Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ مقدمة كتاب ابن أبي ذئب وابن عيينة والثوري ومعمر وغيرهم ممن شارك مالكاً في الشيوخ، وقد رواه عن مالك بغير واسطة أكثر من ألف رجل، وقد ضرب الناس فيه أكباد إبل إلى مالك من أقاصي البلاد، كما كان النبيّ ◌َّر ذكره في حديثه، فمنهم المبرزون من الفقهاء: كالشافعي، ومحمد بن الحسن، وابن وهب، وابن القاسم. ومنهم نحارير المحدثين: كيحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق. ومنهم الملوك والأمراء: كالرشيد وابنيه. وقد اشتهر في عصره حتى بلغ على جميع ديار الإسلام ثم لم يأت زمان إلا وهو أكثر له شهرة، وأقوى به عنايةً، وعليه بنى فقهاء الأمصار مذاهبهم، حتى أهل العراق في بعض أمرهم، ولم يزل العلماء يخرجون أحاديثه، ويذكرون متابعاته وشواهده، ويشرحون غريبه، ويضبطون مشكله، ويبحثون عن فقهه ويفتشون عن رجاله إلى غاية ليس بعدها غاية، وإن شئت الحق الصراح فقس كتاب الموطأ بكتاب الآثار لمحمد، والأمالي لأبي يوسف، تجد بينه وبينهما بعد المشرقين، فهل سمعت أحداً من المحدثين والفقهاء تعرض لهما واعتنى بهما؟. أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما وأنه كل من يهون أمرهما فهو مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين، وإن شئت الحق الصراح فقسهما بكتاب ابن أبي شيبة، وكتاب الطحاوي، ومسند الخوارزمي، وغيرها، تجد بينها وبينهما بعد المشرقين. وقد استدرك الحاكم عليهما أحاديث هي على شرطهما ولم يذكراها، وقد تتبعت ما استدركه فوجدته قد أصاب من وجهٍ ولم يصب من وجهٍ، وذلك لأنه وجد أحاديث مروية عن رجال الشيخين بشرطهما في الصحة والاتصال فاتجه استدراكه عليهما من هذا الوجه، ولكن الشيخين لا يذكران إلا حديثاً قد تناظر فيه مشايخهما، وأجمعوا على القول به والتصحيح له، كما أشار مسلم حيث قال: ((لم أذكر لههنا إلا ما أجمعوا عليه)). وجل ما تفرد به المستدرك كالموكى عليه، المخفي مكانه في زمن مشايخهما، وإن اشتهر أمره من بعد، أو ما اختلف المحدثون في رجاله فالشيخان كأساتذتهما، كانا يعتنيان بالبحث عن خصوص الأحاديث في الوصل والانقطاع وغير ذلك، حتى يتضح الحال، والحاكم يعتمد في الأكثر على قواعد مخرجة من صنائعهم، كقوله: زيادة الثقات مقبولة. وإذا اختلف الناس في الوصل والإرسال والوقف والرفع وغير ذلك فالذي حفظ الزيادة حجة على من لم يحفظ. والحق أنه كثيراً ما يدخل الخلل في الحفاظ من قِبَل رفع الموقوف ووصل المنقطع، لا سيما عند رغبتهم في المتصل المرفوع وتنويههم به، فالشيخان لا يقولان بكثير مما يقوله الحاكم. والله أعلم. ٢٨٢ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وهذه الكتب الثلاثة: التي اعتنى القاضي عياض في المشارق بضبط مشكلها ورد تصحیفها . الطبقة الثانية: كتب لم تبلغ مبلغ الموطأ والصحيحين، ولكنها تتلوها، كان مصنفوها معروفين بالوثوق والعدالة والحفظ والتبحر في فنون الحديث، ولم يرضوا في كتبهم هذه بالتساهل فيما اشترطوا على أنفسهم، فتلقاها من بعدهم بالقبول، واعتنى بها المحدثون والفقهاء طبقةً بعد طبقةٍ، واشتهرت فيما بين الناس، وتعلق بها القوم شرحاً لغريبها، وفحصاً عن رجالها، واستنباطاً لفقهها، وعلى تلك الأحاديث بناء عامة العلوم: كسنن أبي داود، وجامع الترمذي، ومجتبى النسائي. وهذه الكتب مع الطبقة الأولى اعتنى بأحاديثها رزين في ((تجريد الصحاح)) وابن الأثير في ((جامع الأصول)» وكاد مسند أحمد يكون من جملة هذه الطبقة، فإن الإمام أحمد جعله أصلاً يعرف به الصحيح والسقيم، قال: ((ما ليس فيه فلا تقبلوه)). والطبقة الثالثة: مسانيد، وجوامع، ومصنفات صنفت قبل البخاري ومسلم رحمهما الله وفي زمانهما وبعدهما، جمعت بين الصحيح، والحسن، والضعيف، والمعروف، والغريب، والشاذ، والمنكر، والخطأ، والصواب، والثابت، والمقلوب، ولم تشتهر في العلماء ذلك الاشتهار، وإن زال عنها اسم النكارة المطلقة، ولم يتداول ما تفردت به الفقهاء كثير تداولٍ، ولم تفحص عن صحتها وسقمها المحدثون كثير فحصٍ، ومنه ما لم يخدمه لغوي لشرح غريب، ولا فقيه بتطبيقه بمذاهب السلف، ولا محدث ببيان مشكله، ولا مؤرخ بذكر أسماء رجاله، ولا أريد المتأخرين المتعمقين، وإنما كلامي في الأئمة المتقدمين من أهل الحديث، فهي باقية على استتارها واختفاءها وخمولها، كمسند أبي علي، ومصنف عبد الرزاق، ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة، ومسند عبد بن حميد، والطيالسي، وكتب البيهقي، والطحاوي، والطبراني، وكان قصدهم جمع ما وجدوه لا تلخيصه وتهذيبه وتقريبه من العمل. والطبقة الرابعة: كتب قصد مصنفوها بعد قرون متطاولة جمع ما لم يوجد في الطبقتين الأوليين، وكانت في المجاميع والمسانيد المختفية، فنوهوا بأمرها، وكانت على ألسنة من لم يكتب حديثه المحدثون ككثير من الوعاظ المتشدين وأهل الأهواء والضعفاء، أو كانت من آثار الصحابة والتابعين، أو من أخبار بني إسرائيل، أو من كلام الحكماء والوعاظ، خلطها الرواة بحديث النبيّ ◌َجل سهواً أو عمداً، أو كانت من محتملات القرآن والحديث الصحيح، فرواها بالمعنى قوم صالحون لا يعرفون غوامض الرواية، فجعلوا المعاني أحاديث مرفوعة، أو كانت معاني مفهومة من إشارات الكتاب والسنة، جعلوها ٢٨٣ مقدمة أحاديث مستبدة برأسها عمداً، أو كانت جملاً شتى في أحاديث مختلفة جعلوها حديثاً واحداً بنسق واحدٍ. ومظنة هذه الأحاديث كتاب الضعفاء لابن حبان، وكامل بن عدي، وكتب الخطيب، وأبي نعيم، والجوزقاني، وابن عساكر، وابن نجار، والديلمي، وكاد مسند الخوارزمي يكون من هذه الطبقة. وأصلح هذه الطبقة ما كان ضعيفاً محتملاً، وأسوأها ما كان موضوعاً أو مقلوباً شديد النكارة، وهذه الطبقة مادة كتاب الموضوعات لابن الجوزي. ولههنا طبقة خامسة: منها: ما اشتهر على ألسنة الفقهاء والصوفية والمؤرخين، ونحوهم، وليس له أصل في هذه الطبقات الأربع. ومنها: ما دسها الماجن في دينه العالم بلسانه، فأتى بإسناد قوي لا يمكن الجرح فيه، وكلام بليغ لا يبعد صدوره عنه ◌َّلية، فأثار في الإسلام مصيبة عظيمة، لكن الجهابذة من أهل الحديث يوردون مثل ذلك على المتابعات والشواهد، فتهتك الأستار ويظهر العوار. أما الطبقة الأولى والثانية: فعليهما اعتماد المحدثين. وحول حماهما مرتعهم ومسرحهم. وأما الثالثة: فلا يباشرها للعسل عليه والقول به إلا النحارير الجهابذة الذين يحفظون أسماء الرجال وعلل الأحاديث. نعم! ربما يؤخذ منها المتابعات والشواهد، وقد جعل الله لكل شيء قدراً . وأما الرابعة: فالاشتغال بجمعها أو الاستنباط منها نوع تعمق من المتأخرين. وإن شئت الحق فطوائف المبتدعين من الرافضة والمعتزلة وغيرهم يتمكنون بأدنى عناية أن يلخصوا منها شواهد مذهبهم، فالانتصار بها غير صحيح في معارك العلماء بالحديث، والله أعلم)) . اهـ. أنواع المصنفات في الحديث قال في العرف الشذي ناقلاً عن العجالة النافعة للمحدث الدهلوي تخّته: ((إن المؤلفات في فن الحديث على أنواع: منها: الجامع الذي يحتوي على ثمانية أشياء، وهي هذه: سير، وآداب، تفسير، عقائد، فتن، أحكام، أشراط، مناقب. ٢٨٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قال: والجامع من الصحاح: الترمذي، والبخاري. وأما صحيح مسلم: فليس بجامع. لقلة التفسير فيه)) اهـ. قلت: قد أطلق عليه اسم الجامع الشيخ مجد الدين الشيرازي صاحب ((القاموس)) حيث قال: ((ختمت بحمد الله جامع مسلم)). فكأنه لم يلتفت إلى قلة التفسير فيه، ولعل سبب هذه القلة قلة الأحاديث الصحيحة الواردة فيه المستجمعة لشروط مسلم تخلفه، وأكثر ما يورده البخاري وغيره في أبواب التفسير إما أحاديث قد ذكرت مراراً في سائر أبواب الكتاب لشدة مناسبتها بتراجمها، ثم كررت في كتاب التفسير، وإما آثار موقوفة وأقوال لغوية غير مرفوعة. وما دون ذلك قليل ومسلم كثّهُ متجانب عن التكرار، ومتباعد عن نقل الأقوال والآثار التي ليست بمسندة إلى النبيّ وَطلِ. فلهذا قل مادة التفسير في بابه، والله أعلم. قال: ((ومنها)) ((السنن)): وهي التي فيها الأحكام فقط، على ترتيب أبواب الفقه، وهي من الصحاح: سنن أبي داود. والنسائي، وابن ماجه، ويسمى الترمذي أيضاً سنناً تغليباً، وكذلك إطلاق الصحاح الستة على هذه الكتب المعهودة، لأن الصحيح صحيح البخاري ومسلم، وبقيتها سنن. ومنها: ((المسند)» الذي يذكر فيه الأحاديث من الصحابة بحسب رعاية ترتيبهم، بدون الترتيب على أبواب الفقه، مثلاً يذكر أولاً الأحاديث المروية عن أبي بكر، ثم عن عمر، وهكذا . ومنها: ((المعجم)) الذي يذكر فيه أحاديث الشيوخ مرتبة كالترتيب في المسند. ومنها: ((الجزء)) الذي يحتوي على أحاديث مسألة واحدة معينة: كجزء القراءة للبخاري، وجزء رفع الیدین له. ومنها: ((المفرد)) الذي يحتوي على أحاديث شخص واحد، مثل أحاديث أبي هريرة أو حذيفة. ومنها: ((الغريبة)) التي فيها تفردات تلميذ واحد من شيوخه، وأنواع مثل المستخرج والمستدرك وغيرهما ، اهـ. وقال لعلامة الجزائري: ((وللعلماء في تصنيف الحديث وجمعه طريقان: إحداهما: التصنيف على الأبواب، وهو تخريجه على أحكام الفقه وغيره، وتنويعه أنواعاً، وجمع ما ورد في كل حكم وكل نوع في باب، بحيث يتميز ما يتعلق بالصلاة مثلاً عما يتعلق بالصيام. وأهل هذه الطريقة منهم من اقتصر على إيراد ما صح فقط: كالشيخين، ومنهم من لم يقتصر على ذلك: كأبي داود، والترمذي، والنسائي. ٢٨٥ مقدمة الثانية: التصنيف على المسانيد، وهو أنه يجمع في ترجمة كل صحابي ما عنده من حديثه، سواء كان صحيحاً أو غير صحيح، ويجعله على حدة، وإن اختلفت أنواعه. وأهل هذه الطريقة منهم من رتب أسماء الصحابة على حروف المعجم: كالطبراني في ((المعجم الكبير))، والضياء المقدسي في ((المختارة)) التي لم تكمل، وهذا أسهل تناولاً، ومنهم من رتبها على القبائل، فقدم بني هاشم، ثم الأقرب فالأقرب إلى رسول الله وَّر في النسب، ومنهم من رتبها على السبق في الإسلام، فقدم العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الحديبية، ثم من أسلم وهاجر بين الحديبية والفتح. ثم من أسلم يوم الفتح، ثم أصاغر الصحابة سناً: كالسائب بن يزيد وأبي الطفيل، وختم بالنساء. وقد سلك ابن حبان في صحيحه طريقة ثالثة، فرتبه على خمسة أقسام: وهي: الأوامر، والنواهي، والأخبار عما احتيج إلى معرفته كبدء الوحي والأسراء، وما فضل به نبينا على سائر الأنبياء، والإباحات، وأفعال النبي وَلّ مما اختص به، ونوّع كل واحدٍ من هذه الخمسة إلى أنواع، ولقد أغرب في ذلك كما أغرب بعض المحدثين في بيان سبب إغرابه حيث قال: صحيح ابن حبان ترتيبه مخترع ليس على الأبواب ولا على المسانيد، ولهذا سماه ((التقاسيم والأنواع)) وسببه أنه كان عارفاً بالكلام والنجوم والفلسفة، ولهذا تكلم فيه، ونسب إلى الزندقة، وكادوا يحكمون بقتله، ثم نفي من سجستان إلى سمرقند، والكشف من كتابه عسر جداً، وقد رتبه بعض المتأخرين على الأبواب، وعمل له الحافظ أبو الفضل العراقي أطرافاً، وجرد الحافظ أبو الحسن الهيثمي زوائده على الصحيحين في مجلد . ولهم في جمع الحديث طرق أخرى: منها: جمعه على حروف المعجم، فيجعل مثلاً حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) في حرف الألف، وقد جرى على ذلك أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس، وابن طاهر في أحاديث كتاب ((الكامل)) لابن عدي. ومنها: جمعه على الأطراف، وذلك بأن يذكر طرف الحديث ثم يجمع أسانيده، إما مع عدم التقييد بكتب مخصوصة، أو مع التقييد بها، وذلك مثل ما فعل أبو العباس أحمد بن ثابت العراقي في أطراف الكتب الخمسة، والمزي في أطراف الكتب الستة، وابن حجر في أطراف الكتب العشرة. ومن أعلى المراتب في تصنيف الحديث تصنيفه معللاً، بأن يجمع في كل حديث طرقه، واختلاف الرواة فيه؛ فإن معرفة العلل أجل أنواع الحديث، وبها يظهر إرسال ما ٢٨٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يكون متصلاً أو وقف ما يكون مرفوعاً وغير ذلك من الأمور المهمة، والذين صنفوا في العلل منهم من رتب كتابه على الأبواب: كابن أبي حاتم، وهو أحسن؛ لسهولة تناوله، ومنهم من رتب كتابه على المسانيد، كالحافظ الكبير الفقيه المالكي يعقوب بن شيبة البصري، نزيل بغداد، أخذ عن أحمد وابن المديني، وابن معين، وتوفي في سنة اثنتين وستين ومائتين؛ فإنه ألف مسنداً معللاً، غير أنه لم يتم، ولو تم لكان في نحو مائتي مجلد، والذي تم منه هو مسند العشرة والعباس، وابن مسعود، وعتبة بن غزوان، وبعض الموالي، وعمار، ويقال: مسند علي منه في خمس مجلدات ويقال: إنه كان في منزله أربعون لحافاً أعدها لمن يبيت عنده من الوراقين الذين يبيضون المسند، ولزمه على ما خرج من المسند عشرة آلاف دينار. قال بعض المشايخ: إنه لم يتم مسند معلل قط . هذا، وقد جرت عادة أهل الحديث أن يفردوا بالجمع والتأليف بعض الأبواب والشيوخ والتراجم والطرق. أما الأبواب: فقد أفرد بعض الأئمة بعضها بالتصنيف، وذلك کباب رفع اليدين، فقد أفرده البخاري بالتصنيف، وكذلك باب القراءة خلف الإمام، وكباب القضاء باليمين مع الشاهد، فقد أفرده الدارقطني بالتصنيف، وكباب القنوت، فقد أفرده ابن مندة بالتصنيف، وكباب البسملة، فقد أفرده ابن عبد البر وغيره بذلك وغير ذلك. وأما الشيوخ: فقد جمع بعض العلماء حديث شيوخ مخصوصين كل واحد منهم على انفراده، فجمع الإسماعيلي حديث الأعمش، وجمع النسائي حديث الفضيل بن عیاض، وجمع غیرهما غير ذلك. وأما التراجم: فقد جمعوا ما جاء بترجمة واحدة من الحديث، كمالك عن نافع عن ابن عمر، وكسهيل ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وكهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ونحو ذلك. وأما الطرق: فقد جمعوا طرق بعض الأحاديث، وذلك كحديث قبض العلم، فقد جمع طرقه: الطوسيُّ، وحديث ((من كذب علي متعمداً ... ) فقد جمع طرقه الطبراني، وحديث ((طلب العلم فريضة)) فقد جمع طرقه بعض المحدثين وغير ذلك، اهـ. أحاديث الصحيحين هل تفيد القطع؟ قال الجزائري تَّهُ: ((قال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح في مبحث الصحيح في ٢٨٧ مقدمة الفائدة السابعة بعد أن ذكر الأقسام السبعة التي سبق بيانها: هذه أمهات أقسامه، وأعلاها: الأول، وهو الذي يقول فيه أهل الحديث كثيراً: صحيح متفق عليه، يطلقون ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم رحمهما الله، لا اتفاق الأمة عليه، لكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك وحاصل معه؛ لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول، وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به خلافاً لمن نفى ذلك، محتجاً بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول؛ لأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطىء، وقد كنت أميل إلى هذا وأحبه قوياً، ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أولاً وهو الصحيح؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطىء، والأمة في مجموعها معصومة من الخطأ، ولهذا كان إجماع المبني على الاجتهاد: حجة مقطوعاً بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك، وهذه نكتة نفيسة نافعة، ومن فوائدها: القول بأن ما تفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته. "لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق. سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ، كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن)). وقد خالف العلامة النووي كغَفُ الحافظ ابن الصلاح فيما ذهب إليه، فقال في التقريب - وهو كتاب اختصره من الإرشاد الذي اختصره من كتاب علوم الحديث للحافظ المذكور -: ((وإذا قالوا: صحيح، متفق عليه، أو على صحته: فمرادهم اتفاق الشيخين، وذكر الشيخ أن ما روياه أو أحدهما فهو مقطوع بصحته، والعلم القطعي حاصل فيه، وخالفه المحققون والأكثرون، فقالوا: يفيد الظن ما لم يتواتر)). وقال في شرحه على مسلم: ((هذا الذي ذكره الشيخ في هذه المواضع خلاف ما قاله المحققون والأكثرون)). وقال الحافظ ابن حجر: ((ما ذكره النووي مسلّم من جهة الأكثرين، أما المحققون: فلا، فقد وافق ابن الصلاح أيضاً محققون)). وقال البلقيني: ((ما قاله النووي وابن عبد السلام ومن تبعهما ممنوع؛ فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين مثل قول ابن الصلاح عن جماعة من الشافعية: كأبي إسحاق، وأبي حامد الإسفرائيني، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وعن السرخسي من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب من المالكية، وأبي يعلى، وأبي الخطاب. وابن الزاغواني من الحنابلة، وابن فورك وأكثر أهل الكلام من الأشعرية، وأهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة، بل بالغ ابن طاهر المقدسي في ((صفوة التصوف)) فألحق به ٢٨٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ما كان على شرطهما وإن لم يخرجاه، وقد كثر الرادون على ابن الصلاح والمنتصرون له)). قال الجزائري: ((أما المنتصرون لابن الصلاح فالسابق منهم إلى ذلك هو: العلامة ابن تيمية تَُّهُ، وقد وقفت له على مقالتين، تصدى فيهما إلى هذه المسألة الجليلة الشأن، محاولاً تقريبها من القواعد الكلامية، لتكون أقرب إلى قبول المتكلمين ومن نحا نحوهم، فصارت سهلة الحل، لا سيّما إذا تزحزح كل من الفريقين عن مكانه قليلاً، وسعى نحو الآخر)) اهـ. ثم نقل خلاصة مقالتيه. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن إجماع الأئمة أو تلقي الأمة بالقبول إنما يفيد علم اليقين أو علم طمأنينة بالأمر الذي وقع الإجماع عليه، أو التلقي بقبوله، فالإجماع على قبول مطلق للخبر الواحد المستجمع لشروط الصحة، وإفادته الظن الموجب للعمل بشرط خلوه عن الموانع - مثلاً - إنما يفيد حصول العلم القطعي بأن خبر الواحد مفيد للظن، ومقبول في العمليات، وأنه يحتمل السهو، والغلط، والخطأ، احتمالاً مرجوحاً ضعيفاً، وظاهر أن هذا العلم القطعي المستفاد من الإجماع لا يحول خبر الواحد من إفادته الظن إلى إفادته العلم اليقيني، بل يؤكد كونه ظنياً محتملاً للخطأ لحصول الاتفاق عليه، وإلا لصار أخبار الآحاد بأسرها قطعية، وهذا باطل بالإجماع، فهكذا إذا أجمع العلماء على أخبار معينة بأنها صحيحة، أو أصح صحاح، أو مستجمعة لشروط الصحة على وجه الكمال عند المحدثين، فمحصله يرجع إلى قطعية كونها بعينها أخبار آحاد مفيدة للظن، مقبولة في العمليات، بشرط الخلو عن العوائق، وهذا لا يخرجها عن حيز الظن إلى درجة العلم واليقين، فأحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن؛ فإنها آحاد، والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر، ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك، وتلقي الأمة بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما؛ وهذا متفق عليه؛ فإن أخبار الآحاد التي في غيرهما يجب العمل بها إذا صحت أسانيدها، ولا تفيد إلا الظن، فكذا الصحيحان، وإنما يفترق الصحيحان وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحاً لا يحتاج إلى النظر فيه، بل يجب العمل به مطلقاً، لجلالة قدر مصنفيهما، ورسوخ قدمهما في العلم، وتقدمهما في المعرفة بالصناعة، وجودة تمييز الصحيح من غيره، وبلوغهما أعلى المراتب في الاجتهاد والإمامة في وقتهما، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى ينظر وتوجد فيه شروط الصحيح. ولا يلزم من إجماع الأمة على كونها صحيحة حسب مصطلح المحدثين الإجماع ٢٨٩ مقدمة على العمل بمضمونها، كما قال الترمذي في حديث ابن عباس ربه في الجمع بين الصلاتين بالمدينة، الذي أخرجه مسلم في صحيحه أنه غير معمول به، ولا على كونها مقطوعاً بأنها من كلام النبيّ وَّر في الواقع؛ فإن الأمة مأمورة بالعمل بالظن حيث لا يطلب القطع، والظن قد يخطىء، وذلك كالقاضي؛ فإنه مأمور بالحكم بشهادة من كان عدلاً في الظاهر، وكونه مأموراً بذلك لا يدل على أن شهادة العدل لا بد أن تكون مطابقة للواقع، وثابتة في نفس الأمر؛ لاحتمال أن يكون قد شهد بخلاف الواقع، إما لِوَهَم وقع له إذا كان عدلاً في نفس الأمر، أو للكذب، لم يتحرج منه إذا كان عدلاً فيما يبدو للناس فقط، والقاضي على كل حال قد قام بما وجب عليه. نعم! إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضى خبر بعينه، أو تلقي الأمة لمضمونه بالقبول تعاملاً وتصديقاً، فحينئذٍ يفيد العلم بصحة مضمونه في الواقع، وكونه معمولاً به في نفس الأمر، ولو لم يكن الإسناد صحيحاً لما تقدم منا بسطه في بحث المشهور الأصولي، وهذا فرق دقيق لم يتنبه له ابن تيمية وغيره من أنصار ابن الصلاح رحمهم الله . وأيضاً فوقوع الإجماع على أصحية الكتابين وعظم شأنهما وتقدمهما على غيرهما ليس معناه أصحية كل حديث فيهما بالنسبة إلى ما سواهما، بل أصحية الجملة من الجملة، وتقدمها عليها، وهذا كما اتفق الجمهور على تفضيل صحيح البخاري على صحيح مسلم. وصرح الزركشي وغيره من المحققين بأن ترجيح كتاب البخاري على مسلم إنما المراد به ترجيح الجملة على الجملة، لا كل فرد من أحاديثه على كل فرد من أحاديث الآخر، وعلى هذا فلا يستدل بمجرد هذا الإجماع الجملي على كون حديث معين من أحاديثهما: أصح من صحاح سائر الكتاب، إلا بعد تبين وجوه الأصحية في ذاك الحديث بعينه. نعم! كما قال ابن الهمام: ((تسكن نفس غير المجتهدين، ومن لم يخبر أمر الراوي بنفسه إلى ما اجتمع عليه الأكثر (أو قال به الأعرف) أما المجتهد باعتبار الشرط وعدمه والذي خبر الراوي: فلا يرجع إلا إلى رأي نفسه، ولهذا اضطر ابن الصلاح ومن تبعه إلى استثناء المواضع التي انتقدت عليها)). قال الجزائري: ((وقال بعضهم: إن تلقي الأمة لها بالقبول من جهة كون ما فيهما من الأحاديث أصح مما في سواهما من الكتب الحديثية؛ لجلالة مؤلفيهما في هذا الأمر، وتقدمهما على من سواهما في ذلك التزامهما في كتابيهما: أن لا يوردا فيهما غير الصحيح، وهذا يدل على أنهما أرجح مما سواهما على طريق الإجمال، ولا يدل ذلك على أن ما فيهما مجزوم بصحة نسبته إلى النبيّ وَّر، ولذلك أقدم الدارقطني وغيره على ٢٩٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الانتقاد عليهما، مع أن انتقادهم عليهما كان قاصراً على ما يتعلق بالأسانيد، وأما الانتقاد عليهما من جهة ما يتعلق بالمتون من جهة مخالفتهما للكتاب وللسنة المتواترة، ونحو ذلك: فلم يتصدوا له؛ لأن ذلك من متعلقات علماء الكلام والأصول، وقد حمل انتقادَ الدارقطني وغيره ابنُ الصلاح على أن يستثني ما انتقدوه من إفادة العلم، مع أن فيما انتقدوه ما الجواب عنه بَيّن، وفيما لم ينتقدوه ما هو دون ما انتقدوه، ولا يخفى أن هذا الاستثناء قد أضعف قوة الحكم في غيره، ولذا أقدم بعض أنصاره على أن يستثني شيئاً آخر، وهو ما وقع التعارض فيه من الأحاديث، بحيث لا يمكن الجمع، ولا وقوع النسخ مع عدم ظهور الرجحان في جهته، وذلك لاستحالة إفادة المتعارضين من كل وجه العلم، ومع ذلك فقد حاول أن يجعل الخلاف لفظياً بأن يقال: من قال: إنه لا يفيد العلم أراد العلم اليقيني، ومن قال: إنه يفيد العلم أراد العلم الذي لم يصل إلى درجة اليقين)) اهـ. وقال الحافظ كَُّ في توضيح النخبة: ((إن الخلاف في التحقيق لفظي؛ لأن من جوز إطلاق ((العلم)) قيده بكونه نظرياً، وهو الحاصل عن الاستدلال، ومن أبى الإطلاق خص لفظ ((العلم)) بالمتواتر، وما عداه عنده ظني، لكنه لا ينفي أن ما احتف بالقرائن أرجح مما خلا عنها)). ثم بعد ذلك كله ينبغي أن يستحضر ما حققناه سابقاً في بحث الشاذ والانتقاد لخبر الأحاد، أن كل حديث حكم بصحتها المحدثون إنما حكمهم فيما يتعلق بالإسناد حسب ما يقتضيه فنهم ووظيفتهم، وهذا القدر لا يمنع الفقهاء وعلماء الأصول من عدم تصحيحه أحياناً من حيث المتن بحسب موضوعهم ووظيفتهم، على ما مر تفصيله. فإجماع أهل العلم بالحديث على أصحية ما في الصحيحين غاية ما في الباب أنه يوجب القطع بالأصحية المعتبرة عند المحدثين، دون الأصحية المعتبرة عند الفقهاء، فيقال: إن أحاديث الصحيحين مقطوع بصحتها الإسنادية وثبوتها الحديثي عند جميع العلماء وسائر الأمة، دون صحتها الفقهية وثبوتها الاصولي، فلا جرم أن قال ابن الهمام: ((إن كون ما في الصحيحين مقدماً (بالإطلاق) على ما روي برجالهما في غيرهما، أو تحقق فيه شرطهما بعد إمامة المخرج: تحكم لا يجوز التقليد فيه)) اهـ. وليس غرضنا مما كتبنا في هذا المبحث تهوين أمر الصحيحين، أو غيرهما من كتب الحديث، (معاذ الله) بل المقصود نفي التعمق والغلو، ووضع كل شيء في موضعه، وتنويه شأنه بما يستحقه. ونحن بحمد الله نعتقد في هذين الكتابين الجليلين بما اعتقدَ، ونقول بما قال به شيخ شيوخنا ومقدم جماعتنا: مولانا الإمام الشاه ولي الله الدهلوي ٢٩١ مقدمة قدس الله روحه في ((حجة الله البالغة)) وهذا لفظه: ((أما الصحيحان: فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع (أي بالتفصيل الذي ذكرنا) وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأنه كل من يهون أمرهما فهو مبتدع (ضال) متبع غير سبيل المؤمنين)) اهـ. رَبَّنَا لاَ تُزِعْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ وارزقنا شفاعة النبي الأواب، الناطق بالصواب، يوم الحشر والحساب، وصلى الله تعالى عليه وآله وأصحابه وبارك وسلم. ٢٩٣ مقدمة المؤلف بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ مقدمة المؤلف الْحَمْدُ لِلَّهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ [مقدمة المؤلف] قوله: (الحمد لله) إلخ: هذه الجملة - كما أفاد الشيخ ابن الهمام - إخبار صيغة إنشاء معنى كصيغ العقود، ومعنى الحمد معروف، وللناس عبارات شتى في بيانه لا يخلو بعضها من نظر وبحث. فيطلب مع بيان الفرق بين الحمد والشكر والمدح في مظانها؛ إذ لا حاجة بنا هنا إلى الإطناب بها . ثم من المعلوم أن الاسم الجليل أعني ((الله)) خاص بواجب الوجود، الخالق للعالم، المستحق لجميع المحامد. بل هو أخص أسمائه الحسنى. والصحيح أنه عربي كما عليه عامة العلماء، لا أنه عبري أو سُرياني كما ذهب إليه أبو زيد البلخي، ثم على أنه عربي هل هو علم أو صفة؟ فقيل: صفة. والصحيح الذي عليه المعظم أنه عَلَمٌ، ثم على أنه علم هل هو مشتق أو غير مشتق؟ فقيل: مشتق، على اختلاف بينهم في المادة التي اشتق منها، وفي أن علميته حينئذٍ بطريق الوضع أو الغلبة، وقيل: غير مشتق بل هو علم مرتجل من غير اعتبار أصل أخذ منه، وعلى هذا الأكثرون، منهم: أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، والشافعي، والخليل، والزجاج، وابن كيسان، والحليمي، وإمام الحرمين، والغزالي، والخطابي. ثم روى هشام عن محمد بن الحسن قال: سمعت أبا حنيفة تغلّفُ يقول: اسم الله الأعظم هو: ((الله)). وبه قال الطحاوي وكثير من العلماء وأكثر العارفين، حتى إنه لا ذكر عندهم لصاحب مقام فوق الذكر به، وقد علم من هذا وجه تخصيص الحمد به دون غيره من أسمائه تعالى، وإنما قدم الحمد عليه جرياً على ما هو الأصل من تقديم المسند إليه مع انتفاء المقتضي للعدول عنه من غير معارض سالم من المعارض، لأن كون ذكر الله أهم نظراً إلى ذاته يعارضه كون المقام مقام الحمد لله. كذا في التقرير والتحبير. ٢٩٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قال النووي: ((إنما بدأ مسلم(١) ((بالحمد لله)) لحديث أبي هريرة له أن رسول الله وَله قال: ((كلُّ أمرٍ ذي بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أقطع))، وفي رواية: ((بحمد الله)) وفي رواية: (بالحمد فهو أقطع))، وفي رواية: ((أجزم)) وفي رواية: ((لا يبدأ فيه بذكر الله))، وفي رواية: (ببسم الله الرحمن الرحيم))، روينا كل هذه في (كتاب الأربعين)) للحافظ عبد القادر الرهاوي سماعاً من صاحبه الشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن سالم الأنباري عنه، وروينا فيه أيضاً من رواية كعب بن مالك الصحابي ظه، والمشهور رواية أبي هريرة، وهذا الحديث حسن رواه أبو داؤد وابن ماجه في سننهما، ورواه النسائي في كتابه عمل اليوم والليلة، وروي موصولاً ومرسلاً ورواية الموصول إسنادها جيّدٌ، (وقد حسّنه التاج السُّبكي أيضاً في الطبقات)، ومعنى ((أقطع)): قليل البركة، وكذلك: ((أجزم)) بالجيم والذال المعجمة، ويقال منه: جذِم بكسر الذال يجذّم بفتحها، والله أعلم)). قال العلامة المحقق ابن أمير الحاج في ((شرح التحرير)): ((ذكر الشيخ محي الدين النووي كثّفُ أن المراد بحمد الله (في الحديث) ذكر الله، كما جاء في الرواية الأخرى، فإن كتاب هرقل كان ذا بال من المهمّات العظام، ولم يبدأ فيه رسول الله وَلهو بلفظ الحمد وبدأ بالبسملة)) . اهـ. قال العبد الضعيف غفر الله تعالى له: وفي ذلك نظر، فإنه إن عُني حينئذٍ بذكر الله في قوله: ((إن المراد بحمد الله ذكر الله)) ذكره بالجميل على قصد التبجيل الذي هو معنى الحمد خاصَّة، فالأمر بقلب ما قال، وهو أن المراد بذكر الله ما هو المراد بحمد الله، فهو من باب حمل المطلق على المقيد لا من باب التجوُّزِ بالمقيد عن المطلق، وحينئذٍ يبقى الكلام في تمشية مثل هذا الحمل على القواعد، وهو متمش على قواعد الشافعية ومن وافقهم، لأنهم يحملون في مثله المطلق على المقيد لا على قاعدة جمهور الحنفية، لأنهم لا يحملون في مثله المطلق على المقيد، لأن التقييد فيه راجع إلى معنى الشرط، وإنما يجرون في مثله المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده حتى إنه يخرج عن العهدة بأيّ فرد كان من أفراد ذلك المطلق، فتعليق الحكم الثابت للمُطلق بالمقيد من حيث إنه لا يؤثر اعتبار قيد ذلك المقيد في ذلك المطلق عندهم كأفراد فرد من العام بحكم العام حيث لا يوجب ذلك تخصيص العام، كما هو المذهب الصحيح، وحينئذٍ يتّجه أن يُسألوا عن الحكمة في التنصيص على ذلك الفرد من المطلق دون غيره، ويتّجه لهم أن يجيبوا هنا بأن لعلها إفادة تعليم العباد ما هو أولى أو من أولى ما يؤدّى به المراد من (١) كلمة ((مسلم)) زيادة من المصنف رحمه الله على كلام النووي إيضاحاً. انظر شرحه (٢/١) ط: أصح المطابع كراتشي. م ٢٩٥ مقدمة المؤلف رَبِّ الْعَالَمِينَ، المطلق، وإن عُني حينئذٍ بذكر الله في قوله المذكور ذكره مطلقاً على أيّ وجه كان من وجوه التعظيم، سواء كان تسبيحاً أو تحميداً أو شكراً أو تهليلاً أو تكبيراً أو تسميةً أو دعاءً، فلا نسلم أن المراد بحمد الله ذكر الله على هذا الوجه من الإطلاق؛ للعلم بأن المعنى الحقيقي للحمد ليس ذلك، فلا يصح ذلك ولا داعي إلى التجوّز به عن مطلق الذكر لاندفاع الإشكال بكتاب هرقل وما جرى مجراه بما ذكرناه على قول جمهور الحنفية، فتأمّل. وفرّق بعضهم بين الكتب والخطب لما عرف من عادته وَ * أنه كان أكثر ما يبدأ الخطبَ بالحمدلة دون البسملة، والكتبَ على العكس منه. ذكره الزرقاني في ((شرح الموطأ، وكتاب سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام إلى ملكة سبأ أيضاً مبدوء بالبسملة دون الحمدلة، كما في القرآن(١) . فالذي يظهر من مجموع الأدلّة - والله أعلم - أن المطلوب الابتداء بذكر الله، ومن أولى ما يحصل به هذا لمطلوب البسملة والحمدلة مجتمعتين أو منفردة إحداهما من الأخرى بحسب ما يقتضيه المقام والحال، والمراد بالابتداء في الحديث عندي الابتداء العرفي الممتد الزماني لا الحقيقي الآني. والله أعلم. قوله: (ربّ العالمين) إلخ: قال الراغب: ((الربُّ في الأصل التربية، وهو إنشاءُ الشيء حالاً فحالاً إلى حدّ التمام، يقال: ربَّه وربَّاه ورَبَّبَه، وقيل: ((لأن يَرُبّنِي رجل من قريش أحبُّ إليَّ من أن يربَّني رجل من هوازن؛ فالربُّ مصدر مستعار للفاعل ولا يقال: ((الرب)) مطلقاً إلا لله تعالى المتكفّل بمصلحة الموجودات، نحو قوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ﴾ [سورة سبأ، آية: ١٥] وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَتَّخِذُواْ اْلَكَةَ وَالنَّبِيْنَ أَرْبَابًا﴾ [سورة آل عمران، آية: ٨٠] أي: آلهة، وتزعمون أنهم الباري مسبب الأسباب(٢) والمتولي لمصالح العباد، وبالإضافة يقال له ولغيره، نحو قوله: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة، آية: ١] و﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَبَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [سورة الدخان، آية: ٨])) ويقال: ربّ الدَّار وربّ الفرس لصاحبهما، وعلى ذلك قول الله تعالى: ﴿أَذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَنَهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [سورة يوسف، آية: ٤٢] وقوله تعالى: ﴿أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [سورة يوسف، آية: ٥٠]. والعالَم قيل: هو مشتق من العِلْم، فإطلاقه حينئذٍ على السموات والأرض وما بينهما بطريق التغليب - لما في هذه من ذوي العلم من الثقلين والملائكة - على غيرهم من الحيوانات والجمادات والجواهر والأعراض، وقيل: هو مشتق من العلاَّمة؛ لأن فَاعَلاً كثيراً ما يستعمل في (١) قال الله عز وجل: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ [النحل: ٣٠]. (٢) كذا العبارة في الأصل. ٢٩٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ الآلة يفعل بها الشيء. ((كالطابع)) و((الخاتم)) فهو كالآلة في الدلالة على صانعه، فهو حينئذٍ اسم لكلّ ما سوى الله تعالى بصفاته من الجواهر والأعراض؛ فإنها لإمكانها وافتقارها إلى مؤثّر واجب لذاته تدل على وجوده، ولعل على هذا ما في الصّحاح من تفسيره بالخلق أي: المخلوق . قوله: (والعاقبة للمتقين) إلخ: أي: العاقبة بالظفر في الدنيا والفوز بالآخرة إنما هي مخصوصة بمن اتقى الله، وخاف مقام ربه، وخاف وعيده، كما يشهد به آيات كثيرة من القرآن العظيم . قوله: (وصلى الله) إلخ: قال النووي: ((هذا الذي فعله من ذكره الصَّلاة على النبيّ وَّر بعد الحمدلة هو عادة العلماء ، وروينا بإسنادنا الصحيح المشهور من رسالة الشافعي عن الشافعي عن ابن عُيَيْنَة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد كَذَُّ: ((في قول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (١) [سورة الشرح، آية: ٤] قال: لا أُذكر إلا ذُكرتَ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله)). وروينا هذا التفسير مرفوعاً إلى رسول الله ( * عن جبريل عن رب العلمين))(١). وروى الطبراني في ((الأوسط)) وأبو الشيخ في ((الثواب)) وغيرهما بسند فيه ضعف أن رسول الله ◌َي قال: ((من صلى عليّ في كتاب لم تزل الملائكة يستغفرون له ما دام اسمي في ذلك الكتاب)) وفي لفظ لبعضهم: ((من كتب في كتابه ((وَّر)) لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام في كتابه)). ومثل هذا مما يغتنم، ولا يمنع منه الضعف المذكور لكونه من أحاديث الفضائل ولم يضعف بالوضع، كذا في ((شرح التحرير)). ونقل السخاوي عن ابن القيم أنه قال: الأشبه أنه كلام جعفر بن محمد لا مرفوعاً، ولفظه: ((من صلى على رسول الله وَل﴿ في كتاب صلَّت عليه الملائكة غدوة ورواحاً ما دام اسم رسول الله (18 في ذلك الكتاب)). قال ابن أمير الحاج: ((إن الصلاة موضوعة للاعتناء بإظهار الشرف وتتحقق منه تعالى بالرحمة ومن غيره بدعائه له)) اهـ. وسيأتي مزيد البسط في باب الصلاة على النبيّ وَّر من كتاب الصلاة إن شاء الله. قال ابن أمير الحاج: ((وكون الحمد في صورة الجملة الاسمية والصلاة في صورة الجملة الفعلية غير ضائر لاتفاقهما هنا في كونهما إنشاءً)). قال النووي: ((ثم إنه قد ينكر على مسلم تغذُّ كونه اقتصر على الصلاوة على رسول الله الخير دون التسليم، وقد أمرنا الله تعالى بهما جميعاً، فقال تعالى: ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [سورة (١) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/١). ٢٩٧ مقدمة المؤلف عَلَى مُحَمَّدٍ الأحزاب، آية: ٤٥٦ فكان ينبغي أن يقول: ((وصلى الله وسلم على محمد)). فإن قيل: فقد جاءت الصلاة عليه وهو غير مقرونة بالتسليم، وذلك في آخر التشهد في الصلوات. فالجواب أن السلام تقدم قبل الصلاة في كلمات التشهد وهو قوله: ((سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)) ولهذا قالت الصحابة : يا رسول الله، قد علمنا السلام عليك، فكيف نصلي عليك؟ الحديث. وقد نص العلماء : على كراهة الاقتصار على الصلاة عليه وَّر من غير تسليم، والله أعلم))(١). وقال السخاوي: ((وخصَّ ابن الجزري الكراهة بما وقع في الكتب مما رواه الخلف عن السّلف، لأن الاقتصار على بعضه خلاف الرواية، قال: فإن ذكر رجل النبيّ وَّر فقال: ((اللهم صل عليه)) - مثلاً - فلا أحسب أنهم أرادوا أن ذلك يكره، وأمَّا شيخنا فقال: إن كان فاعل أحدهما يقتصر على الصلاة دائماً فيكره من جهة الإخلال بالأمر الوارد بالإكثار منهما والترغيب فيهما، وإن كان يصلي تارة ويسلم أخرى من غير إخلال بواحدة منهما فلم أقف على دليل يقتضي كراهة، ولكنه خلاف الأولى؛ إذ الجمع بينهما مستحب لا نزاع فيه، قال: ولعل النووي كثُّ اطلع على دليل خاص لذلك، ((وإذا قالت حذام فصدقوها)) انتهى. ويتأيد ما خصَّ شيخنا الكراهة به بوقوع الصلاة مفردة في خطبة كل من ((الرسالة)) لإمامنا الشافعي، (وصحيح مسلم))، و((التنبيه)) للشيخ أبي إسحاق(٢) اهـ. قوله: (على محمد) إلخ: أشهر أسمائه الأعلام ◌َ ﴿، وإنما سمِّي به لكثرة خصاله المحمودة، كذا قاله ابن فارس وغيره من أهل اللغة. قالوا: ويقال لكل كثير الخصال الجميلة: (محمد)) و((محمود)). وقال في ((شرح التحرير)): ((إنما سمّي به لأنه محمود عند الله وعند أهل السماء والأرض، وإن كفر به بعض أهل الأرض جهلاً أو عناداً وهو أكثر الناس حمداً، إلى غير ذلك، وقد منع الله تعالى بحكمته أن يسمى به أحد غيره إلى أن شاع قبيل إظهاره للوجود الخارجي أن نبياً يبعث اسمه: ((محمد))، فسمى قليل من العرب أبناءهم به رجاءً من كلٍ أن يكون ابنه ذلك، ثم منع الله (١) النووي على صحيح مسلم (٢/١). (٢) قال السندي رحمه الله في ((حاشيته)): ((وقد اطلعت بعد ذلك على أن الجزري رحمه الله رد على النووي رحمه الله بمثل هذا، فقال في مفتاح ((الحصن)) في آخره: الجمع بين الصلاة والسلام أولى، ولو اقتصر على أحدهما جاز من غير كارهة، وجرى عليه جماعة من السلف والخلف، منهم الإمام مسلم رحمه الله في (صحيحه)) وقول النووي: ((وقد نص العلماء)) إلخ لا أعلم أحداً نص على ذلك من علمانا ولا من غيرهم)) انتهى. وعارض كلام النووي العيني رحمهما الله في ((شرح البخاري)) بما روى النسائي ((أن النبي وَير كان يقول في آخر قنوته ((وصلى الله على النبي)) وبقوله وَّير: ((رغم الله أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي)) والله تعالى أعلم. (من المؤلف رحمه الله). ٢٩٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم خَاتَمِ النَِّّينَ، كلّ منهم أن يدعي النبوة أو يدعيها أحد له أو يظهر عليه سبب يشكك أحداً في أمره)) كذا في ((شرح التحرير)). تحقيق معنى النبوة والرسالة، والفرق بين النبي والرسول، وأيهما أفضل. قوله: (خاتم النبيين) إلخ : - بفتح التاء وكسرها - أي: هو آخرهم، فلا نبي بعده، وإنما قال: ((خاتم النبيين)) ولم يقُل: ((المرسلين)) وإن كان خاتماً لهم أيضاً لما علم أن النبوة أعم من الرسالة باعتبار البشر، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص، فلزم من كونه خاتم النبيين بمعنى لا نبي بعده أنه خاتم المرسلين أيضاً، أي: لا رسول بعده، بخلاف العكس، فلو ذكر ((المرسلين)) مع ((النبيّين)) لكان حشواً. قال الشيخ الأنور في ((إكفار الملحدين)): و((هذا (أي: ختم النبوة بخاتم الأنبياء وانقطاعها بعده) مما شهد الله به في كتابه، وشهدت به الكتب السابقة، وشهد به نبينا وَّر، وشهد به الأموات أيضاً كزيد بن خارجة الذي تكلم بعد الموت، فقال: ((محمد رسول الله النبي الأميّ خاتم النبيين لا نبي بعده كان ذلك في ((كتب الأَوَلِ))) ثم قال: ((صدق صدق)) ذكره بهذا اللفظ في (المواهب)) وغيرها)) اهـ. وقد ذكرت في ((المقدمة)): أن أحاديث ختم النبوة قد جمعها بعض فضلاء عصرنا، فبلغت أزيد من مائة وخمسين، منها نحو ثلاثين من الصحاح الستة، وأجمع عليه الأمة المرحومة، وكفَّروا من جحده، وصرّح به صاحب الفتوحات الذي يحاول التثبت بأذياله بعض الدّجالين في بقاء النبوة بعد خاتم الأنبياء وَلّ، وهذا نصّه: (كمن يوحى إليه في المبشرات، وهي جزء من أجزاء النبوة وإن لم يكن صاحب المبشرة نبياً، فتفطن لعموم رحمة الله، فما تطلق النبوة إلا لمن اتصف بالمجموع فذلك النبي، وتلك النبوة التي حجرت علينا وانقطعت، فإن من جملتها التشريع بالوحي الملكي في التشريع، وذلك لا يكون إلا لنبي خاصة)). (فتوحات ٣: ٥٦٨). وقال في موضع آخر: ((فأخبر رسول الله وَّم أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة، فقد بقي للناس في النبوة هذا وغيره ومع هذا لا يطلق اسم النبوة ولا النبي إلا على المُشَرِّع خاصة، فحجر هذا الاسم لخصوص وصف معين في النبوة)) (فتوحات ٢: ٤٩٥). قال العلامة الشهيد كثّفُ في العبقات: ((فالاتصاف بكمالات النبوة لا يستلزم النبوة)). وفي موضع آخر من ((الفتوحات)): ((فما بقي للأولياء اليوم بعد ارتفاع النبوة إلا التعريفات، وانسدت أبواب الأوامر الإلهية والنواهي، فمن ادّعاها بعد محمد ◌َّ فهو مدع شريعة أوحي بها إليه، سواء وافق بها شرعنا أو خالف)) (فتوحات ٣: ٥١). ٢٩٩ مقدمة المؤلف وَعَلَى جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ. وفيما نقل عنه الإمام الشعراني في ((اليواقيت)) زيادة بعد هذه العبارة: ((فإن كان مكلّفاً ضربنا عنقه وإلا ضربنا عنه صفحاً)) (اليواقيت ٢: ٣٤). وفي الباب الحادي والعشرين من ((الفتوحات)): ((من قال: إن الله تعالى أمره بشيء: فليس ذلك بصحيح، إنما ذلك تلبيس؛ لأن الأمر من قسم الكلام وصفته، وذلك باب مسدود دون الناس)) (اليواقيت ٢: ٣٤). قوله: (وعلى جميع الأنبياء والمرسلين) إلخ: عطف المرسلين على النبيين عطف خاص على عام للتشريف لهم، كما في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَكَبِكُتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [سورة البقرة، آية: ٩٨] وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَِّيْنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن تُجِ وَإِبْزَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [سورة الأحزاب، آية: ٧] إلى غير ذلك من الآيات الكريمات، ويحتمل أن يكون لإدخال المرسلين من الملائكة كجبريل وميكائيل، فإن المَلَك يقال فيه: ((رسول)) ولا يقال فيه: ((نبي))، كذا قاله النووي وغيره. وقال المحقق ابن أمير الحاج في التقرير: ((ثم كما قال بعض المحققين: أجمع الأقوال الشارحة للرسالة الإلهية أنها سفارة بين الحق والخلق، تُنَبِّه أولي الألباب على ما يقصر عنه عقولهم من صفات معبودهم ومعادهم ومصالح دينهم ودنياهم ومُستَحثَّاتٍ تهديهم ودوافع شبه ترديهم، والأصح أنها غير مرادفة للنبوة، وبينهما فروق شهيرة، فلا جرم أن قال القاضي عياض: والصحيح الذي عليه الجمهور أن كل رسول نبي من غير عكس، وهو أقرب من نقل غيره الإجماع عليه لنقل غير واحد الخلاف في ذلك، ومما قيل في التفرقة بينهما: إن الرسول مأمور بالإنذار وإنه يأتي بشرع مستأنف ولا كذلك النبي وإن كان قد أمر بالتبليغ، وإنه يأتيه الوحي من جميع وجوهه، والنبي يأتيه الوحي من بعض وجوهه، والنبوة والرسالة أشرف مراتب البشر. ثم لمّا كان من جملة ما يقع به التفضيل الثمرة والجدوى قال الشيخ شهاب الدين القرافي: وجاء من هذا الوجه تفضيل الرسالة على النبوة فإنها تثمر هداية الأمّة، والنبوة قاصرة على النبي، فنسبتها إلى النبوة كنسبة العالم إلى العابد. وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يلاحظ في النبوة جهة أخرى يفضّلها بها على الرسالة، وكان يقول: النبوة عبارة عن خطاب الله تعالى نبيّه بإنشاء حكم يتعلق به، كقوله تعالى لنبيّه محمد رَله: ﴿اقْرَأْ بِأَسْرِ رَيِّكَ﴾ [سورة العلق، آية: ١] فهذا وجوب متعلق برسول الله وَ﴾، والرسالة خطاب يتعلق بالأمة، والرسول عليه الصلاة والسلام أفضل من الأمة بالخطاب المتعلق به، فيكون أفضل من جهة شرف المتعلق؛ فإن النبوة هو متعلّقها، والرسالة متعلّقها الأمة، وإنَّما حظّه منها التبليغ، فهذان وجهان متعارضان، ولا مانع من أن تكون الحقيقة الواحدة لها شرف من وجه دون وجه)) اهـ. وقطع في مؤلف له بأن النبوة أفضل قائلاً: «لأن النبوة إخبار عمَّا يستحقُّه الرب سبحانه من صفات الجلال ونعوت الكمال، ٣٠٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وهي متعلقة بالله من طرفيها، والإرسال دونها أمر بالإبلاغ إلى العباد، فهو متعلق بالله من أحد طرفيه وبالعباد من الطرف الآخر، ولا شك أن ما تعلّق بالله من طرفيه أفضل مما تعلق من أحد طرفيه، والحاصل أن النبوة راجعة إلى التعريف بالإله وبما يجب للإله، والإرسال راجع إلى أمره الرسول بأن يبلّغ عنه إلى عباده أو إلى بعض عباده ما أوجبه عليهم من معرفته وطاعته واجتناب معصيته، والنبوة سابقة على الإرسال، فإن قول الله تعالى لموسى،فَلَّا: ﴿إِنَّ أَنَا اللَّهُ رَبُّ . اٌلْعَلَمِينَ﴾ [سورة القصص، آية: ٣٠] مقدم على قوله: ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَُّ طَنَى﴾ [سورة طه، آية: ٢٤، وسورة النازعات، آية: ١٧] فجميع ما أخبره به قبل قوله: ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَونَ﴾ نبؤَّة، وما أمره بعد ذلك من التبليغ فهو إرسال)) اهـ. وقال الحافظ ابن تيمية تقذفُ في ((كتاب النبوات)): ((فالنبي هو الذي ينبئه الله وهو ينبىء بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلّغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلّغِه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ وَلَا نَبٍِّ إِلَّ إِذَا تَمَنَّىَ أَلْفَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمْنِيَّتِهِ﴾ [سورة الحج، آية: ٥٢])) وقوله: ﴿مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيّ﴾ فذكر إرسالاً يعم النوعين وقد خصّ أحدهما بأنه رسول، فإن هذا هو الرسول المطلق الذي أمره بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح، وقد ثبت في الصحيح أنه أوّل رسول بعث إلى أهل الأرض وقد كان قبله أنبياء كشيث وإدريس وقبلهما آدم كان نبياً مكلَّماً، قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، فأولئك الأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين الذين عندهم لكونهم مؤمنين بهم كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما يبلّغه العلماء عن الرسول وكذلك أنبياء بني إسرائيل يأمرون بشريعة التوراة وقد يوحى إلى أحدهم وحي خاص في قصّة معينة، ولكن كانوا في شرع التوراة كالعالم الذي يُفهمه الله في قضية معنى يطابق القرآن كما فهّم سليمان حكم القضية التي حكم فيها هو وداؤد، فالأنبياء ينبئهم الله فيخبرهم بأمره ونهيه وخبره وهم ينبئون المؤمنين بهم ما أنبأهم الله به من الخبر والأمر والنهي، فإن أرسلوا إلى كفار يدعونهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، ولا بد أن يكذب الرسلَ قومٌ قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَآ أَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَلِحُرْ أَوْ مَجْنُنُ ﴿6﴾﴾ [سورة الذاريات، آية: ٥٢] وقال: ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّ مَا قَدْ قِيْلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [سورة فصلت، آية: ٤٣] فإن الرسل ترسل إلى مخالفين فيكذبهم بعضهم. وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرِّ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَابَ عَقِبَةُ حَتَّى إِذَا أُسْتَيْتَسَ الرُّسُلُ وَظَنُواْ أَنَّهُمْ قَدْ ١٠٩ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [سورة يوسف، آية: ١٠٩ كُذِبُوْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُبِّىَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ و١١٠] وقال: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ﴾ [سورة غافر، آية: