Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
كتاب: الإيمان
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: شِرَاكُ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانٍ مِنْ نَارٍ)) .
(٤٩) - باب: الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر
٣٠٧ _ (١٨٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ
سُلَيْمَانَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ حَجَّاج
الصَّوَّافِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (١)، ((أَنَّ الطُّفَيْلَّ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ أَتَى النَّبِيّ ◌ِّ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنَعَةٍ؟ (قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ)
فَأَبِى ذُلِكَ النَّبِّ ◌ََّ، لِلَّذِي ذَخَرَ اللَّهُ لِلأَنْصَّارِ. فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيِّ نَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيْهِ
الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْروٍ، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ
وفيه أن من غلّ شيئاً من الغنيمة يجب عليه رده، وأنه إذا رده يقبل منه ولا يحرق متاعه،
سواء رده أو لم يرده، فإنه وَّر لم يحرق متاع صاحب الشملة وصاحب الشراك، ولو كان واجباً:
لفعله، ولو فعله لنقل، وأما الحديث: ((من غلَّ فأحرقوا متاعه، واضربوه)) وفي رواية: ((واضربوا
عنقه)) فضعيف بيّن ابن عبد البر وغيره ضعفه، قال الطحاوي تخلفه: ((ولو كان صحيحاً لكان
منسوخاً، ويكون هذا حين كانت العقوبات في الأموال، والله أعلم)).
قوله: (شراك من نار أو شراكان من نار) إلخ: فيه غلظ تحريم الغلول، ولو كان قليلاً اهـ.
(٤٩) - باب: الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر
١٨٤ - (١١٦) - قوله: (هل لك في حصن حصين ومنعة) إلخ: هي بفتح الميم، ويفتح
النون وإسكانها: لغتان، ذكرهما ابن السكيت والجوهري وغيرهما، والفتح أفصح وهي العزّ
والامتناع ممن يريده، وقيل: المنعة جمع مانع، كظالم وظلمة، أي: جماعة يمنعونك ممن
يقصدك بمكروه.
قوله: (فاجتووا المدينة) إلخ: هو بضم الواو الثانية: ضمير جمع، وهو ضمير يعود على
الطفيل والرجل المذكور ومن يتعلق بهما، ومعناه: كرهوا المقام بها لضجر ونوع من سقم. قال
أبو عبيد والجوهري وغيرهما اجتويت البلد: إذا كرهت المقام به، وإن كنت في نعمة. قال
الخطابي: وأصله من الجوى، وهو داء يصيب الجوف.
قوله: (فجزع) إلخ: أي: لم يصبر على الألم.
(١) قوله: ((عن جابر)) الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله، وقد أخرجه
أحمد في مسنده (٣٧٠/٣).

١٢٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ. فَرَآهُ الطَّفَيْلُ بْنُ عَمْروٍ فِي مَنَامِهِ،
فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّياً يَدَيْهِ. فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَر لِي بِهِجْرَتِي
إِلَى نَبِيِّهِ بَ. فَقَالَ: مَالِي أَرَاكَ مُغَطِّياً يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ.
فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ بِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرِ: اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ)).
(٥٠) - باب: في الريح التي تكون قرب القيامة
تقبض من في قلبه شيء من الإيمان
٣٠٨ - (١٨٥) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو
عَلْقَمَةَ الْفَرْوِيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
قوله: (مشاقص) إلخ: هي بفتح الميم، وبالشين المعجمة وبالقاف، وبالصاد المهملة،
وهي جمع مشقص - بكسر الميم، وفتح القاف - قال الخليل وابن فارس وغيرهما: هو سهم فيه
نصل عريض .
قوله: (براجمه) إلخ: بفتح الباء الموحدة وبالجيم، فهي مفاصل الأصابع، واحده:
برجمة .
قوله: (فشخبت يداه) إلخ: هو بفتح الشين والخاء المعجمتين، أي: سال دمهما. وقيل:
سال بقوة.
قوله: (اللهم وليديه فاغفر) إلخ: في هذا الحديث حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة: أن من
قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها، ومات من غير توبة: فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل هو
في حكم المشيئة، وقد تقدم بيان القاعدة وتقريرها، وهذا الحديث شرح للأحاديث التي قبله
الموهم ظاهرها تخليد قاتل النفس وغيره من أصحاب الكبائر في النار. وفيه إثبات عقوبة بعض
أصحاب المعاصي، فإن هذا عوقب في يديه، ففيه ردّ على المرجئة القائلين بأن المعاصي لا
تضر، والله أعلم.
(٥٠) - باب: في الريح التي تكون قرب القيامة
تقبض من في قلبه شيء من الإيمان
١٨٥ - (١١٧) - قوله: (أحمد بن عبدة) إلخ: بإسكان الباء.
قوله: (أبو علقمة الغروي) إلخ: بفتح الفاء وإسكان الراء، واسمه عبد الله بن محمد بن
عبد الله بن أبي فروة المدني، مولى آل عثمان بن عفان غـ

١٢٣
كتاب: الإيمان
أَبِي هُرَيْرَةَ(١)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ رِيحاً مِنَ الْيَمَنِ، أَلْيَنَ مِنَ
الْحَرِيرِ، فَلاَ تَدَعُ أَحْداً فِي قَلْبِهِ (قَالَ أَبُو عَلْقَمَةَ: مِثْقَالُ حَبَّةٍ. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: مِثْقَالُ ذَرَّةٍ)
مِنْ إِيمَانٍ إِلَا قَبَضَتْهُ)).
(٥١) - باب: الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن
٣٠٩ - (١٨٦) حدّثني يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعاً عَنْ إِسَمَاعِيلَ بْنِ
جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاَءُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(٢)؛
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ هِ قَالَ: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَناً كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ،
قوله: (ريحاً من اليمن) إلخ: وفي حديث آخر ذكره مسلم في آخر الكتاب عقب أحاديث
الدجّال: ((ريحاً من قبل الشام)) فيحتمل أنهما ريحان: شامية ويمانية، ويحتمل أن مبدأها من
أحد الإقليمين، ثم تصل إلى الآخر وتنتشر عنده، والله أعلم.
قوله: (ألين من الحرير) إلخ: فيه - والله أعلم - إشارة إلى الرفق بهم والإكرام لهم.
قوله: (إلا قبضته) إلخ: قد وردت في هذا النوع أحاديث:
منها: ((لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله)).
ومنها: ((لا تقوم على أحد يقول: الله الله)).
ومنها: ((لا تقوم إلا على شرار الخلق)) وهذه كلها وما في معناها على ظاهرها.
وقد استشكلوا على ذلك حديث: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر
الله))، فإن ظاهر الأول أنه لا يبقى أحد من المؤمنين فضلاً عن القائم بالحق، وظاهر الثاني:
البقاء، ويمكن أن يكون المراد بقوله: ((أمر الله)) هبوب تلك الريح، فيكون الظهور قبل هبوبها،
فبهذا الجمع يزول الإشكال بتوفيق الله تعالى. فأما بعد هبوبها فلا يبقى إلا الأشرار، وليس فيهم
مؤمن، فعليهم تقوم الساعة، وعلى هذا فآخر الآيات المؤذنة بقيام الساعة: هبوب تلك الريح،
وقد ورد من قول عيسى ظلّلها: ((إن الساعة حينئذ تكون كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تضع)).
(٥١) - باب: الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن
١٨٦ - (١١٨) - قوله: (بادروا بالأعمال) إلخ: معنى الحديث الحثّ على المبادرة إلى
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) لم أجد هذا الحديث عند أحد من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله.
(٢) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب الفتن، باب ما جاء ستكون فتن كقطع
الليل المظلم، رقم (٢١٩٥).

١٢٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ
الدُّنْيَا)).
(٥٢) - باب: مخافة المؤمن أن يحبط عمله
٣١٠ - (١٨٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ(١)؛ أَنَّهُ قَالَ: ((لَمَّا نَزَلَتْ هُذِهِ الآيَةُ:
﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ [الحجرات: ٢] إلى آخِرِ الآيَةِ. جَلَسَ ثَابتُ
بْنُ قَيْسٍ فِي بَيْتِهِ وَقَالَ: أَنَّا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. وَاحْتَبَسَ عَنِ النَّبِيّ ◌َِّهُ.
الأعمال الصالحة قبل تعذرها، والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة
كتراكم الليل المظلم لا المقمر، بحيث لا يتبين فيه الصدق من الكذب، والحق من الباطل.
قوله: (يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً) إلخ: هذا شك الراوي، وهذا
لعظم الفتن ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب.
قوله: (يبيع) إلخ: الرجل .
قوله: (بعرض من الدنيا) إلخ: بفتحتين، أي: بأخذ متاع دنيّ وثمن رديء. قال
الطيبي كثّفُ: ((قوله ◌َير: يصبح الرجل ... )) إلخ استئناف بيان بحال المشبه، وهو قوله: ((فتنا))
وقوله: (يبيع ... )) إلخ: بيان للبيان.
(٥٢) - باب: مخافة المؤمن أن يحبط عمله، وقوله تعالى:
﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾
١٨٧ - (١١٩) - قوله: (جلس ثابت بن قيس) إلخ: كان رُله جهير الصوت، وكان يرفع
صوته، وكان خطيب الأنصار، ولذلك اشتد حذره أكثر من غيره.
قوله: (وقال: أنا من أهل النار) إلخ: وفي رواية موسى بن أنس عند البخاري قال بطرق
الالتفات: ((كان يرفع صوته فوق صوت النبي وَلّر، فقد حبط عمله وهو من أهل النار)) أي: لقوله
تعالى: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات، آية: ٢] والظاهر: أن ذلك منه رَظ ◌ُه كان من
غلبة الخوف عليه، وإلا فلا حرمة قبل النهي وهو أيضاً أجل من أن يكون ممن كان يقصد
الاستهانة والإيذاء لرسول ◌َّة برفع الصوت.
(١) قوله: ((عن أنس بن مالك)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المناقب، باب علامات النبوة
عليه السلام، رقم (٣٦١٣) وفي كتاب التفسير، سورة الحجرات، باب لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت
النبي، رقم (٤٨٤٦).

١٢٥
كتاب: الإيمان
واعلم أن ظاهر الآية مشعر بأن الذنوب مطلقاً قد تحبط الأعمال الصالحة، ومذهب أهل
السنة أن المحبط منها الكفر لا غير، والأول مذهب المعتزلة، ولذا قال الزمخشري: ((قد دلت
الآية على أمرين هائلين: أحدهما: أن يرتكب من الآثام ما يحبط عمل المؤمن. والثاني: أن في
أعماله ما لا يدري أنه محبط، ولعله عند الله تعالى محبط)) .
وأجاب عن ذلك ابن المنير تغلّثُ بأن المراد في الآية النهي عن رفع الصوت على الإطلاق،
ومعلوم أن حكم النهي الحذر مما يتوقع في ذلك من إيذاء النبي وَّر، والقاعدة المختارة أن
إيذاءه عليه الصلاة والسلام يبلغ مبلغ الكفر المحبط للعمل باتفاق، فورد النهي عما هو مظنة
لأذى النبي وَ لّ، سواء وجد هذا المعنى أو لا، حماية للذريعة، وحسماً للمادة. ثم لما كان هذا
المنهي عنه منقسماً إلى ما يبلغ مبلغ الكفر - وهو المؤذي له عليه الصلاة والسلام - وإلى ما لا
يبلغ ذلك المبلغ، ولا دليل يميز أحد القسمين عن الآخر لزم المكلف أن يكف عن ذلك مطلقاً،
خوف أن يقع فيما هو محبط للعمل، وهو البالغ حد الأذى، إذ لا دليل ظاهراً يميزه وإن كان:
فلا يتفق تمييزه في كثير من الأحيان، وإلى التباس أحد القسمين بالآخر وقعت الإشارة بقوله
سبحانه: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات، آية: ٢].
ثم قال - عليه الرحمة - وهذا التقرير يدور على مقدمتين كلتاهما صحيحة:
إحداهما: أن رفع الصوت من جنس ما يحصل به الأذى، وهذا أمر يشهد به النقل
والمشاهدة، حتى إن الشيخ يتأذى برفع التلميذ صوته بين يديه، فكيف برتبة النبوة، وما تستحقه
من الإجلال والإعظام!
وثانيتهما: إن إيذاء النبي ◌َ﴿ كفر، وهذا ثابت قد نص عليه أئمتنا، وأفتوا بقتل من تعرض
لذلك كفراً، ولا تقبل توبته، فما أتاه أعظم عند الله تعالى وأكبر.
قال العلامة الآلوسي البغدادي كثّفُ: ((ثم إن من الجهر ما لم يتناوله النهي بالاتفاق، وهو
ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدو أو ما أشبه ذلك مما لا يتخيل منه تأذ أو
استهانة، ففي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال للعباس بن عبد المطلب لما وَلّى المسلمون
يوم حنين: ((ناد أصحاب السمرة، فنادى بأعلى صوته: أين أصحاب السمرة)) وكان رجلاً صيتاً،
يروى أن غارة أتتهم يوماً، فصاح العباس: يا صباحاه! فأسقطت الحوامل لشدة صوته، وفيه
يقول نابغة بني جعدة:
زجرة أبي عروة السباع إذا أشفق أن يختلطن بالغنم
زعمت الرواة أنه يزجر السباع عن الغنم، فيفتق مرارة السباع في جوفها، وذكروا أنه سئل
ابن عباس رَُّه: فكيف لا تفتق مرارة الغنم؟ فقال: لأنها ألفت صوته.

١٢٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَسَأَلَ النَّبِيِّ نَلِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، مَا شَأْنُ ثَابِتٍ؟ أَشْتَكَى؟ قَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ
لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَْوَى. قَالَ: فَأَتَاهُ سَعْدٌ فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ. فَقَالَ
ثَابِتْ: أُنْزِلَتْ هُذِهِ الآيَةُ وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتاً عَلَى رَسُولِ اللّهِ بَّهِ. فَأَنَا مِنْ
أَهْلِ النَّارِ؛ فَذَكَرَ ذُلِكَ سَعْدٌ للَّبِيِّنَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)).
٣١١ - (١٨٨) وحدّثنا قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ
فائدة
استدل العلماء بالآية على المنع من رفع الصوت عند قبره الشريف صلى الله تعالى عليه
وسلم، وعند قراءة حديثه عليه الصلاة والسلام، لأن حرمته ميتاً كحرمته حياً. وذكر أبو حيان
كراهة الرفع أيضاً بحضرة العالم، وغير بعيد حرمته بقصد الإيذاء والاستهانة لمن يحرم إيذاؤه
والاستهانة به مطلقاً، لكن للحرمة مراتب متفاوتة، كما لا يخفى.
قوله: (فسأل النبي ◌ّ* سعد بن معاذ) إلخ: استشكل ذلك بعض الحفاظ بأن نزول الآية
المذكورة في سنة الوفود بسبب الأقرع بن حابس وغيره، وكان ذلك في سنة تسع، كما سيأتي في
التفسير، وسعد بن معاذ مات قبل ذلك في بني قريظة، وذلك سنة خمس، ويمكن الجمع بأن
الذي نزل في قصة ثابت مجرد رفع الصوت، والذي نزل في قصة الأقرع أول السورة، وهو قوله
﴿نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَ رَسُولِ، وَأَنَّقُواْ﴾ [الحجرات، آية: ١] وقد نزل من هذه السورة سابقاً أيضاً قوله:
﴿وَإِن طَيِفَنَانٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ﴾ [الحجرات، آية: ٩] فقد ورد في حديث أنس عند البخاري كَُّ
أنها نزلت في قصة عبد الله بن أبي ابن سلول، وفي السياق: ((وذلك قبل أن يسلم عبد اللّه))
وكان إسلام عبد اللّه بعد وقعة بدر، وقد روى الطبري وابن مردويه من طريق زيد بن الحباب
حدثني أبو ثابت بن ثابت بن قيس، عن ثابت بن قيس قال: ((لما نزلت هذه الآية نزلت فيّ، فقال
له رسول الله: أما ترضى أن تعيش حميداً ... )) الحديث، وهذا لا يغاير أن يكون الرسول إليه
من النبي ◌ّير سعد بن معاذ، وروى ابن المنذر في تفسيره من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة،
عن أنس في هذه القصة: ((فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله، هو جاري ... )) الحديث، وهذا
أشبه بالصواب، لأن سعد بن عبادة من قبيلة ثابت بن قيس، فهو أشبه أن يكون جاره من سعد بن
معاذ، لأنه من قبيلة أخرى.
قوله: (بل هو من أهل الجنة) إلخ: وفي ما رواه ابن شهاب، عن إسماعيل بن محمد بن
ثابت، قال له عليه الصلاة والسلام: ((أما ترضى أن تعيش سعيداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة))
وهذا مرسل قوي الإسناد أخرجه ابن سعد، عن معن بن عيسى، عن مالك، عنه.
١٨٨ - (٠٠٠) - قوله: (قطن بن نسير) إلخ: قطن: بفتح القاف، والطاء المهملة،
وبالنون، ونسير: بنون مضمومة، ثم سين مهملة مفتوحة، ثم مثناة من تحت، ساكنة، ثم راء.

١٢٧
كتاب: الإيمان
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ بْنِ شَمَّاسٍ خَطِيبَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هُذِهِ
الآيَةُ ... بِنَحْوِ حَدِيثِ حَمَّادٍ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ.
٣١٢ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا
سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ
النَّبِ﴾ [الحجرات: ٢] وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي الْحَدِيثِ.
٣١٣ - (٠٠٠) وحدّثنا هُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ،
سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هُذِهِ الآيَةُ ... وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ.
وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ. وَزَادَ: فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
(٥٣) - باب: هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية؟
٣١٤ _ (١٨٩) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي
وَائِلِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ(١)؛ قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ لِرَسُولِ اللّهِ وَلِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا
عَمِلْنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: ((أَمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الإِسْلاَمِ فَلاَ يُؤَاخَذُ بِهَا، وَمَنْ أَسَاءَ أُخِذَ
بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلاَمِ».
قوله: (حدثنا حبان) إلخ: بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة، وهو ابن هلال.
(٠٠٠) - قوله: (هريم بن عبد الأعلى) إلخ: بضم الهاء، وفتح الراء، وإسكان الياء.
قوله: (فكنا نراه يمشي بين أظهرنا) إلخ: روى ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق
سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، في قصة ثابت بن قيس، فقال في آخرها: ((قال أنس:
فكنا نراه يمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة كان في بعضنا
في بعض الانكشاف، فأقبل وقد تكفن وتحنط، فقاتل حتى قتل)).
(٥٣) - باب: هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية
١٨٩ - (١٢٠) - قوله: (ومن أساء أخذ بعمله) إلخ: قال الخطابي: ((ظاهره خلاف ما
أجمعت عليه الأمة أن الإسلام يجبّ ما قبله، وقال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَنتَهُوا يُغْفَّرْ
لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال، آية: ٣٨] قال: ووجه هذا الحديث أن الكافر إذا أسلم لم يؤاخذ بما
مضى، فإن أساء في الإسلام غاية الإساءة، وركب أشد المعاصي - وهو مستمر على الإسلام -
(١) قوله: ((عن عبد الله)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب استتابة المرتدين، باب إثم من أشرك
بالله وعقوبته في الدنيا والآخرة، رقم (٦٩٢١).

١٢٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣١٥ - (١٩٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا
فإنه إنما يؤاخذ بما جناه من المعصية في الإسلام ويبكّت بما كان منه في الكفر، كأن يقال له:
ألست فعلت كذا وأنت كافر؟ فهلا منعك إسلامك عن معاودة مثله؟)) انتهى ملخصاً .
وحاصله: أنه أول المؤاخذة في الأول بالتبكيت، وفي الآخر بالعقوبة، والأولى قول
غيره: إن المراد بالإساءة: الكفر، لأنه غاية الإساءة وأشد المعاصي، فإذا ارتد ومات على كفره
كان كمن لم يسلم، فيعاقب على جميع ما قدمه، وإلى ذلك أشار البخاري بإيراد هذا الحديث
بعد حديث ((أكبر الكبائر الشرك)) وأورد كلا في أبواب المرتدين.
وعن أبي عبد الملك البوني معنى: ((من أحسن في الإسلام)): أي: أسلم إسلاماً صحيحاً
لا نفاق فيه، ولا شك، ((ومن أساء في الإسلام)): أي: أسلم رياء وسمعة، وبهذا جزم القرطبي،
ولغيره معنى الإحسان: الإخلاص حين دخل فيه، ودوامه عليه إلى موته والإساءة بضد ذلك،
فإنه إن لم يخلص إسلامه كان منافقاً، فلا ينهدم عنه ما عمل في الجاهلية، فيضاف نفاقه المتأخر
إلى كفره الماضي فيعاقب على جميع ذلك.
تنبيه
قال الحافظ في الفتح: ((ثم وجدت في كتاب السنة لعبد العزيز بن جعفر - وهو من رؤوس
الحنابلة - ما يدفع دعوى الخطابي وابن بطال: الإجماع الذي نقلاه، وهو ما نقل عن الميموني
عن أحمد أنه قال: بلغني أن أبا حنيفة يقول: إن من أسلم لا يؤاخذ بما كان في الجاهلية، ثم
ردّ عليه بحديث ابن مسعود نظرته، ففيه: أن الذنوب التي كان الكافر يفعلها في جاهليته إذا أصرّ
عليها في الإسلام فإنه يؤاخذ بها، لأنه بإصراره لا يكون تاب منها، وإنما تاب من الكفر، فلا
يسقط عنه ذنب تلك المعصية، لإصراره عليها، وإلى هذا ذهب الحليمي من الشافعية، وتأول
بعض الحنابلة قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال، آية:
٣٨] على أن المراد ما سلف مما انتهوا عنه، قال: والاختلاف في هذه المسألة مبني على أن
التوبة هي الندم على الذنب مع الإقلاع عنه، والعزم على عدم العود إليه، والكافر إذا تاب من
الكفر ولم يعزم على عدم العود إلى الفاحشة لا يكون تائباً منها، فلا يسقط عنه المطالبة بها .
والجواب عن الجمهور: أن هذا خاص بالمسلم، وأما الكافر فإنه يكون بإسلامه كيوم
ولدته أمه، والأخبار دالة على ذلك، كحديث أسامة لما أنكر عليه النبي ولو قتل الذي قال: لا
إله إلا الله، حتى قال في آخره: ((حتى تمنيت أنني كنت أسلمت يومئذٍ))، كذا في الفتح:
١٩٠ - (٠٠٠) - قوله: (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) إلخ: رجال هذا الإسناد والذي
قبله وبعده كلهم كوفيون، وهذا من أطرف النفائس لكونها متلاصقة مسلسلة بالكوفيين، وعبد الله
هو ابن مسعود رضيپئه .

١٢٩
كتاب: الإيمان
أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: ((مَنْ أَحْسَنَ
فِي الإِسْلاَم لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلاَم أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ))
٣١٦ - (١٩١) حدّثنا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ
الأَعْمَشِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
(٥٤) - باب: كون الإِسلام يَهْدِم ما قبله وكذا الهجرة والحج
٣١٧ - (١٩٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ وَأَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ
مَنْصُورٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَاصِم - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى - حَدَّثَنَا الضَّحَّاكِ (يَعْنِي أَبَا عَاصِم)
قَالَ: أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحَ، قال: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيب، عَنِ ابْنِ شَمَاسَّةً
الْمَهْرِيِّ(١)، قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرِّو بْنَ الْعَاصِ وَهُوْ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ. فَبَكَىُ طَوِيلاً وَحَوَّلَ
(٥٤) - باب: كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة، والحج
١٩٢ - (١٢١) - قوله: (محمد بن المثنى العنزي) إلخ: بفتح العين والنون.
قوله: (أبو معن الرقاشي) إلخ: بفتح الراء وتخفيف القاف، اسمه زيد بن یزید.
قوله: (عن ابن شماسة المهري) إلخ: بالشين المعجمة في أوله، بفتحها، وضمها والميم
مخففة، وفي آخره سين مهملة، ثم هاء، واسمه: عبد الرحمن بن شماسة، والمهري بفتح الميم،
وإسكان الهاء، وبالراء.
قوله: (وهو في سياقة الموت) إلخ: هو بكسر السين، أي: حال حضور الموت.
قال الأبي: ((قال البياسي: كان عمرو داهية العرب رأياً وعقلاً ولساناً ... وولي مصر عشر
سنين وثلاثة أشهر: أربعة لعمر، وأربعة لعثمان، وسنتين وثلاثة أشهر لمعاوية، ضيها. ولما
حضرته الوفاة نظر إلى ماله، فقال: ليتك بعراً وليتني مت في غزوة السلاسل، لقد دخلت في
أمور ما أدري ما حجتي فيها عند الله؟ أصلحت لمعاوية دنياه، وأفسدت آخرتي، عمي عني
رشدي حت حضر أجلي، لكأني به حوى مالي وأساء خلافتي في أهلي، ثم قال لابنه: ائتني
بجامعة فشد بها يدي إلى عنقي، ففعل، ثم رفع رأسه إلى السماء، فقال: اللهم، إنك أمرتني
فعصيت، ونهيتني فتجاوزت، ولست عزيزاً فأنتصر، ولا بريئاً فأعتذر، ولكني أشهد أن لا إله إلا
أنت، وأن محمداً عبدك ورسولك، ثم وضع إصبعه في فمه، كالمفكر المتندم، حتى مات)).
(١) قوله: ((ابن شماسة المهري)) لم يخرج هذا الحديث إلا مسلم رحمه الله من أصحاب الأصول الستة.

١٣٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ. فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ بِكَذَا؟ أَمَا بَشَّرَكَ
رَسُولُ اللَّهِ وَيهِ بِكَذَا؟ قَالَ: فَأَقْبَلَ بِوجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهادَةُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللَّهُ
وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى أَظْبَاقٍ ثَلاَثٍ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضاً
لِرَسُولِ اللّهِ وَلَيهِ مِنِّي، وَلا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مُثُّ عَلَى تِلْكَ
الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّار، فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإِسْلاَمَ فِي قَلْبِي ((أَتَيْتُ النَّبِيِّ وَِّ فَقُلْتُ:
ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ. قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي. قال: مَالَكَ يَا عَمْرُو؟ قَالَ:
قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ. قَالَ: تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟ قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي. قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ
الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟))
قوله: (أما بشرك رسول الله ( * بكذا) إلخ: فيه استحباب تنبيه المحتضر على إحسان ظنه
بالله سبحانه وتعالى، وذكر آيات الرجاء، وأحاديث العفو عنده، وتبشيره بما أعده الله تعالى
للمسلمين، وذكر حسن أعماله عنده ليحسن ظنه بالله تعالى، ويموت عليه، وهذا الأدب مستحب
بالاتفاق.
قوله: (إن أفضل ما نعد) إلخ: بضم النون.
قوله: (على أطباق ثلاثة) إلخ: أي: على أحوال، قال الله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ
[الإنشقاق، آية: ١٩].
قوله: (أبسط يمينك) إلخ: أي: افتحها ومدها، لأضع يميني عليها، كما هو العادة في
البيعة .
قوله: (فلأبايعك) إلخ: بكسر اللام، وفتح العين على الصحيح، والتقدير: لأبايعك،
تعليلاً للأمر، والفاء مقحمة .
قوله: (مالك يا عمرو) إلخ: أي: أيّ شيء خطر لك حتى امتنعت من البيعة؟
قوله: (أن يغفر لي) إلخ: أي: اشترط غفران ذنوبي إن أسلمت.
قوله: (أما علمت يا عمرو) إلخ: أي: من حقك - مع رزانة عقلك، وجودة رأيك، وكمال
حذقك الذي لم يلحقك فيه أحد من العرب - أن لا يكون خفي عن علمك.
قوله: (یهدم) إلخ: بكسر الدال، أي: يمحو.
قوله: (وأن الهجرة) إلخ: أي: إليّ في حياتي، وبعد وفاتي من دار الحرب إلى دار
الإسلام، وأما خبر ((لا هجرة بعد الفتح)) فمعناه: لا هجرة من مكة، لأن أهلها صاروا مسلمين.
قوله: (وأن الحج يهدم ما كان قبله) إلخ: قال الشيخ التوربشتي من أئمتنا - رحمهم الله
تعالى -: ((الإسلام يهدم ما كان قبله مطلقاً، مظلمة كانت أو غيرها، صغيرة كانت أو كبيرة، وأما

١٣١
كتاب: الإيمان
وَمَا كَانَ أَحَدْ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللّهِ وََّ وَلا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلأَ
عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلاَلاً لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَفْتُ، لأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ
عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَذْرِي مَا حَالِي فِيَها.
الهجرة والحج فإنهما لا يكفران المظالم، ولا يقطع فيها بغفران الكبائر التي بين العبد ومولاه،
فيحمل الحديث على هدمهما الصغيرة المتقدمة، ويحتمل هدمهما الكبائر التي تتعلق بحقوق
العباد بشرط التوبة، عرفنا ذلك من أصول الدين، فرددنا المجمل إلى المفصل، وعليه اتفاق
الشارحين)).
وقال بعض علمائنا: يمحو الإسلام ما كان قبله من كفر وعصيان، وما ترتب عليهما من
العقوبات التي هي حقوق الله، وأما حقوق العباد فلا تسقط بالحج والهجرة إجماعاً، ولا
بالإسلام لو كان المسلم ذمياً، سواء كان الحق عليه مالياً أو غير مالي، كالقصاص، أو كان
المسلم حربياً وكان الحق مالياً بالاستقراض أو الشراء، وكان المال غير الخمر.
وقال ابن حجر رحمه الله: الحج يهدم ما قبله مما وقع قلبه، وبعد الإسلام ما عدا
المظالم، لكن بشرط ما ذكر في حديث: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم
ولدته أمه))؛ مع ذلك فالذي عليه أهل السنة - كما نقله غير واحد من الأئمة: كالنووي، وعياض
- أن محل ذلك في غير التبعات، بل الكبائر، إذ لا يكفرها إلا التوبة، وعبارة بعض الشارحين:
الحقوق المالية لا تنهدم بالحج والهجرة، وفي الإسلام خلاف، وأما حقوق العباد فلا تسقط
بالهجرة والحج إجماعاً، نعم! يجوز بل يقع - كما دل عليه بعض الأحاديث -: أن الله تعالى إذا
أراد لعاص أن يعفو عنه، وعليه تبعات، عوض صاحبها من جزيل ثوابه ما يكون سبباً لعفوه
ورضاه.
وأما قول جماعة من الشافعية وغيرهم: إن الحج يكفر التبعات، واستدلوا بخبر ابن ماجه:
((أنه عليه الصلاة والسلام دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة فاستجيب له ما خلا المظالم، فلم يجب
لمغفرتها فدعا صبيحة مزدلفة بذلك، فضحك عليه الصلاة والسلام لما رأى من جزع إبليس لما
شاهده من عموم تلك المغفرة)) فيرده أن الحديث سنده ضعيف، وعلى تقدير صحته يمكن حمل
المظالم على ما لا يمكن تداركه، أو يقيد بالتوبة، أو التخصيص بمن كان معه عليه الصلاة
والسلام من أمته في حجته، فإنه لا يعرف أحد منهم أن يكون مصراً على معصية، ولذا قال
الجمهور: إن الصحابة كلهم عدول، والله تعالى أعلم. كذا في المرقاة.
قوله: (وما كنت أطيق أن أملأ عينيَّ منه) إلخ: هو بتشديد الياء من ((عينيّ)) على التثنية.
قال عياض تثاثهُ: فيه ما كانوا عليه من تعظيمه وَله .
قوله: (ثم ولينا أشياء) إلخ: هي ولايته المتقدمة، وما اتفق له فيها .

١٣٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَإِذَا أَنَا مُتُّ، فَلاَ تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلاَ نَارٌ، فَإِذَا دَفَتْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرابَ شَنَّاً. ثُمَّ أَقِيمُوا
حَوْل قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ. وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ
رُسُلَ رَبِّي.
٣١٨ _ (١٩٣) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ (وَاللَّفْظُ
لإِبْرَاهِيمَ) قَالاَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ (وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ)َ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِم؛
أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ(١)؛ أَنَّ نَاساً مِنَّ أَهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوّاً،
وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّداً بَّهِ. فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو لَحَسَنٌ. وَلَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ
لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً. فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ
﴾ [الفرقان: ٦٨] ونَزَلَ: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ
٦٨١
اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُنَّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا
قوله: (فلا تصحبني نائحة ولا نار) إلخ: امتثال لنهي النبي ◌ّيّر عن ذلك، وقد كره العلماء
ذلك، فأما النياحة فحرام، وأما اتباع الميت بالنار فمكروه، للحديث، ثم قيل: سبب الكراهة
كونه من شعار الجاهلية. وقال ابن حبيب المالكي: كره تفاؤلاً بالنار.
قوله: (فشنّوا عليّ التراب شنّاً) إلخ: ضبطناه بالسين المهملة والمعجمة، وهو الصبّ،
وقيل: بالمهملة: الصب في سهولة، وبالمعجمة: التفريق.
قوله: (ثم أقيموا حول قبري) إلخ: فيه استحباب المكث عند القبر بعد الدفن لحظة، نحو
ما ذكر.
قال الشارح: ((فيه: أن الميت يسمع حينئذ من حول القبر)).
قلت: لا أدري من أين فهم سماع الموتى، وأي: لفظ فيه يدل على السماع والاستئناس
بأحد لا يستلزم سماع صوته، فإنه قد يحصل بمجرد تصور حضوره عنده.
١٩٣ - (١٢٢) - قوله: (عن ابن عباس) إلخ: مراد مسلم تغذُ من هذا الحديث أن القرآن
العزيز جاء بما جاء بالسنة من كون الإسلام يهدم ما قبله .
قوله: (ولو تخبرنا أن لما عملنا كفارة) إلخ: جواب لو محذوف، أي: لأسلمنا .
قوله: (فنزل ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ [الفرقان، آية: ٦٨]) إلخ: وفي بعض
(١) قوله: ((عن ابن عباس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، سورة الزمر، باب: ﴿يا
عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ... ﴾ رقم (٤٨١٠) والنسائي في سننه، في كتاب
المحاربة، باب تعظيم الدم، رقم (٤٠٠٨) و(٤٠٠٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الفتن والملاحم، باب
في تعظيم قتل المؤمن، رقم (٤٢٧٣) و(٤٢٧٤).

١٣٣
كتاب: الإيمان
أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣].
الروايات الصحيحة: ((قال ابن عباس: لما أنزل التي في سورة الفرقان قال مشركوا مكة: قد
قتلنا النفس، ودعونا مع الله إلهاً آخر، وأتينا الفواحش، قال: فنزلت ﴿إِلَّا مَن تَبَ﴾ [الفرقان، آية:
٧٠] الآية، قال فهذه لأولئك، وأما التي في سورة النساء فهو الذي قد عرف الإسلام ثم قتل
مؤمناً متعمداً، فجزاؤه جهنم لا توبة له، قال: فذكرت ذلك لمجاهد، فقال: إلا من ندم.
وحاصل ما في هذه الروايات: أن ابن عباس كان تارة يجعل الآيتين في محل واحد،
فلذلك يجزم بنسخ إحداهما، وتارة يجعل محلهما مختلفاً، ويمكن الجمع بين كلاميه بأن عموم
التي في الفرقان خص منها مباشرة المؤمن القتل معتمداً، وكثير من السلف يطلقون النسخ على
التخصيص، وهذا أولى من حمل كلامه على التناقض، وأولى من دعوى أنه قال بالنسخ، ثم
رجع عنه .
وقول ابن عباس رضيبه بأن المؤمن إذا قتل مؤمناً متعمداً لا توبه له: مشهور عنه، وقد جاء
عنه في ذلك ماهو أصرح مما تقدم، فروى أحمد والطبري من طريق يحيى الجابر، والنسائي،
وابن ماجه من طريق عمار الدهني، كلاهما عن سالم بن أبي الجعد، قال: كنت عند ابن عباس
بعد ما كفّ بصره، فأتاه رجل، فقال: ما ترى في رجل قتل مؤمناً متعمداً، قال: جزاؤه جهنم
خالداً فيها، وساق الآية إلى ﴿عَظِيمًا﴾ قال: لقد نزلت في آخر ما نزل، وما نسخها شيء حتى
قبض رسول الله وَّل، وما نزل وحي بعد رسول الله وَّل قال: أفرأيت إن تاب وآمن وعمل عملاً
صالحاً ثم اهتدى، قال: وأنى له التوبة والهدى؟)). لفظ يحيى الجابر والآخر نحوه.
وجاء على وفق ما ذهب إليه ابن عباس في ذلك أحاديث كثيرة:
منها: ما أخرجه أحمد، والنسائي، من طريق أبي إدريس الخولاني، عن معاوية، سمعت
رسول الله ◌َو يقول: ((كل ذنب عسى الله أن يغفر له، إلا الرجل يموت كافراً، والرجل يقتل
مؤمناً متعمداً))، وقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السنة ما ورد من ذلك على التغليظ،
وصححوا توبة القاتل كغيره، وقالوا: معنى قوله: ﴿فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ أي: إن شاء يجازيه،
تمسكاً بقوله تعالى في سورة النساء أيضاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
◌َشَآءُ﴾ [النساء، آية: ٤٨]، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَجَزَّوُاْ سَفِئَةٍ سَفِئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى، آية: ٤٠] ﴿فَلَا يُحْزَى
الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [القصص، آية: ٨٤] مع قوله عزّ وجل: ﴿وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾
[الشورى، آية: ٣٠]، ومن الحجة في ذلك حديث الإسرائيلي الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم أتى
تمام المائة، فقال له: لا توبة لك، فقتله، فأكمل به مائة، ثم جاء آخر فقال: ومن يحول بينك
وبين التوبة ... الحديث، وهو مشهور، وإذا ثبت ذلك لمن قتل من غير هذه الأمة فمثله لهم
أولى، لما خفف الله عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم. كذا في الفتح.
قلت: لعل مراد ابن عباس ها بنفي التوبة عن القاتل أنه لا يرجى له أن يوفق للتوبة مع

١٣٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٥٥) - باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده
٣١٩ - (١٩٤) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ(١) أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ قَالَ
لِرَسُولُ اللَّهِ وَهِ: أَرَأَيْتَ أُمُوراً كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، هَلْ لِي فِيهَا مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ
لَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ)).
ارتكابه هذا الفعل القبيح الذي بلغ الغاية في القبح، كما يشير إليه قوله: ((وأنى له التوبة
والهدى!)) لا نفي قبول التوبة إن تاب، فكأنه خرج هذا الكلام منه ظُه مخرج الزجر والتغليظ.
قال العلامة الآلوسي تَّهُ: ((ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن حميد والنحاس، عن سعيد بن
عبيدة، أن ابن عباس كان يقول: لمن قتل مؤمناً توبة، فجاءه رجل، فسأله: ألمن قتل مؤمناً
توبة؟ قال: لا إلا النار، فلما قام الرجل قال له جلساؤه: ما كنت هكذا تفتيناً كنت تفتينا أن لمن
قتل مؤمناً توبة مقبولة، فما شأن هذا اليوم؟ قال إني أظنّه رجلاً مغضباً يريد أن يقتل مؤمناً،
فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك، فكأن هذا أيضاً شأن غيره من الأكابر، فقد قال سفيان: كان أهل
العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له، فإذا ابتلي رجل قالوا له: تب، كذا في روح المعاني.
وأول العلماء الآية بتأويلات حسنة: منها: أن الخلود بمعنى المكث الطويل، وغير ذلك،
مما هو مبسوط في روح المعاني، ومفاتيح الغيب وغيرهما من شاء الاطلاع فليراجع.
(٥٥) - باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده
١٩٤ - (١٢٣) - قوله: (أن حكيم بن حزام) إلخ: من مناقبه أنه ولد في الكعبة، قال بعض
العلماء. ولا يعرف أحد شاركه في هذا. قال العلماء: ومن طرف أخباره أنه عاش ستين سنة في
الجاهلية، وستين في الإسلام، وأسلم عام الفتح، ومات بالمدينة سنه أربع وخسمين، فيكون
المراد بالإسلام من حين ظهوره وانتشاره، والله أعلم. قاله النووي تغذّقُ .
قوله: (أسلمت على ما أسلفت) إلخ: قال المازري تخلفهُ: ((إن ظاهره خلاف ما تقتضيه
الأصول، لأن الكافر لا يصح منه التقرب، فلا يثاب على طاعته، لأن من شرط المتقرب أن
يكون عارفاً لمن يتقرب إليه، والكافر ليس كذلك، فالعلماء رحمهم الله حملوا هذا الحديث على
وجوه :
(١) قوله: ((حكيم بن حزام)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الزكاة، باب من تصدق في الشرك
ثم أسلم، رقم (١٤٣٦) وفي كتاب البيوع، باب شراء المملوك من الحربى وهبته وعتقه، رقم (٢٢٢٠) وفي
كتاب العتق، باب عتق المشرك، رقم (٢٥٣٨) وفي كتاب الأدب، باب من وصل رحمه في الشرك، ثم
أسلم، رقم (٥٩٩٢)، وأحمد في مسنده (٤٠٢/٣).

١٣٥
كتاب: الإيمان
منها : أن يكون المعنى أنك بفعلك ذلك اكتسبت طباعاً جميلة، فانتفعت بتلك الطباع في
الإسلام، وتكون تلك العادة قد مهدت لك معونة على فعل الخير لماحصل لك من التدرب على
فعله، فلا تحتاج إلى مجاهدة جديدة، فتثاب بفضل الله عما تقدم بواسطة انتفاعك بذلك بعد
إسلامك .
أو المعنى: أنك اكتسبت بذلك ثناء جميلاً، فو باق لك في الإسلام.
أو أنك ببركة فعل الخير هديت إلى الإسلام، لأن المبادئ عنوان الغايات.
أو أنك بتلك الأفعال رزقت الرزق الواسع.
قال ابن الجوزي: قيل: إن النبي ◌َّ* ورّى عن جوابه، فإنه سأل: هل لي فيها من أجر؟
فقال: أسلمت على ما سلف من خير، والعتق فعل الخير، وكأنه أراد أنك فعلت الخير، والخير
يمدح فاعله، ويجازى عليه في الدنيا، فقد روى مسلم من حديث أنس مرفوعاً: ((أن الكافر يثاب
في الدنيا بالرزق على ما يفعله من حسنة)).
وذهب ابن بطال وغيره من المحققين إلى أن الحديث على ظاهره، وأنه إذا أسلم الكافر
ومات على الإسلام يثاب على ما فعله من الخير في حال الكفر، واستدلوا بحديث أبي سعيد
الخدري ظُه، قال: قال رسول الله وَليقول: ((إذا أسلم الكافر، فحسن إسلامه: كتب الله تعالى له
كل حسنة زلفها، ومحا عنه كل سيئة زلفها، وكان عمله بعد الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة
ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله تعالى)) ذكره الدارقطني في غريب حديث مالك، ورواه
عنه من تسع طرق، وثبت فيها كلها أن الكافر إذا حسن إسلامه يكتب له في الإسلام [كل حسنةٍ]
عملها في الشرك.
قال ابن بطال كثّفُ تعالى بعد ذكره الحديث: والله تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء، لا
اعتراض لأحد عليه، قال: وهو كقوله وَله لحكيم بن حزام بقوله: «أسلمت على ما أسلفت من
خير)) والله أعلم.
وأما قول الفقهاء: لا يصح من الكافر عبادة، ولو أسلم لم يعتد بها. فمرادهم: أنه لا
يعتد له بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرض لثواب الآخرة، فإن أقدم قائل على التصريح بأنه
إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة: رد قوله بهذه السنة الصحيحة.
قال الحافظ: ((والحق أنه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم في حال إسلامه تفضلاً من الله
وإحساناً: أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولاً، والحديث إنما تضمن كتابة
الثوابة، ولم يتعرض للقبول، ويحتمل أن يكون القبول يصير معلقاً على إسلامه، فيقبل ويثاب إن
أسلم وإلا فلا، وهذا قوي.

١٣٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَالتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ.
٣٢٠ - (١٩٥) وحدّثنا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: حَدَّثَنَا.
وَقَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي) يَعْقُوبُ (وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيم بْنِ سَعْدٍ) حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَةٌ؛ أَنَّهُ قَالَ
لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أُمُوراً كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ مِنْ صَدَقَةٍ
أَوْ عَتَاقَةٍ أَوْ صِلَةِ رَحِم. أَفِيهَا أَجْرٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ
خَيْرِ)).
٣٢١ - (٠٠٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعَمْرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ .
أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ. قَالَ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَفْعَلُهَا فِي الْجَاهِلِيَّة. (قَالَ هِشَامٌ: يَغْنِي أَتِّبَرَّرُ بِهَا) فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَه: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ لَكَ مِنَ الْخَيْرِ)) قُلْتُ: فَوَاللَّهِ، لا أَدَعُ شَيْئاً صَنَعْتُهُ
فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلا فَعَلْتُ فِي الإِسْلاَمِ مِثْلَهُ.
٣٢٢ - (١٩٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ
عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَعْتَقَ فِي الْجَاهِليَّةِ مائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةٍ بَعِيرٍ،
قال ابن المنير: ((المخالف للقواعد دعوى أن يكتب له ذلك في حال كفره، وأما أن الله
يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان قدر منه مما كان يظنه خيراً فلا مانع منه، كما لو
تفضل عليه ابتداء من غير عمل، وكما يتفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل - وهو قادر - فإذا
جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل البتة بل جاز له أن يبدل السيئات بالحسنات - كما ثبت في
الحديث الصحيح - جاز له أن يكتب له ثواب ما عمله غير موفي الشرط، وسئل رسول الله وَليقول
عن ابن جدعان وما كان يصنعه، من الخير هل ينفعه؟ فقال: ((إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي
خطيئتي يوم الدين)) فدل على أنه لو قالها بعد أن أسلم نفعه ما عمله في الكفر، والله تعالى
أعلم.
قوله: (والتحنث: التعبد) إلخ: قال أهل اللغة: أصل التحنث أن يفعل فعلاً يخرج به من
الحنث، وهو الإثم، وكذا تأثم، وتحرج، وتهجد، أي: فعل فعلاً يخرج به عن الإثم والحرج،
والهجود.
(٠٠٠) - قوله: (يعني: أتبرر) إلخ: التبرر: فعل البر، وهو الطاعة.
قوله: (وحمل على مائة بعير) إلخ: أي: تصدق بها .

١٣٧
كتاب: الإيمان
ثُمَّ أَعْتَقَ فِي الإِسْلاَمِ مائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مائَةٍ بَعِيرٍ. ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ وَ ... فَذَكَرَ نَحْوَ
حَدِیثھِمْ.
(٥٦) - باب: صدق الإيمان وإخلاصه
٣٢٣ - (١٩٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ
وَوَكِيْعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ(١)، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذُلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ وَقَالُوا:
أَيُّنَا لا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: «لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُونَ.
(٥٦) - باب: صدق الإيمان وإخلاصه
١٩٧ - (١٢٤) - قوله: (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) إلخ: قال النووي تَُّهُ: «هذا إسناد
رجاله كوفيون كلهم، وحفاظ متقنون في نهاية الجلالة، وفيهم ثلاثة أئمة أجلة فقهاء تابعيون،
بعضهم عن بعض: سليمان الأعمش، وإبراهيم النخعي وعلقمة بن قيس، وقلّ اجتماع مثل هذا
الذي اجتمع في هذا الإسناد. والله أعلم)).
قال الحافظ تََّفُ: ((وهذه الترجمة أحد ما قيل فيه: إنه أصح الأسانيد)).
قوله: (عن الأعمش عن إبراهيم) إلخ: قال الحافظ تختثه: ((الأعمش موصوف بالتدليس،
ولكن في رواية حفص بن غياث عند البخاري: حدثنا إبراهيم، ولم أر التصريح بالتحديث في
جميع طرقه عند الشيخين وغيرهما إلا في هذا الطريق)).
قوله: (فقالوا: أينا لا يظلم نفسه) إلخ: ولفظ أبي الوليد عند البخاري: ((أينا لم يلبس
إيمانه بظلم)) والظلم في الأصل هو وضع الشيء في غير موضعه، كذا قال الخطابي تَذُّهُ.
قوله: (ليس هو كما تظنون) إلخ: والقرينة على نفي ظنهم لفظ اللبس في الآية، فإن اللبس
في الأصل هو خلط الشيئين بحيث لا يكاد يتميز أحدهما من الآخر، ويشتبه على الناظر، وهذا
(١) قوله: ((عن عبد الله)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب ظلم دون ظلم، رقم
(٣٢) وفي كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾، رقم (٣٣٦٠) وباب قول الله
تعالى: ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر الله ... ﴾ رقم (٣٤٢٨) و(٣٤٢٩) وفي كتاب التفسير، سورة
الأنعام، باب ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، رقم (٤٦٢٩) وسورة لقمان، باب: لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم
عظيم، رقم (٤٧٧٦) وفي فاتحة كتاب استتابة المرتدين، باب إثم من أشرك بالله، وعقوبته في الدنيا
والآخرة، رقم (٦٩١٨) وباب ما جاء في المتأولين، رقم (٦٩٣٧) - والترمذي في جامعه، في كتاب
التفسير، سورة الأنعام، رقم (٣٠٦٧) وأحمد في مسنده (٣٧٨/١ و٤٢٤ و٤٤٤).

١٣٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ: ﴿يَبُنَىَّ لَا تُشْرِكَ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
لا يتصور إلا إذا كان محل الشيئين المختلطين واحداً، والمراد بالإيمان ههنا التصديق القلبي
اتفاقاً، فلا يراد بالظلم إلا شيء من جنس فعل القلب، وليس هو إلا الكفر والشرك دون معصية
الجوارح، وهذا التعليم من النبي وَ﴿ داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ﴾ [البقرة، آية:
١٢٩] كما أفاد شيخ شيخنا نور الله مرقده.
قوله: (إنما هو كما قال لقمان لابنه) إلخ: قال الحافظ في الفتح: ((والذي يظهر لي أنهم
حملوا الظلم على عمومه: الشرك فما دونه، وإنما حملوه على العموم، لأن قوله: ((بظلم)) نكرة
في سياق النفي، لكن عمومها هنا بحسب الظاهر، قال المحققون: إن دخل على النكرة في
سياق النفي ما يؤكد العموم ويقويه نحو ((من) في قوله: ((ما جاءني من رجل)) أفاد تنصيص
العموم، وإلا فالعموم مستفاد بحسب الظاهر، كما فهمه الصحابة من هذه الآية، وبين لهم
النبي ◌ّ أن ظاهرها غير مراد، بل هو من العام الذي أريد به الخاص، فالمراد بالظلم أعلى
أنواعه، وهو الشرك.
فإن قيل: من أين يلزم أن من لبس الإيمان بظلم لا يكون آمناً ولا مهتدياً، حتى شقّ
عليهم، والسياق إنما يقتضي أن من لم يوجد منه الظلم فهو آمن ومهتد؟ فما الذي دل على نفي
ذلك عمن وجد منه الظلم؟
فالجواب: أن ذلك مستفاد من المفهوم، وهو مفهوم الصفة، أو مستفاد من الاختصاص
المستفاد من تقديم (لهم)) على ((الأمن))، أي: لهم لا لغيرهم. كذا قالٍ الزمخشري في قوله
تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة، آية: ٥] وقال في قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾
[المؤمنون، آية: ١٠٠] تقديم ((هو)) على ((قائلها)) يفيد الاختصاص، أي: هو قائلها لا غيره.
فإن قيل: لا يلزم من قوله: (إن الشرك لظلم عظيم) أن غير الشرك لا يكون ظلماً.
فالجواب: أن التنوين في قوله: ((بظلم)) للتعظيم، وقد بين ذلك استدلال الشارع بالآية
الثانية، فالتقدير: (لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم) أي: بشرك إذ لا ظلم أعظم منه، وقد ورد
ذلك صريحاً عند البخاري كثُّ في قصة إبراهيم الخليل ◌َالَلا من طريق حفص بن غياث، عن
الأعمش ولفظه: ((قلنا يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ قال: ليس كما تقولون، لم يلبسوا
إيمانهم بظلم: بشرك، أو لم تسمعوا إلى قول لقمان ... )) فذكر الآية كذا في الفتح.
قال العلامة السيّد الآلوسي: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ أي: شرك، كما يفعله
الفريق المشركون، حيث يزعمون أنهم يؤمنون بالله تعالى، وأن عبادتهم لغيره سبحانه معه من
تتمات إيمانهم وأحكامه، لكونها لأجل التقريب والشفاعة، كما ينبئ عنه قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر، آية: ٣] (وكما يفعله اليهود والنصارى في قولهم بإبنية عزير والمسيح
على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، مع اعترافهم بالإيمان بالله، بل بالتوحيد).

١٣٩
كتاب: الإيمان
٣٢٤ - (١٩٨) حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، قَالا: أَخْبَرَنَا عِيسَى
(وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ) ح وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ. حِ وَحَدَّثَنَا
أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِذْرِيسَ. كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: قَالَ ابْنُ
إِذْرِيسَ: حَدَّثَنِهِ أَوَّلاً أَبِي، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنِ الأَعْمَشِ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنْهُ.
قال العلامة السيد تغذفه: حكي عن الجبائي والبلخي: أن المراد بالظلم في الآية:
المعصية، وارتضاه الزمخشري تبعاً لجمهور المعتزلة، واستدلوا بالآية على أن صاحب الكبيرة لا
أمن له ولا نجاة من العذاب، حيث دلت بتقديم ((لهم)) الآتي على اختصاص الأمن بمن لم يخلط
إيمانه بظلم أي: بفسق، وادعوا أن تفسيره بالشرك يأباه ذكر اللبس، أي: الخلط، إذ هو لا
يجامع الإيمان للضدية، وإنما يجامع المعاصي، والحديث خبر واحد، فلا يعمل به في مقابلة
الدليل القطعي. والقول بأن الفسق أيضاً لا يجامع الإيمان عندهم فلا يتم لهم الاستدلال، لكونه
اسماً لفعل الطاعات، واجتناب السيئات، حتى إن الفاسق ليس بمؤمن، كما أنه ليس بكافر
مدفوع، كما قيل، بأنه كثيراً ما يطلق الإيمان على نفس التصديق بل لا يكاد يفهم منه بلفظ الفعل
غير هذا، حتى إنه يعطف عليه عمل الصالحات كما جاء في غير ما آية، وأجيب بأنه أريد
بالإيمان تصديق القلب، وهو قد يجامع الشرك، كأن يصدق بوجود الصانع دون وحدانيته، كما
أشرنا إليه آنفاً، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (19)﴾ [يوسف، آية:
١٠٦] وكذا إذا أريد به مطلق التصديق، سواء كان باللسان أو غيره، بل المجامعة على هذا أظهر،
كما في المنافق، ولو أريد به التصديق بجميع ما يجب التصديق به، بحيث يخرج عن الكفر،
يقال: إنه لا يلزم من لبس الإيمان بالشرك الجمع بينهما، بحيث يصدق عليه أنه مؤمن ومشرك،
بل تغطيته بالكفر وجعله مغلوباً مضمحلاً، أو اتصافه بالإيمان، ثم الكفر، ثم الإيمان، ثم الكفر
مراراً، وبعد تسليم جميع ما ذكر نقول: إن قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام، آية: ٨٢] إنما
يدل على اختصاص الأمن بغير العصاة، وهو لا يوجب كون العصاة معذبين البتة، بل خائفين
ذلك، موقعين للاحتمال، ورجحان جانب الوقوع.
وقيل: المراد من الأمن: الأمن من خلود العذاب، لا الأمن من العذاب مطلقاً .
تنبيه:
اختلف في نبوة لقمان الحكيم، قال الإمام أبو إسحاق الثعلبي تخلفه: ((اتفق العلماء على أنه
كان حكيماً، ولم يكن نبياً، إلا عكرمة، فإنه قال: كان نبياً، وتفرد بهذا القول، والصحيح أنه
كان في زمن داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
١٩٨ - (٠٠٠) - قوله: (حدثنيه أولاً أبي عن أبان) إلخ: هذا تنبيه منه على علو إسناده
ههنا، فإنه نقص عنه رجلان وسمعه من الأعمش.

١٤٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٥٧) - باب: بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق
٣٢٥ - (١٩٩) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ (وَاللَّفْظُ
لِأُمَيَّةَ) قَالا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ (وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ) عَنِ الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)، قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللّهِ نَّهِ: ﴿لِلِّ مَا فِىَ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَإِن
تُبْدُوا مَا فِىَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّةٌ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَبِيُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قَالَ: فَاشْتَدَّ ذُلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ فَأَتَوْا
رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ. ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ. فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، كُلِّفْنَا مِنَ الأَعْمَالِ مَا
نُطِيقُ. الصَّلاَةَ وَالصِّيَامَ وَالجِهَادَ وَالصَّدَّقَةَ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هذِهِ الآيَةُ، وَلا نُطِيقُهَا. قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَتْرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ
قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)) قَالُوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ
الْمَصِيرُ. فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي إِثْرِها: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ
إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِلَّهِ وَمَلَئِكَئِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ،
وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]
(٥٧) - باب: تجاوز الله تعالى عن حديث النفس والخواطر بالقلب
إذا لم تستقر، وبيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف
إلا ما يطاق، وبيان حكم الهمّ بالحسنة وبالسيئة
١٩٩ - (١٢٥) - قوله: (فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله) إلخ: لأن ظاهر الآية كان
عاماً في جميع ما تضمره النفوس من الهواجس والخواطر والعزائم، والخطرات لا يقدر على
دفعها، فإن كان هذا المراد فالحديث يدل على أنهم كلفوا بما لا يطاق، وهو جائز عند قوم،
واختلف في وقوعه.
قوله: (ثم بركوا على الركب) إلخ: أي: تأدبا مع النبي وَّر، كما كان دأبهم رضَّه.
قوله: (فلما اقترأها القوم) إلخ: أي: قرأوا هذه الكلمات.
قوله: (ذلت بها ألسنتهم) إلخ: أي: بالاستسلام لذلك. قال السندي كثّفُ: أي: تواضعت
لله وتوافقت القلوب، وهذه الجملة حال. وجملة ((أنزل الله)) جواب ((لما)).
قوله: (في أثرها) إلخ: بفتح الهمزة والثاء، ويكسر الهمزة، مع إسكان الثاء لغتان.
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله، وقد
أخرجه أحمد في مسنده (٤١٢).