Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
مقدمة
تنفعهم، وإذا وقع من النبيّ ◌َّهو الاستبشار بفعل أو قول فهو أقوى في الدلالة على
الجواز. كذا في إرشاد الفحول.
وقال الإمام الشاطبي تغذّفُهُ: ((الإقرار منه ◌َّ* إذا وافق الفعل فهو صحيح في التأسي،
لا شوب فيه ولا انحطاط عن أعلى مراتب التأسي؛ لأن فعله رَّ واقع موقع الصواب،
فإذا وافقه إقراره لغيره على مثل ذلك الفعل فهو كمجرد الاقتداء بالفعل، فالإقرار دليل
زائد مثبت، بخلاف ما إذا لم يوافقه؛ فإن الإقرار وإن اقتصى الصحة فالترك كالمعارض،
وإن لم تتحقق فيه المعارضة فقد رمى فيه شوب التوقف؛ لتوقفه وَلّر عن الفعل)).
ثم قال بعد بيان الأمثلة: ((والحاصل أن نفس الإقرار لا يدل على مطلق الجواز من
غير نظر، بل فيه ما يكون كذب، ومنه ما لا يكون كذلك)».
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: سكوت النبيّ ◌َهر على فعل غيره - بل تصويبه أيضاً -
قد يكون لكون المسألة مما فيه مساغ للاجتهاد، فيترك التكبر عليه، وينفذ اجتهاده في
حقه، وإن كان خطأ من حيث الحكم الواقعي عند الله تعالى، على ما ذهب إليه القائلون
بوحدة الحق في الاجتهاديات، وهذا كما في حديث النسائي من أبواب التيمم: ((أن رجلاً
أجنب، فترك الصلاة فقال: أصبت، ورجلاً آخر تيمم وصلى، فقال: أصبت)) وهكذا
سكوته وعدم تعنيفه على الفريقين في قصة أداء العصر في بني قريظة، ونحو ذلك، فإن
الحق في المسألة واحد عند الله، كما صرح به علماء السنة، واتفق عليه الأئمة الأربعة،
وحققناه في ((الهدية السنية)) فلا يمكن تصويب الفريقين من هذه الحيثية.
نعم! لههنا مقام آخر يمكن فيه القول بتصويب كل مجتهد، قال الشيخ تقي الدين بن
دقيق العيد تخذلهُ: (الله تعالى في الواقعة حكمان:
أحدهما: مطلوب بالاجتهاد، ونصب عليه الدلائل والأمارات، فإذا أصيب حصل
أجران: أجر الإصابة وأجر الاجتهاد.
والثاني: وجوب العمل بما أدى إليه الاجتهاد، وهذا متفق عليه، فمن نظر إلى هذا
الثاني ولم ينظر إلى الأول قال: حكم الله تعالى على كل أحد ما أدى إليه اجتهاده، ومن
نظر إلى الأول قال: المصيب واحد، وكلا القولين حق من وجه دون وجه، أما أحدهما
فبالنظر إلى وجوب المصير إلى ما أدى إليه الاجتهاد، وأما الآخر فبالنظر إلى الحكم
الذي في نفس الأمر المطلوب بالنظر)) انتهى.
وقال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه في عقد الجيد (ص٣٢): ((وإذا تحقق

١٢٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عندك ما بيناه علمت أن كل حكم يتكلم فيه المجتهد باجتهاد: منسوب إلى صاحب
الشرع ◌َر، إما إلى لفظه، أو إلى علة مأخوذة من لفظه، وإذا كان الأمر على ذلك ففي
كل اجتهاد مقامان :
أحدهما: أن صاحب الشرع هل أراد بكلامه هذا المعنى أو غيره؟ وهل نصب هذه
العلة مداراً في نفسه حين ما تكلم بالحكم المنصوص عليه أو لا؟ فإن كان التصويب
بالنظر إلى هذا المقام فأحد المجتهدين لا بعينه مصيب دون الآخر.
وثانيهما: أن من جملة أحكام الشرع أنه وَلجر عهد إلى أمته صريحاً أو دلالة أنه متى
اختلف عليهم نصوصه أو اختلف عليهم معاني نص من نصوصه: فَهُمْ مأمورون
بالاجتهاد، واستفراغ الطاقة في معرفة ما هو الحق من ذلك، فإذا تعين عند مجتهد شيء
من ذلك وجب عليه اتباعه، كما عهد إليهم أنه متى اشتبه عليهم القبلة في الليلة الظلماء
يجب أن يتحروا ويصلوا إلى جهة وقع تحريهم عليها، فهذا حكم الشرع بوجود التحري،
كما علق وجوب الصلاة بالوقت، وكما علق تكليف الصبي ببلوغه. فإن كان البحث
بالنظر إلى هذا المقام نظر: فإن كانت المسألة مما ينقض فيه اجتهاد المجتهد فاجتهاده
باطل قطعاً، وإن كان فيها حديث صحيح وقد حكم بخلافه فاجتهاده باطل ظناً، وإن كان
المجتهدان جميعاً قد سلكا ما ينبغي لهما أن يسلكاه ولم يخالفا حديثاً صحيحاً ولا أمراً
ينقض اجتهاد القاضي والمفتي في خلافه فهما جميعاً على الحق))، أي: بالنظر إلى المقام
الثاني، لما صرح فيما تقدم أن المصيب واحد لا بعينه، لا بالنظر إلى المقام الأول.
والغرض أن سكوته ◌َ ل# على فعل أو تقريره يحتمل التصويب الجزئي في حق ذلك
الفاعل بعينه بضرب من الاتساع في الأمور الاجتهادية بحسب المقام الثاني من المقامين
الذين ذكرهما الشيخ ولي الله وابن دقيق العيد رحمهما الله دون الأول، ومثاله عندي ما
في إتمام عائشة في السفر مع مواظبته بَطّر، والشيخين على القصر قوله وَلقال: ((أحسنت))،
عند النسائي والدارقطني، ويحتمل أن يسبق نوع من الإنكار على فعل ثم اعتذر الفاعل بما
فيه حسن نية أو صورة عبادة، مع عدم علمه بالتشريع، فلم يعاقبه، وترك النكير عليه لا
لتقرير مشروعية ذاك الفعل في حق كل أحد، بل بضرب من الإغماض عن تخطئة فعله بعد
ظهور إخلاصه وحسن نيته اكتفاء بالإنكار السابق، أو اعتماداً على أن عمومات أقواله
ومواظبته وير على الترك دالة على خلافه عند أولي الفهوم والبصائر، بحيث لا يكاد يخفى
عليهم وجه المسألة، كما في قصة إمام كان يقرأ سورة الاخلاص في كل ركعة. وهكذا
أظن في قصة قيس في ركعتي الفجر حين قال ◌َ ◌ّل له: ((أصلاتان معاً)»؟ فاعتذر بأنه كان لم

١٢٣
مقدمة
يصلهما قبل المكتوبة، فقال وَ لجر: ((فلا إذاً))، إن حمل قوله: ((فلا إذاً)) على معنى ((فلا
بأس إذاً)) كما اختاره الشوافع؛ وفي بعض الروايات: ((فسكت رسول الله ێ))؛ وفي
بعضها: (لم يأمره ولن ينهه))؛ وفي بعضها: ((تبسم))؛ وفي بعضها: ((فلم ينكر عليه))، فهذا
تقرير منه وَالر لتنفيذ اجتهاده بحسب المقام الثاني، ولو كان مخطئاً فيه عند الله بحسب
المقام الأول.
وغرضنا من جميع ما ذكرنا في هذا البحث أن السكوت والتقرير إذا عارض قوله أو
فعله ويؤ كلاً أو بعضاً فالحكم الأصلي الشرعي ينبغي أن يكون في قوله أو فعله ربَّ ما لم
يمنع منه مانع، فإن كلاً منهما أصرح في الحجية وأحكم من السكوت أو التقرير. وقد
أشار الغزالي كثّفُ إلى بعضه في وجوه الترجيح من ((المستصفى)) والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصواب.
أقوال الصحابة والتابعين
قال أبو سعيد البردعي: ((تقليد الصحابي واجب يترك به القياس. قال: وعلى هذا
أدركنا مشايخنا، وهو مذهب مالك، وأحمد بن حنبل - في إحدى الروايتين - والشافعي
- في قوله القديم - فإنه ذكر الصحابة في رسالته القديمة، وأثنى عليهم بما هم أهله، ثم
قال: ((وهم فوقنا في كل علم، واجتهاد، وورع، وعقل؛ ليستدرك به علم، أو ليستنبط،
وآراؤهم أولى من آرائنا عندنا لأنفسنا».
ونص في موضع آخر: ((إن الصحابة إذا اختلفت فالأئمة الأربعة أولى، فإن اختلفت
الأئمة الأربعة رحمهم الله فقول أبي بكر وعمر ﴿ًّا أولى)).
وذكر في موضع آخر: ((إنه يجب الترجيح بقول الأعلم والأكبر قياساً؛ لأن زيادة
علمه يقوى اجتهاده. ويبعده عن التقصير)).
وقال أبو الحسن الكرخي كَلَفُ وجماعة من أصحابنا: ((لا يجب تقليده إلا فيما لا
يدرك بالقياس. وإليه ميل القاضي الإمام أبي زيد، على ما يشير تقريره في التقويم)).
وقال الشافعي كَثُ - أي: في قوله الجديد -: ((لا يقلد أحد منهم، أي: لا يكون
قوله حجة، وإن كان فيما لا يدرك بالقياس))، وإليه ذهبت الأشاعرة والمعتزلة. ومنهم من
فصل في التقليد.
وقد اختلف عمل أصحابنا في هذا الباب، فلم يستقر مذهبهم في هذه المسألة، ولم
يثبت عنهم رواية ظاهرة فيها، ومع ذلك فقد اتفق عمل أصحابنا بتقليد الصحابي فيما لا

١٢٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يعقل بالقياس: مثل المقادير الشرعية التي لا تعقل بالرأي حملاً لقوله على التوقيف - أي:
السماع - والتنصيص من رسول الله وَلير؛ لأنه لا يظن بهم بالمجازفة في القول، ولا يجوز
أن يحمل قولهم على الكذب؛ فإن طريق الدين من النصوص إنما انتقل إلينا بروايتهم،
وفي حمل قولهم على الكذب والباطل قول بفسقهم، وذلك يبطل روايتهم؛ فلم يبق إلا
الرأي والسماع ممن ينزل عليه الوحي، ولا مدخل الرأي في هذا الباب، فتعين السماع،
وصار فتواه مطلقة كروايته عن رسول الله وَ ر، ولا شك أنه لو ذكر سماعه عن
رسول الله * كان ذلك حجة لإثبات الحكم به، فكذا إذا أفتى به، ولا طريق لفتواه إلا
السماع.
وأما احتمال أخذه من أهل الكتاب، فقال السخاوي: ((يبعد أن الصحابي المتصف
بالأخذ عن أهل الكتاب يسوغ حكاية شيء من الأحكام الشرعية التي لا مجال للرأي
فيها، مستنداً لذلك من غير عزو مع علمه بما وقع فيه من التبديل والتحريف، بحيث سمي
ابن عمرو بن العاص صحيفته النبوية ((الصادقة)) احترازاً عن ((الصحيفة اليرموكية)).
وقال كعب الأحبار، حين سأل أبا مسلم الخولاني: كيف تجد قومك لك؟ قالك
مكرمين. ما نصه ما صدقتني التوراة؛ لأن فيها إذا ما كان رجل حكيم في قوم إلا بقوا
علیه وحدوه.
وكونه في مقام تبيين الشريعة المحمدية كما قيل به في ((أمرنا)) و((نهينا)) و((كنا نفعل))،
ونحو ذلك فحاشاهم من ذلك، بل قال الحافظ في مسألة تفسير الصحابي: ((إنه يستثنى من
ذلك ما إذا كان الصحابي المفسر ممن عرف بالنظر في الإسرائيليات: كعبد الله بن سلام
وغيره من مسلمة أهل الكتاب، وكعبد الله بن عمرو بن العاص فإنه كان حصل له في وقعة
اليرموك كتب كثيرة من كتب أهل الكتاب، فكان يخبر بما فيها من الأمور المغيبة، حتى
كان بعض أصحابه ربما قال له: ((حدثنا عن النبيّ ◌َلّ ولا تحدثنا عن الصحيفة)) فمثل هذا
لا يكون حكم ما يخبر به من الأمور النقلية: الرفع؛ لقوة الاحتمال، وهذا كله فيما لا
يدرك بالقياس.
فأما ما يعقل بالقياس فوجه قول الكرخي أن القول بالرأي من أصحاب رسول الله وَ ال
مشهور، واحتمال الخطأ في اجتهادهم كائن لا محالة، فقد كان يخالف بعضهم بعضاً،
وكانوا لا يدعون الناس إلى أقوالهم، وكان ابن مسعود رضيُه يقول: ((إن أخطأت فمن
الشيطان)) وإذا كان كذلك لم يجز تقليد مثله، بل وجب الاقتداء بهم في العمل بالرأي مثل
ما عملوا، وذلك معنى قول النبيّ وَّر: ((أصحابي كالنجوم)) الخبر.
٠

١٢٥
مقدمة
ووجه قول أبي سعيد البردعي أن العمل برأيهم أولى لوجهين: أحدهما: احتمال
السماع والتوقيف، والظاهر الغالب من حال الصحابي إفتائه بالخبر لا بالرأي إلا عند
الضرورة بعد مشاورة القرناء؛ لاحتمال أن يكون عندهم خبر، وقد ظهر من عادتهم
سكوتهم عن الإسناد عند الفتوى إذا كان عندهم خبر يوافق فتواهم؛ لأن الواجب عند
السؤال بيان الحكم لا غير، ولاحتمال فضل إصابتهم في نفس الرأي، فرأي الصحابي
أقوى من رأي غيرهم؛ لأنهم شاهدوا طرق رسول الله و ﴿ في بيان أحكام الحوادث،
وشاهدوا الأحوال التي فيها النصوص، والمحال التي يتغير باعتبارها الأحكام، ولأن لهم
زيادة جد وحرص في بذل مجهودهم في طلب الحق والقيام بما هو تثبيت قوام الدين،
وزيادة احتياط في حفظ الأحاديث، وضبطها، وطلبها، والتأمل فيما لا نص عندهم غاية
التأمل، وفضل درجة ليس لغيرهم كما نطقت به الأخبار، مثل قوله ظلَّلها: ((خير القرون
قرني الذين بعثت فيهم)) وقولهم: ((لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا
نصفيه))، وقوله ظلَّلًا: ((أنا أمان لأصحابي وأصحابي أمان لأمتي)) إلى غير ذلك من
الأخبار ولمثل هذه الفضيلة أثر في إصابة الرأي، وكونه أبعد عن الخطأ، فبهذه المعاني
ترجح رأيهم على رأي غيرهم، وعند تعارض الرأيين إذا ظهر لأحدهما نوع ترجيح:
وجب الأخذ بذلك، فكذلك إذا وقع التعارض بين رأي الواحد منهم، ورأي الواحد منا
يجب تقديم رأيه على رأينا لزيادة قوة في رأيه من الوجوه التي ذكرناها .
فإن قيل: أليس أن تأويل الصحابي للنص لا يكون مقدماً على تأويل غيره، ولم
يعتبر فيه هذه الأحوال، فكذلك في الفتوى بالرأي؟ .
قلنا: إن التأويل (قد) يكون بالتأمل في وجوه اللغة ومعاني الكلام، ولا مزية لهم
في ذلك الباب على غيرهم ممن يعرف من معاني اللسان، فأما الاجتهاد في الأحكام فإنما
يكون بالتأمل في النصوص التي هي أصل في أحكام الشرع، وذلك يختلف باختلاف
الأحوال، ولأجله يظهر لهم المزية بمشاهدة أحوال الخطاب على غيرهم ممن لم يشاهد.
كذا في كشف الأسرار، وفيه تأمل.
قال الشيخ ابن الهمام تقذفُهُ: ((فصار قول الصحابي كالدليل الراجح)).
وقال الشاطبي: ((إن جمهور العلماء قدموا الصحابة عند ترجيح الأقاويل، فقد جعل
طائفة قول أبي بكر وعمر حجة ودليلاً، ولكل قول من هذه الأقوال متعلق، وبعضهم عد
قول الخلفاء الأربعة دليلاً، وبعضهم يعد قول الصحابة على الإطلاق حجة ودليلاً، ولكل
قول من هذه الأقوال متعلق من السنة، وهذه الآراء، وإن ترجح عند العلماء خلافها،

١٢٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ففيها تقوية تضاف إلى أمر كلي هو المعتمد في المسألة، وذلك أن السلف والخلف من
التابعين ومن بعدهم يهابون مخالفة الصحابة، ويتكثرون بموافقتهم، وأكثر ما تجد هذا
المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الأئمة المعتبرين، فتجدهم إذا عينوا مذاهبهم قووها
بذكر من ذهب إليها من الصحابة، وما ذاك إلا لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من
تعظيمهم، وقوة مأخذهم دون غيرهم، وكبر شأنهم في الشريعة، وأنهم مما يجب متابعتهم
وتقليدهم، فضلاً عن النظر معهم فيما نظروا فيه)).
وقد نقل عن الشافعي أن المجتهد قبل أن يجتهد لا يمنع من تقليد الصحابة، ويمنع
في غيره، وهو المنقول عنه في الصحابي: ((كيف أترك الحديث لقول من لو عاصرته
لحججته)) ولكنه مع ذلك یعرف لهم قدرهم.
وأيضاً فقد وصفهم السلف الصالح، ووصف متابعتهم بما لا بد من ذكر بعضه:
فعن سعيد بن جبير أنه قال: ((ما لم يعرفه البدريون فليس من الدين)).
وعن الحسن - وقد ذكر أصحاب محمد وَلار - قال: ((إنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً،
وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوماً اختارهم الله لصحبة نبيه وَلّر، فتشبهوا بأخلاقهم
وطرائقهم، فإنهم - ورب الكعبة - على الصراط المستقيم)).
وعن إبراهيم: قال: ((لم يدخر لكم شيء خبىء عن القوم لفضل عندكم)).
وعن حذيفة أنه كان يقول: ((اتقوا الله يا معشر القراء، وخذوا طريق من قبلكم،
فلعمري! لئن اتبعتموه لقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن تركتموه يميناً وشمالاً لقد ضللتم
ضلالاً بعيداً)).
وعن ابن مسعود: ((من كان منكم متأسياً فليتأس بأصحاب محمد ◌ّ فإنهم كانوا أبر
هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوماً
اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم؛ فإنهم
كانوا على الهدي المستقيم)» .
وقال علي رظُله: ((إياكم والاستنان بالرجال، ثم قال: فإن كنتم لا بد فاعلين،
فبالأموات لا بالأحياء)». وهو نهي للعلماء لا للعوام.
ومن ذلك قول عمر بن عبد العزيز قال: ((سن رسول الله وَ ل وولاة الأمر بعده سنناً،
الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، من عمل بها
مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما
تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا)).

١٢٧
مقدمة
وفي رواية: ((وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها، ولا تبديلها، ولا النظر في
رأي خالفها، ومن اهتدى بها مهتد)) الحديث. وكان مالك يعجبه كلامه جداً اهـ.
وقد يفيده عموم قوله تعالى: ﴿وَالسَِّقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم
بِإِحْسَنٍ﴾ [سورة التوبة، آية: ١٠٠] مدح الصحابة وتابعيهم بإحسان: وإنما استحق التابعون
المدح على اتباعهم بإحسان، من حيث الرجوع إلى رأيهم، لا إلى الكتاب والسنة، لأن
في ذلك استحقاق المدح باتباع الكتاب والسنة، لا باتباع الصحابة، وذلك إنما يكون في
قول وجد منهم ولم يظهر من بعضهم فيه خلاف.
فأما الذي فيه اختلاف فلا يكون موضع استحقاق المدح؛ فإنه إن كان يستحق
المدح باتباع البعض يستحق الذم بترك اتباع البعض، فوقع التعارض، فكان النص دليلاً
على وجوب تقليدهم إذا لم يوجد بينهم اختلاف ظاهر. كذا في الميزان.
قال فخر الإسلام: ((وهذا الاختلاف في كل ما ثبت عنهم من غير خلاف بينهم،
ومن غير أن يثبت أنه بلغ غير قائله، فسكت مسلماً له، فأما إذا اختلفوا في شيء فإن
الحق في أقوالهم لا يعدوهم عندنا، على ما نبيّن في باب الإجماع - إن شاء الله تعالى -
ولا يسقط البعض بالبعض بالتعارض؛ لأنهم لما اختلفوا ولم تجر المحاجة بالحديث
المرفوع سقط احتمال التوقيف، وتعين وجه الرأي والاجتهاد، فصار تعارض أقوالهم
كتعارض وجوه القياس، وذلك يوجب الترجيح؛ فإن تعذر الترجيح وجب العمل بأيها شاء
المجتهد، على أن الصواب واحد منها لا غير)).
والظاهر من المذهب في التابعي المجتهد في عصر الصحابة، كابن المسيب،
والحسن، والنخعي، والشعبي، المنع من تقليده؛ لفوات المناط المساوي للمناط في
وجوب تقليد الصحابي، وهو بركة الصحبة، ومشاهدة الأمور المثيرة للنصوص، والمفيدة
لإطلاقها، حتى ذكروا عن أبي حنيفة أنه قال: ((إذا اجتمعت الصحابة سلمنا لهم، وإذا
جاء التابعون زاحمناهم))؛ وفي رواية: ((لا أقلدهم، هم رجال اجتهدوا، ونحن رجال
نجتهد)) .
والاستدلال لذلك بأن الصحابة لما سوغوا للتابعي الاجتهاد وزاحموهم في الفتوى
صار مثلهم، فيجوز تقليده: ممنوع الملازمة، لأن التسويغ لاجتهاده لحصول رتبة
الاجتهاد له لا يوجب ذلك المناط لوجوب التقليد، والله أعلم. كذا في التحرير وشرحه.

١٢٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قول الصحابي أو التابعي: من السنة كذا، هل هو في حكم الرفع؟
قول الصحابي: ((من السنة كذا)) كقول علي رضيالله: ((من السنة وضع الكف على
الكف في الصلاة تحت السرة)) ظاهر في الرفع، وهو قول الأكثر، إذ هو المتبادر إلى
الذهن من الإطلاق؛ لأن سنة النبيّ وَّر أصل، وسنة غيره تبع لسنته.
ويؤيده ما رواه البخاري في صحيحه، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر:
((أن الحجاج عام نزل بابن الزبير سأل عبد الله - يعني ابن عمر رضيًا - عنه: كيف تصنع في
الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة، فقال ابن
عمر: صدق، إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة، قال الزهري: فقلت
السالم: أفعله رسول الله وَالر؟ فقال: وهل متبعون في ذلك إلا سنته)) انتهى.
قال ابن أمير الحاج في شرح التحرير: ((وما ذكر من الحديث وإطلاقها على سنتهم:
لا يلزمنا؛ لأننا لا ننكر جواز الإطلاق عليها، وإنما نمنع فهم سنة غيره من إطلاقها .
وجزم البلقيني في ((محاسنه)): ((بأنها على مراتب في احتمال الوقف قرباً وبعداً،
فأرفعها مثل قول ابن عباس: ((الله أكبر: سنة أبي القاسم (وَل98)) ودونها قول عمرو بن
العاص: ((لا تلبسوا علينا سنة نبينا، عدة أم الولد كذا)) ودونها قول عمر لعقبة بن عامر:
((أصبت السنة))، إذ الأول أبعد احتمالاً، والثاني أقرب احتمالاً، والثالث لا إضافة فيه))
انتھی .
أما قول التابعي: ((من السنة كذا)) ففيه لأصحاب الشافعي وجهان: هو موقوف
متصل، أو مرفوع مرسل، ونقلوا تصحيح وقفه.
وقال السخاوي تخلّفُ: ((بخلاف من السنة، فيطرقها احتمال إرادة سنة الخلفاء
الراشدين، فكثيراً ما يعبرون بها فيما يضاف إليهم، وقد يريدون سنة البلد، وهذا
الاحتمال وإن قيل به في الصحابي فهو في التابعي أقوى، ولذلك اختلف الحكم في
الموضعین)).
الشاذ والمحفوظ والمذكر والمعروف
اختلفوا في حد الحديث الشاذ، فقال جماعة من علماء الحجاز: هو ما روى الثقة
مخالفاً لما رواه الناس. وعبارة الشافعي تَّثُ في ذلك: ((ليس الشاذ من الحديث أن يروي
الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثاً يخالف ما روى الناس؛ وهو
مشعر بأن مخالفة الثقة لمن هو أرجح منه - وإن كان واحداً - كافية في الشذوذ.

١٢٩
مقدمة
وقال أبو يعلى الخليلي: ((الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد
واحد يشذ بذلك شيخ، ثقة كان أو غير ثقة، فما كان من غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما
كان عن ثقة يتوقف فيه، ولا يحتج به)) فلم يشترط في الشاذ تفرد الثقة، بل مطلق التفرد.
وقال الحاكم: ((الشاذ هو الحديث الذي يتفرد به ثقة من الثقات، وليس له أصل
بمتابع(١) لذلك الثقة)) فلم يشترط فيه مخالفة الناس، وذكر أنه يغاير ((المعلل)) من حيث أن
((المعلل)) وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه من إدخال حديث في حديث، أو وهم
راو فيه، أو وصل مرسل، ونحو ذلك، والشاذ لم يوقف فيه على علة كذلك.
قال بعض العلماء: وهذا مشعر بأنه أدق من المعلل، فلا يتمكن من الحكم به إلا
من مارس الفن، وكان في الذروة العليا من الفهم الثاقب، والحفظ الواسع.
ومن أوضح أمثلته ما أخرجه الحاكم في المستدرك، من طريق عبيد بن غنام
النخعي، عن علي بن حكيم، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن
ابن عباس. قال: ((في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم
كإبراهيم، وعيسى كعيسى)) وقال: ((صحيح الإسناد)).
قال السيوطي: ((ولم أزل أتعجب من تصحيح الحاكم له، حتى رأيت البيهقي قال:
((إسناده صحيح، ولكنه شاذ بمرة)) وما ذكره الخليلي والحاكم مشكل لدخول ما تفرد به
العدل الضابط في الشاذ عندهما، والشذوذ مناف الصحة، كما عرفت في حد الصحيح،
مع أن في الصحيحين أحاديث كثيرة ليس لها إلا إسناد واحد تفرد به ثقة، وذلك كحديث
((إنما الأعمال بالنيات)) وحديث ((النهي عن بيع الولاء وهبته))، وغير ذلك.
وقد ذكر ابن الصلاح كثُّ في أمر الشاذ تفصيلاً أورده بعد أن أنكر على الخليلي
والحاكم ما أتيا به من الإطلاق فيه، فقال: ((إذا انفرد الراوي بشيء: نظر فيه، فإن كان ما
انفرد به مخالفاً لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط: كان ما تفرد به شاذاً
مردوداً، وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره:
فينظر في ذلك الراوي المفرد: فإن كان عدلاً حافظاً وموثوقاً بإتقانه وضبطه قُبِلَ ما انفرد
به، ولم يقدح الانفراد فيه، كما فيما سبق من الأمثلة، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه
وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده خارماً له، مزحزحاً له عن حيز الصحيح، ثم هو
بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة
(١) وفي ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم تغذّثُ (متابع)).

١٣٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسّنا حديثه ذلك، ولم نحطه إلى قبيل الحديث
الضعيف، وإن كان بعيداً من ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر)).
فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف.
والثاني الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجب التفرد
والشذوذ من النكارة والضعيف)) اهـ.
وقد حاول بعضهم الجواب عن الحاكم فقال: إن مقتضى أن في الصحيح الشاذ
وغير الشاذ فلا يكون الشذوذ عنده منافياً للصحة مطلقاً، ويدل على أنه ذكر في أمثلة الشاذ
حديثاً أخرجه البخاري في صحيحه من الوجه الذي حكم عليه بالشذوذ، ويؤيد ذلك ما
ذكره الحاكم في الشاذ من أنه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولا يقدر على إقامة الدليل
على ذلك، وما في الصحيحين من ذلك ليس مما ينقدح في نفس الناقد أنه غلط.
وأما الخليلي فإن الجواب عنه وإن كان ليس سهلاً كالجواب عن الحاكم، فإنه
يمكن أن يقال: إنه ليس في كلامه ما يمنع تسمية ما ذكر من الأحاديث السابقة ونحوها
صحيحاً، ولا ينافي ذلك قوله: ((إنه يتوقف فيه ولا يحتج به)) ألا ترى أنهم يقولون: إن
الحديثين الصحيحين إذا تعارضا، ولم يمكن الجمع بينهما، ولا ترجيح بينهما على
الآخر، توقف فيهما، فالتوقف في الحديث لعارض لا يمنع من تسميته صحيحاً .
والشذوذ ونحوه يطلب غالباً على ما يتعلق بالمتن لوجود ما يقتضي ذلك فيه، أو في
طريقه .
وقد يطلق على ما يتعلق بالمتن أو السند، وعليه يقال: الشذوذ هو مخالفة الثقة لمن
هو أرجح منه، سواء كانت بالزيادة أو النقص في المتن أو السند.
هذا ما قيل في الشاذ. ويقال لمقابله - وهو الراجح من متن أو سند -: المحفوظ،
وفي تسميته بذلك إشارة إلى أن الشاذ لما كان أقرب إلى وقوع الخطأ والوهم فيه من
مقابله الراجح عليه بمنزلة غير المحفوظ .
والمعتمد في حد الشاذ بحسب الإصطلاح أنه ما يرويه الثقة مخالفاً لمن هو أرجح
منه .
وأما المنكر فقد اختلف أيضاً في حده، والمعتمد فيه بحسب الاصطلاح: أنه ما
يرويه غير الثقة مخالفاً لمن هو أرجح منه. فهما متباينان لا يصدق أحدهما على شيء مما
يصدق عليه الآخر، وهما يشتركان في اشتراط المخالفة ويمتاز الشاذ عنه بكون راويه ثقة،
ويمتاز المنكر عن الشاذ بكون راويه غير ثقة.

١٣١
مقدمة
وقال بعض أهل الأثر: إذا تفرد الصدوق بما لا متابع له فيه ولا شاهد، ولم يكن
عنده من الضبط ما يشترط في الصحيح ولا الحسن، قيل لما تفرد به: شاذ، وهذا هو
أحد القسمين منه، فإن خولف مع ذلك كان ما تفرد به أشد في الشذوذ، وربما سماه
بعضهم منكراً، وإن كان عنده من الضبط ما يشترط في الصحيح أو الحسن، لكنه خالف
من هو أرجح منه، قيل لما تفرد به: شاذ، وهذا هو القسم الثاني من الشاذ، وهذا هو
الذي شاع إطلاق الاسم عليه، وإذا تفرد المستور، أو الموصوف بسوء الحفظ، أو
المضعف في بعض مشايخه خاصة، أو نحوهم ممن لا يحكم لحديثهم بالقبول بغير عاضد
يعضده بما لا متابع له وشاهد قيل لما تفرد به: منكر، وهذا هو أحد قسمي المنكر، وهو
الذي وجد إطلاق المنكر عليه لكثير من المحدثين: كأحمد، والنسائي. فإن خولف مع
ذلك كان ما تفرد به أجدر بإطلاق اسم المنكر عليه مما قبله، وهذا هو القسم الثاني من
المنكر وهو الذي شاع عند الأكثرين إطلاق اسم المنكر عليه.
وذكر مسلم تَُّ في مقدمة صحيحه ما نصه: ((وعلامة المنكر في حديث المحدث
إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا: خالفت روايته
روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإن كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير
مقبوله ولا مستعمله)).
قال الحافظ ابن حجر تخذله: ((والرواة والموصوفون بهذا هم المتروكون، فعلى هذا
رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة، وهذا هو المختار)) اهـ.
قلت: فرق بين كون الحديث منكراً، وكون الراوي منكر الحديث، وكلام مسلم
مشير إلى هذا الفرق؛ فإنه بين أولاً علامة نكارة الحديث بأن المحدث إذا عرضت روايته
على غيره ممن اشتهر بالحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم، بحيث لا يمكن الجمع
بينهما، أو لم تكد توافقها، بحيث لا يتيسر الجمع إلا بتعسف فهذا حديث منكر، سواء
كان راويه متروك الحديث أو لا، تكثر منه رواية المناكير أو تندر، وأمثال هذه الرواة
يؤخذ ما يعرف من أحاديثهم، حيث لا تلوح عليه علامة المنكر، وإطلاق المنكر على
حديث غير المتروك ثابت عند أبي داود وغيره؛ فإنه حكم على حديث نزع الخاتم بكونه
منكراً، مع أن راويه (همام بن يحيى) ثقة احتج به أهل الصحيح.
فإذا كان الأغلب من حديث كذلك - أي: المناكر - كان الراوي منكر الحديث،
مهجور الراوية غير مقبولها، ولا مستعملها. ومثل هذا هو يمسك مسلم كَثُهُ، عن راوية
حديثه في صحيحه مطلقاً، ولا يلتفت إلى كون بعض أحاديثه معروفاً محفوظاً، كما صرح
.

١٣٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
به قبل هذا الكلام حيث قال: ((وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط أمسكنا
أيضاً عن حديثهم)) اهـ.
قال الزيلعي المخرج: ((إن من يقال فيه: منكر الحديث، ليس كمن يقال فيه: روى
أحاديث منكرة؛ لأن منكر الحديث وصف في الرجل، يستحق الترك لحديثه، والعبارة
الأخرى تقتضي أنه وقع له في حين لا دائماً».
وقد قال أحمد بن حنبل في محمد بن إبراهيم التيمي: ((يروي أحاديث منكرة)) وقد
اتفق عليه البخاري ومسلم رحمهما الله، وإليه المرجع في حديث ((إنما الأعمال بالنيات)).
وكذلك قال في زيد بن أبي أنيسة: ((في بعض حديثه نكارة)) وهو ممن احتج به
البخاري ومسلم، ((وهما العمدة في ذلك)) اهـ. فهذا ما فهم العبد الضعيف من كلام
الإمام مسلم. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وجعل ابن الصلاح المنكر بمعنى الشاذ، وسوى بينهما، وقسم الشاذ - كما ذكرنا
ذلك آنفاً - إلى قسمين، وأشار إلى التسوية بينهما في بحث المنكر، وإطلاق الحكم على
التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام من أهل الحديث، والصواب فيه
التفصيل الذي بيناه آنفاً في شرح الشاذ، وهذا ليس في الصحيح منه إلا نزر يسير قد بيّن
في محله والله أعلم.
قال الذهبي كَُّ في ترجمة عكرمة بن عمار: ((وفي صحيح مسلم قد ساق له أصلاً
منكراً عن سماك الحنفي عن ابن عباس في الثلاثة التي طلبها أبو سفيان، وثلاثة أحاديث
أخر بالإسناد)).
هذا ما قيل في المنكر، ويقال لمقابله - وهو الراجع من متن أو سند -: المعروف.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: والذي يظهر من صنيع كثير من قدماء المحدثين
رحمهم الله أنهم لم يكونوا يشترطون في الصحيح انتفاء الشذوذ والعلة، وما كانوا متقدمين
بهذه الفروق الاصطلاحية بين الشاذ والمنكر والمعلل، بل ربما يطلقون الشذوذ على
التفرد، والمنكر، أو المعلل على الشاذ، وقسموا الشاذ إلى الصحيح وغيره.
قال الزركشي: ((وقد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح
والحسن)) اهـ.
والخطابي لما عرف الصحيح لم يقيده بالخلو عن الشذوذ والعلة، بل نظر فيهما
الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد على مقتضى نظر الفقهاء، وقال: ((إن كثيراً من العلل التي

١٣٣
مقدمة
يعلل بها المحدثون لا تجري على أصول الفقهاء)).
وقال السخاوي كَخََّثُهُ: ((ظاهره أن الخلاف إنما هو فيما يسمى علة، فالكثير منه
يختلفون فيه، والبعض المحتمل لأن يكون الأكثر أو غيره يوافق الفقيه المحدث على
التعلیل به، ولذلك احترز بقوله: كثير)).
ومن المسائل المختلف فيها ما إذا أثبت الراوي عن شيخه شيئاً فنفاه من هو أحفظ
أو أكثر عدداً أو أكثر ملازمة منه؛ فإن الفقيه والأصولي يقولان: المثبت مقدم على
النافي، فيقبل. والمحدثون يسمونه شاذاً؛ لأنهم فسروا الشذوذ المشترط نفيه هنا:
بمخالفة الراوي في روايته من هو أرجح منه عند تعسر الجمع بين الروايتين، ووافقهم
الشافعي على التفسير المذكور، بل صرح بأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، أي:
لأن تطرق السهو إليه أقرب من تطرقه إلى العدد الكثير، وحينئذٍ فردٌّ قول الجماعة بقول
الواحد بعید.
ومنها: الحديث الذي يرويه العدل الضابط عن تابعي - مثلاً - عن صحابي، ويرويه
آخر مثله، سواء عن ذلك التابعي بعينه. لكن عن صحابي آخر؛ فإن الفقهاء وأكثر
المحدثين يجوزون أن يكون التابعي سمعه منهما معاً إن لم يمنع منه مانع، وقامت قرينة
الإسناد في ثاني قسمي المقلوب.
وفي الصحيحين الكثير من هذا، وبعض المحثين يعللون بهذا متمسكين بأن
الاضطراب دليل على عدم الضبط في الجملة. والكل متفقون على التعليل بما إذا كان
أحد المتردد فيهما ضعيفاً، بل توسع بعضهم فرد بمجرد العلة ولو لم تكن قادحة.
ثم قال: ((على أن شيخنا (الحافظ ابن حجر كَُّ) مال إلى النزاع في ترك تسمية
الشاذ صحيحاً، وقال: غاية ما فيه رجحان رواية على أخرى، والمرجوحية لا تنافي
الصحة، وأكثر ما فيه أن يكون هناك صحيح وأصح، فليعمل بالراجح ولا يعمل
بالمرجوح؛ لأجل معارضته له، لا لكونه لم يصح طريقه، ولا يلزم من ذلك الحكم عليه
بالضعف، وإنما غايته أن يتوقف عن العمل به ويتأيد بمن يقول صحيح شاذ) اهـ.
وعلى تقدير اشتراط عدم الشذوذ بمخالفة الثقة لمن هو أرجح منه بحيث يتعسر
الجمع بين روايتهما إنما يقتصرون في الحكم بالشذوذ على الأرجحية من جهة كثرة
العدد، أو قوة الحفظ فقط، ولا يلتفتون إلى غيرهما من جهات الترجيح بين الروايات التي
تزيد على مائة وجوه، كما ذكره السيوطي كَّلُ في التدريب، إلا إلى بعض أحوال الرواة
نادراً، ولا يكادون يتجاوزون منها إلى ترجيح المرويات بعضها على بعض، من حيث

١٣٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الحكم والمعنى، ولعل هذا اصطلاح منهم بحسب موضوعهم؛ فإن وظيفتهم الأصلية
الحكم على الإسناد أو على المتن من جهة الإسناد، فكأنهم أحالوا الخارج عن وظيفتهم
على الفقهاء والأصوليين الذين وظيفتهم انتقاد المتون والبحث عن معانيها، وترجيح بعض
الأحاديث على بعض من حيث الحكم والمعنى، وبما يرجع إلى غير أحوال الرواة
وكيفيّات التحمل؛ فإن لكل فن رجالاً يقدمون في فنهم على غيرهم.
قال الترمذي كثّفُ في جامعه: ((الفقهاء هم أعلم بمعاني الأحاديث)).
وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر تغلفه: ولابن حبان تفصيل حسن (أي: في
تفاضل إسنادين أحدهما عن شيوخ الحديث مع قلة الوسائط، والآخر عن الفقهاء مع
كثرتها، فأيهما يوصف بالعلو) قال: إن النظر إن كان للسند فالشيوخ أولى، وإن كان
للمتن فالفقهاء)».
وقال الإمام المحقق الشاطبي تقذفُهُ: ((إن المجتهد لا يلزم أن يكون مجتهداً في كل
علم يتعلق به الاجتهاد على الجملة، بل الأمر ينقسم، فإن كان ثم علم لا يمكن أن
يحصل وصف الاجتهاد بكنهه إلا من طريقه: فلا بد أن يكون من أهله حقيقة، حتى يكون
مجتهداً فيه، وما سوى ذلك من العلوم فلا يلزم ذلك فيه. وإن كان العلم به معيناً فيه،
ولكن لا يخل التقليد فيه بحقيقة الاجتهاد، فهذه ثلاثة مطالب لا بد من بيانها :
أما الأول : - وهو أنه لا يلزم أن يكون مجتهداً في كل علم يتعلق به الاجتهاد على
الجملة - فالدليل عليه أمور :
أحدها: أنه لو كان كذلك لم يوجد مجتهد إلا في الندرة ممن سوى الصحابة،
ونحن نمثل بالأئمة الأربعة، فالشافعي تكلّثُ عندهم مقلد في الحديث، لم يبلغ درجة
الاجتهاد في انتقاده ومعرفته، وأبو حنيفة تغذَتهُ كذلك.
وإنما عدّوا من أهله مالكاً وحده، وتراه في الأحكام يحيل على غيره، كأهل
التجارب، والطب، والحيض، وغير ذلك، ويبني الحكم على ذلك، والحكم لا يستقل
دون ذلك الاجتهاد، ولو كان مشترطاً في المجتهد الاجتهاد في كل ما يفتقر إليه الحكم لم
يصح لحاكم أن ينتصب للفصل بين الخصوم، حتى يكون مجتهداً في كل ما يفتقر إليه
الحكم الذي يوجهه على المطلوب الطالب، وليس الأمر كذلك بالإجماع.
والثاني: أن الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية علم مستقل بنفسه، لا يلزم في
كل علم أن تبرهن مقدماته فيه بحال، بل يقول العلماء: إن من فعل ذلك فقد أدخل في
علمه علماً آخر، ينظر فيه بالعرض لا بالذات، فكما يصح للطبيب أن يسلم من العلم

١٣٥
مقدمة
الطبيعي: الأسطقصَّات أربعة، وأن مزاج الإنسان أعدل الأمزجة فيما يليق أن يكون مزاج
الإنسان، وغير ذلك من المقدمات، كذلك يصح أن يسلم المجتهد من القارىء أن قوله
تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم وأرجلكم﴾ [سورة المائدة، آية: ٦] بالخفض مروي على الصحة،
ومن المحدث أن الحديث الفلاني صحيح أو سقيم، ومن عالم الناسخ والمنسوخ أن قوله
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ﴾ [سورة البقرة، آية: ١٨٠] منسوخ بآية
المواريث، ومن اللغوي: أن القرء يطلق على الطهر والحيض، وما أشبه ذلك، ثم يبني
عليها الأحكام، بل براهين الهندسة في أعلى مراتب اليقين، وهي مبنية على مقدمات
مسلمة في علم آخر مأخوذة في علم الهندسة على التقليد، وكذلك العدد وغيره من العلوم
اليقينية، ولم يكن ذلك قادحاً في حصول اليقين للمهندس أو الحاسب في مطالب
علمه)) اهـ.
وبالجملة ينبغي أن يوسد كل أمر إلى أهله، وكل فن إلى حاذقه.
وأيضاً قد اشترطوا في الشاذ تعسَّر الجمع بينه وبين المحفوظ، فقد يتيسَّر لقوم أمر
يتعسَّر عند غيرهم، والأئمة والفقهاء رحمهم الله الميسرون للجمع بين متون الأحاديث،
فهم المقدمون في هذا الباب.
قال صاحب التنقيح: (ابن الجوزي كلُّ) بعد الكلام على حديث عبد الملك ابن
أبي سليمان ف يالشفعة: ((وطعن شعبة في عبد الملك بسبب هذا الحديث لا يقدح فيه؛
فإنه ثقة، وشعبة لم يكن من الحذاق في الفقه؛ ليجمع بين الأحاديث إذا ظهر تعارضها،
إنما كان حافظاً، وغير شعبة إنما طعن فيه تبعاً لشعبة؛ فالإنصاف أن الحكم بالشذوذ من
المحدثين لما كان مرجعه الترجيح من حيث كثرة العدد أو قوة الحفظ ونحوهما لا يستلزم
كون الحديث شاذاً مردوداً عند غيرهم من الفقهاء، غير محتج به في الأحكام؛ فإن وجوه
الترجيح غير محصورة، فلا يبعد أن يكون الحديث المرجوح من جهة تفرد الراوي أو
قصور حفظه أرجح مما يقابله من سائر جهات الترجيح.
وبهذا يندفع الإشكال العويص الذي أورده بعض العلماء في مبحث الترجيح بين
الخبرين المتعارضين من أن البحث هنا إنما هو في تعارض الحديثين المقبولين؛ وقد سبق
قريباً أن الحديث المقبول إذا عارضه حديث غير مقبول أخذ بالمقبول، وترك الآخر؛ إذ
لا حكم للضعيف مع القوي، وما ذكر في هذا الموضع يدل على أن الخبرين المقبولين قد
يكون أحدهما راجحاً والآخر مرجوحاً، وقد لا يظهر وجه الترجيح، فيتوقف فيهما، وقد
تقرر أن الثقة إذا خالفه من هو أرجح منه سمي حديثه شاذاً، والشاذ من المردود، وأن

١٣٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الحديث إذا وقع الخلاف فيه بالإبدال في متنه أو سنده ولا مرجح سمي حديثه مضطرباً،
والمضطرب من المردود)) اهـ.
ووجه الإندفاع ظاهر من التقرير السابق؛ فإن الشاذ - ولو كان مردوداً؛ لكونه
مرجوحاً عند المحدثين من جهة خاصة - يحتمل أن يكون راجحاً بحسب المتن من جهات
أخر عند غيرهم؛ فلا يمنع حكمهم بالشذوذ تجشم سائر المرجحات لغيرهم، ولا منافاة
بين كون الشيء مردوداً ومقبولاً من وجهيه. فليحفظ.
صنيع الترمذي رحمه الله في قوله: وفي الباب
الترمذي كَثُ حيث يقول: ((وفي الباب عن فلان وفلان)) فإنه لا يريد ذلك الحديث
المعين، بل يريد أحاديث أخر يصح أن تكتب في الباب.
قال العراقي كثّفُ: ((وهو عمل صحيح، إلا أن كثيراً من الناس يفهمون من ذلك أن
من سمي من الصحابة يروون ذلك الحديث بعينه، وليس كذلك. بل قد يكون كذلك، وقد
يكون حديثاً آخر يصح إيراده في ذلك الباب)).
قولهم: أنكر ما رواه فلان
وقع في عبارتهم: ((أنكر ما رواه فلان كذا)) وإن لم يكن ذلك الحديث ضعيفاً، وقال
ابن عدي: ((أنكر ما روى يزيد بن عبد الله بن أبي بردة: ((إذا أراد الله بأمة خيراً قبض نبيهاً
قبلها)) قال: وهذا طريق حسن، رواته ثقات، وقد أدخله قوم في صحاحهم)) انتهى.
والحديث في صحيح مسلم.
وقال الذهبي كثّفُ: ((أنكر ما الوليد بن مسلم من الأحاديث: حديث حفظ القرآن،
وهو عند الترمذي وحسنه وصحه الحاكم على شرط الشيخين)).
تنبيه :
يزيد بن عبد الله بن خصيفة الكندي قال فيه أحمد: ((منكر الحديث)). قال العلماء:
وهذه اللفظة يطلقها أحمد على من يغرب على أقرانه بالحديث، عرف ذلك بالاستقراء من
حاله .
المحكم ومختلف الحديث
ينقسم الحديث المقبول إلى قسمين: مأخوذ به، وغير مأخوذ به، وذلك لأنه لا
يخلو من أن يسلم من معارضة حديث آخر يضاده أو لا، فإن سلم من ذلك قيل له :

١٣٧
مقدمة
((المحكم)) وحكمه الأخذ به بلا توقف، وأمثلته كثيرة، منها: ((لا يقبل الله صلاة بغير
طهور)) وحديث ((إنما الأعمال بالنيات)) وإن لم يسلم من معارضة حديث آخر يضاده فلا
يخلو من أن يكون معارضه مقبولاً أو لا، فإن كان غير مقبول فالحكم للمقبول؛ إذ لا
حكم للضعيف مع القوي، وإن كان مقبولاً لا يخلو من أن يمكن الجمع بينهما بغير
تعسف أو لا، فإن أمكن الجمع بينهما بغير تعسف أخذ بهما معاً؛ لظهور أن لا تضاد
بينهما عند إمعان النظر، وإنما هو بالنظر لما يبدو في أول وهلة، ويقال لهذا النوع:
((مختلف الحديث)) وللجمع بين الأحاديث المختلفة فيه: ((تأويل مختلف الحديث)).
وقال السخاوي: ((وهو من أهم الأنواع، مضطر إليه جميع الطوائف من العلماء،
وإنما يكمل للقيام به من كان إماماً جامعاً لصناعتي: الحديث. والفقه، غائصاً على
المعاني الدقيقة، ولذا كان إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة من أحسن الناس فيه كلاماً، لكنه
توسع حيث قال: ((لا أعرف حديثين صحيحين متضادين، فمن كان عنده شيء من ذلك
فليأتني به لأؤلف بينهما)) وانتقد عليه بعض صنيعه في توسعه؛ فقال البلقيني كظّتُهُ: ((إنه لو
فتحنا باب التأويلات لاندفعت أكثر العلل)).
وأول من تكلم فيه إمامنا الشافعي كثُّ، وله فيه مجلد جليل من جملة كتب الأم،
ولكنه لم يقصد استيعابه، بل هو مدخل عظيم لهذا النوع، يتنبه به العارف على طريقه،
وكذا صنف فيه أبو محمد بن قتيبة، وأتى فيه بأشياء حسنة، وقصر باعه في أشياء قصر
فيها، وقد قرأتهما، وأبو جعفر بن جرير الطبري، وأبو جعفر الطحاوي في كتابه ((مشكل
الآثار)) وهو من أجلٌ كتبه، ولكنه قابل للاختصار غير مستغن عن الترتيب والتهذيب، وقد
اختصره ابن رشد)».
وإن لم يكن الجمع بينهما، فلا يخلو متعلقهما من أن يكون مما يكن وقوع النسخ
فيه أو لا، فإن كان متعلقهما مما يمكن وقوع النسخ فيه بحث عن المتأخر منهما، فإن
عرف أخذ به، وكان هو الناسخ، والآخر هو المنسوخ، وإن كان متعلق الحديثين مما لا
يمكن وقوع النسخ فيه، كالخبر المحض، أو كان مما يمكن وقوع النسخ فيه، كالأمر
والنهي، ولكن لم يعرف المتأخر منهما: نظر في المرجحات، فإن وجد في أحدهما ما
يقتضي رجحانه على الآخر أخذ به وترك الآخر، فإن لم يوجد ذلك وجب التوقف فيهما .
قال السخاوي: ((أي التوقف عن العمل بأحد المتنين حتى يظهر. وقيل: يهجم، فيفتي
بواحد منهما، أو يفتي بهذا في وقت، وبهذا في آخر، كما يفعل أحمد، وذلك غالباً
بسبب اختلاف روايات أصحابه عنه. قال شيخنا: فصار ما ظاهره التعارض واقعاً على
هذا الترتيب: الجمع إن أمكن، فاعتبار الناسخ والمنسوخ، والترجيح إن تعين، ثم التوقف

١٣٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عن العمل بأحد الحديثين، والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط؛ لأن خفاء ترجيح
أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة مع احتمال أن يظهر لغيره ما
خفي عليه)) ﴿وَفَوْقَ كُلِ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة يوسف، آية: ٧٦].
قال الجزائري: ((ومبحث التعارض والترجيح من أهم مباحث أصول الفقه
وأصعبها، وقد أطلق العلماء في ميدانه الفسيح الأرجاء أعنة أقلامهم، فمن أراد الاستيفاء
فعليه بالكتب المبسوطة فيه، غير أنه ينبغي له أن يختار منها الكتب التي لأربابها براعة في
نحو الأصول».
وجوه الترجيح بين الأخبار
أما وجوه الترجيح بين الأخبار فقد سرد منها الحازمي في كتابه ((الناسخ والمنسوخ))
خمسين وجهاً مع إشارته إلى زيادتها على ذلك، وهو كذلك، وقد أوصلها السيوطي تظُّ
في التدريب إلى مائة. ثم قال: ((وثم مرجحات أخر لا تنحصر، ومثارها غلبة الظن)).
ومما ذكره السيوطي: كثرة الرواة، وقلة الوسائط، وفقه الراوي، سواء كان الحديث
مروياً بالمعنى، أو اللفظ؛ لأن الفقيه إذا سمع ما يمتنع حمله على ظاهره بحث عنه حتى
يطلع على ما يزول به الإشكال؛ بخلاف العامي، ولذا رجح أبو حنيفة كَّثُ حديثه في
مناظرته مع الأوزاعي بفقه الرواة، وقال وكيع لأصحابه: ((الأعمش أحب إليكم عن أبي
وائل عن عبد الله، أم سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله))؟ فقالوا:
((الأعمش عن أبي وائل أقرب)). فقال: ((الأعمش شيخ وسفيان عن منصور عن إبراهيم
عن علقمة فقيه عن فقيه)).
وذكر منها: حفظ الراوي، وزيادة ضبطه - أي: اعتناءه بالحديث، واهتمامه به -
يتفق على عدالته أو يكثر مزكّوه، وأن يكون صاحب الفقه، وأن يباشر ما رواه وكونه
أحسن سياقاً واستقصاء لحديثه، وأكثر ملازمة لشيخه، أو سمع من مشايخ بلده، وكونه
مشافهاً مشاهداً لشيخه حال الأخذ، وكونه لا يجيز الرواية بالمعنى، وكون الصحابي من
أكابرهم، وتقديم ما ذكر فيه سبب وروده على ما لم يذكر فيه؛ لدلاته على اهتمام الراوي
به، حيث عرف سببه، وعدم الاضطراب في لفظه، وترجيح المتضمن للتخفيف لدلالته
على التأخر؛ لأنه ◌َ﴿ كان يغلظ في أول أمره زجراً عن عادات الجاهلية، ثم مال
للتخفيف، كذا قال بعضهم، وبعضهم عكسه، وهو تقديم المتضمن للتغليظ؛ لأنه واله جاء
أولاً بالإسلام فقط، ثم شرعت العبادات شيئاً فشيئاً .
قال ابن أمير الحاج: ((وفي كلا التعليلين نظر؛ فإن كل المشروعات لم يكن أحدهما

١٣٩
مقدمة
شأنه، بل فيها وفيها كما هو معلوم للمستقرىء لهما، ولا سيما في باب النسخ)).
وذكر منها ترجيح الخاص على العام، والمومىء للعلة، والمنطوق، ومفهوم
الموافقة على المخالفة، وما حكمه معقول المعنى وما قدم فيه ذكر العلة، أو دل الاشتقاق
على حكمه، وترجيح القول على الفعل، وتقديم الناقل عن البراءة الأصلية على المقرر
لها، وقيل: عكسه، وتقديم الدال على التحريم على الدال على الإباحة والوجوب،
وتقديم الأحوط، والدال على درء الحد، وتقديم ما وافقه ظاهر القرآن، كما قال
الترمذي: ((وقول من يقول: ((لا يتوضأ بالنبيذ)): أقرب إلى الكتاب وأشبه، لأن الله تعالى
قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [سورة المائدة، آية: ٦] وحديث قائل النفس الذي
رواه مسلم وغيره، ووقع فيه: ((خالداً مخلداً فيها أبداً)) رجح الترمذي عليه الحديث الذي
ليس فيه لفظ الخلود، لموافقة ظاهره بقواعد الإسلام، ونصوص الكتاب التي تدل على
كون الكفار مخصوصين بالخلود والتأبيد. أو وافقه سنة أخرى، أو ما قبل الشرع، أو
القياس، أو عمل الأمة، أو الخلفاء الراشدين، أو معه مرسل آخر، أو منقطع؛ أو له نظير
متفق على حكمه، أو اتفق على إخراجه الشيخان.
ونظر في بعضها ابن الهمام وغيره من أصحابنا، وذكروا وجوهاً سواها فليراجع لها
باب المعارضة من ((التحرير)) و(شرحه)).
ويقدم القاعدة العامة على قضايا الأعيان، كما قال الحافظ في الفتح: ((ويترجح
حديث عثمان بأنه تقعيد قاعدة، وحديث ابن عباس واقعة عين تحتمل أنواعاً من
الاحتمالات .... )) وقد ذكر إمكان حمله على خصوصيته ◌َّ ر. (فتح الباري ٩(١٦٥،
كتاب النكاح، باب نكاح المحرم).
الترتيب بين الترجيح والتطبيق وغيرهما
قد عرفت فيما سبق أن الحديثين إذ لاح بينهما التعارض ابتدىء أولاً بالجمع
بينهما، فإن لم يمكن ذلك نظر: هل هما مما يمكن وقوع النسخ فيه أم لا؟ فإن كانا مما
يمكن وقوع النسخ فيه بحث عن المتأخر منهما، فإن وقف عليه جعل ناسخاً، وأخذ به،
وترك الآخر، وإن كانا مما لا يمكن وقوع النسخ فيه، أو كانا مما يمكن وقوع النسخ فيه،
لكن لم يوقف على المتأخر منهما: بحث عن الراجح منهما، فإن عرف أخذ به، وترك
الآخر، وإن لم يعرف الراجح منهما تعين التوقف فيهما، وهذا هو المشهور في فصل
التعارض عند الشافعية وغيرهم.
وذهب بعض العلماء إلى تقديم الترجيح، ثم الجمع، ثم النسخ.

١٤٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وذهب آخرون إلى تقديم الترجيح، ثم النسخ، ثم الجمع.
وفي التحرير لابن الهمام تقديم النسخ، ثم الترجيح، ثم الجمع، ثم الترك إلى ما
دونهما من الأدلة على الترتيب إن وجد ما دونهما، بأن كان التعارض بين آيتين، فإنهما
يتركان إلى السنة إن كانت، ولم تكن متعارضة، فإن لم يوجد في ذلك سنة أو وجدت
لكن متعارضة، ففخر الإسلام: تركت إلى القياس وأقوال الصحابة، ولم يفصح بما يصار
إليه أولاً منهما، ولفظ السرخسي تَقَّفُهُ: ((يصار إلى ما بعد السنة فيما يكون حجة في حكم
الحادثة، وذلك لحكم قول الصحابي أو القياس الصحيح، فقيل في الأول إشارة إلى
تقديم القياس، وفي الثاني إشارة إلى قول الصحابي؛ لأن التقديم في الذكر يدل على شدة
العناية، وفي التقديم وإن كان بين السنتين فالميل إلى قول الصحابي ثم إلى الرأي)) انتهى.
ثم ظاهر أن هذا كله فيما يدرك بالقياس، أما فيما لا يدرك فقول الصحابي مقدم
على القياس اتفاقاً .
ثم إنما يتساقط المتعارضان حيث لا ترجيح ولا جمع بينهما ممكن إلى ما دونهما،
حيث وجد؛ لتعذر العمل بهما للتنافي بينهما، وبأحدهما عيناً؛ لئلا يلزم الترجيح بلا
مرجح، ثم لا ضرورة في العمل بأحدهما أيضاً؛ لوجود الدليل الذي يعمل به، وهو ما
دونهما، فلا يقع العمل بما يحتمل أنه منسوخ.
ثم إنما يجب المصير إلى ما دونهما حينئذٍ لأن الحادثة التحقت بما إذا لم يوجد
فيها ذانك الدليلان، ولا بد من دليل يتعرف به حكم الحادثة، وإذا لم يوجد دون
المتعارضين دليل آخر يعمل به، أو وجد التعارض في الجميع: قررت الأصول، أي:
يجب العمل بالأصل في جميع ما يتعلق بالمتعارضين. كذا في التحرير وشرحه.
وقد ذكر بعض من ذهب إلى تقديم الراجح على ما سواه أن العقول مطبقة على
تقديم الراجح على غيره؛ فتقديم غيره عليه هدم لقواعد الأصول، وأما هذه الأصول فهي
من تصرفات العقول، فكل من أبدى فيها وجهاً معقولاً قبل منه، وإن خالف المشهور
الذي عليه الجمهور .
نعم! يسوغ تأويل المرجوح بعد تقديم الراجح عليه بحمله على الراجح عليه، من
غير أن ينقص شيئاً من معناه، وليس هذا من قبيل الجمع، فإن الجمع هو أن يحمل كل
منهما على بعض معناه، وأما قول من قال: الإعمال أولى من الإهمال، فإن أراد الإعمال
ولو مع رجحان غيره عليه: فممنوع، وإن أراد الإعمال مع تساوي الحديثين: فمسلَّم، ولله
سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.