Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
كتاب: الإيمان
يُحَدِّثُهُمْ هُؤُلاَءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِقُ مَعَهُنَّ ((وَلاَ يَنْتَهِبُ نُهْبَةً
ذَاتَ شَرَفٍ، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ، حِينَ يَنْتَهِبُهَا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ)).
٢٠١ - (١٠١) وحدّثني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي
قلت: وأشار بذلك إلى أن عموم ما ذكره الأول يشمل الكبائر والصغائر، وليست الصغائر
مرادة ههنا، لأنها تكفر باجتناب الكبائر، فلا يقع الوعيد عليها بمثل التشديد الذي في هذا
الحديث، كذا في الفتح.
قوله: (وكان أبو هريرة يلحق معهن) إلخ: قال ابن الصلاح في كلامه على مسلم: «هذا
يوهم أنه موقوف على أبي هريرة، وقد رواه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم من طريق همام عن
أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((والذي نفس محمد بيده لا ينتهب أحدكم نهبة)) الحديث، فصرح
برفعه)).
قوله: (ولا ينتهب نهبة) إلخ: بضم النون، هو المال المغصوب، والمراد به المأخوذ جهراً
وقهراً، ووقع في رواية همام عند أحمد: ((والذي نفس محمد بيده لا ينتهبن أحدكم نهبة))
الحديث. واستدل به من قال: إن الانتهاب كله حرام، حتى فيما أذن مالكه، كالنثار في العرس،
ولكن صرح الحسن والنخعي وقتادة فيما أخرجه ابن المنذر عنهم بأن شرط التحريم أن يكون
بغير إذن المالك.
قال أبو عبيدة: ((هو كما قالوا، وأما النهبة المختلف فيها فهو ما أذن فيه صاحبه وأباحه،
وغرضه تساويهم أو مقاربة التساوي، فإذا كان القوي منهم يغلب الضعيف، ولم تطب نفس
صاحبه بذلك: فهو مكروه، وقد ينتهي إلى التحريم، وقد صرح المالكية والشافعية والجمهور
بكراهته، وممن كرهه من الصحابة: أبو مسعود البدري، ومن التابعين: النخعي وعكرمة)).
قال ابن المنذر: ((ولم يكرهوه من الجهة المذكورة، بل لكون الأخذ في مثل ذلك إنما
يحصل ممن فيه فضل قوة أو قلة حياء، واحتج الحنفية ومن وافقهم بأنه وسير قال في الحديث
الذي أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن قرظ أن النبي وَّر قال في البدن التي نحرها: ((من
شاء اقتطع))، واحتجوا أيضاً بحديث معاذ: ((إنما نهيتكم عن نُهبى العساكر، فأما العرسان: فلا))
الحديث، وهو حديث ضعيف، في سنده ضعف وانقطاع، قال ابن المنذر: وهي حجة قوية في
جواز أخذ ما نثر في العرس ونحوه، لأن المبيح لهم قد علم اختلاف حالهم في الأخذ، كما
علم النبي ◌ّر، وأذن فيه في أخذ البدن التي نحرها، وليس فيها معنى إلا وهو موجود في
النثار)).
قلت: بل فيها معنى ليس في غيرها بالنسبة إلى المأذون لهم، فإنهم كانوا الغاية في الورع
والإنصاف، وليس غيرهم في ذلك مثلهم. كذا في الفتح.

٢٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْد
الرَّحْمُنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((لاَ
يَزْنِي الزَّانِ)) وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ. يَذْكُرُ مَعَ ذِكْرِ النُّهْبَةِ. وَلَمْ يَذْكُرْ ذَاتَ شَرَفٍ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ له ... بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي بَكرٍ هُذَا. إِلَّ النُّهْبَةَ.
٢٠٢ - (١٠٢) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ،
حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَ ... بِمِثْلِ حَدِيثٍ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذَكَرَ النُّهْبَةَ. وَلَمْ يَقُلْ: ذَاتَ شَرَفٍ.
٢٠٣ - (١٠٣) وحدّثني حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَلِبِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، مَوْلَى مَيْمُونَةً،
وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ.
ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبي ◌َّهِ .
٢٠٤ - (٠٠٠ ) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ) عَنِ
الْعَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ. كُلُّ هُؤُلاَءٍ بِمِثْلِ حَدِيثٍ
الزُّهْرِيِّ. غَيْرَ أَنَّ الْعَلَاَءَ وَصَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمِ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا ((يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا
أَبْصَارَهُمْ)). وَفِي حَدِيثِ هَمَّامِ ((يَرْفَعُ إِلَيْهِ الْمُؤْمِّنُونَ أَعْيُتَهُمْ فِيهَا وَهُوَ حِينَ يَنْتَهِبُهَا مُؤْمِنٌ)) وَزَادَ
(وَلاَ يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِينَ يَغُلُّ وَهُوَ مُؤْمِنْ. فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ)).
قوله: (ذات شرف) إلخ: بالشين المعجمة المفتوحة، أي: ذات قدر عظيم، وقيل: ذات
استشراف يستشرف الناس لها ناظرين إليها .
قوله: (يرفع الناس إليه فيها أبصارهم) وأشار برفع البصر إلى حالة المنهوبين، فإنهم
ينظرون إلى من نهبهم، ولا يقدرون على دفعه ولو تضرعوا إليه، ويحتمل أن يكون كناية عن عدم
التستر بذلك، فيكون صفة لازمة للنهب، بخلاف السرقة والاختلاس، فإنه يكون في خفية،
والانتهاب أشد، لما فيه من مزيد الجراءة وعدم المبالاة.
(٠٠٠) - قوله: (ولا يغل) إلخ: بفتح الياء وضم الغين وتشديد اللام، من الغلول: السرقة
من مال الغنيمة، خصه بالذكر بعد السرقة لأن أموال الغنائم هي أطيب أموال المسلمين، ومظنة
السرقة لعدم الإحراز والحفظ.

٢٣
كتاب: الإيمان
٢٠٥ - (١٠٤) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ
سُلَيْمَانَ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ قَالَ: ((لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ
مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ،
وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ)) .
٢٠٦ - (١٠٥) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً، رَفَعَهُ، قَالَ: ((لاَ يَزْنِي الزَّانِي)) ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ
شُعْبَةً .
(٢٥) - باب: بيان خصال المنافق
٢٠٧ - (١٠٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا
ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو(١)،
١٠٤ - (٥٨) - قوله: (والتوبة معروضة بعد) إلخ: معروضة على فاعلها بعد ذلك، يعني:
باب التوبة مفتوحة عليه بعد فعلها .
(٢٥) - باب: خصال المنافق
١٠٦ - (٥٨) - قوله: (حدثنا سفيان) إلخ: أي: الثوري الإمام الكبير، أحد أصحاب
المذاهب الستة المتبوعة، المتفق على جلالة قدره، وكثرة علومه، وصلابة دينه، وتوثيقه،
وأمانته، وهو من تابعي التابعين.
وقال ابن عاصم: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. فقال ابن المبارك: كتبت عن ألف
ومائة، وما كتبت عن أفضل من سفيان، ولد سنة سبع وتسعين، وتوفي سنة ستين ومائة بالبصرة
متوارياً من سلطانها، ودفن عشاء وكان يدلس، روى له الجماعة، كذا في عمدة القاري.
قوله: (عن مسروق) إلخ: أي: ابن الأجدع صلى خلف أبي بكر ظُه، وسمع عمر،
(١) قوله: ((عن عبد الله بن عمرو)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب علامة
المنافق، رقم (٣٤). وفي كتاب المظالم، باب إذا خاصم فجر، رقم (٢٤٥٩). وفي كتاب الجزية
والموادعة، باب إثم من عاهد غدر، رقم (٣١٧٨). والنسائي في سننه، في كتاب الإيمان وشرائعه، باب
علامة المنافق، رقم (٥٠٢٣). وأبو داود في سننه، في كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان
ونقصانه، رقم (٤٦٨٨). والترمذي في جامعه، في كتاب الإيمان، باب ما جاء في علامة المنافق رقم
(٢٦٣٢).

٢٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَ: «أَرْبَعْ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً،
وعبد الله بن مسعود، وعائشة، وغيرهم، وكان من المخضرمين، اتفق على جلالته وتوثيقه
وإمامته، وكان أفرس فارس باليمن، وهو ابن أخت معديكرب.
قوله: (كان منافقاً خالصاً) إلخ: النفاق ككتاب، فعل المنافق، هو الدخول في الإسلام من
وجه، والخروج عنه من آخر، وقد نافق منافقة ونفاقاً، وقد تكرر في الحديث النفاق وما تصرف
منه اسماً وفعلاً، وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به وهو الذي يستر كفره
ويظهر إيمانه، وإن كان أصله في اللغة معروفاً، صرح بذلك ابن فارس، وابن الأثير.
وفي تسمية المنافق منافقاً ثلاثة أقوال:
أحدها : أنه سمي به لأنه يستر كفره ويغيبه، فشبه بالذي يدخل النفق وهو السرب، يستتر
فيه .
والثاني : أنه نافق كاليربوع، فشبه به لأنه يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي دخل فيه.
والثالث: أنه يسمى به لإظهاره غير ما يضمر، تشبيهاً باليربوع، فكذلك المنافق ظاهره
إيمان وباطنه كفر .
قلت(١): وعلى هذا يحمل حديث أكثر منافقي هذه الأمة قراءها، أراد بالنفاق ههنا الرياء،
لأن كلاهما إظهار غير ما في الباطن، كذا قال الزبيدي في شرح القاموس(٢).
قال الخطابي: ((النفاق ضربان: أحدهما أن يظهر صاحبه الدين وهو مبطن للكفر، وعليه
كانوا في عهد رسول الله وَّل، والآخر ترك المحافظة على أمور الدين سراً، ومراعاتها علناً،
وهذا أيضاً يسمى نفاقاً، كما جاء: (سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر)) وإنما هو كفر دون كفر،
وفسق دون فسق، ونفاق دون نفاق)).
قال النووي كثّفُهُ: «هذا الحديث عدّه جماعة من العلماء مشكلا من حيث أن هذه الخصال
قد توجد في المسلم المجمع على عدم الحكم بكفره، قال: وليس فيه إشكال، بل معناه
صحيح، والذي قاله المحققون: إن معناه أن هذه خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في
هذه الخصال، متخلق بأخلاقهم)).
قلت: ومحصل هذا الجواب: الحمل في التسمية على المجاز، أي: صاحب هذه
الخصال كالمنافق، وهو بناء على أن المراد بالنفاق نفاق الكفر .
وقد قيل في الجواب عنه: إن المراد بالنفاق نفاق العمل، كما قدمناه، وهذا ارتضاه
(١) القائل: هو الزبيدي رحمه الله شارح القاموس.
(٢) ٧٩/٧ مادة ((نفق)).

٢٥
كتاب: الإيمان
وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ
غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)). غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ ((وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ
خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ)).
القرطبي، واستدل بقول عمر لحذيفة: ((هل تعلم فيّ شيئاً من النفاق)) فإنه لم يرد بذلك، نفاق
الكفر، وإنما أراد نفاق العمل)).
وقيل: المراد بإطلاق النفاق الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وإن الظاهر غير
مراد، وهذه ارتضاه الخطابي، وذكر أيضاً أنه يحتمل أن المتصف بذلك هو من اعتاد ذلك،
وصار له ديدنا، قال: ويدل عليه التعبير: ((بإذا)) فإنها تدل على تكرار الفعل، كذا قال.
والأولى ما قال الكرماني: ((إن حذف المفعول من ((حدث)) يدل على العموم، أي: إذا
حدث في كل شيء: كذب فيه، أو يصير قاصراً، أي: إذا وجد ماهية التحديث: كذب.
وقيل: هو محمول على من غلبت عليه هذه الخصال، وتهاون بها، واستخفّ بأمرها، فإن
من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالباً .
وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن اللام في ((المنافق)) للجنس، ومنهم من ادع على أنها
للعهد، فقال: إنه ورد في حق شخص معين، أو في حق المنافقين في عهد النبي وَّل، وتمسك
هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذلك، لو ثبت شيء منها تعين المصير إليه، وأحسن الأجوبة ما
ارتضاه القرطبي، والله أعلم، كذا في الفتح.
قوله: (ومن كان فيه خلة) إلخ: الخلة والخصلة بفتح الخاء فيهما، وإحداهما بمعنى
الأخرى.
قوله: (وإذا وعد أخلف) إلخ: قال صاحب ((المحكم)) يقال: وعدته خيراً، ووعدته شراً،
فإذا أسقطوا الفعل قالوا: في الخير وعدته، وفي الشر أوعدته)).
وحكى ابن الأعرابي في نوادره: «أوعدته خيراً بالهمزة، فالمراد بالوعد في الحديث:
الوعد بالخير، أما الشر فمستحب إخلافه، وقد يجب ما لم يترتب على ترك إنفاذه مفسدة، وأما
الكذب في الحديث فحكى ابن التين عن مالك أنه سئل عمن جُرب عليه كذب، فقال: أي: نوع
من الكذب، لعله عن عيش له سلف فبالغ في وصفه، فهذا لا يضر وإنما يضر من حدث عن
الأشياء بخلاف ما هي عليه، قاصد الكذب)) اهـ كذا في الفتح.
قال العلماء: يستحب الوفاء بالوعد بالهبة وغيرها استحباباً مؤكداً، ويكره إخلافه كراهة
تنزيه لا تحريم، ويستحب أن يعقب الوعد بالمشيئة ليخرج عن صورة الكذب، ويستحب إخلاف
الوعيد إذا كان التوعد به جائزاً، ولا يترتب على تركه مفسدة، قاله العيني.
قوله: (وإذا خاصم فجر) إلخ: أي: مال عن الحق، وقال: الكذب، قال الهروي:

٢٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٠٨ - (١٠٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالا: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُهَيْلٍ نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: («آيَّةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثُ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ
أَخْلَفَ، وَإِذَا انْتُمِنَ خَانَ)) .
®﴾ [الشمس، آية: ٨])).
الفجور: الميل عن القصد، وهو ضد التقوى، ﴿فَأَقْمَهَا لُوَّرَهَا وَتَقْوَنُهَا
١٠٧ - (٥٩) - قوله: (نافع بن مالك) إلخ: هو عم مالك بن أنس إمام دار الهجرة.
قوله: (آية المنافق ثلاث) إلخ: الآية: العلامة، وإفراد الآية إما على إرادة الجنس، أو أن
العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث.
فإن قيل: ظاهره الحصر في الثلاث، فكيف جاء في الحديث الآخر بلفظ: ((أربع من كنّ
فيه)) الحديث؟ .
أجاب القرطبي باحتمال أنه استجد له وَّر من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده، والأولى
أن يقال: إن التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد والناقص (٢). وفي رواية مسلم الآتية ما يدل
على عدم الحصر، فإن لفظه: ((من علامة (٣) المنافق ثلاث)).
وروي: ((أن سعيد بن جبير أهمّه هذا الحديث، فسأله ابن عمر، وابن عباس ظ﴿ه، فقالا:
أهمّنا من ذلك يا ابن أخي مثل الذي أهمّك، فسألنا رسول الله وَّه، فضحك النبي ◌َّر، وقال:
ما لكم ولهن؟ إنماخصصت به المنافقين، أما قولي: ((إذا حدث كذب)): فذلك فيما أنزل الله
تعالى عليّ: ﴿إِذَا جََّكَ الْمُنَفِقُونَ﴾ [المنافقون، آية: ١] الآية، أفأنتم كذلك؟ قلنا: لا، قال: فلا
عليكم، أنتم من ذلك برآء. وأما قوله: ((إذا وعد أخلف)) فذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اللَّهَ
لَبِنْ ءَاتَئِنَا مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة، آية: ٧٥] الآيات الثلاث، أفأنتم كذلك؟ قلنا: لا، قال: لا
عليكم، أنتم من ذلك براء. وأما قولي: ((إذا ائتمن خان)) فذلك فيمن أنزل الله تعالى عليّ ﴿إِنَّا
عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب، آية: ٧٢] الآية، فكل إنسان مؤتمن على دينه،
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)): الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب علامة المنافق،
رقم (٣٣). وفي كتاب الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد، رقم (٢٦٨٢). وفي كتاب الوصايا، باب
قول الله عز وجل: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ رقم (٢٧٤٩). وفي كتاب الأدب، باب قول الله
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ وما ينهى عن الكذب، رقم (٦٠٩٥). والنسائي
في كتاب الإيمان وشرائعه، باب علامة المنافق، رقم (٥٠٢٤). والترمذي في جامعه، في كتاب الإيمان،
باب ما جاء في علامة المنافق، رقم (٢٦٣١).
(٢) كذا في الأصل ولعله ((على نفى الزائد والناقص)). من المؤلف رحمه الله.
(٣) كذا في المطبوعة، ((علامة)) بالإفراد، ولعلها ((علامات)) بالجمع وفقاً لرواية مسلم الآتية برقم (٢٢١).

٢٧
كتاب: الإيمان
٢٠٩ _ (١٠٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ، قال: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ يَعْقُوبَ، مَوْلَى الْحُرَقَةِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مِنْ عَلَاَمَاتِ الْمُنَافِقِ ثَلاثَةٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ
أَخْلَفَ، وَإِذَا اثْتُمِنَ خَانَ)) .
٢١٠ - (١٠٩) حدّثنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم العَمِّيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ أَبُو
زُكَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلاَءَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ يُحَدِّثُ بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: ((آيَةُ الْمُنَافِقِ
ثَلاَثُ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ)) .
٢١١ - (١١٠) وحدّثني أَبُو نَصْرِ التَّمَّارُ وَعَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالا: حَدَّثَنَا
حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَه ... بِمِثْلِ حَدِيثٍ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعَلَّءِ. ذَكَرَ فِيهِ ((وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى
وَزَعَمُ أَنَّهُ مُسْلِمْ)).
يغتسل من الجنابة، ويصلي، ويصوم في السر والعلانية، والمنافق لا يفعل ذلك إلا في العلانية،
أفأنتم كذلك؟ قلنا: لا، قال: لا عليكم، أنتم من ذلك براء»، كذا في عمدة القاري.
١٠٨ - (٠٠٠) - قوله: (مولى الحرقة) إلخ: بضم الحاء المهملة، وفتح الراء وبالقاف،
وهو بطن من جهينة .
١٠٩ - (٠٠٠) - قوله: (حدثنا عقبة بن مكرم العمي) إلخ: أما مكرم: فبضم الميم،
وإسكان الكاف، وفتح الراء، وأما العمي: فبفتح العين وتشديد الميم المكسورة، منسوب إلى
بني العم بطن من تميم.
١١٠ - (٠٠٠) - قوله: (وحدثني أبو نصر التمار) إلخ: هو بالصاد المهملة، واسمه
عبد الملك بن عبد العزيز بن الحارث، وهو ابن أخي بشر بن الحارث الحافي الزاهد طؤها. قال
محمد بن سعد: «هو من أبناء خراسان، من أهل نسا، نزل ببغداد، واتّجر بها في التمر وغيره،
وكان فاضلاً خيّراً ورعاً)) والله أعلم بالصواب.

٢٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٢٦) - باب: بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم: يا كافر
٢١٢ - (١١١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ
نُمَيْرٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ (١)، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وََّ قَالَ: ((إِذَا
كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا)) .
٢١٣ - (٠٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ
سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ :
((أَيُّمَا امْرِىءٍ قَالَ لَأَخِيهِ: يا كَافِرٌ. فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلا رَجَعَتْ
عَلَيْهِ)).
(٢٦) - باب: بيان حال من قال لأخيه المسلم: يا كافر
١١١ - (٦٠) - قوله: (فقد باء بها أحدهما) إلخ: أي: رجع بها أحدهما .
(٠٠٠) - قوله: (وإلا رجعت عليه) إلخ: قال النووي: ((اختلف في تأويل هذا الرجوع،
فقيل: رجع عليه الكفر إن كان مستحلاً)) وهذا بعيد من سياق الخبر، وقيل: ((محمول على
الخوارج، لأنهم يكفرون المؤمنين)) هكذا نقله عياض عن مالك، وهو ضعيف، لأن الصحيح
عند الأكثرين أن الخوارج لا یکفرون ببدعتهم.
قلت: ولِمَا قاله مالك: وجه، وهو أن منهم من يكفر كثيراً من الصحابة ممن شهد له
رسول الله * بالجنة وبالإيمان، فيكون تكفيرهم من حيث تكذيبهم للشهادة المذكورة، لا من
مجرد صدور التكفير منهم بتأويل.
والتحقيق: أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وذلك قبل
وجود فرقة الخوارج وغيرهم.
وقيل: معناه رجعت عليه نقيصة لأخيه، ومعصية تكفيره، وهذا لا بأس به، وقيل: يخشى
عليه أن يؤول به ذلك إلى الكفر، كما قيل: ((المعاصي بريد الكفر)) فيخاف على من أدامها،
وأصرّ عليها : سوء الخاتمة.
وأرجح من الجميع أن من قال ذلك لمن يعرف منه الإسلام، ولم يقم له شبهة في زعمه أنه
(١) قوله: ((عن ابن عمر)): الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأدب، باب من أكفر أخاه بغير
تأويل، رقم (٦١٠٤). وأبو داود في سننه، في كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، رقم
(٤٦٨٧). والترمذي في جامعه، في كتاب الإيمان، باب ما جاء فيمن رمى أخاه بكفر، رقم (٢٦٣٧).

٢٩
كتاب: الإيمان
(٢٧) - باب: بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم
٢١٤ - (١١٢) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا
أَبِي، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ؛ أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ حَدَّثَهُ عَنْ
أَبِي ذَرِّ (١)؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ:
كافر، فإنه يكفر بذلك، كما سيأتي تقريره، فمعنى الحديث: ((فقد رجع عليه تكفيره)) فالراجع
التكفير لا الكفر، فكأنه كَفَّرَ نفسه لكونه كَفَّرَ من هو مثله، ومن لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان
دين الإسلام، ويؤيده أن في بعض طرقه وجب الكفر على أحدهما .
وقال القرطبي: ((حيث جاء الكفر في لسان الشرع فهو جحد المعلوم من دين الإسلام
بالضرورة الشرعية، وقد ورد الكفر في الشرع بمعنى جحد النعم، وترك شكر المنعم، والقيام
بحقه، ففي حديث أبي سعيد: ((يكفرن الإحسان، ويكفرن العشير))، قال: وقوله: ((باء بها
أحدهما)) أي: رجع بإثمها، ولازم ذلك، وأصل ((البوء)) اللزوم، ومنه: ((أبوء بنعمتك)) أي:
ألزمها نفسي، وأقر بها، قال: و(الهاء)) في قوله: ((بها)) راجع لى التكفيرة الواحدة التي هي أقل
ما يدل عليها لفظ: ((كافر))، ويحتمل أن يعود إلى الكلمة)).
والحاصل أن المقول له، إن كان كافراً كفراً شرعياً فقد صدق القائل، وذهب بها المقول
له، وإن لم يكن رجعت للقائل معرّة ذلك القول وإثمه، كذا اقتصر على التأويل في (رجع)) وهو
من أعدل الأجوبة.
وقد أخرج أبو داود عن أبي الدرداء بسند جيد رفعه: ((أن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة
إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتأخذ يمنة ويسرة، فإن لم يجد
مساغاً رجعت إلى الذي لُعِنَ، فإن كان أهلاً، وإلا رجعت إلى قائلها))، وله شاهد عند أحمد من
حديث ابن مسعود ظُه بسند حسن، وآخر عند أبي داود، والترمذي، عن ابن عباس ظ ◌ُه،
ورواته ثقات، ولكنه أُعِلَّ بالإرسال. كذا في الفتح.
[(٢٧) - باب: بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم]
١١٢ - (٦١) - قوله: (أن أبا الأسود حدثه) إلخ: اسمه ظالم بن عمرو، هذا هو
المشهور، وهو بصري، قاضيها، وكان من عقلاء الرجال، وهو الذي وضع النحو، تابعي
جلیل .
قوله: (عن أبي ذر) إلخ: المشهور في اسمه جندب بن جنادة نظابه .
(١) قوله: ((عن أبي ذر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المناقب، باب (بلا ترجمة، بعد =

٣٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
((لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ اذَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، إِلَّ كَفَرَ. وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا،
وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. وَمَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ،
قوله: (ليس من رجل ادعى بغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر) إلخ: وللبخاري في أبواب
المناقب: ((إلا كفر بالله)).
قال الحافظ: ((ولم يقع قوله: (بالله)) في غير رواية أبي ذر، ولا في رواية مسلم، ولا
الإسماعيلي، وهو أولى، وإن ثبت ذاك: فالمراد من استحلّ ذلك مع علمه بالتحريم، وعلى
الرواية المشهورة فالمراد كفر النعمة، وظاهر اللفظ غير مراد، وإنما ورد على سبيل التغليظ
والزجر لفاعل ذلك، أو المراد بإطلاق الكفر أن فاعله فعل فعلاً شبيهاً بفعل أهل الكفر)).
قوله: (وهو يعلمه) إلخ: قيد في الحديث بالعلم، ولا بد منه، لأن الإثم إنما يترتب على
العالم بالشيء، المتعمد له، وفيه جواز إطلاق الكفر على المعاصي لقصد الزجر، كما قرّرناه.
قوله: (ومن ادعى ما ليس له) إلخ: وللبخاري في المناقب: ((ومن ادعى قوماً ليس له فيهم
نسب فليتبوأ مقعده من النار)) فرواية مسلم أعم مما يدل عليه رواية البخاري، على أن لفظة:
(نسب)) وقعت في رواية الكشميهيني دون غيره، ومع حذفها يبقى متعلق الجار والمجرور
محذوفاً، فيحتاج إلى تقدير، ولفظ: ((نسب)) أولى ما قدر له، لوروده في بعض الروايات،
ويؤخذ من رواية مسلم تحريم الدعوى بشيء ليس هو للمدعي، فيدخل فيه الدعاوي الباطلة كلها
مالاً، وعلماً، وتعلماً، ونسباً، وحالاً، وصلاحاً، ونعمة، وولاء، وغير ذلك. ويزداد التحريم
بزيادة المفسدة المترتبة على ذلك. كذا في الفتح.
قوله: (وليتبوأ مقعده) إلخ: أي: ليتخذ منزله من النار، وهو إما دعاء أو خبر بلفظ الأمر،
ومعناه: هذا جزاؤه إن جوزي، وقد يُعْفَى عنه، وقد يتوب، فيسقط عنه.
قوله: (في حديث أبي ذر): (ومن دعا رجلاً بالكفر) إلخ: وفي البخاري عن أبي ذر تَظُه
أنه سمع النبي ◌َّ ر: ((لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر إلا ارتّدت عليه إن لم يكن
صاحبه كذلك)».
قال الحافظ في الفتح: ((وهذا يقتضي أن من قال لآخر: أنت فاسق، أو قال له: أنت
كافر، فإن كان ليس كما قال كان هو المستحق للوصف المذكور، وأنه إذا كان كما قال: لم
يرجع عليه شيء، لكونه صدق فيما قال، ولكن لا يلزم من كونه لا يصير بذلك فاسقاً ولا كافراً
أن لا يكون آثماً في صورة قوله له: أنت فاسق، بل في هذه الصورة تفصيل، إن قصد نصحه، أو
(باب نسبة اليمن إلى أسماعيل))) رقم (٣٥٠٨). وفي كتاب الأدب، باب ما ينهى عن السباب واللعن، رقم
=
(٦٠٤٥).

٣١
كتاب: الإيمان
أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. إِلاَّ حَارَ عَلَيْهِ)) .
باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم
٢١٥ - (١١٣) حدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
عَمْرُو، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً(١) يَقُولُ: إِنَّ
رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ قَالَ: (لاَ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِهِ فَهُوَ كُفْرٌ)).
٢١٦ - (١١٤) حدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي
عُثْمَانَ، قَالَ: لَمَّ ادُّعِيَ زِيَادٌ، لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟ إِنِّي سَمِعْتُ
سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ (٢) يَقُولُ: سَمِعَ أُذْنَايَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ وَهُوَ يَقُولُ: ((مَنِ ادَّعَى أَباً
نصح غيره ببيان حاله: جاز، وإن قصد تعييره وشهرته بذلك ومحض أذاه: لم يجز، لأنه مأمور
بالستر عليه، وتعليمه، وعظته بالحسنى، فمهما أمكنه ذلك بالرفق لا يجوز له أن يفعله بالعنف،
لأنه قد يكون سبباً لإغرائه وإصراره على ذلك الفعل، كما في طبع كثير من الناس من الأنفة، لا
سيما إن كان الآمر دون المأمور في المنزلة)).
قوله: (إلا حار عليه) إلخ: أي: رجع عليه، وتقدم بيان معناه.
باب من رغب عن أبيه فهو کفر
١١٣ - (٦٢) - قوله: (لا ترغبوا عن آباءكم) إلخ: يقال: رغب عن أبيه، أي: ترك
الانتساب إليه وجحده، يقال: رغبت عن الشيء: تركته وكرهته، ورغبت فيه: أي: اخترته،
وطلبته .
١١٤ - (٦٣) - قوله: (لما ادُعِىَ زياد) إلخ: بضم الدال وكسر العين، مبني لما لم يسم
فاعله، أي: ادعاه معاوية، وقيل: بفتح الدال والعين، على أن زياداً هو الفاعل من حيث أن
معاوية ادعاه وصدقه زياد، فصار زياد مدعياً أنه ابن أبي سفيان، وذلك.
أن زياداً هذا المذكور هو المعروف بزياد بن أبي سفيان، ويقال فيه: زياد ابن أبيه،
ويقال: زياد ابن أمه، وهو أخو أبي بكرة لأمه، وأمهما سمية أمة الحارث بن كلدة، وكان يعرف
زياد هذا بزياد بن عبيد الثقفي، ثم ادعاه معاوية بن أبي سفيان، وألحقه بأبيه أبي سفيان، وصار
(١) قوله: ((أبا هريرة)): الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الفرائض، باب من ادّعى إلى غير أبيه،
رقم (٦٧٦٨).
(٢) انظر الرقم الآتي، ففيه خرّجنا الحديث.

٣٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فِي الإِسْلاَم غَيْرَ أَبِيهِ، يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ».
فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بِ.
٢١٧ - (١١٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ
وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِم، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَعْدٍ وَأَبِي بَكْرَةَ(١)، كِلاَهُمَا يَقُولُ: سَمِعَتْهُ
أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، مُحِّمَّداً بََّ. يَقُولُ: ((مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ،
فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» .
(٢٨) - باب: بيان قول النبي ◌َّيقول: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر))
٢١٨ - (١١٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، وَعَوْنُ بْنُ سَلاَّم، قَالا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنٌ مَهْدِيٌّ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ كُلُّهُمْ عَنْ زُبَيْدٍ،
من جملة أصحابه بعد أن كان من أصحاب علي بن أبي طالب رَُّبه، فلهذا قال أبو عثمان لأبي
بكرة: ما هذا الذي صنعتم؟ وكان أبو بكرة رَّ ◌ُله، ممن أنكر ذلك، وهجر بسببه زياداً، وحلف أن
لا يكلمه أبداً، ولعل أبا عثمان لم يبلغه إنكار أبي بكرة حين قال له هذا الكلام، أو يكون مراده
بقوله: ((ما هذا الذي صنعتم)) أي: ما هذا الذي جرى من أخيك، ما أقبحه! وأعظم عقوبته! فإن
النبي ◌َّ حرم على فاعله الجنة، كذا في الشرح، والتفصيل في إكمال إكمال المعلم.
قوله: (فالجنة عليه حرام) إلخ: إما محمول على من فعله مستحلاً، أو على أن جزاءه أنها
محرمة عليه أولاً عند دخول الفائزين، وأهل السلامة، ويمكن العفو عنه بفضل الله سبحانه
وتعالى .
١١٥ - (٠٠٠) - قوله: (ووعاه قلبي محمداً وَل*) إلخ: نصب محمد على البدل من الضمير
في ((سمعته أذناي)) ومعنى وعاه: حفظه .
(٢٨) - باب: بيان قول النبي ◌ٍُّّ سباب المسلم فسوق وقتاله كفر
١١٦ - (٦٤) - قوله: (عن زبيد) إلخ: بالزاي والموحدة، مصغراً، وهو ابن الحارث،
اليامي، يكنى أبا عبد الرحمن.
(١) قوله: ((عن سعد وأبي بكرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، باب غزوة الطائف في
شوال سنة ثمان، رقم (٤٣٢٦) و(٤٣٢٧) وفي كتاب الفرائض، باب من ادعى إلى غير أبيه، رقم (٦٧٦٦)
و(٦٧٦٧). وأبو داود في سننه، في كتاب الأدب، باب في الرجل ينتمي إلى غير مواليه، رقم (٥١١٣). وابن
ماجه في سننه، في كتاب الحدود، باب من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه، رقم (٢٦١٠).
١

1
٣٣
كتاب: الإيمان
عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((سِبَابُ الْمُسْلِم
فُسُوقٌ. وَقِتَالُّهُ كُفْرٌ)). قَالَ زُبَيْدٌ: فَقُلْتُ لأَّبِي وَائِلٍ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ يَرْوِيهِ عَنَّ
رَسُولِ اللَّهِ وَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قوله: (عن أبي وائل) إلخ: وللبخاري: ((عن زبيد سألت أبا وائل عن المرجئة، فقال:
حدثني عبد اللّه أن النبي وَ لّر قال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)).
ولأبي داود الطيالسي: ((عن شعبة، عن زبيد، قال: لما ظهرت المرجئة: أتيت أبا وائل،
فذكرت ذلك له: فظهر من هذا أن سؤاله كان عن معتقدهم، وأن ذلك كان حين ظهورهم،
وكانت وفاة أبي وائل سنة تسع وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وثمانين، ففي ذلك دليل على أن بدعة
الإرجاء قديمة.
قوله: (سباب المسلم) إلخ: بكسر السين وتخفيف الموحدة، وهو مصدر، يقال: سبّ
يَسُبّ سبّاً وسباباً .
وقال إبراهيم الحربي: السباب أشد من السب، وهو أن يقول في الرجل ما فيه، وما ليس
فيه، يريد بذلك عيبه.
وقال غيره: السباب هنا مثل القتال، فيقتضي المفاعلة.
قال الحافظ في شرح حديث أبي ذر: ((إني ساببت رجلاً)) الحديث: ((السباب بالتخفيف،
ومن السب بالتشديد، وأصله القطع، وقيل: مأخوذ من السبة، وهي حلقة الدبر، سمى الفاحش
من القول بالفاحش من الجسد، فعلى الأولى المراد قطع المسبوب، وعلى الثاني المراد كشف
عورته، لأن من شأن السباب إبداء عورة المسبوب)).
قوله: (فسوق) إلخ: الفسق في اللغة: الخروج، وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله
ورسوله .
قوله: (وقتاله كفر) إلخ: إن قيل: هذا وإن تضمن الردّ على المرجئة، لكن ظاهره يقوي
مذهب الخوارج الذين يكفرون بالمعاصى؟
(١) قوله: ((عن عبد الله بن مسعود)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب خوف
المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، رقم (٤٨). وفي كتاب الأدب، باب ما ينهي عن السباب واللعن،
رقم (٦٠٤٤). وفي كتاب الفتن، باب قول النبي وَّر: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض))
رقم (٧٠٧٦). والنسائي في سننه، في كتاب المحاربة (تحريم الدم)، باب قتال المسلم، من رقم (٤١١١)
إلى رقم (٤١١٨). والترمذي في جامعه، في كتاب البر والصلة، باب (٥٢) بعد باب ما جاء في الشتم،
رقم (١٩٨٣) وفي كتاب الإيمان، باب ما جاء سباب المؤمن فسوق، رقم (٢٦٣٤) و(٢٦٣٥). وابن ماجه
في سننه، في المقدمة، باب في الإيمان، رقم (٦٩). وفي كتاب الفتن، باب سباب المسلم فسوق وقتاله
كفر، رقم (٣٩٣٩).

٣٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةً قَوْلُ زُبَيْدٍ لأَبِي وَائِلٍ .
٢١٩ - (١١٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَابْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ
شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ، كِلاَهُمَا
عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ، بِمِثْلِهِ.
(٢٩) - باب: بيان معنى قول النبي
((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»
٢٢٠ _ (١١٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارِ،
جَمِيعاً، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا
أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ مُدْرِكٍ،
فالجواب أن المبالغة في الرد على المبتدع اقتضت ذلك، ولا متمسك للخوارج فيه، لأن
ظاهره غير مراد، لكن لما كان القتال أشد من السباب، لأنه مفض إلى إزهاق الروح: عبّر عنه
بلفظ أشد من لفظ الفسق، وهو الكفر، ولم يرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملة، بل
أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير، معتمداً على ما تقرر من القواعد أن مثل ذلك لا يخرج عن
الملة، مثل حديث الشفاعة، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
◌َشَآءُ﴾ [النساء، آية: ٤٨ و١١٦]، أو أطلق عليه الكفر لشبهه به، لأن قتال المؤمن من شأن الكافر.
وقيل: المراد هنا الكفر اللغوي، وهو التغطية، لأن حق المسلم على المسلم أن يعينه،
وينصره يكف عنه، أذاه، فلما قاتله كان كأنه غطى على هذا الحق.
وقيل: أراد بقوله: ((كفر)) أي: قد يؤول هذا الفعل بشؤمه إلى الكفر. وهذا بعيد، وأبعد
منه حمله على المستحل لذلك، فإنه على هذا التقدير لم يحصل التفريق بين السباب والقتال، فإن
مستحل لعن المسلم بغير تأويل يكفر أيضاً، ثم ذلك محمول على من فعله بغير تأويل، وقد بوب
عليه البخاري في كتاب المحاربين.
ومثل هذا الحديث قوله ◌َ #: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) ففيه
هذه الأجوبة .
وأما قوله وَّر فيما رواه مسلم: ((لعن المسلم كقتله)) فلا يخالف هذا الحديث، لأن المشبه
به فوق المشبه، والقدر الذي اشتركا فيه بلوغ الغاية في التأثير، هذا في العرض، وهذا في
النفس، والله أعلم.
(٢٩) - باب: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض
١١٨ - (٦٥) - قوله: (عن علي بن مدرك) إلخ بضم الميم، وإسكان الدال، وكسر الراء.

٣٥
كتاب: الإيمان
سَمِعَ أَبَا زُرْعَةَ يُحَدِّثُ عَنْ جَدِّهِ جَرِيرٍ (١)؛ قَالَ: ((قَالَ لِي النَّبِيُّ وَِّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ:
اسْتَنْصِتِ النَّاسَ ثُمَّ قَالَ :
قوله: (عن جده جرير) إلخ: كان سيداً، مطاعاً. بديع الجمال، كبير القدر، طويل القامة،
يصل إلى سنام البعير، وكان نعله ذراعاً، كذا في عمدة القاري.
قوله: (في حجة الوداع) إلخ: بفتح الحاء، هذا هو المعروف، وقال الهروي وغيره من
أهل اللغة: المسموع من العرب في واحدة الحجج: حجة، بكسر الحاء، قالوا: والقياس
فتحها، لكونها اسماً للمرة الواحدة، وليست عبارة عن الهيئة حتى تكسر، قالوا: فيجوز الكسر
بالسماع، والفتح بالقياس. وسميت حجة الوداع لأن النبي ◌ّو ودع الناس فيها، وعلمهم في
خطبته فيها أمر دينهم، وأوصاهم بتبليغ الشرع فيها إلى من غاب عنها، فقال ◌َله: ((ليبلغ الشاهد
منکم الغائب)).
قوله: (استنصت الناس) إلخ: فيه أن الإنصات للعلماء والتوقير لهم: لازم للمتعلمين، لأن
العلماء ورثة الأنبياء، ويجب الإنصات عند قراءة حديث رسول الله وَ الر، مثل ما يجب له وَل﴾
والقصة المذكورة كانت في حجة الوداع، والجمع كثير جداً، وكان اجتماعهم لرمي الجمار وغير
ذلك من أمور الحج، وقد قال لهم: ((خذوا عني مناسككم)) كما ثبت في صحيح مسلم، فلما
خطبهم ليعلمهم: ناسب أن يأمرهم بالإنصات.
وقد وقع التفريق بين الإنصات والاستماع في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأُسْتَمِعُواْ لَهُ
وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف، آية: ٢٠٤] ومعناهما مختلف، فالإنصات هو السكوت، وهو يحصل ممن يستمع
وممن لا يستمع، كأن يكون مفكراً في أمر آخر، وكذلك الاستماع قد يكون مع السكوت، وقد
يكون النطق بكلام آخر لا يشتغل الناطق به عن فهم ما يقول الذي يستمع منه.
وقد قال سفيان الثوري وغيره: أول العلم الاستماع، ثم الإنصات، ثم الحفظ، ثم
العمل، ثم النشر.
وعن الأصمعي: تقديم الإنصات على الاستماع.
وقد ذكر علي بن المديني أنه قال لابن عيينة: ((أخبرني معتمر بن سليمان، عن كهمس،
(١) قوله: ((عن جده جرير)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه. في كتاب العلم، باب الإنصات للعلماء،
رقم (١٢١)، وفي كتاب المغازي، باب حجة الوداع، رقم (٤٤٠٥). وفي كتاب الديات، باب قول الله
تعالى: ﴿ومن أحياها ... ) رقم (٦٨٦٩). وفي كتاب الفتن، باب قول النبي رَيقول: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً
يضرب بعضكم رقاب بعض)»، رقم (٧٠٨٠). والنسائي في سننه، في كتاب المحاربة (تحريم الدم) باب
تحريم القتل، رقم (٤١٣٦) و(٤١٣٧). وابن ماجه في سننه، في كتاب الفتن. باب ((لا ترجعوا بعدي كفاراً
يضرب بعضكم رقاب بعض))، رقم (٣٩٤٢).

٣٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)) .
٢٢١ - (١١٩) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ
مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١)، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ، بِمِثْلِهِ.
عن مطرف، قال: الإنصات من العينين، فقال له ابن عيينة: وما ندري كيف ذلك؟ قال: لا إذا
حدثت رجلاً فلم ينظر إليك لم يكن منصتاً))، انتهى. وهذا محمول على الغالب، والله أعلم.
قوله: (لا ترجعوا بعدي) إلخ: معناه بعد فراقي من موقفي هذا، وكان هذا يوم النحر بمنى
في حجة الوداع، أو يكون بعدي أي: خلافي، أي: لا تخلفوني في أنفسكم بغير الذي أمرتكم
به، أو يكون تحقق النبي و القر أن هذا لا يكون في حياته، فنهاهم عنه بعد مماته.
قوله: (كفاراً) إلخ: جملة ما فيه من الأقوال عشرة:
أحدها: قول الخوارج: إنه على ظاهره.
ثانيها : هو في المستحلين .
ثالثها : المعنى كفاراً بحرمة الدماء، وحرمة المسلمين، وحقوق الدين.
رابعها : تفعلون فعل الكفار في قتل بعضهم بعضاً .
خامسها: لابسين السلاح، يقال: كفر درعه: إذا لبس فوقها ثوباً .
سادسها : كفاراً بنعمة الله .
سابعها : المراد الزجر عن الفعل، وليس ظاهره مراداً .
ثامنها: لا يُكَفِّرُ بعضكم بعضاً، كأن يقول أحد الفريقين للآخر: يا كافر، فيكفر أحدهما .
والتاسع: أن المراد ستر الحق، والكفر لغة: الستر، لأن حق المسلم على المسلم أن
ينصره، ويعينه، فلما قاتله كأنه غطى على حقه الثابت له عليه.
والعاشر: أن الفعل المذكور يفضي إلى الكفر، لأن من اعتاد الهجوم على كبار المعاصي
جرّه شؤم ذلك إلى أشد منها، فيخشى أن لا يختم له بخاتمة الإسلام.
(١) قوله: ((عن ابن عمر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، باب حجة الوداع، رقم
(٤٤٠٢) و(٤٤٠٣). وفي كتاب الديات، باب قول الله تعالى: ﴿ومن أحياها ... ) رقم (٦٨٦٨). وفي
كتاب الفتن. باب قول النبي ◌َّلو: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»، رقم (٧٠٧٧).
والنسائي في سننه، في كتاب المحاربة (تحريم الدم)، باب تحريم القتل، رقم (٤١٣٠) و(٤١٣١). وأبو
داود في سننه، في كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، رقم (٤٦٨٦). وابن ماجه في
سنته، في كتاب الفتن، باب ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض))، رقم (٣٩٤٣).

٣٧
كتاب: الإيمان
٢٢٢ - (١٢٠) وحدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّدِ الْبَاهِلِيُّ، قَالا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدٍ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يُحَدِّثُ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّرَ؛ أَنَّهُ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: ((وَيْحَكُمْ (أَوْ قَالَ:
وَيْلَكُمْ) لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)).
٢٢٣ - (٠٠٠) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي
عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ؛ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ نَّه بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةً عَنْ وَاقِدٍ.
(٣٠) - باب: إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة
٢٢٤ - (١٢١) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ
نُمَيْرِ (وَاللَّفْظُ لَهُ) حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ. كُلَّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ
أَبِيَ هُرَيْرَةَ(١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((اثْتَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعَّنُ فِي
النَّسَبِ والنّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ)).
قوله: (يضرب بعضكم رقاب بعض) إلخ: الصواب يضرب برفع الباء، وقيل: بإسكان
الباء.
١٢٠ - (٠٠٠) - قوله: (ويحكم، أو قال: ويلكم) إلخ: قال القاضي: ((هما كلمتان
استعملتها العرب بمعنى التعجب أو التوجع)).
قال سيبويه: ((ويل: كلمة لمن وقع في هلكة، وويح: ترحم))، وحكى عنه: ويح زجر لمن
أشرف على الهلكة. قال غيره: ولا يراد بهما الدعاء بإيقاع الهلكة، ولكن الترحم والتعجب.
وروي عن عمر بن الخطاب رضيُه، قال: ويح كلمة رحمة.
وقال الهروي: ((ويح: لمن وقع في هلكة لا يستحقها، فيترحم عليه ويرثي له، وويل:
للذي يستحقها، ولا يترحم عليه)) والله أعلم.
(٣٠) - باب: إطلاق اسم الكفر على الطعن
في النسب والنياحة على الميت
قوله: (هما بهم كفر) إلخ: فيه أقوال، أصحها أن معناه: هما من أعمال الكفار، وأخلاق
الجاهلية. والثاني: أنه يؤدي إلى الكفر. والثالث: أنه كفر النعمة والإحسان. والرابع: أن ذلك
في المستحل وفي هذا الحديث تغليظ تحريم الطعن في النسب والنياحة، وقد جاء في كل واحد
منهما نصوص معروفة، والله أعلم.
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) لم أجد أحداً أخرج هذا الحديث من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله.

٣٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٣١) - باب: تسمية العبد الآبق كافراً
٢٢٥ - (١٢٢) حدّثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ) عَنْ
مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ (١)؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: ((أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ
مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ)).
قَالَ مَنْصُورٌ: قَدْ وَاللَّهِ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ، وَلْكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّي هَهُنَا
بِالْبَصْرَةِ.
٢٢٦ - (١٢٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ، عَنْ دَاوُدَ،
عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «أَيُّمَا عَبْدِ أَبَقَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ)).
٢٢٧ - (١٢٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ؛
(٣١) - باب: تسمية العبد الآبق كافراً
١٢٢ - (٦٨) - قوله: (أيما عبد أبق) إلخ: بفتح الباء وكسرها، والفتح أفصح، وبه جاء
القرآن: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (1)﴾ [الصافات، آية: ١٤٠].
قوله: (فقد كفر) إلخ: أما تسميته كافراً: ففيه الأوجه التي في الأبواب قبله .
قوله: (قد - والله - روي عن رسول الله) إلخ: معناه أن منصوراً روى هذا الحديث عن
الشعبي عن جرير موقوفاً عليه، ثم قال منصور بعد روايته إياه موقوفاً: والله إنه مرفوع إلى
النبي ◌َّ، فاعلموه أيها الخواص الحاضرون، فإني أكره أن أصرح برفعه في لفظ روايتي، فيشيع
عني في البصرة التي هي مملؤة من المعتزلة والخوارج، الذين يقولون بتخليد أهل المعاصي في
النار، والخوارج يزيدون على التخليد، فيحكمون بكفره، ولهم شبهة تعلق بظاهر هذا الحديث،
كذا في الشرح.
١٢٣ - (٦٩) - قوله: (فقد برئت منه الذمة) إلخ: الذمة هنا يجوز أن تكون هي الذمة
المفسرة بالدمام، وهي الحرمة، ويجوز أن يكون من قبيل ما جاء في قوله: ((له ذمة الله تعالى،
وذمة رسول الله و9َّ)) أي: ضمانه، وأمانته، ورعايته، ومن ذلك أن الآبق كان مصوناً عن عقوبة
السيد له، وحبسه، فزال ذلك بإباقه، والله أعلم.
(١) قوله: ((عن جرير)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب المحاربة (تحريم الدم) باب العبد يأبق إلى
أرض الشرك، من رقم (٤٠٥٤) إلى رقم (٤٠٦١). وأبو داود في سننه، في كتاب الحدود، باب الحكم
فيمن ارتد، رقم (٤٣٦٠).

٣٩
كتاب: الإيمان
قَالَ: كَانَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ
صَلاَةٌ)) .
(٣٢) - باب: بيان كفر من قال مطرنا بالنوء
٢٢٨ - (١٢٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ
كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ(١)؛ قَالَ: ((صَلَّى بِنَا
رَسُولُ اللَّهِ بِ ◌ّهِ صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ
١٢٤ - (٧٠) - قوله: (أخبرنا جرير عن المغيرة) إلخ: أي: جرير بن عبد الحميد الرازي،
عن المغيرة بن مقسم.
قوله: (قال: كان جرير يحدث) إلخ: هو جرير بن عبد الله البجلي الصحابي رَظ ◌ُه.
قوله: (لم تقبل له صلاة) إلخ: قال الشيخ أبو عمرو كثّفُهُ: ((لا يلزم من عدم القبول عدم
الصحة، فصلاة الآبق صحيحة غير مقبولة، فعدم قبولها لهذا الحديث، وذلك لاقترانها بمعصية،
وأما صحتها فلوجود شروطها وأركانها المستلزمة صحتها، ولا تناقض في ذلك، ويظهر أثر عدم
القبول في سقوط الثواب، وأثر الصحة في سقوط القضاء، وفي أنه لا يعاقب عقوبة تارك
الصلاة)). هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو كثُّ، وهو ظاهر لا شك في حسنه، وقد قال جماهير
أصحابنا: إن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة لا ثواب فيها، قاله النووي كثّفُ، وسيأتي
الفرق بين الصحة والقبول في أوائل أبواب الطهارة إن شاء الله تعالى.
(٣٢) - باب: بيان كفر من قال: مطرنا بنوء كذا
١٢٥ - (٧١) - قوله: (بالحديبية) إلخ: بالمهملة، والتصغير، وتخفيف يائها، وتثقل،
يقال: سميت بشجرة حدباء هناك.
قوله: (في إثر السماء) إلخ: بكسر الهمزة وسكون المثلثة على المشهور، وهو ما يعقب
الشيء.
(١) قوله: ((عن زيد بن خالد الجهني)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب يستقبل
الإمام الناس إذا سلم، رقم (٨٤٦). وفي كتاب الاستسقاء، باب قول الله تعالى: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم
تكذبون﴾ رقم (١٠٣٨)،. وفي كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، رقم (٤١٤٧). وفي كتاب التوحيد،
باب قول الله تعالى: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ رقم (٧٥٠٣). والنسائي في سننه، في كتاب
الاستسقاء، باب كراهية الاستمطار بالكوكب، رقم (١٥٢٦). وأبو داود في سننه، في كتاب الطب، باب
في النجوم، رقم (٣٩٠٦).

٤٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَذْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: قَالَ: أَصْبَحَ
مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ. فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذْلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ
بِالْكَوْكَبٍ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذُلِكَ كَافِرْ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ)).
قوله: (سماء) إلخ: أي: مطر، وأطلق عليه سماء لكونه ينزل من جهة السماء، وكل جهة
علو تسمى سماء.
قوله: (فلما انصرف) إلخ: أي: من صلاته، أو من مكانه.
قوله: (هل تدرون ماذا قال ربكم) إلخ: لفظ استفهام، معناه التنبيه، ووقع في رواية سفيان
عن صالح عند النسائي: ((ألم تسعوا ما قال ربكم الليلة)) وهذا من الأحاديث الإلهية، وهي
يحتمل أن يكون النبي ◌ّ أخذها عن الله بلا واسطة، أو بواسطة، كذا في الفتح.
قوله: (مطرنا بنوء كذا وكذا) إلخ: قال ابن قتيبة في كتاب الأنواء: ((معنى النوء سقوط
نجم في المغرب من النجوم الثمانية والعشرين التي هي منازل القمر، قال: وهو مأخوذ من ناء:
إذا سقط)).
وقال آخرون: بل النوء طلوع نجم منها، وهو مأخوذ من ناء: إذا نهض.
ولا تخالف بين القولين في الوقت، لأن كل نجم منها إذا طلع في المشرق وقع حال
طلوعه آخر في المغرب، لا يزال ذلك مستمراً إلى أن تنتهي الثمانية والعشرون بانتهاء السنة، فإن
لكل واحد منها ثلاثة عشر يوماً تقريباً. قال: وكانوا في الجاهلية يظنون أن نزول الغيث بواسطة
النوء، إما بصنعه على زعمهم، وإما بعلامته .
قوله: (كافر بي مؤمن بالكوكب) إلخ: يحتمل أن يكون المراد بالكفر هنا كفر الشرك،
بقرينة مقابلته بالإيمان، ولأحمد من رواية نصر بن عاصم الليثي عن معاوية الليثي مرفوعاً :
(يكون الناس مجدبين، فينزل الله عليهم رزقاً من السماء من رزقه، فيصبحون مشركين، يقولون:
مطرنا بنوء كذا)).
ويحتمل أن يكون المراد كفر النعمة، ويرشد إليه قوله في رواية معمر عن صالح بن
سفيان: ((فأما من حمدني على سقياي، وأثنى عليّ فذلك آمن بي)). وفي رواية سفيان عند
النسائي، والإسماعيلي نحوه، وقال في آخره: ((وكفر بي أو قال: كفر نعمتي)) وفي رواية أبي
هريرة عند مسلم: ((قال الله: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم كافرين بها)»
وله في حديث ابن عباس: (أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر)).
وعلى الأول حمله كثير من أهل العلم، وأعلى ما وقفت عليه من ذلك كلام الشافعي تغذّتُهُ:
قال في الأمّ: ((من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، على ما كان بعض أهل الشرك، يعنون من إضافة
المطر إلى أنه مطر نوء كذا فذلك كفر، كما قال رسول الله وَ الر، لأن النوء وقت، والوقت