Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
مقدمة المؤلف
وَالْجَرَّاحُ بْنُ الْمِنْهَالِ أَبُو الْعَطُوفِ، وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، وَحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ،
وَعُمَرُ بْنُ صُهْبَانَ. وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ فِي رِوَايَةِ الْمُنْكَرٍ مِنَ الْحَدِيثِ، فَلَسْنَا نُعَرِّجُ عَلَى
حَدِيثِهِمْ، وَلاَ نَشَاغَلُ بِهِ.
لأَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالَّذِي نَعْرِفُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي قَبُولِ مَا يَتَفَرَّدُ بِهِ الْمُحَدِّثُ مِنَ
الْحَدِيثِ، أَنْ يَكُونَ قَدْ شَارَّكَ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ فِي بَعْضٍ مَا رَوَوْا، وَأَمْعَنَ فِي
ذُلِكَ عَلَى الْمُوَافَقَةِ لَهُمْ. فَإِذَا وُجِدَ كَذْلِكَ،
الحديث، ضعيف جداً، كان صدوقاً، ولم يكن بالحافظ. وقال يحيى بن سعيد: يحيى بن أبي
أنيسة أحب إليّ من حجاج بن أرطاة وأشعث بن سوار وابن إسحاق. كذا في ((التهذيب)).
قوله: (والجراح بن المنهال) إلخ: قال أحمد: كان صاحب غفلة. وقال ابن المديني: لا
يكتب حديثه. قال خ م(١): منكر الحديث. وقال النسائي والدارقطني: متروك وقال ابن حبان:
كان يكذب في الحديث، ويشرب الخمر. كذا في ((الميزان))(٢).
قوله: (وعباد بن كثير) إلخ: قال أبو طالب عن أحمد: هو أسوأ حالاً من الحسن بن
عمارة، وأبي شيبة، روى أحاديث كذب لم يسمعها، وكان صالحاً. قلت: فكيف روى ما لم
يسمع؟ فقال: البله والغفلة. وعن أبي زرعة: لا يكتب حديثه، كان شيخاً صالحاً، وكان لا
يضبط الحديث.
قوله: (وحسين بن عبد الله بن ضميرة) إلخ: كذبه مالك. وقال أبو حاتم: متروك
الحديث، كذاب. وقال البخاري: منكر الحديث، ضعيف.
قوله: (وعمر بن صهبان) إلخ : - بضم الصاد المهملة وإسكان الهاء - متفق على تركه. قاله
النووي. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث،
متروك الحديث. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه مما لا يتابعه الثقات عليه، وغلبت على أحاديثه
المناكير .
قوله: (فلسنا نعرج على حديثهم) إلخ: في ((القاموس)) و(شرحه)): عرَّج البناء تعريجاً:
ميَّل، وعرّج النهر: أماله، وعرج عليه: عطف، اهـ. والحاصل أنا لا نعطف على حديثهم ولا
نتوجه إليه .
قوله: (و((أمعن في ذلك))) إلخ: أي: بالغ وجَدَّ.
(١) أي البخاري ومسلم.
(٢) ميزان الاعتدال (٣٩٠/١، رقم الترجمة ١٤٥٣).

٣٢٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ثُمَّ زَادَ بَعْدَ ذلِكَ شَيْئاً لَيْسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، قُبِلَتْ زِيَادَتُهُ.
فَأَمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ فِي جَلاَلتِهِ، وَكَثْرَةٍ أَصْحَابِهِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ لِحَدِيثِهِ
وَحَدِيثٍ غَيْرِهِ، أَوْ لِمِثْلِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَحَدِيثُهُمَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْم مَبْسُوظٌ مُشْتَرَكٌ، قَدْ
نَقَلَ أَصْحَابُهُمَا عَنْهُمَا حَدِيثَهُمَاَ عَلَّى الاِنِّفَاقِ مِنْهُمْ فِي أَكْثَرِهِ، فَيَرْوِي عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا
الْعَدَدَ مِنَ الْحَدِيثِ، مِمَّا لاَ يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا، وَلَيْسَ مِمَّنْ قَدْ شَارَكَهُمْ فِي
الصَّحِيحِ مِمَّا عِنْدَهُمْ، فَغَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُ حَدِيثِ هذَا الضَّرْبِ مِنَ النَّاسِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَدْ شَرَحْنَا مِنْ مَذْهَبِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ بَعْضَ مَا يَتَوَجَّهُ بِهِ مَنْ أَرَادَ سَبِيلَ الْقَوْمِ، وَوُفِّقَ
لَهَا. وَسَنَزِيدُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، شَرْحاً وَإِضَاحاً فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْكِتَابِ. عِنْدَ ذِكْرِ
الأَخْبَارِ الْمُعَلَّلَةِ، إِذَا أَتَيْنَا عَلَيْهَا فِي الأَمَاكِنِ الَّتِي يَلِيقُ بِهَا الشَّرْحُ وَالإِيضَاحُ،َ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
تَعَالَی .
وَبَعْدُ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلَوْلا الَّذِي رَأَيْنَا مِنْ سُوءٍ صَنِيعِ كَثِيرٍ مِمَّنْ نَصَبَ نَفْسَهُ مُحَدِّثاً،
فِيمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ طَرْحِ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، وَالرِّوَايَاتِ الْمُنْكَرَةِ،
قوله: (ثم زاد بعد ذلك) إلخ: أي: بعد مشاركته في أكثر أحاديثهم روى أحاديث ليست
عندهم وشَذَّ بِها، فتقبل أحاديثه الزائدة التي انفرد بها دون أصحابه، وأما من لم يشاركهم في
أحاديثهم المعروفة ومع ذلك روى أحاديث عديدة لا يعرفونها فلا تقبل تفرداته. هذا ما يفهم من
كلام مسلم كثّفُ بقرينة السباق واللحاق. والله أعلم. وقد سبق في ((المقدمة)) أحكام ((الشاذ))
و((المنكر)) وما يتعلق بقبول زيادة الثقات وردها مبسوطاً مشروحاً لا حاجة إلى إعادته هنا.
فليراجع .
قوله: (بعض ما يتوجه به) إلخ: معنى ((ما يتوجه به)): يقصد طريقهم ويسلك مذهبهم،
والسبيل: الطريق، وهما يذكران ويؤنثان.
قوله: (ووفق لها) إلخ: من التوفيق، وهو: خلق قدرة الطاعة.
قوله: (وسنزيد إن شاء الله) إلخ: هذا الذي ذكره مسلم مما اختلف فيه، فقيل: اخترمته
المنية قبل جمعه. وقيل: ذكره في أبوابه من هذا الكتاب الموجود. وقد تقدم بيان هذا واضحاً
في بحث ((المضعف)) من ((المقدمة)) فراجعه.
قوله: (من طرح الأحاديث الضعيفة) إلخ: بيان لما يلزمهم (١).
(١) قال السندي: كلمة ((في)) في قوله ((فيما يلزمهم)) متعلقة ((بالسوء)) أي: ساء صنيعهم في الأمر الذي هو لازم
عليهم ديناً، وذلك اللازم ديناً هو أن يطرحوا الأحاديث الضعيفة، وهم خالفوا هذا اللازم فصار صنيعهم
سيئاً في مراعاتهم. من المؤلف رحمه الله تعالى.

٣٢٣
مقدمة المؤلف
وَتَرْكِهِم الاقْتِصَارَ عَلَى الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ، مِمَّا نَقَلَهُ الثِّقَاتُ الْمَعْرُوفُونَ
بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ. بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ، أَنَّ كَثِيراً مِمَّا يَقْذِفُونَ بِهِ إِلَى الأَغْبِيَاءِ
مِنَ النَّاسِ هُوَ مُسْتَنْكَرٌ، وَمَنْقُولٌ عَنْ قَوْمِ غَيْرِ مَرْضِيِّينَ، مِمَّنْ ذَمَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَئِمَّةُ أَهْلِ
الْحَدِيثِ، مِثْلُ: مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةً بَّنِ الْحَجَّاجِ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ
الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الَأَئِمَّةِ - لَمَا سَهُلَ عَلَيْنَا الانْتِصَابُ لِمَا
سَأَلْتَ مِنَ التَّمْبِيزِ وَالتَّحْصِيلِ .
وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ مَا أَعْلَمْنَاكَ مِنْ نَشْرِ الْقَوْمِ الأَخْبَارَ الْمُنْكَرَةَ، بِالأَسَانِيدِ الضُّعَافِ
الْمَجْهُولَةِ، وَقَذْفِهِمْ بِهَا إِلَى الْعَوَامِّ الَّذِينَ لاَّ يَعْرِفُوَنَ عُيُوبَهَا، خَفَّ عَلَى قُلُوبِنَا إِجَابَتُكَ إِلَى
مَا سَأَلْتَ.
قوله: (وتركهم الاقتصار) إلخ: ليس معطوفاً على ((طرح الأحاديث)) بل على (سوء صنيع))
أي: ((لولا الذي رأينا من سوء صنيعهم وتركهم الاقتصار)) إلخ. أو معطوف على ((ما يلزمهم))
أي: سوء صنيعهم فيما يلزمهم وفي تركهم الاقتصار. والله أعلم.
قوله: (الأحاديث الصحيحة المشهورة) إلخ: أي: المعروفة، وقد تقدم في ((المقدمة)) بيان
((الحديث الصحيح)) و((المعروف)) و(المشهور)) وغيرها من أقسام الخبر. فليراجع.
قوله: (مما يقذفون به) إلخ: أي: يلقونه إليهم.
قوله: (إلى الأغبياء) إلخ: هم الغفلة والجهال الذين لا فطنة لهم.
قوله: (لما سهل علينا) إلخ: جواب ((لولا الذي رأينا)) إلخ.
قوله: (من التمييز والتحصيل) إلخ: بيان ((لما سألت)) أي: أن نميز الصحيح من السقيم،
والجيد من الرديء، ونحصل المقبول من المردود، فنؤلف كتاباً نجمع فيه هذه الأحاديث المميزة
المحصلة .
قوله: (من نشر القوم) إلخ: بيان ((لما أعلمناك)).
قوله: (خف على قلوبنا) إلخ: حفظاً للدين وصيانة لعوام المسلمين عما يخاف عليهم من
الوقوع في غرر عظيم.

٣٢٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١) - باب: وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين
والتحذير من الكذب على رسول الله اله
وَاعْلَمْ، وَفَقَكَ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ عَرَفَ التَّمْبِيزَ بَيْنَ صَحِيحٍ
الرِّوَايَاتِ وَسَقِيمِهَا، وَثِقَاتِ النَّاقِلِينَ لَهَا، مِنَ الْمُتَّهَمِينَ، أَنْ لاَ يَرْوِيَ مِنْهَا إِلَّ مَا عَرَفَّ
صِحَّةَ مَخَارِجِهِ، وَالسِّتَارَةَ فِي نَاقِلِهِ، وَأَنْ يَتَّقِيَ مِنْهَا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ أَهْلِ التُّهَمِ وَالْمُعَانِدِينَ
مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ.
وَالذَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الَّذِي قُلْنَا مِنْ هُذَا هُوَ اللَّزِمُ دُونَ مَا خَالَفَهُ - قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ فَتَبَيَنُواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَى مَا فَعَلْتُمْ
نَدِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وَقَالَ عَزَّ
وَجَلَّ: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. فَدَلَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ هُذِهِ الآي - أَنَّ خَبَرَ
الْفَاسِقِ سَاقِطٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَأَنَّ شَهَادَةَ غَيْرِ الْعَدْلِ مَرْدُودَةٌ. وَالْخَبَرُ، وَإِنْ فَارَقَ مَعْنَاهُ مَعْنَى
(١) - باب: وجوب الرواية عن الثقات
وترك الكذابين والتحذير من الكذب إخ
قوله: (وثقات الناقلين لها) إلخ: قد يتوهم أنه تكرار مع قوله: ((صحيح الروايات
وسقيهما)) وليس بتكرار؛ لأن الرواية قد تصح بمتن ويكون الناقلون لبعض أسانيدها متهمين، فلا
يشتغل بذلك الإسناد.
قوله: (صحة مخارجه) إلخ: تقدم تعريف ((المخرج)) عندهم في ((المقدمة)).
قوله: (والستارة في ناقليه) إلخ : - بكسر السين - هي ما يستتر به، وكذلك السترة. وهي
هنا إشارة إلى الصيانة .
قوله: (وأن يتقي منها) إلخ: من الإتقاء، وهو الاجتناب.
قوله: (والمعاندين من أهل البدع) إلخ: هذا مذهب مسلم، والخلاف في المبتدع الذي لا
يحكم بكفره ولا يبيح الكذب لنصرة مذهبه، قيل: يقبل. وقيل: لا. وثالثها: يقبل إلا الداعية
لمذهبه. فلا يقبل. وهو الأعدل الصحيح. وقد سبق تحقيق هذه المسألة وما يتعلق بالصحيحين
من كون بعض رجالهما متهماً بالبدع مبسوطاً مشروحاً في ((المقدمة)) فراجعه.
قوله: (خبر الفاسق ساقط) إلخ: تقدم تحقيقه في مبحث ((العدالة)) من ((المقدمة)) وجوز
بعض الشيعة الأخذ برواية الفاسق إذا كان متحرزاً من الكذب، وعلل ذلك بأن العدالة المطلوبة
في الرواية موجودة فيه. وقال ابن تيمية تَغَلّقُ في مقالة له: ((ونبأ الفاسق ليس بمردود، بل هو

٣٢٥
مقدمة المؤلف
الشَّهَادَةِ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ، فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي أَعْظَم مَعَانِيهِمَا، إِذْ كَانَ خَبَرُ الْفَاسِقِ غَيْرَ
موجب للتبين والتثبت، كما قال تعالى: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ﴾ [سورة الحجرات، آية: ٦] وفي
القراءة الأخرى: ((فثبتوا)). فعلينا التبين والتثبت، وإنما أمر بالتبين عند خبر الفاسق الواحد ولم
يأمر به عند خبر الفاسق وذلك أن خبر الإثنين يوجب من الاعتقاد ما لا يوجب خبر الواحد، أما
إذا علم أنهما لم يتواطأً فهذا قد يحصل به العلم)) اهـ (توجيه النظر ص ٢٩).
ولعل مراده ليس فيما يتعلق برواية الحديث، وقد سبق منا التنبيه على ما يزيل هذه المغلطة
في ((المقدمة)) فراجعها .
الفرق بين الرواية والشهادة:
قوله: (في أعظم معانيهما) إلخ: الخبر والشهادة يشتركان في اشتراط الإسلام، والعقل،
والبلوغ، والعدالة والمروءة، وضبط الخبر المشهود به، عند التحمل والأداء. ويفترقان في
الحرية، والذكورية، والعدد، والتهمة بالعداوة، وضدها، وما في معنى ذلك، وقبول الفرع مع
وجود الأصل، فتعتبر هذه في الشهادة ولا تعتبر في الخبر. هذا قول العلماء الذين يعتد بهم،
وشذت جماعة فشرطوا أن يكون تحمل الخبر بعد البلوغ، والإجماع يرد عليهم، لأن البلوغ إنما
يعتبر حال الرواية لا حال السماع، وجوز بعض الشافعية رواية الصبي وقبولها قبل البلوغ،
والمعروف خلافه. وشرط بعض المعتزلة كالجبائي العدد في الرواية، فقال الجبائي: لا بد من
اثنين عن اثنين كما في الشهادة. وقال بعضهم: لا بد من أربعة عن أربعة. والأدلة مسطورة في
فن الأصول. كذا في شروح مسلم كثّفُ، وقد مر شرح بعض المسائل وبسطه في ((المقدمة)).
قال السيوطي في ((التدريب)): ((من الأمور المهمة تحرير الفرق بين (الرواية)) ((والشهادة))،
وقد خاض فيه المتأخرون، وغاية ما فرقوا به الاختلاف في بعض الأحكام، كاشتراط العدد
وغيره. وذلك لا يوجب تخالفاً في الحقيقة. قال العراقي: أقمت مدة أطلب الفرق بينهما حتى
ظفرت به في كلام المازري، فقال: الرواية هي الإخبار عن عام لا ترافع فيه إلى الحكام،
وخلافه الشهادة، وأما الأحكام التي يفترقان فيها فكثيرة لم أر من تعرض لجمعها، وأنا أذكر
منها ما تيسر:
الأول: العدد لا يشترط في الرواية بخلاف الشهادة، وقد ذكر ابن عبد السلام في مناسبة
ذلك أموراً: أحدها: أن الغالب من المسلمين مهابة الكذب على رسول الله ◌َ و بخلاف شهادة
الزور. ثانيها: أنه قد ينفرد بالحديث راو واحد. فلو لم يقبل لفات على أهل الإسلام تلك
المصلحة، بخلاف فوت حق واحد على شخص واحد. ثالثها: أن بين كثير من المسلمين
عداوات تحملهم على شهادة الزور، بخلاف الرواية عنه وَالت .
الثاني: لا تشترط الذكورية فيها مطلقاً بخلاف الشهادة في بعض المواضع.

٣٢٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مَقْبُولٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ. وَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى نَفْىٍ رِوَايَةِ
المُنْكَرِ مِنَ الأَخْبَارِ، كَنَحْوِ دَلالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى نَفْيٍ خَبَرِ الْفَاسِقِ.
الثالث: لا تشترط الحرية فيها بخلاف الشهادة مطلقاً .
الرابع: لا يشترط فيها البلوغ في قول.
الخامس: تقبل شهادة المبتدع إلا الخطابية ولو كان داعية، ولا تقبل رواية الداعية ولا
غيره، إن روى موافقه .
السادس: تقبل شهادة التائب من الكذب دون روايته.
السابع: من كذب في حديث واحد رد جميع حديثه السابق، بخلاف من تبين شهادته للزور
في مرة لا ينقض ما شهد به قبل ذلك.
الثامن: لا تقبل شهادة من جرت شهادته إلى نفسه نفعاً أو دفعت عنه ضرراً، وتقبل ممن
روی ذلك.
التاسع: لا تقبل الشهادة لأصل وفرع ورقيق بخلاف الرواية.
العاشر والحادي عشر والثاني عشر: الشهادة إنما تصح بدعوى سابقة وطلب لها وعند
حاكم، بخلاف الرواية في الكل .
الثالث عشر: للعالم الحكم بعلمه في التعديل والتجريح قطعاً مطلقاً، بخلاف الشهادة،
فإن فيها ثلاثة أقوال أصحها التفصيل بين حدود الله تعالى وغيرها .
الرابع عشر: يثبت الجرح والتعديل في الرواية بواحد دون الشهادة على الأصح.
الخامس عشر: الأصح في الرواية قبول الجرح والتعديل غير مفسر من العالم ولا يقبل
الجرح في الشهادة منه إلا مفسراً.
السادس عشر: يجوز أخذ الأجرة على الرواية بخلاف أداء الشهادة إلا إذا احتاج إلى
مركوب .
السابع عشر: الحكم بالشهادة تعديل، بل قال الغزالي: أقوى منه بالقول، بخلاف عمل
العالم أو فتياه بموافقة المروي على الأصح.
الثامن عشر: لا تقبل الشهادة على الشهادة إلا عند تعسر الأصل بموت أو غيبة أو نحوها،
بخلاف الرواية .
التاسع عشر: إذا روى شيئاً ثم رجع عنه سقط، ولا يعمل به، بخلاف الرجوع عن الشهادة
بعد الحكم.
العشرون: إذا شهدا بموجب قتل ثم رجعا وقالا: تعمدنا، لزمهما القصاص، ولو أشكلت

٣٢٧
مقدمة المؤلف
وَهُوَ الأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ
أَحَدُ الْكَاذِیِینَ».
٠٠٠ - (١) حدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا وَبِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكْمِ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيَّبَةً
حادثة على حاكم فتوقف، فروى شخص خبراً عن النبيّ وَّر فيها، وقتل الحاكم به رجلاً ثم رجع
الراوي وقال: كذبت وتعمدت، ففي فتوى البغوي ينبغي أن يجب القصاص کالشاهد إذا رجع،
قال الرافعي: والذي ذكره القفال في ((الفتاوى)) والإمام: أنه لا قصاص، بخلاف الشهادة، فإنها
تتعلق بالحادثة، والخبر لا يختص بها .
الحادي والعشرون: إذا شهد دون أربعة بالزنا حدوا للقذف في الأظهر، ولا تقبل شهادتهم
قبل التوبة، وفي قبول روايتهم وجهان، المشهور منهما القبول. ذكره الماوردي في ((الحاوي))
ونقله عنه ابن الرفعة في ((الكفاية)) والأسنوي في ((الألغاز)) انتهى كلامه. وبعض وجوه الفرق مبني
على ما ذهب إليه أصحابه في الفروع.
قوله: (وهو الأثر المشهور) إلخ: استعمل مسلم الأثر فيما رفع إلى النبيّ بَّر، وهو موافق
لاصطلاح الجمهور في أن الأثر هو المروي، كان عن رسول الله وَلل أو عن صحابي، ومنهم من
خصه بالثاني، وقد مر في ((المقدمة)) الفرق بين الخبر والأثر وغيرهما مما يقاربهما من الألفاظ.
قوله: (يرى أنه كذب) إلخ: قال النووي: ((ضبطناه بضم الياء، فمعناه: (يظن)) وذكر بعض
الأئمة جواز فتح الياء، وهو ظاهر حسن، فمعناه: ((يعلم)) ويجوز أن يكون بمعنى ((يظن)) أيضاً،
فقد حكى ((رأى)) بمعنى ((ظن)) وقيد بذلك لأنه لا يأثم إلا بروايته ما يعلمه أو يظنه كذباً، أما ما
لا يعلمه أو لا يظنه فلا إثم عليه في روايته، وإن ظنه غيره كذباً أو علمه)).
قوله: (فهو أحد الكاذبين) إلخ: بكسر الباء وفتح النون على الجمع، وهو المشهور، قال
عياض: ورواه أبو نعيم الأصبهاني بفتح الباء وكسر النون على التثنية، واحتج به على أن الراوي
له يشارك البادىء بهذا الكذب، ثم رواه أبو نعيم من رواية المغيرة ((الكاذبين أو الكاذبين)) على
الشك في التثنية والجمع.
قوله: (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) إلخ: اسمه عبد الله، وقد أكثر مسلم من الرواية عنه
وعن أخيه عثمان، ولكن عن أبي بكر أكثر، وهما أيضاً شيخا البخاري، وهما منسوبان إلى
جدهما .
قوله: (عن الحكم) إلخ : - بفتح الكاف - وهو ابن عتيبة، وهو من أفقه التابعين وعبادهم.
قوله: (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) إلخ: هو من أجل التابعين، قال عبد الملك بن
عمير: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى في حلقة فيها نفر من أصحاب رسول الله صل* يستمعون

٣٢٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَيْضاً، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنِ
الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ؛ قَالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَإِ ذَلِكَ.
لحديثه وينصتون له، فيهم البراء بن عازب. مات سنة ثلاث وثمانين. واسم أبي ليلى: يسار.
وقيل: بلال، وقيل: بليل - بضم الموحدة على التصغير - وأبو ليلى صحابي قتل مع
علي رَّ بـ ((صفين))، وأما ابن أبي ليلى المذكور في الفقه والذي له مذهب معروف فاسمه:
محمد، وهو ابن عبد الرحمن هذا، وهو ضعيف عند المحدثين. والله أعلم.
قوله: (ح وحدثناه) إلخ: الحاء التي توجد بين الطريقين اختلف فيها، فقيل: إنها مأخوذة
من ((التحويل)) لتحوله من إسناد إلى آخر، وإنه يقول القارىء إذا انتهى إليها: ((ح)) ويستمر،
ورأيت لبعض المتأخرين استحسان زيادة هاء السكت. قلت: وتحسن زيادتها في الوقف لا في
الوصل، ولعل هذا الشيخ المتأخر إنما أطلق لأنه يرى أن الوقف عليها يتعين، وهو الأولى
لاستقلالها بنفسها، وقيل غير ذلك. كما فصلناه في ((المقدمة)) وذكرنا فيها أيضاً أن عادة أهل
الحديث قد جرت بحذف ((قال)) ونحوه فيما بين رجال الإسناد في الخط، وينبغي للقارىء أن
يلفظ بها، وإذا كان في الكتاب ((قرىء على فلا أخبرك فلان)) فليقل القارىء: ((قرىء على فلان
قيل له: أخبرك فلان)) وإذا كان فيه: ((قرىء على فلان أخبرنا فلان)) فليقل: ((قرىء على فلان
قلت أخبرنا فلان)) وإذا تكررت كلمة ((قال)) كقوله: ((حدثنا صالح قال: قال الشعبي)) فإنهم
يحذفون إحداهما في الخط فليقلهما القارىء، فلو ترك القارىء لفظ ((قال)) في هذا كله فقد
أخطأ. والسماع صحيح للعلم بالمقصود، ويكون هذا من الحذف لدلالة الحال عليه. والله
أعلم. وأما الفرق بين ((حدثنا)) و((حدثني)) و((أخبرنا)) و((أخبرني)) فقد سبق بيانه أيضاً في
((المقدمة)) .
قوله: (وسفيان) إلخ: أي: الثوري أحد الأئمة الكبار رحمهم الله.
قوله: (عن حبيب) إلخ: أي: حبيب بن أبي ثابت التابعي الجليل
ـه .
قوله: (عن ميمون بن أبي شبيب) إلخ : - بفتح الشين - وثقه الجمهور، وضعفه ابن معين.
قوله: (قالا: قال رسول الله) إلخ: ضمير التثنية راجع إلى سمرة بن جندب والمغيرة بن
شعبة .
قوله: (ذلك) إلخ: إشارة إلى المتن المذكور سابقاً ((من حدث عني يرى أنه كذب فهو أحد
الكاذبين)) وفيه تقديم المتن على السند، وهو جائز صحيح. قال الحافظ ابن حجر: تقديم
الحديث على السند يقع لابن خزيمة إذا كان في السند من فيه مقال فيبتدىء به، ثم بعد الفراغ
يذكر السند، قال: وقد صرح ابن خزيمة بأن من رواه على ذلك الوجه لا يكون في حل منه.
فحينئذٍ ينبغي أن يمنع هذا، ولو جوزنا الرواية بالمعنى.

٣٢٩
مقدمة المؤلف
(٢) - باب: تغليظ الكذب على رسول الله وَله
٢ - (١) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةً. ح وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ،
عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا رضي الله عنه(١) يَخْطُبُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َ:
واعلم أن هذين الإسنادين فيهما لطيفتان:
الأولى: أن رواتهما كلهم كوفيون إلا شعبة، فإنه واسطي ثم بصري. والثانية: أن في كل
واحد من الإسنادين تابعياً روى عن تابعي، في الأول الحكم عن عبد الرحمن، وفي الثاني
حبيب عن ميمون .
(٢) - باب: تغليظ الكذب على رسول الله، وَل
١ - (١) - قوله: (حدثنا غندر) إلخ: بضم الغين المعجمة وإسكان النون وفتح الدال
المهملة، هذا هو المشهور فيه، وذكر الجوهري في ((صحاحه)) أنه يقال: بفتح الدال وضمها،
واسمه محمد بن جعفر الهذلي مولاهم، البصري أبو عبد الله، وقيل: أبو بكر وغندر لقب، لقبه
به ابن جريح، روينا عن عبيد الله بن عائشة عن بكر بن كلثوم السلمي قال: قدم علينا ابن جريح
البصرة، فاجتمع الناس عليه. فحدث عن الحسن البصري بحديث، فأنكره الناس عليه، قال ابن
عائشة: إنما سمي غندراً. سماه ابن جريج في ذلك اليوم، كان يكثر الشغب عليه. فقال: اسكت
يا غندر! وأهل الحجاز يسمون المشغب غندراً، ومن طرف أحوال غندر تغلَقُ تعالى أنه بقي
خمسين سنة يصوم يوماً ويفطر يوماً، ومات في ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين ومائة، وقيل سنة
أربع وتسعين .
قوله: (وابن بشار) إلخ: هو محمد بن بشار، لقبه بندار.
قوله: (عن ربعي بن حراش) إلخ: بكسر الراء وإسكان الموحدة، وحراش بكسر الحاء
المهملة وآخرها شين معجمة، وليس في الصحيحين حراش بالحاء المهملة سواه، ومن عداه
بالمعجمة، وربعي تابعي كبير جليل، لم يكذب قط، وحلف أنه لا يضحك حتى يعلم أين
مصيره؟، فما ضحك إلا بعد موته، وكذا حلف أخوه ربيع، حتى يعلم أفي الجنة هو أم في النار
قال غاسله: لم يزل متبسماً على سريره، ونحن نغسله، حتى فرغنا.
(١) قوله: ((أنه سمع علياً رضي الله عنه)): الحديث أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب إثم من كذب على
النبي ◌َّل، رقم (١٠٦). والترمذي في أبواب العلم، باب ما جاء في تعظيم الكذب على رسول الله وَ ◌ّر،
(٢٦٦٠)، وابن ماجه في سننه، في المقدمة، باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله وَّقول، رقم
(٣١).

٣٣٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
((لاَ تَكْذِبُوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ يَكْذِبْ عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ)).
قوله: (لا تكذبوا عليّ) إلخ: قال الحافظ في الفتح: ((هو عام في كل كاذب مطلق في كل
نوع من الكذب، ومعناه: لا تنسبوا الكذب إليّ، ولا مفهوم لقوله: ((عليّ)) لأنه لا يتصور أن
يكذب له، لنهيه عن مطلق الكذب، وقد اغتر قوم من الجهلة، فوضعوا أحاديث في الترغيب
والترهيب، وقالوا: نحن لم نكذب عليه، بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته، وما دَرَوْا أن تقويله وَلفار ما
لم يقل يقتضي الكذب على الله تعالى؛ لأنه إثبات حكم من الأحكام الشرعية، سواء كان في
الإيجاب أو الندب، وكذا مقابلهما، وهو الحرام المكروه، ولا يعتد بمن خالف ذلك من
الكرامية حيث جوزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب في تثبيت ما ورد في القرآن والسنة،
واحتج بأنه كذب له لا عليه، وهو جهل باللغة العربية، وتمسك بعضهم بما ورد في بعض طرق
الحديث من زيادة لم تثبت، وهي ما أخرجه البزار من حديث ابن مسعود بلفظ ((من كذب عليّ
ليضلّ به الناس)) الحديث. وقد اختلف في وصله وإرساله. ورجح الدارقطني والحاكم إرساله،
وأخرجه الدارمي من حديث يعلى بن مرة بسند ضعيف، وعلى تقدير ثبوته فليست اللام فيه للعلة
بل للصيرورة، كما فسر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ [سورة
الأنعام، آية: ١٤٤] والمعنى أن مآل أمره إلى الإضلال، وهو من تخصيص بعض أفراد العموم
بالذكر، فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَوَأْ أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ﴾ [سورة آل عمران، آية:
١٣٠]. ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقٍ﴾ [سورة الأنعام، آية: ١٥٢] فإن قتل الأولاد ومضاعفة الربا
والإضلال في هذه الآيات إنما هو لتأكيد الأمر فيها، لا اختصاص الحكم. قال السنوسي نظّتُهُ:
ولا شك أن الكذب عمداً كله حرام إلا ما استثني، ويتأكد تحريمه في الخبر على النبيّ وَّ؛ لأنه
في الحقيقة كذب على الله جل وعلا، لأن النبيّ وَ﴾ ((لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي
يوحى))، فكأن من قال كذباً: إن رسول الله وسل ◌ّ قال: كذا، ادعى أن الله تعالى أوحى إليه بكذا،
((فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم)) والجمهور على أن الكذب
عليه وَلّر من أعظم الكبائر، وحكى إمام الحرمين عن والده أبي محمد الجويني أن المتعمد
للكذب عليه ◌َّ ر كافر، وهو بعيد، رده ابنه إمام الحرمين، قال الحافظ: ((ولا يلزم من استواء
الوعيد في حق من كذب عليه أو كذب على غيره أن يكون مقرهما واحداً، أو طول إقامتهما
سواء، فقد دل قوله وَهو: ((فليتبوأ)) على طول الإقامة فيها، بل ظاهره أنه لا يخرج منها، لأنه لم
يجعل له منزلاً غيره إلا أن الأدلة القطعية قامت على أن خلود التأبيد مختص بالكافرين، وقد
فرق النبيّ وَّه بين الكذب عليه وبين الكذب على غيره، كما سيأتي، ثم اختلف على الأول هل
تقبل روايته إذا تاب، وحسنت توبته أو لا تقبل توبته في ذلك أبداً؟ فقال بالأول جمهور
الشافعية، ورجح السيوطي تتّثُ في التدريب: القول الثاني، والله أعلم)).

٣٣١
مقدمة المؤلف
٣ - (٢) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ عَبْدٍ
الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ(١)؛ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثاً كَثِيراً،
٢ - (٢) - قوله: (يعني ابن علية) إلخ: إنما قال: ((يعني)) لأن هذه النسبة لم يسمعها من
شيخه، واحترز عن الكذب، واحتاج إلى النسبة للتعريف، فقال: (يعني)) وهذا من ورعه نظ ◌ُته،
وقد أكثر البخاري ومسلم ها من هذا الاحتياط إلا أن البخاري كثيراً ما يقول: ((هو ابن فلان))
ومسلم كثيراً ما يقول: ((يعني ابن فلان)) وكلاهما سواء، والمسألة تقدمت مشروحة في المقدمة.
وعلية: بضم العين وفتح اللام، هي أم إسماعيل، وهي علية بنت حسان مولاة لبني شيبان
وكانت امرأة نبيلة عاقلة، وكان صالح المري وغيره من وجوه البصرة وفقهائها يدخلون عليها،
وتسائلهم، وأبوه إبراهيم بن سهيم بن مقسم الأسدي، وإسماعيل بصري وأصله من الكوفة، كنيته
أبو بشر. قال شعبة: إسماعيل بن علية ريحانة الفقهاء وسيد المحدثين.
قوله: (إنه ليمنعني أن أحدثكم) إلخ: وقريب مما قاله أنس ما في صحيح البخاري: ((عن
عبد الله بن الزبير قال: قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله پڑ كما يحدث فلان
وفلان؟! قال: أما إني لم أفارقه، ولكني سمعته يقول: ((من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار))
قال الحافظ: ((وفي تمسك الزبير بهذا الحديث على ما ذهب إليه من اختيار قلة التحديث: دليل
للأصح في أن الكذب هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه، سواء كان عمداً أم خطأ،
والمخطىء وإن كان غير مأثوم بالإجماع، لكن الزبير خشي من الإكثار أن يقع في الخطأ. وهو
لا يشعر، لأنه وإن لم يأثم بالخطأ لكن قد يأثم بالإكثار، إذ الإكثار مظنة الخطأ. والثقة إذا
حدث بالخطأ فحمل عنه وهو لا يشعر أنه خطأ يعمل به على الدوام للوثوق بنقله. فيكون سبباً
للعمل بما لم يقله الشارع، فمن خشي من الإكثار الوقوع في الخطأ لا يؤمن عليه الإثم إذا تعمد
الإكثار، فمن ثم توقف الزبير وغيره من الصحابة عن الإكثار من التحديث. وأما من أكثر منهم:
فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبث أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم.
فسئلوا . فلم یمکنهم الكتمان،
قال: وإنما خشي أنس مما خشي منه الزبير، ولهذا صرح بلفظ ((الإكثار)) لأنه مظنته ومن
(١) قوله: ((عن أنس بن مالك)) الحديث أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي وَّر،
رقم (١٠٨). والترمذي في أبواب العلم باب ما جاء في تعظيم الكذب على رسول الله وَير رقم (٢٦٦١).
ولفظه: عن أنس بن مالك قال: قال: قال رسول الله وَليقول: ((من كذب علي - حسبت أنه قال: متعمداً -
فليتبوأ بيته من النار)).
ووقع في جامع الأصول (٦١١/١٠ رقم ٨٢٠٤، بتحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط) («فليتبوأ مقعده من
النار)).
وأخرجه ابن ماجه في المقدمة، باب التغليظ في الكذب على رسول الله وَ ل9، رقم (٣٢).

٣٣٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حام حول الحمى لا يأمن وقوعه فيه، فكان التقليل منهم للاحتراز، ومع ذلك فأنس من
المكثرين، لأنه تأخرت وفاته فاحتيج إليه، كما قدمناه، ولم يمكنه الكتمان، ويجمع بأنه لو
حدث بجميع ما عنده لكان أضعاف ما حدث به، ووقع في رواية عتاب - بمهملة ومثناة فوقانية -
مولى هرمز، سمعت أنساً يقول: ((لولا أني أخشى أن أخطىء لحدثتك بأشياء قالها رسول الله (وَ ليّ)
الحديث، أخرجه أحمد بإسناد، فأشار إلى أنه لا يحدث إلا ما تحققه ويترك ما يشك فيه،
وحمله بعضهم على أنه كان يحافظ على الرواية باللفظ، فأشار إلى ذلك بقوله: ((لولا أن
أخطىء)) وفيه نظر، والمعروف عن أنس جواز الرواية بالمعنى كما أخرجه الخطيب عنه صريحاً،
وقد وجد في رواياته ذلك، كذا في الفتح.
وقال ابن قتيبة في جوابه عن طعن النظام في أبي هريرة إنكار بعض الصحابة عليه: كان
عمر شديد الإنكار على من أكثر الرواية أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم
بأن يقلوا الرواية، يريد بذلك أن لا يتسع الناس فيها، فيدخلها الشوب ويقع التدليس والكذب
من المنافق والفاجر والأعرابي، وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله وضمير كأبي
بكر والزبير وأبي عبيدة والعباس بن عبد المطلب يقلون الرواية عنه. بل كان بعضهم لا يكاد
يروي شيئاً، كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. وقال
علي: كنت إذا سمعت من رسول الله وَلقر حديثاً نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه محدث
استحلفته، فإن حلف لي صدقته، وإن أبا بكر حدثني وصدق أبو بكر. وذكر الحديث، أفما ترى
تشديد القوم في الحديث وتوقي من أمسك كراهية التحريف أو الزيادة في الرواية أو النقصان؛
لأنهم سمعوه علَلا يقول: ((من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار)) وهكذا روي عن الزبير أنه
رواه، وقال: أراهم يزيدون فيه ((متعمداً)) والله ما سمعته قال: ((متعمداً)). وروى مطرف بن عبد الله
أن عمران بن حصين قال: والله إن كنت لأرى أني لو شئت لحدثت عن رسول الله وَل يومين
متتابعين، ولكن بطأني عن ذلك أن رجالاً من أصحاب رسول الله وشر سمعوا كما سمعت،
وشهدوا كما شهدت، ويحدثون أحاديث ما هي كما يقولون، وأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم،
فأعلمك أنهم كانوا يغلطون لا أنهم كانوا يتعمدون، فلما أخبرهم أبو هريرة بأنه كان ألزمهم
لرسول الله وَّ لخدمته، وشبع بطنه، وكان فقيراً معدماً، وأنه لم يكن ليشغله عنه غرس الوادي،
ولا الصفق بالأسواق: يعرض بأنهم كانوا يتصرفون في التجارات، ويلزمون الضياع في أكثر
الأوقات، وهو ملازم له لا يفارقه، فعرف ما لم يعرفوا وحفظ ما لم يحفظوا أمسكوا عنه، وكان
مع هذا يقول: قال رسول الله ولو: كذا، وإنما سمعه من الثقة عنده فحكاه، وكذلك كان ابن
عباس يفعل وغيره من الصحابة، وليس في هذا كذب بحمد الله، ولا على قائله إن لم يفهمه
السامع جناح إن شاء الله)) اهـ.

٣٣٣
مقدمة المؤلف
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِباً
وقال الذهبي في ترجمة أبي بكر الصديق ظله من طبقات الحفاظ: ((إنه كان أول من
احتاط في قبول الأخبار)). وقال في ترجمة عمر رَظُه: ((وهو الذي سن للمحدثين التثبت في
النقل)).
وأخرج ابن ماجه في سننه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قلنا لزيد بن أرقم: حدثنا
عن رسول الله وَلقول، قال: كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله وَط﴿ شديد. وأخرج عن
السائب بن يزيد أنه قال: صحبت سعد بن مالك من المدينة إلى مكة، فما سمعته يحدث عن
النبيّ وَّر بحديث واحد. وروي عن الشعبي أنه قال: جالست ابن عمر سنة، فما سمعته يحدث
عن رسول الله وَر شيئاً. وروي عن محمد بن سيرين أنه قال: كان أنس بن مالك إذا حدث عن
رسول الله وَّير ففرغ منه، قال: أو كما قال رسول الله بَله، وقد ثبت توقف كثير من الصحابة في
قبول كثير من الأخبار، وقد استدل بذلك من يقول بعدم الاعتماد عليها في أمر الدين، وقد رد
عليهم الجمهور بأن الرد إنما كان لأسباب عارضة، وهو لا يقتضي رد جميع أخبار الآحاد كما
ذهب إليه أولئك، وقد مر تفصيله في ((المقدمة)) بقدر ما يكفي ويشفي، ولله الحمد. وقد عقد ابن
حزم فصلاً في ((كتاب الأحكام)) للرد على من ذم الإكثار من الرواية، فقال: ((هذا داحض
بالبرهان الظاهر، وهي أن يقال لمن ذم الإكثار من الرواية: أخبرنا أخير هي أم شر: ولا سبيل
إلى وجه ثالث، فإن قال: هي خير فالإكثار من الخير خير، وإن قال: هي شر فالقليل من الشر
شر، وهم قد أخذوا بنصیب منه)) اهـ.
قلت : - وبالله التوفيق - نعم، رواية الحديث خير جسيم بلا شبهة وشك - وإنما يعرض الشر
لبعض من يكثر منها بعارض، كما نبه عليه الزبير وأنس وغيرهما وأوضحه الحافظ ولا شك أن
كل شيء قضى الله أن يكون خيراً فلا يكون شراً، وبالعكس، ولكن يخشى من رزق الخير أن
يعرض له في تصرفه فيه ما يجلب له أو لغيره الشر، ألا ترى أن أكل الطعام خير يعيش به
الإنسان ويقوي بنيته، والإكثار منه بحيث لا يراعي حال المعدة وقوة الهضم شر مهلك. قال
عياض في شرح حديث ((إن الخير لا يأتي إلا بخير، أو خير هو أن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطاً
أو يلم إلا آكلة الخضر)) الحديث: ضرب وَلّر لهم مثلاً بحالتي المقتصد والمكثر، فقال تتلاقى: أنتم
تقولون: نبات الربيع خير، وبه قوام الحيوان، وليس هو كذلك مطلقاً، بل منه ما يقتل أو يقارب
القتل، فحالة المبطون المتخوم كحالة من يجمع المال، (وقد أطلق لفظ ((الخير)) في القرآن على
المال) ولا يصرفه في وجوهه، فأشار ◌َّه إلى أن الاعتدال والتوسط في الجميع أحسن، ثم
ضرب مثلاً لمن ينفعه إكثاره، وهو التشبيه بآكلة الخضر، وهذا التشبيه لمن صرفه في وجوهه
الشرعية (النووي، كتاب الزكاة) وهكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (من تعمد علي كذباً) إلخ: هذا حديث عظيم في نهاية من الصحة، وقيل: إنه

٣٣٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَلْيَتَبَوَأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).
٤ - (٣) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْغُبَرِيُّ قال، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ،
عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرةً(١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً
فَلْيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِّنَ النَّارِ)).
متواتر، وهو الصحيح، كما حققناه في مبحث ((المتواتر)) من المقدمة، والله أعلم.
قوله: (فليتبوأ مقعده) إلخ: أي: فلينزل، وقيل: فليتخذ منزله من النار، قال الخطابي:
وأصله من مباءة الإبل، وهي أعطانها، ثم قيل: إنه دعاء بلفظ الأمر، قيل: إنه خبر بلفظ الأمر
معناه: فقد استوجب ذلك، فليوطن نفسه عليه. وتدل عليه الرواية الأخرى ((يلج النار)) ومعنى
الحديث: أن هذا جزاءه إلا أن يعفو الله. ثم إن جوزي بالنار فلا يخلد فيها .
قوله: (محمد بن عبيد الغبري) إلخ: بغين معجمة مضمومة، ثم ياء موحدة مفتوحة،
منسوب إلى ((غير)) أبي قبيلة معروفة في بكر بن وائل. ومحمد هذا بصري.
قوله: (أبو عوانة) إلخ: بفتح العين وبالنون، اسمه الوضاح بن عبد الله.
قوله: (عن أبي حصين) إلخ: بفتح الحاء المهملة وكسر الصاد إلا حضين بن المنذر فإنه
بالضاد المعجمة. واسم أبي حصين عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي التابعي.
قوله: (عن أبي صالح) إلخ: هو السمان، ويقال: الزيات، اسمه ذكوان، كان يجلب
السمن والزيت إلى الكوفة .
قوله: (عن أبي هريرة) إلخ: هو أول من كُني بهذه الكنية، واختلف في اسمه واسم أبيه
على نحو من ثلاثين قولاً، وأصحها: عبد الرحمن بن صخر. قال أبو عمر بن عبد البر لكثرة
الاختلاف فيه: لم يصح عندي فيه شيء يعتمد عليه إلا أن عبد الله أو عبد الرحمن هو الذي
يسكن إليه القلب في اسمه في الإسلام، قال: وقال محمد بن إسحاق: اسمه عبد الرحمن بن
صخر، قال: وعلى هذا اعتمدت طائفة صنفت في الأسماء والكنى. وقال الحاكم أبو حمد:
أصح شيء عندنا في اسمه عبد الرحمن بن صخر.
وأما سبب تكنيته أبو هريرة فإنه كانت له في صغره هريرة صغيرة يلعب بها .
ولأبي هريرة ربه منقبة عظيمة، وهي أنه أكثر الصحابة، رواية عن رسول الله وَّل، وذكر
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)): الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العلم، باب إثم من كذب على
النبي ◌َّر، رقم (١١٠). وفي كتاب الأدب، في باب من سمى بأسماء الأنبياء، رقم (٦١٩٧). وابن ماجه
في سننه، في المقدمة، باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله وص له، رقم (٣٤). ولفظه: ((من تقول
على ما لم أقل فليتبوأ ... )).

٣٣٥
مقدمة المؤلف
٥ - (٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ،
قال حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ؛ قَالَ: أَتَيْتُ الْمَسْجِدَ، وَالْمُغِيرَةُ أَمِيرُ الْكُوفَةِ، قَالَ: فَقَالَ
الْمُغِيرَةُ(١): سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ كَذِباً عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، فَمَنْ
كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).
الإمام الحافظ بقي بن مخلد الأندلسي في مسنده: لأبي هريرة خمسة آلاف حديث وثلاثة وأربعة
وسبعين حديثاً، وليس لأحد من الصحابة هذا القدر ولا ما يقاربه، قال الإمام الشافعي: أبو
هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، وكان أبو هريرة ينزل المدينة بذي الحليفة وله بهار دار.
مات بالمدينة سنة تسع وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين سنة، ودفن بالبقيع، وماتت عائشة رضيّا قبله
بقليل، وهو صلى عليها. وقيل: إنه مات سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان، والصحيح سنة
تسع، وكان من ساكني الصفة وملازميها، وقال أبو نعيم في حلية الأولياء: ((كان عريف أهل
الصفة وأشهر من سكنها)). والله أعلم.
٤ - (٤) - قوله: (والمغيرة أمير الكوفة) إلخ: كانت إمارة المغيرة على الكوفة من قبل
معاوية من سنة إحدى وأربعين إلى أن مات وهو عليها سنة خمسين.
قوله: (ليس ككذب على أحد) إلخ: أي: غيري، ومعناه أن الكذب على الغير قد ألف،
واستهل خطبه، وليس الكذب عليّ بالغاً مبلغ ذاك في السهولة، وإن كان دونه في السهولة فهو
أشد منه في الإثم.
وبهذا التقرير يندفع اعتراض من أورد أن الذي تدخل عليه الكاف أعلى. والله أعلم. وكذا
لا يلزم من إثبات الوعيد المذكور على الكذب عليه أن يكون الكذب على غيره مباحاً، بل يستدل
على تحريم الكذب على غيره بدليل آخر. والفرق بينهما: أن الكذب عليه توعد فاعله بجعل النار
له مسكناً، بخلاف الكذب على غيره، وقد ورد في حديث واثلة بن الأسقع في المناقب من
صحيح البخاري: ((إن من أعظم الفري أن يدعي الرجل إلى غير أبيه، أو يري عينه ما لم تر، أو
يقول على رسول الله وَ﴿ ما لم يقل))، قال الحافظ: والحكمة في التشديد في الكذب على
النبيّ وَّر واضح، فإنه يخبر عن الله، فمن كذب عليه كذب على الله عز وجل، وقد اشتد النكير
(١) قوله: ((فقال المغيرة)): الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز، في باب ما يكره من النياحة
على الميت رقم (١٢٩١).
والترمذي في جامعه في أبواب العلم، في باب ما جاء فيمن روى حديثاً وهو يرى أنه كذب رقم (٢٦٦٢).
ولفظه: ((من حدث عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)).
وأخرجه ابن ماجه في سننه في المقدمة، في باب من حدث عن رسول الله وَّ ر حديثاً وهو يرى أنه كذب،
رقم (٤١). بلفظ الترمذي إلا أنه قال: ((بحديث)) بدل ((حديثاً)).

٣٣٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦ - (٠٠٠) وحدّثني عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ قال، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ قال، أَخْبَرَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسِ الأَسَدِيُّ، عَنِ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الأَسَدِيِّ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ
النَّبِيِّ وَّهِ بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: ((إِنَّ كَذِباً عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ)).
(٣) - باب: النهي عن الحديث بكل ما سمع
٧ - (٥) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ،
عَنْ حَقْصٍ بْنِ عَاصِمٍ (١)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ:
على من كذب على الله تعالى في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ اُفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ
◌ِثَايَتِهِ﴾ [سورة الأعراف، آية: ٣٧] فسوى بين من كذب عليه وبين الكافر. وقال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى
الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى الَّهِ وُجُوهُهُم ◌ُسْوَدَّةٌ﴾ [سورة الزمر، آية: ٦٠] والآيات في ذلك متعددة.
قوله: (علي بن حجر السعدي) إلخ: بضم الحاء وسكون الجيم.
قوله: (علي بن مسهر) إلخ: بضم الميم وكسر الهاء وسكون السين.
(٣) - باب: النهي عن الحديث بكل ما سمع
(٥) - (٥) - قوله: (عن خبيب بن عبد الرحمن) إلخ: بضم الخاء المعجمة، وليس في
الصحيحين خبيب بالمعجمة إلا ثلاثة. هذا، وخبيب بن عدي، وأبو خبيب كنية الزبير ..
قوله: (عن حفص بن عاصم قال: قال رسول الله (وَ ﴾) إلخ: قال النووي ◌َُّ: ((هكذا وقع
في هذا الطريق) عن حفص عن النبيّ وَل﴿ ((مرسلاً فإن حفصاً تابعي))، وفي الطريق الثاني ((عن
حفص عن أبي هريرة عن النبيّ وَّ ر متصلاً، فالطريق الأول رواه مسلم من رواية معاذ بن معاذ
وعبد الرحمن بن مهدي كلاهما عن شعبة، وكذلك رواه غندر عن شعبة فأرسله، والطريق الثاني
عن علي بن حفص عن شعبة، قال الدارقطني: الصواب المرسل عن شعبة، كما رواه معاذ وابن
مهدي وغندر. قلت(٢): وقد رواه أبو داؤد في سننه أيضاً مرسلاً ومتصلاً، فرواه مرسلاً عن
حفص بن عمر النميري عن شعبة، ورواه متصلاً من رواية علي بن حفص، وإذا ثبت أنه روي
متصلاً ومرسلاً فالعمل على أنه متصل، هذا هو الصحيح الذي قاله الفقهاء وأصحاب الأصول
وجماعة من أهل الحديث، ولا يضر كون الأكثرين رَوَوْهُ مرسلاً، فإن الوصل زيادة من ثقة،
وهي مقبولة)) وقد تقدمت هذه المسألة موضحة في المقدمة فراجعها .
(١) قوله: ((عن حفص بن عاصم)): الحديث أخرجه أبو داؤد في سننه في كتاب الأدب، باب في التشديد في
الكذب، رقم (٤٩٩٢).
(٢) القائل النووي رحمه الله.

٣٣٧
مقدمة المؤلف
(كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِباً أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)).
٨ - (٠٠٠ ) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ خُبَيْبٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ بِمِثْلٍ
ذلِكَ .
٩ - (٠٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي
عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ؛ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ
الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.
قوله: (كفى بالمرء كذباً) إلخ: أي: كفى المرء من الكذب حديثه بكل ما سمع، أي: فقد
أخذ من الكذب حظاً وافراً، فالظاهر أن الباء زائدة على المفعول، و((أن يحدث)) فاعل ((كفى))
و((كذباً)) تمييز. والله أعلم.
قوله: (بكل ما سمع) إلخ: فإن الإنسان يسمع في العادة الصدق والكذب، فإن حدث بكل
ما سمع من غير تثبّت وتبين فقد كذب لإخباره ببعض ما لم يكن، فإن الكذب عند أهل الحق
الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه في الواقع، ولا يشترط فيه التعمد، لكن التعمد شرط في
كونه إثماً، وما يتفق نادراً فيمن حفظ فلم يسمع إلا الصدق فغير مراد بالحديث، وإنما خرج
مخرج الغالب، وقد نبّه الله سبحانه وتعالى في القرآن على شناعة من يذيع كل خبر جاءه من
الأمن أو الخوف، ولا يتثبت فيه بإرجاعه إلى مظان تصديقه وتكذيبه، فقال عز من قائل: ﴿وَإِذَا
جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِّ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ
يَسْتَنَِّطُونَهُ مِنْهُمُّ﴾ [سورة النساء، آية: ٨٣] وقد مر بيانه في بحث الخبر المشهور من المقدمة.
قوله: (هشيم) إلخ: بضم الهاء هو ابن بشر السلمي الواسطي أبو معاوية، اتفق أهل عصره
ومن بعده على جلالته، وكثرة حفظه، وإتقانه، وصيانته، وكان مدلساً، وقد قال في روايته هنا :
((عن سليمان التيمي)) وقدمنا في المقدمة أن عنعنة المدلس لا يحتج بها إلا أن يثبت سماعه من
جهة أخرى، وأن ما كان في الصحيحين من ذلك فمحمول على إثبات سماعه من جهة أخرى،
وهذا منه .
قوله: (عن أبي عثمان النهدي) إلخ: بفتح النون وإسكان الهاء منسوب إلى جد من
أجداده، وهو نهد بن زيد، وأبو عثمان من كبار التابعين وفضلائهم، واسمه عبد الرحمن بن مُلّ
- بضم الميم وفتحها وكسرها واللام المشددة على الأحوال الثلاثة - وأسلم أبو عثمان على عهد
النبيّ وَّر ولم يلقه، وهو كوفي بصري، كان بالكوفة مستوطناً بها، فلما قتل الحسين ظ ◌ُبه تحوّل
منها إلى البصرة، وقال: لا أسكن بلداً قتل فيه ابن بنت النبيّ وَّلـ
قوله: (بحسب المرء من الكذب) إلخ: بإسكان السين، وهو مبتدأ، والباء زائدة، ومعناه:
یکفیه ذلك من الكذب، فإنه قد استكثر منه .

٣٣٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٠ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو بْنِ سَرْحٍ.
قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ؛ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: اِعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا
سَمِعَ، وَلا يَكُونُ إِمَاماً أَبَداً، وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.
١١ - (٠٠٠) حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ
الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.
١٢ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ مَهْدِيٍّ يَقُولُ:
لاَ يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَاماً يُقْتَدَى بِهِ حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْضٍ مَا سَمِعَ.
١٣ - (٠٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّم، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ
حُسَيْنِ؛ قَالَ: سَأَلَنِي إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةً فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكَ قَدْ كَلِفْتَ بِعِلْمِ الْقُرْآنِ، فَاقْرَأُ عَلَيَّ
قوله: (ولا يكون إماماً أبداً) إلخ: فإنه إذا حدث بكل ما سمع كثر الخطأ في روايته،
والنقاد يطلعون على خطأه فيتركون الاعتماد عليه، والأخذ عنه، فتسقط إمامته، كذا في
الشروح، أو معناه أن التحديث بكل ما سمع فيه شوب من الكذب بشهادة الحديث المتقدم،
وتباعد عن مسلك الاحتياط والحزم، وإغماض عن مراعاة المصالح المطلوبة شرعاً وعقلاً،
فصاحبه لا يليق بمنصب الإمامة ولا يستأهل له. والله أعلم.
قوله: (حدثنا عبد الرحمن) إلخ: هو ابن مهدي.
قوله: (حدثنا سفيان) إلخ: أي: الثوري.
قوله: (عن أبي إسحاق) إلخ: هو أبو إسحاق السبيعي بفتح السين، اسمه عمرو بن عبد الله
الهمداني الكوفي التابعي الجليل.
قوله: (عن عبد الله) إلخ: هو عبد الله بن مسعود رقپه.
قوله: (عن سفيان بن حسين) إلخ: ابن الحسن أبو محمد، ويقال له: أبو الحسن
الواسطي.
قوله: (سألني إياس بن معاوية) إلخ: كان من دهاة الناس، قال عبد الله بن شؤذب: كانوا
يقولون: يولد في كل مائة سنة رجل تام العقل، فكانوا يرون إياس بن معاوية منهم.
قوله: (قد كلفت) إلخ: هو بفتح الكاف وكسر اللام وبالفاء، معناه: ولعت به، ولازمته.
وقال بعضهم: الكلف الإيلاع بالشيء مع شغل قلب ومشقة.

٣٣٩
مقدمة المؤلف
سُورَةً وَفَسِّرْ، حَتَّى أَنْظُرَ فِيمَا عَلِمْتَ. قَالَ فَفَعَلْتُ. فَقَالَ لِيَ: احْفَظْ عَلَيَّ مَا أَقُولُ لَكَ،
إِيَّكَ وَالشَّنَاعَةَ فِي الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ قَلَّمَا حَمَلَهَا أَحَدٌ إِلَّ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ، وَكُذِّبَ فِي حَدِيثِهِ.
١٤ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي يُونسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
مَسْعُودٍ قَالَ: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْماً حَدِيثاً لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً.
قوله: (حتى أنظر فيما علمت) إلخ: يوجد بفتح التاء - وهو الأظهر - وبضمها، ويحتمل أن
تكون ((في)) حينئذٍ سببية. والله أعلم.
قوله: (احفظ عليّ) إلخ: أي: احفظ مني هذا القول، فـ ((على)) بمعنى ((من)) كما نقل
الجوهري في قوله تعالى: ﴿إِذَا أَكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ﴾ [سورة المطففين، آية: ٢] أي: من الناس. والله
أعلم.
قوله: (إياك والشناعة في الحديث) إلخ: قال السنوسي: ((هي بفتح الشين، وهي القبح،
يقال: شنع الشيء - بالضم - فهو أشنع وشنيع، وشنعت بالشيء - بكسر النون - أنكرته، وشنعت
على الرجل: ذكرته بقبيح. والمعنى أنه حذره أن يحدث الأحاديث المنكرة التي يشنع صاحبها،
وينكر، ويقبح حال صاحبها فيكذب، ويستراب في روايته، فتسقط منزلته ويذلّ في نفسه)).
قلت: وانظر هذا هل هو خاص بما لا يعتقد صحته أو وإن اعتقدها إذا كان يرى أنه لا
يقبل منه ويرد في وجهه، لأنه يضع من نفسه بغير فائدة، والثاني: أظهر، ويدل عليه أثر ابن
مسعود رضيته بعده، والله أعلم.
قلت: ولعل إياس بن معاوية أوصاه خاصة بهذه الوصية النافعة لأنه كان مولعاً بتفسير
القرآن العظيم، والمشتغلون بالتفسير كثيراً ما يتساهلون في أمر الرواية والنقل، فنبهه على التجنب
عن هذه البلية العظمى. وهذا من دلائل فطنة إياس المشهورة.
قوله: (إلا كان لبعضهم فتنة) إلخ: وفي صحيح البخاري عنَّ عليّ: ((حدثوا الناس بما
يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله)). وفي بعض الروايات زيادة ((ودعوا ما ينكرون))، أي:
حدثوا ما يفهمون ودعوا ما يشتبه عليهم فهمه، وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند
العامة.
قال الجزائري تغذّثهُ: وقد فهم من هذين الأثرين (أي: أثر عبد الله بن مسعود وأثر علي) أن
المحدث يجب عليه أن يراعي حال من يحدثهم: فإن كان فيما ثبت عنده ما لا تصل إليه أفهامهم
وجب عليه ترك تحديثهم به دفعاً للضرر، فليس كل حديث يجب نشره لجميع الناس كما يتوهمه
الأغمار، فقد روى البخاري عن أبي هريرة أنه قال: ((حفظت عن رسول الله وَليل وعائين: فأما
أحدهما: فبثئته، وأما الآخر: فلو بثئته قطع هذا البلعوم))، قالوا: أراد بالوعاء الأول الأحاديث

٣٤٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
التي لم ير ضرراً في بثها، فبثها، وأراد بالوعاء الثاني الأحاديث المتعلقة ببيان أمراء الجور
وذمهم، فقد روي عنه أنه قال: لو شئت أن أسميهم بأسمائهم. وكان لا يصرح بذلك خوفاً على
نفسه منهم. وقال بعض الصوفية تغلفه: أراد به الأحاديث المتعلقة بالأسرار الربانية التي لا
يدركها إلا أرباب القلوب، وفي كون المراد به هذا فيه نظر، لأنه لو كان كذلك لما وسع أبا
هريرة كتمانه من جميع الناس، بل كان أظهره لبعض الخواص منهم، على أن الذي كتمه أبو
هريرة لو كان مما يتعلق بالدين لكان غايته أن يكون بمنزلة المتشابه، والمتشابه موجود في
الكتاب العزيز، وهو يتلى على الناس كلهم في كل حين، وقد روى أبو هريرة كثيراً من
الأحاديث المتشابهة .
أخرج مسلم عنه في باب صلاة الليل أنه قال: قال رسول الله مَ له: ((ينزل ربنا تبارك وتعالى
كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيبَ له، ومن
يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له)).
وأخرج عنه في باب رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة أنه قال: ((إن ناساً قالوا لرسول الله وَله:
((هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله،
قال: هل تضارون في شمس ليس دونها سحابٌ؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك، يجمع
الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس،
ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها
منافقوها، فيأتيهم الله في صورة غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله
منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون،
فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه)) الحديث.
وأخرج عنه في كتاب الجنة أنه قال: قال رسول الله وَله: ((خلق الله عز وجل آدم على
صورته، طوله ستون ذراعاً، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر - وهم نفر من
الملائكة جلوس - فاستمع ما يحيُّونك به؛ فإنها تحيتك وتحية ذريتك، قال: فذهب، فقال:
السلام عليكم. فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، قال: فزادوه ((ورحمة الله)) قال: فكل من
يدخل الجنة على صورة آدم، وطوله ستون ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن)).
وروى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله وَّر قال: ((لما قضى
الله الخلق كتب عنده فوق عرشه: أن رحمتي سبقت غضبي)) اهـ؛ هذا ومن الغريب ما يروى عن
ابن القاسم أنه قال: سألت مالكاً عن من يحدث الحديث ((أن الله خلق آدم على صورته))،
والحديث ((أن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة))، و((أنه يدخل في النار يده حتى يخرج من أراد)»،
فأنكر ذلك إنكاراً شديداً، ونهى أن يتحدث به أحد. قال تقي الدين في ((التسعينية)): هذان