Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١
مقدمة
قال الزركشي: ((والصحيح التفصيل، وهو أن ((حدثنا)) أرفع إن حدثه على العموم،
و((سمعت)) إن حدثه على الخصوص)). وكذا قال القسطلاني في المنهج.
وقول الراوي: (قال لنا)) أو ((قال لي)) أو ((ذكر لنا)) أو ((ذكر لي)) كقوله: ((حدثنا
فلان)) في الحكم لها بالاتصال، حسبما علم مما تقدم مع الإحاطة بتقديم الإفراد على
الجمع، لكنها أي هذه الألفاظ الغالب من صيغهم استعمالها فيما سمعوه في حال كونه
مذاكرة .
وقال ابن الصلاح: ((إنه - أي: السماع مذاكرة - لائق به، أي: بهذا اللفظ، وهو به
أشبه من ((حدثنا)) انتهى)).
وأما قوله: ((قال فلان)) بدون ذكر الجار والمجرور - أي: (لي)) و ((لنا» - فالكلام في
كونها محمولة على السماع، قال ابن الصلاح: هي محمولة عليه إذا علم اللقي، وسلم
الراوي من التدليس، لا سيّما من عرف من حاله أنه لا يروي إلا ما سمعه، كحجاج بن
محمد الأعور، فروى كتب ابن جريج بلفظ: ((قال ابن جريج)) فحملها الناس عنه واحتجوا
بها، وخصص الخطيب ذلك بمن عرف من عادته مثل ذلك. فأما من لا يعرف بذلك فلا
يحمله على السماع)). ثم عده ابن الصلاح من أوضع العبارات في ذلك.
فائدة :
وقع في ((الفتن)) من صحيح مسلم، من طريق المعلى بن زياد، رده إلى معاوية بن
قرة، رده إلى معقل بن يسار، رده إلى النبيّ ◌َّ، فذكر ((حدثنا) وهو ظاهر في الاتصال،
ولذا أورده مسلم في صحيحه، وإن كان اللفظ من حيث هو يحتمل الواسطة.
القراءة على الشيخ
ومن أقسام التحمل ((القراءة على الشيخ)) ويسميها أكثر المحدثين عرضاً، سُمِيَتْ به
لأن القارىء يعرض على الشيخ ما يقرأه، كما يعرض القرآن على المقرىء، فيقول: أهو
كما قرأت عليك؟ فيعترف، ولو ((بنعم)) أو يسكت، ولا مانع من السكوت على ما عليه
جمهور الفقهاء والمحدثين والنظار، خلافاً لبعضهم، وهو بعض الظاهرية في جماعة من
مشايخ المشرق في أن إقراره شرط، والأول الصحيح؛ لأن العرف أن السكوت بلا مانع
منه تقرير؛ ولأن السكوت بلا مانع منه يوهم الصحة، فكان صحيحاً وإلا فغش.
واستدل الحميدي ثم البخاري رحمهما الله تعالى على جواز العرض بحديث
ضمان بن ثعلبة لما أتى النبيّ وَّه فقال له: «إني سائلك فمشدد عليك، ثم قال: أسألك
٢٠٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بربك ورب من قبلك: آلله أرسلك؟)) الحديث، في سؤاله عن شرائع الدين، فلما فرغ
قال: ((آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي)) فلما رجع إلى قومه اجتمعوا إليه،
فأبلغهم، فأجازوه أي: قبلوه منه وأسلموا .
واختلفوا في مساواة ((القراءة على الشيخ)) للسماع من لفظ الشيخ ورجحانه عليها،
ورجحانها عليه فيحكى الأول - أي المساواة - عن مالك وأصحابه وأشياخه.
قال السيوطي كثّفُ: ((عندي أن هؤلاء إنما ذكروا المساواة في صحة الأخذ بها رداً
على من كان أنكرها، لا في اتحاد المرتبة.
وحكي ترجيح السماع عليها عن جمهور أهل المشرق، وحكي ترجيحها عليه عن
أبي حنيفة، وابن أبي ذئب، وغيرهما، وهو رواية عن مالك، ومحكي عن كثيرين عند
الدار قطني وغيره)» كذا في التدريب.
وأما في كتب أصحابنا مثل ((التحرير)) و(شرحه)) فقالوا: رجح ((القراءة على الشيخ))
أبو حنيفة على قراءة الشيخ من كتاب، خلافاً للأكثر؛ لزيادة عناية القارىء بنفسه، فيزداد
ضبط المتن والسند؛ لأنه عامل لنفسه والشيخ لغيره، والإنسان في أمر نفسه أحوط منه في
أمر غيره، وأورد: القراءة على المحدث لا يؤمن فيها غفلته عن سماع القارىء أيضاً،
وأجيب بأنها أهون من الخطأ في القراءة، وحيث لم يمكن الاحتراز عنها سقط اعتبار ما
لم يمكن، ووجب الاحتراز عن الأهم منهما .
وعنه - أي: عن أبي حنيفة - أن القراءة عليه والسماع منه يتساويان، ففي النوازل:
((وروى نصير عن خلف عن أبي سعد الصغاني قال: سمعت أبا حنيفة وسفيان يقولان:
القراءة على العالم والسماع منه سواء، وهو محكي عن مالك، وأصحابه، ومعظم علماء
الحجاز، والكوفة، والشافعي، والبخاري، فلو حدث الشيخ من حفظه ترجح التحديث
من حفظه على قراءة القارىء عليه)).
قال ابن أمير الحاج كثّفُهُ: ((ثم على هذا حكاية ترجيح القراءة على الشيخ عن أبي
حنيفة بلا هذا التفصيل، كما وقع لغير واحد، ليس على ما ينبغي)).
وفي التدريب: ((واختار شيخ الإسلام (الحافظ ابن حجر) أن محل ترجيح السماع
ما إذا استوى الشيخ والطالب، أو كان الطالب أعلم؛ لأنه أوعى لما يسمع، فإن كان
مفضولاً فقراءته أولى؛ لأنها أضبط له. واحتج من رجح القراءة على السماع بأن الشيخ
لو سها لم يتهيأ للطالب الرد عليه، إما لجهالته، أو لهيبة الشيخ، أو لظنه فيما يكون فيه
المحل قابلاً للاختلاف أن ذلك مذهبه، بخلاف ما إذا كان الطالب هو القارىء؛ فإنه لا
٢٠٣
مقدمة
هيبة له ولا يعد خطأه مذهباً، أشار إليه عياض)).
قال السخاوي كَلَُّهُ: وحينئذٍ فالحق أن كلما كان فيه الأمن من الغلط والخطأ:
أكثر، كان أعلى مرتبة، وأعلاها فيما يظهر أن يقرأ الشيخ من أصله، وأحد السامعين
يقابل بأصل آخر ليجتمع فيه اللفظ والعرض.
وفي هذا القسم أي القراءة على الشيخ يقول الراوي: ((قرأت عليه وهو يسمع)) إن
كان هو القارىء، و((قرىء عليه وأنا أسمع)) إن كان القارىء غيره، و((حدثنا بقراءتي عليه))
و((قراءة عليه)) و((أنبأنا)) و((نبأنا)) كذلك - أي: بقراءتي، أو قراءة عليه - والإطلاق لـ ((حدثنا))
و ((أخبرنا)) من غير تقييد بـ((قراءتي)) أو ((قراءة عليه)) جائز على المختار، كما هو مذهب
أصحابنا، والثوري، وابن عيينة، والزهري. ومالك، والبخاري، ويحيى بن سعيد
القطان، ومعظم الكوفيين والحجازيين، لا المنع مطلقاً كما ذهب إليه ابن المبارك،
وأحمد وخلق كثير من أصحاب الحديث على ما ذكر الخطيب.
وقال القاضي أبو بكر: إنه الصحيح، وقيل: الإطلاق جائز في ((أخبرنا)) فقط، وهو
للشافعي وأصحابه ومسلم وجمهور أهل المشرق. وذكر صاحب كتاب الإنصاف أنه
مذهب الأكثر من أصحاب الحديث الذي لا يحصيهم أحد، وأنهم جعلوا ((أخبرنا)) علماً
يقوم مقام قول قائله: ((أنا قرأته عليه)) لا أنه لَفَظّ به لي.
وقال ابن الصلاح: الفرق بينهما صار هو الشائع الغالب على أهل الحديث،
والاحتجاج لذلك من حيث اللغة عناء وتكلف، وخير ما يقال فيه إنه اصطلاح منهم أرادوا
به التمييز بين النوعين، ثم خصص النوع الأول بقول ((حدثنا)) لقوة إشعاره بالنطق
والمشافهة .
والمنفرد يقول: حدثني، وأخبرني، وجاز الجمع أي: حدثنا، وأخبرنا، لجوازه في
كلام العرب، كما أن معه غيره يقول: حدثنا، وأخبرنا، وجاز أن يقول: حدثني؛
وأخبرني؛ لأن المحدث حدثه وغيره.
وأما ما اختاره الحاكم وذكر أنه الذي عهد عليه أكثر شيوخه وأئمة عصره، وذكره
غيره أيضاً من: أن الراوي يقول فيما يأخذه من المحدث لفظاً وليس معه أحد: حدثني
فلان، وفيما كان معه غيره: حدثنا فلان، وفيما قرأ على المحدث بنفسه: أخبرني فلان،
وفيما قرىء على المحدث وهو حاضر: أخبرنا فلان. وقال ابن الصلاح: ((وهو حسن
رائق)): فليس بواجب، بل مستحب، كما حكاه الخطيب عن أهل العلم كافة.
٢٠٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
المكاتبة والمراسلة
ومن أقسام التحمل: ((المكاتبة)) بأن يكتب مثلاً: حدثني فلان، فإذا بلغك كتابي
فحدث به عني بهذا الإسناد.
والرسالة بأن يرسل الشيخ رسولاً إلى آخر، ويقول للرسول: بلغه عني أنه حدثني
فلان ابن فلان عن فلان ابن فلان، إلى أن يأتي على تمام الإسناد بكذا، فإذا بلغتك
رسالتي إليك، فأروه عني بهذا الإسناد. هذا - أي قوله: فإذا بلغك الخ في الفصلين - إنما
يلزم على اشتراط الإذن والإجازة في الرواية عن الكتابة والرسالة. والأوجه عدم اشتراط
الإجازة فيهما كالسماع، كذا في التحرير.
قال شارحه: ((فإنه ساق سنداً خاصاً بمتن معين، غير أنه لم يسمعه منه، فإذا ثبت
أن الكتاب كتابه والرسول رسوله صار كأنه سمعه، وإذا كان بعد الثبوت عنه كسماعه منه
جاز أن يرويه بلا إذن؛ فإن في السماع والمشافهة لو منعه عن الرواية جاز أن يروي مع
منعه، فضلاً عن أن يتوقف على أن يتوقف على إذنه، ذكره المصنف (أي ابن الهمام) وقد
ذكر ابن الصلاح إجازة الرواية بالكتابة المجردة عن كثير من المتقدمين والمتأخرين، منهم
أيوب السختياني، ومنصور، والليث، وأنها المذهب الصحيح المشهور بين أهل
الحديث، بل جعلها أبو المظفر السمعاني أقوى من الإجازة، وصار إليه غير واحد من
الأصوليين)). قال السيوطي كََّفُهُ: ((بل وأقوى من أكثر صور المناولة))، قال ابن الهمام:
وهما أي: الكتابة والرسالة كالخطاب شرعاً لتبليغه عليه الصلاة والسلام بهما، وعرفاً
(كما في تقليد الملوك القضاء والإمارة بهما كما بالمشافهة) ويكفي معرفة خط الكاتب،
وظن صدق الرسول في حل رواية المكتوب إليه والمرسل إليه عن الكاتب والمرسل، كما
عليه عامة أهل الحديث.
ثم الصحيح أنه يقول في الرواية بالكتابة كتب إلي فلان، قال: حدثنا فلان، أو
أخبرنا فلان مكاتبة أو كتابة أو نحوه، وكذا حدثنا مقيداً بذلك، ولا يجوز إطلاق ((حدثنا))
و((أخبرنا)) وجوزه الليث ومنصور وغير واحد من العلماء المحدثين وكبارهم، وجوزه
آخرون «أخبرنا»، دون «حدثنا)).
وروى البيهقي في المدخل عن أبي عصمة سعد بن معاذ قال: ((كنت في مجلس أبي
سليمان الجوزقاني، فجرى ذكر ((حدثنا)) و((أخبرنا)) فقلت: إن كلاهما سواء، فقال رجل:
بينهما فرق، ألا ترى محمد بن الحسين(١) قال: إذا قال رجل لعبده: إن أخبرتني بكذا،
(١) لعله محمد بن الحسن. من المؤلف تخلفهُ .
٢٠٥
مقدمة
فأنت حر، فكتب إليه بذلك صار حراً، وإن قال: حدثني بكذا فأنت حر فكتب إليه بذلك
لا يعتق)). كذا في التدريب.
قال الشيخ أبو بكر الرازي الجصاص: ((وأما من كتب إليه بحديث فإنه إذا صح عنده
أنه كتابه: إما بقول ثقة، أو بعلامات منه وخط يغلب معها في النفس أنه كتابه، فإنه يسع
المكتوب إليه أن يقول: أخبرني فلان - يعني الكاتب إليه - ولا يقول: حدثني)).
قال ابن الهمام: ((قد استعمل أخبرني للإخبار مع عدم المشافهة، كما يقال: أخبرنا
الله (في كتابه) ولا يقال: حدثنا الله، فهذا يدل على الفرق)).
وذكر قوام الدين الإتقاني أنه يجوز في المكاتبة والرسالة أن يقول: ((حدثني))
بالاتفاق، وإن كان المختار ((أخبرني))، لأن الكتاب والرسالة من الغائب كالخطاب من
الحاضر.
المكاتبة في أحاديث الصحيحين
قال السخاوي: ((وفي الصحيحين اجتماعاً وانفراداً أحاديث من هذا النوع، فَمِمَّا
اجتمعا عليه :
حديث وراد قال: ((كتب معاوية إلى المغيرة : أن اكتب إلى ما سمعت من
رسول الله وَلقر، فكتب إليه أن النبيّ وَلو كان يقول .... )) الحديث)) ..
وحديث عبد الله بن عون، قال: ((كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال،
فكتب أن النبيّ ◌َ ل﴿ أغار على بني المصطلق، وهم غادون ... )) الحديث. وفيه: ((حدثني
هذا ابن عمر رضيًّا، وكان في ذلك الجيش)).
وحديث موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر، مولى عمر بن عبيد الله، وكان كاتباً
له قال: كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى ربه أن رسول الله وَ الفجر قال: ((واعلموا أن الجنة
تحت ظلال السيوف».
وحديث أبي عثمان النهدي، قال: ((أتانا كتاب عمر رَظُه ونحن مع عتبة بن فرقد
بآذر بيجان، نهى عن الحرير)).
ومما انفرد البخاري حديث هشام الدستوائي، قال: كتب إليّ يحيى بن أبي كثير،
عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، رفعه: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني)).
ومما انفرد به مسلم حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال: كتبت إلى جابر بن
سمرة ◌ً مع غلامي نافع، أن أخبرني بشيء سمعته من رسول الله وَ الر قال: فكتب إلي:
+
٢٠٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(سمعت رسول الله قال يوم جمعة عشية رجم الأسلمي، .... )) فذكر الحديث، بل روى
البخاري عن شيخه بالمكاتبة حيث قال في باب إذا حنث ناسياً، في الأيمان والنذور:
كتب إلى محمد بن بشار ... ، وذكر حديثاً للشعبي عن البراء، ولم يقع له بهذه الصيغة
عن أحد من مشايخه سواه، وكأنه لم يسمع منه هذا الحديث بخصوصه، فرواه عنه
بالمكاتبة، وإلا فقد أكثر عنه في صحيحه بالسماع.
المناولة
قال السخاوي تخذله: ((هي لغة: العطية، ومنه في حديث الخضر: ((فحملوهما بغير
نول)))) أي: عطاء. واصطلاحاً: إعطاء الشيخ الطالب شيئاً من مروياته مع إجازته به
صريحاً أو كنايةً.
وهي ضربان: مقرونة بالاجازة الصريحة، ومجردة عنها .
فالمقرونة أعلى أنواع الإجازة مطلقاً، ولها صور كثيرة، والصحيح أنها منحطة عن
السماع والقراءة، وهو قول الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأبي حنيفة، والشافعي،
وأحمد، وإسحاق وغيرهم.
والضرب الثاني: المناولة المجردة عن الاجازة، بأن يناوله الكتاب - كما تقدم -
مقتصراً على قوله: هذا سماعي، أو من حديثي، ولا يقول له: اروه عني، ولا أجزت لك
روایته، ونحو ذلك)).
قال النووي: ((فلا تجوز الرواية بها على الصحيح الذي قاله الفقهاء وأصحاب
الأصول، وعابوا المحدثين المجوزين لها)).
قال العراقي كلّله: «ما ذكره النووي مخالف لكلام ابن الصلاح؛ فإنه إنما قال:
فهذه مناولة مختلفة لا تجوز الرواية بها، وعابها غير واحد من الفقهاء والأصوليين على
المحدثين الذين أجازوها، وسوّغوا الرواية بها، وحكى الخطيب عن طائفة من أهل العلم
أنهم صحّحوها، ومخالف أيضاً لما قاله جماعة من أهل الأصول منهم الرازي تكذُّهُ، فإنه
لم يشترط الإذن، بل ولا المناولة، بل إذا أشار إلى كتاب وقال: هذا سماعي من فلان،
جاز لمن سمعه أن يرويه عنه، سواء ناوله أم لا، وسواء قال له: اروه عني أم لا)).
وقال ابن الصلاح: ((إن الرواية بها تترجح على الرواية بمجرد إعلام الشيخ؛ لما فيه
من المناولة، فإنها لا تخلو من إشعار بالإذن في الرواية. وعندي أن يقال: إن كانت
المناولة جواباً للسؤال كأن قال له: ناولني هذا الكتاب لأرويه عنك، فناوله، ولم يصرح
٢٠٧
مقدمة
بالإذن، صحت وجاز له أن يرويه، كما تقدم في الإجازة بالخط، بل هذا أبلغ، وكذا إذا
قال له: حدثني بما سمعت من فلان، فقال: هذا سماعي من فلان، كما وقع من أنس،
فتصح أيضاً، وما عدا ذلك فلا، فإن ناوله الكتاب ولم يخبره أنه سماعه لم تجز الرواية به
بالاتفاق، قاله الزركشي)».
قال السخاوي تقذفُ: ((والأصل في المناولة ما علقه البخاري كَُّ حيث ترجم له في
العلم من صحيحه أنه وَّله كتب لأمير السرية كتاباً، وقال له: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا
وكذا، فلما بلغ المكان قرأه على الناس، وأخبرهم بأمر النبيّ وَّر، وعزا البخاري
الاحتجاج به لبعض أهل الحجاز، وهذا قد أورده ابن إسحاق في المغازي، فقال:
((حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، قال: بعث رسول الله ◌َّ ر عبد الله بن جحش
إلى نخلة، فقال له: كن بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش، ولم يأمره بقتال، وذلك في
الشهر الحرام، وكتب له كتاباً قبل أن يعلمه أن يسير، فقال: اخرج أنت وأصحابك، حتى
إذا سرت يومين فافتح كتابك، وانظر فيه كما أمرتك، فامض له، ولا تستكرهن أحداً من
أصحابك على الذهاب معك، فلما سار يومين فتح الكتاب، فإذا فيه أن امض حتى تنزل
نخلة، ففاتتنا من أخبار قريش .. )) فذكر الحديث بطوله، وهو مرسل جيد الإسناد. قد
صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث، مع أنه لم يتفرد به، فقد رواه الزهري أيضاً عن عروة،
بل رويناه متصلاً في المعجم الكبير للطبراني، والمدخل للبيهقي، من طريق أبي السوار
عن جندب بن عبد الله رضُبه رفعه وهو حجة)).
قال السيوطي: ((وفي معجم البغوي عن يزيد الرقاشي قال: كنا إذا أكثرنا على
أنس بن مالك أتانا بمحال معجم له، فألقاها إلينا، وقال: هذه أحاديث سمعتها من
رسول الله ( 8﴿ وكتبتها وعرضتها)) قال علماء الحديث: والصحيح الذي عليه الجمهور
وأهل التحري والورع: المنع من إطلاق ((حدثنا)) و((أخبرنا)) في صورة المناولة والإجازة،
وتخصيصها بعبارة مشعرة بها تبين الواقع ((كحدثنا إجازة)) أو ((مناولة وإجازة)) و((أخبرنا
إجازة)) أو (مناولة وإجازة)) أو ((إذناً)) أو ((في إذنه)) أو ((فيما أذن لي فيه)) أو ((فيما أطلق لي
روايته)) أو ((أجازني)) أو ((أجاز لي)) أو ((ناولني)) أو شبه ذلك، كـ ((سوغ لي أن أروي عنه))
و((أباح لي، وعن الأوزاعي تخصيصها، أي: الإجازة ((بخبَّرنا)) بالتشديد، وتخصيص
القراءة ((بأخبرنا)) بالهمزة. قال العراقي: ولم يخل من النزاع؛ لأن ((خبّر)) و((أخبر)) بمعنى
واحد لغة واصطلاحاً)).
٢٠٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الإجازة
هي في الاصطلاح: إذن في الرواية لفظاً أو كتباً يفيد الإخبار الإجمالي عرفاً.
قال الإمام فيخيرِ الإسلام: ((وهي على وجهين: إما أن يكون المجازِ له عالماً بما في
الكتاب، أو جاهلاً به، فإن كان عالماً به قد نظر فيه وفهم ما فيه فقال له المجيز: إن فلاناً
قد حدثنا بما في هذا الكتاب على ما فهمته بأسانيده هذه، فأنا أحدثك منه وأجزت لك
الحديث به. فيصح الإجازة على هذا الوجه إذا كان المستجيز مأموناً بالضبط والفهم،
وإذا لم يعلم بما فيه يطلت الإجازة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وصح في قياسٍ
قول أبي يوسف تقذفه، وأصل ذلك في كتاب القاضي إلى القاضي، والرسائل، إن علم ما
فيهما شرط لصحة الإشهادِ عندهما خلافاً لأبي يوسف، وإنما جوز ذلك أبو يوسف فيما
كان مِن باب الأسرار في العادة، حتى لا يجوز في الصكوك، وكذلك المناولة مع الإجازة
مثل الإجازة المفردة سواء، فيحتمل أن لا يجوز في هذا الباب ويحتمل الجواز
بالضرورة، وإنما يجوز الرواية من غير علم ما في الكتاب عند أبي يوسف على تقدير
ثبوت الجواز إذا كان الكتاب مأموناً عن الزيادة والنقصان، وإلا فممنوعة بالاتفاق».
قال فخر الإسلام: ((والأحوط قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، ويحتمل أن
یکون قول أبي يوسف مثله أيضاً».
قال صاحب الكشف: ((قلت: الأوسع قول الجمهور؛ فإن المحدث يحتاج إلى
تبليغ ما صح عنده من الأخبار إلى الغير ليتصل الإسناد ويبقى الدين إلى آخر الدهر، وقد
ظهر التكاسل والتواني في الناس في أمور الدين، وربما لا يتيسّر للطالب القراءة على
المحدث، وفي اشتراط العلم بما في الكتاب نوع تنفير، فجوزت الإجازة من غير علم
للضرورة، كما جوزت مع العلم للضرورة، وذكر أبو عمرو الدمشقي في كتابه أن الاجازة
يستحسن إذا كان المجيز عالماً بما يجيز، والمجاز له من أهل العلم؛ لأنها توسع
وترخيص بتأهل له أهل العلم لمسيس حاجتهم إليها، وبالغ بعضهم في ذلك، فجعله
شرطاً، وحكاه أبو العباس الوليد بن بكر المالكي عن مالك.
وقال الحافظ أبو عمر: ((الصحيح أنها لا يجوز إلا لماهر بالصناعة، وفي شيء
معين لا يشكل إسناده» اهـ.
قال العراقي: ((وعلى جواز الإجازة استقر عملهم - أي أهل الحديث - قاطبة، وصار
بعد الخلف إجماعاً، وأحيى الله بها كثيراً من دواوين الحديث: مبوبها، ومسندها،
ومطولها، ومختصرها».
٢٠٩
مقدمة
ولها أنواع كثيرة لا يحتمل هذا المختصر تفاصيلها وبسط أحكامها فليراجع «فتح
المغیث» وغيره من كتب الفن.
تنبيه :
منع بعضهم صحة الرواية للمشغول عن السماع بكتابة، أو نوم، أو لهو، والحق أن
المدار لعدم جواز الرواية عدم الضبط للمروي، وأقيمت مظنة عدم الضبط نحو الكتابة
مقامه، إذا كانت بحيث يمتنع معها الفهم لما يقرأ، حتى يكون الواصل إلى سمع الكاتب
كأنه صوت غفل، أما إذا كانت بحيث لا يمتنع معها الفهم فلا، لحكاية الدار قطني؛ فإنه
حضر في حداثته مجلس إسماعيل الصفار فجلس ينسخ جزءاً كان معه، وإسماعيل يملي،
فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنك تنسخ، فقال: فهمي للإملاء خلاف
فهمك، ثم قال: تحفظ كم أملى الشيخ من حديث إلى الآن؟ فقال الدارقطني: أملى
ثمانية عشر حديثاً، فعدت الأحاديث فوجدت كما قال، ثم قال: الحديث الأول منها عن
فلان عن فلان، ومتنه كذا، والحديث الثاني عن فلان ومتنه كذا، ولم يزل يذكر أسانيد
الأحاديث ومتونها على ترتيبها في الإملاء، حتى أتى على آخرها فعجب الناس منه.
فائدة الإجازة في هذا الزمان
ذكر عن الحافظ أبي بكر البيهقي كثّفُ أن الأحاديث التي قد صحت أو وقعت بين
الصحة والسقم قد دونت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث، ولا يجوز أن
يذهب شيء منها على جميعهم، وإن جاز أن يذهب على بعضهم لضمان صاحب الشريعة
حفظها، فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه، ومن جاء بحديث
معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره، والقصد
من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلاً بـ ((حدثنا)) و((أخبرنا)) وتبقى هذه الكرامة
التي خصت بها هذه الأمة شرفاً لنبينا المصطفى وليه .
الوجادة
ومن أقسام التحمل: الوجادة، وهي - بكسر الواو - مصدر لـ ((وَجَدَ))، مولَد غير
مسموع من العرب.
قال المعافى بن زكريا النهرواني: ((فرع المولدون قولهم: وجادة، فيما أخذ من
العلم من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة من تفريق العرب بين مصادر ((وجد))
للتمييز بين المعاني المختلفة)).
٢١٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قال ابن الصلاح: يعني قولهم: وجد ضالته وجداناً، ومطلوبه وجوداً، وفي
الغضب: موجدة، وفي الغنى: وُجدّاً، وفي الحب: وَجداً، وهي: أن يقف على أحاديث
بخط راويها غير المعاصر له، أو المعاصر ولم يلقه، أو لقيه ولم يسمع منه، أو سمع منه
ولكن لا يرويها - أي: تلك الأحاديث الخاصة - الواجد عنه بسماع ولا إجازة، فله أن
يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان، أو في كتابه بخطه: حدثنا فلان، ويسوق الإسناد
والمتن، أو قرأت بخط فلان عن فلان.
هذا الذي استمر عليه العمل قديماً وحديثاً، وفي مسند أحمد كثير من ذلك من
رواية ابنه عنه بالوجادة، وهو من باب المنقطع، ولكن فيه شوب اتصال بقوله: وجدت
بخط فلان، وقد تسهل بعضهم فأتى فيها بلفظ ((عن)) فقال: قال ابن الصلاح: وذلك
تدليس قبيح إذا كان بحيث يوهم سماعه منه، وجازف بعضهم فأطلق فيها ((حدثنا))
و ((أخبرنا)) وأنكر عليه ولم يجز ذلك أحد يعتمد عليه.
وأما العمل بالوجادة فنقل عن معظم المحدثين والفقهاء المالكيين وغيرهم أنه لا
يجوز، وعن الشافعي ونظار أصحابه جوازه، وقطع بعض المحققين الشافعيين بوجوب
العمل بها عند حصول الثقة به، وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه في هذه الأزمان غيره.
قال ابن الصلاح: ((فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسد باب العمل
بالمنقول لتعذر شروطها)).
قال البلقيني: ((واحتج بعضهم للعمل بالوجادة بحديث: ((أي الخلق أعجب إيماناً؟))
قالوا: الملائكة، قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ قالوا: الأنبياء، قال: وكيف لا
يؤمنون وهم يأتيهم الوحي؟ قالوا: نحن، فقال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟
قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: قوم يأتون من بعدكم، يجدون صحفاً يؤمنون بما فيها)).
قال البلقيني: ((وهذا استنباط حسن)).
قلت: المحتج بذلك هو الحافظ عماد الدين بن كثير ذكر ذلك في أوائل تفسيره،
والحديث رواه الحسن بن عرفة في جزئه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وله
طرق كثيرة أوردتها في الأمالي، وفي بعض ألفاظه: ((بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين
لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجراً» أخرجه أحمد والدارمي
والحاكم من حديث أبي جمعة الأنصاري، وفي لفظ للحاكم من حديث عمر: ((يجدون
الورق المعلق فيعملون بما فيه، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيماناً)) كذا في التدريب)).
٠ ٢١١
مقدمة
أحاديث مروية بالوجادة في صحيح مسلم
وقع في صحيح مسلم أحاديث مروية بالوجادة، وانتقدت بأنها من باب المقطوع،
كقوله في الفضائل: ((حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: وجدت في كتابي عن أبي أسامة،
عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: إن كان رسول الله وَّيم ليتفقد، يقول: أين أنا
اليوم؟ ... )) الحديث.
وروي أيضاً بهذا السند حديث: ((قال لي رسول الله وَّر: إني لأعلم إذا كنت غير
راضية)) .
وحديث: ((تزوجني لست سنين)).
وأجاب الرشيد العطار بأنه روى الأحاديث الثلاثة من طريق أخرى موصولة إلى
هشام وإلى أبي أسامة.
قلت: وجواب آخر، وهو أن الوجادة المنقطعة أن يجد في كتاب شيخه لا في كتابه
عن شيخه، فتأمل. كذا قال السيوطي في التدريب.
صفة رواية الحديث وأدائه
وقد شدد قوم في الرواية، فأفرطوا وتساهل آخرون ففرّطوا، فمن المشددين من
قال: لا حجة إلا فيما رواه الراوي من حفظه وتذكره للمروي تفصيلاً من حين سمعه إلى
أن يؤديه، روى ذلك عن أبي حنيفة، ومالك، وأبي بكر الصيدلاني الشافعي.
قال الحافظ ابن حجر: ومن ثم قلت الرواية عن بعض من قال بهذا مع كونه في
نفس الأمر كثير الرواية، وهذا هو ظاهر قول عمر بن الخطاب: ((أما بعد، فإني أريد أن
أقول مقالة قد قدر أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجل، فمن وعاها وعقلها وحفظها
فليحدث بها حتى تنتهي به راحلته، ومن خشي أن لا يعيها فإني لا أحل لأحد أن يكذب
عليَّ)) .
قال في التقريب وشرحه: ((والصواب ما عليه الجمهور، وهو التوسط بين الإفراط
والتفريط، فخير الأمور: الوسط، وما عداه شطط، فإذا قام الراوي في التحمل والمقابلة
لكتابه بما تقدم من الشروط: جازت الرواية منه، أي من الكتاب، وإن غاب عنه إذا كان
الغالب على الظن من أمره سلامته من التغيير والتبديل، لا سيّما إذا كان ممن لا يخفى
عليه التغيير غالباً، لأن الاعتماد في باب الرواية على غالب الظن، فإذا حصل: كفى،
ولم يضره، كما قال الحميدي ذلك إذا اقتصر على ما في كتابه ولم يزد فيه ولم ينقص منه
٢١٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ما يغير معناه ولم يقبل التلقين إذا لم يرزق من الحفظ والمعرفة بالحديث ما رزقه غيره)).
نسيان الراوي أو إنكاره روايته
إذا روى ثقة عن ثقة حديثاً، ثم نفاه المستمع لما روجع فيه فالمختار عند المتأخرين
أنه إن كان جازماً بنفسه بأن قال: كذب علي ونحوه، وجب رده لتعارض قولهما، مع أن
الجاحد هو الأصل، ولكن لا يقدح ذلك في باقي روايات الراوي عنه، ولا يثبت جرحه
لأنه أيضاً مكذب لشيخه في نفيه لذلك، وليس قبول جرح كل منهما أولى من الآخر،
فتساقطا، فإن عاد الأصل وحدث به، أو حدث به فرع آخر ثقة عنه ولم يكذبه، فهو
مقبول، صرح به القاضي أبو بكر والخطيب وغيرهما .
قال السخاوي: ((كل هذا إذا صرح بالتكذيب، فإن جزم بالرد بدون تصريح، كقوله:
ما رويت هذا، أو ما حدثت به قط، أو أنا عالم أنني ما حدثتك، أو لم أحدثك، فقد
سوى ابن الصلاح تبعاً للخطيب وغيره بينهما أيضاً، وهو الذي مشى عليه شيخنا في
توضيح النخبة، لكنه قال في الفتح: إن الراجح عندهم - أي المحدثين .)) القبول،
والتمسك بصنيع مسلم حيث أخرج حديث عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس:
((ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله وم إلا بالتكبير)) مع قول أبي معبد لعمرو: لم
أحدثك به، فإنه دل على أن مسلماً كان يرى صحة الحديث ولو أنكره راويه إذا كان
الناقل عنه عدلاً، وكذا صحح الحديث البخاري وغيره، وكأنهم حملوا الشيخ في ذلك
على النسيان كالصيغ التي بعدها، ويؤيده قول الشافعي كَّفُ في هذا الحديث بعينه: كأنه
نسي بعد أن حدثه، بل قال قتادة حين حدث عن كثير بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي
هريرة بشيء وقال كثير: ما حدثت بهذا قط: إنه نسي، لكن إلحاق هذه الألفاظ بالصورة
الأولى أظهر، ولعل تصحيح هذا الحديث بخصوصه لمرجح اقتضاه تحسيناً للظن
بالشيخين، لا سيّما وقد قيل - كما أشار إليه الفخر الرازي -: إن الرد إنما هو عند
التساوي، فلو رجح أحدهما عمل به.
قال شيخنا: وهذا الحديث من أمثلته. كذا في فتح المغيث.
فإن قال الأصل: لا أذكره، أو نحوه مما يقتضي جواز نسيانه لم يقدح فيه، ولا يرد
بذلك، ومن روى حديثاً ثم نسيه جاز العمل به على الصحيح، وهو قول الجمهور من
الطوائف: أهل الحديث، والفقه، والكلام، خلافاً لبعض الحنفية في قولهم بإسقاطه
بذلك، وبنوا عليه رد حديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من رواية ربيعة بن أبي
عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: ((أن النبيّ وَّ قضى
٢١٣
مقدمة
باليمين مع الشاهد)» زاد أبو داود في رواية أن عبد العزيز الدراوردي قال: فذكرت ذلك
لسهيل، فقال: أخبرني ربيعة - وهو عندي ثقة - أني حدثته إياه ولا أحفظه. قال عبد
العزيز: وقد كان سهيل أصابته علة أذهبت بعض عقله، ونسي بعض حديثه، فكان سهيل
بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه. ورواه أبو داود أيضاً من رواية سليمان بن بلال، عن
ربيعة قال سليمان: فلقيت سهيلاً فسألته عن هذا الحديث، فقال: ما أعرفه، فقلت له: إن
ربيعة أخبرني به عنك، قال: فإن كان ربيعة أخبرك عني فحدث به عن ربيعة عني. كذا في
التدريب .
إلا أن صاحب الكشف قال: ((ليس فيه ما يدل على وجوب العمل به، غايته أنه يدل
على جواز أن يقول الأصل بعد النسيان: حدثني الفرع عني، وهو لا يستلزم وجوب
العمل به ولا جوازه)).
قال: والحجة لمن رد مثل هذا الخبر ما روي عن عمار بن ياسر أنه قال لعمر - رضيها -
وكان لا يرى التيمم للجنب: ((أما تذكر إذ كنا في إبل - يعني إبل الصدقة - وفي بعض
الروايات: في سرية، فأجنبت، فتمعكت في التراب، - أي: تمرغت - فصليت، فذكرت
ذلك للنبي وَّل، فقال: إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تمسح بهما وجهك
وذراعيك)) فلم يرفع عمر - رضي الله - رأسه، ولم يقبل روايته، مع أنه كان عدلاً؛ لأنه روى
عنه شهود الحادثة ولم يتذكر هو ما رواه، ولم يرجع عن قوله بهذه الرواية.
قال: وحقيقة المعنى فيه أن الخبر إنما يكون حجةً ومعمولاً به بالاتصال
بالرسول وَ﴾، وبإنكار الراوي ينقطع الاتصال، لأن إنكاره حجة في حقه، فينتفي به رواية
الحديث، أو يصير هو مناقضاً بإنكاره، ومع التناقض لا يثبت الرواية، وبدون الرواية لا
يثبت الاتصال، فلا يكون حجة، وبأن أكثر ما في الباب أن يصدق كل واحد منهما في
حق نفسه، فيحل للراوي أن يعمل به ولا يحل لغيره لتحقق الانقطاع في حق غيره بتكذيب
المروي عنه)) اهـ.
قال السخاوي تغذّهُ: ((وفي المسألة قول: وهو إن كان الشيخ رأيه يميل إلى غلبة
النسيان، أو كان ذلك عادته في محفوظاته: قبل الذاكر الحافظ، وإن كان رأيه يميل إلى
جهله أصلاً بذلك الخبر رد، فقل ما ينسى الإنسان شيئاً حفظه نسياناً لا يتذكره بالتذكير،
والأمور تبنى على الظاهر لا على النادر، قاله ابن الأثير وأبو زيد الدبوسي)).
وقد صنف الدارقطني ثم الخطيب: من حدث ونسي، وفيه ما يدل على تقوية
المذهب الأول الصحيح لكون كثير منهم حدث بأحاديث، ثم لما عرضت عليه لم
٢١٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يتذكرها، لكن لاعتمادهم على الرواة عنهم صاروا يروونها عن الذي رواها عنهم عن
أنفسهم، ولذلك أمثلة كثيرة. فتأمل.
الرواية بالمعنى
قال ابن مطهر الحلي في ((نهاية الوصول)) في البحث الحادي عشر في نقل الحديث
بالمعنى: ((اختلف الناس في أنه هل يجوز نقل المروي عن النبي عليه الصلاة والسلام
بالمعنى: فجوزه الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، وأحمد، والحسن البصري، وأكثر
الفقهاء، وبعض المحدثين. والمجوزون شرطوا أموراً ثلاثة:
الأول: أن لا تكون الترجمة قاصرة عن الأصل في إفادة المعنى.
الثاني: أن لا يكون فيها زيادة ولا نقصان.
الثالث: أن تكون الترجمة مساوية للأصل في الجلاء والخفاء؛ لأن الخطاب قد يقع
بالمحكم والمتشابه لحكمة خفية؛ فلا يجوز تغييرها عن وصفها .
والمانعون جوزوا إبدال اللفظ بمرادفه ومساويه في المعنى، كما يبدل القعود
بالجلوس، والعلم بالمعرفة، والاستطاعة بالقدرة، والحظر بالتحريم.
وبالجملة: ما لا يتطرق إليه تفاوت في الاستنباط والفهم إنما ذلك فيما فهم قطعاً،
لا فيما فهم بنوع من الاستدلال الذي يختلف فيه الناظرون، واتفقوا على منع الجاهل
بمواقع الخطاب ودقائق الألفاظ، وإنما الخلاف في العالم الفارق بين المحتمل وغيره،
والظاهر والأظهر، والعام والأعم، والوجه: الجواز، لنا وجوه:
الأول: الصحابة نقلوا قصة واحدة مذكورة في مجلس واحد بألفاظ مختلفة، ولم
ينكر بعضهم على بعض فيه، وهو يدل على قبوله.
وفيه نظر؛ لأنه حكاية حال، فلعلهم عرفوا أن الراوي قصد نقل المعنى، ونبه بما
يدل عليه .
الثاني: يجوز شرح الشرع للعجمي بلسانه، وهو إبدال العربية بالعجمية، فبالعربية
أولى، ومعلوم أن التفاوت بين العربية وترجمتها أقل مما بينها وبين العجمية.
وفيه نظر؛ فإن السامع للترجمة يعلم أن المسموع ليس كلام النبي عليه الصلاة
والسلام، بل معناه.
الثالث: روي عنه عليه الصلاة والسلام: ((إذا أصبتم المعنى فلا بأس)).
٢١٥
مقدمة
وفيه نظر؛ إذ المراد نفي البأس في العمل بمقتضى بما دل عليه الحديث، لا النقل
عنه. وهذا الحديث مضطرب لا يصح، بل ذكره الجوزقاني وابن الجوزي في
الموضوعات. قال السخاوي: وفي ذلك نظر.
الرابع: كان ابن مسعود رضيته إذا حدث قال: ((قال رسول الله وَلل كذا أو
نحو) (وفي رواية أن عمرو بن ميمون سمع يوماً ابن مسعود رضي به يحدث عن النبيّ وَّل،
وقد كرب، وجعل العرق ينحدر منه عن جبينه، وهو يقول: إما فوق ذلك، وإما دون
ذلك، وإما قريب من ذلك).
وفيه نظر؛ إذ الفرق واقع بين ما إذا أطلق، أو قال كذا، أو نحوه، فإن فيه تصريحاً
بنقل المعنى، وأن اللفظ منه.
الخامس: نعلم قطعاً أن الصحابة لم يكتبوا ما نقلوه، ولا كرروا عليه، بل كما
سمعوا أهملوا إلى وقت الحاجة بعد مدد متباعدة، وذلك يوجب القطع بأنهم لم ينقلوا
نفس اللفظ بل المعنى.
السادس: اللفظ غير مقصود لذاته، وإنما القصد المعنى، واللفظ أداة في
استعلامه، فلا فرق لإثبات ذلك المعنى بأي لفظ اتفق.
وأيضاً فقد قال الشافعي كَُّهُ: ((وإذا كان الله عزّ وجلّ برأفته بخلقه أنزل كتابه على
سبعة أحرف، معرفة منه بأن الحفظ قد يزل لتحل لهم قراءته؛ وإن اختلف لفظهم فيه ما لم
يكن في اختلافهم إحالة معنى: كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ
ما لم يحل معناه)). وسبقه لنحوه يحيى بن سعيد القطان؛ فإنه قال: ((القرآن أعظم من
الحديث، ورخص أن نقرأه على سبعة أحرف)). وكذا قال أبو أويس: ((سألنا الزهري عن
التقديم والتأخير في الحديث، فقال: إن هذا يجوز في القرآن، فكيف به في الحديث؟!
إذا أصبت معنى الحديث فلم تحل به حراماً ولم تحرم به حلالاً: فلا بأس به)). بل قال
مكحول وأبو الأزهر: ((دخلنا على وائلة - ظله - فقلنا له: حدثنا بحديث سمعته من
رسول الله ◌َلا ليس فيه وهم ولا تزايد ولا نسيان، فقال: هل قرأ أحد منكم من القرآن
شئاً؟ فقلنا: نعم، وما نحن له بحافظين جداً، إنا لنزيد الواو والألف وننقص، قال: فهذا
القرآن مكتوب بين أظهركم لا تألونه حفظاً. وأنتم تزعمون أنكم تزيدون فيه وتنقصون منه،
فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله وَ له؟ عسى أن لا تكون سمعناها إلا مرة واحدة،
حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى)).
واحتج حماد بن سلمة بأن الله تعالى أخبر عن موسىعلّلا وعدوه بألفاظ مختلفة في
٢١٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
معنى واحد، كقوله: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [سورة النمل، آية: ٧] و﴿بِقَبَسٍ﴾ [سورة طه، آية: ١٠] أو
﴿حَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ [سورة القصص، آية: ٢٩] وكذلك قصص سائر الأنبياء لها في القرآن،
وقولهم لقومهم بألسنتهم المختلفة، وإنما نقل إلينا ذلك بالمعنى.
واحتج المخالف بوجوه :
الأول: قوله عليه الصلاة والسلام: ((نضَّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما
سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقهٍ ليس بفقيهٍ، ورب حامل فقهٍ إلى من
هو أفقه منه)). وأداؤه كما سمع هو أداء اللفظ المسموع، ونقل الفقه إلى من هو أفقه منه
معناه: أن الأفقه قد يتفطن بفضل معرفته من فوائد اللفظ لما لا يتفطن إليه غير الفقيه الذي
رواه.
الثاني: التجربة دلت على أن المتأخر يستخرج من فوائد ألفاظ النبي عليه الصلاة
والسلام ما لم يسبقه المتقدم إليه، فعرفنا أن السامع لا يجب أن يتنبه لفوائد اللفظ في
الحال، وإن كان فقيهاً ذكياً، فجاز أن يتوهم في اللفظ المبدل أنه مساوٍ للآخر، وبينهما
تفاوت لم يتفطن له، وكثيراً ما يظن الراوي بالمعنى أنه قد أتى بلفظ يقوم مقام الآخر،
ولا يكون كذلك في نفس الأمر، كما ظهر ذلك في كثير من الأحاديث.
وانظر إلى ما وقع لشعبة مع جلالته وإتقانه، فإنه سمع عن إسماعيل ابن علية حديث
النهي عن أن يتزعفر الرجل، فرواه عنه بالمعنى بلفظ ((نهى عن التزعفر)) فأنكر إسماعيل
ذلك عليه لدلالة روايته على العموم. مع أن الرواية في الأصل إنما تدل على اختصاص
النهي بالرجال، فانتبه إسماعيل لما لم يتنبه له شعبة، مع أن الرواية شعبة عنه إنما هي من
قبيل رواية الأكابر عن الأصاغر.
وهكذا وقع في رواية هشيم عن الزهري: ((لا يتوارث أهل ملتين)) والمعروف حديث
الزهري: ((لا يرث الكافر المسلم)). قال الحافظ كثّفُ: ((وأظنه رواه من حفظه بلفظ ظن أنه
يؤدي معنى ما سمع، فلم يصب؛ لأن اللفظ الذي أتى به من الذي سمعه، وقد كان سمع
من الزهري ولم يضبط عنه ما سمع)).
وهكذا وقع في حديث عبد الرزاق: ثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي
هريرة أن رسول الله بَّ* قال: ((من حلف فقال: إن شاء الله، لم يحنث)). قال الترمذي:
سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: ((هذا حديث خطأ، أخطأ فيه عبد
الرزاق، اختصره من حديث معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَلِّل
قال: ((إن سليمان بن داودظلَّلا قال: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، تلد كل امرأة
٢١٧
مقدمة
غلاماً، فطاف عليهن، فلم تلد امرأة منهن إلا امرأة نصف غلام، فقال رسول الله وَله: لو
قال: إن شاء الله، لكان كما قال)) هكذا روى عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس،
عن أبيه، هذا الحديث بطوله)).
قال المانعون: ولأنه 93* قد رد على من علَّمه ما يقول حين أخذ مضجعه إذ قال:
(ورسولك)) فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا: ونبيك)).
قال السخاوي: ((يحتمل أن المنع عنه لكون ألفاظ الأذكار توقيفية، فلها خصائص
وأسرار لا يدخلها القياس، فيجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به)).
قال الجزائري: ((وقد تبين من البحث في هذه المسألة والفتبع لما قيل فيها أن
للمجيزين للرواية بالمعنى ثمانية أقوال:
القول الأول: قول من فرق بين الألفاظ التي لا مجال للتأويل فيها وبين الألفاظ
التي للتأويل فيها مجال، فأجاز الرواية بالمعنى في الأولى دون الثانية. نقل ذلك أبو
الحسين القطان عن بعض أصحاب الشافعي كثافة .
ويقرب من هذا القول قول من فرق بين المحكم وغيره، كالمجمل والمشترك،
فأجاز الرواية بالمعنى في الأول دون الثاني.
القول الثاني: قول من فرق بين الأوامر والنواهي، وبين غيرهما، فأجاز الرواية
بالمعنى في الأولى دون الثانية: قال الماوردي والزوياني: وشرط الرواية بالمعشر أن
يكون ما جاء به مساوياً للأصل في الجلاء والخفاء، وإلا فيمتنع، كقوله {ل: (لا ظلاق
في إغلاق)) فلا يجوز التعبير عن الإغلاق بالإكراه، وإن كان هو معتاه؛ لأنّ الشَّارِعُ لَمْ
يذكّزة كذلك إلا لمصلحة، وجعَلا محل الخلاف في غير الأوامر والنواهي، وجزما
بالجواز فيهما، ومثلاً: الأمر بقوله عليه الصلاة والسلام: «أقتلوا الأسودين الحية
والعقرب)) فيجوز أن يقال: أمر بقتلهما، والنهي بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تبيعوا
الذهب بالذهب إلا سواء بسواء" فيجوز أن يقال نهى عن بيع الذهب بالذهب إلا سواءً
بنتواء.
القول الثالث: قول من فرق بين من يستحضر لفظ الحديث وبين من لا يستحضر
لفظه، بل نسية، وإنما بقي في ذهنه معناه، فأجاز الرواية بالمعنى للثاني دون الأول،
وذلك لأنه كان مأموراً بأداءَ الحديث كما سمعه، وذلكَ إِنَّمَا يكون بروايته باللفظ فلما
عجز عن ذلك بسبب نسيانه لم يبق في وسعه إلا روايته بالمعنى، فإذا أتى بلفظ يؤدي ذلك
٢١٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
المعنى فقد أتى بما في وسعه قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة،
آية: ٢٨٦].
وهذا القول أقوى الأقوال؛ لأن الرواية بالمعنى إنما أجازها من أجازها من العلماء
الأعلام للضرورة، ولا ضرورة إلا في هذه الصورة، وإلا فلا يظن بذي كمال في العقل
والدين أن يجيز تبديل الألفاظ الواقعة في كلام النبيّ ◌َّ مع استحضاره لها بألفاظ من
عنده، ثم ينسبها إلى النبيّ ◌َّر بلفظ صريح في صدورها منه.
قال الماوردي في الحاوي: ((لا تجوز الرواية بالمعنى لمن يحفظ اللفظ؛ لزوال
العلة التي رخص فيها بسببها، وتجوز لغيره؛ لأنه تحمل اللفظ والمعنى، وعجز عن
أحدهما فلزمه أداء الآخر، لا سيّما إن كان في تركه كتم الأحكام، فإن لم ينسه لم يجز
أن يورده بغيره؛ لأن في كلام النبيّ وَّر من الفصاحة ما ليس في غيره)).
القول الرابع: قول من فرق بينهما، غير أنه عكس الحكم، فأجاز الرواية بالمعنى
لمن يستحضر اللفظ لتمكنه حينئذٍ من التصرف فيه بإيراد ألفاظ تقوم مقام تلك الألفاظ في
المعنى، ولم يجزها لمن لا يستحضر اللفظ لعدم تمكنه من ذلك، ولم يكتف بوجود
المعنى في الذهن؛ لاحتمال أن يكون ذلك المعنى أزيد مما يدل عليه اللفظ الذي نسبه،
أو أنقص منه، ولذا منع العلماء من وضع العام في موضع الخاص. والمطلق في موضع
المقيد، ومن العكس، وذلك لاشتراطهم أن يكون ما جاء به الراوي مساوياً للأصل.
القول الخامس: قول من أجاز الرواية بالمعنى بشرط أن يقتصر في ذلك على إبدال
اللفظ بمرادفه مع بقاء تركيب الكلام على حاله، وذلك لأن تغيير تركيب الكلام كثيراً ما
يخل بالمرام، بخلاف إبدال اللفظ بمرادفه، فإنه يفي بالمقصود من غير محذورٍ فيه. وهو
قول قوي، وقد ادعى بعض العلماء أن هذا جائز بلا خلاف. ومثال ذلك إبدال ((القّات))
((بالنمام)) والعكس.
قال مسلم في صحيحه: ((حدثنا شيبان بن فروخ، وعبد الله بن محمد بن أسماء
الضبعي، قالا: حدثنا مهدي - وهو ابن ميمون - قال: حدثنا واصل الأحدب، عن أبي
وائل، عن حذيفة، أنه بلغه أن رجلاً ينم الحديث، فقال حذيفة: سمعت رسول الله وَلّ
يقول: ((لا يدخل الجنة نمام)) حدثنا علي بن حجر السعدي، وإسحاق بن إبراهيم، قال
إسحاق: أخبرنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، قال: كان رجل
ينقل الحديث إلى الأمير، قال: فجاء حتى جلس إلينا، فقال حذيفة: سمعت رسول الله وكلهم
يقول: ((لا يدخل الجنة قتات)).
٢١٩
مقدمة
القول السادس: قول من فرق بين من يورد الحديث على قصد الاحتجاج أو الفتيا،
وبين من يورده لقصد الرواية، فأجاز الرواية بالمعنى للأول دون الثاني.
القول السابع: قول من أجاز الرواية بالمعنى للصحابة خاصة، وذلك لأمرين:
أحدهما : كونهم من أرباب اللسان، الواقفين على ما فيه أسرار البيان.
وثانيهما: سماعهم أقوال النبيّ ◌ِّر مع مشاهدتهم لأفعاله، ووقوفهم على أحواله،
بحيث وقفوا على مقصده جملة، فإذا رووا الحديث بالمعنى استوفوا المقصد كله، على
أنهم لم يكونوا يروون بالمعنى إلا حيث لم يستحضروا اللفظ، وإذا رووا بالمعنى أشاروا
في أكثر الأحيان إلى ذلك، فصارت النفس مطمئنة لما يروونه بالمعنى، بخلاف من
بعدهم، فإنهم لم يكونوا في درجتهم في معرفة اللسان والوقوف بالطبع على أسرار البيان،
مع عدم سماعهم بشيء من أقواله عليه الصلاة والسلام، ولا مشاهدتهم لشيء من أفعاله،
ولا وقوفهم على حال من أحواله، قد حكى هذا القول الماوردي والروياني، وجزما بأنه
لا يجوز لغير الصحابي الرواية بالمعنى، وجعلا الخلاف في المسألة في الصحابي دون
غيره .
وقد استدل بعضهم على أن بعض الصحابة كانوا يروون الأحاديث بالمعنى، كما
روي عن بعض التابعين أنه قال: لقيت أناساً من الصحابة بم فاجتمعوا في المعنى،
واختلفوا عليّ في اللفظ، فقلت ذلك لبعضهم: فقال: لا بأس به ما لم يخل معناه. حكاه
الشافعي كثّثُ .
وبما روي عن جابر بن عبد الله عن حذيفة أنه قال: ((إنا قوم عرب، نورد
الأحادیث، فنقدم ونؤخر)).
وبما روي عن بعض الصحابة كابن مسعود رضي الله أنه كان يقول في بعض ما يرويه:
(قال رسول الله ◌َ ليم كذا أو نحوه)).
القول الثامن: قول من أجاز الرواية بالمعنى للصحابة والتابعين فقط، ومنع من ذلك
غيرهم. قال: لأن الحديث إذا قيده الإسناد وجب أن لا يختلف لفظه، فيدخله الكذب،
وذلك لأن الرواية بالمعنى لا سيما إن تعدد الراون بها توجب رواية الحديث على وجوه
شتى مختلفة في اللفظ، والاختلاف في اللفظ كثيراً ما يوجب الاختلاف في المعنى، وإن
كان يسيراً بحيث لا يشعر به إلا قليل من أهل الفضل والنبل، والاختلاف في المعنى يدل
على أن ذلك الحديث لم يرو كما ينبغي، بل وقع خطأ في بعض رواياته، أو في جميعها،
فيكون فيها ما لم يقله النبيّ وَطّر، وهذا المحذور إنما يظهر بعد تدوين الحديث وتقييده
٢٢٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بالإسناد، فإذا منع أتباع التابعين فمن بعدهم من الرواية بالمعنى لم يظهر ذلك المحذور.
هذا فحوی کلامه .
هذا، وقد كان التابعون فريقين: فريق: يورد الأحاديث بألفاظها، وفريق: يوردها
بمعانيها :
روي عن ابن عون أنه قال: ((كان الحسن، وإبراهيم، والشعبي: يأتون بالحديث
على المعاني، وكان القاسم بن محمد، وابن سيرين، ورجاء بن حيوة: يعيدون الحديث
علی حروفه)).
وروي عن سفيان أنه قال: ((كان عمرون بن دينار يحدث الحديث على المعنى،
وكان إبراهيم بن ميسرة لا يحدث إلا على ما سمع)). وهذا تحت الأقوال الثمانية التي
قيلت في أمر الرواية بالمعنى.
وجميع ما تقدم يتعلق بالجواز وعدمه، ولا شك أن الأولى إيراد الحديث بألفاظ
دون التصرف فيه.
قال القاضي عياض تقذفُ: ((ينبغي سد باب الرواية بالمعنى؛ لئلا يتسلط من لا يحسن
ممن يظن أنه يحسن، كما وقع لكثير من الرواة قديماً وحديثاً، والله الموفق)).
وأشار بعض من أمعن النظر في هذه المسألة إلى أن الأدلة التي يوردها المجيزون
للرواية بالمعنى إنما تدل على جواز ذلك للضرورة، وذلك إذا لم يستحضر الراوي لفظ
الحديث، وإنما بقي في ذهنه معناه، ومع ذلك فقد كان المحتاطون في الأمر يشيرون إلى
أن الرواية إنما كانت بالمعنى.
قال ابن الصلاح كذّلهُ: ((ينبغي لمن يروي حديثاً بالمعنى أن يتبعه بأن يقول: أو كما
قال، أو نحو هذا، وما أشبه ذلك من الألفاظ، روي ذلك من الصحابة عن ابن مسعود
((
وأبي الدرداء وأنس
قال الخطيب: ((والصحابة أرباب اللسان. وأعلم الخلق بمعاني الكلام، ولم يكونوا
يقولون ذلك إلا خوفاً من الزلل؛ لمعرفتهم بما في الرواية بالمعنى من الخطر، وقد اعتنى
مسلم في صحيحه ببيان اختلاف الرواة، حتى في حرف من المتن، ربما لا يتغير به
المعنى، وربما كان في بعضه اختلاف في المعنى ولكنه خفي لا يتفطن له إلا من هو في
العلم بمكان، بخلاف البخاري، وكذا سلكه أبو داود، وسبقهما لذلك شيخهما
أحمد رحلته» .