Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ كتاب: الإيمان فَلَمَّا فَعَلُوا ذُلِكَ نَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَأَ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن ◌َّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَالَ: (نَعَمْ)) ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ قَالَ: (نَعَمْ)) ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بٍِ﴾ قَالَ: ((نَعَمْ)) ﴿وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ اُلْكَفِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قَالَ: (نَعَمْ)). قوله: (نسخها الله عزّ وجل) إلخ: قال المازري: في تسمية رفع ذلك نسخاً: نظر، لأن النسخ إنما يكون عند التعارض، وعدم إمكان الجمع، والجمع هنا يمكن بأن تكون الآية الثانية مخصصة لعموم الأولى إلا أن يكونوا فهموا التكليف بالخطرات بقرينة الحال، فحينئذ يكون نسخاً، لأنه رفع ثابت مستقر. قلت: كان نسخاً على ذلك التقدير، لأن النسخ والتخصيص يشتركان في أن كلا منهما يشعر بخلاف ما أشعر به اللفظ، ويفترقان في أن التخصيص رفعَ متوهم الثبوت، والنسخ رفع محققه، فإذا فهموه بالقرائن، والقرائن تفيد العلم، فيرجع إلى أنه رفع محقق الثبوت، فيكون نسخاً. قال القاضي عياض تخلّثهُ: «قد فهموا التكليف بالخطرات، وأقروا عليه بقوله: ((قالوا سمعنا وأطعنا)) فلا وجه لإنكار النسخ، لا سيما وراوي القضية نص عليه، والنسخ يعرف بالخبر عنه، وبالتاريخ، وهما معاً هنا، لكن الذي نص عليه صحابي، واختلف في قول الصحابي: نسخ كذا، هل يثبت به النسخ؟ لأنه لا يقوله إلا عن توقيف، أو لا يثبت، لاحتمال أن يقوله عن اجتهاد، وأكثر المفسرين على أن الآية ناسخة، وبعّده بعضهم بأنه خبر، والخبر لا ينسخ، ولم يحصل ما قال، فإنه وإن كان خبراً فهو خبر عن تكليف ومؤاخذة؟ بما في النفس، وتعبد بأمره وَل في قوله: («قولوا سمعنا وأطعنا))، ورأى بعضهم أن النسخ هنا مجاز، وإنما هو إزالة ما وقع في نفوسهم، وذلك أنهم خافوا أن يكون ما كلفوا به من التحفظ من الخطرات من تكليف ما لا يطاق، فأزيل ذلك الخوف، وقيل: ليس هو منه لأن الله تعالى قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة، آية: ٢٨٦] وإنما غاية التحفظ منها أنه تكليف بما يشق، فعلى هذا ليس في الآية دليل على تكليف ما لا يطاق، وأخذ بعضهم جوازه من قوله تعالى ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ﴾ الآية [البقرة، آية: ٢٨٦] لأنه لا يستعاذ إلا مما يجوز التكليف به. وأجيب بأن المعنى: (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به إلا بمشقة) وقيل: إن الآية محكمة في المؤمنين والكافرين، يغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين. قال النووي كثّفُ: قال الواحدي: وهو مذهب المحققين . قوله: (قال: نعم) إلخ: وفي رواية أخرى: ((قال: قد فعلت)) أي: قال الله: استجبت لكم فيما دعوتموني . ١٤٢ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٢٦ - (٢٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرِ (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَّالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) وَكِيْعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، مَوْلَى خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيد بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١) قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هُذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىَّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. قَالَ: دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ. فَقَال النَّبِيِّ نَّهِ: ((قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا)) قَالَ: فَأَلْقَى اللَّهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَِّينَآَ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَّا﴾ - قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ ﴿وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَنَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. (٥٨) - باب: تجاوز اللَّه عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر ٣٢٧ - (٢٠١) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْغُبَرِيُّ (وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ) قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَِّي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا، أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ». ٢٠٠ - (١٢٦) - قوله: (فألقى الله الإيمان في قلوبهم) إلخ: أي: الإذعان والانقياد والاستسلام. (٥٨) - باب: تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر] ٢٠١ - (١٢٧) - قوله: (عن زرارة بن أوفى) إلخ: هو قاضي البصرة، مات وهو ساجد، أورده الترمذي تكّثهُ، وكان ذلك سنة ثلاث وتسعين. قوله: (ما حدثت به أنفسها) ضبط ((أنفسها)) بالنصب للأكثر، ولبعضهم: بالرفع، وقال الطحاوي بالثاني، وبه جزم أهل اللغة يريدون بغير اختيارها، كقوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ، نَفْسٌُ﴾ [قَ، آية: ١٦]. قوله: (ما لم يتكلموا أو يعملوا به) إلخ: قال الكرماني: ((فيه أن الوجود الذهني لا أثر له، وإنما الاعتبار بالوجود القولي في القوليات، والعملي في العمليات، وقد احتج به من لا يرى (١) قوله: ((عن ابن عباس)) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب التفسير، باب ومن سورة البقرة، رقم (٢٩٩٢) وأحمد في مسنده: (٢٣٣/١ و٣٣٢). . ١٤٣ كتاب: الإيمان ٣٢٨ - (٢٠٢) حدّثني عَمْروٌ النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّار. قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. كُلُّهُمْ عَنْ سَعِيدِ بْنٍ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ» . ٣٢٩ - (٠٠٠) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ وَهِشَامٌ. ح وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ شَيْبَانَ. جَمِيعاً عَنْ قَتَادَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. (٥٩) - باب: إذا همّ العبد بحسنة كتبت وإذا همّ بسيئة لم تكتب ٣٣٠ - (٢٠٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ) (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(٢)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيْئَةٍ فَلاَ تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيْئَةً، المؤخذة بما وقع في النفس، ولو عزم عليه، وانفصل من قال: يؤاخذ بالعزم، بأنه نوع من العمل، يعني: عمل القلب)). قلت: وظاهر الحديث أن المراد بالعمل عمل الجوارح، لأن المفهوم من لفظ ((ما لم يعمل)) يشعر بأن كل شيء في الصدر لا يؤاخذ به، سواء توطن به أو لم يتوطن. كذا في الفتح. [(٥٩) - باب: إذا همَّ العبد بحسنة كتبت وإذا همَّ بسيئة لم تكتب] ٢٠٣ - (١٢٨) - قوله: (إذا همّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه) إلخ: أمر للحفظة، وفيه دليل (١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العتق، باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه، رقم (٢٥٢٨) وفي كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق، والكره ... رقم (٥٢٦٩) وفي كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسياً في الأيمان، رقم (٦٦٦٤) والنسائي في سننه، في كتاب الطلاق، باب من طلق في نفسه، رقم (٣٤٦٣) و(٣٤٦٤) و(٣٤٦٥) وأبو داود في سننه، في كتاب الطلاق، باب في الوسوسة بالطلاق، رقم (٢٢٠٩) والترمذي في جامعه، في كتاب الطلاق، باب ما جاء فيمن يحدث نفسه بطلاق امرأته، رقم (١١٨٣) وابن ماجه في سننه، في كتاب الطلاق، باب من طلق في نفسه ولم يتكلم به، رقم (٢٠٤٠) وباب طلاق المكره والناسي، رقم (٢٠٤٤) وأحمد في مسنده (٢/ ٣٩٣ و٤٢٥ و٤٧٤ و٤٨١ و٤٩١). (٢) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى : = ١٤٤ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم على أن الملك يطلع على ما في قلب الآدمي إما بإطلاع الله إياه، أو بأن يخلق له علماً يدرك به ذلك، ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي الدنيا عن عمران الجوني، قال: ((يُنَادَى الملك: اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول: يا رب، إنه لم يعمله، فيقول: إنه نواه))، وقيل: بل يجد الملك للهمّ بالسيئة رائحة خبيثة، وبالحسنة رائحة طيبة، وأخرج ذلك الطبري عن أبي معشر المدني، وجاء مثله عن سفيان بن عيينة، ورأيت في شرح مغلطاي أنه ورد مرفوعاً. كذا في الفتح. قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر كثّفة: وقع في حديث أبي كبشة الأنماري ما قد يعارض ظاهر حديث الباب، وهو ما أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذي، وصححه، بلفظ : ((إنما الدنيا لأربعة ... ((فذكر الحديث، وفيه: ((وعبد رزقه الله مالاً، ولم يرزقه علماً، فهو يعمل في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يرى لله فيه حقاً، فهذا بأخبث المنازل، ورجل لم يرزقه الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهما في الوزر سواء)) فقيل: الجمع بين الحديثين بالتنزيل على حالتين، فتحمل الحالة الأولى على من همّ بالمعصية همّا مجرداً من غير تصميم، والحالة الثانية على من صمّم على ذلك، وأصرّ عليه، وهو موافق لما ذهب الباقلاني وغيره)) اهـ. قلت: حديث أبي كبشة الأنماري ربه ليس من باب العزم في شيء حتى يستدل به من يقول بالمؤاخذة بالعزم، فإن مدلول حديث أبي كبشة إنما هو التحسر على فوات معصية الله، وفقدان أسبابها، وهذا من الكيفيات النفسانية التي تلحق بالملكات: كالحسد، والعجب، والنفاق، والكبر، وغيرها. وكذلك حب شيوع الفاحشة، وإساءة الظن بالله وبالمؤمنين ليسا من مراتب القصد، بل هما من جنس الأخلاق الذميمة والملكات الرديئة التي يؤاخذ بها العبد بالاتفاق، فيظهر على هذا ركاكة الاحتجاج بقوله عزّ وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ﴾ [النور، ١٩] وقوله تعالى: ﴿أَجْتَنُواْ كَثِيرًا مِنَ الَّنِ﴾ [الحجرات، آية: ١٢] على المؤاخذة بالعزم. قال المازري: ذهب ابن الباقلاني - يعني: ومن تبعه - إلى أن عزم على المعصية بقلبه، ووطن عليها نفسه أنه يأثم، وحمل الأحاديث الواردة في العفو عمن همّ بسيئة ولم يعملها على الخاطر الذي يمر بالقلب ولا يستقر. قال المازري: وخالفه كثير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، ونقل ذلك عن نص الشافعي، ويؤيده قوله في حديث أبي هريرة فيما أخرجه مسلم من طريق همام عنه بلفظ: ((فأنا أغفرها له ما لم يعملها)) فإن الظاهر أن المراد بالعمل هنا الجارحة بالمعصية الموهوم به . ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ رقم (٧٥٠١) - والترمذي في جامعه، في كتاب التفسير، باب ومن سورة = الأنعام، رقم (٣٠٧٣) وأحمد في مسنده (٢٣٤/٢ و٢٤٢ و٣١٥ و٣١٧ و٤١١ و ٤٩٨). ١٤٥ كتاب: الإيمان وتعقبه عياض بأن عامة السلف وأهل العلم على ما قال ابن الباقلاني لاتفاقهم على المؤاخذة بأعمال القلوب، لكنهم قالوا: إن العزم على السيئة يكتب سيئة مجردة، لا السيئة التي همّ أن يعملها، كمن يأمر بتحصيل معصية، ثم لا يفعلها بعد حصولها، فإنه يأثم بالأمر المذكور، لا بالمعصية. ومما يدل على ذلك حديث: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)) . والذي يظهر أنه من هذا الجنس، وهو أنه يعاقب على عزمه بمقدار ما يستحقه، ولا يعاقب عقاب من باشر القتل حساً . قال الحافظ تَخْفُهُ: ((وأجيب عن القول الأول بأن المؤاخذة على أعمال القلوب المستقلة بالمعصية لا تستلزم المؤاخذة على عمل القلب بقصد معصية الجارحة إذا لم يعمل المقصود، للفرق بين ما هو بالقصد وما هو بالوسيلة. وقسم بعضهم ما يقع في النفس أقساماً يظهر منها الجواب عن الثاني، أضعفها أن يخطر له ثم يذهب في الحال، وهذا من الوسوسة، وهو معفو عنها، وهو دون التردد. وفوقه أن يتردد فيه، فيهمّ به ثم ينفر عنه فيتركه، ثم يهمّ به ثم يترك كذلك، ولا يستمر على قصده، وهذا هو التردد، فيعفى عنه أيضاً . وفوقه أن يميل إليه، ولا ينفر منه، بل يصمم على فعله، فهذا هو العزم. وهو منتهى الهمّ (وبعضهم خمس القسمة وقالوا: إن حديث النفس بين التردد - الذي يسمى عندهم خاطر - وبين الهمّ، قال الشاعر: فخاطر فحديث النفس فاستمعا مراتب القصد خمس هاجس ذكروا سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا يليه همّ فعزم كلها رفعت ثم العزم على قسمين : القسم الأول: أن يكون من أعمال القلوب صرفاً، كالشك في الوحدانة أو النبوة، أو البعث، فهذا كفر، ويعاقب عليه جزماً، ودونه المعصية التي لا تصل إلى الكفر، كمن يحب ما يبغض الله ويبغض ما يحبه الله، ويحب للمسلم الأذى بغير موجب لذلك، فهذا يأثم ويلتحق به : الكبر، والعجب، والبغي، والمكر، والحسد. وفي بعض هذا خلاف، فعن الحسن البصري تغذّثُ أن سوء الظن بالمسلم وحسده معفو عنه، وحملوه على ما يقع في النفس مما لا يقدر على دفعه، لكن من يقع له ذلك مأمور بمجاهدته النفس على تركه. والقسم الثاني: أن يكون من أعمال الجوارح: كالزنا، والسرقة، فهو الذي وقع فيه ١٤٦ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا النزاع، فذهبت طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلاً، ونقل عن نص الشافعي كثّهُ، ويؤيده ما وقع في حديث خريم بن فاتك المنبه عليه بعد، فإنه حيث ذكر الهمّ بالحسنة قال: ((علم الله أنه أشعرها قلبه، وحرص عليها))، وحيث ذكر الهم بالسيئة لم يقيد بشيء، بل قال فيه: ((ومن همّ بسيئة لم تكتب عليه))، والمقام مقام الفضل، فلا يليق التحجير فيه. وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمم، وسأل ابن المبارك سفيان الثوري: أيؤاخذ العبد بما يهمّ به؟ قال: إذا جزم بذلك، واستدل كثير منهم بقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ ◌ِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة، آية: ٢٢٥]. وحملوا حديث أبي هريرة الصحيح المرفوع: ((إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تكلم)): على الخطرات - كما تقدم - ثم افترق هؤلاء: فقالت طائفة: يعاقب عليه في الدنيا خاصة بنحو الهمّ والغمّ. وقالت طائفة: بل يعاقب عليه يوم القيامة، لكن بالعتاب لا بالعذاب، وهذا قول ابن جريج، والربيع بن أنس، وطائفة، ونسب ذلك إلى ابن عباس رضيها أيضاً، واستدلوا بحديث النجوى المخرج في ((باب ستر المؤمن على نفسه)) من ((كتاب الأدب)) من البخاري . واستثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم مؤاخذة من وقع منه الهمّ بالمعصية ما يقع في الحرم المكي، ولو لم يصمم في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلٍْ تُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج، آية: ٢٥]. وأجاب من لم يقل بالمؤاخذة بالعزم عن حديث الملتقيين بسيفيهما أنه يتعلق بملتقيين عزم كل منهما على صاحبه، واقترن بعزمه فعل بعض ما عزم عليه، وهو شهر السلاح وإشارته به إلى الآخر، فهذا الفعل يؤاخذ به سواء حصل القتل أم لا، ولا يلزم من قوله: ((فالقاتل والمقتول في النار)) أن يكونا في درجة واحدة من العذاب بالاتفاق)). كذا في الفتح. قوله: (وإذا همّ بحسنة) إلخ: قد ورد ما يدل على أن مطلق الهم والإرادة لا يكفي، فعند أحمد - وصححه ابن حبان، والحاكم - من حديث خريم بن فاتك، رفعه: ((ومن همّ بحسنة يعلم الله أنه قد أشعر بها قلبه، وحرص عليها)) وقد تمسك به ابن حبان، فقال بعد إيراد حديث الباب في صحيحه: ((المراد بالهمّ هنا العزم، ثم قال: ويحتمل أن الله يكتب الحسنة بمجرد الهمّ بها، وإن لم يعزم عليها، زيادة في الفضل)). قوله: (فلم يعملها) إلخ: ظاهر الحديث حصول الحسنة بمجرد الترك، سواء كان ذلك المانع، أم لا، ويتجه أن يقال: يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع، فإن كان خارجياً مع بقاء قصد الذي همّ بفعل الحسنة: فهي عظيمة القدر، ولا سيما إن قارنها ندم على تفويتها، ١٤٧ كتاب: الإيمان فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةٌ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْراً)). ٣٣١ - (٢٠٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ؛ قَالَ: ((قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبْتُهَا لَهُ حَسَنَةٌ، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ. وَإِذَا هَمَّ بِسَيْئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ أَكْتُبْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيْئَةً وَاحِدَةً)). ٣٣٢ - (٢٠٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بِهِ: ((قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةٌ فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْ، فَإِذَا عَمِلَهِا فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيْئَةً فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا)) . ٣٣٣ - ٠٠٠ /٠٠٠ - وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((قَالَتِ الْمَلائِكَةُ: رَبِّ، ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيْئَةً (وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ) فَقَالَ: ارْقُبُوهُ. فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا واستمرت النية على فعلها عند القدرة، وإن كان الترك من الذي هم من قبل نفسه: فهي دون ذلك إلا إن قارنها قصد الإعراض عنها جملة، والرغبة عن فعلها، ولا سيما إن وقع العمل في عكسها، كأن يريد أن يتصدق بدرهم - مثلاً - فصرفه بعينه في معصية، فالذي يظهر في الأخير أن لا تكتب له حسنة أصلاً، وأما ما قبله فعلى الاحتمال. قاله الحافظ. قوله: (فاكتبوها حسنة) إلخ: إنما كتبت الحسنة بمجرد الإرادة، لأن إرادة الخير سبب إلى العمل، وإرادة الخير خير، لأن إرادة الخير من عمل القلب. واستشكل بأن عمل القلب إذا اعتبر في حصول الحسنة، فكيف لم يعتبر في حصول السيئة؟ وأجيب بأن ترك عمل السيئة التي وقع الهمّ بها يكفرها، لأنه قد نسخ قصده السيئة، وخالف هواه. ٢٠٤ - (٠٠٠) - قوله: (سيئة واحدة) إلخ: يستفاد من التأكيد بقوله: ((واحدة)) أن السيئة لا تضاعف كما تضاعف الحسنة، وهو على وفق قوله تعالى: ﴿فَلَ يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام، آية: ١٦٠]. قال ابن عبد السلام في أماليه: ((فائدة التأكيد دفع توهم من يظن أنه إذا عمل السيئة كتبت عليه سيئة العمل، وأضيفت إليها سيئة الهمّ، وليس كذلك، إنما يكتب عليه سيئة واحدة)). ٢٠٥ - (١٢٩) - قوله: (وهو أبصر به) إلخ: أي: الرب سبحانه وتعالى أبصر بالعبد، لا يحتاج لى إعلام الملائكة. والله أعلم. ١٤٨ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ)). ٣٣٤ - ٠٠٠/٠٠٠ - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلاَمَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكَلُّ سَيْئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ)) . ٣٣٥ - (٢٠٦) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبِ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدِ الأَحْمَرُ، عَنْ هِشَامِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُوَّلُ اللَّهِ بَّهِ: ((مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَعَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْراً إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيْئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ تُكْتَبْ، وَإِنْ عَمِلَهَا، كُتِبَتْ)). ٣٣٦ - (٢٠٧) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءِ الْعُطَارِدِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مَِّ، قوله: (إنما تركها من جرّاي) إلخ: بفتح الجيم، وتشديد الراء، وبعد الألف ياء المتكلم، وهي بمعنى: ((من أجلي)). قال الحافظ: ((يحتمل أن تكون حسنة من ترك بغير استحضار ما قيد به دون حسنة الآخر، لما تقدم أن ترك المعصية كف عن الشر، والكف عن الشر خير، ويحتمل أيضاً أن يكتب لمن همّ بالمعصية ثم تركها حسنة مجردة، فإن تركها من مخافة ربه سبحانه كتبت حسنة مضاعفة. وقال الخطابي: محل كتابة الحسنة على الترك أن يكون التارك قد قدر على الفعل ثم تركه، لأن الإنسان لا يسمى تاركاً إلا مع القدرة، ويدخل فيه من حال بينه وبين حرصه على الفعل مانع، كأن يمشي إلى امرأة ليزني بها - مثلاً - فيجد الباب مغلقاً، ويتعسر فتحه، ومثله من تمكن من الزنا - مثلاً - فلم ينتشر، أو طرقه ما يخاف من أذاه عاجلاً . قوله: (إذا أحسن أحدكم إسلامه) إلخ: أي: أسلم إسلاماً حقيقياً، لا كإسلام المنافقين. ٢٠٧ - (١٣١) - قوله: (أبو رجاء العطاردي) إلخ: اسمه عمران بن تيم، وقيل: ابن ملحان، وقيل: ابن عبد الله، أدرك زمن النبي وليه ولم يره، وأسلم عام الفتح، وعاش مائة وعشرين سنة، وقيل: مائة وثمانيا وعشرين سنة، وقيل: مائة وثلاثين سنة. (١) قوله: ((عن ابن عباس)) الحديث أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب من همّ بحسنة أو سيئة، رقم (٦٤٩١) والدارمي في سننه، في كتاب الرقاق، باب الحسنة تضاعف (وفي نسخة: باب منّ هم بحسنة) رقم (٢٧٨٩) وأحمد في مسنده (٢٢٧/١ و٢٧٩ و٣١٠ و٣٦١). ١٤٩ كتاب: الإيمان فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى؛ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيْئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذُلِكَ. فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَّبَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَّنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَها اللَّهُ عندهُ حَسَنَةً كَامِلَةٌ. وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَها اللَّهُ سَيْئَةً وَاحِدَةً». ٣٣٧ - (٢٠٨) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ، فِي هُذَا الإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ. وَزَادَ ((وَمَحَاهَا اللَّهُ، وَلَا يَهْلِكُ عَلَّى اللَّهِ إِلا هَالِكٌ)). قوله: (فيما يروى عن ربه عزّ وجل) إلخ: أي: الحديث من الأحاديث الإلهية. قوله: (ثم بين ذلك) إلخ: أي: فصله بقوله: ((فمن همّ))، والمجمل قوله: ((كتب الحسنات والسيئات)). قوله: (كتبها الله عنده) إلخ: أشار إلى مزيد الاعتناء به. قوله: (حسنة كاملة) إلخ: أشار إلى تعظيم الحسنة وتأكيد أمرها، فالمراد بالكمال عظم القدر لا التضعيف إلى العشرة، كمازعم بعضهم. ٢٠٨ - (٠٠٠) - قوله: (ومحاها الله) إلخ: فيه أن الله سبحانه وتعالى بفضله وكرمه جعل العدل في السيئة، والفضل في الحسنة، فضاعف الحسنة ولم يضاعف السيئة، بل أضاف فيها إلى العدل الفضل، فأدارها بين العقوبة والعفو بقوله: ((كتبت له واحدة أو يمحوها))، وبقوله: ((فجزاؤه بمثلها)) أو ((أغفر)). قوله: (ولا يهلك على الله إلا هالك) إلخ: أي: لن يهلك مع سعة هذه الرحمة إلا من حقت عليه الكلمة، وهو من أصرّ على التجرؤ على السيئة عزماً وقولاً وفعلاً، وأعرض عن الحسنات همّاً وقولاً وفعلاً. قال ابن بطال: «في هذا الحديث بيان فضل الله العظيم على هذه الأمة، لأنه لولا ذلك كاد لا يدخل أحد الجنة، لأن عمل العباد للسيئات أكثر من عملهم الحسنات، ويؤيد ما دل عليه حديث الباب من الإثابة على الهمّ بالحسنة، وعدم المؤاخذة على الهمّ بالسيئة: قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتّْ﴾ إذ ذكر في السوء الافتعال الذي يدل على المعالجة والتكلف فيه بخلاف الحسنة)). ١٥٠ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٦٠) - باب: بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها ٣٣٨ - (٢٠٩) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّرَ فَسَأَلُوُهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: ((وَقَدْ وَجدْتُمُوهُ)) قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: ((ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ)). ٣٣٩ - (٢١٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْروِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو (٦٠) - باب: بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها ٢٠٩ - (١٣٢) - قوله: (ما يتعاظم أحدنا) إلخ: وتعاظم: تفاعل: بمعنى المبالغة، لأن زيادة المبنى لزيادة المعنى، فإن الفعل الواحد إذا جرى بين اثنين يكون مزاولته أشق من مزاولته وحده، ولذا قيل: المفاعلة إذا لم تكن للمغالبة فهي للمبالغة، أي: نستعظم غاية الاستعظام. قوله: (أن يتكلم به) إلخ: أي: للعلم بأنه لا يليق أن نعتقده. قوله: (وقد وجدتموه) إلخ: وفي المشكاة من رواية المؤلف: ((أو قد وجدتموه)). قال علي القاري تخلفه: ((الهمزة للاستفهام التقريري، والواو المقرونة بها للعطف على مقدر، أي: أحصل ذلك وقد وجدتموه)). قوله: (ذلك صريح الإيمان) إلخ: قال الشارح كثّفُ: ((أي: استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به - فضلاً عن اعتقاده - إنما يكون لمن استكمل الإيمان إستكمالاً محققاً، وانتفت الريبة والشكوك. واعلم أن الرواية الثانية، وإن لم يكن فيها ذكر الاستعظام، فهو مراد، وهي مختصرة من الرواية الأولى، ولهذا قدم مسلم تقَّثُ الرواية الأولى. وقيل: معناه أن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه؟ فينكد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه، وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء، ولا يقتصر في حقه على الوسوسة، بل يتلاعب به كيف أراد، فعلى هذا معنى الحديث: سبب الوسوسة محض الإيمان، أو الوسوسة علامة محض الإيمان)). قال علي القاري: ((فإن اللص لا يدخل البيت الخالي، ولذا روي عن علي نظُّه وكرم الله وجهه: ((أن الصلاة التي لا وسوسة فيها إنما هي صلاة اليهود والنصارى)). (١) قوله: عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الأدب، باب في ردّ الوسوسة، رقم (٥١١١) وأحمد في مسنده (٢/ ٤٤١ و٤٥٦). ، ١٥١ كتاب: الإيمان الْجَوَّابِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ. كِلاَهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ◌ََّهَ بِهِذَا الْحَدِيثِ. ٣٤٠ - (٢١١) حدّثنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَثَّامٍ، عَنْ سُعَيْرِ بْنِ الْخِمْسِ عَنْ مُغِيرةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ(١)؛ قَالَ: سُئِلَ الشَّبِيُّ ◌َِّ عَنِ الْوَسْوَسَةِ؟ قَالَ: ((تِلْكَ مَحْضُ الإِيمَانِ)) . ٣٤١ - (٢١٢) حدّثنا هَارُونَ بْنُ مَعْرُوفٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ (وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ) قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(٢)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((لا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا: خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذُلِكَ شَيْئاً فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ). ٢١٠ - (٠٠٠) - قوله: (أبو الجواب) إلخ: بفتح الجيم، وتشديد الواو، آخره باء موحدة، اسمه الأحوص بن جواب. قوله: (عمار بن رزيق) إلخ: بتقديم الراء على الزاي. ٢١١ - (١٣٣) - قوله: (علي بن عثام) إلخ: بالثاء المثلثة .. قوله: (عن سعير بن الخمس) إلخ: سعير: بضم السين المهملة، وآخره راء، والخمس: بكسر الخاء المعجمة، وإسكان الميم، وبالسين المهملة . ٢١٢ - (١٣٤) - قوله: (لا يزال الناس يتساءلون) إلخ: أي: يسأل بعضهم بعضاً. قوله: (حتى يقال: هذا خُلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ) إلخ: يحتمل أن يكون ((هذا)) مفعولاً، والمعنى: حتى يقال هذا القول، وأن يكون مبتدأ حذف خبره، أي: هذا الأمر قد علم. وأما الرواية الأخرى عند مسلم بلفظه(٣): ((هذا الله خلقنا، فمن خلق الله؟)) فيحتمل مع هذين الاحتمالين أن يكون ((هذا)) مبتدأ، و((الله)) عطف بيان، و((خلقنا)) خبره. قوله: (فليقل: آمنت بالله) إلخ: وزاد في الرواية الأخرى: ((ورسله أي: آمنت بالذي قال الله ورسله من وصفه تعالى بالتوحيد والقدم. وقوله سبحانه وإجماع الرسل هو الصدق والحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال)). (١) قوله: ((عن عبد الله)) لم أجد هذا الحديث عند أحد من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله. (٢) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (٣٢٧٦) وأبو داود في سننه، في كتاب السنة، باب في الجهمية، رقم (٤٧٢١) و(٤٧٢٢) وأحمد في مسنده (٣٣١/٢). (٣) لعله ((بلفظ)) بدون الإضافة إلى الضمير، والله أعلم. ١٥٢ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٤٢ - (٢١٣) وحدّثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّصْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَيُّوَ قَالَ: ((يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ مَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ)). ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ. وَزَادَ (وَرُسُلِهِ)). ٣٤٣ - (٢١٤) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعاً عَنْ يَعْقُوبَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذُلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ». ٢١٣ - (٠٠٠) - قوله: (أبو النضر) إلخ: أي: هاشم بن القاسم. قوله: (أبو سعيد المؤدب) إلخ: اسمه محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، واسم أبي الوضاح: المثنى، وكان يؤدب المهدي وغيره من الخلفاء. قوله: (فيقول: من خلق السماء) إلخ: وغرضه أن يوقعه في الغلط والكفر. قوله: (وزاد ورسله) إلخ: ولأبي داود، والنسائي، من الزيادة: ((فقولوا: الله أحد، الله الصمد، ... السورة، ثم ليتفل عن يساره، ثم ليستعذ)). ٢١٤ - (٠٠٠) - قوله: (ابن أخي ابن شهاب) إلخ: هو محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد اللّه بن شهاب: أبو عبد الله. قوله: (فليستعذ بالله ولینته) إلخ: أي: عن الاسترسال معه. قال الحافظ: ((وكأن السؤال عن ذلك لما كان واهياً لم يستحق جواباً أو الكف عن ذلك نظير الأمر بالكف عن الخوض في الصفات والذات. قال المازري كثّفُهُ: الخواطر على قسمين: فالتي لا تستقر ولا يجلبها شبهة هي التي تندفع بالإعراض عنها، وعلى هذا ينزل الحديث، وعلى مثلها ينطلق اسم الوسوسة. وأما الخواطر المستقرة الناشئة عن الشبهة فهي التي لا تندفع إلا بالنظر والاستدلال. وقال الطيبي تنظُّ: إنما أمر للاستعاذة والاشتغال بأمر آخر، ولم يأمر بالتأمل والاحتجاج، لأن العلم باستغناء الله - جل وعلا - عن الموجد: أمر ضروري لا يقبل المناظرة، ولأن الاسترسال في الفكر في ذلك لا يزيد المرء إلا حيرة، ومن هذا حاله فلا علاج له إلا الملجأ إلى الله تعالى والاعتصام به، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزٌْ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾(١) (١) قوله: ﴿وإما ينزغنك ... ﴾ بالفاء، كذا في الأصل المطبوع، وما في التنزيل بالواو، انظر الأعراف: ٢٠٠، وفصلت: ٣٦. ١٥٣ كتاب: الإيمان ٣٤٤ - (٠٠٠) حدّثني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، قال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي. قال: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((يَأْتِي الْعَبْدَ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟))؟ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ. ٣٤٥ - (٢١٥) حدّثني عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قال: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((لا يَزَالُ النَّاسُ يَسْأَلُونَكُمْ عَنِ الْعِلْمِ، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَلَقَنَا. فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟)). قَالَ، وَهُوْ آخِذٌ بِيَدِ رَجُلٍ فَقَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، قَدْ سَأَلَنِي أَثْنَانِ وَهُذَا الثَّالِثُ، أَوْ قَالَ: سألني واحِدٌ وَهْذَا الثَّانِي. [الأعراف، آية: ٢٠٠] والاستعاذة طلب المعاونة على دفع الشيطان. قال المهلب: لا بد من إيجاب خالق لا خالق له، لأن المتفكر العاقل يجد للمخلوقات كلها خالقاً لأثر الصنعة فيها، والحدث الجاري عليها، والخالق بخلاف هذه الصفة، فوجب أن يكون لكل منها خالق لا خالق له، فهذا هو صريح الإيمان، لا البحث الذي هو من كيد الشيطان المؤدي إلى الحيرة. وقال ابن بطال: فإن قال الموسوس: فما المانع أن يخلق الخالق نفسه؟ قيل له: هذا ينقض بعضه بعضاً، لأنك أثبت خالقاً وأوجبت وجوده، ثم قلت: يخلق نفسه، فأوجبت عدمه، والجمع بين كونه موجوداً ومعدوماً فاسد، لتناقضه، لأن الفاعل يتقدم وجوده على وجود فعله، فيستحيل كون نفسه فعلاً له، قال: وهذا واضح في حل هذه الشبهة، وهو يفضي إلى صريح الإيمان . وقال ابن التين: ولو جاز لمخترع الشيء أن يكون له مخترع لتسلسل، فلا بد من الانتهاء إلى موجد قديم، والقديم من لا يتقدمه شيء ولا يصح عدمه، وهو فاعل لا مفعول، وهو الله تبارك وتعالى. ٢١٥ - (١٣٥) - قوله: (لا يزال الناس يسألونكم) إلخ: فيه إشارة إلى ذم كثرة السؤال، لأنها تفضي إلى المحذور، كالسؤال المذكور، فإنه لا ينشأ إلا من جهل مفرط. قوله: (وهو آخذ بيد رجل) إلخ: ويقال: إن نحو هذه المسألة وقعت في زمن الرشيد في قصة له مع صاحب الهند، وإنه كتب إليه: هل يقدر الخالق أن يخلق مثله؟ فسأل أهل العلم، فبدر شابٌ فقال: هذا السؤال محال، لأن المخلوق محدث، والمحدث لا يكون مثل القديم، فاستحال أن يقال: يقدر أن يخلق مثله أو لا يقدر، كما يستحيل أن يقال في القادر العالم: يقدر أن يصير عاجزاً جاهلاً (أي: مع كونه عالماً قادراً). ١٥٤ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٤٦ - (٠٠٠) وَحَدّثنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ((لا يَزَالُ النَّاسُ)). بِمِثْلٍ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ وََِّّ فِي الإِسْنَادِ، وَلَكِنْ قَدْ قَالَ فِي آخِرٍ الْحَدِيثِ: صَدَقَ اللَّهُ ورسُولُهُ. ٣٤٧ - (٠٠٠) وَحدَثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرُّومِيِّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ لِي رَسُوَّلُ اللَّهِ وَّةِ: ((لا يَزَالُونَ يَسْأَلُونَكَ، يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟)) قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ إِذْ جَاءَنِي نَاسٌ مِنَ الأَغْرَابِ. فَقَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةً، هذَا اللَّهُ. فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ قَالَ: فَأَخَذَ حَصَى بِكَفِّهِ فَرَمَاهُمْ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا، قُومُوا، صَدَقَ خليلي. ٣٤٨ - (٢١٦) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَام، حَدَّثْنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ، قَالَ: سَمِغْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالُ رَسُولُ اللَّهِ وَيَتْ: (َيَسْأَلَنَكُمُ النَّاسُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يَقُولُوا: اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَمَنَ خَلَقَهُ؟». ٣٤٩ - (٢١٧) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ بْنِ زُرَارَةَ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ(١)، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَلَ قَالَ: ((قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَّلَّ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ يَزَالُونَ يَقُولُونَ: مَا كَذَا؟ مَا كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟)). ٣٥٠ - (٠٠٠) حدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائدَةَ. كِلاَهُمَا عَنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِّ وَّةِ، بِهِذَا الْحَدِيثِ. غَيْرَ أَنَّ إِسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْ: ((قَالَ: قَالَّ اللَّهُ: إِنَّ أُمَّتَكَ)) . ٢١٧ - (١٣٧) - قوله: (إن أمتك لا يزالون) إلخ: أي: أمة الدعوة، أو بعض أمة الإجابة بطريق الجهالة أو الوسوسة من الأمور العامة. والمقصود من الحديث إعلامه تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام بما سيقع من أمته، ليحذرهم منه. كذا في المرقاة. (١) قوله: ((عن أنس بن مالك)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال ومن تكلف ما لا يعنيه، رقم (٧٢٩٦). ١٥٥ كتاب: الإيمان (٦١) - باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار ٣٥١ - (٢١٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرِ، جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قال: أَخْبَرَنَّا الْعَلَاَءُ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ مَوْلَى الْحُرَقَّةِ - عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ السَّلَمِيِّ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةً(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ قَالَ: ((مَنَ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِم بِيَمِينِهِ، فَقَذَ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الثَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)) فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئاً يَسِيراً، (٦١) - باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار ٢١٨ - (١٣٧) - قوله: (مولى الحرقة) إلخ: بضم الحاء، وفتح الراء، وهي بطن من جهينة . قوله: (عن معبد بن كعب السلمي) إلخ: بفتح السين واللام، منسوب إلى بني سلمة - بكسر اللام ــ من الأنصار، وفي النسب: بفتح اللام على المشهور عند أهل العربية وغيرهم. قوله: (عن أبي أمامة) إلخ: أي: الحارثي لا الباهلي المشهور. قوله: (من اقتطع) إلخ: أي: ذهب بطائفة من ماله وفصلها عنه، يقال: اقتطعت من الشيء قطعة . قوله: (حق امرئ) إلخ: والحق أعم من المال. قوله: (امرئ مسلم) إلخ: تقييده بالمسلم لا يدل على عدم تحريم حق الذمي، لتفظيع شأن مرتكب هذه العظيمة كما مرَّ، لأن أخوة الإسلام تقتضي القيام بحقه ومراعاة جانبه في سائر ماله وعليه، وهذه الفائدة كامنة في التقييد، فلا يذهب إلى العمل بالمفهوم. قوله: (بيمينه) إلخ: أي: الكاذبة. قوله: (وحرم الله عليه الجنة) إلخ: قال الطيبي تخّفُ: ((يدل على التأبيد بعد احتمال الخروج من قوله: ((أوجب الله عليه النار)) وقيل: في تأويله وجهان: أحدهما: أنه محمول على المستحل لذلك إذا مات عليه، وثانيهما: أنه قد استحق النار ويجوز العفو عنه، وقد حرم عليه دخول الجنة أول وهلة مع الفائزين)». (١) قوله: ((عن أبي أمامة)) واسمه إياس بن ثعلبة الحارثي، والحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب آداب القضاة، باب القضاء في قليل المال وكثيره، رقم (٥٤٢١) وابن ماجه في سننه، في كتاب الأحكام، باب من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها مالاً، رقم (٢٣٢٣) والدارمي في سننه، في كتاب البيوع، باب فيمن اقتطع مال امرىء مسلم بيمينه، رقم (٢٦٠٦) و(٢٦٠٧) وأحمد في مسنده (٢٦٠/٥). ١٥٦ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((وَإِنْ قَضِيباً مِنْ أَرَاكِ)). ٣٥٢ - (٢١٩) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ يُحَدِّثُ، أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْحَارِثَيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ بِمِثْلِهِ. ٣٥٣ _ ٢٢٠ / وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ. حِ وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ (وَاللَّفْظُ لَهُ) أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ(١)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ؛ قَالَ: ((مَنْ خَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ، قوله: (وإن قضيباً من أراك) إلخ: بفتح أوله، أي: خشب سواك. قال النووي كظّفُهُ: (فيه دلالة على غلظ تحريم حقوق المسلمين، وأنه لا فرق بين قليل الحق وكثيره في ذلك، وكان مراده عدم الفرق بين غلظ التحريم لا في مراتب الغلظ، وقد صرح ابن عبد السلام في ((القواعد)) بالفرق بين القليل والكثير، وكذا بين ما يترتب عليه كثيرة المفسدة وحقيرها . ٢٢٠ - (١٣٨) - قوله: (عن عبد اللّه) إلخ: هو ابن مسعود رُه. قوله: (من حلف) إلخ: في النهاية: الحلف: هو اليمين، فخالف بين اللفظين تأكيداً. قوله: (على يمين صبر) إلخ: بفتح الصاد وسكون الموحدة. (١) قوله: ((عن عبد الله)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المساقاة، باب الخصومة في البئر رقم (٢٣٥٦) وكتاب الخصومات، باب كلام الخصوم بعضهم في بعض، رقم (٢٤١٦) وكتاب الرهن، باب إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه، رقم (٢٥١٥) وفي كتاب الشهادات، باب سؤال الحاكم المدعي: هل لك بينة؟ قبل اليمين، رقم (٢٦٦٦) وباب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود، رقم (٢٦٦٩) وباب يحلف المدعي عليه حيثما وجبت اليمين ... ، رقم (٢٦٧٣) وباب قول الله تعالى: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ... ، رقم (٢٦٧٦) وفي كتاب التفسير تفسير سورة آل عمران، باب إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم، رقم (٤٥٤٩) وفي كتاب الأيمان والنذور، باب عهد الله عز وجل، رقم (٦٦٥٩) وباب قول الله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ... ) رقم (٦٦٧٦) وفي كتاب الأحكام، باب الحكم في البئر ونحوها، رقم (٧١٨٣) وفي كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة﴾، رقم (٧٤٤٥) وأبو داود في سننه، في كتاب الأيمان والنذور، باب فيمن حلف يميناً ليقتطع بها مالاً لأحد، رقم (٣٢٤٣) والترمذي في جامعه، في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة آل عمران، رقم (٢٩٩٦) وابن ماجه في سننه، في كتاب الأحكام، باب من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها مالاً، رقم (٢٣٢٣) وأحمد في مسنده (٤١٦/١). ١٥٧ كتاب: الإيمان هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)) قَالَ: فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ(١) فَقَالَ: مَا يحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمُنِ؟ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا. قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمُنِ، فِيَّ نَزَلَتْ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ بَّهِ. فَقَالَ: ((هَلْ لَكَ بَيْنَةٌ؟)) فَقُلْتُ: لا. قال النووي تخذله: ((يمين صبر: بالإضافة، أي: ألزم بها وحبس عليها، وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم)). قوله: (هو فيها فاجر) إلخ: أي: كاذب، وتسمى هذه اليمين الغموس. قوله: (وهو عليه غضبان) إلخ: أي: يعرض عنه ولا ينظر إليه بعين الرحمة والعناية، وغضبان: غير منصرف، وهو صيغة مبالغة، ولذا قال الطيبي كثّفُ: ((أي: ينتقم منه، لأن الغضب إذا أطلق على الله كان محمولاً على الغاية)). قوله: (فدخل الأشعث بن قيس) إلخ: قال علي القاري تَّفُ في شرح المشكاة: ((أي: ابن معد يكرب، كنيته أبو محمد الكندي، قدم على النبي وَّر في وفد كندة، وكان رئيسهم، وذلك في سنة عشر، وكان رئيساً في الجاهلية، مطاعاً في قومه، وكان وجيهاً في الإسلام، وارتد عن الإسلام ثم رجع إلى الإسلام في خلافة أبي بكر رَظُه، ونزل الكوفة، ومات بها سنة أربعين، وصلى عليه الحسن بن علي ها، رواه عنه نفر كذا ذكره المؤلف، فهو صحابي عند الشافعي، تابعي عندنا لبطلان صحبته بالردة. قوله: (أرض باليمن) إلخ: وفي رواية منصور الآتية: ((أن الخصومة وقعت في بئر))، ويجمع بأن المراد أرض البئر، لا جميع الأرض التي هي أرض البئر، والبئر من جملتها. كذا في الفتح. (١) قوله: ((الأشعث بن قيس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المساقاة، باب الخصومة في البئر، رقم (٢٣٥٧) وفي كتاب الخصومات، باب كلام الخصوم بعضهم في بعض، رقم (٢٤١٧) وفي كتاب الرهن، باب إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه، رقم (٢٥١٦) وفي كتاب الشهادات باب سؤال الحاكم المدعى: هل لك بينة؟ قبل اليمين، رقم (٢٦٦٧) وباب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود، رقم (٢٦٧٠) وباب قول الله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله ثمناً قليلاً ... ﴾ رقم (٢٦٧٧) وفي كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم﴾، رقم (٤٥٥٠) وفي كتاب الأيمان والنذور، باب عهد الله عز وجل، رقم (٦٦٦٠) وباب قول الله تعالى: ﴿إن الذي يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ... ﴾، رقم (٦٦٧٧) وفي كتاب الأحكام، باب الحكم في البئر ونحوها، رقم (٧١٨٤)، وأبو داود في سننه، في كتاب الأيمان والنذور، باب فيمن حلف يميناً ليقتطع بها مالاً لأحد، رقم (٣٢٤٣)، والترمذي في جامعه، في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة آل عمران، رقم (٢٩٩٦). ١٥٨ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ: ((فَيَمِينُهُ)) قُلْتُ: إِذَنْ يَحْلِفُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ، عِنْدَ ذُلِكَ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ أَمْرِىءٍ مُسْلِم، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)) فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثُمَنَّا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. ٣٥٤ - (٢٢١) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالاَ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الأَعْمَشْ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِثِرٍ. فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَ. فَقَالَ: (شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ)). ٣٥٥ - (٢٢٢) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ، سَمِعَا شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهَ يَقُولُ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِىءٍ مُسْلِم بِغَيْرِ حَقْهِ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهَ، مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. ٣٥٦ - (٢٢٣) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وأَبُو عَاصِم الْحَنَفِيُّ (وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ) قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قوله: (فنزلت: إن الذين يشترون) إلخ: قال الحافظ في ((الفتح)): ((قد تقدم في تفسير آل عمران: أنها نزلت فيمن أقام سلعته بعد العصر فحلف كاذباً، وتقدم أنه يجوز أنها نزلت في الأمرين معاً)). وقال الكرماني: ((لعل الآية لم تبلغ ابن أبي أوفى إلا عند إقامة السلعة، فظن أنها نزلت في ذلك، أو أن القصتان وقعتا في وقت واحد، فنزلت الآية، واللفظ عام متناول لهما ولغيرهما)). قوله: (بعهد الله) إلخ: أي: بما عهد إليهم من أداء الأمانة وترك الخيانة. قوله: (ثمناً قليلاً) إلخ: أي: شيئاً يسيراً من حطام الدنيا، مع أن متاعها كلها قليل. ٢٢١ - (٠٠٠) - قوله: (شاهداك أو يمينه) إلخ: ظاهره يدل على ترك العمل باليمين مع الشاهد في الأموال. ٢٢٢ - (٠٠٠) - قوله: (لقي الله وهو عليه غضبان) إلخ: فيه التشديد على من حلف باطلاً ليأخذ حق مسلم، وهو عند الجميع محمول على من مات على غير توبة صحيحة، وعند أهل السنة محمول على من شاء الله أن يعذبه، كما تقدم تقريره مراراً . ٢٢٣ - (١٣٩) - قوله: (عن علقمة بن وائل عن أبيه) إلخ: وأبوه وائل بن حجر نظراته، ١٥٩ كتاب: الإيمان وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ (١)؛ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ وََّ. فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لأَّبِي. فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ لِلْحَضْرَمِيِّ: (أَلَكَ بَيْنَةٌ؟)) قَالَ: لاَ. قَالَ: ((فَلَكَ يَمِينُهُ)) قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لاَ يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ. فَقَال: ((لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلا ذُلِكَ)) فَانْطَلَقَ لِيَخْلِفَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ، لَمَّا أَذْبَرَ: ((أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْماً، لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ)) . وظاهر السياق أن المذكور في هذا الحديث قصة أخرى غير التي ذكرت في حديث ابن مسعود نظُه، ورواية عبد الملك بن عمير الآتية كالصريح في إثبات التعدد. قوله: (رجل من حضرموت) إلخ: بسكون الضاد والواو بين فتحات، هو موضع من أقصى اليمن. قوله: (ورجل من كندة) إلخ: كندة بكسر فسكون: أبو قبيلة من اليمن. قوله: (قد غلبني) إلخ: أي: بالغصب والتعدي. قوله: (هي أرضي) إلخ: أي: ملك لي. قوله: (في يدي) إلخ: أي: تحت تصرفي. قوله: (ليس لك منه إلا ذلك) إلخ: فيه أن يمين الفاجر تسقط عنه الدعوى، وأن فجوره في دينه لا يوجب الحجر عليه، ولا إبطال إقراره، ولولا ذلك لم يكن لليمين معنى. قوله: (فانطلق ليحلف) إلخ: فيه إشارة إلى أن لليمين مكاناً يختص به، وقد عهد في عهده ليز الحلف عند منبره، وبذلك احتج الخطابي فقال: كانت المحاكمة - والنبي وَلّ في المسجد - فانطلق المطلوب ليحلف، فلم يكن انطلاقه، إلا إلى المنبر، لأنه كان في المسجد، فلا بد أن يكون انطلاقه إلى موضع أخص منه فليتأمل. قوله: (فقال رسول الله وَل# لما أدبر) إلخ: فيه موعظة الإمام المطلوب إذا أراد أن يحلف، خوفاً من أن يحلف باطلاً، فيرجع إلى الحق بالموعظة. قوله: (وهو عنه معرض) إلخ: قال العلماء: الإعراض، والغضب، والسخط من الله تعالى هو: إرادته إبعاد ذلك المغضوب عليه من رحمته، وتعذيبه وإنكار فعله وذمه، والله أعلم. (١) قوله: ((عن أبيه)) وهو وائل بن حجر رضي الله عنه، والحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الأيمان والنذور، باب فيمن حلف يميناً ليقتطع بها مالاً لأحد، رقم (٣٢٤٥) والترمذي في جامعه، في كتاب الأحكام، باب ما جاء أن البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه، رقم (١٣٤٠) وأحمد في مسنده (٣١٧/٤) . ١٦٠ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٥٧ - (٢٢٤) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ، فَأَتَاهُ رَجُلاَّنِ يَخْتَصِمَانٍ فِي أَرْضِ. فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ هَذَا انْتَزَى عَلَى أَرْضِي، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فِي الْجَاهِلِيَّةِ. (وَهُوَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَابِسِ الْكِنْدِيُّ. وَخَصْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ عِبْدَانَ). قَالَ: (بَيْنَتُكَ)) قَالَ: لَيْسَ لِي بَيِّنَةٌ. قَالَ (يَمِينُهُ)) قَّالَ: إِذَنْ يَذْهَبُ بِهَا. قَالَ: (لَيْسَ لَكَ إِلا ذَاكَ)) قَالَ: فَلَمَّا قَامَ لِيَخْلِفَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَ: ((مَنِ اقْتَطَعَ أَرْضاً ظَالِماً، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)). قَالَ إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ: رَبِيعَةُ بْنُ عَيْدَانَ. ٢٢٤ - (٠٠٠) - قوله: (قال زهير: حدثنا هشام بن عبد الملك) إلخ: هشام هو أبو الوليد المذكور. قوله: (هذا انتزى على أرضي) إلخ: معناه: غلب عليها واستولى. قوله: (في الجاهلية) إلخ: أو ما قبل النبوة لكثرة جهلهم. قوله: (وهو امرؤ القيس بن عابس) إلخ: بالباء الموحدة، والسين المهملة. قوله: (ربيعة بن عبدان) إلخ: ذكر مسلم أن زهيراً وإسحاق اختلفا في ضبطه، وذكر القاضي عياض الأقوال فيه واختلاف الرواة، فقال: هو بفتح العين، وبياء مثناة من تحت، هذا صوابه، وكذا هو في رواية إسحاق، وأما رواية زهير: فعبدان، بكسر العين وبباء موحدة. قال القاضي: كذا ضبطناه في الحرفين عن شيوخنا. قال: ووقع عند ابن الحذاء عكس ما ضبطناه، فقال في رواية زهير: بالفتح ومثناة، وفي رواية إسحاق: بالكسر والموحدة. قال الجياني: وكذا هو في الأصل عن الجلودي، قال القاضي: والذي صوبناه أولاً هو قول الدارقطني، وعبد الغني بن سعيد، وأبي نصر بن ماكولا، وكذا قاله ابن يونس في التاريخ، هذا كلام القاضي. وضبطه جماعة من الحفاظ - منهم الحافظ أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي -: عبدان: بكسر العين والموحدة، وتشديد الدال، والله أعلم. كذا في الشرح.