Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ كتاب: الإيمان ١٤٢ - (٤٨) حدّثنا هَذَّابُ بْنُ خَالِدِ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ عَنْ مُعَاذٍ بْنِ جَبَلٍ رَضُه(١)؛ قَالَ: ((كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيّ ◌َهِ، العيني. وبالله التوفيق. ومنها: أنه خرج مخرج الغالب إذ الغالب أن الموحد يعمل الطاعة، ويجتنب المعصية. ومنها: أن المراد بتحريمه على النار تحريم خلوده فيها، لا أصل دخولها . ومنها: أن المراد النار التي أعدت للكافرين لا الطبقة التي أفردت لعصاة الموحدين. ومنها: أن المراد بتحريمه على النار حرمة جملته، لأن النار لا تأكل مواضع السجود من المسلم، كما ثبت في حديث الشفاعة: ((أن ذلك محرم عليها)) وكذا لسانه الناطق بالتوحيد، والعلم عند الله تعالى)). ٤٨ - (٣٠) - قوله: (هداب بن خالد) إلخ: هو بفتح الهاء، وتشديد الدال المهملة، وآخره باء موحدة، ويقال: هدية بضم الهاء وإسكان الدال، وقد ذكره مسلم كَّلُ في مواضع من الكتاب، يقول في بعضها: هدية، وفي بعضها: هداب، واتفقوا على أن أحدهما اسم والآخر لقب، والتفصيل في الشرح. قوله: (عن معاذ بن جبل) إلخ: قال ابن مسعود ﴿به: إن معاذاً كان أمة قانتاً لله حنيفاً، قيل له: يا أبا عبد الرحمن، إن إبراهيم كان أمة قانتاً فقال: إنا كنا نشبه معاذاً بإبراهيم ليلا، كذا في عمدة القاري. قوله: (كنت ردف رسول الله ( #) إلخ: وفي البخاري: ((ومعاذ رديفه على الرحل)) والردف بكسر الراء وإسكان الدال، وهو الراكب خلف الراكب، والرحل أكثر ما يستعمل للبعير، لكن معاذاً كان في تلك الحالة رديفه ويس ير على حمار، كما سيأتي. وفي الحديث جواز الإرداف، وبيان تواضع النبيّ ◌َّ*، ومنزلة معاذ بن جبل من العلم، لأنه خص بما ذكر. (١) قوله: ((عن معاذ بن جبل)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجهاد، باب اسم الفرس والحمار، رقم (٢٨٥٦). وفي كتاب اللباس، باب إرداف الرجل خلف الرجل، رقم (٥٩٦٧). وفي كتاب الاستئذان، باب من أجاب بلبيك وسعديك، رقم (٦٢٦٧). وفي كتاب الرقاق، باب من جاهد نفسه في طاعة الله، ربم (٦٥٠٠). وفي كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي وتظهر أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى، رقم (٧٣٧٣)، والترمذي في جامعه، في كتاب الإيمان، باب ما جاء في في افتراق هذه الأمة، رقم (٢٦٤٣). وابن ماجه في سننه، في كتاب الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة، رقم (٤٢٩٦). ٥٤٢ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّ مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ: يَا مُعَاذ بْنَ جَبَل قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُول اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. ثُمَّ سَارَ سَاعَةٌ. ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. ثُمَّ سَارَ سَاعَةً. ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قَالَ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى قوله: (ليس بيني وبينه إلا) إلخ: أراد المبالغة في شدة قربه، ليكون أوقع في نفس سامعه لكونه أضبط . قوله: (مؤخرة الرحل) إلخ: بضم الميم، بعده همزة ساكنة، ثم خاء مكسورة، هذا هو الصحيح، وفيه لغات أخرى ذكرها في الشرح، وهي العود الذي يكون خلف الراكب. قوله: (يا معاذ) إلخ: قال الشارح: ((أما تكريره وَإ نداء معاذ ته، فلتأكيد الاهتمام بما يخبره، وليكمل تنبيه معاذ في ما يسمعه، وقد ثبت في الصحيح أنه ◌ّم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً لهذا المعنى)). قال العيني تغذّفُهُ: ((ولا يبعد أيضاً أن يقال: نداء رسول الله وَّلي معاذاً ثلاث مرات كان للتوقف في إفشاء هذا السِّر عليه أيضاً)). قوله: (لبيك يا رسول الله) إلخ: اللب بفتح اللام، معناه ههنا: الإجابة، والسعد: المساعدة، كأنه قال: لباً لك وإسعاداً لك، ولكنهما ثنيا على معنى التأكيد والتكثير، أي: إجابة بعد إجابة، وإسعاداً بعد إسعادٍ، وقيل: في أصل ((لبيك)) واشتقاقها غير ذلك، وسنوضحه في كتاب الحج إن شاء الله تعالى. قوله: (أن يعبدوه ولا يشركوا به) إلخ: المراد بالعبادة عمل الطاعات واجتناب المعاصي، وعطف عليها عدم الشرك، لأنه تمام التوحيد، والحكمة في عطفه على العبادة أن بعض الكفرة كانوا يدعون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا يعبدون آلهة أخرى، فاشترط نفي ذلك، وجملة ((ولا يشركوا به)) حالية، والتقدير: يعبدون في حال عدم الإشراك به. قوله: (حق العباد على الله) إلخ: قال القرطبي: ((حق العباد على الله ما وعدهم به من الثواب والجزاء، فحق ذلك ووجب بحكم وعده الصدق وقوله الحق الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر ولا الخلف في الوعد، فالله سبحانه وتعالى لا يجب عليه شيء بحكم الأمر، إذ لا آمر فوقه، ولا حكم للعقل لأنه كاشف لا موجب)) اهـ. أو المرد ((بالحق)) ههنا المتحقق الثابت أو الجديد، لأن إحسان الرب لمن يتخذ رباً سواه: جدير في الحكمة أن لا يعذّبه. أو المراد أنه كالواجب في تحققه وتأكده، أو ذكر على سبيل المقابلة . ٥٤٣ كتاب: الإيمان الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ثُمَّ سَارَ سَاعَةً. ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذ بْنَ جَبَلِ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذُلِكٌ قَالَ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أَنْ لاَ يُعَذِّبَهُمْ)). ١٤٣ - (٤٩ ) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ سَلَّمُ بْنُ سُلَيْم، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ قَالَ: (كُنْتُ رِذَّفَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ. قَالَ: فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، تَذْرِي مَا حَقُّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ قَالَ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً. وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: لا تُبَشِّرْهُمْ. فَيَتَكِلُوا)). تنبيه: قال الحافظ تَُّ في شرح حديث معاذ هذا: ((هذا من الأحاديث التي أخرجها البخاري كلّفُ في ثلاثة مواضع عن شيخ واحد بسند واحد، وهي قليلة في كتابه جداً، ولكنه أضاف إليه في الاستئذان موسى بن إسماعيل، وقد تتبع بعض من لقيناه ما أخرجه في موضعين بسند فبلغ عدتها زيادة على العشرين، وفي بعضها يتصرف في المتن بالاختصار منه)). ٤٩ - ( ... ) - قوله: (على حمار) إلخ: وهذا الحديث يقتضي أن يكون هذا في مرة غير المرة المتقدمة في الحديث السابق، فإن مؤخرة الرحل تختص بالإبل ولا تكون على حمار. قال الشارح: ((ويحتمل أن يكون قضية واحدة، وأراد بالحديث الأول قدر مؤخرة الرحل)). قوله: (يقال له عفير) إلخ: بالعين المهملة والفاء مصغراً، مأخوذ من العفر، وهو لون التراب، كأنه سمي بذلك للونه، والعفرة حمرة يخالطها بياض، وهو تصغير أعفر، أخرجوه عن بناء أصله كما قالوا: سويد في تصغير أسود، وهو غير الحمار الآخر الذي يقال له يعفور، قال الدمياطي: عفير أهداه المقوقس، ويعفور أهداه فروة بن عمرو، وقيل بالعكس، ويعفور بسكون العين. اسم ولد الظبي، كأنه سمي بذلك لسرعته. قوله: (لا تبشرهم، فيتكلوا) إلخ: وروى البزار بإسناد حسن من حديث أبي سعيد الخدري نظره في هذه القصة: ((أن النبي ◌ّ﴾ أذن لمعاذ في التبشير، فلقيه عمر، فقال: لا تعجل، ثم دخل: فقال: يا نبي الله، أنت أفضل رأياً، إن الناس إذا سمعوا ذلك اتكلوا عليها، قال: فرده)). وهذا معدود من موافقات عمر، وفيه جواز الاجتهاد بحضرته وَالتر. وقال ابن رجب في شرحه لأوائل البخاري: ((قال العلماء: يؤخذ من منع معاذ من تبشير ٥٤٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الناس لئلا يتكلوا أن أحاديث الرخص لا تشاع في عموم الناس، لئلا يقصر فهمهم عن المراد بها، وقد سمعها معاذ فلم يزدد إلا اجتهاداً في العمل وخشيةً لله عز وجل، فأما من لم يبلغ منزلته فلا يؤمن أن يقصر اتكالاً على ظاهر هذا الخبر» اهـ. وهذا الذي ذكره ابن رجب صحيح لا مرية فيه، وهذا كما قال مولانا جلال الدين الرومي تَُّ في المثنوي: ((إن مسألة القضاء والقدر يزداد بها ضعيف الإيمان، والذي في قلبه مرض، تكاسلاً ومداهنةً في العمل، وأما الكاملون فيزدادون بها ثقة بالله، وتوكلاً عليه، وسعياً للعمل، وجراءةً في المعارك، وإقداماً على المتاعب والمشاق في باب الجهاد في سبيل الله، فكذا حديث معاذ ربه يزيد المؤمن إحساناً في العمل، واستعداداً للتعبد، لما رأى سامع الحديث سعة رحمة الله تعالى بهذا النمط، فيسعى في ازدياد الأعمال الحسنة ليأخذ حظاً وافراً من هذه الرحمة الواسعة، ويكون عبداً شكوراً، وأما البطلة والمباحية: فيتخذون أمثال هذه الأحاديث ذريعة إلى ترك التكاليف، ورفع الأحكام، وذلك يفضي إلى خراب الدنيا بعد خراب العقبى، والله المستعان)). ثم قال ابن رجب: ((وقد عارض حديث معاذ ما تواتر من تصوص الكتاب والسنة أن بعض عصاة الموحدين يدخلون النار، فعلى هذا فيجب الجمع بين الأمرين وقد سلكوا في ذلك مسالك: منها: أن حديث معاذ على عمومه، ولكنه مقيد بشرائط، كما ترتب الأحكام على أسبابها المقتضية المتوقفة على انتفاء الموانع، فإذا تكامل ذلك عمل المقتضي عمله، وإلى ذلك أشار وهب بن منبه، في شرح ((لا إله إلا الله مفتاح الجنة)) ليس من مفتاح إلا وله أسنان. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وهذا كما أن الطبيب الحاذق يصف كل دواء من الأدوية المفردة على حدة ويبين مزاجه وخواصه، ويقول: إن الدواء الفلاني مثلاً حار أو بارد، رطب أو يابس، مسهل أو قابض، أو غير ذلك، فإنما أراد بهذا الكلام أن هذا الدواء وحد تأثيره ومزاجه كذا وكذا بشرط السلامة من المعارض، أما إذا عارضه دواء آخر في النسخة، وزاحمه في تأثيره: فالامتزاج بينهما يحدث مزاجاً آخر، وكيفية غير كيفيته وحده بسبب الكسر والانكسار، والفعل والانفعال. قال شيخنا المحمود قدس الله روحه: ((إن الأفعال التي بشر لمن تلبس بها بدخول الجنة أو تحريم النار عليه فمقصود النبيّ وَلقوــ إن شاء الله تعالى - بيان تأثيرها إذا خليت وبالطبع، بدون قسر القاسر، أما إذا كانت مخلوطة بما ينافيها، ومقرونة بقاسر يمنعها من تأثيرها الطبعي الأصلي فيكون تأثيرها مغلوباً في مقابلة القاسر، ومستوراً تحت حجابه، ألا ترى أن الماء بارد بالطبع، إلا أنه إذا سخن بالنار يصير حاراً محرقاً كالنار، وتكون برودته مستورة بل معدومة في بادىء ٥٤٥ كتاب: الإيمان ١٤٤ _ (٥٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفٍَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ وَالأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْم؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا الأَسْوَدَ بْنَ هِلاَلٍ يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: يَّا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وَلا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ قَالَ: أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ إِذَا فَعَلُوا ذُلِكَ؟ فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ)). ١٤٥ - (٥١) حدّثنا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلاَلٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذَاً يَقُولُ: دَعَانِي رَسُولُ اللهِ وَ لِهِ فَأَجَبْتُهُ. فَقَالُ: ((هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى النَّاسِ)) نَحْوَ حَدِيثِهِمْ. ١٤٦ - (٥٢) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا الرأي، ثم متى تزول عنه مجاورة النار فبعد ساعات يعود بارداً، كما كان؟! لأن الحرارة إنما كانت عرضية له قائمة في حواليه. لا ذاتية داخلة في جذر كبده. وهكذا شأن الإيمان، فإن تأثيره الأصلي الطبعي - إذا لم يحجز حاجز - : إدخال المؤمن الجنة وتحريم النار عليه. إلا إذا عرضت له قواسر المعاصي والذنوب من خارج، فهذه القواسر إن قويت واشتدت تمنعه من تأثيره الأصلي الذاتي، وتلقيه في النار - أعاذنا الله وسائر المسلمين منها - فإذا عدمت هذه القواسر - والنار تنفي كدوران الذنوب وأخباب المعاصي برحمة الله عزّ وجلّ على عباده المؤمنين، كالكير ينفي خبث الحديد - فالإيمان يعود على ما كان عليه من تأثيره الطبعي، ويدخله الجنة في آخر الأمر قطعاً بإذن الله تعالى. وأما الكافرون والمشركون، فإنما هم نجس، ورجسهم أزيد من رجس الأعيان الخبيثة من الغائط والبول والروث والبعرة، وهذه الأشياء كما ترى نجسة الأعيان ذاتاً وطبعاً لا سبيل إلى إعدام نجاستها، وإن غسلت بسبعة أبحر إلا بإعدام ذواتها وأعيانها، وهكذا كان حال الكفار والمشركين، فأدخلوا ناراً خالدين فيها، وكانوا لجهنم حطباً)). قال ابن رجب: ((وقيل في الجواب عن حديث معاذ: إنه ليس ذلك لكل من وحد وعبد، بل يختص بمن أخلص، والإخلاص يقتضي تحقيق القلب بمعناها ولا يتصور حصول التحقيق مع الإصرار على المعصية، لامتلاء القلب بمحبة الله تعالى وخشيته، فتنبعث الجوارح إلى الطاعة وتنكف عن المعصية)) اهـ. ٥٠ _ ( ... ) - قوله: (عن أبي حصين) إلخ: هو بفتح الحاء وكسر الصاد، اسمه عاصم. ٥١ - ( ... ) - قوله: (نحو حديثهم) إلخ: يعني: أن القاسم بن زكريا شيخ مسلم في الرواية الرابعة رواه نحو رواية شيوخ مسلم الأربعة المذكورين في الروايات الثلاث المتقدمة، وهم هداب وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن مثنى، وابن بشار . - والله أعلم - كذا في الشرح. ٥٤٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ(١)؛ قَالَ: ((كُنَّا قُعُوداً حَوْلَ رَسُوَلِ اللَّهِ وَ لَ، مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا، وَفَزِعْنَا فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللّهِ وَّهِ، حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطاً لِلأَنْصَارِ لِبَنِي النَّجَّارِ، فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَاباً، فَلَمْ .. أَجذ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفٍ حَائِطِ مِنْ بِثْرٍ خَارِجَةٍ (وَالرَّبِيعُ الْجَدْوَلُ) فَاحْتَفَزْتُ كَمَا ٥٢ - (٣١) - قوله: (حدثني أبو كثير) إلخ: هو بالمثلثة، واسمه يزيد - بالزاي - ابن عبد الرحمن بن أذينة. قوله: (في نفر) إلخ: أي: مع جماعة. قوله: (من بين أظهرنا) إلخ: أظهر، زائد للتأكيد، أي: من بيننا. قوله: (وخشينا أن يقتطع) إلخ: أي: يصاب بمكروه من عدو، إما بأسر، وإما يغيره، كذا في الشرح. قوله: (دوننا) إلخ: أي: متجاوزاً عنا وبعيداً منا، وفي الكشاف: ((معنى (دون)) أدنى مكان الشيء، ومنه ((الشيء الدون)) واستعير للتفاوت في الأحوال والرتب، يقال زيد دون عمرو في الشرف والعلم، ثم اتسع فيه، واستعمل في كل تجاوز حد إلى حد)). قوله: (وفزعنا) إلخ: فيه بيان ما كانت الصحابة ◌ُّه عليه من القيام بحقوق رسول الله وَليّه، وإكرامه، والشفقة عليه، والانزعاج البالغ لما يطرقه وَلؤل. قوله: (حائطاً للأنصار) إلخ: أي: بستاناً، وسمي بذلك لأنه حائط لا سقف له. قوله: (بئر خارجة) إلخ: قال الشارح: ((ضبطناه بالتنوين في ((بئر)) وفي ((خارجة)) على أن ((خارجة)) صفة ((لبئر))، وذكر الحافظ أبو موسى الأصبهاني وغيره أنه روي على ثلاث أوجه: أحدها : هذا، والثاني: بئر خارجه، بالتنوين في بئر وبهاء في آخر خارجه، مضمومة وهي هاء ضمير الحائط، أي: البئر في موضع: خارج عن الحائط، والثالث: ((من بئر خارجة)) بإضافة (بئر)) إلى ((خارجة)) آخره تاء التأنيث، وهو اسم رجل)). قوله: (الربيع: الجدول) إلخ: الجدول بفتح الجيم، وهو النهر الصغير، وجمع الربيع أربعاء، كنبي وأنبياء. قوله: (فاحتفزت) إلخ: بالزاي المعجمة، هو الصواب، ومعناه: تضاممت ليسعني المدخل . (١) قوله: ((حدثني أبو هريرة)) لم أجد هذا الحديث عند أحد من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله. ٥٤٧ كتاب: الإيمان يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: مَا شَأْتُكَ؟ قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَأَتَيْتُ هُذَا الْحَائِطَ، فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهُؤُلاَءِ النَّاسُ وَرَائِي. فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ (وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ) قَالَ: اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنٍ. فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هُذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلُّهَ إِلا اللَّهُ، مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشْرُهُ بِالْجَنَّةِ(١) فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ. فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعْلاَنِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقُلْتُ: هَاتَانٍ نَعْلاً رَسُولِ اللَّهِ أَێ، قوله: (فقال: أبو هريرة؟ فقلت: نعم) إلخ: أي: فقال النبيّ وَلّ: أأنت أبو هريرة؟ قال علي القاري كثّفُهُ: ((الاستفهام إما على حقيقته، لأنه كان غائباً عن بشريته بسبب إيحاء هذه البشارة، فلم يشعر في أول الوهلة بأنه هو، وإما للتقرير، وهو ظاهر، وإما للتعجب، لاستغرابه أنه من أين دخل عليه والطرق مسدودة)) اهـ. فليتأمل. قوله: (وهؤلاء الناس ورائي) إلخ: أي: ينتظرون علم ما وقع لك، وهو اقتباس من قوله تعالى حكاية عن موسى معلّ *: ﴿هُمْ أُوْلَاءِ عَلَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَّضَى﴾ [سورة طه، آية: ٨٤]. قوله: (اذهب بنعلي) إلخ: قال الشارح كثّفُهُ: ((أعطاه النعلين، لتكون علامة ظاهرة معلومة عندهم، يعرفون بها أنه لقي النبيّ ◌َّر، ويكون أوقع في نفوسهم لما يخبرهم عنه وَّ، ولا ينكر كون مثل هذا يفيد تأكيداً، وإن كان خبره مقبولاً من غير هذا)). قال علي القاري تغّفُ في المرقاة: ((ولعله وَلي حصل له التجلي الطوري في ذلك المقام النوري، فخلع النعلين وأعطى لأصحابه الكونين)). وذكر اعتبارات أخر تركناها مخافة الإطناب. قوله: (فبشره بالجنة) إلخ: وفي هذا دلالة ظاهرة لمذهب أهل الحق أنه لا ينفع اعتقاد التوحيد دون النطق، ولا النطق دون الاعتقاد، بل لا بد من الجمع بينهما . قوله: (هاتين نعلا رسول الله) إلخ: قال الشارح: ((هكذا هو في جميع الأصول، بنصب، (١) أقول - وبالله التوفيق -: إنه يمكن أن يقال: إن النبي ** أيضاً راعي فى ترك تعميم الأخبار هذه البشارة العظيمة نفس المصلحة التي راعاها عمر فإنه عليه الصلاة والسلام كان عالماً بأن وراء هذا الحائط لا يجد أبو هريرة من الصحابة إلا الذين كانوا قعوداً حول رسول الله وَّ#، يدل عليه قول أبي هريرة: ((وهؤلاء الناس ورائي)) وهم خلص أصحاب رسول الله وَلتر وخاصته من أبي بكر وعمر ونحوهما، فإنما أراد النبي وَلّ تبشير هؤلاء الخاصة لا العامة، وعرف عمر هذه الدقيقة، ولم يعرفه أبو هريرة رضي الله عنه، ولفظ النبي ◌َّ كان عاماً في الإخبار بهذه البشارة، فتيقن عمر أن أبا هريرة حمل أمر النبي ◌َّر على عمومه، ولا يرجع من الإخبار للعامة إلا بشيء من الضرب فجعله وسيلة لتحصيل غرض النبي بَطّر. والله أعلم. (رف). ٥٤٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم بَعَثَنِي بِهِمَا، مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ، بَشَرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ بَيْنَ ثَدْتَيَّ، فَخَرَرْتُ لاسْتِي. فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ. فَرَجَعْتُ إِلَّى رَسُولِ اللَّهِ بِ، فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً، وَرَكِبَنِي عُمَرُ، (هاتين)) ورفع ((نعلا)) وهو صحيح، معناه: ((فقلت)) يعني(١): هاتين هما نعلا رسول الله وَيرٍ)) فنصب (هاتين)) بإضمار ((يعني)) وحذف ((هما)) التي هي المبتدأ، للعلم به. قوله: (بعثني بهما) إلخ: ووقع في كثير من الأصول أو أكثرها من غير ميم ((بعثني بها)) وهو صحيح أيضاً، ويكون الضمير عائداً إلى العلامة، فإن النعلين كانتا علامة، - والله أعلم - . قوله: (فضرب عمر) إلخ: لعله لمّا رأى المصلحة في عدم التبشير أراد أن يعرضها على النبيّ وَّر، وأراد من أبي هريرة أن يرجع إلى النبيّ وَّل، ولا يبشر قبل ذلك، ورأى منه عدم الرجوع بوجه آخر، فجعل الضرب وسيلة إليه، والله تعالى أعلم، ولم يرد به أن يؤذي أبا هريرة، ولا أن يرد أمره وَله . قوله: (بين ثديَيَّ) إلخ: تثنية ثدي، بفتح التاء. قوله: (فخررت لإستي) إلخ: هو اسم من أسماء الدبر، والمستحب في مثل هذا، الكناية عن قبيح الأسماء، واستعمال المجاز، والألفاظ التي تحصل الغرض، ولا يكون في صورتها ما يستحيى من التصريح بحقيقة لفظه، وبهذا الأدب جاء القرآن العظيم والسنن، كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَاءِ الزَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [سورة البقرة، آية: ١٨٧] ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [سورة النساء، آية: ٢١] ﴿أَوَ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ﴾ [سورة النساء، آية: ٤٣. وسورة المائدة، آية: ٦] وغير ذلك، وقد يستعملون صريح الاسم لمصلحة راجحة، وهي إزالة اللبس أو الاشتراك، أو نفي المجاز، أو نحو ذلك، كقوله تعالى: ﴿الَِّيَةُ وَالَِّ﴾ [سورة النور، آية: ٢] وكقوله ◌َله: ((أنِكْتَها)) وكقوله وَلتر: ((أدبر الشيطان، وله ضراط)) ونظائر ذلك كثيرة، واستعمال أبي هريرة ههنا لفظ ((الإست)) من هذا القبيل، - والله أعلم - . قوله: (فأجهشت بكاء) إلخ: بفتح الهمزة والهاء، هو أن يفزع الإنسان إلى غيره وهو متغير الوجه متهییء للبكاء، ولما يبك بعد. قوله: (وركبني عمر) إلخ: أي: تبعني ومشى خلفي في الحال بلا مهلة، كذا في الشرح. وقال في المرقاة: ((أي: أثقلني عدو عمر من بعيد، خوفاً واستشعاراً منه، كما يقال: ركبته الديون، أي: أثقلته . (١) لعل الصحيح: ((تعنى)) بالتاء الفوقانية لا بالياء التحتانية كما لا يخفى (رف). ٥٤٩ كتاب: الإيمان فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: مَالَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِهِ، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً، خَرَرْتُ لاسْتِي. قَالَ: ارْجِعْ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: يَا عُمَرُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ، مَنْ لَقِي يَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللَّهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ، بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَلاَ تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: فَخَلِّهِمْ)). قوله: (فإذا هو على إثري) إلخ: فيه لغتان فصيحتان مشهورتان، بكسر الهمزة وإسكان الثاء وبفتحهما . قوله: (فضرب بين ثدييي) إلخ: أما دفع عمر رَؤُه له فلم يقصد به سقوطه وإيذائه، بل قصد رده عما هو عليه، وضرب بيده في صدره ليكون أبلغ في زجره. قال القاضي عياض كثّفُهُ: ((وليس فعل عمر ◌ُبه ومراجعة النبيّ وَّر: اعتراضاً عليه، ورداً لأمره، إد ليس فيما بعث به أبا هريرة غير تطييب قلوب الأمة وبشراهم، فرأى عمر ربه أن كتم هذا أصلح وأحرى أن لا يتكلوا، وأنه أعود عليهم بالخير من معجل هذه البشرى، فلما عرضه على النبيّ ◌َّر صوبه فيه، - والله أعلم -)). قوله: (فقال ارجع) إلخ: قال علي القاري تغلفُ تعالى: ((والحاصل أنه لكونه وَ * رحمة للعالمين، ورحيماً بالمؤمنين، ومظهراً للجمال على وجه الكمال، وطبيباً لأمته على كل حال، لما بلغه خوفهم وفزعهم واضطرابهم: أراد معالجتهم بإشارة البشارة لإزالة الخوف والنذارة، فإن المعالجة بالأضداد، ولما كان عمر مظهراً للجلال وعلم أن الغالب على الخلق التكاسل والاتكال: فرأى أن الأصلح لأكثر الخلق المعجون المركب بل غلبة الخوف بالنسبة إليهم أنسب، فوافقه وهو، وهذه مرتبة علية ومزية جلية لعمر ﴿به)) اهـ. قوله: (بأبي أنت وأمي) إلخ: معناه: مفدي، أو أفديك بأبي وأمي. قوله: (أخشى أن يتكل الناس عليها) إلخ: أي: على هذه البشارة الإجمالية، ويعتمد العامة على هذه الرحمة الجمالية، ويتركوا القيام بوظائف العبودية التي تقتضيها صفات الربوبية، وحينئذ ينخرم نظام الدنيا والعقبى، حيث أكثرهم يقعون في الملة الإباحية، كما هو مذهب بعض الجهلة من الصوفية (وغيرهم والله المستعان). قوله: (فخلهم يعملون) إلخ: فإن العوام إذا بشروا يتركون العمل، بخلاف الخواص فإنهم إذا بشروا يزيدون في العمل، كما تقدم. قوله: (فخلهم) إلخ: قال العبد الضعيف عفا الله عنه: كما أن الشؤون الإلهية متنوعة لا تنتهي إلى حد، فقد أخبر عز وجل عن نفسه في القرآن العظيم: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأْنٍ﴾ [سورة ٥٥٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ١٤٧ - (٥٣) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الرحمن، آية: ٢٩] كذلك شؤون الحضرة النبوية تختلف باختلاف الأحوال والأحيان، بل وشؤون الولاية أيضاً، فالولي يكون عارجاً في وقت، ونازلاً في وقت، على حسب توالي الأحوال والواردات الغيبية، فالنبيّ الكريم و لو كان له مع الله ساعة، لا يسعه فيها ملك مقرب ولا نبيٍّ مرسل، وساعة أخرى فيها تقع مخاطباته ومعاملاته مع الحميراء وظفينا، ويقول: ((فاطمة بضعة مني)) و((اللهم إني أحب الحسن والحسين، فأحبهما)) أو كما قال، ورأى الحسنين ظًّا يمشيان ويعثران في قميصيهما، وهو ◌َّةٍ يخطب على المنبر، فقطع الخطبة ورفعهما إليه، وقال: ((صدق الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَقَّوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [سورة التغابن، آية: ١٥] فهكذا كانت شؤونه ◌َّ ما زالت مختلفة باختلاف المواطن والأحوال، فكان ◌َ﴿ إذا نظر إلى رحمة الله الواسعة السابقة على الغضب، المحيطة بكل ذرة من ذرات العالم، واستغرق في مشاهدتها ورؤية مواطنها، وسرى سلطان الرحمة في لحمه وعصبه وعظامه: نادى بأعلى صوت أن من قال: لا إله إلا الله، صدقاً من قلبه: دخل الجنة، وحرمه الله على النار، وإن زنى وإن سرق، على رغم أنف أبي ذر، وكان إذا كوشف له صفة القهر الإلهي وشدة انتقامه، واضمحل نفسه في خشية الله، وظهر تسلط الخشية على قلبه المقدس: نادى بأنه لا يدخل الجنة قتات، ولا نمام، ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه، ومن انتمى إلى غير أبيه فالجنة عليه حرام، وهذا التفنن والتنوع في الشؤون النبوية لا يخفى على من طالع كتب الحديث، لا سيما أبواب صلاة الكسوف وما يناسبها، فالمراد من الأحاديث كلها أن رحمة الله تعالى تقتضي أن لا يلج النار عبد موحد مقر بالله وبرسالاته، وإن ارتكب المعاصي كلها: من الزنا والسرقة وغيرهما، فمن شهد بالتوحيد والرسالة، أي: عرف الله تعالى ورسوله معرفة صحيحة، ينبغي أن يعتقد في شهادته هذه أنها يجرها إلى الجنة قطعاً بغير تعذيب سابق، اعتماداً على رحمته الكبرى وفضله العظيم، وشأن الغضب والانتقام يقتضي أن لا يدخل الجنة أحد يخالف ربه ويعصيه في أدنى أمر وأحقر شأن، كالاستنزاه من البول والمشي بالنميمة، فمن كان قتاتاً أو نماماً أو مؤذياً لجاره أو نحو ذلك فليذعن أنه يكفي لهلاكه، وسلب استحقاقه دخول الجنة، ولله در السعدي الشيرازي حيث قال في الفارسية : بتهديد كر بركشد تيغ حكم بمانند كرُّو بيان صم وبكم عزازيل كَويد نصيبي برم وكر در دهد يكب صلاىء كرم فإنما الإيمان بين الخوف والرجاء، والمحاربة قائمة في نفس كل مؤمن بين الخير والشر، ومادتي الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، والتجاذب واقع بين الرحمة والغضب. والحرب سجال، وإنما العبرة للخواتيم. وبالجملة فالمراد بقوله : ((من قال: لا إله إلا الله، دخل الجنة. وحرم الله عليه النار)) ٥٥١ كتاب: الإيمان أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ(١)؛ ((أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ وَّهِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ(٢) رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ: يَا مُعَاذُ قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: يَا مُعَاذُ قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: يَا مُعَاذُ قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلاَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: إِذاً يَتَّكِلُوا)) فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذْ عِنْدَ مَوْتِهِ، تَأَثّماً. أي: نظراً إلى مقتضى الرحمة وقوة تأثير كلمة الشهادة، والمراد بقوله القول: ((لا يدخل الجنة قتات ولا نمام)) أي: نظراً إلى مقتضى الغضب الإلهي وشدة معاتبته، فكان إعطاء النبيّ وَّ نعليه أبا هريرة وأمره بتبشير من لقيه: لاستيلاء النشاط، وأنوار الجمال، واللطف، والرحمة، والحنان: على القلب الأطهر، ولما كان عمر رَظُله مظهراً للجلال، وأعرف بمقامات العروج والنزول من أبي هريرة ببركة ملازمته و ، وقع في صدره، ومنعه من التبشير، فإنه كان مطلعاً على هذه الدقيقة التي لم يلتفت إليها أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وخشي اتكال الناس على ظاهر مفهوم النص بغير التروي والتدبر، حتى إذا لقي النبيّ وَّ وعرض عليه عذره - وكان النبيّ ◌َو قد انقلب حينئذ من حاله الأول، ونزل عن مقامه السابق - وافقه على مشورته، وقبل رأيه، فقال: ((خلهم)) (يعملون). وهذا حجة على رفعة مقام سيدنا عمر الفاروق رضيالله من بين الصحابة ، وعلوّ مكانته عند رسول الله وَلتر، على رغم أنوف الرافضة - خذلهم الله - والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل. ٥٣ - (٣٢) - قوله: (فأخبر بها معاذ عند موته) إلخ: أي: عند موت معاذ، وأغرب الكرماني، فقال: ((يحتمل أن يرجع الضمير إلى رسول الله (صلقار)). قال الحافظ: ((ويرده ما رواه أحمد بسند صحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: ((أخبرني من شهد معاذاً حين حضرته الوفاة، يقول: سمعت من رسول الله وَّل حديثاً، لم يمنعني أن أحدثكموه إلا مخافة أن تتكلوا ... )) فذكره. قوله: (تأثماً) إلخ: هو بفتح الهمزة وتشديد المثلثة المضمومة، أي: خشية الوقوع في الإثم، وإنما خشي معاذ من الإثم المرتب على كتمان العلم، وكأنه فهم من منع رسول الله وَلقر أن (١) قوله: ((أنس بن مالك)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا، رقم (١٢٨) و(١٢٩). (٢) قوله: ((معاذ)) إلخ: إن إيراد المؤلف هذه الرواية لقصة معاذ رضي الله عنه بعد قصة أبي هريرة رضي الله عنه بمنزلة الجواب عن فعل عمر رضي الله عنه واعتذار لما صنعه؛ ليندفع ما يتوهم من مخالفة عمر لأمره عليه الصلاة والسلام. كذا في الحل المفهم. (رف). ٥٥٢ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يخبر بها إخباراً عاماً، لقوله: ((أفلا أبشر الناس؟» فأخذ هو أولاً بعموم المنع، فلم يخبر بها أحداً، ثم ظهر له أن المنع إنما هو من الإخبار عموماً، فبادر قبل موته، فأخبر بها خاصاً من الناس، فجمع بين الحكمين، ويقوي ذلك أن المنع لو كان على عمومه في الأشخاص لم يخبر هو بذلك، وأخذ منه أن من كان في مثل مقامه في الفهم أنه لم يمنع من إخباره. قال الحافظ: ((وقد تعقب هذا الجواب بما أخرجه أحمد من وجه آخر، فيه انقطاع، عن معاذ ((أنه لما حضرته الوفاة، قال: أدخلوا علي الناس، فأدخلوا عليه، فقال: سمعت رسول الله * يقول: ((من مات لا يشرك بالله شيئاً جعله الله في الجنة)) وما كنت أحدثكموه إلا عند الموت، وشاهدي على ذلك أبو الدرداء، فقال: صدق أخي، وما كان يحدثكم به إلا عند موته)). وقد وقع لأبي أيوب مثل ذلك، ففي المسند من طريق أبي ظبيان: ((أن أبا أيوب غزا الروم، فمرض، فلما حضر، قال: أحدثكم حديثاً سمعته من رسول الله وَلايز، لولا حالي هذه ما حدثتكموه، سمعته يقول: ((من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة)). (وقريب منه ما رواه مسلم من قصة عبادة بن الصامت). وإذا عورض هذا الجواب فأجيب عن أصل الإشكال بأن معاذاً اطلع على أنه لم يكن المقصود من المنع: التحريم، بدليل أن النبيّ وَله أمر أبا هريرة ◌َظُبه أن يبشر بذلك الناس، فلقيه عمر، فدفعه، وقال: ارجع يا أبا هريرة، ودخل على إثره، فقال يا رسول الله، لا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس، فخلهم، يعملون، فقال: فخلهم أخرجه مسلم. فكان قوله وَل لمعاذ: ((أخاف أن يتكلوا)) كان بعد قصة أبي هريرة، فكان النهي للمصلحة لا للتحريم، فلذلك أخبر به معاذ لعموم الآية بالتبليغ)) - والله أعلم - . قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويرد على ما قاله الحافظ تغَثُ أنه لا وجه حينئذ لتخصيص الإخبار بوقت موته، اللهم إلا أن يقال: إنه اطلع على قصة أبي هريرة في آخر عمره. والذي يظهر لهذا العبد الضعيف - والله أعلم - أنه لما كان ظاهر الحديث في بادىء النظر يوهم مخالفة ما اقتضاه الشرع بأسره من الاجتهاد في أعمال البر، والسبق إلى الخيرات، وانتصاب العبد لأداء ما أمر به، وترك ما نهي عنه، نبّه معاذ الناس على غاية الاحتياط في تلقيه، وكمال الاعتناء بتفهمه. وحضهم على صرف الهمة واستفراغ الوسع والإمعان والتثبت وترك العجلة في تعقل مفهومه ومقتضاه، لئلا يقعوا في الغلط، ويغتروا بما جرى عليه ظاهر الحديث، فَاهْتَمَّ ببيانه، وقال ما حاصله: أن كل حديث بلغني عن رسول الله وَّ* حدثتكموه إلا حديثاً واحداً خبأته لكم، لأحدث به عند الموت، وقرب الرحيل، ولو لا مخافة الإثم بعدم التبليغ، وفوات الامتثال لقوله ◌َله: ((بَلّغوا عني ولو آية)) ما حدثت به أحداً أبداً»، وهذا الكلام منه ، - وقت الانقطاع من الدنيا والدخول في أول منازل الآخرة وتخليص الإنابة إلى الله تعالى - يورث ٥٥٣ کتاب: الإيمان ١٤٨ - (٥٤) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ) قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكِ(١)، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ. فَلَقِيتُ عِنْبَانَ. فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ. قَالَ: غاية التنبه والتيقظ في المخاطبين لفهم ما يلقيه عليهم فيما بعد، فإنه يخبر عن كون هذا الحديث أهم المهمات وأعضل المعضلات التي تكاد تزل فيها الأقدام لولا مساعدة التوفيق الإلهي بالتدبر في معناه، وملاحظة النصوص الأخر، والأصول الشرعية المسلمة عند كافة المسلمين، كما زلت أقدام المرجئة - خذلهم الله تعالى - ثم ساق معاذ الحديث بعد هذا التمهيد البليغ، وذكر في نفسٍ الحديث تكرار النداء (يا معاذ)) ثلاثاً، مع قربه من رسول الله وَلتر، بحيث لم يكن بينه وبينه، إلّ قدر مؤخرة الرحل، ومنع النبيّ وَّه من التبشير العام بعد استجازة معاذ نظراته، وهذا تنبيهٌ بعد تنبيهٍ على الاهتمام بشأن الحديث، وإعمال الفكر والتروي وتعمق النظر في فهم مدلوله، وعدم الجري على الرأي السطحي، فلم يبق في فهم الرواية بعد صنيع معاذ وظيفته هذا كله - ولله الحمد - مظنة المساهلة والوقوع في الغلط للسامعين، وعلم أن ظاهره غير مراد، وحصل ما قصده النبيّ وَّر بالمنع من تبشير الناس لمخافة اتكالهم على ظاهره، والله الموفق. وههنا نكتة لطيفة وهي أن معاذاً وأمثاله من الصحابة وغيرهم كأنهم راعوا في تأخير الإخبار بهذا الحديث النبوي إلى الموت كون آخر كلامهم الشهادتين تضمناً، مع قصد الاشتغال بوظيفة التبليغ والتحديث عن رسول الله وَلقوله في آخر ساعات الحياة، فقد روى معاذ بن جبل نفسه عن رسول الله وَلو أنه قال: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)) أخرجه أبو داود والحاكم. وقد روى ابن أبي حاتم في ترجمة أبي زرعة أنه لما احتضر، أرادوا تلقينه، فتذاكروا حديث معاذ، فحدثهم به أبو زرعة بإسناده، وخرجت روحه في آخر قول ((لا إله إلا الله)) (فكأن الملائكة أجابوه بقوله *: (دخل الجنة))) هذا ما عندنا، وعند الناس ما عندهم والله أعلم بالصواب. ٥٤ - (٣٣) - قوله: (حدثنا شيبان بن فروخ) إلخ: هو بفتح الفاء وضم الراء وبالخاء المعجمة، غير مصروف للعجمة والعلمية، قيل: فروخ اسم ابنٍ لإبراهيم الخليل ، هو أبو العجم، كذا في الشرح. قوله: (محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك قال: قدمت) إلخ: أي: ((حدثني محمود بن (١) قوله: ((حدثني محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة، باب إذا دخل بيتاً يصلي حيث شاء، أو حيث أمر، ولا يتجسس، رقم (٤٢٤). وباب المساجد في البيوت، رقم (٤٢٥). وفي كتاب الأذان، باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله، رقم = ٥٥٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ((أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْءِ، فَبَعَثْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ أَنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنِي فَتُصَلِّيَ فِي مَنْزِلِي، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلَّى. قَالَ: فَأَتَى النَِّيُّ وَّهِ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلَ وَهُوَ الربيع عن عتبان بحديث، قال فيه محمود: قدمت المدينة)) إلى آخره. وفي هذا الإسناد لطيفتان من لطائفه، إحداهما: أنه اجتمع فيه ثلاثة صحابيون، بعضهم عن بعض، وهم أنس، ومحمود، وعتبان. والثانية: أنه من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن أنساً أكبر من محمود سناً وعلماً ومرتبة، ﴿له أجمعين. قوله: (أصابني في بصري) إلخ: وفي رواية: ((لما كان ساء بصري)) وفي أخرى: ((قد أنكرت بصري)) وكل ذلك ظاهر في أنه لم يكن بلغ العمى إذ ذاك، لكن أخرج البخاري في باب الرخصة في المطر: ((أن عتبان كان يؤم قومه، وهو أعمى)) وأنه قال لرسول الله وَله: ((إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر)) الحديث. وقد قيل: إن هذه الرواية معارضة لغيرها. قال الحافظ: وليست عندي كذلك، بل قول محمود: ((إن عتبان كان يؤمّ قومه وهو أعمى)) أي: حين لقيه محمود وسمع منه الحديث، لا حين سؤاله للنبيّ وَّل، ويبينه قوله في رواية يعقوب: ((فجئت إلى عتبان، وهو شيخ أعمى يؤمّ قومه))، وأما قوله: ((وأنا رجل ضرير البصر)) أي: أصابني منه ضرّ، فهو كقوله: ((أنكرت بصري)) وقوله: ((أصابني في بصري بعض الشيء)) فإنه ظاهر في أنه لم يكمل عماه، لكن رواية مسلم تغذلهُ من طريق حماد بن سلمة عن ثابت بلفظ: ((أنه عمي، فأرسل)) فالأولى أن يقال: أطلق عليه عمي لقربه منه، ومشاركته له في فوات بعض ما كان يعهده في حال الصحة، وبهذا تَأْتَلِفُ الروايات، - والله أعلم - . قوله: (فبعثت إلى رسول الله) إلخ: وفي رواية للبخاري تَّقُ: ((أن عتبان أتى رسول الله وَ لتر)) فيحتمل أن يكون نسب إتيان رسوله إلى نفسه مجازاً، ويحتمل أن يكون أتاه مرة وبعث إليه أخرى، إمّا متقاضياً وإمّا مذكراً. قوله: (فأتخذه مصلى) إلخ: قال العيني: فيه جواز اتخاذ موضع معين للصلاة. (٦٦٧) وباب إذا زار الإمام القوم فأمهم، رقم (٦٨٦). وباب يسلم حين يسلم الإمام، رقم (٨٣٨) وباب = من لم يررد السلام على الإمام، واكتفى بتسليم الصلاة، رقم (٨٣٩) و(٨٤٠). وفي كتاب التهجد، باب صلاة النوافل جماعة، رقم (١١٨٥) و(١١٨٦). وفي كتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدراً، رقم (٤٠٠٩) و(٤٠١٠). وفي كتاب الأطعمة، باب الجزيرة، رقم (٥٤٠١)، وفي كتاب الرقاق، باب العمل الذي يبتغى به وجه الله، رقم (٦٤٢٢) و(٦٤٢٣). وفي كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب ما جاء في المتأولين، رقم (٦٩٣٨). ومسلم أيضاً في كتاب المساجد، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة لعذر، رقم (١٥٠٠ - ١٥٠٢). والنسائي في سننه، في كتاب الإمامة، باب إمامة الأعمى رقم (٧٨٩). وابن ماجه في سننه، في كتاب المساجد والجماعات، باب المساجد في الدور، رقم (٧٥٤). ٥٥٥ كتاب: الإيمان يُصَلِّ فِي مَنْزِلِي وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ أَسْنَدُوا عُظْمَ ذُلِكَ وَكِبْرَهُ إِلَى مَالِكِ بْنِ دُخْثُم. قَالُوا: وَدُوا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، وَوَدُّوا أَنَّهُ أَصَابَهُ شَرِّ ، فإن قلت: روى أبو داود في سننه النهي عن إيطان موضع معين من المسجد. قلت: هو محمول على ما إذا استلزم رياءً أو نحوه اهـ. وليس البيت في حكم المساجد. قوله: (وأصحابه يتحدثون) إلخ: فيه جواز الكلام والتحدث بحضرة المصلين، ما لم يشغلهم ويدخل عليهم لَبْساً في صلاتهم أو نحوه. قوله: (ثم أسندوا عظم ذلك) إلخ: بضم العين وإسكان الظاء، أي: معظمه. قوله: (وكبره) إلخ: بضم الكاف وكسرها، لغتان فصيحتان مشهورتان، أي: إنهم تحدثوا وذكروا شأن المنافقين وأفعالهم القبيحة، وما يلقون منهم، ونسبوا معظم ذلك إلى مالك. قوله: (إلى مالك بن دُخشم) إلخ: بضم الدال المهملة، وإسكان الخاء المعجمة، وضم الشين، وبعدها ميم، قال الشارح: ((هكذا ضبطناه في الرواية الأولى، وضبطناه في الثانية بزيادة ياء بعد الخاء على التصغير، وفي بعض النسخ في الثانية مكبر أيضاً، ثم إنه في الأولى بغير ألف ولام، وفي الثانية بالألف واللام. قال القاضي عياض: ((ورويناه في غير مسلم بالنون، بدل الميم مكبّراً ومُصغّراً)). واعلم أن مالك بن دخشم هذا من الأنصار. ذكر أبو عمر ابن عبد البر اختلافاً بين العلماء في شهوده العقبة، قال: ولم يختلفوا أنه شهد بدراً وما بعدها من المشاهد، وهو الذي أسر سهيل بن عمرو، قال: ولا يصح عنه النفاق، فقد ظهر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه)). قال الشارح: ((قد نص النبيّ وَّ ر على إيمانه باطناً، وبراءته من النفاق بقوله وسل* في رواية البخاري: ((ألا تراه قال: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله تعالى)) فهذه شهادة من رسول الله وَالقر له بأنه قالها مُصَدِّقاً بها، معتقداً صدقها، مُتَقرّباً بها إلى الله تعالى، وشهد له في شهادته لأهل بدر څ )). بما هو معروف، فلا ينبغي أن يُشكّ في صدق إيمانه. قال الحافظ: ((وفي المغازي لابن إسحاق أن النبيّ ◌َ و بعث مالكاً هذا ومعن بن عدي، فحرقا مسجد الضرار، فدل على أنه بريء مما اتهم به من النفاق، أو كان قد أقلع عن ذلك، أو النفاق الذي اتهم به ليس نفاق الكفر، وإنما أنكر الصحابة عليه تودده للمنافقين، ولعل له عذراً في ذلك كما وقع لحاطب پته )) اهـ. قلت: بعثه لتحريق مسجد الضرار لا يتم به الاستدلال على عدم نفاقه، فإنه يحتمل وجوهاً أخرى إلا أن يعد من المؤيدات، - والله أعلم - . قوله: (ودوا أنه أصابه شرّ) إلخ: فيه جواز تمني هلاك أهل النفاق والشقاق ووقوع المکروہ بهم . ٥٥٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ الصَّلاَةَ. وَقَالَ: أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالُوا: إِنَّهُ يَقُولُ(١) ذُلِكَ. وَمَا هُوَ فِي قَلْبِهِ. قَالَ: لاَ يَشْهَدُ أَحَدٌ أَنْ لا إِلَّهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَيَدْخُلَ النَّارَ، أَوْ تَطْعَمَهُ)). قَالَ أَنَسٌ: فَأَعْجَبَنِي هُذَا الْحَدِيثُ. قوله: (فقضى رسول الله وَ﴿ الصلاة) إلخ: أي: مع الجماعة، كما في بعض الروايات، ويؤخذ منه جواز الجماعة في النافلة، وفيه خلاف معروف، وسيأتي هذا البحث وبقية المباحث المتعلقة بهذا الحديث في أبواب الصلاة إن شاء الله تعالى. قوله: (فيدخل النار أو تطعمه) إلخ: وقد ورد في البخاري في باب النوافل جماعة أن أبا أيوب الأنصاري سمع محمود بن الربيع يحدث به عن عتبان، فأنكره لما يقتضيه ظاهره من أن النار محرمة على جميع الموحدين، وأحاديث الشفاعة دالة على أن بعضهم يعذب، لكن للعلماء أجوبة عن ذلك: منها: ما رواه مسلم عن ابن شهاب، أنه قال عقب حديث الباب: ((ثم نزلت بعد ذلك فرائض وأمور نرى أن الأمر قد انتهى إليها، فمن استطاع أن لا يغتر فلا يغتر)) وفي كلامه نظر، لأن الصلوات الخمس نزل فرضها قبل هذه الواقعة قطعاً، وظاهره يقتضي أن تاركها لا يعذب إذا كان موحداً . قلت: أمثال هذه الضروريات الجلية محال أن تخفى على أمثال ابن شهاب، فلعل مراده تَُّ بقوله: ((ثم نزلت بعد ذلك)) إلخ التراخي الذكري ويكون الإشارة بذلك إلى كلمة الشهادة لا إلى قصة أبي هريرة رضيبه ، فيكون التقدير: ((ثم اعلم أنه نزلت بعد تعليم التوحيد فرائض وأمور، نرى أن أمر الدين قد انتهى إليها، وظاهر أن الجمود على ظاهر حديث أبي هريرة ◌ُه يفضي إلى عزل الشرائع وترك سائر العبادات بالكلية، فيكون على هذا التقدير إنزال الأحكام بعد التوحيد لغواً وعبثاً محضاً، فثبت أن النبيّ وَلو لم يرد بكلمة الشهادة التوحيد فقط، بل كلمة الشهادة عنوان جملي يندرج تحته جميع الأحكام الواجبة، كما نقل عن البيضاوي (١) ذكر المؤلف هذه القصة في كتاب الصلاة في: ((باب الرخصة في التخلف عن الجماعة لعذر)) أيضاً وفيه من الزيادة ما لم يذكره ههنا، وهي: ((فقال بعضهم: ذلك منافق، لا يحب الله ورسوله، فقال رسول الله وَ لقول: لا تقل له ذلك، ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله، يريد بذلك وجه الله؟ قال: قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنما نرى وجهه ونصيحته للمنافقين، قال: فقال رسول الله وَ له: فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله)). فقوله عليه الصلاة والسلام: ((يريد بذلك وجه الله)) وقوله عليه اللام: ((يبتغي بذلك وجه الله)) يندفع به ما يتوهم من حديث الباب أن بحث النطق بالشهادتين كاف للنجاة من النار، وإن كان الناطق بالشهادة منافقاً. والحاصل أن النبي و ﴿ أخبرهم أن مالك بن دخشم ليس من المنافقين بل هو من المؤمنين المخلصين. (رف). ٥٥٧ كتاب: الإيمان فَقُلْتُ لابْنِي: أَكْتُبُهُ. فَكَتَبَهُ. وغيره، فمن استطاع منكم أن لا يغتر بالتمسك بظواهر هذه الأحاديث فلا يغتر)). روى البخاري عن عائشة رؤيتنا: ((أن أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحرام والحلال، ولو نزل أول شيء: ((لا تشربوا الخمر))؛ لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل: ((لا تزنوا))؛ لقالوا: لا ندع الزنا أبداً» الحدیث . وما قلناه من كون كلمة التوحيد في أحاديث عتبان ومعاذ وأبي هريرة وغيرهم عنواناً لتفاصيل الأحكام الواجبة: يؤيده الرواية التي أخرجها أحمد في مسنده عن معاذ بن جبل رضته قال: ((سمعت رسول الله والله يقول: من لقي الله لا يشرك به شيئاً، ويصلي الخمس، ويصوم رمضان، غفر له، قلت: أفلا أبشرهم يا رسول الله؟ قال: دعهم يعملوا)) كذا في المشكاة . وعلى هذا فالمراد بالاتكال في حديث معاذ وغيره ترك الزوائد على قدر الواجب من النوافل والمندوبات وفضائل الأعمال، وأصرح من هذا ما أخرجه البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من آمن بالله وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس؟ قال إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض)) الحديث. وهذا مما وقفَّنا عليه علاّمة عصرنا الكشميري - أطال الله بقاءه - وهو من النفائس، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. وقيل: المراد من قالها مخلصاً، لا يترك الفرائض، لأن الإخلاص يحمل على أداء اللازم، وتعقب بمنع الملازمة. وقيل: المراد تحريم التخليد، أو تحريم دخول النار المعدة للكافرين، لا الطبقة المعدة للعصاة . وقيل: المراد تحريم دخول النار بشرط حصول قبول العمل الصالح والتجاوز عن السّىء. كذا قال الحافظ في الفتح، وقد سبق منا بعض ما يتعلق بهذا الباب قريباً، - والله أعلم - . قوله: (فقلت: لابني اكتبه) إلخ: فيه جواز كتابة الحديث وغيره من العلوم الشرعية لقول أنس لابنه: ((اكتبه)) بل هي مستحبة. وجاء في الحديث النهي عن كتابته، وجاء الإذن فيه. فقيل: كان النهي لمن خيف اتكاله على الكتاب، وتفريطه في الحفظ، مع تمكنه منه، والإذن لمن لم يكن كذلك. ٥٥٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ١٤٩ - (٥٥) حدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنِي عِثْبَانُ بْنُ مََّلِكِ، أَنَّهُ عَمِيَ. فَأَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهُ فَقَالَ: تَعَالَ فَخُطَ لِ مَسْجِداً، فَجَاءَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ، وَجَاءَ قَوْمُهُ، وَنُعِتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ. (١١) - باب: الدليل على أن من رضي بالله ربًّا وبالإسلام ديناً وبمحمد 40* رسولاً، فهو مؤمن، وإن ارتكب المعاصي الكبائر ١٥٠ - (٥٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، وَبِشْرُ بْنُ الْحَكْمِ، قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ) الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدٍ بَّنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَلِبٍ(١)؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ وقيل: كان النهي لما خيف اختلاطه بالقرآن، والإذن بعده لمن أمِنَ من ذلك، وكان بين السلف من الصحابة والتابعين خلاف في جواز كتابة الحديث، ثم أجمعت الأمة على جوازها واستحبابها . - والله أعلم -. وقد سبق منا بسط هذا البحث في مقدمة الشرح، فراجعه. ٥٥ - ( ... ) - قوله: (فخط لي مسجداً) إلخ: أي: أعلم لي على موضع لأتخذه مسجداً، أي: موضعاً أجعل صلاتي فيه، متبركاً بآثارك، وفي الحديث التبرك بآثار الصالحين، وزيارة العلماء والفضلاء والكبراء أتباعهم وتبريكهم إياهم، وغير ذلك من الفوائد الكثيرة مما لا يخفى على المتيقظ، والله أعلم بالصواب، وله الحمد والنعمة والفضل والمنة، وبه التوفيق والعصمة. (١١) - باب: الدليل على أن من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد * رسولاً: فهو مؤمن وإن ارتكب المعاصي الكبائر ٥٦ - (٣٤) - قوله: (عن يزيد بن الهاد) إلخ: هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد. وهكذا يقوله المحدثون: ((الهاد)) من غير ياء، والمختار عند أهل العربية فيه وفي نظائره بالياء، كالعاصي وابن أبي الموالي . - والله أعلم - . قوله: (عن عباس بن عبد المطلب) إلخ: أي: عم النبيّ و9َّ، وكان أسنّ من النبيّ وَّه بسنتين، ومن لطافة فهمه ومتانة علمه وحسن أدبه أنه لمّا سئل: أأنت أكبر أم النبيّ ◌َّ؟ قال: هو أكبر وأنا أسَنُّ. وأمه أول امرأة كست الكعبة الحرير والديباج وأصناف الكسوة، وذلك أن العباس ضلّ (١) قوله: ((عن العباس بن عبد المطلب)) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب الإيمان، باب (بلا ترجمة) بعد باب ما جاء في ترك الصلاة، رقم (٢٦٢٣). ٥٥٩ كتاب: الإيمان يَقُولُ: ((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ، مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبَّ وَبِالإِسْلاَمِ دِيناً وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً)). - وهو صبي - فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت الحرام، فوجدته، ففعلت ذلك. وكان العباس رئيساً في الجاهلية، وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية، أما السقاية: فهي معروفة بسقاية الحاج، وأما العمارة فإنه كان يحمل قريشاً على عمارته بالخير، وترك السباب فيه، وقول الهجر. قال مجاهد: أعتق العباس عند موته سبعين مملوكاً، وكان أسلم قديماً، وكتم إسلامه، وخرج مع المشركين يوم بدر مكرهاً، فقال النبيّ وَّ: من لقي العباس فلا يقتله، فإنه خرج مكرهاً، فأسره أبو اليسر كعب بن عمر، ففادى نفسه، ورجع إلى مكة، ثم أقبل إلى المدينة مهاجراً . قوله: (ذاق طعم الإيمان) إلخ: أي: صح إيمانه، واطمأنت به نفسه، وخامر باطنه، لأن رضاه بالمذكورات دليل لثبوت معرفته، ونفاذ بصيرته، ومخالطة بشاشة قلبه، لأن من رضى أمراً: سهل به، فكذا المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان سهل عليه طاعات الله تعالى، ولذت له، - والله أعلم - . قوله: (من رضي بالله) إلخ: معنى رضيت بالشيء: قنعت به، واكتفيت به، ولم أطلب معه غيره، فمعنى الحديث: لم يطلب غير الله تعالى، ولم يسْعَ في غير طريق الإسلام، ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد ◌ّل﴾، ولا شك في أن من كانت هذه صفته: فقد خلصت حلاوة الإيمان إلى قلبه وذاق طعمه . قال علي القاري تغذفه: ((والمقصود من الرضاء: الانقياد الباطني والظاهري، والكمال: أن يكون صابراً على بلائه، وشاكراً على نعمائه، وراضياً بقدره وقضائه، ومنعه وإعطائه، وأن يعمل بجميع شرائع الإسلام بامتثال الأوامر واجتناب الزواجر، وأن يتبع الحبيب حق متابعته في سننه وآدابه وأخلاقه ومعاشرته، والزهد في الدنيا، والتوجه الكلي إلى العقبى. أخرج الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عمر مرفوعاً: ((أنطقوا ألسنتكم قول: ((لا إله إلا الله، ومحمد رسول الله، وأن الله ربنا، والإسلام ديننا، ومحمد نبينا)) فإنكم تسألون عنها في قبوركم))، قال السيوطي: ((في سنده عثمان بن مطر)) اهـ. قوله: (رباً) إلخ: أي: سيداً ومالكاً ومتصرفاً . قال الزبيدي في شرح الإحياء ناقلاً عن بعض المشايخ: ((إن مقام الرضاء من أعلى مقامات المقربين، والعلم الذي يورث هذا الرضى هو: العلم بكمال صفات الله تعالى وجمالها وجلالها، فيما حكم به في الأزل من شقاء وإسعاد، وتقريب وإبعاد، وشدة وإرخاء، وإن ذلك على أكمل الحالات وأرفع الدرجات، وهذا العلم بعينه هو الذي يوجب التسليم والتفويض، إلا ٥٦٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أن الفرق بينهما وبين الرضا أن التفويض والتسليم قبل وقوع المقضي به، والرضا بعد وقوع المقضي به، واعتقاد هذا العلم واجب، لأنه من الإيمان بالله، يراد لذاته ولغيره. أما كونه مراداً لذاته فلأنه معرفة مقصودة في نفسها، وأما كونه يراد لغيره فلأنه يذهب عن القلب الهم والغم والحزن والسخط، ويجلب أضدادها من الفرح والسرور والاستبشار، ويستفيد بذلك عدّ الأنفاس مع الله، والسلامة من إضاعة الأوقات. قال القشيري: ((قد اختلف العراقيون والخراسانيون في الرضا، هل هو من الأحوال أو من المقامات؟ فأهل خراسان قالوا: الرضا من جملة المقامات، وهو نهاية التوكل، ومعناه يؤول إلى أنه مما يتوصل إليه العبد باكتسابه. وأما العراقيون فإنهم قالوا: الرضا من جملة الأحوال، وليس ذلك كسباً للعبد، بل هو نازلة تحل بالقلب كسائر الأحوال. ويمكن الجمع بين القولين، فيقال: بداية الرضا مكتسبة للعبد، وهي من المقامات، ونهايته من جملة الأحوال، وليست بمكتسبة)) اهـ. وقال الإمام أبو حامد بعد كلام طويل وسرد الحكايات: ((إن الرضى بما يخالف الهوى ليس مستحيلاً، بل هو مقام عظيم من مقامات أهل الدين، ومهما كان ذلك ممكناً في حب الخلق وحظوظهم: كان ممكناً في حق حب الله تعالى وحظوظ الآخرة قطعاً، وإمكانه من و جھین : أحدهما: الرضا بالألم لما يتوقع من الثواب الموجود، كالرضا بالفصد، والحجامة، وشرب الدواء، انتظاراً للشفاء. والثاني: الرضا به لا لحظ ورائه، بل لكونه مراد المحبوب ورضاً له، فقد يغلب الحب بحيث ينغمز مراد المحب في مراد المحبوب، فيكون ألَّذّ الأشياء عنده سرور قلب محبوبه، ورضاه، ونفوذ إرادته، ولو في هلاك روحه، كما قيل: فما لجرح إذا أرضاكم ألم وهذا ممكن مع الإحساس بالألم، وقد يستولي الحب بحيث يدهش عن إدراك الألم، فالقياس والتجربة والمشاهدة دالة على وجوده، فلا ينبغي أن ينكره من فقد من نفسه، لأنه إنما فقده لفقد سببه، وهو فرط حبه، ومن لم يذق طعم الحب لم يعرف عجائبه، نعم، الذي فقد البصر ينكر جمال الصور، والذي فقد السمع ينكر لذة الألحان والنغمات الموزونة، فالذي فقد القلب لا بد وأن ينكر أيضاً هذه اللذات التي لا مظنة لها سوى القلب)) اهـ. والناس أعداء ما جهلوا، وبالله التوفيق.