيْنِ، قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا (أَنَّ الأَمَانَةَ
نَزَلَتْ
(٦٤) - باب: رفع الأمانة والإيمان
من بعض القلوب، وعرض الفتن على القلوب
قوله: (عن زيد بن وهب) إلخ: الهمداني، الجهني، الكوفي، من قضاعة، خرج إلى
النبيِ وَّ فقبض النبي ◌َّر وهو في الطريق، سمع جماعة من الصحابة.
قوله: (عن حذيفة) إلخ: أي: صاحب سر رسول الله مَّه كان عثمان رَالله ولاه على
المدائن، وقد قتل عثمان وهو عليها، وبايع لعلي، وحرّض على المبايعة له، والقيام في نصره،
ومات في أوائل خلافته .
قوله: (حدثنا رسول الله ( * حديثين) إلخ: أي: في أمر الأمانة. قال النووي تغذّثُ: الأول
حدثنا أن الأمانة نزلت ... إلى آخره، والثاني: حدثنا عن رفعها .
قوله: (حدثنا أن الأمانة نزلت) إلخ: قال النووي تخلفه: ((الظاهر أن المراد بالأمانة التكليف
الذي كلف الله تعالى به عباده، والعهد الذي أخذه عليهم، وقال صاحب التحرير: الأمانة في
الحديث هي الأمانة المذكورة في قوله تعالى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾
[الأحزاب، آية: ٧٢] وهي عين الإيمان، فإذا استمكنت الأمانة من قلب العبد قام حينئذ بأداء
التكاليف، واغتنم ما يرد عليه منها، وجدّ في إقامتها)) اهـ.
قال علي القاري تغذفه: ((الظاهر أن المراد بالعهد في كلام النووي: العهد الميثاقي، وهو
الإيمان الفطري)).
قلت: في الأمانة أقوال ذكرها المفسرون وشراح الحديث.
(١) قوله: ((عن حذيفة)): الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، رقم
(٦٤٩٧) وفي كتاب الفتن، باب إذا بقي في حثالة من الناس، رقم (٧٠٨٦) وفي كتاب الاعتصام، باب
الاقتداء بسنن رسول الله وَالر ... ، رقم (٧٢٧٦) والترمذي في جامعه، في كتاب الفتن، باب ما جاء في
رفع الأمانة، رقم (٢١٧٩) وابن ماجه في سننه، في كتاب الفتن، باب ذهاب الأمانة، رقم (٤٠٥٣) وأحمد
في مسنده (٣٨٣/٥ و٣٨٤).

١٦٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ، فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرآنِ وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ)). ثُمَّ حَدَّثَنَا
عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ قَالَ: ((يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ،
وعندي أن المراد بالأمانة - إن شاء الله تعالى - ما يصح به تكليف الإنسان بالإيمان
والإيمانيات، وهي الصلاحية الفطرية التي بها يستعد العبد لقبول الطاعات، والاحتراز عن
المعاصي، وهذه الأمانة المودعة في قلوب بني آدم بالنسبة إلى الإيمان الشرعي بمنزلة تخوم
الزروع وحبوب الأشجار المودعة في بطن الأرض، وأما القرآن والسنة فمثلهما كمثل الغيث
النازل من السماء، فالأرض الطيبة إذا أصابها هذا الغيث يخرج نباتها بإذن ربها، والتي خبثت لا
يخرج إلا نكداً، بل ربما تضيع التخم أيضاً .
قوله: (في جذر قلوب الرجال) إلخ: بفتح الجيم، ويكسر، أي: أصل قلوبهم، وجذر كل
شيء: أصله، أي: إن الأمانة أول ما نزلت في قلوب رجال الله واستولت عليها: فكانت هي
الباعثة على الأخذ بالكتاب والسنة.
قوله: (ثم نزل القرآن) إلخ: يعني: كان في طباعهم الأمانة بحسب الفطرة التي فطر الناس
عليها، ووردت الشريعة بذلك، فاجتمع الطبع والشرع في حفظها .
قوله: (ثم حدثنا عن رفع الأمانة) إلخ: هذا هو الحديث الثاني الذي ذكر حذيفة أنه
ينتظره، وهو رفع الأمانة أصلاً، حتى لا يبقى من يوصف بالأمانة إلا النادر، ولا يعكر على ذلك
ما ذكره في آخر الحديث مما يدل على قلة من ينسب للأمانة، فإن ذلك بالنسبة إلى حال
الأولين، فالذين أشار إليهم بقوله: ((ما كنت أبايع إلا فلاناً وفلاناً)) هم من أهل العصر الأخير
الذي أدركه، والأمانة فيهم بالنسبة إلى العصر الأول أقل، وأما الذي ينتظره فإنه حيث تفقد
الأمانة من الجميع إلا النادر.
وحاصل الخبر: أنه أنذر برفع الأمانة، وأن الموصوف بالأمانة يسلبها حتى يصير خائناً بعد
أن كان أميناً، وهذا إنما يقع على ما هو مشاهد لمن خالط أهل الخيانة فإنه يصير خائناً، لأن
القرين يقتدي بقرينه .
قوله: (ينام الرجل النومة) إلخ: وهي إما على حقيقتها، فالمذكور بعده أمر اضطراري،
وأما النومة كناية عن الغفلة الموجبة لارتكاب السيئة الباعثة على نقص الأمانة ونقص الإيمان.
قوله: (فتقبض الأمانة) إلخ: أي: بعضها، كما يدل عليه ما بعده، والمعنى: يقبض بعض
ثمرة الإيمان.
قوله: (فيظل أثرها) إلخ: بفتحات، فتشديد لام، أي: فيصير.
قوله: (مثل الوكت) إلخ: بفتح الواو وإسكان الكاف، وبالفوقية، وهو الأثر اليسير كالنقطة
في الشيء.

١٦٩
كتاب: الإيمان
ثُمَّ يَنَامُ الثَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَخْرَجْتَهُ عَلَى
رِجْلِكَ. فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِراً وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ (ثُمَّ أَخَذَ حَصّى فَدَخْرَجُهُ عَلَى رِجْلِهِ) فَيُصْبِحُ
النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، لاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلاً أَمِيناً. حَتَّى
يُقَالَ لِلرَّجُلِ :
قوله: (ثم ينام النومة) إلخ: أي: الأخرى.
قوله: (مثل المجل) إلخ: بفتح الميم وإسكان الجيم، وفتحها، لغتان، والمشهور:
الإسكان، وهو التنفط الذي يصير في اليد في العمل بفأس أو نحوها، ويصير كالقبة فيه ماء
قليل .
قوله: (كجمر) إلخ: أي: تأثيراً كتأثير جمر.
قوله: (دحرجته) إلخ: أي: قلبته ودورته.
قوله: (فنفط) إلخ: بكسر الفاء، أي: صار منتفطا، أي: منتبرا.
قوله: (فتراه منتبرا) إلخ: بكسر الموحدة أي: منتفخا، يقال: انتبر الجرح، وانتفط إذا ورم
وامتلأ ماء.
قال العيني: الانتبار هو الارتفاع، ومنه انتبر الأمير: صعد على المنبر، ومنه سمي المنبر
منبراً لارتفاعه، وكل شيء ارتفع فقد نبر. قيل: المعنى يخيل إليك أن الرجل ذو أمانة، وهو في
ذلك بمثابة نقطة تراها منتفطة مرتفعة كبيرة لا طائل تحتها .
قوله: (وليس فيه شيء) إلخ: أي: صالح، بل ماء فاسد. قال العيني: ((حاصله أن القلب
يخلو عن الأمانة بأن تزول عنه شيئاً فشيئاً، فإذا زال جزء منها زال نورها وخلفته ظلمة كالوكت،
وإذا زال شيء آخر منه صار كالمجل، وهو أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة، ثم شبه زوال
ذلك النور بعد ثبوته في القلب وخروجه منه واعتقابه إياه: بجمر تدحرجه على رجلك، حتى يؤثر
فيها، ثم يزول الجمر ويبقى التنفط)).
قال في المرقاة: قال شارح من علمائنا: يريد أن الأمانة ترفع عن القلوب عقوبة لأصحابها
على ما اجترحوا من الذنوب، حتى إذا استيقظوا من منامهم لم يجدوا قلوبهم على ما كانت
عليه، ويبقى فيه أثر تارة مثل الوكت، وتارة مثل المجل.
قوله: (ثم أخذ حصى فدحرجه) إلخ: أراد بها زيادة البيان، وإيضاح المعقول
بالمحسوس .
قوله: (فيصبح الناس يتبايعون) إلخ: أي: البيع والشراء.
قوله: (حتى يقال: إن في بني فلان) إلخ: أي: من غاية قلة الأمانة في الناس.
قوله: (حتى يقال للرجل) إلخ: أي: من أرباب الدنيا، ممن له عقل في تحصيل المال

١٧٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مَا أَجْلَدَهُ، مَا أَظْرَفَهُ، مَا أَعْقَلَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ)) .
وَلَقَدْ أَتَّى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِماً لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ وَلَئِنْ
كَانَ نَصْرَانِيّاً، أَوْ يَهُودِيّاً، لَيَرُدَنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لأُبَايِعَ مِنْكُمْ إِلا فُلاَنَاً
وَفُلاَنَاً .
٣٦٦ - (٠٠٠) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. جَمِيعاً عَنِ الأَعْمَشِ، بِهُذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
والجاه، وطبع في الشعر والنثر، وفصاحة وبلاغة، وصباحة، وقوة بدنية، وشجاعة، وشوكة.
قوله: (ما أجلده ما أظرفه) إلخ: حاصله أنهم يمدحونه بكثرة الجلادة والظرافة والعقل،
ويتعجبون منه، ولا يمدحون أحداً بكثرة العلم النافع والعمل الصالح.
قوله: (وما في قلبه مثقال) إلخ: حال من ((الرجل)).
قوله: (من خردل) إلخ: ((من)) بيانية لحبة، أي: هي خردل.
قوله: (وما أبالي أيكم بايعت) إلخ: المراد أنه لوثوقه بوجود الأمانة في الناس أولاً كان
يقدم على مبايعة من أتفق من غير بحث عن حاله، فلما بدا التغير في الناس، وظهرت الخيانة
صار لا يبايع إلا من يعرف حاله.
قوله: (لئن كان مسلماً) جواب عن إيراد مقدر، كأن قائلاً قال له: لم تزل الخيانة
موجودة، لأن الوقت الذي أشرف إليه: كان أهل الكفر فيه موجودين، وهم أهل الخيانة،
فأجاب بأنه وإن كان الأمر كذلك، لكنه كان يثق بالمؤمن لذاته، وبالكافر لوجود ساعيه، وهو
الحاكم الذي يحكم اليه، وكانوا لا يستعملون في كل عمل قلّ أو جلّ إلا المسلم، فكان واثقاً
بإنصافه، وتخليص حقه من الكافر إن خانه، بخلاف الوقت الأخير الذي أشار إليه، فإنه صار لا
يبايع إلا أفراداً من الناس يثق بهم.
قوله: (ليردُنّه عليّ دينه) إلخ: والحاصل أن دينه يمنعه من الخيانة، ويحمله على أداء
الأمانة.
قوله: (ليردُنّه عليّ ساعيه) إلخ: كل من ولي شيئاً على قوم فهو ساعيهم، مثل سعاة
الزكاة .
قوله: (وأما اليوم فما كنت) إلخ: يشير إلى أن حال الأمانة أخذ في النقص من ذلك
الزمان، وكانت وفاة حذيفة في أو سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان رقبله بقليل، فأدرك بعض
الزمن الذي وقع فيه التغير، فأشار إليه.
قوله: (إلا فلاناً وفلاناً) إلخ: يحتمل أن يكون ذكره بهذا اللفظ، فالمراد أني كنت لا أبايع

١٧١
كتاب: الإيمان
(٦٥) - باب: بيان أن الإسلام بدأ غريباً
وسيعود غريباً، وإنه يأرز بين المسجدين
٣٦٧ - (٢٣١) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، يَعْنِي
سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ(١)؛ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ،
فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ وَلَ يَذْكُرُ الْفِتَنَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْنَاهُ. فَقَالَ: لَعَلَّكُمْ
تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ؟ قَالُوا: أَجَلْ. قَالَ:
إلا أفراداً من الناس قلائل أعرفهم وأثق بهم، ويحتمل أن يكون سمي اثنين من مشهورين بالأمانة
إذ ذاك، فأبهمهما الراوي، والمعنى: لست أثق بأحد أَأتمنه على بيع ولا شراء إلا فلاناً وفلاناً.
(٦٥) - باب: بيان أن الإسلام بدأ غريباً،
وسيعود غريباً، وأنه يأزر بين المسجدين
٢٣١ - (١٤٤) - قوله: (عن ربعي) بن حراش إلخ: ربعي: بكسر الراء، وحراش: بكسر
الحاء المهملة.
قوله: (يذكر الفتن) إلخ: قال الحافظ كثّفُهُ: «فيه دليل على جواز إطلاق اللفظ العام وإرادة
الخاص، إذ تبين أنه لم يسأل إلا عن فتنة مخصوصة، ومعنى الفتنة في الأصل: الاختبار
والامتحان، ثم استعملت في كل أمر يشكفه الامتحان عن سوء، وتطلق على الكفر، والغلو في
التأويل البعيد، وعلى الفضيحة والبلية، والعذاب، والقتال، والتحول من الحسن إلى القبيح،
والميل إلى الشيء، والإعجاب به، وتكون في الخير والشر كقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيَّرِ
فِتْنَةً﴾ [الأنبياء، آية: ٣٥]، والضابط أن كل ما يشغل صاحبه عن الله تعالى فهو فتنة له. كذا في
الفتح.
قوله: (فتنة الرجل في أهله وجاره) إلخ: وفي بعض الرواية زيادة ((ولده)).
قال الشارح تقذفُ: ((الفتنة في هذه الأشياء ضروب، من فرط محبته لهم، وشحّه عليهم،
وشغله بهم عن كثير من الخير، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَقَّوَلُكُمْ وَأَوْلَئِدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن، آية: ١٥]،
أو لتفريطه بما يلزم من القيام بحقوقهم وتأديبهم وتعليمهم، فإنه راع لهم ومسؤول عن رعيته،
(١) قوله: ((عن حذيفة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب: الصلاة كفارة،
رقم (٥٢٥) في كتاب الزكاة، باب الصدقة تكفر الخطيئة، رقم (١٤٣٥) وفي كتاب الصوم، باب: الصوم
كفارة، رقم (١٨٩٥) وفي كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم (٣٥٨٦) وفي كتاب
الفتن، باب الفتنة التي تموج كموج البحر، رقم (٧٠٩٦) والترمذي في جامعه، في كتاب الفتن، باب (٧١)
رقم (٢٢٥٨) وابن ماجه في سننه، في كتاب الفتن، باب ما يكون من الفتن، رقم (٣٩٥٥).

١٧٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ، وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ وَّهِ يَذْكُرُ الْفِتَنَ الَّتِي تَمُوجُ
مَوْجَ الْبَحْرِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ. فَقُلْتُ: أَنَا. قَالَ: أَنْتَ، لِلَّهِ أَبُوكَ !.
قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ يَقُولُ: ((تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ
عُوداً عُوداً،
٠٠
وكذا فتنة الرجل في جاره من هذا، فهذه كلها فتن تقتضي المحاسبة، ومنها ذنوب يرجى تكفيرها
بالحسنات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود، آية: ١١٤]، كذا في الشرح.
قوله: (تلك تكفرها الصلاة والصيام) إلخ: احتج المرجئة بظاهره على أن أفعال الخير
مكفرة للكبائر والصغائر، وحمله جمهور أهل السنة على الصغائر عملاً بحمل المطلق على
المقيد. ثم إن التكفير المذكور يحتمل أن يقع بنفس فعل الحسنات المذكور، ويحتمل أن يقع
بالموازنة، والأول أظهر، والله أعلم.
قوله: (التي تموج موج البحر) إلخ: قال الحافظ: ((أي: تضطرب اضطراب البحر عند
هيجانه، وكني بذلك عن شدة المخاصمة وكثرة المنازعة، وما ينشأ عن ذلك من المشاتمة
والمقاتلة. وعن علي رَظُه قال: ((وضع الله في هذه الأمة خمس فتن - فذكر الأربعة - ثم فتنة
تموج كموج البحر، وهي التي يصبح الناس فيها كالبهائم، أي: لا عقول لهم، ويؤيده حديث
أبي موسى: ((تذهب عقول أكثر ذلك الزمان)) وأخرج ابن أبي شيبة من وجه آخر عن حذيفة،
قال: ((لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك، إنما الفتنة ما اشتبه عليك الحق والباطل)).
قوله: (فأسكت القوم) إلخ: هو بقطع الهمزة المفتوحة، قال جمهور أهل اللغة: سكت
وأسكت لغتان بمعنى: صمت.
وقال الأصمعي: سكت، وصمت، وأسكت، وأطرق، وإنما سكت القوم لأنهم لم يكونوا
يحفظون هذا النوع من الفتنة، وإنما حفظوا النوع الأول.
قوله: (أنت الله أبوك) إلخ: كلمة مدح تعتاد العرب الثناء بها، فإن الإضافة إلى العظيم
تشريف، ولهذا يقال: بيت الله، وناقة الله.
وقال صاحب ((التحرير)): فإذا وجد من الولد ما يحمد قيل له: لله أبوك، حيث أتى
بمثلك.
قوله: (تعرض الفتن على القلوب) إلخ: تعرض بصيغة المجهول، أي: توضع وتبسط
البلايا والمحن.
قوله: (كالحصير) إلخ: أي: كما يبسط الحصير.
قوله: (عودا عودا) إلخ: قال الشارح كثّفُ: ((اختلف في ضبطه على ثلاثة أوجه، أظهرها
وأشهرها : بضم العين، وبالدال المهملة.

١٧٣
كتاب: الإيمان
فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى
تَصِيرَ عَلَّى قَلْبَيْنٍ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ،
وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًاً، كَالْكُوزِ مُجَخِّياً لا يَعْرِفُ مَعْرُوفاً وَلا يُنْكِرُ مُنْكَراً،
قال الأستاذ أبو عبد الله بن سليمان: معنى الحديث تظهر على القلوب، أي: تظهر لها
فتنة بعد أخرى، وقوله: كالحصير، أي: كما ينسج الحصير عودا عودا، وشظية بعد أخرى.
قال القاضي: وذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع عوداً أخذ آخر، ونسجه،
فشبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحداً بعد
واحد. قال القاضي: وهذا معنى الحديث عندي، وهو الذي يدل عليه سياق لفظه وصحة
تشبيهه، والله أعلم.
قوله: (فأي قلب أشربها) إلخ: بصيغة المفعول، يقال: أشرب في قلبه حبه، أي: خالطه،
فالمعنى: خالط الفتن واختلط بها، ودخلت فيه دخولاً تاماً، ولزمها لزوماً كاملاً، وحلت منه
محل الشراب في نفوذ المسام، وتنفيذ المرام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة، آية: ٩٣] أي: حب العجل، والإشراب خلط لون بلون، كأن أحد اللونين شرب
الآخر، وكسي لوناً آخر، فالمعنى: جعل متأثراً بالفتن بحيث يتداخل فيه حبها، كما يتداخل
الصبغ الثوب. كذا في المرقاة.
قوله: (نكت فيه نكتة سوداء) إلخ: قال الشارح تقذفُ: ((معنى نكت نكتة: نفط نقطة، وهي
بالتاء المثناة، في آخره. قال ابن دريد وغيره: كل نقطة في شيء بخلاف لونه فهو نكت)).
قال علي القاري: ((وأصل النكت ضرب الأرض بقضيب، فيؤثر فيها)).
قوله: (وأي: قلب أنكرها) إلخ: أي: رد الفتن، وامتنع عن قبولها.
قوله: (نكت فيه نكتة بيضاء) إلخ: أي: إن لم تكن فيه ابتداء، وإلا فمعنى ((نكت فيه نكتة))
أثبتت فيه ودامت واستمرت.
قوله: (حتى يصير على قلبين) إلخ: أي: حتى يصير الإنسان باعتبار كيفية قلبه على قلبين.
قوله: (على أبيض مثل الصفا) إلخ: أي: مثل الحجر المرمر الأملس، وليس التشبيه بياناً
لبياضه فقط، لكن صفة أخرى، أي: لشدته على عقد الإيمان وسلامته من الخلل، وإن الفتن لم
تلصق به ولم تؤثر فيه، كالصفا، وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء.
قوله: (والآخر أسود مرباداً) إلخ: بكسر الميم، وبالدال المشددة، من: اربادّ - كاحمارٌ -
أي: صار كلون الرماد، من ((الربدة)) لون بين السواد والغبرة، وهو حال، أو منصوب على الذم،
كذا في المرقاة. والظاهر في ((مربادا)) أنه بضم الميم، والله أعلم.
قوله: (كالكوز مجخيا) إلخ: أي: يشبه الآخر الكوز حال كونه مجخيا - بضم ميم،

١٧٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِلا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)) .
قَالَ حُذَيْفَةُ: وَحَدَّثْتُهُ؛ أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَاباً مُغْلَقاً يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ. قَالَ عُمَرُ:
أکَسْراً،
وسكون جيم، وخاء مكسورة، وياء آخر الحروف مشددة، وقد تخفف -، وفي النهاية: وروي
بتقديم الخاء على الجيم، أي: مائلاً منكوساً، مشبهاً من هو خال من العلوم والمعارف بكوز
مائل لا يثبت فيه شيء ولا يستقر، وهذا معنى قوله: ((لا يعرف)) أي: هذا القلب معروفاً ولا
ينكر منكراً، أو المعنى لا يبقى فيه عرفان ما هو معروف، ولا إنكار ما هو منكر. كذا في
المرقاة .
والصحيح أن مجخيا أو مخجيا بفتح الميم كمرمى من ((جحى)) أو ((خجى)) أي: أمال
متعدياً، كما في تاج العروس، وضبط النووي تَُّ بميم مضمومة، وجيم مفتوحة، وخاء معجمة
مكسورة مشددة، فليتنبه له، وجخّى من التفعيل بمعنى: مال، لازم.
قوله: (إلا ما أشرب من هواه) إلخ: والضمير للقلب، أي: فيتبعه طبعاً من غير ملاحظة
كونه معروفاً أو منكراً شرعاً .
قوله: (أن بينك وبينها باباً مغلقاً) إلخ: وقع التصريح من حذيفة في الروايات الأخر أن
الباب هو عمر نفسه، فالمعنى أن بين زمانك وبين زمان الفتنة وجود حياتك، فلا يخرج منها
شيء في حياتك.
قال ابن بطال تثاثه: ((قال حذيفة: ((إن بينك وبينها باباً مغلقاً)) ولم يقل له: أنت الباب،
وهو يعلم أنه الباب، فعرض له بما فهمه، ولم يصرح، وذلك من حسن أدبه، وقول عمر: ((إذا
كسر لم يغلق)) أخذه من جهة أن الكسر لا يكون إلا غلبة، والغلبة لا تقع إلا في الفتنة، وعلم من
الخبر النبوي أن بأس الأمة بينهم واقع، وأن الهرج لا يزال إلى يوم القيامة، كما وقع في حديث
شداد رفعه: ((إذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة)).
قال الحافظ كثُّ: ((وأخرج الخطيب في ((الرواة عن مالك)): ((أن عمر دخل على أم كلثوم
بنت علي، فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: هذا اليهودي - لكعب الأحبار - يقول: إنك
باب من أبواب جهنم، فقال عمر: ما شاء الله! ثم خرج فأرسل إلى كعب، فجاءه، فقال: يا
أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده، لا ينسلخ ذو الحجة، حتى تدخل الجنة، فقال: ما هذا؟ مرّة
في الجنة، ومرة في النار؟ فقال: إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس
أن يقتحموا فيها، فإذا مت اقتحموا)).
قوله: (يوشك أن يكسر) إلخ: بضم الياء وكسر الشين، معناه: يقرب.
قوله: (قال عمر: أكسراً) إلخ: أي: أيكسر كسراً؟ فإن المكسور لا يمكن إعادته، بخلاف
المفتوح، ولأن الكسر لا يكون غالباً إلا عن إكراه وغلبة وخلاف عادة.

١٧٥
کتاب: الإيمان
لا أَبَا لَكَ، فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ. قُلْتُ: لا، بَلْ يُكْسَرُ. وَحَدَّثْتُهُ؛ أَنَّ ذُلِكَ الْبَابَ
رَجُلٌ يُقْتَلُ أَوْ يَمُوتُ. حَدِيثاً لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ .
قَالَ أَبُو خَالِدٍ: فَقُلْتُ لِسَعْدِ: يَا أَبَا مَالِكِ، مَا أَسْوَدُ مُرْبَادًا؟ قَالَ: شِدَّةُ الْبَيَاضِ فِي
سَوَادٍ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا الْكُوزُ مُجَخِّياً؟ قَالَ: مَنْكُوساً.
قوله: (لا أبا لك) إلخ: هذه الكلمة تذكرها العرب للحث على الشيء، ومعناها أن
الإنسان إذا كان له أب، وحزبه أمر، ووقع في شدة: عاونه أبوه، ورفع عنه بعض الكل، فلا
يحتاج من الجد والاهتمام إلى ما لا يحتاج إليه حالة الانفراد وعدم الأب المعاون. فإذا قيل: لا
أبا لك، فمعناه: جدَّ في هذا الأمر، وشمِرَ وتأهّبَ تأهُّبَ من ليس له معاون. والله أعلم.
قوله: (أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت) إلخ: أما الرجل الذي يقتل فقد جاء مبيناً في
الصحيح أنه عمر ربه، وقوله: ((يقتل أو يموت)) يحتمل أن يكون حذيفة رضا الله سمعه من النبي ◌َّل
هكذا على الشك، والمراد به الإبهام على حذيفة وغيره، ويحتمل أن يكون حذيفه علم أنه يقتل،
ولكنه كره أن يخاطب عمر ربه بالقتل، فإن عمر به كان يعلم أنه هو الباب، كما جاء مبيناً
في الصحيح أن عمر كان يعلم مَن الباب، كما يعلم أن قبل غد الليلة، فأتى حذيفة رَظ ◌ُه بكلام
يحصل منه الغرض، مع أنه ليس إخباراً لعمر بأنه يقتل، فإن قيل: إذا كان عمر تظ له عارفاً بذلك
فلم شك فيه حتى سأل عنه؟ فالجواب أن ذلك يقع مثله عند شدة الخوف، أو لعله خشي أن
يكون نسي، فسأل من يذكره، وهذا هو المعتمد. قاله الحافظ في ((الفتح)).
قوله: (حديثاً ليس بالأغاليط) إلخ: جمع أغلوطة، وهي التي يغالط بها، قال الطيبي: أراد
أن ما ذكرت له لم يكن مبهماً محتملاً كالأغاليط، بل صرحته تصريحاً. قال القاري: ((وحاصله
أنه لم يكن الكلام من باب الصريح، بل من قبيل الرمز والتلويح، لكن عمر ممن لا تخفى عليه
الإشارة فضلاً عن العبارة، بل هو أيضاً من أصحاب الأسرار وأرباب الأنوار)).
وقال النووي تقذفه: ((معنى قوله)) حديثاً ليس بالأغاليط أي: حدثته حديثاً صحيحاً صدقاً
محققاً، ليس هو من صحف الكتابيين، ولا من اجتهاد ذي رأي، بل من حديث النبي وَّ،
والحاصل: أن الحائل بين الفتن والإسلام عمر ته، وهو الباب، فما دام حياً لا تدخل الفتن،
فإذا مات دخلت الفتن، وكذا كان، والله أعلم.
قال الحافظ: ((وقد وافق حذيفة على معنى روايته هذه أبو ذر رضيُه، فروى الطبراني بإسناد
رجاله ثقات: أنه لقي عمر ظله فأخذ بيده فغمزها، فقال له أبو ذر: أرسل يدي يا قفل
الفتنة ... )) الحديث، وفيه: ((أن أبا ذر قال: لا تصيبكم فتنة ما دام فيكم)) وأشار إلى عمر،
وروى البزار من حديث قدامة بن مظعون، عن أخيه: عثمان أنه قال لعمر: يا غلق الفتنة، فسأله
عن ذلك، فقال: مررت ونحن جلوس عند النبي ◌َّله، فقال: هذا غلق الفتنة لا يزال بينكم وبين
الفتنة باب شديد الغلق ما عاش)) اهـ.

١٧٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٦٨ _ (٠٠٠) وحدّثني ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ
الأَشْجَعِيُّ، عَنْ رِبْعِيٍّ؛ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ حُذَيْفَةُ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ، جَلَسَ فَحَدَّثَنَا. فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ
الْمُؤْمِنِينَ أَمْسٍ لَمَّا جَلَسْتُ إِلَيْهِ سَأَلَ أَصْحَابَهُ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ وَ فِي الْفِتَنِ؟.
وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي خَالِدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَفْسِيرَ أَبِي مَالِكِ لِقَوْلِهِ: ((مُرْبَادَاً مُجَخِّيا)».
٣٦٩ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم
الْعَمِّيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ،
عَنْ رِبْعِيٍّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ أَنَّ عُمرَ قَالَ: مَنْ يُحَدِّثُنَا، أَوْ قَالَ: أَيُّكُمْ
يُحَدِّثُنَا (وَفِيهِمْ حُذَيْفَةُ) مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ
كَنَحْوِ حَدِيثٍ أَبِي مَالِكِ عَنْ رِبْعِيٍّ. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثْتُهُ حَدِيثًاً لَيْسَ
بِالأَغَالِيطِ. وقَالَ: يَعْنِي أَنَّهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ اَلـ
[باب بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً وأنه يأزر بين المسجدين]
٣٧٠ - (٢٣٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّدٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعاً عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ،
قَالَ ابْنُ عَبَّادٍ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ يَزِيدَ - يَعْنِي ابْنَ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِيِ حَازِم، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ(١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَّأَ غَرِيباً، ....
قوله: (قال شدة البياض في سواد) إلخ: قال القاضي عياض: ((كان بعض شيوخنا يقول:
إنه تصحيف، وهو قول القاضي أبي الوليد الكناني، قال: أرى أن صوابه شبه البياض في سواده
كذا في الشرح.
(٠٠٠) - قوله: (إن أمير المؤمنين أمس) إلخ: المراد بقوله: ((أمس)) الزمان الماضي، لا
أمس يومه، وهو اليوم الذي يلي يوم تحديثه، لأن مراده لما قدم حذيفة الكوفة في انصرافه من
.. كذا في الشرح.
المدينة من عند عمر
[باب بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً وأنه يأزر بين المسجدين]
٢٣٢ - (١٤٥) - قوله: (الإسلام بدأ غريباً) إلخ: روى ابن أبي أويس عن مالك كَتهُ أن
معناه في المدينة، وأن الإسلام بدأ بها غريباً وسيعود إليها. قال القاضي عياض: وظاهر
الحديث العموم، وإن الإسلام بدأ في آحاد من الناس وقلة، ثم انتشر وظهر، ثم سيلحقه النقص
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه، في كتاب الفتن، باب: بدأ الإسلام غريباً، رقم
(٣٩٨٦) وأحمد في مسنده (٣٨٩/٢).

١٧٧
كتاب: الإيمان
فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ».
٣٧١ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، وَالْفَضْلُ بْنُ سَهْلِ الأَعْرَجُ قَالا: حَدَّثَنَا
شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ. حَدَّثَنَا عَاصِمٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِّ الْعُمَرِيُّ - عَنْ أَبِيهِ،َ عَنِ ابْنٍ عُمَرَ (١)، عَنِ
النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((إِنَّ الإِسلاَمَ بَدَأَ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا
تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُخْرِهَا».
والإخلال، حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة أيضاً، كما بدأ، وجاء في الحديث تفسير الغرباء:
((وهم النِّزّاع من القبائل)) قال الهروي: أراد بذلك المهاجرين الذي هجروا أوطانهم إلى الله
تعالی .
قوله: (فطوبى للغرباء) إلخ: طوبى: فعلى من الطيب. قاله الفراء، قال: وإنما جاءت
الواو الضمة الطاء، قال: وفيها لغتان: تقول العرب: طوباك، وطوباً لك.
وأما معنى ((طوبى)) فاختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿طُوبَ لَهُمْ وَحُسْنُ مَثَابٍ﴾
[الرعد، آية: ٢٩] فروى عن ابن عباس رضيها أن معناه: فرح وقرة عين. وقال عكرمة: نعم مالهم،
وقال الضحاك: غبطة لهم. وقال قتادة: حسنى لهم. وعن قتادة أيضاً: أصابوا خيراً. وقال
إبراهيم: خير لهم وكرامة. وقال ابن عجلان: دوام الخير. وقيل: الجنة. وقيل: شجرة في
الجنة. وكل هذه الأقوال محتملة في الحديث، والله أعلم، قاله النووي كذّتُهُ .
(١٤٦) - قوله: (حدثنا عاصم وهو ابن محمد) إلخ: هو عاصم بن محمد بن زيد بن
عبد الله ابن عمر بن الخطاب رضيه، ولذا يقال له: العمري.
قوله: (وهو يأرز) إلخ: بفتح أوله، وسكون الهمزة، وكسر الراء، وقد تضم، بعدها زاي.
وحكى ابن التين عن بعضهم فتح الراء. وقال: إن الكسر هو الصواب، وحكى أبو الحسن بن
سراج: ضم الراء. وحكى القابسي: الفتح، ومعناه: ينضم ويجتمع.
قوله: (بين المسجدين) إلخ: أي: مسجدي مكة والمدينة - زادهما الله شرفاً وعظمة -.
والظاهر عندي - والله أعلم - أن هذا وقت خروج الدجال، كما جاء في الصحيح عن
أنس بن مالك ربه مرفوعاً: «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس له من نقابها
نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها ... )) الحديث. فالمراد - والله أعلم - أن الإسلام يكون
موقراً مأموناً من فتنة المسيح الدجال ورعبه في هذين المسجدين المكرمين، نبه عليه الدميري في
حياة الحيوان احتمالاً. وقال شيخنا المحمود تغلفه: أنه هو المراد. والله تعالى أعلم.
(١٤٦) - قوله: (كما تأرز الحية في جحرها) إلخ: قال الحافظ: ((أي: أنها كما تنتشر من
(١) قوله: ((عن ابن عمر)) لم يخرجه أحد من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله تعالى.

١٧٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٧٢ - (٢٣٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: ((إنَّ
الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا)).
(٦٦) - باب: ذهاب الإِيمان آخر الزمان
٣٧٣ - (٢٣٤) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ،
عَنْ أَنَسِ(٢)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُقَالَ فِي الأَرْضِ: اللَّهُ،
اللَّهُ)) .
جحرها في طلب ما تعيش به فإذا راعها شيء رجعت إلى جحرها، كذلك الإيمان انتشر في
المدينة، وكل مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة، لمحبته في النبي ◌َّار، فيشمل ذلك جميع
الأزمنة، لأنه في زمن النبي ◌َّ للتعلم منه، وفي زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم للاقتداء
بهديم، ومن بعد ذلك لزيارة قبره ومدير والصلاة في مسجده، والتبرك بمشاهدة آثاره وآثار
أصحابه .
وقال الداوودي: كان هذا في حياة النبي ◌ّر، والقرن الذي كان منهم، والذين يلونهم
والذين يلونهم خاصة.
وقال القرطبي: فيه تنبيه على صحة مذهب أهل المدينة وسلامتهم من البدع، وأن عملهم
حجة كما رواه مالك . اهـ.
وهذا إن سلم اختص بعهد النبي ولار والخلفاء الراشدين، وأما بعد ظهور الفتن وانتشار
الصحابة في البلاد، ولا سيما في أواخر المائة الثانية، وهلم جرا، فهو بالمشاهدة بخلاف ذلك.
كذا في الفتح.
(٦٦) - باب: ذهاب الإيمان آخر الزمان
٢٣٤ - (١٤٨) - قوله: (حتى لا يقال في الأرض: الله الله) إلخ: معنى الحديث أن القيامة
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب فضائل المدينة، باب الإيمان يأزر
إلى المدينة، رقم (١٨٧٦) وابن ماجه في سننه، في كتاب المناسك، باب فضل المدينة، رقم (٣١١١)
وأحمد في مسنده (٢٨٦/٢ و٤٢٢).
(٢) قوله: ((عن أنس)) أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب الفتن، باب منه (أي مما يتعلق بأشراط الساعة) رقم
(٢٢٠٧) وأحمد في مسنده (١٠٧/٣ و٢٠١ و٢٥٩).

١٧٩
كتاب: الإيمان
٣٧٤ - (٠٠٠) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعَمْرٌ عَنْ ثَابِتٍ،
عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلهِ: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللَّهُ، اللَّهُ)).
(٦٧) - باب: الاستسرار بالإيمان للخائف
٣٧٥ - (٢٣٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو
كُرَيْبٍ (وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ) قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ
حُذَيْفَةً(١)؛ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَيهِ فَقَالَ: ((أَخْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظُ الإِسْلاَمَ)) قَالَ: فَقُلْنَا:
إنما تقوم على شرار الخلق، كما جاء في الرواية الأخرى: ((وتأتي الريح من قبل اليمن، فتقبض
أرواح المؤمنين عند قرب الساعة)) وقد تقدم قريباً في باب الريح التي تقبض أرواح المؤمنين بيان
هذا، والجمع بينه وبين قوله وَّير: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقِ إلى يوم القيامة)).
قوله: (على أحد يقول: الله الله) إلخ: هو برفع اسم الله تعالى. واعلم أن الروايات كلها
متفقة على تكرير اسم الله تعالى في الروايتين، وهكذا هو في جميع الأصول. قال القاضي
عياض تغذّقُ: (وفي رواية ابن أبي جعفر يقول: لا إله إلا الله)).
قلت: وفي تكرير الاسم إشارة إلى مشروعية ذكر الله عزّ وجل باسمه المفرد، والرد على
من زعم نفي كونه مشروعاً ومحموداً، كالحافظ ابن تيمية في فتاواه، فإنه قد أطنب إطناباً بليغاً
في إبطال مشروعية هذا الذكر، وكأنه تَّهُ قد ذهل عن حديث الباب، فسبحان من لا ينام ولا
ینسی .
قال علي القاري تَخْذَفُ في ((المرقاة)): ((ومن هذا الحديث يعرف أن بقاء العالم ببركة العلماء
العاملين والعباد الصالحين وعموم المؤمنين، وهو المراد بما قاله الطيبي كثّفُ: معنى ((حتى لا
يقال)): حتى لا يذكر اسم الله ولا يعبد، وإليه ينظر قوله تعالى: ﴿وَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾ [آل عمران، آية: ١٩١]، يعني: ما خلقته خلقاً باطلاً بغير حكمة، بل
خلقته لأذكر وأعبد، فإذا لم يذكر ولم يعبد فبالحري أن يخرب وتقوم الساعة. وقال المظهر:
هذا دليل على أن بركة العلماء والصلحاء تصل إلى من في العالم من الجن والإنس وغيرهما من
الحيوانات والجمادات والنباتات)) اهـ. وعلى أن ذكر الله عزّ وجل كأنه روح هذا العالم، وبه
قيامه وبقاؤه، والله أعلم.
(٦٧) - باب: جواز الاستسرار بالإيمان للخائف
٢٣٥ - (١٤٩) - قوله: (أحصوا لي كم يلفظ الإسلام) إلخ: وفي رواية سفيان عن الأعمش
(١) قوله: ((عن حذيفة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجهاد، باب كتابة الإمام الناس، =

١٨٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ، أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِّتِّمائَةِ إِلَى السَّبْعِمِائَةِ؟ قَالَ: ((إِنَّكُمْ لا
عند البخاري: ((اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام)) قال الحافظ: ((فيه مشروعية كتابة دواوين الجيوش،
وقد يتعين ذلك عند الاحتياج إلى تميز من يصلح للمقاتلة ممن يصلح. قال ابن المنير: ((لا
يتخيل أن كتاب الجيش وإحصاء عدده يكون ذريعة لارتفاع البركة، بل الكتابة المأمور بها
لمصلحة دينية، والمؤاخذة التي وقعت في حنين كانت من جهة الإعجاب)).
قوله: (أتخاف علينا) إلخ: قال الحافظ كثّفُ: ((وكأن ذلك وقع عند ترقب ما يخاف منه،
ولعله كان عند خروجهم إلى أحد أو غيرها، ثم رأيت في شرح ابن التين الجزم بأن ذلك كان
عند حفر الخندق، وحكى الداوودي احتمال أن ذلك وقع لما كانوا بالحديبية، لأنه قد اختلف
في عددهم: هل كانوا ألفاً وخمسمائة؟ أو ألفاً وأربعمائة؟ أو غير ذلك، مما سيأتي في مكانه.
قوله: (ونحن ما بين الستمائة إلى السبع مائة) إلخ: قال النووي: ((هو مشكل من جهة
العربية، وله وجه، وهو أن يكون ((مائة)) في الموضعين منصوباً على التمييز، على قول بعض أهل
العربية. وقيل: إن ((مائة)) في الموضعين مجرورة على أن تكون الألف واللام زائدتين، فلا
اعتداد بدخولهما، ووقع في رواية غير مسلم: ((ستمائة إلى سبع مائة)) وهذا ظاهر لا إشكال فيه
من جهة العربية، ووقع في رواية سفيان الثوري عن الأعمش عند البخاري: ((فكتبنا له ألفاً
وخمسمائة رجل)) وفي رواية أبي حمزة عن الأعمش عنده: ((فوجدناهم خمسمائة)).
قال الحافظ: ((وكأن رواية الثوري رجحت عند البخاري فلذلك اعتدمها لكونه أحفظهم
مطلقاً. وزاد عليهم، وزيادة الثقة الحافظ مقدمة، وأبو معاوية وإن كان أحفظ أصحاب الأعمش
بخصوصه - ولذلك اقتصر مسلم على روايته - لكنه لم يجزم بالعدد فقدم البخاري رواية الثوري
لزيادتها بالنسبة لرواية الاثنين، ولجزمها بالنسبة لرواية أبي معاوية)) اهـ.
وسلك الداوودي الشارح طريق الجمع، فقال: لعلهم كتبوا مرات في مواطن، وجمع
بعضهم بأن المراد بالألف وخمس مائة: جميع من أسلم من رجل وامرأة وعبد وصبي وبما بين
الستمائة إلى السبعمائة الرجال خاصة، وبالخمسمائة: المقاتلة خاصة، وهو أحسن من الجمع
الأول، وإن كان بعضهم أبطله بقوله في الرواية الأولى ((ألف وخمس مائة رجل)) لإمكان أن
يكون الراوي أراد بقوله: ((رجل)): نفس، وجمع بعضهم بأن المراد بالخمسمائة المقاتلة من أهل
المدينة خاصة، وبما بين الستمائة إلى السبعمائة هم ومن ليس بمقاتل، وبالألف وخمس مائة هم
ومن حولهم من أهل القرى والبوادي.
قلت: ويخدش في وجوه هذه الاحتمالات كلها اتحاد مخرج الحديث ومداره على
الأعمش بسنده، واختلاف أصحابه عليه في العدد المذكور. والله أعلم. كذا في الفتح.
رقم (٣٠٦٠) وابن ماجه في سننه، في كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، رقم (٤٠٢٩) وأحمد في مسنده
=
(٣٨٤/٥).