Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ مقدمة الوقوف على الباطن إلا بدلالة ظاهرة: لم يجعل الباطن حجة أصلاً في حقنا، وسقط اعتباره في العمل والعلم جميعاً، وجعل الحجة ما يظهر به الباطن وإن كان سبباً لثبوت الحجة في الحقيقة إقامة للسبب الظاهر مقام ما هو حجة باطنة تيسيراً على العباد، كإقامة البلوغ مقام اعتدال العقل، وكإقامة دليل المحبة والبغض وهو الإخبار مقام حقيقتهما، حتى سقط اعتبار الاعتدال، فلم يخاطب الصبي وإن اعتدل عقله، وخوطب البالغ وإن لم يعتدل عقله، وكذا سقط اعتبار حقيقة المحبة والبغض، وصار كأنه قال: إن أخبرتني أنك تحبيني أو تبغضيني فأنت طالق، فتطلق بالإخبار صدقاً أو كذباً فكذا هذا)) اهـ. قال بحر العلوم تغلفهُ: ((اعلم أن القطعي قد يطلق ويراد به ما لا يحتمل الخلاف أصلاً، ولا يجوزه العقل ولو مرجوحاً ضعيفاً، وقد يراد به ما لا يحتمل الخلاف احتمالاً ناشئاً عن دليل، وإن احتمل احتمالاً ما، ويشترك المعنيين في أنه لا يخطر بالبال الخلاف أصلاً، ولا يحتمله عند أهل اللسان، ويفترقان في أنه لو تصور الخلاف لما جوزه العقل في الأول أصلاً، وجوزه في الثاني تجويزاً عقلياً، ويعده أهل المحاورة كلا احتمال، ولا يعتبر في المحاورة أصلاً. والمراد لههنا المعنى الثاني، فالعام عندنا يدل على العموم ولا يحتمل الخصوص احتمالاً يعد في المحاورة احتمالاً، بل ينسب أهلها مبديه إلى السخافة، وهذا كالخاص بعينه . قال: ومن ضرورات العربية أن اللفظ المجرد عن القرينة الصارفة الظاهرة يتبادر منه الموضوع له، ولا يحتمل غيره في العرف والمحاورة، ومن أراد منه غير الموضوع له ينسب إلى المكروه. وأما كثرة وقوع التخصيص بالأنواع المختلفة حسب اقتضاء القرائن الصارفة لا يورث الاحتمال في العام المجرد أصلاً، والكلام لههنا في العام المجرد عن القرائن، فلا مجال للاحتمال کالخاص. فإن قلت: كثرة وقوع التخصيص قرينة على احتماله. قلنا: إنما تصح الكثرة قرينة لو كانت بحيث يكون كثير الاستعمال في بعض معين، بحيث يفهم عند عدم الصارف، كما إذا صارت الحقيقة مهجورة، أو المجاز متعارفاً، وليس الأمر لههنا كذلك، فإن كثرة التخصيص في العام ليست إلا بأن يراد في استعمال بعض بقرينة، وفي استعمال بعض آخر بقرينة أخرى، فلا تكون هذه الغلبة قرينة، وهل هذا إلا كما يكون للفظ خاص معان مجازية يستعمل في كل منها مع قرينة، ولا تصلح هذه الكثرة قرينة، وأيضاً نقول: لو كانت الكثرة قرينة للتخصيص لما صح إرادة العموم أصلاً في عام ما، وهذا خلاف رأيكم ٦٢ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أيضاً، فاحفظ هذا فإنه بالحفظ حقيق)). واعترض أيضاً بأن العام فيه احتمالان: احتمال التجوز، واحتمال التخصيص، فلا يكون كالخاص، فإن فيه احتمال التجوز فقط. أجاب عنه صدر الشريعة: ((بأنه لا اعتداد بكثرة الاحتمالات وقلتها، ما لم تنشأ عن دليل؛ فلا توجب كثرة الاحتمال في العام الانحطاط عن الخاص؛ لأنها لا تعد عرفاً ومحاورة لكونها غير ناشئة عن دلیل. وأجاب في ((التحرير)): ((بأنه لا احتمال في عام مستعمل في المحاورة إلا لمجاز واحد. إذ لا احتمال للمجازين في استعمال واحد، فلفظ ذو مجاز، ولفظ ذو مجازين سواء في الاحتمال في الاستعمال)). وأورد عليه بأن العام المستعمل - كالسارق - يجوز أن يتجوز في النباش، ويخصص ببعض أفراده، ففيه احتمالان معاً بخلاف الخاص، ولا يبعد أن يقال لههنا أي: في العام وضعان: وضع لمعناه شخصي أو نوعي، ووضع آخر للعموم نوعي، فـ ((رأيت الأُسُؤْدَ الرماة)) حقيقة في العموم، مجاز باعتبار إرادة الشجعان. فالسارق إذا أريد بالسرقة النبش، واستغراق أفراده: كان حقيقة في العموم، وإن كان مجازاً في مدلوله فالعام باعتبار وضعه للعموم لا يحتمل إلا مجازاً واحداً، كالخاص، فلا يورث ضعفاً في العموم فوق ضعف الخاص، فاحفظه فإنه دقيق)). كذا قال تَخَذَتُهُ. ثم أجاب عن كل ما أورد عليه. ثم قال: ((والحنفية يوجبون العمل به (أي بالعام) قبل البحث عن المخصص، ونقل عن القاضي الإمام أبي زيد أن العامي يلزمه العمل بعمومه كما سمع، وأما الفقيه فيلزمه أن يحتاط لنفسه فيقف ساعة لاستكشاف هذا الاحتمال بالنظر في الأشباه، مع كونه حجة للعمل به إن عمل، لكن يقف احتياطاً حتى لا يحتاج إلى نقض ما أمضاه بتبين الخلاف، لكن الكلام في موجب النص نفسه. وأما الاحتياط فضرب معين يترك به الأصل، إلا أن الترك به لا يجب حتماً وهذا الكلام ناطق بجواز العمل قبل البحث)). قال [في] مطلع الأسرار الإلهية: ((التفصيل الأحسن أن الصحابة يجوز لهم العمل به قبل البحث عن المخصص؛ فإنه لا يحتمل الخفاء عليهم لو كان، وأما العامي الذي يحتمل الخفاء عليه فلا بد له من التوقف، وأما المجتهدون الذين هم ذو حظ عظيم من العلم فهم في حكم الصحابة)). وهذا مخالف لما نقل عن القاضي الإمام . اهـ. وقال صاحب الكشف في المطلق والمقيد: ((ثم ظاهر الآية (أي: قوله تعالى: ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [سورة المائدة، آية: ١٠١]) بعمومه دليل على أن العمل ٦٣ مقدمة بالإطلاق واجب، لأن الوصف في المطلق مسكوت عنه، والسؤال عن المسكوت عنه منهي لهذا النص، فكان العمل بالظاهر - وهو الإطلاق - واجباً، وفي الرجوع إلى المقيد لتعرف حكم المطلق إقدام على هذا المنهى عنه، لما فيه من ترك الإبهام فيما أبهم الله، كما أن في السؤال ذلك يوضحه أن النهي ليس عن السؤال عن المجمل والمشكل، والله أعلم، لأن ذلك واجب، ولا يرد السؤال عما هو مفسر أو محكم، فعلم أن النهي ورد عن السؤال عما هو ممكن العمل به مع نوع إبهام، إذ السؤال حينئذٍ يكون تعمقاً، وذلك لا يجوز، والدليل عليه قوله ويلي: ((اتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسألتهم عن أنبياءهم)) اهـ. ولفظ الصحيح: ((دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم)). قال الحافظ في الفتح: ((وقد أخرج البزار وابن أبي حاتم في تفسيره من طريق أبي رافع عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لو اعترض بنو إسرائيل أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم)) وفي السند عباد بن منصور وحديثه من قبيل الحسن. وأورده الطبري عن ابن عباس موقوفاً عن أبي العالية مقطوعاً)). إيضاح ضروري يجب الإنتباه له وليعلم أن ما اشتهر عن الحنفية من منع الزيادة على الكتاب وتخصيصه بالآحاد مراده المنع من إلحاق ما ثبت بالآحاد بما ثبت بالكتاب في درجته، فخبر الواحد إن زاحم الكتاب في درجته لا يقبل فيها، ولا يمنع هذا قبوله فيما دونها بطريق التكميل، فإن المزاحمة لم تقع فيه . ولذا قال في التحرير وشرحه: ((وعن لزوم الزيادة بالآحاد منعوا إلحاق الفاتحة، والتعديل للأركان، والطهارة من الحدث والخبث: بنصوص القراءة - أي قوله تعالى: ﴿فَقْرَهُوَأْ مَا تَبَسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [سورة المزمل، آية: ٢٠] - والأركان: أي: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ [سورة الحج، آية: ٧٧] - والطواف - أي: ((وليطوفوا بالبيت العتيق)) فرائض بما في الصحيحين: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))، و((أن رسول الله وضّله دخل المسجد فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبيّ وَّر، فقال: ((ارجع فصل؛ فإنك لم تصل)) فساقه إلى أن قال: فقال: والذي بعثك بالحق! ما أحسن غير هذا، فعلمني، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تطمئن قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اجلس حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)). وبما روى ابن حبان والحاكم عنه وَّر: ((الطواف بالبيت ٦٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم صلاة، إلا أن الله قد أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطلق إلا بخير)) بل ألحقوها واجبات للمذكورات، إذ لم يرد بما تيسر العموم الإستغراقي، وهو جميع ما تيسر، وهو ظاهر، بل أراد به ما تيسر من أي مكان، فاتحة أو غيرها، فلو قالوا: لا تجوز الصلاة بدون الفاتحة والتعديل، والطواف بلا طهارة، بهذه الاخبار الآحاد: لكان نسخاً لهذه الإطلاقات بها، وهو لا يجوز، فرتبوا عليها موجبها من وجوبها، فيأثم بالترك، ويلزم الجابر فيما شرع فيه ولا تفسد)) اهـ. فبقطعي الثبوت والدلالة يثبت الفرض في جانب الأمر، والحرام في جانب النهي، وبظنيتهما يثبت المندوب أو المكروه التنزيهي، وبقطعي الثبوت ظني الدلالة والعكس يثبت الواجب أو المكروه التحريمي، والله تعالى أعلم. تنبيه : كثيراً ما يثبت حكم بالآحاد ولا يكون من قبيل الزيادة، بل هو إثبات حكم مستأنف لم يتعرض له الكتاب نفياً أو إثباتاً، فربما يظن من لا رسوخ له في العلم أنه من باب تقييد المطلق، وليس كذلك، بل هو خارج عن مسألة التخصيص والزيادة. قال في التحرير وشرحه: ((والحق أن وجوب الضمان مع القطع في السرقة ليس من الزيادة؛ لأن القطع لا يصدق على نفي الضمان وإثباته، فيكونا مما صدقات المطلق، بل هو حكم آخر أثبت بتلك الدلالة (الاستقرائية للجزاء) أو بالحديث)). تکمیل: قال الإمام الشاطبي تخلّفُ: ((لا كلام في أن للعموم صيغاً وضعية، والنظر في هذا مخصوص بأهل العربية، وإنما ينظر هنا في أمر آخر وإن كان من مطالب أهل العربية أيضاً، ولكنه أكيد التقرير ههنا، وذلك: أن للعموم الذي تدل عليه الصيغ بحسب الوضع نظرين: أحدهما: باعتبار ما تدل عليه الصيغة في أصل وضعها على الإطلاق، وإلى هذا النظر قصد الأصوليين، فلذلك يقع التخصيص عندهم بالعقل والحس وسائر المخصصات المنفصلة . والثاني: بحسب المقاصد الاستعمالية التي تقضي العوائد بالقصد إليها، وإن كان أصل الوضع على خلاف ذلك، وهذا الاعتبار استعمالي، والأول قياسي، والقاعدة في الأصول العربية: أن الأصل الاستعمالي إذا عارض الأصل القياسي كان الحكم للاستعمال. ٦٥ مقدمة وبيان ذلك هنا: أن العرب تطلق ألفاظ العموم بحسب ما قصدت تعميمه مما يدل عليه معنى الكلام خاصة، دون ما تدل عليه تلك الألفاظ بحسب الوضع الإفرادي، كما أنها أيضاً تطلقها وتقصد بها تعميم ما تدل عليه في أصل الوضع، وكل ذلك مما يدل عليه مقتضى الحال؛ فإن المتكلم قد يأتي بلفظ عموم مما يشمل بحسب الوضع نفسه وغيره، وهو لا يريد نفسه ولا يريد أنه داخل في مقتضى العموم، وكذلك يقصد بالعموم صنفاً مما يصلح اللفظ له في أصل الوضع دون غيره من الأصناف، كما أنه قد يقصد ذكر البعض في لفظ العموم، ومراده من ذكر البعض الجميع، كما تقول: فلان يملك المشرق والمغرب، والمراد جميع الأرض، وضرب زيد الظهر والبطن، ومنه ﴿رَبُّ الْشَرِقَيْنِ وَرَبُّ ﴾ [سورة الرحمن، آية: ١٧] ﴿وَهُوَ اَلَّذِى فِىِ السَّمَآءِ إِلَهٌ وَفِ الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [سورة الزخرف، آية: المغْرِبِنِ ٨٤] فكذلك إذا قال: من دخل داري أكرمته، فليس المتكلم بمراد، وإذا قال: أكرمت الناس، أو قاتلت الكفار، فإنما المقصود من لقي منهم، فاللفظ عام فيهم خاص، وهم المقصودون باللفظ العام دون من لم يخطر بالبال. قال ابن خروف: ((ولو حلف رجل بالطلاق والعتاق: ليضربن جميع من في الدار، وهو معهم فيها، فضربهم ولم يضرب نفسه: لبر، ولم يلزمه شيء، ولو قال: اتهم الأمير كل من في المدينة فضربهم، فلا يدخل الأمير في التهمة والضرب)). قال فكذلك لا يدخل شيء من صفات الباري تحت الأخبار في نحو قوله تعالى: ﴿خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [سورة الأنعام، آية: ١٠٢] لأن العرب لا تقصد ذلك ولا تنويه، ومثله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة، آية: ٢٨٢] وإن كان عالماً بنفسه وصفاته، ولكن الإخبار إنما وقع عن جميع المحدثات، وعلمه بنفسه وصفاته شيء آخر، قال: فكل ما وقع الإخبار به من نحو هذا فلا تعرض فيه لدخوله تحت المخبر عنه، فلا تدخل صفاته تعالى تحت الخطاب، وهذا معلوم من وضع اللسان. فالحاصل أن العموم إنما يعتبر بالاستعمال، ووجوه الاستعمال كثيرة، ولكن ضابطها مقتضيات الأحوال التي هي ملاك البيان، فإنه قوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىءٍ بِأَمْرٍ رَبِهَا﴾ [سورة الأحقاف، آية: ٢٥] لم يقصد به أنها تدمر السموات والأرض والجبال، ولا المياه ولا غيرها، مما هو في معناها، وإنما المقصود تدمر كل شيء مرت عليه مما شأنها أن تؤثر فيه على الجملة، ولذلك قال: ﴿فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىَ إِلَّا مَسَكُِّهُمْ﴾ [سورة الأحقاف، آية: ٢٥] ﴾ [سورة الذاريات، آية: وقال في الآية الأخرى: ﴿مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَلَّهِيمِ ٤٢]. ٦٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ومن الدليل على هذا أنه لا يصح استثناء هذه الأشياء بحسب اللسان، فلا يقال: من دخل داري أكرمته إلا نفسي، أو أكرمت الناس إلا نفسي، ولا قاتلت الكفار إلا من لم ألق منهم، ولا ما كان نحو ذلك، وإنما يصح الاستثناء من غير المتكلم ممن دخل الدار، أو ممن لقيت من الكفار، وهو الذي يتوهم دخوله لو لم يستثن، هذا كلام العرب في التعميم، فهو إذاً الجاري في عمومات الشرع. وأيضاً فطائفة من أهل الأصول نبهوا على هذا المعنى، وأن ما لا يخطر ببال المتكلم عند قصده التعميم إلا بالإخطار لا يحمل لفظه عليه إلا مع الجمود على مجرد اللفظ، وأما المعنى فيبعد أن يكون مقصوداً للمتكلم، كقوله وَلجر: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)) قال الغزالي كثّفُ: ((خروج الكلب عن ذهن المتكلم والمستمع عند التعرض للدباغ ليس ببعيد بل هو الغالب الواقع ونقيضه هو الغريب المستبعد)) وكذا قال غيره أيضاً وهو موافق لقاعدة العرب وعلیه یحمل کلام الشارع بلا بد. فإن قيل: إذا ثبت أن اللفظ العام ينطلق على جميع ما وضع له في الأصل حالة الإفراد، فإذا حصل التركيب والاستعمال، فإما أن تبقى دلالته على ما كانت عليه حالة الافراد أولاً، فإن كان الأول فهو مقتضى وضع اللفظ، فلا إشكال، وإن كان الثاني فهو تخصيص للّفظ العام، وكل تخصيص لا بد له من مخصص عقلي أو نقلي أو غيرهما، وهو مراد الأصوليين، ووجه آخر وهو أن العرب حملت اللفظ على عمومه في كثير من أدلة الشريعة، مع أن معنى الكلام يقتضي على ما تقرر خلاف ما فهموا، وإذا كان فهمهم في سياق الاستعمال معتبراً في التعميم حتى يأتي دليل التخصيص دل على أن الاستعمال لم يؤثر في دلالة حالة الإفراد عندهم، بحيث صار كوضع ثان، بل هو باق على أصل وضعه، ثم التخصيص آت من وراء ذلك بدليل متصل أو منفصل. ومثال ذلك أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمْنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [سورة الأنعام، آية: ٨٢] شق عليهم وقالوا: ((أينا لم يلبس إيمانه بظلم))؟ فقال ◌َله: ((إنه ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان: ﴿إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان، آية: ١٣] وفي رواية: فنزلت ((إن الشرك لظلم عظيم)). ومثل ذلك أنه لما نزلت: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُّدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [سورة الأنبياء، آية: ٩٨] قال بعض الكفار: فقد عبدت الملائكة، وعُبِد المسيح ظلَّا؟ فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ﴾ [سورة الأنبياء، آية: ١٠١] إلى أشياء سياقها يقتضي بحسب المقصد الشرعي عموماً أخص من عموم اللفظ، وقد فهووا فيها مقتضى اللفظ، وبادرت ٦٧ مقدمة أفهامهم فيه، وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، ولولا أن الاعتبار عندهم لما وضع له اللفظ في الأصل لم يقع منهم فهمه . فالجواب عن الأول: أنا إذا اعتبرنا الاستعمال العربي فقد تبقى دلالته الأولى، وقد لا تبقى، فإن بقيت فلا تخصيص، وإن لم تبق دلالته فقد صار للاستعمال اعتبار آخر ليس للأصل، وكأنه وضع ثان حقيقي لا مجازي، وربما أطلق بعض الناس على مثل هذا لفظ الحقيقة اللغوية إذا أرادوا أصل الوضع، ولفظ الحقيقة العرفية إذا أرادوا الوضع الاستعمالي. والدليل على صحته ما ثبت في أصول العربية من أن للفظ العربي أصالتين: أصالة قياسية، وأصالة استعمالية، فللاستعمال هنا أصالة أخرى غير ما للفظ في أصل الوضع، وهي التي وقع الكلام فيها، وقام الدليل عليها في مسألتنا، فالعام إذاً في الاستعمال لم يدخله تخصيص بحال. وعن الثاني أن الفهم في عموم الاستعمال متوقف على فهم المقاصد فيه، وللشريعة بهذا النظر مقصدان: أحدهما المقصد في الاستعمال العربي الذي أنزل القرآن بحسبه، وقد تقدم القول فيه، والثاني المقصد في الاستعمال الشرعي الذي تقرر في سور القرآن بحسب تقرير قواعد الشريعة؛ وذلك أن نسبة الوضع الشرعي إلى مطلق الوضع اللاستعمالي العربي كنسبة الوضع في الصناعات الخاصة إلى الوضع الجمهوري كما تقول في الصلاة: إن أصلها الدعاء لغة، ثم خصت في الشرع بدعاء مخصوص على وجه مخصوص، وهي فيه حقيقة لا مجاز، فكذلك نقول في ألفاظ العموم بحسب الاستعمال الشرعي: إنها إنما تعم بحسب مقصد الشارع فيها، والدليل على ذلك مثل الدليل على الوضع الاستعمالي المتقدم الذكر، واستقراء مقاصد الشارع يبين ذلك مع ما ينضاف إليه في مسألة إثبات الحقيقة الشرعية، فأما الأول فالعرب فيه شرع سواء؛ لأن القرآن نزل بلسانهم، وأما الثاني فالتفاوت في إدراكه حاصل، إذ ليس الطارىء الإسلام من العرب في فهمه كالقديم العهد، ولا المشتغل بتفهمه وتحصيله كمن ليس في تلك الدرجة، ولا المبتدىء فيه كالمنتهى. ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾ [سورة المجادلة، آية: ١١] فلا مانع من موقف بعض الصحابة في بعض ما يشكل أمره أو يغمض وجه القصد الشرعي فيه، حتى إذا تبحر في إدراك معاني الشريعة نظره واتسع في ميدانها باعه زال عنه ما وقف من الإشكال، واتضح له القصد الشرعي على الكمال. فإذا تقرر وجه الاستعمال فما ذكر مما توقف فيه بعضهم راجع إلى هذا القبيل، ويعضده ما فرضه الأصوليون من وضع الحقيقة الشرعية، فإن الموضع يستمد منها وهذا ٦٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الوضع وإن كان قد جيء به مضمناً في الكلام العربي فله مقاصد تختص به، يدل عليها المساق الحكمي أيضاً وهذا المساق يختص بمعرفته العارفون بمقصاد الشارع، كما أن الأول يختص بمعرفته العارفون بمقاصد العرب، فكل ما سألوا عنه فمن هذا القبيل إذا تدبرته)) اهـ. ثم رد سائر ما يمكن أن يعترض به على كلامه، وبسطه بسطاً شافياً فليراجع. ثم قال: ((العموم إذا ثبت فلا يلزم أن يثبت من جهة صيغ العموم فقط، بل له طريقان: أحدهما: الصيغ إذا وردت، وهو المشهور في كلام أهل الأصول. والثاني: استقراء مواقع المعنى حتى يحصل منه في الذهن أمر كلي عام، فيجري في الحكم مجرى العموم المستفاد من الصيغ. والدليل على صحة هذا الثاني وجوه: أحدها : أن الاستقراء هكذا شأنه، فإنه تصفح جزئيات ذلك المعنى ليثبت من جهتها حكم عام: إما قطعي، وإما ظني، وهو أمر مسلم عند أهل العلوم العقلية والنقلية، فإذا تم الاستقراء حكم به مطلقاً في كل فرد يقدر، وهو معنى العموم المراد في هذا الموضع. والثاني: أن التواتر المعنوي هذا معناه؛ فإن جود حاتم - مثلاً - إنما ثبت على الإطلاق من غير تقييد، وعلى العموم من غير تخصيص بنقل وقائع خاصة متعددة تفوت الحصر، مختلفة في الوقوع، متفقة في معنى الجود، حتى حصلت للسامع معنى كلياً حكم به على حاتم، وهو الجود، ولم يكن خصوص الوقائع قادحاً في هذه الإفادة، فكذلك إذا فرضنا أن رفع الحرج في الدين مثلاً مفقود فيه صيغة عموم، فإنا نستفيده من نوازل متعددة خاصة مختلفة الجهات متفقة في أصل رفع الحرج، كما إذا وجدنا التيمم شرع عند مشقة طلب الماء، والصلاة قاعداً عند مشقة القيام، والقصر والفطر في السفر، والجمع بين الصلاتين في السفر والمرض والمطر، والنطق بكلمة الكفر عند مشقة القتل والتأليم، وإباحة الميتة وغيرها عند خوف التلف الذي هو أعظم المشقات، والصلاة إلى أي جهة كان لعسر استخراج القبلة، والمسح على الجبائر والخفين لمشقة النزع ولرفع الضرر، والعفو في الصيام عما يعسر الاحتراز منه من المفطرات: كغبار الطريق ونحوه، إلى جزئيات كثيرة جداً يحصل من مجموعها قصد الشارع لرفع الحرج، فإنا نحكم بمطلق رفع الحرج في الأبواب كلها عملاً بالاستقراء، فكأنه عموم لفظي، فإذا ثبت اعتبار التواتر المعنوي ثبت في ضمنه ما نحن فيه، والثالث: أن قاعدة سد الذرائع إنما عمل السلف بها بناء على هذا المعنى، كعملهم في ترك الأضحية مع القدرة عليها، وكإتمام عثمان الصلاة في حجه بالناس، وتسليم ٦٩ مقدمة الصحابة له في عذره الذي اعتذر به من سد الذريعة، إلى غير ذلك من أفرادها التي عملوا بها، مع أن المنصوص فيها إما هي أمور خاصة كقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ [سورة البقرة، آية: ١٠٤] وقوله: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًّا a بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [سورة الأنعام، آية: ١٠٨] وفي الحديث: ((من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه وأشباه ذلك، وهي أمور خاصة لا تتلاقى مع ما حكموا به إلا في معنى سد الذريعة، وهو دليل على ما ذكر من غير إشكال)) اهـ. قال: ((ولهذه المسألة فوائد تبتنى عليها، أصلية وفرعية، وذلك أنها إذا تقررت عند المجتهد، ثم استقرىء معنى عاماً من أدلة خاصة، واطرد له ذلك المعنى: لم يفتقر بعد ذلك إلى دليل خاص على خصوص نازلة تعن (أي: تعرض) بل يحكم عليها، وإن كانت خاصة بالدخول تحت عموم المعنى المستقرىء من غير اعتبار بقياس أو غيره، إذا صار ما استقرىء من عموم المعنى كالمنصوص بصيغة عامة، فكيف يحتاج مع ذلك إلى صيغة خاصة بمطلوبه)) !! الموافقات ٣: ١٧٢، وهذا الأخير مما ينبغي أن يعض عليه بالنواجذ. الحسن قال العلامة الجزائري: ((قسم كثير من المتقدمين الحديث إلى قسمين فقط: صحيح وضعيف، وأدرجوا الحسن في الصحيح لمشاركته له في الإحتجاج به)). وقسمه الخطابي إلى ثلاثة أقسام، وذلك في معالم السنن حيث قال: ((الحديث عند أهله ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وسقيم، فالصحيح ما اتصل سنده وعدلت نقلته. والحسن ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، وتستعمله عامة الفقهاء. والسقيم على ثلاث طبقات: شرها الموضوع، ثم المقلوب، ثم المجهول)). قال العراقي في نكته: ((لم أر من سبق الخطابي إلى التقسيم المذكور، وإن كان في كلام المتقدمين ذكر الحسن، وهو موجود في كلام الشافعي والبخاري وجماعة - رحمهم الله - ولكن الخطابي نقل التقسيم عن أهل الحديث، وهو إمام ثقة، فتبعه ابن الصلاح، والمراد بأهل الحديث هنا أكثرهم، ويمكن إبقاءه على عمومه نظراً لاستقرار اتفاقهم على ذلك بعد الاختلاف)». واختلف في حد الحسن فقال الترمذي كَّهُ في حده: ((كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذاً، ويروى من غير وجه، ونحو ذلك، ٧٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فهو عندنا حديث حسن)) ذكر ذلك في كتاب العلل، وهو في آخر جامعه. واعترض عليه بأنه لم يخص الحسن بصفة تميزه عن الصحيح، فإن الصحيح أيضاً لا يكون شاذاً، ولا تكون رواته متهمين، ويبقى عليه أنه اشترط في الحسن أن يروى من غير وجه ولم يشترط ذلك في الصحيح. وأجيب بأن الترمذي كفَّفُ قد ميز الحسن عن الصحيح بشيئين: أحدهما كون راويه قاصراً عن درجة راوي الصحيح، وهو أن يكون غير متهم بالكذب، وراوي الصحيح لا بد أن يكون ثقة، وفرق بين قولنا فلان غير متهم بالكذب وبين قولنا ثقة. الثاني مجيئه من غیر وجه . وقال الخطابي في حده: ((الحسن ما عرف مخرجه واشتهر رجاله)) اهـ. والمراد بمعروفية المخرج - كما قال السخاوي كتُّ - هو كونه شامياً، عراقياً، مكياً، كوفياً، كأن يكون الحديث من راوية راو قد اشتهر برواية حديث أهل بلدة، كقتادة ونحوه في البصريين، فإن حديث البصريين إذا جاء عن قتادة ونحوه كان مخرجه معروفاً، بخلافه عن غيرهم، وذلك كناية عن الاتصال، إذ المرسل والمنقطع والمعضل لعدم بروز رجالها لا يعلم مخرج الحديث منها، وكذا المدلس - بفتح اللام - وهو الذي سقط منه بعضه مع إيهام الاتصال، والمراد باشتهار رجاله اشتهارهم بالعدالة، وكذا الضبط المتوسط بين الصحيح والضعيف، ولا بد مع هذين الشرطين أن لا يكون شاذاً ولا معللاً اهـ. واعترض عليه - أي: على تعريف الخطابي كَّفُ - بأنه ليس في عبارته تلخيص مهم، وأيضاً فالصحيح قد عرف مخرجه واشتهر رجاله فيقتضي أن يدخل في حد الحسن، وكأنه يريد مما لم يبلغ درجة الصحيح. وقال بعضهم: إن قوله في إثره: ((وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء)) هو من تتمة الحد وبذلك يخرج الصحيح الذي دخل فيما قبله؛ فإن الصحيح يقبله جميع العلماء، بخلاف الحسن، فإن بعضهم لا يقبله؛ روي عن ابن أبي حاتم أنه قال: ((سألت أبي عن حديث فقال: إسناده حسن، فقلت: يحتج به؟ فقال: لا)). وقد حاول بعضهم أن يجعل حد الخطابي كَُّ موافقاً لحد الترمذي تَظُّ فقال: ((قول الخطابي تقذفُ: ((ما عرف مخرجه)) هو كقول الترمذي: ((ويروى من غير وجه)) وقول الخطابي: ((اشتهر رجاله)) - يعني: بالسلامة من وصمة الكذب - هو كقول الترمذي كَذّله: ((ولا يكون في إسناده من يتهم بالكذب)) وأما قول الترمذي: ((ولا يكون شاذاً)) فهو مستغني عنه في عبارة الخطابي، لأن عرفان المخرج ينافي الشذوذ)). ٧١ مقدمة وقال بعضهم: إن عرفان المخرج لا ينافي الشذوذ؛ لأن الشاذ الذي قد أبرز فيه جميع رجاله قد عرف فيه مخرج الحديث، وإنما ينافي الإنقطاع؛ لأن ما سقط بعض إسناده لا يعرف فيه مخرج الحديث، إذ لا يدرى من سقط. ولا يخفى ما في تطبيق أحد الحدين على الآخر من التكلف، لا سيّما بعد أن تبيّن أن الترمذي قد حد أحد قسمي الحسن وهو الحسن لغيره، والخطابي تَّفُ قد حد القسم الآخر هو الحسن لذاته. وقال ابن الجوزي تَّثُ في حده: ((ما فيه ضعف قريب محتمل هو الحديث الحسن، ويصلح البناء عليه والعمل به)). واعترض على هذا الحد بأنه ليس مضبوطاً يتميز به القدر المحتمل من غيره. وقال بعضهم: ما ذكره ابن الجوزي مبني على أن معرفة الحسن موقوفة على معرفة الصحيح والضيف؛ لأن الحسن وسط بينهما. وقال بعضهم: لما توسط الحسن بين الصحيح والضعيف عسر تعريفه، وصار ما ينقدح في نفس الحافظ قد تقصر عبارته عنه. وقال بعضهم: إنه لا مطمع في تميز الحسن من غيره تميزاً يشفي الغليل غير أن من برع في هذا الفن يمكنه أن يقرب على الطالب مطلبه. وقد اعتنى ابن الصلاح بإيضاح حد الحسن بقدر الاستطاعة، فقال بعد أن أورد الحدود الثلاثة المذكورة هنا: ((قلت: كل هذا مستبهم لا يشفي الغليل، وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي رحمهما الله ما يفصل الحسن من الصحيح، وقد أمعنت النظر في ذلك البحث جامعاً بين أطراف كلامهم ملاحظاً مواقع استعمالهم، فتنقح لي واتضح أن الحديث الحسن قسمان : أحدهما: الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أليته، غير أنه ليس مغفلاً كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب في الحديث - أي: لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث - ولا سبب آخر مفسق، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر، حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذاً أو منكراً وكلام الترمذي كَذَثُ على هذا القسم يتنزل. القسم الثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكراً، ويعتبر في كل هذا - مع سلامة الحديث من أن ٧٢ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يكون شاذاً أو منكراً - سلامته من أن يكون معللاً، وعلى هذا القسم يتنزل كلام الخطابي كَُّ. فهذا الذي ذكرناه جامع لما تفرق في كلام من بلغنا كلامه في ذلك، وكأن الترمذي كَذَفُ ذكر أحد نوعي الحسن، وذكر الخطابي النوع الآخر، مقتصراً كل واحد منهما على ما رأى أنه يشكل معرضاً عما رأى أنه لا يشكل، أو أنه غفل عن البعض وذهل. والله أعلم، هذا تأصيل ذلك وتوضيحه)) اهـ. واعترض عليه بأنه جعل الحسن عند الترمذي مقصوراً على رواية المستور، وليس كذلك، بل يشترك معه الضعيف بسبب سوء الحفظ، والموصوف بالغلط والخطأ، والمختلط بعد اختلاطه، والمدلس إذا عنعن، وما في إسناده انقطاع ضعيف، فأحاديث هؤلاء من قبيل الحسن عنده إذا وجدت الشروط الثلاثة، وهي: أن لا يكون في الإسناد من يتهم بالكذب، وأن لا يكون الحديث شاذاً. وأن يروى مثل ذلك أو نحوه من وجه آخر فصاعداً، وليست كلها في درجة واحدة، بل بعضها أقوى من بعض، ومما يقوى هذا أنه لم يتعرض لاشتراط اتصال الاسناد، ولذا وصف كثيراً من الأحاديث المنقطعة بالحسن . وأما قوله: ((وكأن الترمذي ذكر أحد نوعي الحسن، وذكر الخطابي الآخر مقتصراً كل واحد منهما على ما رأى أنه يشكل معرضاً عما رأى أنه لا يشكل، أو أنه غفل عن البعض وذهل))؛ فقال بعضهم فيه: إن الخطابي لا يطلق اسم الحسن إلا على النوع الذي ذكره، وهو النوع الذي يسميه من يجعل الحسن قسمين باسم الحسن لذاته، وأما النوع الذي تركه وهو الذي يسمى عندهم بالحسن لغيره: فهو من قبيل الضعيف عنده، فتركه لذلك، لا لما ذكر، ويظهر أن الترمذي كَُّ أيضاً إذا أطلق اسم ((الحسن)) فإنما يريد به النوع الذي ذكره، وهو الذي يسمى عندهم بالحسن لغيره، وأما النوع الذي تركه فهو عنده من قبيل الصحيح فتركه أيضاً لذلك لا لما ذكر، وهذا لا ينافي إطلاق اسم الحسن على هذا النوع إذا وجدت قرينة تدل على ذلك. وأما قول بعضهم: إن الترمذي قد صحح جملة من الأحاديث لا ترق عن رتبة الحسن، مع أنه ممن يفرق بين الصحيح والحسن؛ فإن فيه إبهاماً، فإن أراد أنه حكم بصحة أحاديث هي في رتبة الحسن لغيره فالإعتراض عليه وارد، وإن أراد أنه حكم بصحة أحاديث هي في رتبة الحسن لذاته فالإعتراض عليه غير وارد، فإن كثيراً من المحدثين يدخله في الصحيح، ويجعله في أدنى مراتبه، ولذا قالوا: إن من سمى الحسن صحيحاً لا ٧٣ مقدمة ينكر أنه دون الصحيح المقدم المبين أولاً، فهذا إذاً اختلاف في العبارة دون المعنى، ولذا يتبين من إمعان النظر في هذه وتتبع مواردها أن المحدثين الذين رأوا أنه ينبغي أن يجعل بين الصحيح والضعيف واسطة: عمد بعضهم إلى قسم من أقسام الضعيف، وهو الضعيف الذي ظهرت فيه أمارت القوة، فرفعه درجة وجعله واسطة بينهما وسماه بالحسن، وعمد الآخرون إلى قسم من أقسام الصحيح، وهو الصحيح الذي فيه شيء من الضعف، فأنزله درجة وجعله واسطة بينهما وسماه بالحسن، فتقبل المتبعون لآثارهم لذلك بقبول حسن، فجعلوا اسم الحسن شاملاً للنوعين معاً، غير أنهم رأوا أن يفرقوا بينهما للاحتياج إلى ذلك قسموا القسم الذي كان مدرجاً في الصحيح باسم ((الحسن لذاته)) وسموا القسم الذي كان مدرجاً في الضعيف باسم ((الحسن لغيره)). وقد حاول محاولون أن يحدوا الحسن مطلقاً مع اختلاف أمرهما: فقال بعضهم: الحسن هو الذي اتصل إسناده بالصدوق الضابط الذي ليس بتام الضبط، أو بالضعيف، الذي لم يتهم بالكذب، إذا عضده عاضد مع السلامة من الشذوذ والعلة. وقال بعضهم: الحسن ما حلا عن العلل، وكان في سنده المتصل إما راو مستور له به شاهد، أو راو مشهور قاصر عن كمال الإتقان. وقال بعضهم: الحسن مسند من قرب من درجة الثقة، أو مرسل ثقة روي من غير وجه، وسلم من شذوذ وعلة. وأما الحسن لذاته فقد عرفه بعضهم فقال: هو الحديث الذي ليس فيه علة ولا شذوذ إذا اتصل إسناده برواة معروفين بالعدالة والضبط، غير أن في ضبطهم قصوراً عن ضبط رواة الصحيح، فجعل هو والصحيح سواء إلا في تفاوت الضبط، فراوي الصحيح يشترط أن يكون موصوفاً بالضبط التام، وراوي الحسن لا يشترط فيه تلك الدرجة، وإنما يشترط فيه أن يكون ضابطاً في الجملة، بحيث لا يكون مغفلاً ولا كثير الخطأ، وأما سائر شروط الصحيح فإنه لا بد منها في الحسن لذاته، وقد وجد في كلام المتقدمين إطلاق الحسن على ما ذكر وعلى غيره. قال ابن عدي في ترجمة سلام بن سليمان المدائني: «حدیثه منکر وعامته حسان إلا أنه لا يتابع عليه)). وقيل لشعبة: لأي شيء لا تروي عن عبد الملك ابن أبي سليمان العَرْزَمي وهو حسن الحديث؟ فقال: ((من حسنه فررت)) وكأنهما أرادا المعنى اللغوي، وهو حسن المتن. ٧٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وربما أطلق على الغريب، قال إبراهيم النخعي تَّتُهُ: ((إذا اجتمعوا كرهوا أن يخرج الرجل حسان أحاديث))، قال ابن السمعاني: ((إنه عني الغرائب)) ووجد الشافعي تقذفُ إطلاقه في المتفق على صحته، ولابن المديني في الحسن لذاته، وللبخاري في الحسن لغيره. وبالجملة فالترمذي هو الذي أكثر من التعبير بالحسن، ونوع بذكره، ولكن حيث ثبت اختلاف الأئمة في معناه حين إطلاقه فلا يسوغ إطلاق القول بالاحتجاج به، بل لا بد من النظر في ذلك، فما كان منه منطبقاً على الحسن لذاته ساغ الاحتجاج به، وما كان منه منطبقاً على الحسن لغيره ينظر فيه: فما كثرت طرقه يسوغ الاحتجاج به، وما لا فلا. كذا في توجيه النظر . قال السخاوي تقذفُ: ((وهذه أمور جملية تدرك تفاصيلها بالمباشرة)). ارتقاء الحسن إلى الصحيح والضعيف إلى الحسن قال الجزائري كثّفُ: ((قد يعرض لبعض الأحاديث أحوال تورثها قوة، وبذلك قد يرتفع من درجة الحسن، وقد يرتفع الحسن من درجته إلى درجة الصحيح، وليس هذا الحكم خاصاً بالضعيف والحسن، بل يشمل الصحيح أيضاً باعتبار تنوع درجاته، إلا أن بحثنا الآن إنما يتعلق بهما فقط)) فنقول: إن الحديث الضعيف قد يكون ضعفه ممكن الزوال، وقد يكون غير ممكن الزوال، فإن كان ممكن الزوال - وذلك فيما إذا كان الضعف ناشئاً من ضعف حفظ بعض رواته مع كونه من أهل الصدق والديانة - فإذا جاء ما رواه من وجه آخر عرفنا أنه قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه، فيرتفع بذلك من درجة الضعف إلى درجة الحسن. ومثل ذلك ما إذا كان ضعفه ناشئاً من جهة الإرسال، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ؛ فإن ضعفه يزول بروايته من وجه آخر، فيرتفع بذلك من درجة الضعيف إلى درجة الحسن. ومثل الإرسال التدليس أو جهالة بعض الرجال، وإن كان ضعفه غير ممكن الزوال، كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهماً بالكذب أو كون الحديث شاذاً؛ فإن ضعفه لا يزول بروايته من وجه آخر، فلا يرتفع بذلك من درجة الضعيف إلى درجة الحسن، كحديث: ((من حفظ على أمتي أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء)) فقد اتفقوا على ضعفه مع كثرة طرقه . ٧٥ مقدمة قال بعض الحفاظ: إن هذا النوع قد تكثر فيه الطرق وإن كانت قاصرة عن درجة الاعتبار، حتى يرتقي عن رتبة المنكر الذي لا يجوز العمل به بحال إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في الفضائل، وربما صارت تلك الطرق الواهية بمنزلة الطرق التي فيها ضعف يسير، بحيث لو فرض مجيء ذلك الحديث بإسناد فيه ضعف يسير صار مرتقياً من رتبة الضعيف إلى رتبة الحسن لغيره، وكما قد يرتقي بعض الأحاديث من درجة الضعيف إلى الحسن، قد يرتقي بعضها من درجة الحسن إلى درجة الصحيح، وذلك في الحسن لذاته؛ فإنك قد عرفت أنه هو والصحيح سواء لا فرق بينهما، إلا في أمر واحد وهو الضبط، فإن رواته لا يشترط فيهم أن يبلغوا في الضبط الدرجة المشترطة في رواة الصحيح، فإذا جاء الحديث الحسن لذاته من وجه آخر انجبر ما فيه من خفة الضبط، فيرتقي بذلك من درجته، وهي الدرجة الأولى من قسمي الحسن إلى درجة الصحيح، وهي الدرجة الأخيرة منه ويسمى هذا النوع بالصحيح لغيره، وهذا النوع غير داخل في حد الصحيح الذي سبق ذكره، ولذا قال بعضهم: وأورد على هذا التعريف أن الحسن إذا روي من غير وجه ارتقى من درجة الحسن إلى درجة الصحة، وهو غير داخل في هذا الحد، وأجاب بأن المحدود هو الصحيح لذاته لا لغيره، وما أورد من قبيل الثاني. بعض الكتب التي يهتدي بها إلى معرفة الحديث الحسن والفرق بين سنن أبي داود وصحيح مسلم رحمهما الله قال ابن الصلاح: ((كتاب أبي عيسى الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نوه باسمه، وأكثر من ذكره في جامعه. ومن مظانه سنن أبي داود فقد روينا أنه قال: (ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه، وما يقاربه)) وروينا عنه أيضاً ما معناه: ((أنه يذكر في كل باب أصح ما عرفه في ذلك الباب)) وقال: ((ما كان في كتابه حديث فيه وهن شديد فقد بينته، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصح من بعض)). قلت: فعل هذا ما وجدناه في كتابه مذكوراً مطلقاً، وليس في واحد من الصحيحين ولا نص على صحته أحد ممن يميز بين الصحيح والحسن عرفنا أنه من الحسن عند أبي داود، وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند غيره، ولا مندرج فيما حققنا ضبط الحسن به على ما سبق، إذ حكى أبو عبد الله بن مندة الحافظ أنه سمع محمد بن سعد الباوردي بمصر يقول: ((كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه)) وقال ابن مندة: ((وكذلك أو داود السجستاني يأخذ مأخذه ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده من رأي الرجال)). ٧٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قال السخاوي كتّهُ في شرح ألفية العراقي: ((وأبو داود تابع في ذلك شيخه الإمام أحمد تَّفُ، فقد روينا من طريق عبد الله بن أحمد بالإسناد الصحيح إليه، قال: سمعت أبي يقول: ((لا تكاد ترى أحداً ينظر في الرأي إلا وفي قلبه غل، والحديث الضعيف أحب إلي من الرأي)). قال: ((فسألته عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيها إلا صاحب حديث لا يدري صحيحه من سقيمه، وصاحب رأي، فمن يسأل؟ قال: يسأل صاحب الحديث ولا يسأل صاحب الرأي)) وكذا نقل ابن المنذر أن أحمد كان يحتج بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا لم يكن في الباب غيره، وفي رواية عنه قال لابنه: «لو أردت أن أقتصر على ما صح عندي لم أرو من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء، ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث، إني لا أخالف ما يضعف إلا إذا كان في الباب شيء يدفعه)). وذكر ابن الجوزي في الموضوعات: ((أنه كان يقدم الضعيف على القياس، بل حكى الطوفي عن التقي ابن تيمية أنه قال: ((اعتبرت مسند أحمد فوجدته موافقاً بشرط أبي داود» انتھی. ونحو ما حكي عن أحمد ما سيأتي في المرسل حكايته عن الماوردي مما نسبه لقول الشافعي في الجديد: إن المرسل يحتج به إذا لم يوجد دلالة سواء. وزعم ابن حزم أن جميع الحنفية على أن مذهب إمامهم أيضاً أن ضعيف الحديث أول عنده من الرأي والقياس على أن بعضهم - كما حكاه المؤلف في أثناء من تقبل روايته وترد من النكت - حمل قول ابن مندة على أنه أريد بالضعيف هذا الحديث الحسن وهو بعید)) اهـ. وكذا يبعد حمل الضعيف في كلام الإمام أحمد على الحسن كما حمله الحافظ ابن تيمية في منهاج السنة، فإن سياق كلامه على ما نقلناه لا يلائمه، والله أعلم. قال الجزائري تخلّفُهُ: ((وقد تعقب العلامة أبو الفتح محمد بن سيد الناس اليعمري كلام ابن الصلاح في شأن سنن أبي داود، فقال فيما كتبه على الترمذي: ((لم يرسم أبو داود شيئاً بالحسن، وعمله في ذلك شبيه بعمل مسلم الذي لا ينبغي أن يحمل كلامه على غيره أنه اجتنب الضعيف الواهي، وأتى بالقسمين: الأول والثاني، وحديث من مثل به من الرواة موجود في كتابه دون القسم الثالث. قال: فهلا ألزم الشيخ أبو عمرو مسلماً من ذلك ما ألزم به أبا داود، فمعنى كلامهما واحد، وقول أبي داود: ((وما يشبهه - يعني في الصحة - وما يقاربه)) يعني: فيها أيضاً، هو: نحو قول مسلم: ((ليس كل الصحيح نجده عند مالك وشعبة وسفيان)) فاحتاج أن ينزل إلى مثل ليث بن أبي سليم، وعطاء بن السائب ٧٧ مقدمة ويزيد ابن أبي زياد لما يشمل الكل من اسم العدالة والصدق، وإن تفاوتوا في الحفظ والإتقان، ولا فرق بين الطريقين، غير أن مسلماً شرط الصحيح، فيخرج من حديث الطبقة الثالثة - يعني الضعيف - وأبو داود لم يشترطه، فذكر ما يشتد وهنه عنده، والتزم البيان عنه. قال: وفي قول أبي داود: ((إن بعضها أصح من بعض)) ما يشير إليه إلى القدر المشترك بينها من الصحة، وإن تفاوتت فيه لما تقتضيه صيغة أفعل في الأكثر)) اهـ. وقد امتعض أناس من هذه العبارة لإشعارها بأن سنن أبي داود بمنزلة صحيح مسلم؛ فإن كلاً منهما ذكرا الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، غير أن مسلماً التزم أن لا يذكر الحديث الضعيف في كتابه، وأبو داود ذكره مع بيان ضعفه، فارتفع المحذور من ذكر الضعيف في كتابه، فهما عند إمعان النظر في منزلة واحدة بل ربما عد ذكره الضعيف مع البيان من المزايا التي ربما قضت برجحانه؛ فإن معرفة ضعف الضعيف من المطالب المهمة . وهذا مما لم يخطر في بال أحد من علماء الأثر فالبون بينهما بعيد، على أن في سنن أبي داود كثيراً من الأحاديث التي فيها انقطاع، أو إرسال، أو رواية عن مجهول: كرجل، وشيخ، مع أنه لم يشر إلى ضعفها. وإن أجيب عنه بأنه لم يتعرض لبيان الضعيف في هذا النوع لظهوره، وقد نقل بعضهم عن بعض أهل الأثر أنه قال: هو تعقب واه جداً لا يساوي سماعه، ثم قال: وهو كذلك لتضمنه أحد شيئين: وقوع غير الصحيح في مسلم، أو تصحیح کل ما سكت علیه أبو داود. وقد أجيب عن اعتراض ابن سيد الناس بأن مسلماً التزم الصحة في كتابه؛ فليس لنا أن نحكم على حديث خرجه فيه بأنه حسن عنده، لما عرف من قصور الحسن عن الصحيح. وأبو داود قال: ((إن ما سكت عنه فهو صالح))، والصالح يجوز أن يكون صحيحاً، ويجوز أن يكون حسناً، فالإحتياط أن يحكم عليه بالحسن، إلا أنه يظهر بالاستقراء أن بعض ما يسكت عليه ضعيف أيضاً، ولذا قال السخاوي تقذفه: ((وحينئذ فالصلاحية في كلامه أعم من أن تكون للاحتجاج أو الإستشهاد)). قال: ((وبالجملة فالمسكوت عنه أقسام: منه ما هو في الصحيحين، أو على شرط الصحة، أو حسن لذاته، أو مع الاعتضاد، وهما كثير في كتابه جداً. ومنه ما هو ضعيف، لكنه من رواية من لم يجمع على تركه. وقد قال النووي كثّفُهُ: الحق أن ما وجدناه ما لم يبينه ولم ينص على صحته أو حسنه أحد ممن يعتمد: فهو حسن، وإن نص على ضعفه من يعتمد، أو رأى العارف في سنده ما يقتضي الضعف، ولا جابر له: حكم بضعفه ولم يلتفت إلى سکوته)) اهـ. ٧٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قال الجزائري تقذفه: ((وثم أجوبة أخرى: منها : أن العملين إنما تشابهاً في أن كلاً أتى بثلاثة أقسام، لكنها في سنن أبي داود راجعة إلى متون الأحاديث، وفي مسلم إلى رجاله، وليس بين ضعف الرجل وصحة حديثه منافاة . ومنها: أن أبا داود قال: ((إن ما كان فيه وهن شديد بينته)) ففهم أن ثم شيئاً فيها وهن غیر شدید لم يلتزم بيانه. ومنها: أن مسلماً كَثُ إنما يروي عن الطبقة الثالثة في المتابعات؛ لينجبر القصور الذي في رواية من هو في الطبقة الثانية، ثم إنه يقل من حديثهم جداً، بخلاف أبي داود؛ فإنه يخرج أحاديث هؤلاء في الأصول مع الإكثار منها، والاحتجاج بها، فلذلك نزلت درجة كتابه عن درجة كتاب مسلم تكذّهُ . قال السخاوي كَُّ ناقلاً عن العلائي: ((إن درجات الصحيح إذا تفاوتت فلا يعني بالحسن إلا الدرجة الدنيا منها، والدرجة الدنيا منها لم يخرج منها مسلم شيئاً في الأصول، إنما يخرجها في المتابعات والشواهد. وارتضاه شيخنا وقال: إنه لو كان يخرج جميع أهل القسم الثاني في الأصول - بل وفي المتابعات - لكان كتابه أضعاف ما هو عليه، ألا ترى مع كونه لم يورد لفظ ابن السائب إلا في المتابعات؛ وكونه من المكثرين ليس له عنده سوى مواضع يسيرة وكذا ليس لابن إسحاق عنده في المتابعات إلا ستة أو سبعة، وهو ممن يجوز الحديث، ولم يخرج لليث بن أبي سليم، ولا ليزيد بن أبي زياد، ولا لمجالد بن سعيد إلا مقروناً، وهذا بخلاف أبي داود؛ فإنه يخرج أحاديث هؤلاء في الأصول محتجاً بها، ولأجلها تخلف كتابه عن شرط الصحة)). مراتب الحسن قال السيوطي كَّلُ في التدريب: ((الحسن أيضاً على مراتب كالصحيح، قال الذهبي كثّفُ: فأعلى مراتبه: بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده. وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وابن إسحاق، عن التيمي، وأمثال ذلك مما قيل: إنه صحيح، وهو أدنى مراتب الصحيح، ثم بعد ذلك ما اختلف في تحسينه وتضعيفه: كحديث الحارث بن عبد الله، وعاصم بن ضمرة، وحجاج بن أرطأة، ونحوهم)). ٧٩ مقدمة قول الترمذي (حسن صحيح) قال الحافظ جلال الدين السيوطي كَّتُ في تعليقه على جامع الترمذي الذي سماه ((قوت المغتذي)): ((قال ابن الصلاح: قول الترمذي وغيره: «هذا حديث حسن صحيح) فيه إشكال؛ لأن الحسن قاصر عن الصحيح، ففى الجمع بينهما في حديث واحد جمع بين نفي ذلك القصور وإثباته. قال: وجوابه أن ذلك راجع إلى الاسناد، فإذا روي الحديث الواحد بإسنادين: أحدهما إسناد حسن. والآخر إسناد صحيح استقام أن يقال فيه: إنه حديث حسن صحيح، أي: إنه حسن بالنسبة إلى إسناد، صحيح بالنسبة إلى إسناد آخر. على أنه غير مستنكر أن يكون بعض من قال ذلك أراد بالحسن معناه اللغوي، وهو ما تميل إليه النفس، ولا يأباه العقل، دون المعنى الاصطلاحي الذي نحن بصدده)). انتهى. وقال ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)): ((يرد على الجواب الأول الأحاديث التي قيل فيها: حسن صحيح، مع أنه ليس لها إلا مخرج واحد، قال: وفي كلام الترمذي كثُّهُ في مواضع يقول: هذا حديث حسن صحيح لا نعرف إلا من هذا الوجه، قال: والذي أقول في جواب هذا السؤال: أنه لا يشترط في الحسن قيد القصور عن الصحيح، وإنما يجيئه القصور، ويفهم ذلك فيه إذا اقتصر على قوله: ((حسن)) فالقصور يأتيه من قبل الاقتصار، لا من حيث حقيقته وذاته)). وشرح ذلك وبيانه: أنه لههنا صفات للرواة تقتضي قبول الرواية، وتلك الصفات درجات بعضها فوق بعض: كالتيقظ، والحفظ والإتقان - مثلاً - فوجود الدرجة الدنيا كالصدق وعدم التهمة بالكذب لا ينافيه وجود ما هو أعلى منه، كالحفظ مع الصدق، فيصح أن يقال في هذا: إنه حسن باعتبار وجود الصفة الدنيا - وهي الصدق مثلاً - صحيح باعتبار الصفة العليا - وهي الحفظ والإتقان - ويلزم على هذا أن يكون كل صحيح حسناً، ويلتزم ذلك ويؤيده ورود قولهم: هذا حديث حسن، في الأحاديث الصحيحة، وهذا موجود في كلام المتقدمین)) انتهى. وقال الحافظ عماد الدين بن كثير تخلّفُ: ((أصل هذا السؤال غير متجه لأن الجمع بين الحسن والصحة في حديث واحد رتبة متوسطة بين الصحيح والحسن، قال: فههنا ثلث مراتب: الصحيح أعلاها، والحسن أدناها، والثالثة ما تتشرب من كل منهما؛ فإن كل ما كان فيه شبه لم يتمحض لأحدهما اختص برتبة مفردة، كقولهم للمز - وهو ما فيه حلاوة وحموضة -: هذا حلو حامض، أي: مز. قال: فعلى هذا يكون ما يقول فيه: حسن ٨٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم صحيح أعلى رتبة عنده من الحسن، ويكون حكمه على الحديث بالصحة المحضة أقوى من حكمه عليه بالصحة مع الحسن)). قال الحافظ أبو الفضل العراقي في ((نكته)) على ابن الصلاح: ((وهذا الذي قاله ابن كثير كَّتُ تحكم لا دليل عليه، وهو بعيد من فهمهم معنى كلام الترمذي كَّقُ». قال الإمام بدر الدين الزركشي والحافظ أبو الفضل ابن حجر رحمهما الله، كلاهما في النكت على ابن الصلاح: ((هذا يقتضي إثبات قسم ثالث، ولا قائل به)). وعبارة الزركشي كذُّهُ: ((وهو خرق لإجماعهم، ثم إنه يلزم عليه أن لا يكون في كتاب الترمذي حديث صحيح إلا قليلاً، لقلة اقتصاره على قوله: ((هذا صحيح)) مع أن الذي يعبر فيه بالصحة والحسن أكثره موجود في الصحيحين)). وقال الشيخ سراج الدين البلقيني كثّفُ في محاسن الاصطلاح أيضاً: ((في هذا الجواب نظر)). لكن جزم الإمام شمس الدين الجزري ◌َّفُ في الهداية: ((والذي قال: صحيح حسن، فالترمذي كلُّ يعني: يشاب صحة وحسناً، فهو إذاً دون الصحيح معنى)). وقال الزركشي تغذّفُهُ: «فإن قلت: فما عندك في رفع هذا الإشكال؟ قلت: يحتمل أن يريد بقوله: ((حسن صحيح)) في هذه الصورة الخاصة الترادف، واستعمال هذا قليلاً دليل على جوازه، كما استعمله بعضهم حيث وصف الحسن بالصحة على قول من أدرج الحسن في القسم الصحيح، ويجوز أن يريد حقيقتهما في إسناد واحد باعتبار حالين وزمانين، فيجوز أن يكون سمع هذا الحديث من رجل مرة في حال كونه مستوراً أو مشهوراً بالصدق والأمانة، ثم ترقى ذلك الرجل المسمع وارتفع حاله إلى درجة العدالة، فسمعه منه الترمذي، أو غيره مرة أخرى، فأخبر بالوصفين، وقد روى عن غير واحد أنه سمع الحديث الواحد على شيخ واحد غير مرة، قال: وهذا الاحتمال وإن كان بعيداً فهو أشبه ما يقال. قال: ويحتمل أن يكون الترمذي أدى اجتهاده إلى حسنه، وأدى اجتهاد غيره إلى صحته، أو بالعكس، فبان أن الحديث في أعلى درجات الحسن، وأول درجات الصحيح، فيجمع بينهما باعتبار مذهبين، وأنت إذا تأملت تصرف الترمذي كثّفُهُ لعلك تسكن إلى قصده هذا)) انتهى كلام الزركشي. وبعضه مأخوذ من الجعبري حيث قال في مختصره: ((وقوله: حسن صحيح، باعتبار سندين أو مذهبين)). وقال الحافظ ابن حجر في النكت: ((قد أجاب بعض المتأخرين عن أصل الإشكال بأنه باعتبار صدق الوصفين على الحديث بالنسبة إلى أحوال راويه عند أئمة الحديث، فإذا