Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كتاب: الإيمان
يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الإِسْلاَمُ؟ قَالَ: الإِسْلاَمُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ
الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَغْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الإِحْسَانُ؟
قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لا تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى
السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، إِذَا
وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا كَانَتِ الْعُرَاةُ الْحُفَاةُ رُؤُوسَ النَّاسِ فَذَاكَ مِنْ
أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الْبَهْمِ فِي الْبُنَْانِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا .
قوله: (أن تعبد الله) إلخ: قد عبر في حديث عمر رَ به لههنا بقوله: ((أن تشهد أن لا إله إلا
الله، وأن محمداً رسول الله)) فدل على أن المراد بالعبادة في حديث الباب النطق بالشهادتين،
ولما عبر الراوي بالعبادة احتاج أن يوضحها بقوله: ((ولا تشرك به شيئاً)) ولم يحتج إليها في رواية
عمر رظنه لاستلزامها ذلك. قاله الحافظ في الفتح.
قوله: (وتقيم الصلاة المكتوبة) إلخ: إنما عبّر بالمكتوبة للتفنن في العبارة، فإنه عبر في
الزكاة بالمفروضة، ولاتباع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ [سورة
النساء، آية: ١٠٣]، وإقامة الصلاة إدامتها، والمحافظة عليها، وإتمامها على وجهها، قال النبيّ رَّر:
((اعتدلوا في الصفوف؛ فإن تسوية الصف من إقامة الصلاة)).
قوله: (أن تعبد الله كأنك تراه) إلخ: قال النووي: ((وهذا القدر من الحديث أصل عظيم
من أصول الدين، وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين، وهو عمدة الصديقين، وبغية السالكين،
وكنز العارفين، ودأب الصالحين، وهو من جوامع الكلم التي أوتيها وَله، وقد ندب أهل التحقيق
إلى مجالسة الصالحين، ليكون ذلك مانعاً من التلبس بشيء من النقائص، احتراماً لهم واستحياءً
منهم، فكيف بمن لا يزال الله مطلعاً عليه في سرّه وعلانيته)) اهـ.
قوله: (وسأحدثك) إلخ: السين لههنا لتأكيد الوعد بالتحديث، كما في قوله تعالى:
﴿فَيَكْفِكَهُمُ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة، آية: ١٣٧]، ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة، وإن تأخر إلى
حین .
قوله: (عن أشراطها) إلخ: جمع شرط، بفتح الشين والراء، كقلم وأقلام، وهي
العلامات .
قوله: (رعاء البهم) إلخ: بفتح الباء جمع بهمة، وهي صغار الضأن والمعز، ورجحت هذه
الرواية على رواية البخاري: ((رعاء الإبل البهم)) لأن رعاء الغنم أضعف أهل البادية، بخلاف
رعاء الإبل، فإنهم أهل فخر وخيلاء. ((والبهم)) في رواية البخاري هو بضم الباء، أي: السود،
وهو بجر الميم وصفاً للإبل جمع بهماء، إذ السود شرّها عندهم، وخيرها الحمر، ومن ثم ورد:
((خير من حمر النعم)) وبرفع الميم وصفاً للرعاة، جمع بهيم، فيكون كناية عن جهلهم، وأنه لا

٤٦٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فِي خَمْسٍ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ ثُمَّ تَلاَ نَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَعْلَمُ مَا
فِىِ الْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَاذَا تَحْكِسِبُ غَدًّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَبِ أَرْضِ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
[لقمان: ٣٤].
يعرف لهم أصل، من: أبهم الأمر إذا لم يعرف حقيقته. وقال القرطبي: ((الأولى حمله على
سواد اللون؛ لأن الأدمة غالب ألوان العرب)) كذا في المرقاة لعلى القاري تخلّثُ تعالى.
قوله: (في خمس لا يعلمهن إلا الله) إلخ: علم وقت الساعة في خمس لا يعلمهن إلا الله.
قال القرطبي: ((لا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمس لهذا الحديث، وقد فسر
النبيّ وَّل قول الله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِعُ اُلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾ [سورة الأنعام، آية: ٣٤] بهذه
الخمس، وهو في الصحيح، قال: فمن ادعى علم شيء منها غير مسنده إلى رسول الله وَلّ كان
كاذباً في دعواه، قال: وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادي،
وليس ذلك بعلم، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على تحريم أخذ الأجرة والجُعل وإعطائها في
ذلك، وجاء عن ابن مسعود قال: ((أوتي نبيكم ◌ّيّ علم كل شيء سوى هذه الخمس)). وعن ابن
عمر مرفوعاً نحوه، أخرجهما أحمد وأخرج حميد بن زنجويه عن بعض الصحابة أنه ذكر العلم
بوقت الكسوف قبل ظهوره، فأنكر عليه، فقال: إنما الغيب خمس، وتلا هذه الآية. وما عدا
ذلك غيب يعلمه قوم ويجهله قوم)).
وقال علي القاري كثّفُهُ: ((فإن قلت: قد أخبر الأنبياء والأولياء بشيء كثير من ذلك، فكيف
الحصر؟ قلت: الحصر باعتبار كلياتها دون جزئياتها، قال تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيِْهِ: أَحَدًا
٢٦
إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [سورة الجن، الآيتان: ٢٦-٢٧] بناء على اتصال الاستثناء الذي هو الأصل،
وأيضاً ما ذكره بعض الأولياء من باب الكرامة بإخبار بعض الجزئيات من مضمون كليات الآية،
فلعله بطريق المكاشفة أو الإلهام أو المنام التي هي ظنيات، لا تسمى علوماً يقينيات)).
وقال في موضع آخر: ((إن للغيب مباديَ ولواحقَ، فمباديه لا يطلع عليه ملك مقرب ولا
نبي مرسل، وأما اللواحق فهو ما أظهر الله على بعض أحبائه لوحة علمه، وخرج ذلك عن الغيب
المطلق، وصار غيباً إضافياً، وذلك إذا تنور الروح القدسية وازداد نوريتها وإشراقها بالإعراض
عن ظلمة عالم الحس، وتخلية مرآة القلب عن صدأ الطبيعة، والمواظبة على العلم والعمل،
وفيضان الأنوار الإلهية حتى يقوى النور وينبسط في قضاء قلبه، فتنعكس فيه النقوش المرتسمة في
اللوح المحفوظ، ويطلع على المغيبات، ويتصرف في عالم الأجسام السفلى، بل يتجلى حينئذٍ
الفياض الأقدس بمعرفته التي هي أشرف العطايا، فكيف بغيرها)) اهـ.
يقول العبد الضعيف عفا الله عنه: إن الشيء إذا كان له أصول وفروع، فعلمه بالحقيقة إنما
هو العلم بأصوله، أما العلم بالفروع بدون العلم بأصولها فليس بعلم يعتد به عند العلماء
والحذاق، وإنما هو علم بمعناه اللغوي (دانستن) عند العوام القاصرين.

٤٦٣
كتاب: الإيمان
قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ. فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ فَلَمْ
يَرَوْا شَيْئاً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: هَذَا جِبْرِيلُ، جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ)).
مثاله: إذا حفظ أحد من الناس ألوفاً من المسائل الجزئية الفقهية: كالواجبات،
والمحرمات، والمندوبات، والمكروهات، فلا يسمى عندهم عالماً أو فقيهاً، حتى يعرف
أصولها وكلياتها، بخلاف من اطلع على أصول الأحكام ومصادرها فهو عالم فقيه عندهم، وإن
فاته استحضار بعض الجزئيات والفروع، فإن الأصول والكليات هي مفاتيح الفروع والجزئيات،
دون العکس.
وهكذا ينبغي أن يفهم في هذا المقام أن إطلاق عالم الغيب لا يليق إلا بمن يعلم أصول
الغيب وكلياته، وأما الاطلاع على بعض المغيبات - ولو كثرت - لا يسمى علماً، ولا المطلع
عليه عالماً، إلا بضرب من الاتساع، حتى يعرف أصوله ومباديَه، وهذه الأصول والكليات هي
مفاتح الغيب التي عند الله تعالى لا يعلمها إلا هو، فهذه الأمور الخمسة المذكورة في حديث
الباب قد اختص علمها بالله سبحانه وتعالى، بحيث لا مطمع لأحد من الخلق أن يدرك أصولها
وكلياتها، كما يدرك أحدهم وقت انكساف الشمس أو القمر بالقواعد الحسابية العادية مثلاً،
ويخبر به قبل وقوعه مع تعين مقداره في البلاد الشاسعة، ولهذا لا يعد أمثاله من علم الغيب عند
العلماء، فإنه قد حصل بما نصب عليه من الأدلة، نعم، الاطلاع على شيء من علمه تعالى
والإظهار على بعض غيوبه ممكن وواقع في حق بعض العباد، إلا أنه من قبيل العرض الجزئي
فقط، وليس هو من إحاطة أصول الغيب والعلم الكلي في شيء، وهذا الاطلاع الجزئي إن وقع
لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلا يقطع بصدقه وحفظه وعصمته من دسائس الشيطان، أو
التخييل النفساني، وغيرهما، وإذا وقع للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فهو مقطوع بصدقه،
مأمون من دواخل الشيطان، وغوائل النفوس، وسائر ما يخل بقطعيته، فالله سبحانه وتعالى لا
يظهر - أي لا يسلط ـ على غيبه أحداً بحيث لا يتطرق إليه احتمال الغلط أو الوهم أصلاً، إلا من
ارتضى من رسول، فيسلطه على ما يشاء من غيبه، ولا يدع أحداً من الإنس والجن أن يقدر على
إفساده، أو يمنع من إحكام آياته، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً (من الملائكة) ليعلم
أن قد أبلغوا رسالات ربهم، وأحاط بما لديهم، وأحصى كل شيء عدداً، بهذا التقرير يظهر
الفرق بين وحي الأنبياء وكشوف الأولياء، وأن الأمور الخمسة المذكورة في حديث الباب
مختص علمها بالله سبحانه وتعالى، وهذا الاختصاص لا يلزم من ذكره نفي الاختصاص من
غيرها، فإنه يحتمل أن يكون التخصيص الذكري لمصالح، أو لخصوصية في محل نزول الآية،
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
قوله: (ردوا عليَّ الرجل) إلخ: فيه أن الملك يجوز أن يتمثل لغير النبيّ وَّر، فيراه ويتكلم
بحضرته، وهو يسمع، وقد ثبت عن عمران بن حصين أنه كان يسمع كلام الملائكة، والله أعلم.

٤٦٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٩٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّنَ
التَّيْمِيُّ، بِهِذَا الأسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ ((إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ بَعْلَهَا)) يَعْنِي السَّرَارِيَّ.
٩٩ - (٧) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ (وَهُوَ ابْنُ الْقَعْفَاعِ)،
عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: سَلُونِي فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوَهُ.
فَجَاءَ رَجُلٌ فَجَلَسَ عِنْدَ رُكْبَتَيْهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإِسْلاَمُ؟ قَالَ: لاَ تُشْرِكُ بِاللَّهِ
شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: يَا رَسُوَلَ اللَّهِ،
مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ، وَلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ،
وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَخْشَى اللَّهَ
كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لاَ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى تَقُومُ
السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، إِذَا رَأَيْتَ
الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ الْخَّفَاةَ الْعُرَاةَ الصُمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الأَرْضِ
فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ رِعَاءَ الْبَهْمِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي
خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ اللّهُ. ثُمَّ قَرَأَ. ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُغَزِّلُ الْغَيْثَ
٦ - ( .... ) - قوله: (يعني: السراري) إلخ: هو بتشديد الياء، ويجوز تخفيفها، لغتان
معروفتان، الواحدة: السرية بالتشديد لا غير، قال ابن السكيت في إصلاح المنطق: ((كل ما كان
واحده مشدداً من هذا النوع جاز في جمعه التشديد والتخفيف، والسرية: الجارية المتخذة
للوطىء، مأخوذة من السر وهو النكاح، وقيل: السر السرور، قيل لها: سرية، لأنها سرور
مالكها، قال الأزهري: وهذا القول أحسن، والأول أكثر)).
٧ - (١٠) - قوله: (عمارة وهو ابن القعقاع) إلخ: فعمارة بضم العين، والقعقاع بفتح القاف
الأولى.
قوله: (سلوني) إلخ: قال الشارح كثّفُ: ((هذا ليس بمخالف للنهي عن سؤاله؛ فإن هذا
المأمور به هو في ما يحتاج إليه، وهو موافق لقول الله تعالى: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [سورة النحل،
آية: ٤٣] [سورة الأنبياء، آية: ٧] .
وقال القسطلاني: ((يحتمل في سؤال جبريل النبيّ وَّر في حضور الصحابة أنه يريد أن
يريهم أنه عليه الصلاة والسلام مليء من العلوم، كما يومىء إليه أيضاً قوله: ((سلوني)) وأن علمه
مأخوذ من الوحي، فتزيد رغبتهم ونشاطهم فيه، وهو المعني بقوله: ((جاء يعلم الناس دينهم)) اهـ.
قوله: (الصم البكم) إلخ: أي: لما لم ينتفعوا بجوارحهم هذه فكأنهم عدموها، فهي مبالغة
في وصفهم بالجهل.

٤٦٥
كتاب: الإيمان
وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْسِبُ غَدًّا وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضِ تَمُونُّ إِنَّ اللَّهَ
: [لقمان: ٣٤].
عَلِيمٌ خَبِيرٌ
قَالَ: ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: رُدُّوهُ عَلَيَّ فَالْتُمِسَ فَلَمْ يَجِدُوهُ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ: (هَذَا جِبْرِيلُ أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا)).
(٢) - باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام
١٠٠ - (٨) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ جَمِيلٍ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ
مَالِكِ بْنِ أَنَسِ (فِيمَا قُرِىءَ عَلَيْهِ)، عَنْ أَبِيَ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ
اللَّهِ(١) يَقُولُ: ((جَاءَ رَجُلٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهُ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ
قوله: (أراد أن تعلموا) إلخ: قال الشارح كتّهُ: ((ضبطناه على وجهين: بفتح التاء والعين
وتشديد اللام، أي: تتعلموا، أو بفتح التاء وإسكان العين وتخفيف اللام، وهما صحيحان)).
(٢) - باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام
٨ - (١١) - قوله: (الثقفي) إلخ: أي: مولاهم.
قوله: (عن أبي سهيل عن أبيه) إلخ: اسم أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر
الأصبحي. ونافع عم مالك بن أنس الإمام. وهو تابعي سمع أنس بن مالك. كذا في الشرح.
قوله: (طلحة بن عبيد الله) إلخ: هو أحد العشرة المبشرة.
قوله: (جاء رجل) إلخ: قال ابن عبد البر وابن بطال وعياض وابن العربي والمنذري
وغيرهم: هو ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر، والحامل لهم على ذلك إيراد مسلم كثّفُهُ قصته
عقب حديث طلحة رَظُته، ولأن في كل منهما أنه بدوي، وأن كلاً منهما قال في آخر حديثه: ((لا
أزيد على هذا ولا أنقص))، لكن تعقبه القرطبي كَثُ بأن سياقهما مختلف، وأسئلتهما متباينة،
قال: ((ودعوى أنهما قصة واحدة دعوى فرط، وتكلف شطط من غير ضرورة)) قال الحافظ تَّثُ في
مقدمة الفتح: ((وهو كما قال)).
قوله: (من أهل نجد) إلخ: هي الناحية التي بين الحجاز والعراق.
قوله: (ثائر الرأس) إلخ: أي: متفرق شعر الرأس من ترك الرفاهية.
(١) قوله: ((طلحة بن عبيد الله)) الحديث أخرجه مالك في ((الموطأ)) في كتاب قصر الصلاة في السفر باب جامع
الترغيب في الصلاة. والبخاري في صحيحه في كتاب الإيمان، باب الزكاة من الإسلام رقم (٤٦).
والنسائي في سننه في كتاب الصيام، باب وجوب الصيام، رقم (٢٠٩٢). وأبو داود في سننه في كتاب
الصلاة، باب فرض الصلاة رقم (٣٩١ و٣٩٢).

٤٦٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
دَوِيَّ صَوْتِهِ وَلاَ نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّه: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: لاَ،
قوله: (دويّ صوته) إلخ: بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء، أي: شدة صوته وبعده في
الهواء، فلا يفهم منه شيء كدويّ النحل والذباب.
قوله: (يسأله عن الإسلام) إلخ: أي: عن شرائعه بعد التوحيد والتصديق.
قوله: (خمس صلوات) إلخ: وفي رواية إسماعيل بن جعفر أنه قال في سؤاله: ((أخبرني
ماذا فرض الله عليّ من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس)).
بحث يتعلق بوجوب الوتر:
قال الشافعي كثّثُ في الأم: ((ففرائض الصلوات خمس، وما سواها تطوع)). وقال الحافظ
في الفتح: ((يستفاد من هذا الحديث أنه لا يجب شيء من الصلوات في كل يوم وليلة غير
الخمس خلافاً لمن أوجب الوتر)) اهـ. قال علي القاري تَّفُ في شرح المشكاة: ((إن هذا
الحديث كان قبل وجوب الوتر، أو إنه تابع للعشاء)) اهـ. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: ((وفي
جعل هذا الحديث دليلاً على عدم وجوب الوتر وغيره نظر عندي، لأن ما وقع في مبادىء
التعاليم لا يصح التعلق به في صرف ما ورد بعده، وإلا لزم قصر واجبات الشريعة بأسرها على
الخمس المذكورة، وإنه خرق الإجماع، وإبطال الجمهور، فالحق أنه يؤخذ بالدليل المتأخر إذا
ورد مورداً صحيحاً، ويعمل بما يقتضيه من وجوب أو ندب أو نحوهما)) اهـ.
والذي يظهر للعبد الضعيف - والله أعلم - هو أن الوتر شرع لإكمال صورة الصلوات
الخمس، كما أن السنن الرواتب وضعت لتكميل حقيقتها عند محققي الأحناف رحمهم الله على
ما أوضحه شيخ شيخنا نور الله مرقده بأتم بيان في كتابه الفارسي ((مصابيح التراويح)) ونذكر منه
طرفاً مناسباً إن شاء الله في أبواب الوتر، حيث نبسط دلائل وجوبه، ولهذا ليس للوتر وقت منفرد
عن أوقات الصلوات الخمس، بل هو متداخل في وقت العشاء، وأيضاً ليس له أذان ولا إقامة
ولا جماعة، ويقرأ في كل ركعة منه، وهذا كله من علامات السنية إلا أنه قال النبيّ وَّر في رواية
خارجة بن حذافة: ((إن الله تعالى أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر،
فجعلها لكم في ما بين العشاء إلى طلوع الفجر)). وقال في رواية بريدة: ((الوتر حق، فمن لم
يوتر فليس مني، الوتر حق، فمن لم يوتر فليس مني، الوتر حق، فمن لم يوتر فليس مني)) وهذا
من أمارات الفرضية، فأنزله أبو حنيفة تغُّ على الوجوب الذي هو مرتبة بين المرتبتين: الفرضية
والسنية، فله شبه بالطرفين: بالسنن الرواتب من حيث تكميل الصلوات الخمس به، وعدم
استقلاله في كونه صلاة مكتوبة كالخمسة الباقية، وبالفرائض باعتبار كونه مزيداً إلى الصلوات
الخمس، وكونه وتر الليل كما أن المغرب وتر النهار على ما ورد في الحديث، وكونه صلاة

٤٦٧
كتاب: الإيمان
مؤقتة مقضية إذا فات، وغير ذلك من أمارات الفرضية، فعلى هذا الصلوات الأصلية في كل يوم
وليلة: خمس، وسائر الرواتب والوتر أيضاً من مكملاتها ومتمماتها.
وكأن إلى هذا أشير في الحكاية التي حكاها محمد بن نصر المروزي في ((قيام الليل)» أن
رجلاً جاء أبا حنيفة، فقال له: أخبرني عن عدد الصلوات المفروضة في اليوم والليلة كم هي؟
فقال: خمس صلوات، فقال: فما تقول في الوتر أهي فريضة أم لا؟ فقال: فريضة (أي: واجبة
فإن الواجب كالفرض في العمل) فقال له: كم عدد الصلوات المفروضات؟ فقال: خمس
صلوات فقال: عدهن، فعد الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، فقال له: الوتر هو
فريضة أو سنة؟ فقال: فريضة، فقال له: فكم الصلوات؟ قال: خمس صلوات، فقال: فأنت لا
تحسن الحساب، فقام وذهب) اهـ.
فعلى هذا معنى قوله وَّر: ((خمس صلوات في اليوم والليلة)): أن عليك صلوات في خمس
أوقات من اليوم والليلة (يعني: لازم است بر تو نماز بنجكانه) وإليه أشار عليّ القاري تغذّثُ
بقوله: ((أو إنه تابع للعشاء)) وهذا تعليم جملي لا بد من أن يفصله أقوال النبيّ وَّر أو أفعاله من
أن للفجر مثلاً ركعتين، وللظهر أربع ركعات، وللمغرب ثلاثاً، ووقت صلاة كذا: من كذا إلى
كذا، وأن لكل صلاة شروطاً متقدمة عليها، كالوضوء، وأركاناً داخلة فيها، كالقيام والركوع
والسجود، ومتممات ومكملات ومحسنات، منها ما هو داخل فيها، كالتسبيحات والتكبيرات
وغيرها، ومنها ما هو خارج عنها، كاعتدال الصفوف وسنن الرواتب قبلها وبعدها، والوتر
وغيرها، فقوله: ((خمس صلوات في اليوم والليلة)) مشتمل على الأمر بجميع هذا التفصيل الذي
لا يعرف إلا من جهة الشارع وبيانه، وهو بأسره مندرج إن شاء الله تعالى تحت قوله في رواية
إسماعيل بن جعفر: (فأخبره بشرائع الإسلام)) وأراد بقوله: ((لا إلا أن تطوع)) التطوع الزائد على
هذا القدر المذكور، من النوافل المحضة، وصلاة الضحى، والتهجد، والأوابين، والأذكار،
والأوراد، والأشغال التي ندب رسول الله وَ الر المتجردين للعبادة إليها، وحينئذٍ لا إشكال أصلاً
في قوله: ((والله لا أزيد على هذا ولا أنقص)) وقوله وَلير: ((أفلح الرجل إن صدق)).
ولو فرضنا أنه وَلّ رخص له في ترك ما سوى الفرائض من الرواتب وغيرها، فلا أدري
كيف لم يرخص الشافعي تَّثُ في ترك ما رخص رسول الله وَلّ في تركه؟ حيث قال في الأم:
((ولا أرخص لمسلم في ترك واحد منهما، أي: الوتر وركعتي الفجر، وإن لم أوجبهما عليه،
ومن ترك صلاة واحدة منهما كان أسوء حالاً ممن ترك جميع النوافل في الليل والنهار، وكيف
قبل وَ ﴿ قول النجدي: ((لا أزيد على هذا)) في ركعتي الفجر، مع قوله القول: ((لا تدعوهما ولو
طردتكم الخيل)) وفي الوتر مع قوله وَّر: ((إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم))
وقوله: ((الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني)) ثلاثاً؟ وكيف أجاز إمساك الرجل عن السنن المؤكدة

٤٦٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِلا أَنْ تَطَّوَّعَ، وَصِيَامُ شَهْرٍ رَمَضَانَ فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ وَذَكَرَ لَهُ
كلها استمراراً واعتياداً والمخالفة على تركها دواماً؟ وهذا ظاهر لمن له أدنى فطانة وتأمل، والله
الموفق)).
قال الشيخ ابن الهمام في فتح القدير: ((وفي النوازل ترك سنن الصلاة الخمس - إن لم يرها
حقاً - كفر، وإن رآها وترك قيل: لا يأثم، والصحيح أنه يأثم، لأنه جاء الوعيد بالترك)). ثم
قال: ((لا يخفى أن الإثم منوط بترك الواجب، نعم يستلزم ذلك الإساءة وفوات الدرجات
والمصالح الأخروية المنوطة بفعل سنن الرسول 8*، هذا إذا تجرد الترك عن استخفاف، بل
يكون مع رسوخ الأدب والتعظيم فإن لم يكن كذلك دار بين الكفر والإثم بحسب الحال الباعثة
له على الترك)» اهـ.
قوله: (لا إلا أن تطوع) إلخ: هذا الاستثناء يجوز أن يكون منقطعاً بمعنى ((لكن)) ويجوز أن
يكون متصلاً، واختارت الشافعية الانقطاع، والمعنى لكن يستحب لك أن تطوع، واختارت
الحنفية الاتصال؛ فإنه هو الأصل.
يجب إتمام العبادة بعد الشروع فيها ولو كانت نفلاً:
ويستدل به على أن من شرع في صلاة نفل أو صوم نفل وجب عليه إتمامه؛ لأن الاستثناء
من النفي إثبات، ولا قائل بوجوب التطوع، فيتعين أن يكون المراد: إلا أن تشرع في تطوع:
فيلزمك إتمامه. وهذا هو المفاد بقوله تعالى: ﴿وَلَ نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [سورة محمد، آية: ٣٣] وبالإجماع
على: أن حج التطوع يلزم بالشروع.
قال الحافظ كثّفُ في الفتح: وحرف المسألة دائر على الاستثناء، فمن قال: إنه متصل
تمسك بالأصل، ومن قال: إنه منقطع، احتاج إلى دليل، والدليل عليه ما روى النسائي وغيره:
((أن النبيّ ◌َ ﴿ كان أحياناً ينوي صوم التطوع، ثم يفطر)) وفي البخاري: ((أنه أمر جويرية بنت
الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه)) فدل على أن الشروع في العبادة لا يستلزم
الإتمام إذا كانت نافلة بهذا النص في الصوم، وبالقياس في الباقي. فإن قيل: يرد الحج. قلنا :
لا؛ لأنه امتاز عن غيره بلزوم المضي في فاسده، فكيف في صحيحه؟ وكذلك امتاز بلزوم
الكفارة في نفله کفرضه) اهـ.
قال الشيخ بدر الدين العيني تغذفه: ((من العجب أن هذا القائل كيف لم يذكر الأحاديث
الدالة على استلزام الشروع في العبادة الإتمام، وعلى القضاء بالإفساد؟ وقد روى أحمد في
مسنده عن عائشة رضيّا قالت: ((أصبحت أنا وحفصة صائمتين، فأهديت لنا شاة، فأكلنا منها،
فدخل علينا النبيّ وَّر، فأخبرناه: فقال: صوما يوماً مكانه)) فأمر بالقضاء، والأمر للوجوب، فدل
على أن الشروع ملزم، وأن القضاء بالإفساد واجب، وروى الدارقطني عن أم سلمة: ((أنها

٤٦٩
كتاب: الإيمان
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ الزَّكَاةَ. فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطََّّعَ قَالَ: فَأَذْبَرَ الرَّجُلُ
صامت يوماً تطوعاً، فأفطرت، فأمرها النبيّ وَلّ أن تقضي يوماً مكانه)). وحديث النسائي لا يدل
على أنه وَلّ ترك القضاء بعد الإفطار، وإفطاره ربما كان عن عذر، وحديث جويرية إنما أمرها
بالإفطار عند تحقق واحد من الأعذار، كالضيافة، وكل ما جاء من أحاديث هذا الباب محمول
على مثل هذا، ولو وقع التعارض بين الأخبار فالترجيح معنا، لأن أحاديثنا مثبتة، وأحاديثهم
نافية، وأيضاً مذهبنا أحوط في العبادة)) اهـ.
ثم قال الحافظ تغذّفُ في الفتح: ((على أن في استدلال الحنفية بقوله: ((لا إلا أن تطوع))
نظراً؛ لأنهم لا يقولون بفرضية الإتمام بعد الشروع في التطوع، بل بوجوبه، والمنفى بقوله: ((لا))
الفرضية، واستثناء الواجب من الفرض منقطع، لتباينهما، وأيضاً فإن الاستثناء من النفي عندهم
لیس للإثبات، بل مسكوت عنه)) اهـ.
قال عليّ القاري تغذّثُهُ: قوله: ((واستثناء الواجب من الفرض منقطع: ممنوع، فإن الواجب
عندنا فرض عملي، وإن لم يكن اعتقادياً، وبهذا الاعتبار يطلق عليه أنه فرض، فالمراد بالفرض
المنفي في الحديث المعنى الأعم، والله أعلم. وقوله: ((على أن الاستثناء من النفي لا يفيد
الإثبات بل الحكم مسكوت عنه عندهم)) مدخول، فإن هذا إنما يرد عليهم لو استدلوا بهذا
الحديث، وقد تقدم أن دليلهم الآية والإجماع، فحملوا الحديث على المعنى المستفاد منهما، أو
المقصود بهذا إلزام المخالف فقط، إذ الاستثناء عنده يفيد الحكم في ما بعد ((إلا)) اهـ.
قلت: وهذا الأخير مبني على تسليم أن الاستثناء من النفي ليس بإثبات، كما هو رأي
طائفة من الحنفية رحمهم الله، وأما الجمهور - ومنهم طائفة من الحنفية كفخر الإسلام وموافقيه -:
فقد ذهبوا إلى الحكم في ما بعد ((إلا)) بالنقيض إثباتاً ونفياً، وهو الأوجه، صرح به الشيخ ابن
الهمام تَّثُ في تحرير الأصول، وأطال في بيان الأدلة عليه، ثم رأيت العلامة السندي تَذَتْهُ أنه
قال في حاشيته على صحيح مسلم: ((إن كون الاستثناء متصلاً في قوله: ((إلا أن تطوع)) لا يظهر
في الزكاة، إذ الصدقة قبل الإعطاء لا يجب، وبعده لا يوصف بالوجوب، ولا يقال: إنه صار
واجباً بالشروع، فلزم إتمامه، فالوجه أن الاستثناء منقطع، أي: لكن التطوع جائز وارد في
الشرع، ويمكن أن يقال: من باب نفي واجب آخر على معنى: ليس عليك واجب آخر إلا
التطوع، والتطوع ليس بواجب، فلا واجب غير المذكور، والله أعلم)).
قوله ◌َّر في الزكاة: (لا إلا أن تطوع) إلخ: استنبط منه الشارح تَُّ أن ليس في المال حقاً
سوى الزكاة على من ملك نصاباً .
قلت: هذا ينفي وجوب صدقة الفطر أيضاً، مع أن الشافعية رحمهم الله وغيرهم قائلون
بفرضيتها، والأحناف بوجوبها، فالمخلص لكافة العلماء من ظاهر الحديث في صدقة الفطر هو
المخلص للأحناف منه في الوتر، والله أعلم.

٤٧٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ، لاَ أَزِيدُ عَلَى هذَا وَلاَ أَنْقِصُ مِنْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: أَفْلَحَ إِنْ
صَدَقَ)).
١٠١ - (٩) حدّثني يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ
جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَهُ بِهِذَا الْحَدِيثِ،
نَحْوَ حَدِيثٍ مَالِكٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: ((أَفْلَحَ، وَأَبِيهِ، إِنْ صَدَقَ))، أَوْ:
((دَخْلَ الْجَنَّةَ، وَأَبِهِ، إِنْ صَدَقَ)).
قوله: (والله لا أزيد على هذا ولا أنقص) إلخ: قال الحافظ في الفتح: ((فإن قيل: كيف
أقره على حلفه وقد ورد النكير على من حلف أن لا يفعل خيراً؟ أجيب بأن ذلك مختلف
باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جار على الأصل بأنه لا إثم على غير تارك الفرائض. فهو
مفلح، وإن كان غيره أكثر فلاحاً منه)).
وقال الطيبي كَغَفُ: ((يحتمل أن يكون هذا الكلام صدر منه على طريق المبالغة في التصديق
والقبول، أي: قبلت كلامك قبولاً لا مزيد عليه من جهة السؤال، ولا نقصان فيه من طريق
القبول)).
وقال ابن المنير: ((يحتمل أن تكون الزيادة والنقص يتعلق بالإبلاغ، لأنه كان وافد قومه
ليتعلم ويعلمهم)) وقيل: مراده بقوله: ((لا أزيد ولا أنقص)) أي: لا أغير صفة الفرض، كمن
ينقص الظهر مثلاً ركعة، أو يزيد المغرب، وهذه الاحتمالات الثلاث لا يناسبها رواية
إسماعيل بن جعفر، فإن نصها («لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله عليّ شيئاً)).
قوله: (أفلح إن صدق) إلخ: أي: دخل في الفلاح، قالوا: ولا كلمة أجمع للخيرات منه،
ومن ثم فسر بأنه: بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذلّ، وعلم بلا جهل.
فإن قيل: كيف أثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر، مع أنه لم يذكر المنهيات، ولم يذكر الحج
وغيره؟ قلنا: إنه داخل في عموم قوله في حديث إسماعيل بن جعفر المروي عند البخاري كثّهُ في
الصيام بلفظ: ((فأخبره بشرائع الإسلام)). فإن قلت: أما فلاحه بأنه لا ينقص فواضح، وأما بأن
لا يزيد فكيف يصح؟ أجاب النووي كثّفُ بأنه أثبت له الفلاح، لأنه أتى بما عليه، وليس فيه أنه
إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مفلحاً، لأنه إذا أفلح فالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب
أولى.
قوله: (أفلح وأبيه إن صدق) إلخ: فإن قيل: ما الجامع بين هذا وبين النهي عن الحلف
بالآباء؟ أجيب بأن ذلك كان قبل النهي، أو بأنها كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف.
كما جرى على لسانهم: ((عقري)) ((حلقي) وما أشبه ذلك، أو فيه إضمار اسم الرب، كأنه قال:
ورب أبيه، وقيل: هو خاص بالنبيّ وَّرَ، ويحتاج إلى دليل، كذا قال الحافظ تَّتُهُ.

٤٧١
كتاب: الإيمان
(٣) - باب: السؤال عن أركان الإسلام
١٠٢ - (١٠) حدّثني عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم أَبُو
النَّضْرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ(١)؛ قَالَ: نُهِينَا أَنْ نَّسْأَلَ
رَسُولَ اللّهِ وَلَّهِ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، الْعَاقِلُ، فَيَسْأَلَهُ
قال الزرقاني كثُّ في شرح الموطأ: ((النهي عن الحلف بالآباء إنما هو لخوف تعظيم غير
الله، وهو ◌َّ لا يتوهم فيه ذلك))(١) اهـ.
(٣) - باب: السؤال عن أركان الإسلام
١٠ - (١٢) - قوله: (نهينا أن نسأل) إلخ: يعني سؤال ما لا ضرورة إليه، كما يقتضيه قول
الله عز وجل: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [سورة المائدة، آية: ١٠١]
وفي حديث جبريل فظلّ السابق ذكره ((سلوني)) أي: عما تحتاجون إليه)).
قوله: (الرجل من أهل البادية) إلخ: هم الأعراب الغالب فيهم الجهل والجفاء، ولهذا
جاء في الحديث: ((من بدا جفا)) والبادية والبدو بمعنى، وهو ما عدا الحاضرة والعمران، والنسبة
إليها بدويٌّ، زاد أبو عوانة في صحيحه بعد قوله: ((يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية)) إلخ:
((وكانوا أجرأ على ذلك منا)) يعني: أن الصحابة واقفون عند النهي، وأولئك يعذرون بالجهل.
قوله: (العاقل) إلخ: وتمنوه عاقلاً، ليكون عارفاً بما يسأل عنه ويجاب به.
(١) قوله: ((أنس بن مالك)): الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العلم، باب القراءة والعرض على
المحدث رقم (٦٣).
والنسائي في سننه في كتاب الصيام، باب وجوب الصيام رقم (٢٠٩٣). وأبو داود طرفاً منه في كتاب
الصلاة، باب ما جاء في المشرك يدخل المسجد، رقم (٤٨٦). والترمذي في أبواب الزكاة باب ما جاء إذا
أديت الزكاة فقد قضيت ما عليك رقم (٦١٩).
(٢) وقال فاضل الروم حسن جلبي في حاشية المطول: ((ويمكن أن يكون المراد بقوله: ((لعمري)) وأمثاله، ذكر
صورة القسم، لتأكيد مضمون الكلام وترويجه فقط؛ لأنه أقوى من سائر المؤكدات، وأسلم من التأكيد
بالقسم بالله تعالى، لوجوب البر به، وليس الغرض اليمين الشرعي وتشبيه غير الله تعالى به في التعظيم،
حتى يرد عليه أن الحلف بغير اسمع تعالى وصفاته عز وجل مكروه، كما صرح به النووي في شرح مسلم،
بل الظاهر من كلام مشايخنا أنه كفر إن كان بأعتقاد أنه حلف يجب البر به، وحرام إن كان بدونه، كما
صرح به بعض الفضلاء، وذكر صورة القسم على الوجه المذكور لا بأس به، ولذا شاع بين العلماء، كيف!
وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((قد أفلح وأبيه إن صدق)) وقال عز من قائل: ((لعمرك إنهم لفي سكرتهم
يعمهون)) فهذا جرى على رسم اللغة، وكذا إطلاق القسم على أمثاله)) اهـ. كذا في رد المختار. من المؤلف
رحمه الله.

٤٧٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَنَحْنُ نَسْمِعُ. ((فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ
تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: صَدَقَّ قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ
الأَرْضَ؟ قَالَ: اللَّهُ. قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هُذِهِ الْجِبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ. قَالَ: اللَّهُ قَالَ:
قوله: (فجاء رجل) إلخ: هو ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، والصواب أن قدومه
كان في سنة تسع، وبه جزم ابن إسحاق وأبو عبيدة وغيرهما، كذا في الفتح. وفي رواية
للبخاري تغذّفُهُ: ((بينما نحن جلوس مع النبيّ ◌َّ في المسجد دخل رجل على جمل، فأناخه في
المسجد، (أي على باب المسجد، كما في روية ابن عباس عند أحمد والحاكم)) ثم عقله، ثم
قال: أيُّكم محمد؟ - والنبيّ ◌َّ متكىء بن ظهرانيهم - فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكىء)).
قوله: (فقال: يا محمد) إلخ: وفي رواية للبخاري: ((فقال له الرجل: ((ابن عبد المطلب.
فقال له النبيّ وَّر: قد أجبتك، فقال الرجل للنبيّ وَلّ: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة.
فلا تجد علي في نفسك، فقال: سل عما بدا لك)).
قال الحافظ في شرح قول النبيّ وَله: («أجبتك)): ((قد قيل: إنما لم يقل: ((نعم)) لأنه لم
يخاطبه بما يليق بمنزلته من التعظيم، لا سيما مع قوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ
كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [سورة النور، آية: ٦٣]، والعذر عنه إن قلنا: إنه قدم مسلماً: أنه لم يبلغه
النهي. وكانت فيه بقية من جفاء الأعراب، وقد ظهرت بعد ذلك في قوله: ((فمشدد عليك في
المسألة)) وفي قوله في رواية ثابت: ((وزعم رسولك أنك تزعم)) ثم ظهر عقل ضمام في تقديمه
الاعتذار بين يدي مسألته، لظنه أنه لا يصل إلى مقصوده إلا بتلك المخاطبة، وسأله من خلق
السماء وبسط الأرض، وغير ذلك من المصنوعات، ثم أقسم عليه به أن يصدقه عما يسأل عنه،
وكرر القسم في كل مسألة تأكيدا وتقريراً للأمر، ثم صرح بالتصديق، فكل ذلك دليل على حسن
تصرفه وتمكن عقله، ولهذا قال عمر في رواية أبي هريرة: «ما رأيت أحداً أحسن مسألة ولا
أوجز من ضمام)).
قوله: (زعم رسولك) إلخ: قال العيني: ((الزعم: القول الذي لا يوثق به في أصل الوضع،
قاله ابن السكيت، واستعماله في القول المحقق مجاز يحتاج إلى قرينة)) اهـ. وقد أكثر سيبويه
- وهو إمام العربية - في كتابه الذي هو إمام كتب العربية من قوله: ((زعم الخليل)) ((زعم أبو
الخطاب)) يريد بذلك القول المحقق.
قوله: (فمن خلق السماء) إلخ: هذا من حسن سؤال هذا الرجل وملاحة سياقته وترتيبه،
فإنه سأل أولاً عن صانع المخلوقات، من هو؟ ثم أقسم عليه به أن يصدقه في كونه رسولاً
للصانع، ثم لما وقف على رسالته، وعلمها: أقسم عليه بحق مرسله، وهذا ترتيب يفتقر إلى عقل
رصين .

٤٧٣
كتاب: الإيمان
فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَخَلَقَ الأَرْضَ وَنَصَبَ هذِهِ الْجِبَالَ، اللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ:
وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا. قَالَ: صَدَقَ قَالَ: فَبِالَّذِي
أَرْسَلَكَ، اللَّهُ أَمَرَكَ بِهِذَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا. قَالَ:
صَدَقَ قَالَ: فِالَّذِي أَرْسَلَكَ، اللَّهُ أَمَرَكَ بِهِذَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا
صَوْمَ شَهْرٍ رَمَضَانَ فِي سَنَتِنَا. قَالَ: صَدَقَ قَالَ: فبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، اللَّهُ أَمَرَكَ بِهِذَا؟ قَالَ:
نَعَمْ قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً. قَالَ: صَدَقَ قَالَ: ثُمَّ
وَلّى. قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لاَ أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُنَّ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ:
قوله: (فبالذي خلق السماء) إلخ: قال عياض كثّفُهُ: ((لم يكن تحليفه اتهاماً، بل هو
تأکید».
قوله: (والذي بعثك بالحق) إلخ: وفي رواية للبخاري: ((فقال الرجل: آمنتُ بما جئتَ)).
واختلف العلماء هل كان ضمام مسلماً عند قدومه أم لا؟ فقال جماعة: إنه كان أسلم قبل
وفوده، حتى زعمت طائفة منهم أن البخاري فهم إسلام ضمام قبل قدومه، وأنه جاء يعرض على
النبيّ وَّر، ولهذا بوب عليه ((باب القراءة والعرض على المحدث)) ولقوله آخر الحديث: ((آمنت
بما جئت به، وأنا رسول مَن ورائي من قومي)) وأن هذا إخبار، وهو اختيار البخاري، ورجحه
القاضي عياض. وقال جماعة أخرى: لم يكن مسلماً وقت قدومه، وإنما كان إسلامه بعده، لأنه
جاء مستثبتاً، والدليل عليه ما في حديث ابن عباس رواه ابن إسحاق وغيره: ((أن بني سعد بن
بكر بعثوا ضمام بن ثعلبة)) الحديث، وفي آخره: ((حتى إذا فرغ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن
محمداً عبده ورسوله)) وأجابوا عن قوله: ((آمنت)) بأنه إنشاء وابتداء إيمان، لا إخبار بإيمان تقدم
منه، وكذلك قوله: ((وأنا رسول من ورائي))، ورجحه القرطبي بما في حديث ثابت عن أنس عند
مسلم وغيره: ((فإن رسولك زعم) قال: ((والزعم: القول الذي لا يوثق به)) وأجابوا أيضاً عن.
قولهم: إن البخاري فهم إسلام ضمام قبل قدومه بأنه لا يلزم من تبويب البخاري ما ذكروه، لأن
العرض على المحدث هو القراءة عليه أعم من أن يكون تقدمت له أو ابتدأ الآن على الشيخ
بقراءة شيء لم يتقدم قراءته ولا نظره، وقالوا: قد بوب أبو داود عليه ((باب المشرك يدخل
المسجد)) وهو أيضاً يدل على أنه لم يكن مسلماً قبل قدومه. كذا قال الشيخ بدر الدين العيني في
شرح البخاري.
وقال الحافظ في الفتح: ((أما تبويب أبي داود عليه ((باب المشرك يدخل المسجد) فليس
مصيراً منه إلى أن ضماماً قدم مشركاً، بل وجهه أنهم تركوا شخصاً قادماً يدخل المسجد من غير
استفصال، ومما يؤيد أن قوله: ((آمنت)) إخبار: أنه لم يسأل عن دليل التوحيد بل عن عموم
الرسالة، وعن شرائع الإسلام، ولو كان إنشاءً لكان طلب معجزة توجب له التصديق، قاله

٤٧٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ)).
١٠٣ - (١١) حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِم الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ
الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ؛ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُهِينًا فِي الْقُرْآنِ أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ عَنْ
شَيْءٍ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ.
(٤) - باب: بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة
وأن من تمسك بما أمر به دخل الجنة
١٠٤ - (١٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ
عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوَ أَيُّوبَ (١)؛ ((أَنَّ أَغْرَابِيًّا عَرَضَ
لِرَسُولِ اللهِ نَّهِ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ أَوْ بِزِمَامِهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْ
الكرماني كثّفُ وعكسه القرطبي تَُّ فاستدل به على صحة إيمان المقلد للرسول، ولو لم تظهر له
معجزة، وكذا أشار إليه ابن الصلاح، - والله أعلم - )) اهـ.
قوله: (لئن صدق ليدخلن الجنة) إلخ: ووقع في رواية أبي هريرة في آخر هذا الحديث
قوله: ((وأنا ضمام بن ثعلبة فأما هذه الهناة فوالله إن كنا لنتنزه عنها في الجاهلية - يعني الفواحش -
فلما أن ولى قال النبيّ وَلّر: (فقه الرجل)) وفي حديث ابن عباس رَظُه: ((وقد رجع ضمام إلى
قومه وحده، فصدقوه وآمنوا)) كذا في الفتح.
(٤) - باب: بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة
وأن من تمسك بما أمر به دخل الجنة
١٢ - (١٣) - قوله: (أن أعرابياً عرض) إلخ: وفي رواية للبخاري ومسلم: ((أن رجلاً قال
للنبيّ وَّر)) إلخ، فحكى ابن قتيبة أن هذا الرجل هو أبو أيوب الراوي نفسه، إلا أن رواية مسلم
هذه ترده، فأبو أيوب لا يقول عن نفسه: ((أن أعرابياً إلخ)) - والله أعلم - .
قوله: (بخطام ناقته) إلخ: أي: ناقة النبيّ وَّر، والخطام كل ما وضع في أنف البعير
لیقتاد به .
قوله: (أو بزمامها) إلخ: ((أو)) ههنا للشك في ألفاظ الرواية.
(١) قوله: ((أبو أيوب)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، رقم
(١٣٩٦). وفي كتاب الأدب باب فضل الرحم رقم (٥٩٨٢ و٥٩٨٣)، والنسائي في سننه في كتاب الصلاة
باب ثواب من أقام الصلاة، رقم (٤٦٩).

٤٧٥
كتاب: الإيمان
يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ. قَالَ: فَكَفَّ النَّبِيُّ وَ، ثُمَّ
نَظَرَ فِي أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ وُفِّقَ أَوْ لَقَدْ هُدِيَ قَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ فَأَعَادَ. فَقَالَ
النَّبِيُّ وَطِّ: تَعْبُدُ اللَّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ.
قوله: (ثم نظر في أصحابه) إلخ: أي: إلى أصحابه تعجباً مما وفق له.
قوله: (ثم قال: لقد وفق) إلخ: كأنه تعجب من حسن فطنته، والتهدي إلى موضع حاجته .
والتوفيق عند المتكلمين: خلق قدرة الطاعة، والخذلان: خلق قدرة المعصية.
قوله: (تعبد الله) إلخ: قيل: المراد بالعبادة التوحيد، للعطف، والأصل المغايرة، وهو
شامل للنبوة، لأنه لا يعتبر بدونها، فذكره مغن عن ذكرها، وقيل: السائل كان مؤمناً فذكره لشرفه
وكونه أصلاً، وقيل: إنه من باب عطف الخاص على العام.
قوله: (ولا تشرك به شيئاً) إلخ: أي: شيئاً من الأشياء، أو شيئاً من الشرك جلياً أو خفياً،
وهو يؤيد أن المراد بالعبادة التوحيد، وهذه الجملة تفيد التأكيد، وعلى الثاني قيل: إنما ذكره رداً
على الكفار حيث قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [سورة الزمر، آية: ٣] وبياناً لأن
العبادة لا تكمل إلا إذا سلمت من طرق الرياء، قال تعالى: ﴿فَنْ كَانَ يَرْحُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا
صَالِحًا وَلَا يُثْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِّ أَحَدًا﴾ [سورة الكهف، آية: ١١٠] قال العارفون: التعبد إما لنيل الثواب، أو
التخلص من العقاب، وهي أنزل الدرجات، وتسمى عبادة، أو للتشرف بخدمته تعالى والانتساب
إليه، وتسمى عبودية، وهي أرفع من الأولى، أو لوجهه تعالى وحده من غير ملاحظة شيء آخر،
وتسمى عبودة، وهي أعلى المقامات وأرفع الحالات.
قوله: (وتقيم الصلاة) إلخ: أي: بشرائطها وأركانها ومكملاتها ولواحقها المعلومة.
قوله: (وتصل الرحم) إلخ: أي: تواسي ذوي القرابة في الخيرات، قال النووي: ((معناه
أن تحسن إلى أقاربك ذوي رحمك، بما تيسر على حسب حالك وحالهم، من إنفاق أو سلام أو
زيادة أو طاعة أو غير ذلك)).
وخص هذه الخصلة من بين خلال الخير نظراً إلى حال السائل، كأنه كان لا يصل رحمه،
فأمره به، لأنه المهم بالنسبة إليه، ويؤخذ منه تخصيص بعض الأعمال بالحض عليها بحسب حال
المخاطب وافتقاره للتنبيه عليها أكثر مما سواها، إما لمشقتها عليها، وإما لتسهيله في أمرها. كذا
قال الحافظ في الفتح.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: الحقوق الشرعية التي في ذمة العبد نوعان: حقوق
الله تعالى، وحقوق العباد، ثم تنقسم الحقوق إلى بدنية ومالية، فكأن النبيّ وَ # أشار في جوابه
الوجيز البليغ بقوله: ((تقيم الصلاة)) إلى العبادات البدنية كلها لله تعالى، وبقوله: ((تؤدي الزكاة))

٤٧٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
دَعِ النَّاقَةَ)).
١٠٥ - (١٣) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ بِشْرٍ؛ قَالاَ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ؛ أَنَّهُمَا سَمِعًا
مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَِّيِّ وََّ، بِمِثْلٍ هُذَا الْحَدِيثِ.
١٠٦ - (١٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ. ح وَحَدَّثَنَا
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ
أَبِي أَيُّوبَ؛ قَالَ: ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وََّ، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُذْنِينِي مِنَ
الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلَاَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ،
وَتَصِلُ ذَا رَحِمِكَ فَلَمَّا أَدْبَرَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَثَ: إِنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ)). وَفِي
رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْئَةَ ((إِنْ تَمَسَّكَ بِهِ)).
١٠٧ - (١٥) وحدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ ((أَنَّ أَغْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهُ
إلى العبادات المالية كذلك، وبقوله: ((تصل الرحم)) إلى حقوق العباد التي لأهمهما وأكثرها تعلق
بذوي الأرحام والقرابات. والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (دع الناقة) إلخ: إنما قاله لأنه كان ماسكاً لخطامها، ليتمكن من سؤاله بلا مشقة،
فلما حصل جوابه قال: دعها .
١٣ - ( ... ) - قوله: (حدثنا محمد بن عثمان) إلخ: قال أبو عبد الله البخاري كَُّ في
صحيحه: ((أخشى أن يكون محمد غير محفوظ، إنما هو عمرو)) وجزم في التاريخ بذلك، وكذا
قال مسلم في شيوخ شعبة، والدارقطني في العلل، وآخرون: المحفوظ عمرو بن عثمان. وقال
النووي تقذفُهُ: ((اتفقوا أنه وهم من شعبة، وأن الصواب عمرو، - والله أعلم - )) كذا في الفتح.
١٤ - ( .... ) - قوله: (إن تمسك بما أمر به) إلخ: قال الأبي: ((يريد: وكف عما نهى
عنه، لأن دخولها موقوف على الأمرين، وقد لا يحتاج إلى هذا التقدير، لأن الأظهر في ((أن
تعبد الله)) أن المراد بالعبادة الطاعة)) (وهي لا تحصل إلا بمجموع الأمرين) ..
١٥ - (١٤) - قوله في رواية أبي هريرة: (أن أعرابياً جاء) إلخ: قال في الفتح: ((هو رجل
من قيس يقال له: ابن المنتفق، كما صرح به في رواية للطبراني والبغوي)) ... ((وزعم الصيرفي
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)): الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الزكاة باب وجوب الزكاة رقم
(١٣٩٧).

٤٧٧
كتاب : الإيمان
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ
شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ قَالَ: وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئاً أَبَداً، وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُ. فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: مَنْ
سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هُذَا)).
أن اسم ابن المنتفق هذا: لقيط بن صبرة، وافد بني المنتفق)) وقد وقع نحو هذا السؤال لصخر بن
القعقاع الباهلي أيضاً. كما في معجم الطبراني.
قوله: (وتصوم رمضان) إلخ: قال الحافظ: ((لم يذكر الحج لأنه كان حينئذ حاجاً، ولعله
ذكره له فاختصره)) .
قلت: العبادات البدنية إما أعمال وإما تروك، فكما أن في ذكر الصلاة إشارة إلى القسم
الأول منها، أي: التي هي أعمال، كذلك في ذكر الصوم إيماء إلى القسم الثاني منها، فإن معظم
أركانه تروك . - والله أعلم - .
قوله: (لا أزيد على هذا شيئاً) إلخ: أي من عندي، وقد سبق بيانه في حديث طلحة. قال
علي القاري كثُّهُ: قيل: هذا قبل مشروعية النوافل، ولا حاجة إلى هذا، فإنها مكملات
ومتممات للفرائض، لا زيادة عليها(١)، مع أنه قد يقال: مراده أنه لا يزيد على الأجناس
المذكورة، ولم يذكر الحج ههنا، ولا الصوم في رواية، ولا الزكاة في أخرى ولا الإيمان في
أخرى، وذكر في بعضها صلة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس، فأجاب ابن الصلاح كالقاضي
عياض: بأن سبب ذلك تفاوت الرواة حفظاً وإتقاناً)).
قوله: (فلينظر إلى هذا) إلخ: أي: هذا الرجل، لعزمه على فعل المأمورات وترك
المحظورات، فعلى من أراد اللحوق به في ذلك: أن يصمم على ما صمم عليه، ليكون من
الناجين، فيحتمل أن تكون الإشارة إلى الفرد الجنسي، يعني: فلينظر إلى مثل هذا الرجل
وجنسه، وهو ظاهر، أو إلى الفرد الشخصي، وهو الأظهر، ويكون العلم إما بالوحي، أو بغلبة
الظن، أو يقال: إن في الكلام حذفاً، تقديره: ((إن دام على فعل الذي أمر به)) كما مر في حديث
أبي أيوب: ((إن تمسك بما أمر به دخل الجنة)).
قال القرطبي: ((في هذا الحديث، وكذا حديث طلحة في قصة الأعرابي وغيرهما: دلالة
(١) ويمكن أن يقال: إن النبي ◌َّلو أراد بقوله: ((تعبد الله)) طاعته، سبحانه وتعالى في جميع أفعاله، وهو شامل
لجميع الخيرات من الأعمال والتجنب عن المعاصي، فكأن الأعرابي أقسم على نفسه أنه يطيع الله تعالى في
جميع أفعاله ولا يعصيه، وهذه منزلة عالية سنية، لا يوفق الله سبحانه وتعالى إلا لمن أراد أن يدخله الجنة،
فافهم. (رف).

٤٧٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٠٨ - (١٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ. وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ،
قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: ((أَتَى النَّبِيَّ ◌َّ
النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَةَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ،
وَأَحْلَلْتُ الْحَلاَلَ، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: نَعَمْ)).
١٠٩ - (١٧) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ
اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وأَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ؛
على جواز ترك التطوعات، لكن من داوم على ترك السنن كان نقصاً في دينه، فإن كان تركها
تهاوناً بها ورغبة عنها كان ذلك فسقاً - يعني لورود الوعيد عليه - حيث قال النبيّ وَّ: ((من رغب
عن سنتي فليس مني)) وقد كان صدر الصحابة ومن تبعهم يواظبون على السنن مواظبتهم على
الفرائض، ولا يفرقون بينهما في اغتنام ثوابها، وإنما احتاج الفقهاء إلى التفرقة لما يترتب عليه
من وجوب الإعادة وتركها، ووجوب العقاب على الترك ونفيه، ولعل أصحاب هذه القصص
كانوا حديثي عهد بالإسلام، فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك الحال، لئلا يثقل ذلك
عليهم فيملوا، حتى إذا انشرحت صدورهم للفهم عنه والحرص على تحصيل ثواب المندوبات
سهلت عليهم)) انتهى. وقد تقدم الكلام على شيء من هذا في شرح حديث طلحة.
١٦ - (١٥) - قوله في حديث جابر: (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) إلخ: اسم أبي بكر
عبد الله بن محمد بن إبراهيم، وإبراهيم هو أبو شيبة .
قوله: (عن الأعمش عن أبي سفيان) إلخ: الأعمش: سليمان بن مهران أبو محمد، وأبو
سفيان طلحة بن نافع.
قال الشارح كثّفُ: ((وقول الأعمش: عن أبي سفيان)) مع أن الأعمش مدلس، والمدلس إذا
قال: ((عن)) لا يحتج به إلا أن يثبت سماعه من جهة أخرى، وقد قدمنا في الفصول، وفي شرح
المقدمة: أن ما كان في الصحيحين عن المدلسين بـ ((عن)): فمحمول على ثبوت سماعهم من
جهة أخرى . - والله أعلم - )).
قوله: (النعمان بن قوقل) إلخ: بقافين مفتوحتين، بينهما واو ساكنة، وآخره لام.
قوله: (وحرمت الحرام) إلخ: قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح: ((الظاهر أنه أراد به
أمرين، أن يعتقده حراماً وأن لا يفعله، بخلاف تحليل الحلال فإنه يكفي فيه مجرد اعتقاده
حلالاً)) .
قال القاضي عياض: ((الحديث يشمل جميع وظائف الإيمان والسنن)). قال الإمام أبو
عبد الله الأبي المالكي في شرح مسلم: ((يريد لأنه كناية عن الوقوف عند حدود الشرع)) اهـ.

٤٧٩
كتاب : الإيمان
قَالَ: قَالَ النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ: يَا رَسُولَ اللهِ ... بِمِثْلِهِ. وَزَادَا فِيهِ: وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ
شَيْئاً .
١١٠ - (١٨) وحدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَغْينَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ (وَهُوَ
ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ؛ ((أنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا
صَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلاَلَ وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَلَمْ
أَزِدْ عَلَى ذُلِكَ شَيْئاً. أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَاللَّهِ، لاَ أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئاً.
(٥) - باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام
١١١ - (١٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ (يَعْنِي
سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ الأَحْمَرَ) عَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنٍ
عُمَرَ (١)، عَنِ النَّبِّوَِّ قَالَ:
١٧ - ( ... ) - قوله: (ولم أزد) إلخ: يحتمل أنه اكتفى منه بذلك لقرب عهده بالإسلام،
حتى يأنس ويحرص على الخير، وتسهل عليه الفرائض، ويحتمل أنه قال ذلك لأنه لم يتفرغ
للنوافل، لشغله بالجهاد أو غيره من أعمال البر، كذا في إكمال إكمال المعلم.
١٨ - ( ... ) - قوله: (الحسن بن أعين)(٢) إلخ: والأعين في اللغة: من في عينيه سعة.
قوله: (معقل) إلخ: بفتح الميم، وإسكان العين المهملة، وكسر القاف.
(٥) - باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام
قوله: (الهمداني) إلخ: بإسكان الميم والدال المهملة.
قوله: (سليمان بن حيان) إلخ: بالياء المثناة.
قوله: (أبي مالك الأشجعي) إلخ: هو سعد بن طارق، المسمى في الرواية الثانية، وأبوه
صحابي .
(١) قوله: ((عن ابن عمر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان، باب دعاؤكم إيمانكم، رقم
(٨) وفي كتاب التفسير باب وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على
الظالمين، رقم (٤٥١٤) والنسائي في سننه، في كتاب الإيمان وشرائعه، باب على كم بني الإسلام، رقم
(٥٠٠٤) والترمذي في جامعه، في كتاب الإيمان، باب ما جاء بني الإسلام على خمس رقم (٢٦٠٩).
(٢) هو الحسن بن محمد بن أعين الحراني، وقد ينسب إلى جده، أخرجه له البخاري ومسلم في صحيحهما،
والنسائي في سننه، كما في التقريب (١/ ١٧٠ رقم ٣١٣) و((الأعين)) بمفتوحة فمهملة فياء مفتوحة فنون.
انظر المغني ص ٢٤.

٤٨٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(بُنِي الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسَةٍ، عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ،
قوله: (بني الإسلام) إلخ: هو اسم للشريعة دون الإيمان، وقد يطلق على الإذعان بالقلب،
والاستسلام بجميع القوى والجوارح في جميع الأحوال، وهو الذي أمر به إبراهيم ظّلا حيث
قال له: ﴿أَسْلَمَ﴾ [سورة البقرة، آية: ١٣١] وهذا أخص من الأول، والمراد به الإسلام الكامل، لأن
حقيقته مبنية على الشهادتين فقط. وإنما اقتصر على بيان أركانه مع إيماء إلى بقية شعب إيمانه.
كذا في المرقاة.
قوله: (على خمس) إلخ: شبهت حالة الإسلام مع أركانه الخمس على وجه الدوام بحال
خباء أقيم على خمسة أعمدة، وقطبها الذي تدور عليه الأركان هي الشهادة الناشئة عن صميم
القلب، الشاهد عليه لفظ الشهادة، المشبهة بالعمود الوسط للخيمة، وبقية شعب الإيمان بمنزلة
الأوتاد للخباء.
قال الحسن رضيالله في مجمع شهود جنازة للفرزدق: ما أعددت لهذا المقام؟ فقال: شهادة
أن ((لا إله إلا الله)) منذ كذا سنة، فقال الحسن: هذا العمود، فأين الأطناب؟ وهو تمثيل؛ شبه
الإسلام بخيمة عمودها: كلمة التوحيد، والأطناب: الأعمال الصالحة، كذا في المرقاة.
قيل: فما وجه حصر الإسلام في هذه الخمسة؟
وأجيب بأن العبادة إما قولية، وهي الشهادة، أو غير قولية، فهي إما تَرْكي، وهو الصوم،
أو فعلي، وهو إما بدني، وهو الصلاة، أو مالي وهو الزكاة، أو مركب منهما، وهو الحج. كذا
قال العيني تَّهُ .
قوله: (على أن يوحد الله) إلخ: هو بضم الياء المثناة من تحت، وفتح الحاء، مبني لما لم
يسم فاعله، من التوحيد، وهو رأس الطاعات، ولب الاعتقادات، وأم العبادات، ورأس
القربات. والملل معظمها وإن اتفقت على إقرار نوع من التوحيد، إلا أن التوحيد الصحيح
الخالص العام التام المشتمل على توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية وتوحيد الصفات لا يوجد في
شيء من المذاهب غير الإسلام، فالدين عند الله الإسلام ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَِمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ
٨٥﴾ [سورة آل عمران، آية: ٨٥].
وَهُوَ فِ اُلَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ (
برهان التمانع:
والدليل العقلي على إثبات التوحيد هو برهان التمانع المصرح في القرآن. قال الفاضل
الكلنبوي: ((إن للتمانع عندهم معنيين:
أحدهما: إرادة أحد القادرين وجود المقدور، والآخر عدمه، وهو المراد بالتمانع في
البرهان المشهور ببرهان التمانع.
وثانيهما : إرادة كل منهما إيجاده بالاستقلال من غير مدخلية قدرة الآخر فيه، وهو التمانع