Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
باب ١٤ / ح ٢٧٣٠
كتاب الشروط
أحَبُّوا أن أعُدَّها لهم ويكونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ، فَذَهَبتْ بَرِيرةُ إلى أهلِها، فقالت لهم، فأَبَوْا
عليها، فجاءت من عندِهم ورسولُ اللهِ وَّرَ جالسٌ، فقالت: إنّ قد عَرَضْتُ ذلكَ عليهم،
فأبَوْا إلا أن يكونَ الولاءُ لهم، فسمعَ النبيُّ وَّهِ، فأخبَرَت عائشةُ النبيَّ ◌َِّ، فقال: ((خُذِيها
واشتَرطي لهم الولاءَ، فإِنَّا الولاءُ لِمَن أعتَقَ)) ففَعَلَت عائشةُ، ثمَّ قامَ رسولُ اللهِوََّ فِي النّاسِ،
فَحَمِدَ اللهَ وأَثْنَى عليه، ثمَّ قال: ((ما بالُ رِجالٍ يَشْتَرِّطُونَ شُرُوطاً ليسَت في كتاب الله؟ ما كان
من شَرْطٍ ليسَ في كتاب الله فهو باطلٌ، وإن كان مِئَةَ شَرْطٍ، قَضاءُ الله أحقُّ، وشَرْطُ الله أَوْثَقُ،
وإنَّما الولاءُ لِمَن أَعتَقَ)).
قوله: («باب الشُّروط في الوَلاء)) ذكر فيه طَرَفاً من حديث عائشة في قِصَّة بَرِيرة، وقد
تقدَّم الكلام عليه مُستَوفَّى في آخر کتاب العِثْق (٢٥٦٠-٢٥٦٥).
٣٢٧/٥
١٤ - باب إذا اشتَرط في المُزارعة: إذا شئتُ أَخرجتُكَ
٢٧٣٠ - حدَّثنا أبو أحمدَ، حدَّنا محمَّدُ بنُ يحيى أبو غسَّانَ الكِنانيُّ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعِ،
عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: لمَّا فَدَعَ أهلُ خيبرَ عبدَ الله بنَ عمرَ قامَ عمرُ خَطيباً، فقال:
إنَّ رسولَ الله وَِّ كان عامَلَ يهودَ خَيبرَ على أموالهم، وقال: ((نُقِرُّكُم ما أقرَّكُمُ الله)) وإنَّ
عبدَ الله بنَ عمرَ خَرَجَ إلى مالِهِ هُناكَ، فعُدِيَ علیه مِن اللَّيلِ، ففُدِعَت يداه ورِ جْلاه، وليس لنا
هُناكَ عَدُوٌّ غيرُهم، هم عَدُوُنا وتُهْمَتُنا، وقد رأيتُ إجْلاءَهم، فلمَّا أْمَعَ عمرُ على ذلك أتاه
أحدُ بني أبي الحُقَيِقِ، فقال: يا أمِيرَ المؤمنينَ، أَتَّخْرِ جُنا وقد أقرَّنا محمَّدٌ، وعامَلَنا على الأموال
وشَرَطَ ذلك لَنا؟ فقال عمرُ: أظننتَ أَنّ نَسِيتُ قولَ رسولِ الله وَّ: «كيفَ بِكَ إذا أُخرِجْتَ
من خَيبَ تَعْدُو بكَ قَلُوصُكَ ليلةً بعدَ ليلةٍ)) فقال: كان ذلكَ هُزَيلةً من أبي القاسِمِ، فقال:
كذبتَ يا عَدُوَّ الله! فأجْلاهم عمرُ، وأعطاهم قيمةَ ما كان لهم مِن الثَّمَرِ مالاً، وإِلاً، وعُرُوضاً
من أقتاب وحِباٍ وغير ذلك.
رواه حَمَّدُ بنُ سَلَمَةَ، عن عُبيد الله: أحسَبُهُ عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن عمرَ، عن النبيِّ وَّ
اختصره.

٤٤٢
باب ١٤ / ح ٢٧٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (باب إذا اشتَرَطَ في المزارَعة: إذا شِئْتُ أخرَجْتُك)) كذا ذكر هذه التَّرجمة مختصرةً،
وتَرجَمَ لحديثِ الباب في المزارَعة (٢٣٣٨) بأوضحَ من هذا فقال: ((إذا قال رَبُّ الأرض:
أُقِرّك ما أقرَّك الله، ولم يَذكُر أجَلاً معلوماً، فهما على تَراضيهما))، وأخرج هناك حديث ابن
عمر في قِصَّة يهود خَيبَرَ بلفظ: ((يُقِرّكُم على ذلك ما شِئنا»، وأورَدَه هنا بلفظ: ((نُقِرُّكُم ما
أقرَّكُم الله)) فأحالَ في كلّ ترجمة على لفظ المتن الذي في الأُخرى، وبَيَّنَت إحدى الرِّوايَتين
مُراد الأُخرى، وأنَّ المراد بقوله: ((ما أقرَّكُم الله)): ما قَدَّرَ الله آنّا نَترُکگُم فيها، فإذا شِئنا
فأخرَ جناكُم، تَبيَّنَ أنَّ الله قَدَّرَ إخراجَكُم، والله أعلم.
وقد تقدَّم في المزارعة توجيه الاستدلال به على جواز المخابرة، وفيه جواز الخيار في
المُساقاة للمالكِ لا إلى أمَدٍ، وأجابَ مَن لم يُجِزْه باحتمال أنَّ المَدَّة كانت مذكورة ولم تُنقَل،
أو لم تُذكَر لكن عَيِّنَت كلّ سنة بكذا، أو أنَّ أهل خَيبَرَ صاروا عَبيداً للمسلمينَ، ومُعاملة
السَّيِّد لعبدِه لا يُشتَرَط فيها ما يُشتَرَط في الأجنبي، والله أعلم.
قوله: ((حدَّثنا أبو أحمد)) كذا للأكثر غير مُسَمَّى ولا منسوبٍ، ولابن السَّكَن في روايته
عن الفِرَبْري ووافقَه أبو ذرٍّ: ((حدَّثنا أبو أحمد مَرّار بن حَّويه)) وهو بفتح الميم وتشديد
الراء، وأبوه بفتح الحاء المهمَلة وتشديد الميم، قال ابن الصَّلاح: أهل الحديث يقولونها
بضمِّ الميم وسكون الواو وفتح التَّحتانية، وغيرهم بفتح الميم والواو وسكون التَّحتانية وآخرها
هاء عند الجميع، ومَن قاله من المحَدِّثينَ بالتاءِ المثنَّاة الفَوقانية بدل الهاء فقد غَلِطَ.
قلت: لكن وقع في شِعر لابن دُرَيدِ ما يدلّ على تجويز ذلك وهو قوله:
إن كان نِفْطُويَةُ من نَسْلي(١)
(١) هذا عجز بيت من ثلاثة أبيات أوردها ياقوت الحموي في ((معجم الأدباء)) ٢٥٥/١، والسيوطي في
(بغية الوعاة)) ٤٢٨/١، ونسباها لابن بسّام، أحد الشعراء المشهورين بالهجاء، وفيها يقول:
صلّى عليه الله ذو الفَضْلِ
رأيت في المنام أبي آدما
مَن كان في حَزْنٍ وفِي سَهْلٍ
فقال أبلِغْ ولدي كلَّهم
إن كان نِفْطُويَةٌ مِن نَسْلي
بأنَّ حوّا أمَّهم طالقٌ

٤٤٣
باب ١٤ / ح ٢٧٣٠
كتاب الشروط
وهو هَذاني - بفتح الميم ثقة ـــ مشهور، وليس له في البخاري غير هذا الحديث، وكذا
شيخه، وهو ومَنْ فَوقَه مدنيُّونَ. وقال الحاكم: أهل بُخارى يَزعُمون أنَّه أبو أحمد محمد بن
يوسف البِيكَنْدي. ويحتمل أن يكون المراد أبو أحمد محمد بن عبد الوهّاب الفَرّاء، فإنَّ أبا
عَمْرو المُستَمْلي رواه عنه عن أبي غسّان، انتهى.
والمعتَمَد ما وقع في ذلك عند ابن السَّكَن ومَن وافقَه، وجَزَمَ أبو نُعيم أنَّه مَرّار المذكور
وقال: لم يُسَمِّه البخاري والحديث حديثهُ. ثمَّ أخرجه من طريق موسى بن هارون عن
مَرّار. / قلت: وكذا أخرجه الدّارَقُطني في ((الغرائب)) من طريقه، ورواه ابن وَهْب عن ٣٢٨/٥
مالك بغير إسناد، أخرجه عمر بن شَبَّة في ((أخبار المدينة)) (١/ ١٧٦).
قوله: ((حدّثنا محمد بن يحيى)) أي: ابن عليّ الكاتِب.
قوله: ((فَدَعَ)) بفتح الفاء والمهمَلتَين، الفَدَع بفتحتين: زوال المَفْصِل، فُدِعَت يَداه: إذا
أُزِيلَتا من مفاصلهما. وقال الخليل: الفَدَع: عِوَج في المفاصل، وفي خَلْق الإنسان الثابت إذا
زاغَت القَدَم من أصلها من الكعب وطَرَف السَّاق فهو الفَدَعِ، وقال الأصمَعي: هو زَيْغ
في الكَفّ بينها وبين السَّاعِد، وفي الرِّجل بينها وبين السَّاق، هذا الذي في جميع الرِّوايات
وعليها شرح الخطَّابي، وهو الواقع في هذه القِصَّة.
ووقع في رواية ابن السَّكَن بالغين المعجمة، أي: فَدَغَ، وجَزَمَ به الكِرْماني، وهو وَهْمٌ لأنَّ
الفَدْغ بالمعجَمة: كسر الشيء المجَوَّف، قاله الجَوْهَري، ولم يقع ذلك لابن عمر في القِصَّة.
قوله: ((فعُديَ عليه من اللَّيل)) قال الخطَّبي: كأنَّ اليهود سحَروا عبد الله بن عمر فالتَوَت
يداه ورجلاه، كذا قال، ويحتمل أن يكونوا ضَرَبوه، ويُؤْيِّده تقييدُه باللَّيلِ في هذه الرِّواية.
ووقع في رواية حمّاد بن سَلَمة التي عَلَّقَ المصنّف إسنادها آخر الباب بلفظ: ((فلمَّا كان
زمان عمر غَشُوا المسلمين وألقوا ابنَ عمر من فوق بيتٍ، فَدَعوا يَدَيه)) الحديث(١).
= قال ياقوت: قال الثعالبي: وقد صيَّرَه ابن بسام نِفْطُويَة بضم الطاء وتسكين الواو وفتح الياء. قلنا: وأما
الذي في ديوان ابن دريد فأبيات أخرى ليس فيها هذه الأبيات، انظر «ديوانه» ص١١١.
(١) أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٥١٩٩)، والبيهقي ٩/ ١٣٧ -١٣٨ مطولاً.

٤٤٤
باب ١٤ / ح ٢٧٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (تُهَمَتنا)) بضمِّ المثنَّة وفتح الهاء ويجوز إسكانها، أي: الذين نَتَّهمُهم بذلك.
قوله: ((وقد رأيت إجْلاءَهم، فلمَّا أجمَعَ)) أي: عَزَمَ، وقال أبو الهيثَم: أجمع على كذا، أي:
جَمَعَ أمره جميعاً بعد أن كان مُفَرَّقاً، وهذا لا يقتضي حَصر السَّبَب في إجلاء عمر إياهم، وقد
وقع لي فيه سببان آخران:
أحدهما: رواه الزُّهري عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة قال: ما زالَ عمر حتَّى وَجَدَ
الثَّبت عن رسول الله وَّهِ أَنَّه قال: ((لا تَجَتَمِع بجزيرة العرب دِینانِ» فقال: مَن كان له من
أهل الكتابينِ عَهد فليأتِ به أنفُذُه له، وإلا فإنّي مُجليكُم. فأجْلاهم. أخرجه ابن أبي شَيْبة
وغيره(١).
ثانيهما: رواه عمر بن شَبَّة في ((أخبار المدينة)) من طريق عثمان بن محمد الأخنَسي(٢) قال:
لمَّا كَثُرَ العيال - أي: الْخَدَم - في أيدي المسلمين وقَوُوا على العمل في الأرض أجلاهم
عُمر. ويحتمل أن يكون كلّ من هذه الأشياء جُزء عِلَّة في إخراجهم. والإجلاء: الإخراج
عن المال والوَطَن على وجه الإزعاج والكراهة.
قوله: ((أحد بني أبي الحُقَيق)) بمُهمَلةٍ وقافَينِ مُصغَّر، وهو رأس يهود خَيْبَرَ، ولم أقف
٣٢٩/٥ على اسمه. ووقع في رواية البُرقاني: ((فقال رئيسهم: / لا تُخْرِجنا))، وابن أبي الحُقَيق الآخر
هو الذي كان زوجَ صَفيّة بنت حُبَي أُمّ المؤمنينَ، فَقُتِلَ بخيبر وبَقيَ أخوه إلى هذه الغاية.
قوله: (تَعْدو بك قَلُوصُك)) بفتح القاف وبالصَّاد المهمَلة: الناقة الصَّابرة على السَّير،
وقيل: الشّابَّة، وقيل: أوَّل ما يُركَب من إناث الإبل، وقيل: الطَّويلة القوائم، وأشار واَليه
إلى إخراجهم من خَيبَر وكان ذلك من إخباره بالمغيَّاتِ قبل وقوعها.
قوله: «کان ذلك» في رواية الگُشْمِیھني: کانت هذه.
(١) أخرجه مالك ٢/ ٨٩٢-٨٩٣، وعبد الرزاق (١٩٣٦٩)، وابن أبي شيبة ١٢ /٣٤٥، والبيهقي ٢٠٨/٩
وعمر بن شبة في ((أخبار المدينة)) ١/ ١٨٣- ١٨٤.
(٢) بل هي رواية بُشير بن يسار، وهي الرواية التالية لرواية عثمان بن محمد الأخنسي.

٤٤٥
باب ١٤ / ح ٢٧٣٠
كتاب الشروط
قوله: ((هُزَيلة)) تصغير الهَزْل: وهو ضِدّ الجِدّ.
قوله: ((مالاً)) تمييز للقيمة، وعَطَفَ الإبل عليه، وكذلك العُروض من عَطف الخاصّ
على العامّ، أو المراد بالمال النَّقد خاصَّة، والعُروض ما عَدا النَّقْد، وقيل: ما لا يَدخُله الكَيل
ولا يكون حيواناً ولا عَقاراً.
قوله: ((رواه حَمَّاد بن سَلَمَةَ عن عُبيد الله)) بالتَّصغير: هو العُمَري.
قوله: ((أحْسِبُه عن نافع)) أي: أنَّ حَمّاداً شكَّ في وَصْله، وصَرَّحَ بذلك أبو يَعْلى في روايته
الآتية، وزَعَمَ الكِرْماني أنَّ في قوله: ((عن النبيِّينَ) قَرِينَةً تدلّ على أنَّ حَمَّداً اقتَصَرَ في
روايته على ما نَسَبَه إلى النبيِّ وَّ في هذه القِصَّة من قول أو فعل دون ما نُسِبَ إلى عُمر.
قلت: وليس كما قال، وإنَّما المراد أنَّه اختصر من المرفوع دون الموقوف، وهو الواقع في
نفس الأمر، فقد رُوِّيناه في ((مسند)) أبي يَعْلِى و((فوائد)) البَغَوي(١)، كلاهما عن عبد الأعلى
ابن حمّاد عن حمّاد بن سَلَمة ولفظه: ((قال عُمر: مَن كان له سهم بخَيبَرَ فليَحضُر حتَّى
نَقسِمها، فقال رئيسهم: لا تُخْرِجْنا ودَعْنا كما أقرّنا رسول الله وَال﴾ وأبو بكر، فقال له عمر:
أتُراهُ سَقَط عليَّ قولُ رسول الله بَّهِ: كيف بك إذا رَقَصَت بك راحلتُك نحوَ الشّام يوماً،
ثُمَّ يوماً ثمَّ يوماً، فقَسَمَها عمر بين مَن كان شَهِدَ خَيْبَرَ من أهل الحُدَيبية))، قال البَغَوي:
هكذا رواه غير واحد عن حمَّد، ورواه الوليد بن صالح عن حمّاد بغير شكّ(٢).
قلت: وكذا رُوِّيناه في ((مسند عمر)) للنَّجّاد(٣) (٢١) من طريق هُدْبة بن خالد عن حمّاد
بغير شكّ وفيه قوله: ((رَقَصَت بك)) أي: أسرَعَت في السَّير، وقوله: ((نحو الشّام)) تقدَّم في
المزارَعة (٢٣٣٨): أنَّ عمر أجلاهم إلى تَيماءَ وأَريحاءَ.
(١) لم نقف عليه عندهما، وهو عند الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٢٧٦٥) من طريق عبيد الله بن محمد
ابن عائشة عن حماد بن سلمة، والبيهقي في «سننه)) ٩/ ١٣٧ من طريق عبد الواحد بن غياث عن حماد.
(٢) وكذا رواه عبيد الله بن محمد بن عائشة عن حماد عند الطحاوي في المصدر السابق.
(٣) تحرف في (س) إلى: عمر النجار.

٤٤٦
باب ١٥ / ح ٢٧٣١ -٢٧٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
تنبيه: وقع للحُميدي نسبة رواية حَمَّد بن سَلَمة مُطوَّلة جِدّاً إلى البخاري، وكأنَّه نَقَلَ
السّياق من ((مُستخرَج)) البُرْقاني كَعادتِه وذَهَلَ عن عَزوه إليه، وقد نَبَّهَ الإسماعيلي على أنَّ
حمّاداً كان يُطوِّله تارةً ويرويه تارةً مختصراً، وقد أشرت إلى بعض ما في روايته قَبلُ.
قال المهلَّب: في القِصَّة دليل على أنَّ العداوة توضحُ المطالَبة بالجِناية كما طالَبَ عمر
اليهود بفَدَع ابنه، وَرَجَّحَ ذلك بأن قال: ليس لنا عدوّ غيرهم، فعَلَّقَ المطالَبة بشاهِدٍ
العداوة. وإنَّما لم يَطلُب القِصاص، لأنَّه فُدِعَ وهو نائم فلم يَعرِف أشخاصهم. وفيه أنَّ
أفعال النبيِّ وَّه وأقوالَه محمولةٌ على الحقيقة حتَّى يقوم دليل المجازِ.
١٥ - باب الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابة الشروط
٢٧٣١، ٢٧٣٢- حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، أخبرنا مَعمَرٌ، قال:
أخبرني الزُّهْرِيُّ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، عن المِسْوَرِ بنِ تَخَرَمةَ ومروانَ - يُصَدِّقُ كلُّ
واحدٍ منهما حديثَ صاحبِهِ - قالا: خَرَجَ رسولُ اللهِوَ زَمَنَ الحُدَيِيةِ حتَّى إذا كانوا ببعضِ
الطَّرِيقِ، قال النبيُّ وَّ: ((إنَّ خالدَ بنَ الوليد بالغَمِيمِ في خَيلٍ لِقُرَيشٍ طَلِيعةً، فخُذُوا ذاتَ
اليمينِ)) فوالله ما شَعَرَ بهم خالدٌ، حتَّى إذا هم بقَتَرةِ الجيشِ، فانطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيراً لِقُرَيْشٍ،
وسارَ النبيُّ ◌َّهِ حَتَّى إذا كان بالقَّنِيَّةِ التي يُهْبَطُ عليهم منها، بَرَكَت به راحلتُه، فقال النّاسُ:
حَلْ حَلْ، فَأَحَّتْ، فقالوا: خَلَتِ القَصْواءُ، فقال النبيُّ ◌َِّ: ((مَا خَلَتِ القَصْواءُ، وما ذاكَ لها
بِخُلُقٍ، ولكن حَبَسَها حابسُ الفِيلِ)) ثمّ قال: ((والَّذي نفسي بيده! لا يَسْألُونَني خُطّةً يُعَظِّمُونَ
فيها حُرُماتِ الله إلَّا أعطَيْتُهم إيّاها)) ثمَّ زَجَرَها فوَثَبَت.
قال: فعَدَلَ عنهم، حتَّى نزلَ بأقصَى الحُدَيِيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ يَتَبَرَّضُه النّاسُ تَبُرُّضاً،
فلم يُلْبِثُ النّاسُ حتَّى نَزَحُوه، وشُكِيَ إلى رسولِ الله وَِّ العَطَشُر، فانْتَزَعَ سَهْماً من كِنانَتِهِ، ثمّ
أُمَرَهم أن يَجْعَلُوه فيه، فوالله ما زالَ تَجِيشُ لهم بالرِّيِّ حتَّى صَدَرُوا عنه.
فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَيلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزاعيُّ في نَفَرٍ من قومِه من خُزاعةَ، وكانوا عَيْبةَ
نُصْحِ رسولِ اللهِ وَّه من أهلِ تِهامةَ، فقال: إنَّ تَرَكْتُ كَعْبَ بنَ لُؤَيٍّ وعامِرَ بنَ لُؤَيٍّ نزلُوا

٤٤٧
باب ١٥ / ح ٢٧٣٢
كتاب الشروط
أعدادَ مِياهِ الحُدَيِيةِ، ومعهم العُوذُ المَطافيلُ، وهم مُقاتِلُوكَ وصادُّوكَ عن البيتِ، فقال
رسولُ الله ◌َّ: ((إنّا لم نَجِئْ لقتال أحدٍ، ولكنّا جِئْنا مُعتَمِرِينَ، وإنَّ قُرَيشاً قد نَبِكَتْهم الحربُ
وأضَّرَّت بهم، فإن شاؤوا مادَدْتُهُم مُدّةً، ويُخُلُّوا بيني وبين النّاسِ،/ فإنْ أظْهَرْ، فإن شاؤوا أن ٣٣٠/٥
يَدخُلُوا فيما دَخَلَ فيه النّاسُ فعَلُوا، وإلَّا فقد ◌ُّوا، وإن هم أبَوْا فَوَالَّذي نفسي بيَدِه لأُقاتِلَنَّهم
على أمري هذا حتَّى تَنفَرِدَ سالِفَتي، ولَيُتِذَنَّ الله أمرَه)) فقال بُدَيلٌ: سأُبلِّغُهم ما تقولُ.
قال: فانطَلَقَ حتَّى أتى قُرَيشاً، قال: إنّا قد جِئْناكُم من هذا الرجلِ، وسَمِعْناه يقول قولاً،
فإن شِئْتُم أن نَعْرِضَه عليكُم فَعَلْنا، فقال سُفَهاؤُهمْ: لا حاجةَ لنا أن تُخِرَنا عنه بشيءٍ، وقال
ذَوُو الرَّأيِ منهم: هاتِ ما سمعتَه يقول، قال: سمعتُه يقول كذا وكذا، فحدَّثهم بما قال النبيُّ وَّه
فقامَ عُرْوةُ بنُ مسعودٍ فقال: أيْ قومٍ، أَسْتُم بالوالدِ؟ قالوا: بَلَى، قال: أوَلَسْتُ بالوَلَدِ؟ قالوا:
بَلَى، قال: فَهَل تَنَّهموني؟ قالوا: لا، قال: أَسْتُمْ تَعْلَمونَ أنّي اسْتَنْفَرْتُ أهلَ عُكَاظَ، فلمَّا بَلَّحُوا
عليَّ جِثْتُكم بأهلي ووَلَدي ومَن أطاعَني؟ قالوا: بَلَى، قال: فإنَّ هذا قد عَرَضَ لكم خُطّةَ رُشْدٍ
اقبَلُوها، ودَعُوني آتِهِ، قالوا: اثْتِه.
فأتاهُ فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ وََّ، فقال النبيُّ ◌ََّ نَحْواً من قولِه لِبُديلٍ، فقال عُرْوةُ عندَ ذلك:
أيْ محمَّدُ، أرأيتَ إنِ اسْتَأْصَلْتَ أمرَ قومِكَ، هل سمعتَ بأحدٍ مِن العربِ اجْتَاحَ أهلَه قبلَكَ؟
وإن تَكُنِ الأخرَى، فإنّ والله لا أَرَى وُجُوهَاً، وإنّي لأَرَى أَشْواباً مِن النّاسِ خَلِيقاً أن يَفِرُّوا
ويَدَعُوكَ، فقال له أبو بكرٍ: امصَصْ بَظْرَ اللَّاتِ! أنحنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعُه؟ فقال: مَن ذا؟ قالوا:
أبو بكرٍ، قال: أما والّذي نفسي بيَدِهِ، لَوْلا يَدٌ كانت لكَ عندي لم أجْزِكَ بها لأجَبتُكَ.
قال: وجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ ◌َّةِ، فكلَّما تَكَلَّمَ كَلِمَةً أَخَذَ بِحْيَتِه، والمغيرةُ بنُ شُعْبةَ قائمٌ على
رَأْسِ النبيِّ ◌َّه ومعه السَّيفُ وعليه الِغْفَرُ، فكلَّما أهوَى عُرْوةُ بَيَدِه إلى لِحْيَةِ النبيِّوَِّ ضَرَبَ
يَدَه بنَعْلِ السَّيفِ، وقال له: أَخِّر يَدَكَ عن لِحْيَةِ رسولِ الله ◌َّهِ، فَرَفَعَ عُرْوةُ رَأْسَه فقال: مَن
هذا؟ قالوا: المغيرةُ بنُ شُعْبَةَ، فقال: أيْ غُدَرُ! أَسْتُ أسعَى فِي غَدْرَتِكَ؟ وكان المغيرةُ صَحِبَ
قوماً في الجاهلِيَّةِ فقَتَلهم، وأخَذَ أموالهم، ثمَّ جاء فأسلَمَ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((أمَّا الإسلامَ فَأقبَلُ،
وأمَّا المالَ فَلَسْتُ منه في شيءٍ)».

٤٤٨
باب ١٥ / ح ٢٧٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبيِّ نَّهِ بِعَيْنَيْهِ، قال: فوالله ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ وَه
نُخامةً إِلَّ وقَعَت في كَفِّ رَجُلٍ منهم، فدَلَكَ بها وَجْهَه وجِلْدَه، وإذا أمَرَهم ابتَدَرُوا أمرَه، وإذا
٣٣١/٥ تَوضَّأ كادُوا يَقْتَتِلُونَ على وَضُوئِهِ، وإذا تكلَّموا خَفَضُوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّونَ إليه/
النَّظَرَ تَعْظِيماً له.
فَرَجَعَ عُرْوةُ إلى أصحابه، فقال: أيْ قوم، والله لقد وَفَدْتُ على الملوكِ، ووَفَدْتُ على قَصَرَ
وكِسْرَى والنَّجاشيِّ، والله إن رأيتُ مَلِيكاً قَطُّ يُعَظِّمُه أصحابُه ما يُعَظِّمُ أصحابُ محمَّدٍ محمَّداً!
والله إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلا وقَعَت في كَفِّ رجلٍ منهم فدَلَكَ بها وَجْهَه وجِلْدَه، وإذا أمَرَهم
ابْتَدَرُوا أمرَه، وإذا تَوضَّأ كادُوا يَقْتَتِلُونَ على وَضُوئِه، وإذا تَكَلَّموا خَفَضُوا أصواتهم عنده، وما
يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعْظِيماً له، وإِنَّه قد عَرَضَ عليكُمْ خُطَةَ رُشْدٍ فاقبَلُوها، فقال رجلٌ من بني
كِنانةَ: دَعُوني آتِیه، فقالوا: انْتِه.
فلمَّا أشْرَفَ على النبيِّ ◌َّهِ وأصحابِه، قال رسولُ الله ◌َّ: «هذا فلانٌ، وهو من قومٍ
يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ، فابْعَثُوها له)) فِبُعِثَت له، واستَقْبَلَه النّاسُ يُلَبُّونَ، فلمَّا رَأى ذلك قال: سبحانَ الله!
ما ينبغي لهؤلاءِ أن يُصَدُّوا عن البيتِ، فلمَّا رَجَعَ إلى أصحابه قال: رأيتُ البُدْنَ قد قُلِّدَت
وأُشْعِرَت، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ، فقامَ رجلٌ منهم يقالُ له: مِكْرَزُ بنُ حَفصٍ، فقال:
دَعُوني آتِهِ، فقالوا: انْتِهِ. فلمَّا أَشْرَفَ عليهم قال النبيُّ ◌َةِ: ((هذا مِكْرَزٌ، وهو رجلٌ فَاحِرٌ))
فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ ◌َِ، فبينما هو يُكَلِّمُه إذ جاء سُهَيلُ بنُ عَمْرِو.
قال مَعمَرٌ: فأخبرني أيوبُ، عن عِكْرِمةَ: أنَّه لمَّا جاء سُهَيلُ بنُ عَمْرٍو قال النبيُّ ◌َّ: ((لقد
سَهُلَ لكم من أمرِكُمْ)) قال مَعمَرٌ: قال الزُّهْريُّ في حديثه: فجاء سُهَيلُ بنُ عَمْرٍو، فقال: هاتٍ
اكْتُب بينَنَا وبينَكُم كتاباً، فَدَعا النبيُّ ◌َّهِ الكاتِبَ، فقال النبيُّ ◌َّهَ: ((بسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحِيمِ))
فقال سُهَيلٌ: أمَّ الرَّحمنُ، فوالله ما أدري ما هي؟ ولكنِ اكتُبْ: باسمِكَ اللهمَّ، كما كنتَ
تَكْتُبُ، فقال المسلمونَ: والله لا نَكْتُبُها إلَّا بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، فقال النبيُّ وَّ: «اكْتُبْ:
باسمِكَ اللهمَّ))، ثمّ قال: ((هذا ما قاضَى عليه محمَّدٌ رسولُ الله)) فقال سُهَيلٌ: والله لو كنّا نعلمُ

٤٤٩
باب ١٥ / ح ٢٧٣٢
كتاب الشروط
أَنَّكَ رسولُ الله ما صَدَدْناكَ عن البيتِ، ولا قاتَلْناكَ، ولكنِ اكتُبْ: محمَّدُ بنُ عبدِ الله، فقال
النبيُّ ◌َ: ((والله إنّ لَرسولُ الله وإن كَذَّبْتُموني! اكْتُب: محمَّدُ بنُ عبدِ الله)) - قال الزُّهْريُّ:
وذلك لقولِه: ((لا يَسْألُونَنِي خُطَّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ الله إلا أعطَيْتُهم إيّاها)) - فقال له النبيُّ ◌َيّ:
((على أن تُخُّوا بينا وبين البيتِ، فَتَطُوفَ به)) فقال سُهَيلٌ: والله لا تَتَحدَّثُ العربُ أنّا أُخِذْنا
ضُغْطَةً، ولكن ذلك مِن العام المقْبِلِ، فَكَتَبَ، فقال سُهَيلٌ: وعلى أنَّه لا يأتيكَ مِنّا رجلٌ وإن
كان على دِينِكَ إلا رَدَدْتَه إلَينا، قال المسلمونَ: سبحانَ الله! كيفَ يُرَدُّ إلى المشرِكِينَ وقد جاء
مُسلِماً؟! فبينما هم كذلك إذ دَخَلَ أبو جَنْدَلِ بنُ سُهَيلٍ بنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ في قُودِه، وقد خَرَجَ
من أسفَلِ مكَّةَ حتَّى رَمَّى بنفسِه بين أظْهُرِ المسلمِينَ، فقال سُهَيلٌ: هذا يا محمَّدُ أوَّلُ مَنْ
أُقَاضِيكَ عليه أن تَرُذَّه إليّ، فقال النبيُّ وَّ: ((إنّا لم نَقْضِ الكتابَ بعدُ؟)) قال: فوالله إذاً لم
أُصالِحْكَ على شيءٍ أبداً! قال النبيُّ ◌َّهِ: ((فَجِزْهُ لي)) قال: ما أنا بمُجِيزِه لكَ، قال: ((بَلَى
فافعَلْ)) قال: ما أنا بفاعلٍ، قال مِكْرَزٌ: بَل قد أجَزْناه لكَ، قال أبو جَنْدَلٍ: أي مَعْشَرَ
المسلمِينَ، أُرَدُّ إلى المشرِكِينَ وقد جِئْتُ مُسلِماً؟ ألا تَرَوْنَ ما قد لَقِيتُ؟ وكان قد عُذِّبَ عَذاباً
شديداً في الله.
قال: فقال عمرُ بنُ الخطّاب: فأتيتُ نبيَّ الله ◌َّهِ، فقلتُ: أَسْتَ نبيَّ الله حقّاً؟ قال: ((بَلَى))،
قلتُ: أَسْنا على الحقِّ وعَدُوُّنا على الباطلِ؟ قال: / (بَلَى)) قلتُ: فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا إذاً؟ ٣٣٢/٥
قال: ((إنّ رسولُ الله، ولستُ أعصِيهِ، وهو ناصِرِي)» قلتُ: أوَليسَ كنتَ تُحُدِّثُنَا أَنَا سَنأتي
البيتَ فَتَطُوفُ به؟ قال: ((بَلَى، فأخبَرْتُكَ أَنَا نأتيه العامَ؟)) قال: قلتُ: لا، قال: ((فإِنَّكَ آتِيه
ومُطَّوِّفٌ به)) قال: فأتيتُ أبا بكرٍ، فقلتُ: يا أبا بكرٍ، أليسَ هذا نبيَّ الله حقّاً؟ قال: بَلَى، قلتُ:
أَسْنا على الحقِّ وعَدُوُّنا على الباطلِ؟ قال: بَلَى، قلتُ: فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا إذاً؟ قال: أيُّها
الرجلُ! إِنَّه لَرسولُ الله ◌َِّ، وليسَ يَعْصِي رَبَّه، وهو ناصِرُه، فاستَمْسِك بغَرْزِهِ، فوالله إنَّه على
الحقِّ، قلتُ: أليسَ كان يُحدِّثُنَا أَنّا سَنأتي البيتَ ونَطُوفُ به؟ قال: بَلَى، أَفَأخبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ العامَ؟
قلتُ: لا، قال: فإِنَّكَ آَتِيهِ ومُطَّوِّفٌ به، قال الزّهْرِيُّ: قال عمرُ: فعَمِلْتُ لذلك أعمالاً.
٠٠

٤٥٠
باب ١٥ / ح ٢٧٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
قال: فلمَّا فَرَغَ من قَضِيَّةِ الكتاب، قال رسولُ اللهِ وَِّ لأصحابه: ((قُومُوا فانخَرُوا ثمَّ
احلِقُوا)) قال: فوالله ما قامَ منهم رجلٌ حتَّى قال ذلك ثلاثَ مَرّاتٍ، فلمَّا لم يَقُمْ منهم أحدٌ دَخَلَ
على أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لها ما لَقِيَ مِن النّاسِ، فقالت أُمُّ سَلَمَةَ: يا نبيَّ الله، أتُّحِبُّ ذلك؟ اخرُج، ثمَّ
لا تُكَلِّم أحداً منهم كلمةً حتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حالِقَكَ فَيَحلِفَكَ، فخَرَجَ فلم يُكَلِّم أحداً
منهم، حتَّى فعَلَ ذلك، نَحَرَ بُدْنَه ودَعا حالِقَه فحَلَقَه، فلمَّا رَأْوْا ذلك قامُوا فَنَحَرُوا، وجَعَلَ
بعضُهم يَحلِقُ بعضاً، حتَّى كادَ بعضُهم يَقْتُلُ بعضاً غَّ.
ثمَّ جاءه نِسْوةٌ مُؤْمِناتٌ، فأنزلَ الله تعالى: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ
فَأَمْتَّحِنُوهُنَّ﴾ حتَّى بَلَغَ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فطَلَّقَ عمرُ يومَئذٍ امرأتینِ كانتا له في
الشِّرْكِ، فَتَزَوَّجَ إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ، والأخرَى صَفْوانُ بنُ أُميَّةً.
ثُمَّ رَجَعَ النبيُّنَّه إلى المدينةِ، فجاءه أبو بَصِيرٍ رجلٌ من قُرَيشٍ وهو مُسلِمٌ، فأرسَلُوا في
طَلَبِهِ رَجَيْنِ، فقالوا: العَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنا؟ فَدَفَعَه إلى الرَّجلَينِ، فخَرَجا به حتَّى بَلَغا ذا
الخُلَيفةِ فنزلُوا يَأْكُلُونَ من تَمْرٍ لهم، فقال أبو بَصِيرٍ لأحدِ الرَّجلَينِ: والله إنّي لأَرَى سَيفَكَ هذا
يا فلانُ جيّداً، فاستَلَّه الآخَرُ، فقال: أجَل، والله إنَّه لَيِّدٌ! لقد جَرَّبتُ به، ثمَّ جَرَّبْتُ به، ثمَّ
جَرَّبتُ، فقال أبو بَصِيرٍ: أرِنِي أَنْظُرُ إليه، فأَمَكَنَه منه، فضَرَبَه حتَّى بَرَدَ، وفَّ الآخَرُ حتَّى أتى
المدينةَ، فدَخَلَ المسجدَ يَعْدُو، فقال رسولُ الله ◌ِِّ حِينَ رآه: ((لقد رَأى هذا ذُعْراً))، فلمَّا انتَهَى
إلى النبيِّ ◌َِّ قال: قُتِلَ والله صاحبي، وإنّ لَمَقْتُولٌ، فجاء أبو بَصِيرٍ فقال: يا نبيَّ الله، قد والله
أوْفَى الله ذِمَّتَكَ، قد رَدَدْتَني إليهم، ثمَّ أنْجاني الله منهم، قال النبيُّ ◌َ: ((ويلُ أُمِّه مِسْعَرَ حَرْبٍ،
لو كان له أحدٌ))، فلمَّا سمعَ ذلك عَرَفَ أنَّه سَيرُّه إليهم، فخَرَجَ حتَّى أتى ◌ِيفَ البَحْرِ.
قال: وَيَنفَلِتُ منهم أبو جَنْدَلِ بنُ سُهَيلٍ فَلَحِقَ بأبِي بَصِيرٍ، فجَعَلَ لا يَخْرُجُ من قُرَيشٍ رجلٌ
قد أسلَمَ إلا لَحِقَ بأبي بَصِيرٍ، حتَّى اجْتَمَعَت منهم عِصابةٌ، فوالله ما يَسْمَعُونَ بِعِيٍ خَرَجَت
٣٣٣/٥ لقُرَيشٍ إلى الشَّامِ إلا اعترَضُوا/ لها فقَتَلُوهم وأخَذُوا أموالهم، فأرسَلَت قُرَيْشٌ إلى النبيِّ ◌ِل
تُناشدُه اللهَ والرَّحِمَ لما أرسَلَ، فمَن أتاه فهو آمِنٌ، فأرسَلَ النبيُّ ◌َّه إليهم، فأنزلَ الله تعالى:

٤٥١
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
كتاب الشروط
﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حتَّى بَلَغَ:
﴿اَلْحَمِيَّةَ حَميَّةَ الْجَهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤ - ٢٦] وكانت حَمِيَّتُهم أنَّهم لم يُقِرُّوا أنَّه نبيُّ الله، ولم يُقِرُّوا
بِسْمِ الله الرّحمنِ الرَّحِيمِ، وحالُوا بينهم وبين البيتِ.
قال أبو عبد الله: ﴿مَّعَرَّةٌ﴾ العَرُّ: الجَرَبُ، ﴿تَزَّيَُّواْ﴾: انمازُوا. وحَمَيتُ القومَ: مَنَعْتُهم،
حِمايَةً، وَأَحَمَيتُ الحِمَى: جَعلتُهُ حِّى لا يُدخَل. وأَحميتُ الرَّجلَ: إذا أَعضبتُه إحماءً.
٢٧٣٣ - وقال عُقَيلٌ، عن الزُّهْريِّ: قال عُرْوةُ: فأخبَرَتْني عائشةُ: أنَّ رسولَ اللهِ وَلَ كان
يَمْتَحِنُهنَّ.
وبَلَغَنا: أَنَّه لمَّا أنزلَ الله تعالى أن يَردُّوا إلى المشرِكِينَ ما أَنفَقُوا على مَن هاجَرَ من أزْواجِهم،
وحَكَمَ على المسلمِينَ أن لا يُمْسِكُوا بعِصَمِ الكَوافِ، أنَّ عمرَ طَلَّقَ امرأتينِ: قُرَيْبَةَ بنتَ أبي أُميَّةَ،
وابنةَ جَرْوَلِ الخُزاعيٍّ، فَتَزَوَّجَ قُرَيْبةَ معاويةٌ، وتَزَوَّجَ الأخرَى أبو جَهْم، فلمَّا أَبَى الكُفَّارُ أن
يُقِرُّوا بأداءِ ما أنفَقَ المسلمونَ على أزواجِهم، أنزلَ الله تعالى: ﴿وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَِكُمْ إِلَى
الْكُفَّارِ فَعَقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١]، والعَقِبُ: ما يُؤَدّي المسلمونَ إلى مَن هاجَرَتِ امرأتُه مِن الكُفّارِ،
فأمَرَ أن يُعْطَى مَن ذَهَب له زوجٌ مِن المسلمِينَ ما أنفَقَ من صَدَاقِ نِساءِ الكُفّارِ اللَّائي هاجَرْنَ،
وما نعلمُ أحداً مِن المهاجِراتِ ارْتَدَّت بعدَ إِيمانِها.
وبَلَغَنا: أنَّ أبا بَصِيرِ بنَ أَسِيدِ الثَّقَفِيَّ قَدِمَ على النبيِّ يَّهِ مُؤْمِناً مُهاجِراً في المدّةِ، فَكَتَبَ
الأخنَسُ بنُ شَرِيقٍ إلى النبيِّ ◌َّهِ يَسْأَلُهُ أبا بَصِيرٍ، فَذَكَرَ الحديثَ.
قوله: ((باب الشُّروط في الجِهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشُّروط)) كذا للأكثر،
زاد المُستَمْلي: ((مع الناس بالقولِ) وهي زيادة مُستَغنّى عنها؛ لأنَّها تقدَّمت في ترجمة
مُستَقِلَّة، إلَّا أن تُحمَل الأُولى على الاشتراط بالقولِ خاصَّة، وهذه على الاشتراط بالقولِ
والفعل معاً.
قوله: ((عن المِسوَر بن تَخْرَمةَ ومروانَ)) أي: ابن الحكم، ((قالا: خَرَجَ)) هذه الرِّواية بالنّسبة
إلى مروان مُرسَلة؛ لأنَّه لا صُحبة له، وأمَّا الِسوَر فهي بالنِّسبة إليه أيضاً مُرسَلة لأنَّه لم

٤٥٢
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
تَحَضُرِ القِصَّة، وقد تقدَّم في أوَّل الشُّروط (٢٧١١ و٢٧١٢) من طريق أُخرى عن الزّهري
عن عُرْوة: ((أَّه سمِعَ المِسوَر ومروان يُخبِران عن أصحاب رسول الله وَّ) فذكر بعض هذا
الحديث، وقد سمِعَ المِسوَر ومروان من جماعة من الصحابة شَهِدوا هذه القِصَّة كعُمرَ
وعثمان وعليّ والمغيرة وأُمّ سَلَمة وسَهل بن حُنَيفٍ وغيرهم، ووقع في نفس هذا الحديث
شيء يدلّ على أنَّه عن عمر كما سيأتي التَّنبيه عليه في مكانه، وقد روى أبو الأسوَد عن عُرْوة
هذه القِصَّة فلم يَذكُر المِسوَر ولا مروانَ، لكن أرسَلَها، وهي كذلك في ((مَغازي)) عُرْوة بن
الزُّبَير، أخرجها ابن عائذ في ((المغازي)) له بطولها، وأخرجها الحاكم في ((الإكليل)) من طريق
أبي الأسوَد عن عُرْوة أيضاً مُقَطَّعة(١).
٣٣٤/٥
قوله: ((زَمَن الحدیبیة» تقدَّم ضبطُ/ الحديبية في الحجّ، وهي بثر سُمّيَ المكانُ بها، وقيل:
شَجَرة حَذْباءُ صُغِّرَت وسُمّيَ المكان بها. قال المحِبّ الطَّبَري: الْحُدَيبية قرية قريبة من مَكَّة
أكثرُها في الحَرَم.
ووقع في رواية ابن إسحاق في ((المغازي))(٢) عن الزّهري: خَرَجَ عام الحُدَيبية يريد
زيارة البيت لا يريد قتالاً، ووقع عند ابن سعد (٩٥/٢-٩٨): أنَّه ◌َ* خَرَجَ يوم الاثنينِ
لهلال ذي القِعدة، زاد سفيان عن الزُّهري في الرِّواية الآتية في المغازي (٤١٥٧ و٤١٥٨)
وكذا في رواية أحمد (١٨٩٨٢) عن عبد الرَّزّاق: في بضع عشرة مئة، فلمَّا أتى ذا الحُلَيفة
قَلَّدَ الْهَدْيَ وأشعَرَه وأحرَمَ منها بعُمرةٍ، وبَعَثَ عَيناً له من خُزاعة، وروى [عبد الرحمن
ابن](٣) عبد العزيز الأمامي عن الزُّهري في هذا الحديث عند ابن أبي شَيْبة (٤٤٤/١٤-
٤٥١): خَرَج ◌َلژ في ألف وثمان مئةٍ، وبَعَثَ عَیناً له من خُزاعة يُدعى ناجيةَ یأتیه بخير
قُرَيش، كذا سمّاه ناجية، والمعروف أنَّ ناجية اسم الذي بَعَثَ معه الهَدْيَ كما صَرَّحَ به ابن
إسحاق وغيره، وأمَّا الذي بَعَثَه عَيناً لخيرٍ قُرَيش فاسمُه بُسْر بن سفيان، كذا سنَّه ابن
(١) وأخرجها البيهقي في ((الدلائل)) ١١٢/٤ و١٣٣ - ١٣٥ مقطعة، وفي إسنادها ابن لهيعة وهو سِّئ الحفظ.
(٢) ومن طريق ابن إسحاق أخرجه أحمد في ((مسنده)) (١٨٩١٠).
(٣) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س). والأُمامي: من ولد أبي أُمامة بن سهل بن حُنيف.

٤٥٣
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
كتاب الشروط
إسحاق، وهو بضمِّ الموحّدة وسكون المهمَلة على الصحيح، وسأذكُّرُ الخلاف في عدد أهل
الحديبية في المغازي إن شاء الله تعالى.
قوله: ((حتَّى إذا كانوا ببعضِ الطَّريق)) اختصر المصنّف صَدْرَ هذا الحديث الطَّويل مع
أنَّه لم يَسُقْه بطولِه إلَّا في هذا الموضع، وبَقيته عنده في المغازي (٤١٧٨ و٤١٧٩) من طريق
سفيان بن عُيَينةَ عن الزُّهري قال: ((ونبّأَنيه مَعمَر عن الزُّهري: وسارَ النبي ◌ََّ حتَّى كان
بغَدير الأَشطاط أتاه عَينُه فقال: إنَّ قُرَيشاً جَمعوا مُموعاً وقد جَمعوا لك الأحابيش، وهم
مُقاتِلوك وصادُّوك عن البيت ومانِعُوك. فقال: أشيروا أيّها الناس عليَّ، أترون أن أَمِيلَ إلى
عيالهم وذَراريٍّ هؤلاءِ الذين يريدون أن يَصُدُّونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله عزَّ وجلَّ
قد قَطَعَ عَيناً من المشركينَ، وإلَّا تَرَكناهم مَحَروبينَ. قال أبو بكر: يا رسولَ الله، خَرَجتَ
عامداً لهذا البيت لا تريد قَتْلَ أحدٍ، ولا حَرْبَ أحدٍ، فَتَوَجَّهْ له، فمَن صَدَّنا عنه قاتَلْناه.
قال: امضُوا على اسم الله)) إلى هاهنا ساق البخاري في المغازي من هذا الوجه، وزاد أحمد
(١٨٩٢٨) عن عبد الرَّزّاق، وساقه ابن حِبَّان (٤٨٧٢) من طريقه قال: ((قال مَعمَر: قال
الزّهري: وكان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحداً قَطُّ كان أكثرَ مُشاوَرً لأصحابه من
رسول الله وَّل)). وهذا القَدر حَذَفَه البخاري لإرساله؛ لأنَّ الزّهري لم يسمع من أبي هريرة.
وفي رواية أحمد المذكورة: ((حتَّى إذا كانوا بغَدير الأَشطاط قريباً من عُسْفَانَ)) وغَدير: بفتح
الغين المعجَمة، والأَشطاط: بشينٍ مُعجَمة وطاءَينِ مُهمَلتين جمع شَطّ، وهو جانب الوادي،
كذا جَزَمَ به صاحب «المشارق)»، ووقع في بعض نُسَخ أبي ذرِّ بالظَّاءِ المعجَمة فيهما.
:
وفي رواية أحمد أيضاً: ((أترون أن نَميل إلى ذَراريٍّ هؤلاءِ الذين أعانوهم فنُصيبَهم، فإن
قَعَدُوا قَعَدوا مَوتورينَ مَحَروبينَ، وإن يَجِيئوا تَكُنْ عُنُقَاً قَطَعَها الله))، ونحوه لابن إسحاق(١)
في روايته في ((المغازي)) عن الزُّهري، والمراد أنَّه ◌َّهِ استَشار أصحابه هل تخالف الذين
نَصَروا قُرَيشاً إلى مواضعهم فيَسْبِي أهلهم، فإن جاؤوا إلى نَصرهم اشتَغَلوا بهم وانفَرَدَ هو
(١) رواية ابن إسحاق عن الزهري عند أحمد (١٨٩١٠)، وليس فيها نحو اللفظ المذكور.

٤٥٤
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
وأصحابه بقُرَيشٍ، وذلك المراد بقوله: ((تَكُنْ عُنُقاً قَطَعَها الله))، فأشار عليه أبو بكر
الصِّدّيق بتَركِ القتال والاستمرار على ما خَرَجَ له من العُمرة حتَّى يكون بَدْء القتال منهم،
فَرَجَعَ إلى رأيه. وزاد أحمد في روايته: ((فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم يا نبيَّ الله، إنَّمَا جِئنا
مُعتَمِرِينَ ... )) إلى آخره.
والأحابيش - بالحاءِ المهمَلة والموخَّدة وآخره مُعجَمة -: واحدها أُخْبُوش بضمَّتين،
وهم بنو الهُونِ بن خُزَيمةَ بن مُدْرِكَة، وبنو الحارث بن عبد مناة بن كِنانة، وبنو المصطَلِق
من خُزَاعة، كانوا تَحَالَفوا مع قُرَيش، قيل: تحت جَبَل يقال له: الحُبْشِي أسفَل مَكَّة، وقيل:
سُمُّوا بذلك لتَحَبُّشِهم، أي: تَجِمُّعهم، والتَّحَُّش: التَّجَمُّع، والحُبَاشَة: الجماعة. وروى
الفاكهي من طريق عبد العزيز بن أبي ثابت: أنَّ ابتداء حِلْفهم مع قُرَيش كان على يد قُصَيّ
ابن كلاب.
٣٣٥/٥
واتَّفَقَ الرُّواة على قوله: ((فإن يأتونا» من الإتيان إلَّا ابن السَّكَن فعنده: «فإن باتُّونا»
بموخَّدةٍ ثمّ مُثنّاة مُشَدَّدة، والأوَّل أوْلى، ويُؤيِّده رواية أحمد بلفظ المجيء، ووقع عند ابن
سعد (٢/ ٩٥ - ٩٨): ((وبَلَغَ المشركينَ خُروجُه، فأجَمَعَ رأيُهم على صَدّه عن مَكَّة، وعَسكروا
بَيَلَدَحَ)) بالموحَّدة والمهمَلة بينهما لام ساكنة ثمَّ حاء مُهمَلة: موضع خارج مَگَّة.
قوله: ((قال النبي ◌َّهِ: إنَّ خالد بن الوليد بالغَميمِ في خَيل لِقُرَيشٍ طَليعةً)) في رواية
الأُمامي(١): ((فقال له عَينُه: هذا خالد بن الوليد بالغَميمِ)) والغَميم بفتح المعجَمة، وحَكَى
عِيَاض فيها التَّصغير، قال المُحِبّ الطَّبَري: يَظهَر أنَّ المراد كُراع الغَمِيم، وهو موضع بين
مَكَّة والمدينة. انتهى، وسياق الحديث ظاهر في أنَّه كان قريباً من الحُدَيبية، فهو غير ◌ُراع
الغَميم الذي وقع ذِكْره في الصّيام(٢)، وهو الذي بين مَكَّة والمدينة، وأمَّا الغَميم هذا فقال
(١) رواية الأُمامي عن الزهري عند ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٤٤٤/١٤-٤٥١. وقد سلفت قبل قليل.
(٢) في سياق شرحه للحديث (١٩٤٤) من كتاب الصيام، ولم يقع عند البخاري ذكر كراع الغميم، بل فيه
ذكر الكَديد، وإنما وقع ذلك عند مسلم (١١١٤) من حديث جابر، وقد ذكر الحافظ هذا في الموضع
المذكور.

٤٥٥
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
كتاب الشروط
ابن حَبيب: هو قريب من مكان بين رابغ والجُحْفة، وقد وقع في شِعر جَرِير والشَّاخ
بصيغَة التَّصغير، والله أعلم، وبَيَّنَ ابن سعد أنَّ خالداً كان في متَتَي فارس فيهم عكرمة بن
أبي جَهل، والطَّليعة مُقدِّمة الجيش.
قوله: ((فخُذوا ذاتَ اليمين)) أي: الطَّريق التي فيها خالد وأصحابه.
قوله: ((حتَّى إذا هم بقَتَرةِ الجيش، فانطَلَقَ يَركُض نَذيراً)) الفَتَرة، بفتح القاف والمثنَّاة:
الغُبار الأسوَد.
قوله: ((وسارَ النبيُّ نَّهِ حَتَّى إذا كان بِالثَّنَّةِ)) في رواية ابن إسحاق: ((فقال ◌َ: مَن
يُخرجُنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ قال: فحدَّثني عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم أنَّ
رجلاً من أسلَمَ قال: أنا يا رسول الله، فسَلَكَ بهم طريقاً وَعْراً، فأُخرجوا منها بعد أن شَقَّ
عليهم، وأَفضَوْا إلى أرض سهلة، فقال لهم: استَغفِروا الله، ففَعَلوا. فقال: والذي نفسي
بيدِه إنَّها للحِطَّة التي عُرِضَت على بني إسرائيل فامتَنَعوا))، قال ابن إسحاق عن الزُّهري في
حديثه: ((فقال: اسلُكوا ذات اليمين بين ظَهرَي الخَمض في طريق تُخرجه على ثَنِيَّة المِرار
مَهِبَطَ الْحُدَيبية)). انتهى، وثَنية المِرار - بكسر الميم وتخفيف الراء -: هي طريق في الجبل
تُشِف على الحُدَيبية. وزَعَمَ الدَّاوُودي الشّارحِ: أنَّهَا الثَّنيّة التي أسفَل مَكَّة، وهو وَهْمٌّ.
وسَمّى ابن سعد الذي سلَكَ بهم حمزة بن عَمْرو الأسلمي، وفي رواية أبي الأسوَد عن
عُرْوة فقال: ((مَن رجل يأخُذ بنا عن يمين الِحَجَّة نحو ◌ِيْف البحر لعلَّنَا نَطْوِي مَسْلَحةَ
القوم)) وذلك من اللَّيل، فنزلَ رجل عن دابته، فذكر القِصَّة(١).
قوله: ((بَرَكَت به راحلتُه، فقال النّاس: حَلْ حَلْ)) بفتح المهمَلة وسكون اللّام، كلمة
تُقال للنّاقة إذا تَرَكَت السِّير، وقال الخطَّابي: إن قلت: حَلْ، واحدة، فالسُّكون، وإن
أعدتها نَوَّنتَ في الأُولى وسَكَّنت في الثانية، وحَكَى غيره السُّكون فيهما والتنوين كَنَظِيره في
بَخٍ بَخٍ، يقال: حَلحَلتُ فلاناً: إذا أزعجتَه عن موضعه.
(١) وهي أيضاً عند الحاكم في ((الإكليل)) كما سلف في أول شرح الحديث، وأخرجها البيهقي في ((دلائل النبوة)).

٤٥٦
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فأَلحَّتْ)) بتشديد المهمَلة، أي: تَمَادت على عَدَم القيام، وهو من الإلحاح.
قوله: ((خَلَأت القَصْواء)) الخِلاءُ - بالمعجَمة والمدّ - للإِبِلِ كالحِرَان للخيل، وقال ابن
قُتَيبة: لا يكون الخِلاء إلَّا للنُّوق خاصَّة. وقال ابن فارس: لا يقال للجَمَل: خَلَأ، لكن
أَلَخَّ. والقَصْواء - بفتح القاف بعدها مُهمَلة ومَدّ -: اسم ناقة رسول الله وَ﴿، وقيل: كان
طَرَف أُذُنها مقطوعاً، والقَصْو: قطع طَرَف الأُذُن، يقال: بعير أَقْصى وناقة قَصْوى، وكان
القياس أن يكون بالقَصْر، وقد وقع ذلك في بعض نُسَخ أبي ذرٍّ، وزَعَمَ الدَّاوُودي أنَّها
كانت لا تُسبَق فقيل لها: القَصْواء؛ لأنَّهَا بَلَغَت من السَّبْق أقصاه.
قوله: ((وما ذاكَ لها بخُلُقٍ)) أي: بعادةٍ.
قال ابن بَطَّال وغيره: في هذا الفَصْل جواز الاستتار عن طَلائع المشركينَ ومُفاجَأتهم
بالجيشِ طلباً لِغِرَّتِهِم، وجواز السَّفَر وحدَه للحاجة، وجواز التَّنكيب عن الطَّريق السَّهلة
إلى الوَعْرة للمَصلَحة، وجواز الحكم على الشيء بما عُرِفَ من عادته وإن جازَ أن يَطرأ عليه
غيره، فإذا وقع من شخص هَفْوَة لا يُعهَد منه مثلُها، لا يُنسَب إليها ويُرَدّ على مَن نَسَبَه
إليها، ومَعذِرةُ مَن نَسَبَه إليها ثمّن لا يَعرِف صُورة حالِه؛ لأَنَّ خِلاء القَصْواء لولا خارقُ
٣٣٦/٥ العادة لكان ما ظَنَّه الصحابة صحيحاً، ولم يُعاتِبهم / النبي ◌ِّرِ على ذلك لعُذرهم في ظَنّهم،
قال: وفيه جواز التَّصَرُّف في مِلك الغير بالمصلحة بغير إذنه الصَّريح، إذا كان سَبَقَ منه ما
يدلّ على الرِّضا بذلك؛ لأَّهم قالوا: حَلْ حَلْ، فَزَجَروها بغير إذن، ولم يُعاتِهم عليه.
قوله: ((حَبَسَها حابِسُ الفيل)) زاد ابن إسحاق في روايته: ((عن مَكَّة))، أي: حَبَسَها الله عزَّ
وجلَّ عن دخول مَكَّة كما حَبَسَ الفيل عن دخولها. وقِصَّة الفيل مشهورة ستأتي الإشارة
إليها في مكانها (٦٨٨٠).
ومُناسَبة ذِكْرها أنَّ الصحابة لو دَخَلوا مَكَّة على تِلكَ الصُّورة وصَدَّهم قُرَيش عن
ذلك لَوَقَع بينهم قتال قد يُفضي إلى سَفْك الدِّماء، وتَهْب الأموال، كما لو قُدِّرَ دخول الفيل
وأصحابه مَكَّة، لكن سبق في عِلم الله تعالى في الموضعَينِ أنَّه سيَدخُلُ في الإسلام خَلق

٤٥٧
باب ١٥/ ح ٢٧٣٣
كتاب الشروط
منھم، ويُستخرج من أصلابهم ناس یُسلِمون ويجاهدون، وكان بمگّة في الحديبية جمعٌ کثیر
مؤمنون من المستَضعَفينَ من الرِّجال والنِّساء والولدان، فلو طَرَقَ الصحابة مَكَّة لما أمِن أن
يُصاب ناس منهم بغير عَمْدٍ، كما أشار إليه تعالى في قوله: ﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ﴾ الآية
[الفتح: ٢٥].
ووقع للمُهلَّب استبعاد جواز هذه الكلمة وهي ((حابس الفيل)) على الله تعالى، فقال:
المراد: حَبَسَها أَمرُ الله عزَّ وجلَّ، وتُعُقِّبَ بأنَّه يجوز إطلاق ذلك في حقّ الله، فيقال: حَبَسَها
اللهُ حابِسُ الفيل، وإنَّما الذي يُمكِن أن يُمنَع تسميتُه سبحانه وتعالى حابسَ الفيل ونحوه،
كذا أجابَ ابن المنيِِّ، وهو مَبنيٌّ على الصحيح من أنَّ الأسماء توقيفيَّة، وقد تَوسَّطَ الغَزالي
وطائفة فقالوا: مَحَلّ المنع ما لم يَرِد نصّ بما يُشتَق منه، شرط أن لا يكون ذلك الاسم
المشتَقّ مُشعِراً بنقصٍ، فيجوز تسميته الواقي؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَیٍِ فَقَدْ
رَحِمْتَهُ﴾ [غافر: ٩]، ولا يجوز تسميتُهُ البَنَّاءَ وإن وَرَدَ قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَهَا بِأَيْدٍ﴾
[الذاريات: ٤٧].
وفي هذه القِصَّة جواز التَّشبيه من الجِهَة العامَّة وإن اختلفَت الجِهَة الخاصَّة؛ لأَنَّ
أصحاب الفيل كانوا على باطل مَخْضٍ، وأصحاب هذه الناقة كانوا على حقّ تَخْضٍ، لكن
جاء التَّشبيه من جِهَة إرادة الله مَنْعَ الحَرَم مُطلَقاً، أمَّا من أهل الباطل فواضح، وأمَّا من
أهل الحقّ فِلِلْمَعنى الذي تقدَّم ذِكْره. وفيه ضربُ المثَل واعتبار مَن بَقِيَ بمَن مضى.
قال الخطَّابي: معنى تَعظيم حُمات الله في هذه القِصَّة تَرْك القتال في الحَرَم، والجُنوح
إلى المسالمة والكَفّ عن إراقة الدِّماء. واستَدَلَّ بعضهم بهذه القِصَّة لمن قال من الصّوفية:
علامة الإذن التَّسیر، وعكسه، وفيه نظر.
قوله: ((والذي نفسي بيده)) فيه تأكيد القول باليمين، فيكون أدعى إلى القَبُول، وقد
حُفِظَ عن النبيِوََّالخَلِفِ في أكثر من ثمانينَ موضعاً، قاله ابن القَيِّم في ((الهَدْي)).
قوله: ((لا يسألونَني خُطَّة)) بضمِّ الخاء المعجَمة، أي: خَصْلة ((يُعَظِّمُونَ فيها حُرُمات الله))

٤٥٨
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
أي: من تَرْك القتال في الحَرَم، ووقع في رواية ابن إسحاق: ((يسألونَني فيها صِلة الرَّحِم))
وهي من ◌ُملة حُرُمات الله، وقيل: المراد بالحُرُماتِ حُرمة الحَرَم والشَّهر والإحرام، قلت:
وفي الثالث نظر؛ لأنَّهم لو عَظَّموا الإحرام ما صَدُّوه.
قوله: ((إلَّا أعطَيتهم إياها)) أي: أجَبتُهم إليها، قال السُّهَيلي: لم يقع في شيء من طرق
الحديث أنَّه قال: إن شاء الله، مع أنَّه مأمور بها في كلّ حالة، والجواب أنَّه كان أمراً واجباً
حَتْماً، فلا يحتاج فيه إلى الاستثناء، كذا قال. وتُعُقِّبَ بأنَّه تعالى قال في هذه القِصَّة:
﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ مَامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] فقال: إن شاء الله، مع تَحَقُّق
وقوع ذلك تعليماً وإرشاداً، فالأولى أن يُحِمَل على أنَّ الاستثناء سقط من الراوي، أو كانت
القِصَّة قبل نزول الأمر بذلك، ولا يُعارضه كَونُ الكهف مَّيّةً؛ إذ لا مانعَ أن يَتأخّر نزول
بعض السُّورة.
قوله: ((ثمَّ زَجَرَها)) أي: الناقة ((فوَثَبَتْ)) أي: قامت.
قوله: ((فعَدَلَ عنهم)) في رواية ابن سعد (٩٥/٢ -٩٨): ((فَوَلّ راجعاً))، وفي رواية ابن
إسحاق: ((فقال للنّاس: انزلوا. قالوا: يا رسول الله، ما بالوادي من ماء نَنزِل عليه)».
قوله: ((على ثَمَد)) بفتح المثلَّئة والميم، أي: حُفَيرة فيها ماء مَثمود، أي: قليل.
وقوله: ((قليل الماء)» تأكيدٌ لدَفْع تَوَهُّم أن يُراد لُغَة مَن يقول: إنَّ/ الثَّمَد الماءُ الكثير،
وقيل: الثَّمد: ما يَظهَر من الماء في الشِّتاء ويذهب في الصَّيف.
٣٣٧/٥
قوله: (يَتَبَرَّضُه النّاس)) بالموحّدة والتَّشديد والضَّاد المعجَمة: هو الأَخْذ قليلاً قليلاً،
والبَرْض - بالفتح والسُّكون -: اليسير من العطاء، وقال صاحب ((العين)): هو جمع الماء
بالكَفَّين، وذكر أبو الأسوَد في روايته عن عُرْوة: ((وسَبَقَت قُرَيش إلى الماء فنزلوا عليه،
ونزلَ النبي ◌َّةِ الْحُدَيبية في حَرّ شديد وليس بها إلَّا بئر واحدة)) فذكر القِصَّة.
قوله: ((فلم يُلْبِه)) بضمٍّ أوَّله وسكون اللّام من الإلباث، وقال ابن التِّين: بفتح اللّام
وكَسْر الموخَّدة الثَّقيلة، أي: لم يَترُكوه يَلْبَث، أي: يُقيم.

٤٥٩
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
كتاب الشروط
قوله: ((وشُكِيَ)) بضمٍّ أوَّله على البناء للمجهول.
قوله: ((فانتَزَعَ سَهْماً من كِنانته)) أي: أخرج سهماً من جَعْبَته.
قوله: ((ثُمَّ أَمَرَهمْ)) في رواية ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن رجال من أسلَمَ: أنَّ
ناجية بن جُنْدُب الذي ساق البُدْنَ هو الذي نزلَ بالسَّهم، وأخرجه ابن سعد من طريق
سَلَمة بن الأكوع، وفي رواية: ناجية بن الأعجَم، قال ابن إسحاق: وزَعَمَ بعض أهل
العلم أنَّه البراء بن عازِب، وروى الواقدي من طريق خالد بن عُبادةَ الغِفاري قال: ((أنا
الذي نزلت بالسَّهمِ))، ويُمكِن الجمع بأنَّهم تَعاوَنوا على ذلك بالحَفْرِ وغيره، وسيأتي في
المغازي (٤١٥١) من حديث البراء بن عازِب في قِصَّة الحُدَيبية: ((أنَّه ◌ِلَّهَ جَلَسَ على البِئر
ثُمَّ دَعَا بإناءٍ فمَضمَضَ ودَعا الله ثمَّ صَبَّه فيها، ثمَّ قال: دَعُوها ساعةً. ثمَّ إنَّهم ارتَوَوا بعد
ذلك))، ويُمكِن الجمع بأن يكون الأمران معاً وَقَعا. وقد روى الواقدي من طريق أوس
ابن خَوْلِيّ: ((أَنَّه ◌َّرِ تَوضَّأَ في الدَّلْو ثمَّ أفرَغَه فيها وانتَزَعَ السَّهم فَوَضَعَه فيها))، وهكذا
ذكر أبو الأسوَد في روايته عن عُرْوة: ((أَنَّه ◌َِّهِ تَضمَضَ في دَلْو وصَبَّه في البِتْر ونَزَعَ سهماً
من كِنانته فألقاه فيها ودَعا ففارَت))، وهذه القِصَّة غير القِصَّة الآتية في المغازي أيضاً
(٤١٥٢) من حديث جابر قال: ((عَطِشَ الناس بالحُدَيبية وبين يَدَي رسول الله وَّهِ رَكْوَة
فَتَوضَّأ منها فوَضَعَ يَده فيها، فجَعَلَ الماء يَفُور من بين أصابعه)) الحديث، وكأنَّ ذلك كان
قبل قِصَّة البئر، والله أعلم.
وفي هذا الفصل مُعجِزات ظاهرة، وفيه بَرَكة سلاحه وما يُنسَب إليه، وقد وقع نَبَع
الماء من بين أصابعه في عِدَّة مواطن غير هذه، وسيأتي في أوَّل غَزْوة الحديبية (٤١٤٧)
حديث زيد بن خالد: ((أنَّهم أصابَهم مطرٌ بالحُديبية)) الحديث، وكأنَّ ذلك وقع بعد
القِصَّتين المذكورتين، والله أعلم.
قوله: ((يَجِيش)) بفتح أوَّله وكسر الجيم وآخره مُعجَمة، أي: يَفُور.
وقوله: ((بالِّي)) بكسر الراء ويجوز فتحها.

٤٦٠
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((صَدَروا عنه)) أي: رَجَعوا رِواءً بعد وِرْدِهم. زاد ابن سعد (٩٦/٢): ((حتَّى
اغتَرَفوا بآنيتِهم جُلوساً على شَفير البِئر)) وكذا في رواية أبي الأسوَد عن عُرْوة.
قوله: ((فبينما هم)) في رواية الكُشْمِيهني: فَبَيْنا هم ((كذلك إذ جاء بُدَيل)) بالموخَّدة
والتَّصغير، أي: ابن وَرْقاء ۔ بالقاف والمدّـ صحابي مشهور.
قوله: ((في نَفَر من قومه )) سمّى الواقدي منهم عَمْرو بن سالم وخِرَاش بن أُميَّة، وفي
رواية أبي الأسوَد عن عُرْوة: منهم خارجة بن كُرْز ويزيد بن أُميَّة.
قوله: ((وكانوا عَيْبةَ نُصْح)) العَيْبة - بفتح المهمَلة وسكون التَّحتانية بعدها موحّدة -: ما
تُوضَع فيه الثّياب لحفظها، أي: أنَّهم موضع النُّصح له والأمانة على سِرّه، ونُصْح بضمّ
النّون، وحَكَى ابن التِّين فتحها، كأنَّه شَبَّهَ الصَّدْر الذي هو مُستَودَع السِّرّ بالعَيْبة التي هي
مُسْتَوَدَع الثّياب.
وقوله: ((من أهل تِهامة)) لبيان الجنس؛ لأَنَّ خُزاعة كانوا من جُملة أهل تِهامة، وتهامة
بكسر المثنَّاة، هي مَكَّة وما حولها، وأصلها من التَّهَم: وهو شِدَّة الخَرّ ورُكود الرّيح. زاد
ابن إسحاق في روايته: ((وكانت خُزاعة عَيْبة رسول الله وَِّ مسلمُها ومُشِرِكُها لا يُخْفون
عليه شيئاً كان بمَكَّة))، ووقع عند الواقدي: ((أنَّ بُدَيلاً قال للنبي وَّ: لقد غَزَوتَ ولا
◌ِلاحِ مَعَك، فقال: لم نَجِئْ لقتالٍ. فَتَكَلَّم أبو بكر، فقال له بُدَيل: أنا لا أَتَّهم ولا قومي))
انتهى، وكان الأصل في موالاة خُزاعة للنبي وَ ل ◌ِ أنَّ بني هاشم في الجاهلية كانوا تَحَالَفوا
٣٣٨/٥ مع / خُزاعة، فاستَمَرّوا على ذلك في الإسلام.
وفيه جواز استنصاح بعض المعاهدينَ وأهل الذِّمَّة إذا دَلَّت القَرائن على نُصْحهم،
وشَهِدَت التَّجرِبة بإيثارهم أهلَ الإسلام على غيرهم ولو كانوا من أهل دِینهم.
ويُستَفاد منه جواز استنصاح بعض مُلوك العدوّ استظهاراً على غيرهم، ولا يُعَدّ ذلك من
موالاة الكُفّار ولا موادّةٍ أعداء الله، بل من قَبيل استخدامهم وتَقليل شَوكة جَمْعِهم وإنكاء
بعضهم ببعضٍ، ولا يَلزَم من ذلك جواز الاستعانة بالمشركينَ على الإطلاق.