Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ مقدمة المؤلف .. الواسطة، وإنما يفارق حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمعه فقط. وهو الموهن لأمره، فوجب كون التدليس متضمناً للإرسال، والإرسال لا يتضمن التدليس؛ لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمع منه، ولهذا لم يذم العلماء من أرسل - يعني لظهور السقط - وذموا من دلس)) (فتح المغيث ص: ٧٤). فالحاصل: أن كل ما فيه إيهام هو بالحقيقة تدليس مذموم قبيح، سواء سميتموه تدليساً أو إرسالاً خفيفاً، بل يظهر من كلام ابن عبد البر أن هذا القسم الذي يسمونه إرسالاً خفيفاً أقبح وأسمج من الذي يسمونه التدليس، لما فيه من إيهام اللقاء والسماع معاً، بخلاف الإرسال الجلي، فإنه لا يذم لعدم الالتباس فيه. وإذا عرفت هذا: فما اعترض به مسلم بن الحجاج على البخاري رحمهما الله في اشتراطه: اللقاء والسماع، لقبول المعنعن، وعدم اكتفائه بالمعاصرة، مع إمكان اللقاء والسماع: قوي عندي؛ فإن ثبوت اللقاء والسماع مرة لا يستلزم سماع كل خبر، وكل حديث، حتى يصرح بالسماع، فيلزم على أصله أن لا يقبل الإسناد المعنعن أبداً . فإن قلتم: إن هذا هو احتمال التدليس، والمسألة مفروضة في غير المدلس. قلنا: فهذا الجواب بعينه يكفي لدفع احتمال الإرسال في صورة المعاصرة، مع إمكان اللقاء والسماع؛ فإنه أيضاً تدليس حقيقة، كما قررنا، ولعل مسلماً يسميه تدليساً، وإن سماه بعضهم إرسالاً خفياً، بل هو أشد وأشنع من التدليس، كما قال ابن عبد البر، والنزاع إنما كان في غير المدلس، فمحض الاصطلاح من البعض على التسمية لا يتغير به أحكام القبول والرد، ولا يتبدل به الحقيقة. وأما ما قال الحافظ من: أن اعتبار اللقي في التدليس دون المعاصرة وحدها: يدل عليه إطباق أهل العلم بالحديث، على أن رواية المخضرمين كأبي عثمان النهدي، وقيس بن حازم، عن النبيّ ◌َ﴿ من قبيل الإرسال، لا من قبيل التدليس، ولو كان مجرد المعاصرة يكتفى به في التدليس لكان هؤلاء مدلسين، لأنهم عاصروا النبيّ وَّ، ولكن لم يعرف هل لقوه أم لا. فقد ناقش فيه علي القاري بأن المخضرمين إنما لم يعدوا إرسالهم من قبيل التدليس لأنه من قبيل الإرسال الجلي، وذلك لأن المخضرم من عرف عدم لقائه النبيّ وَّر، لا من لم يعرف أنه لقيه، وبينهما فرق. وبهذا يظهر الجواب عما قال أبو حاتم في ترجمة أبي قلابة الجرمي: «إنه روى عن جماعة لم يسمع منهم، لكنه عاصرهم، كأبي زيد عمرو بن أخطب)). وقال مع ذلك: ((إنه لا يعرف له تدليس)) قال الحافظ في ترجمة أبي قلابة من تهذيبه: ((إن هذا مما قوى من ذهب إلى اشتراط ٤٠٢ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم اللقاء، غير مكتف بالمعاصرة)) اهـ، فإن هذه صورة المعاصرة مع ثبوت عدم السماع، ويحتمل أن تكون روايته عنهم بصيغة غير موهمة للسماع، وكلام مسلم في الاكتفاء بالمعاصرة مع احتمال اللقاء والسماع في الإسناد المعنعن، والفرق بين عدم الثبوت وثبوت العدم ظاهر. قال في فتح المغيث: ((وما خدشه به مسلم من وجود أحاديث اتفق الأئمة على صحتها، مع أنها ما رويت إلا معنعنة، ولم يأت في خبر قط أن بعض رواتها لقي شيخه: فغير لازم، إذ لا يلزم من نفي ذلك عنده نفيه في نفس الأمر)) اهـ. قلت: نعم، لا يلزم من نفي الثبوت عنده نفيه في نفس الأمر، إلا أن ادعاء إمام حجة مطلع مثل الإمام مسلم نفيه بالاستقراء التام لا يقاوم بهذا الإمكان العقلي المحض، بل اللازم لمخالفه أن يبرهن على إثبات ما نفاه، حتى يظهر خطأه وقصور استقرائه، وإلا فالاحتمالات العقلية المحضة لا تؤثر في إبطال ما ادعاه، كما لا يؤثر مثل هذا الاحتمال بعينه في إبطال حجية خبر الواحد بعد ثبوت صحته على شريطتهم. وادعى مسلم إجماع العلماء قديماً وحديثاً على أن الحديث المعنعن محمول على الاتصال والسماع إذا أمكن لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضاً - يعني مع براءتهم من التدليس - ونقل مسلم عن بعض أهل عصره (لعله البخاري) أنه قال: ((لا تقوم الحجة بها، ولا يحمل على الاتصال، حتى يثبت أنهما التقيا في عمرهما مرة فأكثر، ولا يكفي إمكان تلاقيهما)) قال مسلم: «وهذا قول ساقط، مخترع، مستحدث، لم يسبق قائله إليه، ولا مساعد له من أهل العلم عليه، وإن القول به بدعة باطلة، توجب إطراح ذخيرة من ذخائر الأحاديث)). وأطنب مسلم في الشناعة على قائله، فادعاء الإجماع على خلاف ما نقل هو الإجماع عليه مع ذلك التحدي البليغ لا يسمع إلا ممن هو في درجته أو فوقه. وأما قول النووي فيما إذا أمكن التلاقي ولم يثبت: ((إنه لا يغلب على الظن الاتصال)) و((إذا ثبت التلاقي مرة غلب على الظن)): فمدفوع بحصول غلبة الظن لغيره من أمثال مسلم بن الحجاج وجماهير أهل العلم رحمهم الله. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب . . تنبيه: قد سأل السبكي المزي: هل وجد لكل ما روياه بالعنعنة طرق مصرح فيها بالتحديث؟ فقال: كثير من ذلك لم يوجد، وما يسعنا إلا تحسين الظن. اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وبك المستغاث، وأنت المستعان، وعليك المتكل، ولا حول ولا قوة إلا بك، فأيدنا برحمة تصلح بها ظاهرنا، وباطننا، ودنيانا، وآخرتنا، وتعصمنا بها من كل سوء. يا أرحم الراحمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً . ٤٠٣ كتاب: الإيمان بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَّةِ ١ - كتاب: الإيمان . كتاب الإيمان قال الشارح محي الدين النووي تغلّفُهُ: ((أهم ما يذكر في الباب: اختلاف العلماء في الإيمان والإسلام، وعمومهما، وخصوصهما، وأن الإيمان يزيد وينقص أم لا؟ وأن الأعمال من الإيمان أم لا؟ وقد أكثر العلماء رحمهم الله تعالى من المتقدمين والمتأخرين القول في كل ما ذكرناه، وأنا أقتصر على نقل أطراف من متفرقات كلامهم، يحصل منها مقصود ما ذكرته، مع زيادات كثيرة)) اهـ. ثم ساق عباراتهم التي لا تفي بغرضنا، ولا تحيط بمقاصدنا على الوجه الذي أردنا تنقيح هذه المسائل وتحقيقها، فإن القوم وإن أطالوا النزاع فيها، وجعلوها معارك الآراء فيما بين أهل السنة والجماعة، لكن النزاع عند المنصف المتفحص بعد الإمعان قليل، بل ليس إلا شبيهاً بالنزاع اللفظي، ولذا أعرضنا عن النقول المتنوعة التي توجب الانتشار، وتوهم الاختلاف الحقيقي بينهم. ولم نعمل على شاكلة أكثر المصنفين في نقل كل غث وسمين، والركوب على كل صعب وذلول. بل تعين المصير عندنا إلى كلام من بلغ من التحقيق، والتفصيل، والتفهيم، واستيعاب المباحث، واستيفاء الشقوق، واستقصاء الأدلة في هذا الباب: غايته القصوى، وذروته العليا، وهو الإمام حجة الإسلام أبو حامد محمد الغزالي الشافعي، مع زيادات مفيدة من سائر علماء هذا الشأن. الإسلام هو الإيمان أو غيره: قال الغزالي: «المسألة الأولى: اختلفوا في أن الإسلام هو الإيمان أو غيره؟ وإن كان غيره، فهل هو منفصل عنه يوجد دونه، أو مرتبط به يلازمه؟ فقيل: إنهما شيء واحد، وقيل: إنهما شيئان لا يتواصلان، وقيل: إنهما شيئان، ولكن يرتبط أحدهما بالآخر، وقد أورد أبو طالب المكي في هذا كلاماً شديد الاضطراب، كثير التطويل، فلنهجم الآن على التصريح بالحق، من غير تصريح على نقل ما لا تحصيل له، فنقول: في هذا ثلاثة مباحث، بحث عن ٤٠٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم موجب اللفظين في اللغة، وبحث عن المراد بهما في إطلاق الشرع، وبحث عن حكمهما في الدنيا والآخرة، والبحث الأول لغوي، والثاني تفسيري، والثالث فقهي شرعي)) اهـ. البحث الأول في موجب اللغة: قال الزمخشري: ((الإيمان ((إفعال)) من ((الأمن)) يقال: آمنته، وآمنته غيري، ثم يقال: آمنه إذا صدقه، وحقيقته آمنه التكذيب والمخالفة. وأما تعديته بالباء فلتضمينه معنى ((أقر)) و((اعترف)) (وتعديته باللام كما في قوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [سورة الشعراء، آية: ١١١]. فلتضمينه معنى الإذعان والانقياد.) وأما ما حكى أبو زيد عن العرب: ((ما آمنت أن أجد صحابة)) أي: ما وثقت، فحقيقته: صرت ذا أمن به، أي: ذا سكون وطمأنينة. وقال بعض شراح كلامه: وحقيقة قولهم: ((آمنت)) صرت ذا أمن وسكون، ثم ينقل إلى الوثوق، ثم إلى التصديق، ولا خفاء أن اللفظ مجاز بالنسبة إلى هذين المعنيين؛ لأن من آمنه التكذيب فقد صدقه، ومن كان ذا أمن فهو في وثوق وطمأنينة، فهو انتقال من الملزوم إلى اللازم)). قال الغزالي: ((والحق فيه أن الإيمان عبارة عن التصديق، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [سورة يوسف، آية: ١٧] أي بمصدق، والإسلام عبارة عن التسليم والاستسلام بالإذعان والانقياد، وترك التمرد والإباء والعناد، وللتصديق محل خاص، وهو القلب، واللسان ترجمانه، وأما التسليم: فإنه عام في القلب واللسان والجوارح، فإن كل تصديق بالقلب فهو تسليم، وترك الإباء والجحود، وكذلك الاعتراف باللسان، وكذلك الطاعة والانقياد بالجوارح، فموجب اللغة أن الإسلام أعم والإيمان أخص، فكان الإيمان عبارة عن أشرف أجزاء الإسلام، فإذاً كل تصديق تسليم، وليس كل تسليم تصديقاً)) اهـ. قال العلامة السيد مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء: ((قال الإمام السبكي: اشتهر المغايرة بالعموم والخصوص المطلق، فكل إيمان إسلام، ولا ينعكس، ثم اختار أن الظاهر تساويهما أو تلازمهما، بمعنى أن الإسلام موضوع للانقياد الظاهر مشروطاً فيه الإيمان، والإيمان موضوع للتصديق الباطن مشروطاً فيه القول عند الإمكان، فثبت تلازمهما وتغايرهما، ولا يقال: كل إيمان إسلام، ولا كل إسلام إيمان، ولا ينافي أن يكون المتباينان متلازمين، لأن معنى التباين أن لا يصدقا على ذات واحدة، وإن تلازما في الوجود، هذا في الإسلام المعتد به. وقول من قال: كل إيمان إسلام ولا عكس، أطلق الإسلام على ما يعتد به وعلى ما لا يعتد به، ثم فيه مع ذلك تجوز، وتحرير العبارة أن يقال: كل إيمان يلزمه الإسلام، ولا ينعكس، وأما قول من قال: كل مؤمن مسلم ولا ينعكس، فإن جعلت الإيمان لا يحصل مسماه إلا بشرط اللفظ، فيصح، وإن جعلته يحصل مسماه لكن لا يعتد به شرعاً إلا بالتلفظ لا يصح)) اهـ. ٤٠٥ كتاب: الإيمان وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في الفتح: ((والذي يظهر من مجموع الأدلة أن لكل منهما حقيقة شرعية، كما أن لكل منهما حقيقة لغوية، لكن كل منهما مستلزم للآخر بمعنى التكميل له، فكما أن العامل لا يكون مسلماً كاملاً إلا إذا اعتقد، فكذلك المعتقد لا يكون مؤمناً كاملاً إلا إذا عمل. وحيث يطلق الإيمان في موضع الإسلام أو العكس، أو يطلق أحدهما على إرادتهما معاً فهو على سبيل المجاز، ويتبين المراد بالسياق، فإذا وردا معاً في مقام السؤال حملا على الحقيقة، وإن لم يردا معاً، أو لم يكن في مقام السؤال أمكن الحمل على الحقيقة أو المجاز بحسب ما يظهر من القرائن)) اهـ. وكأن مرجع هذين القولين الأخيرين إلى ما هو موجب لفظي الإيمان والإسلام في إطلاق الشرع، وهو البحث الثاني من المباحث الثلاثة المشار إليها في صدر كلام الإمام أبي حامد الغزالي كثّفُهُ . قال العلامة الآلوسي: ((والإيمان في اللغة التصديق، أي: إذعان حكم المخبر وقبوله وجعله صادقاً، وهو إفعال من الأمن كما تقدم. وأما في الشرع فهو: التصديق بما علم مجيء النبيّ وَّ به ضرورة، تفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالاً فيما علم إجمالاً، وهذا مذهب جمهور المحققين)) اهـ. والمراد حصول العلم الضروري بثبوته عن النبيّ وَّة، لا كون الثابت ضرورياً، وهذا العلم إنما يحصل بالتواتر، وقد تقدم أقسام التواتر في مقدمة هذا الشرح، إلا أن ابن رشد منع كون التوارث في العمل مفيداً للتواتر. فليتنبه له . قال الغزالي: البحث الثاني عن إطلاق الشرع، والحق فيه أن الشرع قد ورد باستعمالهما على سبيل الترادف والتوارد، وورد على سبيل الاختلاف، وورد على سبيل التداخل. ◌َا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيّرَ بَيْتٍ مِّنَ ٣٥ أما الترادف ففي قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اُلْمُسْلِمِينَ [سورة الذاريات، الآيتان: ٣٥ -٣٦] ولم يكن بالاتفاق إلا بيت واحد. وقال تعالى: (٣٦) ٠ ﴿وَقَوْمِ إِن كُمْ ءَامَنتُم بِلَلَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَُّوَاْ إِن كُم ◌ُسْلِمِينَ﴾ [سورة يونس، آية: ٨٤]. وقال ◌َّ: (بني الإسلام على خمس)) وفسر رسول الله ◌َو الإيمان بهذه الخمس في حديث وفد عبد القيس. (قلت: هذا محتمل، ليس متعيناً في حديث وفد عبد القيس، كما سيأتي إن شاء الله تعالى). وأما الاختلاف فقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّاً قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اَلْإِيَمَنُ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ [سورة الحجرات، آية: ١٤] فنفى الإيمان عن قلوبكم، وهو التصديق والطمأنينة، أو استحكام التصديق ورسوخه، وأثبت الإسلام أي: الاستسلام ظاهراً باللسان والجوارح، وهذا كما في الحديث المرفوع عند أحمد: ((الإسلام علانية، والإيمان في القلب)) ذكره ابن كثير في ٤٠٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم تفسيره، وفيه علي بن مسعدة، وثقه قوم وضعفه آخرون، وفي حديث جبريلعلِّلا لما سأله عن الإيمان، فقال: ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، فقال: فما الإسلام)»؟ فأجاب بذكر الخصال الخمس، فعبر بالإسلام عن تسليم الظاهر بالقول والعمل، وفي الحديث عن سعد أنه و لو أعطى رجلاً عطاء، ولم يعط الآخر، فقال له سعد: يا رسول الله تركت فلاناً لم تعطه وهو مؤمن، فقال ◌َله: أو مسلم، فأعاد عليه، فأعاد رسول الله لهم. وأما التداخل فما روي أيضاً أنه مثل فقيل: أيُّ الأعمال أفضل؟ فقال وَّه: إيمان بالله. (هذا في الصحيح) وقيل: أي الإسلام أفضل؟ فقال ◌َلّى: الإيمان، أخرجه أحمد، والطبراني من حديث عمرو بن عبسة، قال العراقي: ((إسناده صحيح لكنه منقطع)) وهذا دليل على الاختلاف والتداخل، وهو أوفق الاستعمالات في اللغة؛ لأن الإيمان عمل من الأعمال، وهو أفضلها، والإسلام هو تسليم إما بالقلب وإما باللسان، وإما بالجوارح، وأفضلها الذي بالقلب، وهو التصديق الذي يسمى إيماناً، والاستعمال لهما على سبيل الاختلاف، وعلى سبيل التداخل، وعلى سبيل الترادف كله: غير خارج عن طريق التجوز في اللغة)) اهـ بتغيير يسير. وقال الحافظ ابن رجب: ((إذا أفرد كل من الإيمان والإسلام بالذكر، فلا فرق بينهما حينئذٍ، وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق، والتحقيق في الفرق بينهما: أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته، والإسلام هو الاستسلام لله، والخضوع والانقياد له، وذلك يكون بالعمل، وهو الدين، كما سمى الله تعالى في كتابه الإسلام: ديناً (١). وفي حديث جبريل سمى النبيّ ◌َلّ الإسلام والإيمان والإحسان: ديناً، فالإيمان والإسلام كاسم الفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، وإذا قرن بينهما احتاج كل واحد منهما إلى تعريف يخصه، فإذا قرن بين الإيمان والإسلام فالمراد بالإيمان جنس تصديق القلب، والإسلام جنس العمل)) اهـ. قلت: وحينئذٍ فالإيمان كالروح، والإسلام بدنه، أو الإيمان هي الحقيقة، والإسلام صورتها، أو الإيمان هو الأصل والإسلام فرعه . الحكم الشرعي للإيمان والإسلام: البحث الثالث عن الحكم الشرعي، وللإسلام والإيمان حكمان: أخروي ودنيوي، أما الأخروي فهو الإخراج من النار، ومنع التخليد، إذ قال رسول الله وَله: ((يخرج من الناس من (١) قال الله تعالى: ((ورضيت لكم الإسلام ديناً)). ٤٠٧ كتاب: الإيمان كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) وقد اختلفوا في أن هذا الحكم على ماذا يترتب؟ وعبروا عنه بأن الإيمان ماذا هو؟ . فمن قائل: إنه مجرد العقد، ومن قائل يقول: إنه عقد بالقلب وشهادة باللسان، ومن قائل يزيد ثالثاً، وهو العمل بالأركان، ونحن نكشف الغطاء عنه ونقول: من جمع بين هذه الثلاثة فلا خلاف في أن مستقره الجنة، وهذه درجة. والدرجة الثانية: أن يوجد اثنان وبعض الثالث، وهو القول والعقد وبعض الأعمال، ولكن ارتكب صاحبه كبيرة أو بعض الكبائر، فعند هذا قالت المعتزلة: خرج بهذا عن الإيمان، ولم يدخل في الكفر، بل اسمه فاسق، وهو على منزلة بين المنزلتين، وهو مخلد في النار، وقالت الخوارج: إنه خرج من الإيمان، ودخل في الكفر، فصار مخلداً في النار كسائر الكفار. قال الحافظ ابن تيمية: ((مما ينبغي أن يعرف أن القول الذي لم يوافق الخوارج والمعتزلة عليه أحد من أهل السنة هو القول بتخليد أهل الكبائر في النار، فإن هذا القول من البدع المشهورة، وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، واتفقوا أيضاً على أن نبينا وَ له يشفع فيمن يأذن الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته، كما يأتي في ذكر الشفاعة إن شاء الله تعالى. ومن بدع الخوارج الخارجة تكفيرهم للمسلم بالذنب، وسلب المعتزلة له اسم الإيمان، فهو عندهم ليس بمسلم ولا كافر، كما تقدم، وكل هذه بدع قبيحة مخالفة للصحابة والتابعين ولأئمة السلف من أهل السنة والجماعة. والحق ما عند أهل الحق أنه مؤمن ناقص الإيمان، فهو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق من الإيمان، ولا يسلب مطلق الاسم)). الدرجة الثالثة: أن يوجد التصديق بالقلب، والشهادة باللسان، دون الأعمال بالجوارح. العمل جزء من الإيمان أم لا: وقد اختلفوا في حكمه، فقال أبو طالب المكي: ((العمل بالجوارح من الإيمان، ولا يتم دونه)) وادعى الإجماع فيه، واستدل بأدلة تشعر بنقيض غرضه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الْضَلِحَتِ﴾ [سورة البقرة، آية: ٢٧٧] إذ هذا يدلّ على أن العمل وراء الإيمان، لا من نفس الإيمان، وإلا فيكون العمل في حكم المعاد، والعجب أنه ادعى الإجماع في هذا، وهو مع ذلك ينقل قوله وَي: ((لا يكفر أحد إلا بعد جحود ما أقر به)) وينكر على المعتزلة قولهم بالتخليد في النار بسبب الكبائر، والقائل بهذا قائل بنفس مذهب المعتزلة، إذ يقال له: من صدق بقلبه وشهد بلسانه ومات في الحال، فهل هو في الجنة؟ فلا بد أن يقول: نعم، وفيه حكم يوجد الإيمان دون العمل فنزيد ونقول: لو بقي حياً حتى دخل عليه وقت صلاة واحدة، فتركها، ثم مات، أو ٤٠٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم زنى، ثم مات، فهل يخلد في النار؟ فإن قال: نعم فهو مراد المعتزلة، وإن قال: لا، بل يدخل الجنة أولاً أو ثانياً، كما في حديث أبي ذر: ((وإن زنى وإن سرق)) مع أن النبيّ ◌َّ أخبر في الأحاديث الصحيحة بأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وإلا نفس مسلمة، فهو تصريح بأن العمل ليس ركناً من نفس الإيمان، ولا شرطاً في وجوده، ولا في استحقاق الجنة به، وإن قال: أردت به أن يعيش مدة طويلة، ولا يصلي ولا يقدم على شيء من الأعمال الشرعية، فنقول: فما ضبط تلك المدة؟ وما عدد تلك الطاعة التي بتركها يبطل الإيمان؟ وما عدد الكبائر التي بارتكابها يبطل الإيمان؟ وهذا لا يمكن التحكم بتقديره، ولم يصر إليه صائر أصلاً. واستدل العلامة العيني على عدم دخول الأعمال في نفس الإيمان بأمور: منها: أن الخطاب الذي توجه علينا بلفظ ((آمنوا بالله)) إنما هو بلسان العرب، ولم تكن العرب تعرف من لفظ الإيمان فيه إلا التصديق، والنقل عن التصديق لم يثبت فيه؛ إذ لو ثبت لنقل إلينا تواتراً، واشتهر المعنى المنقول إليه؛ لتوفر الدواعي على نقله، ومعرفة ذلك المعنى؛ لأنه من أكثر الألفاظ دوراً على ألسنة المسلمين، فلما لم ينقل كذلك عرفنا أنه باق على معنى التصديق. الثاني: الآيات الدالة على أن محل الإيمان هو القلب، مثل قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [سورة المجادلة، آية: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿مِنَ اُلَّذِينَ قَالُوَاْ ءَامَنًا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَوْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [سورة المائدة، آية: ٤١]، ويؤيده قوله وَّر لأسامة حين قتل من قال: ((لا إله إلا الله)) واعتذر بأنه لم يقله عن اعتقاد، بل عن خوف القتل: ((هلا شققت عن قلبه)). فإن قلت: لا يلزم من كون محل الإيمان هو القلب كون الإيمان عبارة عن التصديق، لجواز كونه عبارة عن المعرفة، كما ذهب إليه جهم بن صفوان. قلت: لا سبيل إلى كونه عبارة عن المعرفة لوجهين: الأول: أن لفظ الإيمان في خطاب: ((آمنوا بالله)) مستعمل في لسان العرب في التصديق، وإنه غير منقول عنه إلى معنى آخر، فلو كان عبارة عن المعرفة للزم صرفه عما يفهم منه عند العرب إلى غيره، من غير قرينة، وذلك باطل، وإلا لجاز مثله في سائر الألفاظ، وفيه إبطال اللغات، ولزوم تطرق الخلل إلى الدلائل السمعية، وارتفاع الوثوق عليها، وهذا خلف. الثاني: أن أهل الكتاب وفرعون كانوا عارفين بنبوة محمد وموسى عليهما السلام، ولم يكونوا مؤمنين لعدم التصديق، فتعين كونه عبارة عن التصديق، إذ لا قائل بثالث. الوجه الثالث: أن الكفر ضد الإيمان، ولهذا استعمل في مقابلته، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاَللَّهِ﴾ [سورة البقرة، آية: ٢٥٦] والكفر هو التكذيب والجحود، وهما يكونان ٤٠٩ كتاب: الإيمان بالقلب، فكذا ما يضادهما، إذ لا تضاد عند تغاير المحلين، فثبت أن الإيمان فعل القلب، وأنه عبارة عن التصديق، لأن ضد التكذيب التصديق. ومنها: أنه عطف العمل الصالح على الإيمان في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ﴾﴾ [سورة الكهف، آية: ١٠٧] وقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ﴾ [سورة البقرة، كَانَتْ لَمُمْ جَنَّتُ اُلْفِرْدَوْسِ نُزُلًّ الَ آية: ٢]. وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة، آية: ١٨] الآية. فهذه كلها تدل على خروجه عنه، إذ لو دخل فيه يلزم من عطفه عليه التكرار من غير فائدة. ومنها: مقارنته بضد العمل الصالح، كما في قوله: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ﴾ [سورة الحجرات، آية: ٩] الآية ووجه دلالته على المطلوب أنه لا يجوز مقارنة الشيء بضد جزئه، وقد ترجم البخاري له في صحيحه: فقال: ((باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فسماهم المؤمنين)) فنبه على أن اسم ((المؤمن)) لا يزول بارتكاب بعض الذنوب. ومنها: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمَنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [سورة الأنعام، آية: ٨٢] أي: لم يخلطوه بارتكاب المحرمات، ولو كانت الطاعة داخلة في الإيمان لكان الظلم منفياً عن الإيمان، لأن ضد جزء الشيء يكون منفياً عنه، وإلا يلزم اجتماع الضدين، فيكون عطف الاجتناب منها عليه تكراراً بلا فائدة. ومنها: أنه تعالى جعل الإيمان شرطاً لصحة العمل، قال الله تعالى: ﴿وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنْتُمْ ﴾﴾ [سورة الأنفال، آية: ١] وقال الله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [سورة طه، آية: ١١٢] وشرط الشيء يكون خارجاً عن ماهيته، (والآيات التي فيها ((وهو مؤمن)) في النساء وبني إسرائيل وطه والأنبياء، وفي طه أيضاً: ﴿وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ﴾ [سورة طه، آية: ٧٥]). ومنها: أنه تعالى خاطب عباده باسم الإيمان، ثم كلفهم بالأعمال كما في آية الصوم والصلاة والوضوء، وذلك يدل على خروج العمل من مفهوم الإيمان، وإلا يلزم التكليف بتحصيل الحاصل. ومنها: أن النبيّ ◌َلاقتصر عند سؤال جبريل ظلّ عن الإيمان بذكر التصديق، حيث قال: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله، وتؤمن بالبعث))، ثم قال في آخره: ((هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم))، ولو كان الإيمان اسماً للتصديق مع شيء آخر كان النبيّ وَّ مقصراً في الجواب، وكان جبريل ظلَّل آتياً ليلبس عليهم أمر دينهم لا ليعلمهم إياه. ومنها: أنه تعالى أمر المؤمنين بالتوبة في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً﴾ [سورة التحريم، آية: ٨] وقوله تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اُلْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة النور، آية: ٣١] ٤١٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٠ وهذا يدل على صحة اجتماع الإيمان مع المعصية؛ لأن التوبة لا تكون إلا من المعصية، والشيء لا یجتمع مع ضد جزئه)) انتهى. ويدل على أن الإيمان هو التصديق القلبي مع الإقرار مع قطع النظر عن العمل: ما [روي] عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله، إن عليّ رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة فأعتقها؟ فقال لها رسول الله وقال: ((أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم، قال: أتشهدين أني رسول الله؟ قالت: نعم، قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم، قال: أعتقها)) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح(١). وعن أبي هريرة رضيُه: ((أن رجلاً أتى النبيّ وَّهُ بجارية سوداء أعجمية، فقال: يا رسول الله! إن عليّ رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله وَله: أين الله؟ فأشارت برأسها إلى السماء بإصبعها السبابة، فقال لها: من أنا؟ فأشارت بإصبعها إلى رسول الله وَّه، وإلى السماء، أي: أنت رسول الله، قال: أعتقها)) رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط إلا أنه قال لها: من ربك؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقالت: الله))، ورجاله موثقون(٢). وفي بعض طرق حديث جبريل بعد قوله عليه الصلاة والسلام: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والقدر خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى، فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: نعم، قال: صدقت)) رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون(٣). وفي حديث أبي الدرداء قال: ((قال رسول الله وَّ: ((خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة ... )) الحديث رواه الطبراني في الكبير وإسناده جيد (٤). وعن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((بحسب امرىء من الإيمان أن يقول: رضيت بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً)) رواه الطبراني في الأوسط(٥). الإقرار باللسان شرط الإيمان أم لا: الدرجة الرابعة: أن يوجد التصديق بالقلب قبل أن ينطق باللسان، أو يشتغل بالأعمال، ومات، فهل يقول: مات مؤمناً بينه وبين الله تعالى؟ وهذا مما اختلف فيه: (١) انظر مجمع الزوائد للهيثمي (٢٣/١) كتاب الإيمان، باب فيمن يشهد أن لا إله إلا الله. (٢) مجمع الزوائد (٢٣/١ و٢٤). مجمع الزوائد (٤١/١) باب منه بعد (باب منه في بيان فرائض الإسلام وسهامه). (٣) (٤) مجمع الزوائد (١/ ٤٧) باب فيما بني عليه الإسلام. (٥) مجمع الزوائد (١/ ٥٣) باب في الإسلام والإيمان. ٤١١ كتاب: الإيمان قال بعضهم: الإقرار باللسان شرط الإيمان في حق إجراء الأحكام فقط، حتى إن من صدق الرسول وَّل# في جميع ما جاء به من عند الله تعالى، فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى، وإن لم يقر بلسانه، وقال حافظ الدين النسفي: هو المروي عن أبي حنيفة، وإليه ذهب الأشعري في أصح الروايتين، وهو قول أبي منصور الماتريدي. وقال بعضهم: هو ركن الإيمان، لكنه ليس بأصلي له، كالتصديق، بل هو ركن زائد، ولهذا يسقط حالة الإكراه والعجز. قال فخر الإسلام: إن كونه ركناً زائداً مذهب الفقهاء، وكونه شرطاً لإجراء الأحكام مذهب المتكلمين. وذكر ابن الهمام أن أهل القول الأول اتفقوا على أنه يلزم أن يعتقد أنه متى طلب منه الإقرار أتى به، فإن طولب ولم يقر فهو كفر عناد، فمن شرط القول لتمام الإيمان يقول: هذا مات قبل الإيمان، وهو فاسد، إذ قال وّلقر: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان))، وهذا قلبه طافح بالإيمان، فكيف يخلد في النار؟ ولم يشترط في حديث جبريل عليّلا للإيمان إلا التصديق بالله تعالى وملائكته واليوم الآخر، كما سبق. قال الغزالي: ((الدرجة الخامسة: أن يصدق بالقلب، ويسلم، ويساعده من العمر مهلة النطق بكلمتي الشهادة، وعلم وجوبها، ولكنه لم ينطق بها، (ولم يجحد بها) فيحتمل أن يجعل امتناعه عن النطق كامتناعه عن الصلاة، ونقول: هو مؤمن غير مخلد في النار، والإيمان هو التصديق المحض، واللسان ترجمان الإيمان، فلا بد أن يكون الإيمان موجوداً بتمامه قبل اللسان، حتى يترجمه اللسان، وهذا هو الأظهر؛ إذ لا مستند إلا اتباع موجب الألفاظ، ووضع اللسان أن الإيمان هو عبارة عن التصديق بالقلب، وقد قال وَير: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) ولا ينعدم الإيمان من القلب بالسكوت عن النطق الواجب، كما لا ينعدم بالسكوت عن الفعل الواجب، وقال قائلون: القول ركن إذ ليس كلمتا الشهادة إخباراً عن القلب، بل هو إنشاء عقد آخر، وابتداء شهادة، والتزام، والأول أظهر، وقد غلا في هذا طائفة المرجئة، فقالوا: هذا لا يدخل النار أصلاً، وقالوا: إن المؤمن وإن عصى فلا يدخل النار، وسنبطل ذلك علیھم) اهـ. وأما العلم والمعرفة والاستيقان مع الجحود والكتمان: فليس من الإيمان في شيء. قال السفاريني في شرح عقيدته: «وكذلك من قام بقلبه علم وتصديق، وهو يجحد الرسول وما جاء به، ويعاديه كاليهود وغيرهم، ممن سماه الله كافراً، ولم يسمهم مؤمنين قط، ولا دخلوا في شيء من أحكام الإيمان، فهم كفار، خلافاً للجهمية في زعمهم أنهم إذا كان العلم في قلوبهم فهم مؤمنون كامل الإيمان، حتى قالوا: إن إيمانهم كإيمان النبيين والصديقين، وفي الآيات القرآنية ٤١٢ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم مما يرد هذا ما لا يحصى، إلا بكلفة كقوله: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّمْ﴾ [سورة النمل، ج آية: ١٤] الآية، ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْرِفُونَهُ, كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمِّ﴾ [سورة البقرة، آية: ١٤٦] ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [سورة البقرة، آية: ٨٩]، وقوله تعالى حكاية عن موسى،علّلا خطاباً لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُكَ يَنِفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [سورة الإسراء، آية: ١٠٢]، قال الحافظ ابن تيمية: ((والأصل الثاني الذي غلطوا فيه ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار، فإنما ذلك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق، وهذا أمر خالفوا فيه الحس والعقل والشرع وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة، وجماهير النظار، فإن الإنسان قد يعرف الحق مع غيره. ومع هذا يجحد ذلك لحسده إياه أو لطلب علوه عليه، أو لهوى النفس، ويحمله ذلك الهوى على أن يعتدي عليه، ويرد ما يقول بكل طريق، وهو في قلبه يعلم أن الحق معه، وعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم، وأنهم صادقون، لكن الحسد وإرادة الغلو والرياسة وحبهم لما هم عليه وإلفهم لما ارتكبوا: أوجب لهم التكذيب والمعاداة لهم، وجميع من كذب الرسل لم يأت بحجة صحيحة تقدح في صدقهم، وإنما يعتمدون على مخالفة أهوائهم، كقولهم لنوحلّ: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [سورة الشعراء، آية: ١١١]، وقول فرعون: ﴿أَنُوْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَلِدُونَ﴾ [سورة المؤمنون، آية: ٤٧] وقوله لموسى معلِّ: ﴿أَلَمَّ نُرَبِّكَ فِنَا وَلِيدًا﴾ [سورة الشعراء، آية: ١٨]))، الآيتين، وقول مشركي العرب لنبينا محمد بَله: ﴿إِن نَّشَِّعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَاً﴾ [سورة القصص، آية: ٥٧]، قال الله تعالى راداً عليهم: ﴿أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُحْىَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [سورة القصص، آية: ٥٧]، بل أبو طالب وغيره كانوا مع محبتهم للنبيّ ◌َّ، ومحبتهم لعلو كلمته من عدم حسدهم له، وعلمهم بصدقه، وإقرارهم به، حملهم إلفهم لدين قومهم، وكراهتهم لفراقه، وذم قريش لهم: على عدم اتباعه على دينه القويم وهديه المستقيم، فلم يتركوا الإيمان لعدم العلم، بل لهوى الأنفس، فكيف يقال مع هذا: إن كل كافر إنما كفر لعدم علمه بالله)) اهـ. وعلى هذا فالكفر أنواع، كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر عناد، وكفر نفاق، يعني: إن كان التكذيب - أي: عدم التسليم - بالقلب وباللسان جميعاً، فهو الأول، وإن كان باللسان فقط مع حصول المعرفة والاستيقان بالقلب، فهو الثاني، وإن كان مع حصول المعرفة والإقرار باللسان لمحض العناد، فهو الثالث، وإن كان بالقلب فقط مع التسليم والانقياد باللسان فهو الرابع. وليعلم أنهم اختلفوا في التصديق القائم بالقلب، الذي هو جزء مفهوم الإيمان على قول، أو تمامه على قول آخر، أهو من باب العلوم والمعارف أو من باب الكلام النفسي؟ فقيل بالأول، وهو مدفوع أولاً بالقطع بكفر كثير من أهل الكتاب مع علمهم حقيقة رسالته وَ﴿ وما جاء به، كما أخبر عنهم سبحانه بقوله: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمِّ وَإِنَّ فَرِيقًا ٤١٣ كتاب: الإيمان : [سورة البقرة، آية: ١٤٦] وثانياً: الإيمان مكلف به، والتكليف مِنْهُمْ لَيَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ إنما يقع بالأفعال الاختيارية، والعلم مما يثبت بلا اختيار، كمن وقعت مشاهدته على من ادعى النبوة، وأظهر المعجزة بأن يشاهد كلاً من الدعوى وظهور المعجزة، فلزم نفسه عند ذلك العلم بصدقه . وقال إمام الحرمين تَقْذُ في ((الإرشاد)): ((التصديق على التحقيق كلام النفس، ولكن لا يثبت إلا مع العلم، وكلام النفس يثبت على حسب الاعتقاد، وإليه ذهب جماعة، ونقل صاحب الغنية عن الأشعري في معناه، فقال مرة: هو المعرفة بوجوده وإلهيته وقدمه، وقال مرة: هو قول في النفس، غير أنه يتضمن المعرفة، ولا يصح دونها، وارتضاه الباقلاني، فإن التصديق والتكذيب، والصدق والكذب: بالأقوال أجدر منه بالمعارف والعلوم)) اهـ. قال ابن الهمام كافيه: ((وظاهر عبارة الأشعري تَّقُ في هذا السياق أن التصديق كلام للنفس، مشروط بالمعرفة، يلزم من عدمها عدمه، ويحتمل أن الإيمان هو المجموع من المعرفة والكلام النفسي، فيكون كل منهما ركناً من الإيمان؛ فلا بد في تحقيق الإيمان على كلا الاحتمالين من المعرفة، أعني إدراك مطابقة دعوى النبي للواقع، ومن أمر آخر، هو الاستسلام الباطن، والانقياد لقبول الأوامر والنواهي، المستلزم للإجلال وعدم الاستخفاف، (مع التبري من الكفر الذي كان فيه) وهذا الاستسلام الباطن هو المراد بكلام النفس، وبه عبر المصنف (أي الغزالي) في كلامه على الإيمان والإسلام. وإنما قلنا: إنه لا بد مع المعرفة من الأمر الآخر وهو الاستسلام الباطن، لما تقدم من ثبوت مجرد تلك المعرفة مع قيام الكفر، وبلا كسب واختيار فيه، وبلا قصد إليه، ومع كونه يثبت بلا كسب واختيار فيه وبلا قصد إليه يتعلق ظاهر التكليف به، نحو قوله تعالى: ﴿فَأَعْلَ أَنَُّ لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة محمد، آية: ١٩] والمراد اكتسبه بفعل أسبابه من القصد إلى النظر في الآثار على الوجه المؤدي إلى المقصود، حتى لو وقع العلم لإنسان دفعياً من غير ترتيب مقدمات: احتاج إلى تحصيله مرة أخرى كسباً). قال السعد كثّفُ في شرح المقاصد: ((اعلم أن حصول هذا التصديق قد يكون بالكسب، أي: مباشرة الأسباب بالاختيار، كإلقاء الذهن، وصرف النظر، وتوجيه الحواس، وما أشبه ذلك، وقد يكون بدونه، كمن وقع عليه الضوء، فعلم أن الشمس طالعة، والمأمور به يجب أن يكون من القسم الأول)). ثم قال: ((لا يفهم من نسبة الصدق إلى المتكلم بالقلب سوى إذعانه وقبوله وإدراكه لهذا المعنى، أعني كون المتكلم صادقاً من غير أن يتصور هناك فعل وتأثير من القلب، ويقطع بأن هذا كيفية للنفس، قد يحصل بالكسب والاختيار ومباشرة الأسباب، وقد يحصل بدونها، فغاية الأمر أن يشترط فيما يعتبر في الإيمان أن يكون تحصيله بالاختيار على ما هو قاعدة المأمور به)) اهـ. وظاهره عدم الاكتفاء بحصوله دون كسب، قال ابن الهمام: ((وفيه ٤١٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم نظر، بل إذا حصل كذلك دفعياً كفى ضم ذلك الأمر الآخر من الانقياد الباطن إليه، وذلك التكليف الكائن لمتعاطي أسباب العلم إنما هو لمن لم يحصل له العلم، فإذا حصل هو سقط ما وجوبه لأجله، وبالله التوفيق)). قال العلامة الزبيدي في شرح الإحياء: ((الأظهر أن التصديق قول للنفس غير المعرفة، لأن المفهوم من التصديق لغة هو: نسبة الصدق إلى القائل، وهو فعل، والمعرفة ليست فعلاً، إنما هي من قبيل الكيف، المقابل لمقولة الفعل، فلزم خروج كل من الانقياد الذي هو الاستسلام، ومن المعرفة، عن مفهوم التصديق لغة، مع ثبوت اعتبارهما شرعاً في الإيمان، وثبوت اعتبارهما له بهذا الوجه على أنهما جزآن لمفهومه شرعاً، أو شرطان لاعتباره لإجراء أحكامه شرعاً، والثاني هو الأوجه. إذ في الأول يلزم نقل الإيمان من المعنى اللغوي إلى معنى آخر شرعي، وهو - بلا دليل يقتضي وقوعه - منتف؛ لأنه خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا بدليل، ولا دليل، بل قد كثر في الكتاب والسنة طلبه من العرب، وأجاب من أجاب إليه دون استفسار عن معناه، وإن وقع استفسار من بعضهم فإنما هو عن متعلق الإيمان، وعدم تحقيق الإيمان بدون المعرفة والاستسلام لا يستلزم جزئيتهما لمفهومه شرعاً، لجواز أن يكونا شرطين للإيمان شرعاً، وحقيقته التصديق بالأمور الخاصة بالمعنى اللغوي، وإذا تقرر ذلك: ظهر ثبوت التصديق لغة بدونهما، مع الكفر الذي هو ضد الإيمان، والله أعلم)) اهـ. وناقش في بعضه العلامة الآلوسي، فقال بعد كلام: ((وحاصل ذلك منع حصول التصديق للمعاند، فإنه ضد الإنكار، وإنما الحاصل له المعرفة التي هي ضد النكارة والجهالة، وقد اتفقوا على أن تلك المعرفة خارجة عن التصديق اللغوي، وهو المعتبر في الإيمان، نعم اختلفوا في أنها هل هي داخلة في التصور أم في التصديق المنطقي؟ فالعلامة التفتازاني على الأول، وأنه يجوز أن تكون الصورة الحاصلة من النسبة التامة الخبرية تصوراً، وأن التصديق المنطقي بعينه التصديق اللغوي، ولذا فسره رئيسهم في الكتب الفارسية بـ (كرويدن)))) وفي العربية بما يخالف التكذيب والإنكار، وهذا بعينه المعنى اللغوي، ويؤيده ما أورده السيد السند في حاشية شرح التلخيص أن المنطقي إنما يبين ما هو في العرف واللغة، إلا أنه يرد أن المعنى المعبر عنه بكرويدن أمر قطعي، وقد نص عليه العلامة في المقاصد، ولذا يكفي في باب الإيمان التصديق البالغ حد الجزم والإذعان، مع أن التصديق المنطقي يعم الظنيّ بالاتفاق، فإنهم يقسمون العلم بالمعنى الأعم تقسيماً حاصراً إلى التصور والتصديق، توسلاً به إلى بيان الحاجة إلى المنطق بجميع أجزائه التي منها: القياس الجدلي المتألف من المشهورات والمسلمات، ومنها: القياس الخطابي المتألف من المقبولات والمظنونات، والشعري المتألف من المخيلات، فلو لم يكن التصديق المنطقي عاماً لم يثبت الاحتياج إلى هذه الأجزاء وهو ظاهر وصدر الشريعة على ٤١٥ كتاب: الإيمان الأخير، فإن الصورة الحاصلة من النسبة التامة الخبرية تصديق قطعاً، فإن كان حاصلاً بالقصد والاختيار بحيث يستلزم الإذعان والقبول فهو تصديق لغوي، وإن لم يكن كذلك، كمن وقع بصره على شيء فعلم أنه جدار مثلاً، فهو معرفة يقينية، وليس بتصديق لغوي، فالتصديق اللغوي عنده أخص من المنطقي، والله أعلم)). حكم من أقر باللسان ولم يصدق بقلبه: الدرجة السادسة: أن يقول بلسانه: ((لا إله إلا الله محمد رسول الله)) ولكن لم يصدق بقلبه، فلا نشك في أن هذا في حكم الآخرة: من الكفار، وأنه مخلد في النار، ولا نشك في أنه في حكم الدنيا الذي يتعلق بالأئمة والولاة: من المسلمين، لأن قلبه لا يطلع عليه، وعلينا أن نظن به أنه ما قاله بلسانه إلا وهو منطو عليه في قلبه، وإنما نشك في أمر ثالث وهو الحكم الدنيوي فيما بينه وبين الله تعالى، وذلك بأن يموت له في الحال قريب مسلم، ثم يصدق بعد ذلك بقلبه، ثم يستفتي ويقول: كنت غير مصدق بالقلب حالة الموت، والميراث الآن في يدي، فهل يحل لي بيني وبين الله تعالى؟ أو نكح مسلمة، ثم صدق بقلبه، هل تلزمه إعادة النكاح، هذا محل نظر، محتمل أن يقال: أحكام الدنيا منوطة بالقول الظاهر، ظاهراً وباطناً، ويحتمل أن يقال: تناط بالظاهر في حق غيره؛ لأن باطنه غير ظاهر لغيره، وباطنه ظاهر له في نفسه بينه وبين الله تعالى . والأظهر - والعلم عند الله تعالى - أنه لا يحل له ذلك الميراث، ويلزمه إعادة النكاح، ولذلك كان حذيفة اله لا يحضر جنازة من يموت من المنافقين، وعمر نظّه كان يراعي ذلك منه، فلا يحضر إذا لم يحضر حذيفة، انتهى كلام الغزالي بزيادة ونقص. ثم ذكر شبهات المعتزلة والمرجئة، وبطلان أدلتهم، إلى أن قال: فإن قلت: فقد مال الاختيار إلى أن الإيمان حاصل دون العمل، وقد اشتهر عن السلف قولهم: الإيمان: عقد وقول وعمل، فما معناه؟. قال الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين وغيره: المشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان: قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان، وحكى الشافعي إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم على ذلك، قال الحافظ ابن رجب: أنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكاراً شديداً. وممن أنكر ذلك على قائله وجعله قولاً محدثاً: سعيد بن جبير، وميمون بن مهران، وقتادة، وأيوب السختياني، والنخعي، والزهري، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم، وقال الثوري: وهو رأي محدث، أدركنا الناس على غيره، وقال الأوزاعي: كان من مضى من السلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل، فمن استكملهما فقد استكمل الإيمان، ومن لم يستكملهما لم يستكمل الإيمان، ذكره الإمام البخاري في صحيحه. ٤١٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم توجيه أقوال السلف رحمهم الله فى جزئية الأعمال من الإيمان: قلنا: لا يبعد أن يعد العمل من الإيمان، لأنه مكمل له ومتمم، كما يقال: الرأس واليدان من الإنسان، ومعلوم أنه يخرج عن كونه إنساناً بعدم الرأس، ولا يخرج عنه بكونه مقطوع اليد، وكذلك يقال: التسبيحات والتكبيرات من الصلاة، وإن كانت لا تبطل بفقدها، فالتصديق بالقلب من الإيمان كالرأس من وجود الإنسان؛ إذ ينعدم بعدمه، وبقية الطاعات كالأطراف بعضها أعلى ـية ما اعتقدوا من بعض، وقد قال ◌َ: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) (١) والصحابة مذهب المعتزلة في الخروج عن الإيمان بالزنا، ولكن معناه: غير مؤمن حقاً إيماناً تاماً كاملاً، كما يقال للعاجز المقطوع الأطراف: هذا ليس بإنسان، أي: ليس له الكمال الذي هو وراء حقيقة الإنسانية)) اهـ. قال البخاري في صحيحه: ((وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: أن للإيمان فرائض، وشرائع، وحدوداً، وسنناً، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم یستكمل الإيمان)). قال الحافظ: ((فالمراد أنها من المكملات؛ لأن الشارع أطلق على مكملات الإيمان إيماناً)) اهـ. قلت: وبهذا يتضح مراد ما قاله السلف رحمهم الله مما نقلناه قريباً . قال الشيخ ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة: ((وللإيمان شعب كثيرة، ومثله كمثل الشجرة، يقال للدوحة، والأغصان، والأوراق، والثمار، والأزهار جميعاً: إنها شجرة، فإذا قطع أغصانها، وخبط أوراقها، وخرف ثمارها، قيل: شجرة ناقصة، فإذا قلعت الدوحة، بطل الأصل، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [سورة الأنفال، آية: ٢])) الآية. ولما لم يكن جميع تلك الأشياء على حد واحد جعلها النبيّ وَّر على مرتبتين: منها: الأركان التي هي عمدة أجزائها، وهو قوله ◌َّر: ((بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان». ومنها: سائر الشعب، وهو قوله ◌َطلّر: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) اهـ. قال أبو القاسم الأنصاري شيخ الشهرستاني في شرح الإرشاد لأبي المعالي، بعد أن ذكر (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود، باب الزنى وشرب الخمر. رقم الحديث ٦٧٧٢. ٤١٧ كتاب: الإيمان قول أصحاب الأشاعرة: من أنه مجرد التصديق: ((وذهب أهل الأثر إلى أن الإيمان جميع الطاعات، فرضها ونفلها، وعبروا عنه بأنه إتيان ما أمر الله فرضاً ونفلاً، والانتهاء عما نهى الله عنه تحريماً وأدباً))، قال: ((وبهذا كان يقول أبو علي الثقفي من متقدمي أصحابنا، وأبو العباس القلانسي، وقد مال إلى هذا المذهب أبو عبد الله بن مجاهد، وهذا قول مالك بن أنس إمام دار الهجرة، ومعظم أئمة السلف - رضوان الله عليهم أجمعين - فكانوا يقولون: الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان. وبعض السلف من أهل السنة زادوا اتباع السنة؛ لأن ذلك لا يكون محبوباً لله تعالى إلا باتباع السنة، ومنهم من اقتصر على أنه قول وعمل، وأراد قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، ومن زاد الاعتقاد أي: المعرفة والتصديق: رأى أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال منهم: إنه قول وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد، وقول اللسان، وأما العمل فقد لا تفهم منه النية، فزاد ذلك، ومن قال منهم: إنه قول وعمل، لم يرد كل قول وعمل، إنما أراد ما كان مشروعاً من الأقوال والأعمال)). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولاً فقط، فقالوا: بل هو قول وعمل)) اهـ. قلت: وهكذا ينبغي أن يفهم أن القائلين بعدم جزئية الأعمال أيضاً لم يقصدوا موافقة المرجئة - خذلهم الله - بل إنما أرادوا الرد على إثبات الجزئية التي زعمتها الخوارج والمعتزلة، بحيث يستلزم فوات الجزء فوات الكل رأساً، فيصر الموحد المصدق بكل ما جاء به الرسول مسلوب الإيمان عندهم إذا ارتكب كبيرة من الكبائر. قال الحافظ ابن تيمية كثّفُ: ((لما صنف الفخر الرازي كثّفُ مناقب الإمام الشافعي نَظُه ذكر قوله في الإيمان: إنه قول باللسان، وعقد بالجنان، وعمل بالأركان، كقول الصحابة والتابعين، وقد ذكر الإمام الشافعي أنه إجماع من الصحابة والتابعين ومن لقيه، استشكل الرازي تقلّهُ قول الإمام الشافعي تغلُّ جداً، لأنه كان انعقد في نفسه شبهة أهل البدع في الإيمان من الخوارج، والمعتزلة، والجهمية، والكرّامية، وسائر المرجئة، وهو: أن الشيء المركب إذا زال بعض أجزائه لزم زواله كله، لكن هو لم يذكر إلا ظاهر شبهتهم. قال شيخ الإسلام: والجواب عما ذكره سهل، فإنه يسهل له أن الهيئة الاجتماعية لم تبق مجتمعة، كما كانت، لكن لا يلزم من زوال بعضها زوال سائر الأجزاء، يعني: كبدن الإنسان إذا ذهب من إصبع أو يد أو رجل ونحوه لم يخرج عن كونه إنساناً بالاتفاق، وإنما يقال له: إنسان ناقص، والشافعي مع الصحابة والتابعين وسائر السلف يقولون: إن الذنب يقدح في كمال الإيمان، ولهذا نفى الشارع الإيمان عن هؤلاء، يعني عن الزاني والسارق وشارب الخمر ٤١٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ونحوهم. فذلك المجموع الذي هو الإيمان لم يبق مجموعاً مع الذنوب، لكن يقولون: بقي بعضه، إما أصله، وإما أكثره، وإما غير ذلك، فيعود الكلام إلى أنه يذهب بعضه ويبقى بعضه)) اهـ. وقال بعض المحققين: ((إن المجموع المركب من أجزاء لا يلزم من زوال بعض أجزائه زوال كل أجزائه، نعم! تزول تلك الهيئة السابقة، لكن لا يقتضي التباين بينها وبين اللاحقة، وذلك كالإنسان مثلاً: فإذا زالت بعض أعضائه، أو لحقها عاهة، لم يخرج عن كونه إنساناً، نعم! يقال من حيث الصورة: إنه إنسان ناقص، فإذا زاد النقص ربما خرج عن تسميته إنساناً ظاهراً، وهنا مجال للنظر، فمن أهلك الحرث والنسل، وفعل كل منكر، ولم يأت بخير ما، فلا علينا أن لا يكون من الأمة وأن لا يسمى بأشرف أسمائها، فإن قيل: فما مقدار الطاعات التي يخرج بتركها من الإيمان؟ قلنا: علمها عند الله، وعدم علمنا بمقدارها لا يقتضي أن لا يكون لها مقدار في الواقع، ألا ترى أنا لا نعلم مقدار ما يحصل به التواتر، وهو في الواقع له عدد، فلو قال لنا قائل في خبر متواتر: إذا نقصت أعداد المخبرين فيما بعد، هل يخرج عن التواتر؟ نقول: نعم، يخرج عن كونه متواتراً إذا كثر النقص، إلى أن يبلغ إلى أدنى من العدد المجهول الذي هو أقل أعداد التواتر، وليجل فكرك هنا، فقد دللناك على الطريق)) اهـ. فعلم أن النزاع بين القائلين بجزئية الأعمال من الإيمان وبين منكريها من أهل السنة والجماعة قريب من النزاع اللفظي، فأراد هؤلاء كمال الإيمان، وقالوا بجزئية العمل للإيمان الكامل الذي به يحصل الدخول الأولي في الجنة، أو الإيمان الأكمل الذي يصل به المؤمن درجة السابقين المقربين، وهؤلاء أرادوا نفس الإيمان الموقوف عليه النجاة من التخليد الدائم، بمعنى لولاه لامتنعت، وأنكروا الجزئية، أو يقال: إن التصديق والأعمال عند الفريق الأول أجزاء عرفية للإيمان، بحيث لا يلزم من فوات بعض الأجزاء فوات الكل، كاليد والرجل والرأس من الإنسان، على ما أشار إليه الغزالي، وعند الفريق الثاني: الأعمال ليست من أجزاء الإيمان، بل هي فروع نابتةٌ من أصل الإيمان الذي هو التصديق والانقياد القلبي، كما أشار إليه الشيخ ولي الله الدهلوي تغلفه، فنسبة الأعمال إلى الإيمان عندنا ليست نسبة الجزء إلى الكل، بل نسبة الفرع إلى الأصل، أو نسبة البدن إلى الروح المدبر له، فالبدن الخالي عن الروح شبه لا شيء، والروح الإنساني المجرد عن البدن أيضاً قاصر عن بعض أعماله المطلوبة منه، وهكذا العمل من دون الإيمان لا يعتد به أصلاً عند الشارع، والإيمان بدون العمل يعتبر به في درجة ما، وهذا كله من قبيل اختلاف الأنظار، لا من اختلاف الثمرات، فالبيت واحد عند الكل، والأبواب كثيرة يدخل السّني من أيها شاء. وكل إلى ذاك الجمال يشير فعباراتنا شتى وحسنك واحد ٤١٩ كتاب: الإيمان قال الحافظ في الفتح: ((الإيمان بالنظر إلى ما عندنا هو الإقرار فقط، فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا، ولم يحكم عليه بكفر إلا إن اقترن به فعل يدل على كفره، كالسجود للصنم، فإن كان الفعل لا يدل على الكفر كالفسق، فمن أطلق عليه الإيمان فبالنظر إلى إقراره، ومن نفي عنه الإيمان فبالنظر إلى كماله، ومن أطلق عليه الكفر فبالنظر إلى أنه فعل فِعْلَ الكافر (أو بتأويل ((كفر دون كفر)) كما هو دأب البخاري) ومن نفاه عنه فبالنظر إلى حقيقته، وأثبت المعتزلة الواسطة، فقالوا: الفاسق لا مؤمن ولا كافر)) اهـ. وأما النزاع بين أهل السنة والجماعة، وبين طوائف المعتزلة والخوارج والمرجئة: فهو حقيقي، لا محيص عنه إلا بإبطال آرائهم الفاسدة الشنيعة، وقد أبطلها علماؤنا المتكلمون، ولله الحمد، فمنهم من توجه لرد المرجئة، فاهتم ببيان جزئية الأعمال، ومنهم من اشتد عنايته برد المعتزلة والخوارج، فبالغ في نفي الجزئية، وكلاهما بحمد الله على رشد وخير. قال الحافظ ابن تيمية: ((والسلف مختلفون في ذلك، وحقيقة الأمر أن من لم يكن من المؤمنين، يقال فيه: إنه مسلم، ومعه إيمان يمنعه من الخلود في النار، وهذا متفق عليه بين أهل السنة، لكن هل يطلق عليه اسم الإيمان؟ هذا هو الذي تنازعوا فيه، فقيل: يقال: إنه مسلم ولا يقال: مؤمن، وقيل: بل يقال: مؤمن، قال: والتحقيق أنه يقال: مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم)). ثم قال: ((وقد يكونون من أهل الكبائر، وهؤلاء لا يخرجون من الإسلام، بل هم مسلمون، ولكن بين السلف فيهم نزاع لفظي، هل يقال: إنهم مؤمنون؟ قال ابن تيمية: الإمام أحمد لم يرد عنه قط أنه سلب - ممن يقال: إنه مسلم، يعني: من زنى وسرق، وشرب الخمر ونحوهم - جميع الإيمان، فلم يبق معه شيء، كما تقوله الخوارج والمعتزلة، فإن الإمام أحمد قد صرح في غير موضع بأن أهل الكبائر معهم إيمان، يخرجون به من النار. واحتج بقول النبيّ وَّ: ((أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان))، وليس هذا - يعني: سلبهم اسم الإيمان جميعه - قوله، ولا قول أحد من أئمة السنة، بل كلهم متفقون على أن الفساق الذين ليسوا منافقين، معهم شيء من الإيمان يخرجون به من النار، وهو الفارق بينهم وبين الكفار المنافقين، لكن إذا كان معه بعض الإيمان لم يلزم أن يدخل في الإسلام المطلق الممدوح، وصاحب الشرع قد نفى الاسم عن هؤلاء، فقال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) والمعتزلة ينفون عنه اسم الإيمان والإسلام بالكلية، ويقولون: يخلد في النار، لا يخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها، وهذا هو الذي أُنْكِر عليهم، وكل أهل السنة متفقة أنه قد سلب كمال الإيمان الواجب، فزال بعض إيمانه الواجب)». ٤٢٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم استطراد: قال الزبيدي في شرح الإحياء: ((تسمية بعض السلف لإمامنا الأعظم أبي حنيفة تقدّثُ مرجئاً كصاحب ((القوت)) وغيره وتبعه القونوي من علمائنا: إنما هو لتأخيره أمر صاحب الذنب الكبير إلى مشيئة الله تعالى، والإرجاء التأخير كما في قوله تعالى: ﴿ وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة، آية: ١٠٦] لا بالمعاني التي نسبت للمرجئة التي هي قبائح في نفس الأمر، كما سيأتي بيانها، وهذا لا يكون قادحاً في منصب إمامنا، وقد ثبت ثبوتاً واضحاً، واشتهر أنه من رؤوس أهل السنة. وأول من رد على القدرية والمرجئة والطوائف الضالة، يفهم ذلك من سير كتب مذهبه، ومن نسب إليه الإرجاء فبالمعنى المتقدم، وبه كان يقول شيخه حماد بن أبي سليمان وغيره من السلف)) اهـ. قال الحافظ ابن تيمية: ((ولهذا دخل في إرجاء الفقهاء جماعة. هم عند الأئمة أهل علم ودين. ولم يكفر أحد من السلف أحداً من مرجئة الفقهاء. بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد، فإن كثيراً من النزاع فيها لفظي. نعم! اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب، فليس لأحد أن يقول بخلافه. ولا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم إلى ظهور الفسوق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سبباً لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا أعظم القول في ذم الإرجاء)) اهـ. قلت: وفتنة الخوارج أيضاً لم تكن أخف من فتنة المرجئة، كما قال ابن تيمية: ((واعلم أن مسائل الإسلام والإيمان والكفر والنفاق مسائل عظيمة جداً، فإن الله تعالى علق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة، واستحقاق الجنة والنار، والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج للصحابة، حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم)) اهـ. فلعل من قال من الأئمة: إن العمل ليس بداخل في الإيمان فقد أراد بهذا التعبير سد الذرائع إلى بدع هؤلاء الأشقياء من الخوارج والمعتزلة، والإمام أبو حنيفة كان قد ابتلي كثيراً بمقابلة الخوارج ومناظرتهم فلم يجد بداً من اختيار هذا التعبير الدافع في نحورهم بأصرح وجه، نبه عليه شيخنا المحمود قدس الله روحه في دروس البخاري. والله أعلم بالصواب. المسألة الثانية من المسائل المتعلقة بالإيمان هل الإيمان يزيد وينقص: ظاهر الكتاب والسنة وهو مذهب الأشاعرة والمعتزلة والمحكي عن الشافعي وكثير من