Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
كتاب: الإيمان
أَوْ شَقَّ الْجُيُوبَ، أَوْ دَعَا بِدَغْوَى الْجَاهِلِيَّةِ)».
هُذَا حَدِيثُ يَحْيَى. وَأَمَّا ابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو بَكْرٍ فَقَالاَ: ((وَشَقَّ وَدَعَا)) بِغَيْرِ أَلِفٍ.
٢٨٢ - (١٦٦) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، جَمِيعاً عَنِ الأَعْمَشِ ... بِهُذَا
الإِسْنَادِ. وَقَالاَ: ((وَشَقَّ وَّدَعَا)).
٢٨٣ - (١٦٧) حدّثنا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ
إخراجه عن الدين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ: المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك،
كما يقول الرجل لولده عند معاتبته: لست منك، ولست مني، أي: ماأنت على طريقتي.
وقال الزين بن المنير ما ملخصه: التأويل الأول يستلزم أن يكون الخبر إنما ورد عن أمر
وجودي، وهذا يصان كلام الشارع عن الحمل عليه، والأولى أن يقال: المراد أن الواقع في
ذلك يكون قد تعرض لأن يهجر ويعرض عنه، فلا يختلط بجماعة السنة تأديباً له على استصحابه
حالة الجاهلية التي قبحها الإسلام، فهذا أولى من الحمل على ما لا يستفاد منه قدر زائد على
الفعل الموجود، وحكي عن سفيان أنه كان يكره الخوض في تأويله، ويقول: ينبغي أن يمسك
عن ذلك، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر، وقيل: المعنى: ليس على ديننا الكامل،
أي: أنه خرج من فرع من فروع الدين، وإن كان معه أصله، حكاه ابن العربي.
وهذا يدل على تحريم ما ذكر من شق الجيب وغيره، وكأن السبب في ذلك ما تضمنه ذلك
من عدم الرضا بالقضاء، فإن وقع التصريح بالاستحلال مع العلم بالتحريم، أو التسخط - مثلاً -
بما وقع: فلا مانع من حمل النفي على الإخراج من الدين.
قوله: (أو شق الجيوب) إلخ: هذه الرواية: ((بأو)) تشعر بأن النفي الذي حاصله التبريّ يقع
بكل واحد من المذكورات لا بمجموعها، والجيوب: جمع جيب - بالجيم والموحدة - وهو ما
يفتح من الثوب، ليدخل فيه الرأس، والمراد بشقه إكمال فتحه إلى آخره، وهو من علامات
التسخط .
قوله: (أودعا بدعوى الجاهلية) إلخ: أي: من النياحة ونحوها، وكذا الندبة، كقولهم:
((واجبلاه)) وكذا الدعاء بالويل والثبور كما ورد في حديث أبي أمامة عند ابن ماجه، وصححه ابن
حبان: ((أن رسول الله ( لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها والداعية بالويل والثبور)). والمراد
بالجاهلية: ما كان في الفترة قبل الإسلام.
١٦٦ - (٠٠٠) - قوله: (وعلي بن خشرم) إلخ: بفتح الخاء، وإسكان الشين المعجمتين،
وفتح الراء.
١٦٧ - (١٠٤) - قوله: (الحكم بن موسى القنطري) إلخ: هو بفتح القاف والطاء، منسوب

١٠٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الرَّحْمُنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ؛ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي
مُوسَى(١). قَالَ: وَجِعَ أَبُوَ مُوسَى وَجَعاً فَغُشِيَ عَلَيْهِ، وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ.
فَصَاحَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ. فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئاً، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا
بَرِىءَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ. ((فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلَهَ بَرِىءَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ)).
٢٨٤ - (٠٠٠) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالاَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ
عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَخْرَةَ يَذْكُرُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ يَزِيدَ وَأَبِي
إلى قنطرة بردان - بفتح الباء والراء - جسر ببغداد.
قوله: (أن القاسم بن مخيمرة) إلخ: هو بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم
الثانية .
قوله: (وجع أبو موسى) إلخ: هو بفتح الواو وكسر الجيم.
قوله: (أنا بريء) إلخ: قال القاضي عياض كَّفُ: أي: بريء من فعلهن، أو ما يستوجبن
من العقوبة، أو من عهدة ما لزمني من بيانه. وأصل البراءة الانفصال.
قوله: (من الصالقة) إلخ: وقعت في الأصول بالصاد، وسلق: بالسين، وهما صحيحان
وهما لغتان: السلق والصلق، وسلق وصلق، وهي صالقة سالقة، وهي التي ترفع صوتها عند
المصيبة .
قوله: (والحالقة) إلخ: وهي التي تحلق شعرها عند المصيبة.
قوله: (والشاقة) إلخ: التي تشق ثوبها عند المصيبة.
(٠٠٠) - قوله: (أبو عميس) إلخ: هو بضم العين المهملة وفتح الميم، وإسكان الباء،
وبالسين المهملة، واسمه: عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود رظه، وذكره الحاكم
في أفراد الكنى: يعني: أنه لا يشاركه في كنيته أحد.
قوله: (سمعت أبا صخرة) إلخ: بالهاء في آخره، كذا وقع هنا، وهو المشهور في كنيته،
ويقال فيها أيضاً : أبو صخر - بحذف الهاء - واسمه جامع بن شداد.
(١) قوله: ((أبو موسى)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، باب ما ينهى عن الحلق عند
المصيبة، رقم (١٢٩٦) والنسائي في سننه، في كتاب الجنائز، باب السلق، رقم (١٨٦٢ وباب الحلق، رقم
(١٨٦٤) وباب شق الجيوب، رقم (١٨٦٦ و(١٨٦٧) و(١٨٦٨) وأبو داود في سننه، في كتاب الجنائز،
باب في النوح، رقم (٣١٣٠) وابن ماجه في سننه: في كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن ضرب
الخدود وشق الجيوب، رقم (١٥٨٦) وأحمد في مسنده (٣٩٦/٤ و٤٠٤ و٤٠٥ و٤١١ و٤١٦).

١٠٣
كتاب: الإيمان
بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، قَالاَ : أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ تَصِيحُ بِرَنَّةٍ.
قَالا: ثُمَّ أَفَاقَ. قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمِي (وَكَانَ يُحَدِّثُهَا) أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بَلِّ قَالَ: ((أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ
حَلَقَ وَسَلَقَ وَخَرَقَ)).
٢٨٥ - (٠٠٠) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيع، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عِیَاضٍ
الأَشْعَرِيِّ، عَنِ امْرَأَةٍ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسِّى عَنِ النَّبِيِّ وََّ. ح وَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ
الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قال: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا دَاوُدُ (يَعْنِي ابْنَ أَبِي هِنْدٍ) حَدَّثَنَا
عَاصِمٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ أَبِي مُوسَىٍ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ. ح وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ
عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ
حِرَاشٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ وََّ، بِهِذَا الْحَدِيثِ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عِيَاضٍ
الأَشْعَرِيِّ قَالَ: (لَيْسَ مِنَّا)) وَلَمْ يَقُلْ (بَرِيءٌ)).
(٤٥) - باب: بيان غلظ تحريم النميمة
٢٨٦ - (١٦٨) وحدّثني شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ،
قَالا: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ (وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ) حَدَّثَنَا وَاصِلُ الأَحْدَبُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛
أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً يَنِمُّ الْحَدِيثَ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ(١): سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ يَقُولُ: ((لا يَدْخُلُ
الْجَنَّةَ نَمَّامٌ)) .
قوله: (تصيح برنّة) إلخ: هو بفتح الراء وتشديد النون، صوت مع البكاء فيه ترجيع،
كالقلقلة واللقلقلة.
(٠٠٠) - قوله: (عن ربعي بن حِراش) إلخ: بالحاء المهملة المكسورة.
(٤٥) - باب: بيان غلظ تحريم النميمة
١٦٨ - (١٠٥) - قوله: (وعبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي) إلخ: بضم الضاد
المعجمة، وفتح الباء الموحدة.
قوله: (رجلاً ينم الحديث) إلخ: قال الجوهري: يقال: نم الحديث ينمه وينمه - بكسر
النون وضمها - والرجل: نمام.
(١) قوله: ((فقال حذيفة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأدب، باب ما يكره من النميمة،
رقم (٢٠٥٦) وأبو داود في سننه، في كتاب الأدب، باب في القّات، رقم (٤٨٧١) والترمذي في =

١٠٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٨٧ - (١٦٩) حدّثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحاقُ:
أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّام بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَنْقُلُ
الْحَدِيثَ إِلَّى الأَمِيرِ، فَكُنَّا جُلُوساً فِي الْمَسْجِدِ. فَقَالَ الْقَوْمُ: هَذَا مِمَّنْ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى
الأَمِيرِ. قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((لا
يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَنَّاتٌ)).
١٦٩ - (٠٠٠) - قوله: (ينقل الحديث إلى الأمير) إلخ: أي: أمير المؤمنين سيدنا عثمان بن
عفان رضي الله تعالى عنه، كما جاء في رواية البخاري.
قوله: (لا يدخل الجنة قتات) إلخ: يقال: قت الحديث يقته - بضم القاف - والرجل:
قتات، وهو النمام.
وقيل: الفرق بين القتات والنمام: أن النمام الذي يحضر القصة فينقلها، والقتات: الذي
يتسمع من حيث لا يعلم به، ثم ينقل ما سمعه .
قال الغزالي تَّهُ ما ملخصه: ينبغي لمن حملت إليه نميمة أن لا يصدق من نمّ له، ولا
يظن بمن نمّ عنه، ما نقل عنه، ولا يبحث عن تحقيق ما ذكره له، وأن ينهاه، ويقبح له فعله،
وأن يبغضه إن لم ينزجر، وأن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه، فينمّ هو على النمام فيصير
تماماً.
قال النووي تغذّفُ: هذا كله إذا لم يكن في النقل مصلحة شرعية، وإلا فهي مستحبة أو
واجبة، كمن اطلع من شخص أنه يريد أن يؤذي شخصاً، ظلماً، فحذره منه، وكذا من أخبر
الإمام أو من له ولاية بسيرة نائبه - مثلاً - فلا منع من ذلك.
وقال الغزالي تنظّفُ ما ملخصه: النميمة في الأصل نقل القول إلى المقول فيه، ولا
اختصاص لها بذلك، بل ضابطها : كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه
أو غيرهما، وسواء كان المنقول: قولاً أو فعلاً، وسواء كان عيباً أم لا، حتى لو رأى شخصاً
يخفي ماله فأفشى كان نميمة. واختلف في الغيبة والنميمة: هل هما متغايرتان أو متحدتان؟
والراجح التغاير، وأن بينهما عموماً وخصوصاً وجهياً، وذلك لأن النميمة نقل حال الشخص
لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه، سواء كان بعلمه أم بغير علمه. والغيبة ذكره في غيبته بما لا
يرضيه، فامتازت النميمة بقصد الإفساد ولا يشترط ذلك في الغيبة، وامتازت الغيبة بكونها في
غيبة المقول فيه، واشتركتا فيما عدا ذلك. كذا في الفتح.
جامعه، في كتاب البرّ والصلة، باب ما جاء في النمام، رقم (٢٠٢٦) وأحمد في مسنده (٣٨٢/٥ و٣٨٩
=
و ٣٩١ و٣٩٢ و٣٩٦ و٣٩٧ و٣٩٩ و٤٠٢، و٤٠٤ و٤٠٦).

١٠٥
كتاب: الإيمان
٢٨٨ - (١٧٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ، عَنِ
الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّام بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: كُنَّا جُلُوساً مَعَ حُذَيْفَةَ فِي الْمَسْجِدِ،
فَجَاءَ رَجُلٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا، فَقِيلَ لِحُذَيْفَةَ: إِنَّ هُذَا يَرْفَعُ إِلَى السُّلْطَانِ أَشْيَاءَ. فَقَالَ
حُذَيْفَةُ، إِرَادَةَ أَنْ يُسْمِعَهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ يَقُولُ: ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ)).
(٤٦) - باب: بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية وتنفيق
السلعة بالحلف. وبيان الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم
القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم
٢٨٩ - (١٧١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ،
قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ
خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرِّ (١)، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ. ((قَالَ: ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ
١٧٠ - (٠٠٠) - قوله: (إرادة أن يسمعه) إلخ: أي: كان حذيفة رَّلُه مريداً لأن يسمع
الرجل الذي كان يرفع إلى السلطان أشياء: هذا الحديث، لينزجر عن فعله الشنيع.
قوله: (لا يدخل الجنة) إلخ: أي: في أول وهلة، كما في نظائره.
(٤٦) - باب: بيان غلظ تحريم إسبال الإزار، والمن بالعطية، وتنفيق
السلعة بالحلف، وبيان الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم
القيامة، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم
١٧١ - (١٠٦) - قوله: (عليّ بن مدرك) إلخ: بضم الميم، وإسكان الدال المهملة وكسر
الراء .
قوله: (عن خرشة بن الحر) إلخ: بخاء معجمة، ثم راء - مفتوحتين - ثم شين معجمة .
قوله: (ثلاثة لا يكلمهم الله) إلخ: قال النووي: أي: تكليم من رضي عنه بإظهار الرضا،
(١) قوله: ((عن أبي ذر)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الزكاة، باب المنان بما أعطى، رقم
(٢٥٦٤) و(٢٥٦٥) وفي كتاب البيوع، باب المنفق سلعته بالحلف الكاذب، رقم (٤٤٦٣) و(٤٤٦٤) وفي
كتاب الزينة، باب إسبال الإزار، رقم (٥٣٣٥) وأبو داود في سننه، في كتاب اللباس، باب ما جاء في
إسبال الإزار، رقم (٤٠٨٧) و(٤٠٨٨) والترمذي في جامعه، في كتاب البيوع، باب ما جاء فيمن حلف
على سلعة كاذباً، رقم (١٢١١) وابن ماجه في سننه، في كتاب التجارات، باب ما جاء في كراهية الأيمان
في الشراء والبيع، رقم (٢٢٠٨) والدارمي في سننه، في كتاب البيوع، باب في اليمين الكاذبة، رقم
(٢٦٠٨) وأحمد في مسنده (١٤٨/٥ و١٥٨ و١٦٢ و١٦٨ و١٧٧ و١٧٨).

١٠٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَجُ
ثَلاَثَ مِرَارٍ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ،
وَالْمَنَّانُ،
بل بكلام يدل على السخط، وقيل: المراد أنه يعرض عنهم، وقيل: لا يكلمهم كلاماً يسرهم،
وقيل: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية.
قوله: (يوم القيامة) إلخ: إشارة إلى أنه محل الرحمة المستمرة، بخلاف رحمة الدنيا، فإنها
قد تنقطع بما يتجدد من الحوادث .
قوله: (ولا ينظر إليهم) إلخ: المراد أنه يعرض عنهم، ومعنى نظره لعباده: رحمته لهم،
ولطفه بهم .
قوله: (ولا يزكيهم) إلخ: أي: لا يطهرهم من الذنوب، وقيل: لا يثني عليهم.
قوله: (ولهم عذاب أليم) إلخ: أي: مؤلم. قال الواحدي: هو العذاب الذي يخلص إلى
قلوبهم وجعه، قال: والعذاب كل ما يُعْنِي: الإنسان ويشق عليه. قال: وأصل العذاب من
العذب، وهو المنع، يقال: عذبته عذباً: إذا منعته، وعذب عذباً: إذا امتنع، وسمي الماء عذباً
لأنه يمنع العطش، فسمي العذاب عذاباً، لأنه يمنع المعاقب من معاودة مثل جرمه، ويمنع غيره
من مثل فعله. والله أعلم.
قوله: (فقرأها رسول الله وَ*) إلخ: أي: الآية التي في آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدٍ
اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمُنَا قَلِيلًا﴾ [آل عمران، آية: ٧٧] إلى آخر الآية.
قوله: (المسبل) إلخ: وفي الرواية الأخرى: ((المسبل إزاره)) والإسبال عندنا ممنوع، ولو
كان من غير خيلاء، إلا أن يكون من غير اختياره، لعدم التعاهد والغفلة عنه، بسبب المشي أو
غيره بشرط أن لا يتمادى على ذلك، ويتداركه بعد التنبيه. أما استرخاء أحد شقي إزار أبي بكر،
فإنما كان لعدم التعاهد منه ربه، كما وقع عند البخاري في كتاب اللباس، وسيأتي التفصيل إن
شاء الله تعالى في بعض مواضع هذا الشرح.
أما تحديد الإسبال فقال الحافظ في ((الفتح) بعد نقل الروايات: إن للرجال حالين: حال
الاستحباب، وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق، وحال جواز، وهو إلى الكعبين، وكذلك
للنساء حالان حال استحباب، وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر، وحال جواز
بقدر ذراع، والإسبال المنهي عنه لا يختص بالإزار فقط، بل يعم القميص والعمامة وغيرهما،
كما جاء مصرحاً في الأحاديث الصحيحة. وليطلب التفصيل من مظانه.
قوله: (والمنان) إلخ: قال الله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُم بِالْمَنٍ وَالْأَذَى﴾
[البقرة، آية: ٢٦٤] الآية قال القرطبي تغذفهُ: ((المنّ غالباً يقع من البخيل والمعجب، فالبخيل تعظم

١٠٧
كتاب: الإيمان
وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ)).
٢٩٠ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلاَّدِ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ)
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ
أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمَنَّانُ الَّذِي لاَ يُعْطِي شَيْئاً
إِلا مَنَّهُ، وَالْمُنَفَّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ ، وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ» .
٢٩١ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ (يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ) عَنْ شُعْبَةَ،
قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: ((ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا
يُزَكْيِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) .
٢٩٢ - (١٧٢) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِّ: (ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ
في نفسه العطية وإن كانت حقيرة في نفسها، والمعجب يحمله العجب على النظر لنفسه بعين
العظمة، وأنه منعم بماله على المعطي، وإن كان أفضل منه في نفس الأمر، وموجب ذلك كله
الجهل ونسيان نعمة الله فيما أنعم به عليه، ولو نظر مصيره لعلم أن المنة للآخذ لما يترتب له من
الفوائد)».
قوله: (والمنفق سلعته) إلخ: من التنفيق، بمعنى الترويج.
قوله: (سلعته) إلخ: بكسر السين: المتاع، كما في الصحاح.
قوله: (بالحلف الكاذب) إلخ: قال زيد بن أسلم في تفسيره قوله تعالى ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ
عُرْضَةٌ لِأَيْمَنِكُمْ﴾ [البقرة، آية: ٢٢٤] الآية: لا تكثروا الحلف وإن كنتم بررة، وفائدة ذلك إثبات
الهيبة الإلهية في القلوب، فما بالك بالحلف الكاذب الذي يتجاسر عليه صاحبه لمحض اكتساب
متاع حقير من الدنيا! ومن الله نسأل الحفظ والعصمة.
قال عياض تخلّفُهُ: ((جمعت هذه اليمين: الكذب والغرور وأخذ المال بغير حق،
والاستخفاف بحق الله تعالى)).
(٠٠٠) - قوله: (بالحلف الفاجر) إلخ: المراد بالفجور لازمه، وهو الكذب.
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الشرب والمساقاة، باب إثم من
منع ابن السبيل من الماء، رقم (٢٣٥٨) وباب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه، رقم
(٢٣٦٩) وفي كتاب الشهادات، باب اليمين بعد العصر، رقم (٢٦٧٢) وفي كتاب الأحكام، باب من بايع
رجلاً لا يبايعه إلا للدنيا، رقم (٧٢١٢) وفي كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة) =

١٠٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكْيِهِمْ (قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخْ زَانٍ،
وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ)) .
٢٩٣ - (١٧٣) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً،
عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - وَهُذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((ثَلاَثَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ
١٧٢ - (١٠٧) - قوله: (شيخ زان) إلخ: أما تخصيصه للر هؤلاء الثلاثة: فقال القاضى
عياض تخدمُ: إن كل واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بعدها منه، وعدم ضرورته إليها،
وضعف دواعيها عنده، وإن كان لا يعذر أحد بذنب، لكن لما لم يكن إلى هذه المعاصي ضرورة
مزعجة ولا دواعي متعادة: أشبه إقدامهم عليه المعاندة والاستخفاف بحق الله تعالى، وقصد
معصيته، لا لحاجة غيرها، فإن الشيخ - لكمال عقله، وتمام معرفته بطول ما مرّ عليه من الزمان،
وضعف أسباب الجماع والشهوة للنساء، واختلال دواعيه لذلك - عندما يريحه من دواعي الحلال
في هذا، ويخلي سره منه، فكيف بالزنى الحرام، وإنما دواعي ذلك: الشباب، والحرارة
الغريزية، وقلة المعرفة، وغلبة الشهوة، لضعف العقل وصغر السن.
وكذلك الإمام لا يخشى من أحد من رعيته ولا يحتاج إلى مداهنته ومصانعته، فإن الإنسان
إنما يداهن ويصانع بالكذب، وشبهه من يحذره ويخشى أذاه ومعاتبته أو يطلب عنده بذلك منزلة
أو منفعة، وهو غني عن الكذب مطلقاً .
وكذلك العائل الفقير قد عدم المال، وإنما سبب الفخر والخيلاء والارتفاع على القرناء:
الثروة في الدنيا، لكونه ظاهراً فيها، وحاجات أهلها إليه، فإذا لم يكن عنده أسبابها فلماذا
يستكبر ويحتقر غيره، فلم يبق فعله وفعل الشيخ الزاني والإمام الكاذب إلا لضرب من
الاستخفاف بحق الله تعالى. والله أعلم.
١٧٣ - (١٠٨) - قوله: (رجل على فضل ماء) إلخ: عند البخاري كَُّ في: ((الشرب))
بطريق عمرو بن دينار عن أبي صالح: ((ورجل منع من فضل ماء، فيقول الله تعالى له: اليوم
أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك)).
رقم (٧٤٤٦) والنسائي في سننه، في كتاب الزكاة، باب الفقير المختال، رقم (٢٥٧٦) و(٢٥٧٧) وفي
=
كتاب البيوع، باب الحلف الواجب للخديعة في البيع، رقم (٤٤٦٧) وابن ماجه في سننه، في كتاب
التجارات، باب ما جاء في كراهية الأيمان في الشراء والبيع، رقم (٢٢٠٧) وفي كتاب الجهاد، باب الوفاء
بالبيعة، رقم (٢٨٧٠).

١٠٩
كتاب: الإيمان
بِالْفَلاَةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللَّهِ لِأَخَذَهَا
بِكَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَّى غَيْرِ ذُلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَاماً لا يُبَابِعُهُ إِلا لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ
مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ)) .
٢٩٤ - (٠٠٠) وحدَثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو
قال الحافظ تثاثه: ((إن المعاقبة وقعت على منعه الفضل، فدل على أنه أحق بالأصل، قال
ابن بطال كثّفُ: ((فإذا أخذ حاجته، لم يجز له منع ابن السبيل)).
قال الحافظ في أبواب ((ترك الحيل)): و((في تسميته ((فضلاً)) إشارة إلى أنه إذا لم تكن زيادة
عن حاجة صاحب البئر جاز لصاحب البئر منعه)) .
قوله: (بالفلاة) إلخ: بفتح الفاء، هي المفازة والقفر التي لا أنيس بها .
قوله: (يمنعه من ابن السبيل) إلخ: والمراد بابن السبيل: المسافر المحتاج إلى الماء، لكن
يستثنى منه الحربي والمرتد إذا أصرّ على الكفر، فلا يجوز بذل الماء لهما. كذا في الفتح.
قوله: (بعد العصر) إلخ: قال الخطابي تغَّفُ: ((خص وقت العصر بتعظيم الإثم فيه، وإن
كانت اليمين الفاجرة محرمة في كل وقت، لأن الله عظّم شأن هذا الوقت، بأن جعل الملائكة
تجتمع فيه، وهو وقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها، فغلظت العقوبة فيه، لئلا يقدم عليها
تجرؤاً، فإن من تجرأ عليها فيه اعتادها في غيره، وكان السلف يحلفون بعد العصر، وجاء ذلك
في الحديث أيضاً)).
قوله: (لأخذها بكذا) إلخ: أي: الحالف البائع.
قوله: (فصدقه) إلخ: أي: المشتري.
قوله: (وهو على غير ذلك) إلخ: أي: ما أخذها البائع في الواقع بالقدر الذي حلف أنه
أخذ السلعة به .
قوله: (ورجل بايع إماماً) إلخ: فيه وعيد شديد في نكث البيعة والخروج على الإمام، لما
في ذلك من تفرق الكلمة، ولما في الوفاء من تحصين الفروج والأموال، وحقن الدماء. والأصل
في مبايعة الإمام أن يبايعه على أن يعمل بالحق، ويقيم الحدود، ويأمر بالمعروف، وينهى عن
المنكر، فمن جعل مبايعته لمال يعطاه دون ملاحظة المقصود في الأصل: فقد خسر خسراناً
مبيناً، ودخل في الوعيد المذكور، وحاق به إن لم يتجاوز الله عنه .
وفيه: أن كل عمل لا يقصد به وجه الله وأريد به عرض الدنيا: فهو فاسد، وصاحبه آثم.
والله الموفق.
(٠٠٠) - قوله: (سعيد بن عمرو الأشعئي) إلخ: هو بالشين المعجمة والعين المهملة،
والثاء المثلثة، منسوب إلى جده الأشعث بن قيس الكندي.

١١٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الأَشْعَشِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ، كِلاَهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ ... مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ
جَرِيرِ ((وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ)).
٢٩٥ - (١٧٤) وحدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي صَالِح،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: أُرَاهُ مَرْفُوعاً. قَالَ: ((ثَلاثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ فَاقْتَطَعَهُ)) وَبَاقِي حَدِيثِهِ نَحْوُ
حَدِيثِ الأَغْمَشِ .
(٤٧) - باب: غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه وأن من قتل نفسه بشيء
عُذَّبَ به في النار وإنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة
٢٩٦ - (١٧٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَأَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ،
عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَنْ قَتَلَ
تَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ
قوله: (عبثر) إلخ: بفتح العين، وبعدها باء موحدة ساكنة، ثم ثاء مثلثة.
١٧٤ - (٠٠٠) - قوله: (فاقتطعه) إلخ: افتعل من القطع، كأنه قطعه عن صاحبه، أو أخذ
قطعة من ماله بالحلف المذكور.
(٤٧) - باب: بيان غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه وأن من قتل نفسه
بشيء عذب به في النار، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة
١٧٥ - (١٩٠) - قوله: (بحديدة) إلخ: هي القطعة من الحديد.
قوله: (فحديدته في يده) إلخ: قال ابن دقيق العيد: ((هذا من باب مجانسة العقوبات
الأخروية للجنايات الدنيوية، ويؤخذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في
الإثم، لأن نفسه ليست ملكاً له مطلقاً، بل هي لله تعالى، فلا يتصرف فيها إلا بما أذن له فيه)).
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، باب ما جاء في قاتل
النفس، رقم (١٣٦٥) وفي كتاب الطب، باب شرب السم والدواء به وما يخاف منه والخبيث، رقم
(٥٧٧٨) والنسائي في سننه، في كتاب الجنائز، باب ترك الصلاة على من قتل نفسه، رقم (١٩٦٧) وأبو
داود في سننه، في كتاب الطب، باب في الأدوية المكروهة، رقم (٣٨٧٢) والترمذي في جامعه، في كتاب
الطب، باب ما جاء فيمن قتل نفسه بسمّ أو غيره، رقم (٢٠٤٣) و(٢٠٤٤) وابن ماجه في سننه، في كتاب
الطب، باب النهي عن الدواء الخبيث، رقم (٣٤٦٠) والدارمي في سننه، في كتاب الديات، باب التشديد
على من قتل نفسه، رقم (٢٣٦٧) وأحمد في مسنده (٢٥٤/٢ و ٤٧٨ و ٤٨٨).

١١١
كتاب: الإيمان
يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَظْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً، وَمَنْ شَرِبَ سَمَّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ
يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي
نَارِ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً)) .
قيل: وفيه حجة لمن أوجب المماثلة في القصاص، خلافاً لمن خصصه بالمحدد، وردّه
ابن دقيق العيد كثّفُ بأن أحكام الله لا تقاس بأفعاله، فليس كل ما ذكر أنه يفعله في الآخرة يشرع
لعباده في الدنيا، كالتحريق بالنار - مثلاً - وسقي الحميم الذي يقطع به الأمعاء.
قوله: (يتوجأ بها) إلخ: هو بالجيم وهمزة آخره، معناه: يطعن.
قوله: (خالداً مخلّداً فيها أبدا) إلخ: وقد تسمك به المعتزلة وغيرهم ممن قال بتخليد
أصحاب المعاصي في النار، وأجاب أهل السنة عن ذلك بأجوبة:
منها : توهيم هذه الزيادة، قال الترمذي بعد أن أخرجه: رواه محمد بن عجلان، عن سعيد
المقبري، عن أبي هريرة، فلم يذكر: ((خالداً مخلّداً)) وكذا رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي
هريرة، (يشير إلى رواية الباب) قال: وهو أصح، لأن الروايات قد صحت أن أهل التوحيد
یعذبون، ثم يخرجون منها، ولا يخلدون.
وأجاب غيره بحمل ذلك على من استحّله، فإنه يصير باستحلاله كافراً، والكافر مخلد بلا
ريب .
وقيل: ورد مورد الزجر والتغليظ، وحقيقته غير مرادة.
وقيل: المعنى أن هذا جزاؤه، لكن قد تكرم الله على الموحدين، فأخرجهم من النار
بتوحيدهم .
وقيل: التقدير: مخلداً فيها إلى أن يشاء الله.
وقيل: المراد بالخلود طول المدة لا حقيقة الدوام، كأنه يقول: يخلد مدة معينة، وهذا كما
يقال: خلُّد الله ملك السلطان، وقريب منه أن يقال: إن كونه متوجئاً بحديدته، أو شارباً سمه،
أو متردياً في جهنم: دائم مؤبد، ما دام ذاته موجودة فيها، فالدوام والتأبيد بحسب الصفات
المذكورة وموطنه المخصوص، فكأنه و 8* قال: إن هذه الصفات والهيئات التي كان عليها وقت
قتله نفسه لا تفارقه في ذاك الموطن أبداً، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (من شرب سمًا) إلخ: بضم السين، وفتحها، وكسرها: ثلاث لغات، والفتح
أفصحهن .
قوله: (فهو يتحسّاه) إلخ: أي: يشربه في تمهل، ويتجرعه .
قوله: (یتردی) إلخ: أي : ينزل.

١١٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٩٧ - (٠٠٠) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو
الأَشْعَشِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ. حِ وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ
الْحَارِثِ) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. كُلَّهُمْ بِهِذَا الإِسْنَادِ ... مِثْلَهُ. وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةً عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ:
سَمِعْتُ ذَكْوَانَ.
٢٩٨ - (١٧٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّم بْنِ أَبِي سَلاَّم
الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ؛ أَنَّ أَبَا قِلاَبَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّخَّاكِ(١) أَخْبَرَهُ؛
((أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللّهِ بَ لَهَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَِّ قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ
قوله: (كلهم بهذا الإسناد مثله) إلخ: يعني: أن هؤلاء الجماعة المذكورين - وهم: جرير،
وعبثر، وشعبة - رووه عن الأعمش كما رواه وكيع في الطريق الأولى، إلا أن شعبة زاد هنا فائدة
حسنة فقال: ((عن سليمان - وهو الأعمش - قال: سمعت ذكوان - وهو أبو صالح - فصرح
بالسماع. وفي الروايات الباقية: يقول: ((عن)) والأعمش مدلس لا يحتج بعنعنته إلا إذا صح
سماعه من الذي عنعنه من جهة أخرى، فبين مسلم أن ذلك قد صح من رواية شعبة، والله أعلم.
١٧٦ - (١١٠) - قوله: (أن أبا قلابة) إلخ: بكسر القاف، واسمه عبد اللّه بن زيد.
قوله: (من حلف على يمين بملة) إلخ: قال ابن دقيق العيد: الحلف بالشيء حقيقة هو
القسم به وإدخال بعض حروف القسم عليه، كقوله: والله، والرحمن، وقد يطلق على التعليق
بالشيء: يمين، كقولهم: من حلف بالطلاق، فالمراد تعليق الطلاق، وأطلق عليه الحلف،
المشابهته باليمين في اقتضاء الحث والمنع، وإذا تقرر ذلك، فيحتمل أن يكون المراد المعنى
الثاني، لقوله: ((كاذباً متعمداً))، والكذب يدخل القضية الاعتبارية التي يقع مقتضاها تارة، ولا
يقع أخرى، وهذا بخلاف قولنا: والله، وما أشبهه، فليس الإخبار بها عن أمر خارجي بل هي
(١) قوله: ((ثابت بن الضحاك)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، باب ما جاء في قاتل
النفس، رقم (١٣٦٣) وفي كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، رقم (٤١٧١) وفي كتاب التفسير، سورة
الفتح: باب: إذ يبايعونك تحت الشجرة، رقم (٤٨٤٣) وفي كتاب الأدب، باب ما ينهى عن السباب
واللعن، رقم (٦٠٤٧) وباب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، رقم (٦١٠٥) وفي كتاب الأيمان
والنذور باب من حلف بملة سوى ملة الإسلام، رقم (٦٦٥٢) والنسائي في سننه، في كتاب الأيمان
والنذور، باب الحلف بملة سوى الإسلام، رقم (٣٨٠١) و(٣٨٠٢) وباب النذر فيما لا يملك، رقم
(٣٨٤٤) وأبو داود في سننه: في كتاب الأيمان والنذور، باب ما جاء في الحلف بالبراءة وبملة غير
الإسلام، رقم (٣٢٥٧) والترمذي في جامعه، في كتاب النذور والأيمان، باب ما جاء في كراهية الحلف
بغير ملة الإسلام، رقم (١٥٤٣) وفي كتاب الإيمان، باب ما جاء فيمن رمى أخاه بكفر، رقم (٢٦٣٦) وابن
ماجه في سننه، في كتاب الكفارات، باب من حلف بملة غير الإسلام رقم (٢٠٩٨) والدارمي في سننه في
كتاب الديات، باب التشديد على من قتل نفسه، رقم (٢٣٦٦) وأحمد في مسنده (٣٣/٤ و٣٤).

١١٣
كتاب: الإيمان
غَيْرِ الإِسْلاَمِ كَاذِباً فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى
رَجُلٍ نَذْرٌ فِيَ شَيْءٍ لا يَمْلِكُهُ)) .
٢٩٩ - (٠٠٠) حدّثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ (وَهُوَ ابْنُ هِشَامِ) قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنٍ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلاَبَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّخَّاكِ، عَنِ
النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: (لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لا يَمْلِكُ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ
لإنشاء القسم، فتكون صورة الحلف هنا على وجهين: أحدهما: أن يتعلق بالمستقبل، كقوله: إن
فعل كذا فهو يهودي، والثاني يتعلق بالماضي، كقوله: إن كان فعل كذا فهو يهودي، وقد يتعلق
بهذا من لم ير فيه الكفارة، لكونه لم يذكر فيه كفارة، بل جعل المرتب على كذبه: «فهو كما
قال)). كذا في الفتح.
قوله: (كاذباً) إلخ: وفي رواية: ((كاذباً متعمداً».
قال الشارح كثّفُ: ((ليس المراد به التقييد والاحتراز من الحلف بها صادقاً، لأنه لا ينفك
الحالف بها عن كونه كاذباً، وذلك لأنه لا بد أن يكون معظماً لما حلف به، فإن كان معتقداً
عظمته بقلبه فهو كاذب في ذلك، وإن كان غير معتقد ذلك بقلبه فهو كاذب في الصورة، لكونه
عظمه بالحلف به، وإذا علم أنه لا ينفك عن كونه كاذباً حمل التقييد بـ ((كاذباً)) على أنه بيان
لصورة الحالف، ويكون التقييد خرج على سبب، فلا يكون له مفهوم، ويكون من باب قول الله
تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ﴾ [آل عمران، آية: ١١٢] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقٍ﴾ [الأنعام، آية:
١٥١].
قوله: (فهو كما قال) إلخ: قال الحافظ تغّثُ في الفتح: ((إن اعتقد الحالف تعظيم ما ذكر
كفر، وإن قصد حقيقة التعليق فينظر: فإن كان أراد أن يكون متصفاً بذلك: كفر، لأن إرادة الكفر
كفر، وإن أراد البعد عن ذلك: لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يكره؟ الثاني هو المشهور،
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((فهو كما قال)) التهديد والمبالغة في الوعيد، لا الحكم، وكأنه
قال: فهو مستحق مثل عذاب من اعتقد ما قال: ونظيره: ((من ترك الصلاة فقد كفر)) أي:
استوجب عقوبة من كفر .
وقال ابن المنذر: قوله: ((فهو كما قال)) ليس على إطلاقه في نسبته إلى الكفر بل المراد أنه
كاذب ككذب المعظم لتلك الجهة)).
قوله: (وليس على رجل نذر في شيء لا يملكه) إلخ: وهذا عند الحنفية رحمهم الله تعالى
إذا لم يكن النذر معلقاً على الملك. والتفصيل يطلب من كتب الفروع.
(٠٠٠) - قوله: (ولعن المؤمن كقتله) إلخ: أي: لأنه إذا لعنه فكأنه دعا عليه بالهلاك،
وقال النووي تثاثه: «الظاهر أن المراد أنهما سواء في أصل التحريم، وإن كان القتل أغلظ، وهذا

١١٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثِّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلا قِلَّةً،
وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرِ فَاجِرَةِ)).
٣٠٠ - (١٧٧) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ
عَبْدِ الصَّمَدِ، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ شُعَبْةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي
قِلاَبَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الأَنْصَارِيِّ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ،
هو الذي اختاره الإمام المازري كثّفُ. وقيل: غير ذلك مما ليس بظاهر.
قال الإمام أبو حامد الغزالي كثّفُ وغيره: ((لا يجوز لعن أحد من المسلمين ولا الدوابّ،
ولا فرق بين الفاسق وغيره، ولا يجوز لعن أعيان الكفار حياً كان أو ميتاً إلا من علمنا بالنص أنه
مات كافراً كأبي لهب وأبي جهل وشبههما، ويجوز لعن طائفتهم كقولك: لعن الله الكفار، ولعن
الله اليهود والنصارى)).
قوله: (ومن ادعى دعوى كاذبة) إلخ: هذه هي اللغة الفصيحة، يقال: دعوى باطل وباطلة،
وكاذب وكاذبة، حكاهما صاحب ((المحكم)) والتأنيث أفصح.
قال القاضي: هو عام في كل دعوى يتشبع بها المرء بما لم يعط من مال، يختال في
التجمل به من غيره، أو نسب ينتمي إليه، أو علم يتحلى به، وليس هو من حملته، أو دين
يظهره، وليس ممن هو أهله، فقد أعلم وَّلقول أنه غير مبارك له في دعواه، ولا ذاك ما اكتسبه بها،
ومثله الحديث الآخر: ((اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب)).
قوله: (ليتكثر بها) إلخ: ضبطناه بالثاء المثلثة بعد الكاف، وكذا هو في معظم الأصول،
وهو الظاهر، وضبطه بعض الأئمة المعتمدين في نسخته بالباء الموحدة، وله وجه، وهو بمعنى
الأول، أي: يصير ماله كبيراً عظيماً .
قوله: (ومن حلف على يمين صبر فاجرة) إلخ: كذا وقع في الأصول هذا القدر فحسب،
وفيه محذوف.
قال القاضي عياض كثّهُ: لم يأت في الحديث هنا الخبر عن هذا الحالف إلا أن يعطفه
على قوله قبله: ((ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله بها إلا قلة)) أي: وكذلك من
حلف على يمين صبر فهو مثله، قال: وقد ورد معنى هذا الحديث تاماً مبيناً في حديث آخر:
(من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر: لقي الله وهو عليه غضبان)).
قوله: (يميت صبر) إلخ: هي التي التزم بها الحالف عند حاكم ونحوه، وأصل الصبر،
الحبس والإمساك.
١٧٧ - (٠٠٠) - قوله: (ح وحدثنا محمد بن رافع) إلخ: قد يقال هذا تطويل كلام على

١١٥
كتاب: الإيمان
عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ خَالِدِ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ النَِّيُّ ◌َّهُل
((مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الإِسْلاَمِ كَاذِباً مُتَعَمِّداً فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عَذَّبَهُ اللَّهُ بِهِ
فِي نَارِ جَهَنَّمَ)). هُذَا حَدِيثُ سِّفْيَانَ، وَأَمَّا شُعْبَةُ فَحَدِيثُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَال: ((مَنْ حَلَفَ
بِمِلَّةٍ سِوَى الإِسْلاَمَ كَاذِباً فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ ذُبِحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
٣٠١ - (١٧٨) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَغْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةً(١)، قَالَ: ((شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّرَ حُنَيْناً، فَقَالَ لِرَجُلِ مِمَّنْ يُدْعَى بِالإِسْلاَمَ: هَذَا
مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالاَ شَدِيداً فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ. فَقِيلَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفاً: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالاً شَدِيداً،
وَقَدْ مَاتَ. فَقَالَ النَِّيُّ ◌َهِ: إِلَى النَّارِ. فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ. فَبَيْتَمَا هُمْ عَلَى ذُلِكَ
خلاف عادة مسلم وغيره، وكان حقه ومقتضى عادته أن يقتصر أولاً على أبي قلابة، ثم يسوق
الطريق الآخر إليه، فأما ذكر ثابت فلا حاجة إليه أولاً .
وجوابه أن في الرواية الأولى رواية شعبة عن أيوب نسب ثابت بن الضحاك، فقال:
(الأنصاري)) وفي رواية الثوري ◌َُّ عن خالد، ولم ينسبه، فلم يكن له بد من فعل ما فعل ليصح
ذكر نسبه. قاله النووي كثّفُ .
قوله: (عن خالد الحذاء) إلخ: قالوا: إنما قيل له: ((الحذاء)) لأنه كان يجلس في
الحذائين، ولم يحذ نعلاً قط، هذا هو المشهور، وروينا من فهد بن حيان - بالمثناة - قال: لم
يحذ خالد قط، وإنما كان يقول: احذوا على هذا النحو، فلقب الحذاء، وهو خالد بن مهران أبو
المُنازل - بضم الميم، وبالزاي، وباللام -.
١٧٨ - (١١١) - قوله: (شهدنا مع رسول الله ( * حنيناً) إلخ: قال القاضي تكذُّهُ: صوابه
(خيبر)) - بالخاء المعجمة - وهذا موافق لما ذكر البخاري في صحيحه.
قوله: (فقال لرجل) إلخ: أي: في شأنه.
قوله: (فكاد بعض المسلمين أن يرتاب) إلخ: فيه دخول ((أن)) على خبر كاد وهو جائز مع
قلته .
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجهاد، باب إن الله يؤيد الدين
بالرجل الفاجر، رقم (٣٠٦٢) وفي كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم (٤٢٠٣) و(٤٢٠٤) وفي كتاب
القدر، باب العمل بالخواتيم، رقم (٦٦٠٦) والدارمي في سننه، في كتاب السير، باب إن الله يؤيد هذا
الدين بالرجل الفاجر، رقم (٢٥٢٠) وأحمد في مسنده (٣٠٩/٢).

١١٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلُكِنَّ بِهِ جِرَاحاً شَدِيداً. فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَىِ الْجِرَاحِ
فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأَخْبِرَ النَّبِيّ ◌َّهِ بِذَلِكَ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ثُمَّ أَمَرَ بِلاَلَاً
فَنَادَى فِي النَّاسِ: إِنَّهُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا نَفْسٌ مُسْلِمَة، وَإِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ
الْفَاجِرِ» .
٣٠٢ - (١٧٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ
الْقَارِيُّ، حَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ) عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ(١)؛ ((أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَهِ الْتَّقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَأْقَتْتُلُواَ. فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَمَالَ
الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابٍ رَسُولِ اللَّهِ وَ رَجُلٌ لا يَدَعُ لَهُمْ شَاءَّةً إِلَا اتَّبَعَهَا
يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ. فَقَالُوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلاَنٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَر : ......
قوله: (لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة) إلخ: قال السندي كثّفُهُ: ((فيه تنبيه على أن ذلك
الرجل ما كان من المسلمين من أصله، لا أنه بسبب فعله ذلك خرج منهم، ويمكن أن يكون في
هذا النداء تنبيه للمرتابين بالتبري عن الريب في كلامه، لأنه يخالف الإسلام فيضرّ بدخول الجنة،
والله تعالى أعلم)).
قوله: (بالرجل الفاجر) إلخ: والذي يظهر أن المراد بالفاجر أعمّ من أن يكون كافراً أو
فاسقاً .
١٧٩ - (١١٢) - قوله: (حي من العرب) إلخ: يعني: ((القاري)) منسوب إلى ((القارة)) قبيلة
معروفة من ثقيف .
قوله: (فلما مال رسول الله وسي﴿ إلى عسكره) إلخ: أي: رجع بعد فراغ القتال في ذلك
اليوم .
قوله: (شاذّة ولا فاذة) إلخ: الشاذّة - بتشديد المعجمة - ما انفرد عن الجماعة، وبالفاء مثله
ما لم يختلط بهم، ثم هما صفتان لمحذوف، أي: نسمة، والهاء فيهما للمبالغة، والمعنى أنه لا
يلقى شيئاً إلا قتله. وقيل: المراد بالشاذ والفاذ: ما كبر وما صغر، وقيل: الشاذ: الخارج،
والفاذ: المنفرد. وقيل: هما بمعنى، وقيل: الثاني إتباع.
قوله: (ما أجزأ منا اليوم) إلخ: مهموز، معناه: ما أغنى وكفى أحد غناءه وكفايته .
(١) قوله: ((عن سهل بن سعد الساعدي)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجهاد، باب لا
يقول: فلان شهيد، رقم (٢٨٩٨) وفي كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم (٤٢٠٢) و(٤٢٠٧) وفي
كتاب الرقاق، باب الأعمال بالخواتيم، رقم (٦٤٩٣) وفي كتاب القدر، باب: العمل بالخواتيم، رقم
(٦٦٠٧) وأحمد في مسنده (٣٣٢/٥).

١١٧
كتاب: الإيمان
أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ أَبَداً. قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا
وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ. قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحاً شَدِيداً، فَاسْتَعْجَلَ
الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ وَنُبَابَهُ بَيْنَ ثَذْيَيْهِ، ثمَّ تَحامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ.
فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولُ اللَّهِ وَلَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟. قَالَ:
الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفَأَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذُلِكَ. فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ،
فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ حَتَّى جُرِحَ جُرْحاً شَدِيداً، فَاسْعَجْلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ
وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْبَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ، عِنْدَ ذُلِكَ: إِنَّ الرَّجُلَ
لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ
النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الَجَنَّةِ)).
قوله: (أما أنه من أهل النار) إلخ: وفي حديث أكتم بن أبي الجون الخزاعي عند
الطبراني: ((قال: قلنا: يا رسول الله، فلان يجزي في القتال، قال: هو في النار، قلنا: يا
رسول الله، إذا كان فلان في عبادته واجتهاده ولين جانبه في النار: فأين نحن؟ قال: ذلك إخباث
النفاق، قال: فكنا نتحفظ عليه في القتال ... )).
قوله: (فقال رجل من القوم) إلخ: هو أكتم بن أبي الجون.
قوله: (أنا صاحبه) إلخ: معناه أنا أصحبه في خفية وألازمه، لأنظر السبب الذي يصير به
من أهل النار، فإن فعله في الظاهر جميل، وقد أخبر النبي ◌َّ أنه من أهل النار، فلا بد له من
سبب عجيب .
قوله: (نصل سيفه) إلخ: أي: حديدة السيف.
قوله: (وذبابه) إلخ: وهو بضم الذال، وتخفيف الباء الموحدة المكررة، وهو طرفه
الأسفل .
قوله: (بين ثدييه) إلخ: الثدي - بفتح الثاء - وهو يذكّر على اللغة الفصيحة التي اقتصر
عليها(١) الفراء وثعلب وغيرهما، وحكى ابن فارس والجوهري وغيرهما فيه التذكر والتأنيث.
قال ابن فارس: الثدي للمرأة، ويقال لذلك الموضع من الرجل: ثندوة، وثندؤه بالفتح بلا همز،
وبالضم مع الهمز. وقال الجوهري: والثدي للمرأة وللرجل، فعلى قول ابن فارس يكون في هذا
الحديث قد استعار الثدي للرجل، وجمع الثدي: أثدٍ وثُدى، وثِديّ - بضم الثاء وكسرها .
قوله: (وهو من أهل الجنة) إلخ: زاد في حديث أكتم: ((تدركه الشقاوة والسعادة عند
خروج نفسه، فیختم له بها)).
(١) كأن في الأصل المطبوع: ((على)) والتصويب من شرح النووي لصحيح مسلم. ن ب.

١١٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٠٣ - (١٨٠) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرِيُّ (وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: ((إِنَّ رَجُلاً مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ
خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَةٌ، فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ، فَتَكَأَهَا، فَلَمْ يَرْقَلِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ
رَبُّكُمْ: قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)). ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَالَ: إِي وَاللَّهِ، لَقَدْ حَدَّثَنِي بِهُذَا
الْحَدِيثِ جُنْدَبٌ(١)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَرَ، فِي هُذَا الْمَسْجِدِ.
١٨٠ - (١١٣) - قوله: (خرجت به قرحة) إلخ: بفتح القاف وسكون الراء، حبة تخرج في
البدن .
قوله: (من كنانته) إلخ: هي بالفارسية (تركش)، لأنها تكنّ السهام أي: تسترها .
قوله: (فنكأها) إلخ: أي: قشرها، وخرقها، وفتحها. قال الشارح: هذا محمول على أنه
نكأها استعجالاً للموت (كما يدل عليه رواية البخاري: ((بادرني عبدي بنفسه)) أو لغير مصلحة،
فإنه لو كان على طريق المداواة التي يغلب على الظن نفعها لم يكن حراماً. والله أعلم.
قوله: (فلم يرقأ الدم) إلخ: أي: لم ينقطع .
قوله: (قد حرمت عليه الجنة) إلخ: ظاهره يقتضي تخليد الموحد في النار. والجواب عنه
من وجوه :
أحدها: أنه كان استحلّ ذلك الفعل فصار كافراً .
ثانيها : كان كافراً في الأصل، وعوقب بهذه المصيبة زيادة على كفره.
ثالثها: أن المراد أن الجنة حرمت عليه في وقت مّا، كالوقت الذي يدخل فيه السابقون،
أو الوقت الذي يعذب فيه الموحدون في النار ثم يخرجون.
رابعها : المراد جنة معينة كالفردوس - مثلاً -.
خامسها : أن ذلك ورد على سبيل التغليظ والتخويف، وظاهره غير مراد.
سادسها: أن التقدير حرمت عليه الجنة إن شئت استمرار ذلك.
سابعها: قال النووي: يحتمل أن يكون ذلك شرع من مضى أن أصحاب الكبائر يكفرون
بفعلها. كذا في الفتح.
قوله: (في هذا المسجد) إلخ: هو مسجد البصرة.
(١) قوله: ((جندب)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس، رقم
(١٣٦٤) وفي كتاب أحاديث الأنبياء، رقم (٣٤٦٣).

١١٩
كتاب: الإيمان
٣٠٤ - (١٨١) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا
أَبِي، قال: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ،
فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدَبٌّ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ. قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((خَرَجَ بِرَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خُرَاجْ)). فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
(٤٨) - باب: غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل الجنة إلّ المؤمنون
٣٠٥ - (١٨٢) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ
عَمَّارٍ، قال: حَدَّثَنَي سِمَاكُ الحَنَفِيُّ، أَبُو زُمَّيْلٍ، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ. قال:
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (١) قَالَ: ((لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ ◌َِّ،
فَقَالُوا: فُلاَنْ شَهِيدٌ، فُلاَنْ شَهِيدٌ. حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا فُلاَنٌ شَهِيدٌ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: كَلاَّ. إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ، في بُرْدَةٍ غَلَّهَا، أَوْ عَبَاءَةٍ. ثُمَّ قَالَ
١٨١ - (٠٠٠) - قوله: (فما نسينا) إلخ: وفي البخاري: و((ما نسينا منذ حدثنا)) أشار بذلك
إلی تحققه لما حدث به، وقرب عهده به، واستمرار ذكره له .
قوله: (وما نخشى أن يكون جندب كذب) إلخ: فيه إشارة إلى أن الصحابة رضي﴿ه. عدول،
وأن الكذب مأمون من قبلهم، ولا سيما على النبي وَلّر.
قوله: (خراج) إلخ: بضم الخاء المعجمة. وتخفيف الراء، آخره جيم، هو القرحة. قال
الحافظ تخذله: «هذا تصحيف، والصحيح جراح - بكسر الجيم، وتخفيف الراء، آخره حاء - كما
هو عند البخاري في الجنائز.
(٤٨) - باب: غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون
١٨٢ - (١١٤) - قوله: (مرّوا على رجل) إلخ: لعله كركرة - بفتح الكاف الأولى وكسرها -
وأما الثانية فمكسورة فيهما، وهو الذي أهداها للنبي نَّ هوذة بن علي.
قوله: (كلا إني رأيته في النار) إلخ: زجر وردّ لقولهم في هذا الرجل: أنه شهيد محكوم له
بالجنة أول وهلة، بل هو في النار بسبب غلوله.
قوله: (في بردة غلّها) إلخ: بضم الباء: كساء مخطط، وهي الشملة والنمرة، جمعها برد
بفتح الراء، و((في بردة)) أي: من أجلها وسببها .
(١) قوله: ((عمر بن الخطاب)) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب السير، باب ما جاء في الغلول،
رقم (١٥٧٤) والدارمي في سننه، في كتاب السير، باب ما جاء في الغلول من الشدة، رقم (٢٤٩٢) وأحمد
في مسنده (٣٠/١ و٤٧).

١٢٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: يَا ابْنَ الْخَطَّاب، اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ أَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا الْمُؤْمِنُونَ.
قَالَ: فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ: أَلا إِنَّهُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا الْمُؤْمِنُونَ)) .
٣٠٦ - (١٨٣) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ، قال: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ،
عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدُّؤَلِيِّ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي الْغَيْثِ، مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً. ح
وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَهُذَا حَدِيثُهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي ابْنٌ مُحَمَّدٍ) عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ
أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)؛ قَالَ: ((خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َ إِلَى خَيْبَرَ. فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا، فَلَمْ
تَغْنَمْ ذَهَباً وَلا وَرِقاً، غَنِمْنَا الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ وَالثّيَابَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الْوَادِي، وَمَعَ
رَسُولِ اللَّهِ نَّهَ عَبْدٌ لَهُ، وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُذَامَ، يُدْعَى رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ.
فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِيَ قَامَ عَبْدُ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ يَخُلُّ رَحْلَهُ، فَرُمِيَ بِسَهْمِ، فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ. فَقُلْنَا:
هَنِيئاً لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُول اللَّهِ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: كَلاَّ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ
الشَّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَاراً، أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ، لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ قَالَ: فَفَزِعَ
النَّاسُ. فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِراكِ أَوْ شِرَاكَيْنٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ. فَقَالَ
قوله: (غلّها) إلخ: الغلول: قال أبو عبيد: هو الخيانة في الغنيمة خاصة، وقال غيره: هي
الخيانة في كل شيء، ويقال منه: غل يغل - بضم الغين -.
١٨٣ - (١١٥) - قوله: (رفاعة بن زيد من منى الضبيب) إلخ: قال الواقدي: كان رفاعة قد
وفد على رسول الله وَّر في ناس من قومه قبل خروجه إلى خيبر، فأسلموا، وعقد له على قومه.
قوله: (يحلّ رحله) إلخ: الرحل : - بالحاء المهملة - مركب الرجل على البعير.
قوله: (فكان فيه حتفه) إلخ: بفتح الحاء المهملة وإسكان المثناة فوق، أي: موته، وجمعه
حتوف، ومات حتف أنفه: أي: من غير قتل ولا ضرب.
قوله: (إن الشملة لتلتهب عليه) إلخ: يحتمل أن يكون ذلك حقيقة، بأن تصير الشملة نفسها
ناراً، فيعذب بها. ويحتمل أن يكون المراد أنها سبب لعذاب النار، وكذا القول في الشراك
الآتي ذكره.
قوله: (بشراك) إلخ: بكسر الشين المعجمة، وهو السير المعروف، الذي يكون في النعل
على ظهر القدم.
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم
(٤٢٣٤) وفي كتاب الأيمان والنذور، باب هل يدخل في الأيمان والنذور الأرض والغنم والزرع والأمتعة،
رقم (٦٧٠٧) والنسائي في سننه، في كتاب الأيمان والنذر، باب هل تدخل الأرضون في المال إذا نذر،
رقم (٣٨٥٨) وأبو داود في سننه، في كتاب الجهاد، باب في تعظيم الغلول، رقم (٢٧١١).