Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
باب ٤ / ح ٢٧١٨
كتاب الشروط
(٥٠٧٩) إن شاء الله تعالى، وزاد فيه (٢٤٠٦): ((فقَدِمت المدينة فأخبَرَت خالي ببيعِ الجمل
فلامَني)). ووقع عند أحمد (١٤٨٦٤) من رواية نُبَيح المذكورة: ((فأتيت عَمَّتي بالمدينة فقلت
لها: ألم تَرَي أنّي بعت ناضِحَنا، فما رأيتُها أعجَبَها ذلك))، وسيأتي القول في بيان تسمية خاله
في أوائل الهجرة إن شاء الله تعالى(١)، وجَزَمَ ابن نُقطة بأنَّه جَدّ - بفتح الجيم وتشديد الدّال -
ابن قيس، وأمَّا عَمَّته فاسمها هِند بنت عَمْرو، ويحتمل أنَّهما جميعاً لم يُعجِبهما بيعُه لمَا تقدَّم
من أنَّه لم یکن عنده ناضح غيره.
وأخرجه من هذا الوجه في كتاب الجهاد (٢٩٦٧) بلفظ: ((ثمَّ قال: ائتِ أهلك، فتقدَّمت
الناس إلى المدينة))، وفي رواية وهب بن كَيْسان في أوائل البيوع (٢٠٩٧): ((وقَدِمَ رسول الله
وَس* المدينة قبلي، وقَدِمت بالغَداة فجِئت إلى المسجد فوَجَدته فقال: الآن قَدِمت؟ قلت:
نعم، قال: فدَع الجمل وادخُل فصَلِّ ركعتين)) وظاهرهما التَّاقُض؛ لأَنَّ في إحداهما أنَّه
تقدَّم الناس إلى المدينة وفي الأُخرى أنَّ النبي ◌ََّ قَدِمَ قبله، فيحتمل في الجمع بينهما أن
يقال: إنَّه لا يَلَزَم من قوله: ((فتقدَّمت الناس)) أن يَستَمِرّ سَبْقُه لهم، لاحتمال أن يكونوا
◌ِحَقوه بعد أن تقدَّمهم إمَّا لنزولِه لراحةٍ أو نَوم أو غير ذلك، ولعلَّه امتَثَّلَ أمره وَلِّ بأن لا
يَدخُل ليلاً، فباتَ دون المدينة، واستَمَرَّ النبي ◌َّه إلى أن دَخَلها سَحَراً ولم يَدخُلها جابر
حتَّى طَلَعَ النَّهار، والعلم عند الله تعالى.
قوله: ((أتيتُه بالجملِ)) في رواية مُغيرة (٢٣٨٥): «فلمَّا قَدِمَ رسول الله ◌َِّ المدينة غَدَوت
إليه بالبعير))، ولأبي المتوكّل عن جابر كما سيأتي في الجهاد (٢٨٦١): ((فدَخَلت - يعني
المسجد - إليه وعَقَلت الجمل فقلت: هذا جملك، فخَرَجَ فجَعَلَ يُطيف بالجملِ ويقول:
جملنا، فبَعَثَ إليَّ أواقٍ من ذَهَب ثمَّ قال: أستَوفيتَ الثَّمَن؟ قلت: نعم)).
(١) بل سلف عنده في المقدمة في الفصل السابع: في تبيين الأسماء المهملة التي يكثر اشتراكها، كتاب البيوع
إلى السلم، وذكر أن اسم خاله ثعلبة بن غنمة بن عدي بن سنان، وذكر أيضاً أن له خالاً آخر اسمه
عمرو بن غنمة.

٤٢٢
باب ٤ / ح ٢٧١٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ونَقَدَني ثَمَنه ثمَّ انصَرَفْت)» في رواية مُغيرة الماضية في الاستقراض (٢٤٠٦)
((فأعطاني ثَمنَ الجملِ والجمَلَ وسَهْمي مع القوم))، وفي روايته الآتية في الجهاد (٢٩٦٧):
((فأعطاني ثمنه ورَدَّه عليَّ)) وهي كلّها بطريق المجاز لأنَّ العَطيّة إنَّما وقعت له بواسطة بلال كما
رواه مسلم من هذا الوجه (١): ((فلمَّا قَدِمت المدينة قال لبِلالٍ: أعطِهِ أوقيةً من ذَهَب وزِده،
قال: فأعطاني أوقيةً وزادني قيراطاً، فقلت: لا تُفارقني زيادة رسول الله وَ ﴿)) الحديث، وفيه
٣١٧/٥ ذِكر أخذ أهل الشّام له يوم / الحَرَّة، وتقدَّم نحوه في الوكالة (٢٣٠٩) للمصنِّفِ من طريق
عطاء وغيره عن جابر، ولأحمد (١٥٠٢٦) وأبي عَوَانة (٤٨٤٤) من طريق وَهْب بن کَیْسان:
((فوالله ما زالَ يَنْمي ويزيد عندنا ونَرى مكانه من بيتنا، حتَّى أُصيبَ أمسٍ فيما أُصيبَ للنّاس
يوم الحَرَّة)(٢)، وفي رواية أبي الزُّبَير عن جابر عند النَّسائي (٤٦٤٠): ((فقال: يا بلال أعطِهِ
ثمنه، فلمَّا أدبرت دعاني فخِفت أن يردّه عليَّ فقال: هو لك»، وفي رواية وهب بن کَیْسان في
النِّكاح(٣): ((فأمَرَ بلالاً أن يَزِن لي أوقيةً، فَوَزَنَ بلال وأرجَحَ لي في الميزان، فانطَلَقت حتَّى
ولَيت فقال: ادعُ جابراً، فقلت: الآن يردّ عليّ الجمل، ولم يكن شيء أبغَضَ إليَّ منه فقال: خُذْ
جملك ولك ثمنه)) وهذه الرِّواية مُشكِلة مع قوله المتقدِّم (٢٩٦٧): ((ولم يكن لنا ناضحٌ غيره))
وقوله (٤): ((وكانت لي إليه حاجة شديدة ولكنّي اسْتَحيَيت منه)) ومعَ تنديم خاله له على بَيْعِه،
ويُمكِن الجمع بأنَّ ذلك كان في أوَّل الحال، وكان الثَّمَن أوفَرَ من قيمته وعَرَفَ أنَّه يُمكِّن أن
یشتري به أحسنَ منه ویبقی له بعض الثَّمَن، فلذلك صار یکره رَدَّه عليه.
ولأحمد (١٤٢٥١) من طريق أبي هُبَيرة عن جابر: «فلمَّا أتيته دَفَعَ إليَّ البعير وقال: هو
لك، فمَرَرتُ برجلٍ من اليهود فأخبَرته، فجَعَلَ يَعجَب ويقول: اشتَرى منك البعير ودَفَعَ
إليك الثَّمَن ثمَّ وَهَبَه لك؟! قلت: نعم)).
(١) بل هو عنده (١٥٩٩) (١١١) من طريق سالم بن أبي الجعد عن جابر.
(٢) رواية أبي عوانة مختصرة ليس فيها ما ذكره الحافظ.
(٣) بل سلفت في البيوع برقم (٢٠٩٧).
(٤) في رواية مغيرة عن الشعبي عند النسائي (٤٦٣٨).

٤٢٣
باب ٤ / ح ٢٧١٨
كتاب الشروط
قوله: ((ما كنت لآخُذَ جمَلَك، فخُذْ جمَلَك ذلك فهو مالُك)) كذا وقع هنا، وقد رواه عليّ
ابن عبد العزيز عن أبي نُعيم شيخ البخاري فيه بلفظ: ((أَتُراني إنَّما ماكَستُكَ لآخُذَ جملك،
خُذ جملك ودراهمَك هما لك)) أخرجه أبو نُعيم في (المستخرَج)) عن الطبراني عنه، وكذا
أخرجه مسلم (١٠٩/٧١٥) من طريق عبد الله بن نُمَير عن زكريّا، لكن قال في آخره:
((فهو لك)) وعليها اقتَصَرَ صاحب ((العُمدة))، ووقع لأحمد (١٤١٩٥) عن يحيى القطَّن عن
زكريّا بلفظ: ((قال: أَظَنَنتَ حين ماكَستُكَ أذهَبُ بجَمَلِك؟ خُذ جملك وثَمَنَه فهما لك)»،
وهذه الرِّواية وكذلك رواية البخاري توضِّح أنَّ اللّام في قوله: ((لِآخُذَ)) للتَّعليلِ وبعدها
همزة ممدودة، ووقع لبعضٍ رواه مسلم كما حَكَاه عِيَاض ((لا)) بصِيغَة النَّفي ((خُذ)) بصيغة
الأمر، ويَلزَم عليه التَّكرار في قوله: ((خُذ جملك)).
وقوله: ((ماكَستُكَ)) هو من المُماكَسة، أي: المناقَصَة في الثَّمَن، وأشار بذلك إلى ما وقع
بينهما من المساومة عند البيع كما تقدَّم، قال ابن الجوزي: هذا من أحسن التَّكرُّم؛ لأَنَّ مَن
باع شيئاً فهو في الغالب محتاج لثَمَنِهِ، فإذا تَعوَّضَ من الثَّمَن بَقيَ في قَلْبه من المبيع أسَفٌ
علی فِراقه کما قيل:
وقد تُخرِجُ الحاجاتُ يا أُمَّ مالكِ نَفائسَ من رَبِّ بهنَّ ضَنِينٍ (١)
(١) هذا البيت ضمَّنه أبو الحسن علي بن أحمد الفالي - بالفاء - في أبيات له، ووضعها في أثناء نسخة من
(الجمهرة)) لابن دريد كان باعها، فلما قرأها المشتري همَّ بردِّها إليه، وهي:
أَنِسْتُ بها عشرين حولاً وبعتُها فقد طالَ شوقي بعدَها وحَنِينِي
وما كان ظنّي أنني سأبيعُها ولو خلَّدَتني في السجونِ دُيوني
صغارٍ عليهم تستهلُ شؤوني
ولكن لضعفٍ وافتقارٍ وصبيةٍ
مقالةَ مكويِّ الفؤادِ حزينِ
فقلتُ ولم أملك سوابقَ عَبْرةٍ
وقد تُخرِجُ الحاجاتُ يا أمّ مالكِ كرائمَ من ربِّ يهِنَّ ضنينٍ
انظر ((سير أعلام النبلاء)) ٥٤/١٨-٥٥، و((معجم الأدباء)) ١٦٤٦/٤.

٤٢٤
باب ٤ / ح ٢٧١٨
فتح الباري بشرح البخاري
فإذا رُدَّ عليه المبيع مع ثمنه ذهب الهَمّ عنه وثبت فَرحُه وقُضيت حاجتُه، فكيف مع ما
انضَمَّ إلى ذلك من الزِّيادة في الثَّمَن.
قوله: ((وقال شُعْبة عن مُغيرة)) أي: ابن مِقسَم الضَّبّي: ((عن عامِر)) هو الشَّعبي ((عن
جابر: أفقَرَني ظَهْره)) بتقديمِ الفاء على القاف، أي: حَمَني على فِقاره، والفِقار: عِظام الظَّهر،
ورواية شُعْبة هذه وَصَلها البيهقي (٥/ ٣٣٧) من طريق يحيى بن کثیر عنه.
قوله: ((وقال إسحاق)) أي: ابن إبراهيم: ((عن جَرِير عن مُغيرة: فِعْته على أنَّ لِي فِقارَ
ظَهْرِه حتَّى أبلُغ المدينة)) وهذه الرِّواية تأتي موصولة في الجهاد (٢٩٦٧)، وهي دالَّة على
الاشتراط، بخلاف رواية شُعْبة عن مُغيرة فإنَّها لا تدلّ عليه، وقد رواه أبو عَوَانة عن مُغيرة
عند النَّسائي (٤٦٣٨) بلفظٍ مُتَمَل قال فيه: ((قال: بِعْنِيهِ ولَك ظَهره حتَّى تَقْدَم))، ووافقَ
زكريّا على ذِكر الاشتراط فيه سَيّار عن الشَّعبي، أخرجه أبو عَوَانة في «صحيحه)) (٤٨٤٠)
بلفظ: ((فاشتَرى مِنّي بعيراً على أنَّ لي ظَهره حتَّى أَقَدَمَ المدينة)).
قوله: ((وقال عطاء وغيره)) أي: عن جابر: ((ولَك ظَهْرُه إلى المدينة)) تقدَّم موصولاً مُطوَّلاً
في الوكالة (٢٣٠٩) ولفظه: ((قال: بِعْنيه، قلت: هو لك، قال: قد أخَذته بأربعة دنانير ولَك
٣١٨/٥ ظهره إلى المدينة)) وليس / فيها أيضاً دلالة على الاشتراط.
قوله: ((وقال محمد بن المنكَدِر عن جابر: شَرَطَ لي ظَهْره إلى المدينة)) وَصَلَه البيهقي (٣٣٧/٥)
من طريق المنكَدِر بن محمد بن المنكَدِر عن أبيه به، ووَصَلَه الطبراني(١) من طريق عثمان بن محمد
الأخَسي عن محمد بن المنكَدِر بلفظ: ((فِعته إياه وشَرَطته - أي: رُكوبه - إلى المدينة)).
قوله: ((وقال زيد بن أسلمَ عن جابر: ولك ظَهْرُهُ حتَّى تَرجِع)) وَصَلَه الطبراني والبيهقي
(٣٣٧/٥) من طريق عبد الله بن زيد بن أسلمَ عن أبيه بتمامه.
(١) لم نقف عليه بهذا السياق ولا من الوجه المذكور في مصنفاته المطبوعة، ولكنه أخرج نحوه في ((الأوسط))
(٥٧٤٤) من طريق منصور عن الشعبي عن جابر بلفظ: اشترى مني رسول الله وَلقول بعيراً واستثنى ظهره إلى
المدينة.

٤٢٥
باب ٤ / ح ٢٧١٨
كتاب الشروط
قوله: ((وقال أبو الزُّبَير عن جابر: أفقَرْناك ظَهْره إلى المدينة)) وَصَلَه البيهقي (٣٣٧/٥)
من طريق حمّاد بن زيد عن أيوب، عن أبي الزُّبَير، به، وهو عند مسلم (٧١٥/ ١١٣) من
هذا الوجه بلفظ: ((فِعتُه منه بخمسٍ أواقٍ، قلت: على أنَّ لي ظهرَه إلى المدينة، قال: ولَك
ظَهره إلى المدينة))، وللنَّسائي (٤٦٤٠) من طريق ابن عُيَينةَ عن أبي الزُّبير (١) قال: ((قد أخَذته
بكذا وكذا وقد أعرتُك ظهره إلى المدينة)).
قوله: ((وقال الأعمش عن سالم)) هو ابن أبي الجَعد ((عن جابر: تَبلَّغ به إلى أهلك)) وَصَلَه
أحمد (١٤٣٧٦) ومسلم (١١١/٧١٥) وعبد بن حُميدٍ (١١٠٩) وغيرهم من طريق الأعمَش،
وهذا لفظ عبد بن حُميدٍ (٢)، ولفظ ابن سعد والبيهقي (٣٥١/٥-٣٥٢): «تَبلَّغ عليه إلى
أهلك))، ولفظ مسلم: ((فتَبلَّغ عليه إلى المدينة))، ولفظ أحمد: «قد أخَذته بوُقيةٍ، اركَبه، فإذا
قَدِمت فائتِنا به)) وهي متقاربة.
قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنِّف: ((الاشتراط أكثر وأصحّ عندي)) أي: أكثر طُرُقاً
وأصحّ ◌َخَرَجاً، وأشار بذلك إلى أنَّ الزُّواة اختلفوا عن جابر في هذه الواقعة، هل وقع
الشَّرط في العَقد عند البيع أو كان رُكوبه للجَمَلِ بعد بيعه إباحةً من النبيِّ وَّ بعد شِرائه
على طريق العاريَّة، وأصرَح ما وقع في ذلك رواية النَّسائي المذكورة، لكن اختلفَ فيها
حمّاد بن زيد وسفيان بن عُيَينةَ، وحمّاد أعرَف بحديثٍ أيوب من سفيان.
والحاصل أنَّ الذين ذَكَروه بصيغَة الاشتراط أكثر عدداً من الذين خالَفوهم، وهذا
وَجهٌ من وجوه التَّرجيح، فيكون أصحّ، ويَتَرَجَّح أيضاً بأنَّ الذين رَوَوه بصيغَة الاشتراط
معهم زيادة وهما حُفّاظ فتكون حُجَّة، وليست رواية مَن لم يَذكُر الاشتراط مُنافية لرواية
مَن ذكره؛ لأَنَّ قوله: ((لك ظَهرُه)) و ((أفقَرْناك ظَهرَه)) و((تَبلَّغْ عليه)) لا يَمنَعُ وقوع الاشتراط
قبل ذلك.
(١) وقع في الأصلين و(س): أيوب، بدل: أبي الزبير، سبق قلم، وما أثبتناه على الصواب من ((النسائي)).
(٢) في المطبوع من ((منتخب مسند عبد بن حميد)) (١١٠٩): ((تبلَّغ عليه أهلك)).

٤٢٦
باب ٤ / ح ٢٧١٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقد رواه عن جابر بمعنى الاشتراط أيضاً أبو المتوَكِّل عند أحمد (١٤٤٨٠) ولفظه:
((فبِعني ولك ظَهره إلى المدينة)) لكن أخرجه المصنِّف في الجهاد (٢٨٦١) من طريق أُخرى
عن أبي المتوَكِّل فلم يَتَعرَّض للشَرطِ إثباتاً ولا نفياً، ورواه أحمد (١٥٠٠٤) من هذا الوجه
بلفظ: ((أتبيعُني جملك؟ قلت: نعم. قال: أقدَم عليه المدينة))، ورواه أحمد من طريق أبي
هُبَيرة (١٤٢٥١) عن جابر بلفظ: ((فاشتَرَى مِنّي بعيراً فجَعَلَ لي ظهره حتَّى أقدَمَ المدينة)»،
ورواه ابن ماجة (٢٢٠٥) وغيره من طريق أبي نضرة عن جابر بلفظ: ((فقلت: يا رسول الله
هو ناضحك إذا أتيت المدينة)). ورواه أيضاً عن جابر نُبَيح العَنَزي عند أحمد (١٤٨٦٤)
فلم يَذكُر الشَّرط ولفظه: ((قد أخَذته بوقيةٍ، قال: فنزلت إلى الأرض فقال: ما لَك؟ قلت:
جملُك. قال: اركَب، فَرَكِيت حتَّى أتيت المدينة))، ورواه أيضاً (١٥٠٢٦) من طريق وَهْب
ابن كَيْسان عن جابر، فلم يَذكُر الشَّرط قال فيه: «حتَّى بَلَغَ أُوقِيَّة، قلت: قد رَضِيتَ؟ قال:
نعم، قلت: فهو لك، قال: قد أخَذتُه. ثمّ قال: يا جابر، هل تزوَّجت)) الحديث(١).
وما جَنَحَ إليه المصنّف من ترجيح رواية الاشتراط هو الجاري على طريقة المحقّقينَ من
أهل الحديث؛ لأَّهم لا يَتَوقّفون عن تصحيح المتن إذا وقع فيه الاختلاف إلَّا إذا تَكافَأت
الرِّوايات، وهو شرط الاضطِراب الذي يُرَدّ به الخبر، وهو مَفقود هنا مع إمكان التَّرجيح.
قال ابن دقيق العيد: إذا اختلفَت الرِّوايات وكانت الحُجَّة ببعضِها دون بعض، تَوَقَّفَ
الاحتجاج بشرطِ تَعادُل الرِّوايات، أمَّا إذا وقع التَّرجيح لبعضِها بأن تكون رُواتُها أكثرَ
عدداً أو أتقَنَ حِفظاً فيَتَعيَّن العمل بالرَّاجح، إذ الأضعَف لا يكون مانعاً من العمل
بالأقوى، والمرجوُ لا يَمنَعِ التَّمَسُّكَ بالرَّاجح.
وقد جَنَح الطَّحَاويُّ إلى تصحيح الاشتراط، لكن / تأوَّلَه بأنَّ البيع المذكور لم يكن على
الحقيقة لقوله في آخره: ((أتُراني ماكَستُكَ ... )) إلى آخره، قال: فإنَّه يُشعِر بأنَّ القول المتقدِّم لم
يكن على التَّايُع حقيقةً.
٣١٩/٥
(١) كذا جاء سياق الحديث في الأصلين و(س)، وسياقه في المطبوع من ((المسند)) هكذا: ((حتى بلغ الأوقية،
قال: قلت: فقد رضيتُ، قال: قد رضيتَ؟ قلت: نعم، قلت: هو لك، قال: قد أخذتُه، قال: ثم قال لي:
يا جابر، هل تزوجت؟».

٤٢٧
باب ٤ / ح ٢٧١٨
كتاب الشروط
ورَدَّ القُرطبي بأنَّه دعوى مُرَّدة وتغییر وتحریف لا تأويل، قال: وكيف يصنع قائلُه في
قوله: ((بعتُهُ مِنك بأُوقيةٍ)) بعد المساومة؟ وقولِه: ((قد أخَذته)) وغير ذلك من الألفاظ
المنصوصَة في ذلك؟
واحتَجَّ بعضهم بأنَّ الُّكوب إن كان من مال المشتَري فالبيع فاسد لأنَّه شَرَطَ لنفسِه ما
قد مَلَكَه المشتَري، وإن كان من ماله ففاسدٌ؛ لأَنَّ المشتَري لم يَملِك المنافع بعد البيع من
جِهَة البائع، وإِنَّا مَلَگها لأنَّها طَرأت في مِلكه.
وتُعُقِّبَ بأنَّ المنفَعة المذكورة قُدِّرَت بقَدرٍ من ثمن المبيع ووَقع البيعُ بما عَداها، ونَظِيرُه
مَن باع نخلاً قد أُبِرَت واستَئنى ثَمَرَتها، والمُتَنِعِ إنَّما هو استثناءُ شيءٍ مجهولٍ للبائعِ
والمشتَري، أمَّا لو عَلِمَاه معاً فلا مانع، فيُحمَل ما وقع في هذه القِصَّة على ذلك.
وأغرَبَ ابن حَزْم فَزَعَم أنَّه يُؤخَذ من الحديث أنَّ البيع لم يَتِمَّ لأنَّ البائع بعد عَقْدِ البيع
مُخُيَّر قبل التفرُّق، فلمَّا قال في آخره: ((أَتراني ماكَستُكَ؟)) دَلَّ على أنَّه كان اختارَ تَرْكَ الأخْذِ،
وإنَّما اشتَرَطَ لجابر رُكوبَ جمل نَفْسِه، فليس فيه حُجَّة لمن أجازَ الشَّرط في البيع، ولا يخفى
ما في هذا التّأويل من التَّكَلُّف.
وقال الإسماعيلي: قوله: ((وَلَك ظَهرُه)) وَعْدٌ قام مقام الشَّرط؛ لأَنَّ وَعدَه لا خُلْفَ فيه
وهِبَتُه لا رُجوع فيها لتنزيه الله تعالى له عن دَناءة الأخلاق، فلذلك ساغَ لبعضِ الرُّواة أن
يُعَبِّ عنه بالشَّرط، ولا يَلزَم أن يجوز ذلك في حقّ غيره.
وحاصلُه أنَّ الشَّرط لم يقع في نفس العقد، وإنَّما وقع سابقاً أو لاحقاً، فتَبرَّعَ بمَنفعَتِهِ
أوَّلاً كما تَبرَّعَ بَرَقَبَتِهِ آخراً.
ووقع في كلام القاضي أبي الطيِّب الطَّبَري من الشّافعية أنَّ في بعض طرق هذا الخبر:
((فلمَّا نَقَدَني الثَّمَن شَرَطت حُملاني إلى المدينة))، واستَدَلَّ بها على أنَّ الشَّرط تأخّرَ عن العَقد،
لكن لم أقف على الرِّواية المذكورة، وإن ثبتت فيَتَعيَّن تأويلها على أنَّ معنى: (نَقَدَني الثَّمَن)»
أي: قَرَّرَه لي واتَّفَقْنا على تَعيينه؛ لأَنَّ الرِّوايات الصحيحة صريحة في أنَّ قَبْضَه الثَّمِنَ إنَّما

٤٢٨
باب ٤ / ح ٢٧١٨
فتح الباري بشرح البخاري
كان بالمدينة، وكذلك يَتَعيَّن تأويل رواية الطَّحَاوي(١): ((أتبيعُني جملك هذا إذا قَدِمنا المدينة
بدينارٍ؟)) الحديث، فالمعنى: أتبيعُني بدينارٍ أُو فيكَه إذا قَدِمنا المدينة.
وقال المهلَّب: ينبغي تأويل ما وقع في بعض الرِّوايات من ذِكر الشَّرط على أنَّه شَرطُ
تَفَضُّل لا شرطٌ في أصل البيع ليوافق رواية مَن روى: ((أفقَرناك ظَهره) و ((أعرتُك ظَهره))
وغير ذلك ممّا تقدَّم، قال: ويُؤْيِّده أنَّ القِصَّة جَرَت كلَّها على وجه التَّفَضُّل والرِّفق بجابر،
ويُؤيِّده أيضاً قول جابر: ((هو لك، قال: لا بل بِعْنيِهِ)) فلم يقبل منه إلَّا بِثَمَنٍ رِفْقاً به.
وسَبَقَ الإسماعيليُّ إلى نحو هذا، وزَعَمَ أنَّ النُّكتة في ذِكر البيع أنَّه وَّ أراد أن يَبَرَّ جابراً
على وجهٍ لا يَحِصُل لغيره طَمَع في مثله، فبايَعَه في جمله على اسم البيع ليتَوَفَّ عليه بِرُّه ويبقى
البعير قائماً على مِلكه، فيكون ذلك أَهناً لمعروفِه. قال: وعلى هذا المعنى أَمْرُه بلالاً أن يزيده
على الثَّمَن زيادة مُبهمَةً في الظَّاهر، فإنَّه قَصَدَ بذلك زيادةَ الإحسان إليه من غير أن يَحِصُل
لغيره تأميلٌ في نَظِير ذلك.
وتُعُقِّبَ بأنَّه لو كان المعنى ما ذكر لكان الحال باقياً في التَّأميل المذكور عند رَدّه عليه
البعيرَ المذكورَ والثَّمَنَ معاً. وأُجيبَ بأنَّ حالة السَّفَر غالباً تَقْتَضي قِلَّة الشيء بخلاف حالة
الحَضَر، فلا مُبالاةَ عند التَّوسِعة من طَمَع الآَمِل.
وأقوى هذه الوجوه في نظري ما تقدَّم نَقلُه عن الإسماعيلي من أنَّه وَعدٌ حَلَّ مَحَلّ الشَّرط.
وأبدى السُّهَيلي في قِصَّة جابر مُناسَبة لطيفة غير ما ذكره الإسماعيلي، مُلخَّصها: أنَّه وَه
لمَّا أخبر جابراً بعد قَتْل أبيه بأُحدِ أنَّ الله أحياه وقال: ((ما تَشتَهي فأزيدك))(٢) أكَّدَ وَلّ الخبر
بما يَشْتَهيه، فاشترى منه الجمل وهو مَطِيَّتُهُ بِثَمَنِ معلوم، ثمَّ وفَّرَ عليه الجمل والثَّمَن وزاده
(١) شرح مشكل الآثار (٤٤١٤) و(٤٤١٥).
(٢) أخرج قصة والد جابر رضي الله عنهما أحمد في ((مسنده)) (١٤٨٨١)، والترمذي (٣٠١٠)، وابن ماجه
(١٩٠) بإسناد حسن من حديث جابر﴾، وهو عندهم بلفظ: ((يا جابر، أما علمتَ أن الله عز وجل
أحيا أباك فقال له: تمنَّ عليّ».

٤٢٩
باب ٤ / ح ٢٧١٨
كتاب الشروط
على الثَّمَن، كما اشتَرى الله من المؤمنينَ أَنفُسَهم بَثَمَنِ هو الجنَّة، ثمَّ رَدّ عليهم أنفُسَهم
وزادهم كما قال تعالى: ﴿لَلَِّينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
قوله: ((وقال عُبيد الله)) أي: ابن عمر / العُمَري ((وابن إسحاق عن وَهْب)) أي: ابن ٣٢٠/٥
كَيْسان ((عن جابر)) أي: في هذا الحديث ((اشتَرَاه النبيُّ نَ بِأَوقَّةٍ)) وطريق ابن إسحاق
وَصَلها أحمد وأبو يَعْلى والبَزّار مُطوَّلة(١) وفيها: ((قال: قد أخَذتُه بدرهم، قلت: إذاً تَغْبِنُني
يا رسول الله، قال: فِدرهمَين؟ قلت: لا، فلم يَزَل يَرفَع لي حتَّى بَلَغَ أُوقية» الحديث،
ورواية عُبيد الله وَصَلها المؤَلِّف في البيوع (٢٠٩٧) ولفظه قال: «أتبيعُ جمَلَك؟ قلت: نعم،
فاشتراه ◌ِمِنّي بُوقِيةٍ)).
قوله: ((وتابَعَه زيد بن أسلَمَ عن جابر)) أي: في ذِكر الأُوقية، وقد تقدَّم أنَّه موصول عند
البيهقي (٣٣٧/٥).
قوله: ((وقال ابن جُرَيج عن عطاء وغيره عن جابر: أخَذْته بأربعةِ دنانير)) تقدَّم أنَّه
موصول عند المصنّف في الوكالة (٢٣٠٩).
وقوله: ((وهذا يكون أُوقِيَّةٌ على حِساب الدّينار بعَشَرةٍ) هو من كلام المصنِّف قَصَدَ به
الجمع بين الرِّوايَتَين، وهو كما قال بناء على أنَّ المراد بالأوقية، أي: من الفِضَّة، وهي
أربعون درهماً، وقوله: ((الدّينار)) مُبْتَدَأ، وقوله: ((بعشرة)) خبره، أي: دينار ذَهَب بعشرة
دراهم فِضَّة، ونَسَبَ شَيخُنا ابن الملَقِّن هذا الكلام إلى رواية عطاء ولم أرَ ذلك في شيء من
الطُّرُّق لا في البخاري ولا في غيره، وإنَّما هو من كلام البخاري.
قوله: ((ولم يُبيِّن الثَّمَن مُغيرةُ عن الشَّعْبي عن جابر، وابن المنكَدِر وأبو الزُّبَير عن جابر))
ابن المنكَدِر معطوف على مُغيرة، وأراد أنَّ هؤلاءِ الثلاثة لم يُعَيِّنوا الثَّمَن في روايتهم.
فأمَّا رواية مُغيرة فتقدَّمت موصولة في الاستقراض (٢٤٠٥ و٢٤٠٦) وتأتي مُطوَّلة في
(١) طريق ابن إسحاق عند أحمد في ((مسنده)) (١٥٠٢٦)، ولم نقف عليها في المطبوع من ((مسنَدَي)) أبي يعلى
والبزار.

٤٣٠
باب ٤ / ح ٢٧١٨
فتح الباري بشرح البخاري
الجهاد (٢٩٦٧) وليس فيها ذِكر الثَّمَن، وكذا أخرجه مسلم (٧١٥/ ١١٠) والنَّسائي
(٤٦٣٨) وغيرهما، وكذلك لم يُعَيِّن سَيّار عن الشَّعبي في روايته الثَّمَن، أخرجه أبو عَوَانة
(٤٨٤٠) من طريقه، وأخرجه أحمد (١٤٢٥) من طريق سَيّار فقال: ((عن أبي هُبَيرة عن
جابر)) ولم يُعَيِّن الثَّمَن في روايته أيضاً.
وأمَّا ابن المنكَدِر فَوَصَلَه الطبراني وليس فيه التَّعيين أيضاً. وأمَّا أبو الزُّبَيرِ فَوَصَلَه
النَّسائي (٤٦٤٠) ولم يُعَيِّن الثَّمَن، لكن أخرجه مسلم (٧١٥/ ١١٣) فعَيَّنَ الثَّمَن ولفظه:
((فبِعته منه بخمسٍ أواقٍ، قلت: على أنَّ لي ظهره إلى المدينة))، وكذلك أخرجه ابن سعد،
وروّيناه في ((فوائد)) تَمَام من طريق سَلَمة بن كُهَيل عن أبي الزُّبَيرِ فقال فيه: ((أَخَذته مِنك
بأربعينَ درهماً».
قوله: ((وقال الأعمش عن سالم)) أي: ابن أبي الجَعد ((عن جابر: أوقية ذَهَب)) وَصَلَه أحمد
(١٤٣٧٦) ومسلم (٧١٥/ ١١١) وغيرهما هكذا، وفي رواية لأحمد صحيحة (١٤٨٦٤):
((قد أخَذته بوُقيةٍ)) ولم يَصِفها، لكن مَن وصَفَها حافظ فزيادته مقبولة.
قوله: ((وقال أبو إسحاق عن سالم)) أي: ابن أبي الجَعد: ((عن جابر بمتَتَي دِرْهَم، وقال
داود بن قيس عن عُبيد الله بن مِقْسَم عن جابر: اشتَراه بطريقٍ تَبوكَ، أحْسِبُه قال: بأربعٍ أواقٍ»
أمَّا رواية أبي إسحاق فلم أقف على مَن وصَلَها، ولم تَخْتَلِف نُسَخ البخاري أنَّه قال فيها:
«بمثنَي درهم)».
ووقع للنَّوَوي أنَّ في بعض روايات البخاري: ((ثمان مئة درهم)) وليس ذلك فیه أصلاً،
ولعلَّه أراد هذه الرّواية فَتَصَحَّفَت عليه.
وأمَّا رواية داود بن قيس، فجَزَمَ بزمان القِصَّة وشكّ في مِقدار الثَّمَن، فأمَّا جَزمه بأنَّ
القِصَّة وقعت في طريق تَبوكَ، فوافقَه على ذلك عليّ بن زيد بن جُدعان عن أبي المتوَكِّل عن
جابر: ((أنَّ رسول الله وَ لَ مَرَّ بجابر في غَزْوة تَبُوك)) فذكر الحديث(١).
(١) أخرجه أحمد في «مسنده)) (١٤٩٠٣)، وأبو يعلى (١٧٩٣).

٤٣١
باب ٤ / ح ٢٧١٨
كتاب الشروط
وقد أخرجه المصنّف (٢٨٦١) من وجه آخر عن أبي المتوَكِّل فقال: ((في بعض أسفاره))
ولم يُعَيِّنه، وكذا أبهَمَه أكثر الرُّواة عن جابر، ومنهم مَن قال: ((كُنت في سفَر)) ومنهم مَن
قال: (كُنت في غَزْوة تبوك)) ولا مُنافاة بينهما. وفي رواية أبي المتوَكِّل في الجهاد (٢٨٦١): ((لا
أدري غَزْوةً أو عُمْرَةً)) ويُؤْيِّد كَونه كان في غَزْوة قوله في آخر رواية أبي عَوَانة عن مُغيرة:
((فأعطاني الجمل وثَمَنه وسَهْمي مع القوم)) (١)، لكن جَزَمَ ابن إسحاق عن وهب بن کَیْسان
في روايته المشار إليها قبلُ بأنَّ ذلك كان في غَزْوة ذات الرِّقاع من نَخْلٍ، وكذا أخرجه
الواقدي من طريق عَطيّة بن عبد الله بن أُنيس عن جابر، وهي الرَّاجحة في نظري؛ لأَنَّ
أهل المغازي أضبط لذلك من غيرهم، وأيضاً فقد وقع في رواية الطّحاوي أنَّ/ ذلك وقع ٣٢١/٥
في رُجوعهم من طريق مَكَّة إلى المدينة، وليست طريق تَبوك مُلاقيةً لطريق مَكَّة بخلاف
طريق غَزْوة ذات الرِّقاع، وأيضاً فإنَّ في كثير من طرقه أنَّه ◌َلِّ سألَه في تِلكَ القِصَّة: ((هل
تزوَّجت؟ قال: نعم، قال: أتزوَّجت بكراً أم ثَيِّاً؟)) الحديث، وفيه اعتذاره بتَزَوُّجِهِ الثَِّّب
بأنَّ أباه استُشهِدَ بأُحدٍ وتَرَكَ أخواته فتزوَّجِ ثَيِّاً لتُمَشِّطَهنَّ وَتَقوم عليهنَّ، فأشعَرَ بأنَّ ذلك
كان بالقُربِ من وفاة أبيه، فيكون وقوع القِصَّة في ذات الرِّقاع أظهَر من وقوعها في تَبوك؛
لأَنَّ ذات الرِّقاع كانت بعد أُحد بسنةٍ واحدة على الصحيح، وتَبوك كانت بعدها بسبعِ
◌ِنِينَ، والله أعلم، لا حَرَمَ جَزَمَ البيهقي في ((الدَّلائل)) (٣/ ٣٨١) بما قال ابن إسحاق.
قوله: ((وقال أبو نَضْرة عن جابر: اشتَرَاه بعِشْرينَ ديناراً) وَصَلَه ابن ماجَهْ (٢٢٠٥) من
طريق الجُرَيري عنه بلفظ: ((فما زالَ يزيدني ديناراً ديناراً حتَّى بَلَغَ عشرينَ ديناراً))، وأخرجه
مسلم (٧١٥/ ٥٨) والنَّسائي (٤٦٤١) من طريق أبي نَضْرة فأبهَمَ الثَّمَن.
قوله: ((وقول الشَّعْبي: بأُوقيةٍ أكثر)) أي: موافقةً لغيره من الأقوال، والحاصل من الرِّوايات
أوقية وهي رواية الأكثر، وأربعة دنانير وهي لا تُخالفها كما تقدَّم، وأوقية ذَهَب، وأربع أواقٍ،
(١) رواية أبي عوانة عن مغيرة عند البخاري (٢٤٠٦)، والنسائي (٤٦٣٨)، ولفظها عندهما: فأعطاني ثمن
الجملِ والجملَ وسهمي مع القوم.

٤٣٢
باب ٤ / ح ٢٧١٨
فتح الباري بشرح البخاري
وخمس أواقٍ، ومثّتًا درهم، وعشرون ديناراً، هذا ما ذكر المصنِّف؛ ووقع عند أحمد
(١٤٤٨٠) والبَزّار (١٧٩٣) من رواية عليّ بن زيد عن أبي المتوَكِّل: ((ثلاثة عشر ديناراً)).
وقد جَمَعَ عِيَاض وغيره بين هذه الرِّوايات فقال: سبب الاختلاف أنَّهم رَوَوا بالمعنى،
والمراد أُوقِيَّة الذَّهَب، والأربع أواقٍ والخمسُ بقَدْرِ ثمن الأُوقية الذَّهَب، والأربعة دنانير
مع العشرينَ ديناراً محمولة على اختلاف الوزن والعدد، وكذلك رواية الأربعينَ درهماً مع
المتَتَي درهم، قال: وكأنَّ الإخبار بالفِضَّة عمَّا وقع عليه العَقدُ، وبالذَّهَبِ عمَّا حَصَلَ به
الوَفاءُ أو بالعكسِ. انتهى مُلخَّصاً.
وقال الدَّاوُودي: المراد أوقية ذَهَب، ويُحِمَل عليها قول مَن أطلقَ، ومَن قال: خمس
أواقٍ أو أربع أراد من فِضَّة وقيمتها يومئذٍ أوقية ذَهَب، قال: ويحتمل أن يكون سبب
الاختلاف ما وقع من الزِّيادة على الأوقية، ولا يخفى ما فيه من التَّعَسُّف
قال القُرطُبي: اختلفوا في ثمن الجمل اختلافاً لا يقبل التَّلفيق، وتكلُّف ذلك بعيدٌ عن
التَّحقيق، وهو مَبنيٍّ على أمرٍ لم يَصِحّ نَقلُه ولا استَقام ضَبطُه، مع أنَّه لا يتعلَّق بتحقيق ذلك
حُكم، وإِنَّمَا تَحَصَّلَ من مجموع الرِّوايات: أنَّه باعه البعير بثَمَنِ معلوم بينهما وزاده عند
الوَفاء زيادة معلومة، ولا يَضُرّ عَدَم العلم بتحقيق ذلك.
قال الإسماعيلي: ليس اختلافهم في قَدْر الثَّمَن بضارٍّ؛ لأَنَّ الغَرَض الذي سِيقَ الحديثُ
لأجلِه بيانُ كَرَمِه ◌َِِّ وتَواضُعه وحُنوّه على أصحابه وبَرَكة دعائه وغير ذلك، ولا يَلزَم من
وَهْمِ بعضهم في قَدْر الثَّمَن تَوهينُه لأصلِ الحديث.
قلت: وما جَنَحَ إليه البخاري من التَّرجيح أقعَد، وبالرُّجوع إلى التَّحقيق أسعَد،
فليُعتَمَد ذلك، وبالله التَّوفيق.
وفي الحديث جواز المساوَمة لمن يَعرِض سِلعَته للبيع، والمماكَسة في المبيع قبل استقرار
العَقد، وابتداء المشتَري بذِكرِ الثَّمَن، وأنَّ القَبض ليس شرطاً في صِحَّة البيع، وأنَّ إجابة
الكبير بقول: ((لا)) جائز في الأمر الجائز، والتَّحَدُّث بالعملِ الصَّالح للإتيان بالقِصَّة على

٤٣٣
باب ٤ / ح ٢٧١٨
كتاب الشروط
وَجْهها لا على وَجْه تَزكية النَّفْس وإرادة الفَخر.
وفيه تَفَقُّد الإمام والكبير لأصحابه، وسؤاله عَّا يَنزِل بهم، وإعانتُهم بما تيسَّر من حالٍ
أو مالٍ أو دُعاء، وتَواضُعه وَّ. وفيه جواز ضرب الدّابَّة للسَّير وإن كانت غير مُكَلَّفة،
ومَحَلُّه ما إذا لم يَتَحقَّقِ أنَّ ذلك منها من فَرْط تَعَبٍ وإعياء.
وفيه تَوقير التابع لرئيسِه. وفيه الوكالة في وَفاء الدُّيون، والوزن على المشتري، والشِّراء
بالنَّسيئة. وفيه رَدّ العَطيّة قبل القَبض لقولِ جابر: ((هو لك، قال: لا بل بِعْنِيهِ)).
وفيه جواز إدخال الدَّوابّ والأمتِعة إلى رِحابَ المسجد وحَوالَيَه، واستُدلَّ من ذلك
على طهارة أبوال الإبل، ولا حُجَّة/ فيه.
٣٢٢/٥
وفيه المحافَظَة على ما يُتْبَرَّك به لقولِ جابر: ((لا تُفارقُني الزّيادةُ)).
وفيه جواز الزِّيادة في الثَّمَن عند الأداء، والرُّجحان في الوزن لكن بِرِضا المالك، وهي
هِبَة مُستأنَفة حتَّى لو رُدَّت السِّلعة بعَيبٍ مثلاً لم يَجِب رَدُّها، أو هي تابعة للثَّمَنِ حتَّى تُرَدَّ،
فیه احتمال.
وفيه فضيلة لجابر حيثُ تَرَكَ حَظَّ نَفْسِه وامتَثَلَ أمر النبيِّ وَّ له ببيع جمله مع احتياجه
إليه. وفيه مُعجِزَة ظاهرة للنبيِّ وَّةِ، وجوازُ إضافة الشيء إلى مَن كان مالكَه قبل ذلك
باعتبار ما کان.
واستُدِلَّ به على صِحَّة البيع بغير تصريح بإيجابٍ ولا قَبُول، لقوله فيه: ((قال: بعنيه
بأوقيةٍ، فِعتُه)) ولم يَذكُر صيغَةً. ولا حُجَّة فيه لأنَّ عَدَم الذِّكر لا يَستَلِم عَدَم الوقوع، وقد
وقع في رواية عطاء الماضية في الوكالة (٢٣٠٩): ((قال: بِعْنيهِ، قال: قد أخذته بأربعة دنانير)»
فهذا فيه القَبُول، ولا إيجابَ فيه، وفي رواية جَرِير الآتية في الجهاد(١): ((قال: بل بِعْنيهِ،
(١) رواية جربر الآتية في الجهاد (٢٩٦٧) هي رواية جرير عن المغيرة عن الشعبي، وليس فيها ما ذكره
الحافظ، أما رواية جرير التي ذكر فيها ذلك فهي روايته عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد، وهي عند
مسلم (٧١٥) (١١١)، وأبي يعلى (١٨٩٨) وابن حبان (٤٩١١).

٤٣٤
باب ٥ / ح ٢٧١٩ - ٢٧٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: لرجلٍ عليَّ أوقيةُ ذَهَبٍ فهو لك بها، قال: قد أخَذته)) ففيه الإيجاب والقَبُول معاً.
وأبيَن منها رواية ابن إسحاق عن وهب بن كَيْسان عند أحمد (١٥٠٢٦): ((قلت: قد
رَضيت؟ قال: نعم، قلت. فهو لك بها، قال: قد أخَذتُه))، فيُستَدَلّ بها على الاكتفاء في صِيَغ
العقود بالکِنایات.
تكميل: آلَ أمرُ جمل جابر هذا لمَا تقدَّم له من بَرَكة النبيِّ وَّ إِلَى مَآل حَسَنٍ، فرأيت في
ترجمة جابر من ((تاريخ ابن عساكر)) (١١/ ٢٢٥) بسندِه إلى أبي الزُّبَير عن جابر قال: فأقام
الجملُ عندي زمان النبيِ وَلِّ وأبي بكر وعمر، فعَجَزَ، فأتيت به عمرَ فعَرَفَ قِصَّته فقال:
اجعَلْه في إِلِ الصَّدَقة وفي أطيَب المراعي، ففَعَلَ به ذلك إلى أن مات.
٥- باب الشروط في المعاملة
٢٧١٩ - حدّثنا أبو اليَمَانِ، أخبرنا شعيبٌ، حدَّثنا أبو الزّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةً اڅ،،
قال: قالتِ الأنصارُ للنبيِّ وَّهِ: اقسِم بيننا وبين إخوانِنا النَّخِيلَ، قال: ((لا)) فقال: «تَكْفُونَنَا المُؤُونَةَ
ونُشْرِكُكُمْ في الثَّمَرةِ؟» قالوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنا.
٢٧٢٠ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جُوَيرَةُ بنُ أَسماءَ، عن نافع عن عبد الله بنِ
عمرَ ﴾ قال: أعطَى رسولُ اللهِ وَّهِ خَيْبِرَ اليهودَ أنْ يَعْمَلُوها ويَزْرَعُوها، ولهم شَطْرُ ما تَخْرُجُ
منها.
قوله: ((باب الشُّروط في المعاملة)) أي: من مُزارعة وغيرها. ذکر فیه حدیثین.
أحدُهما: حديث أبي هريرة في تَوافُق المهاجرينَ أن يَكْفوا الأنصار المَؤونةَ والعمل
ويُشِرِكوهم في الثَّمَرة مُزارَعةً، وقد تقدَّم الكلام عليه في ((فضل المنِيحة)) في أواخر الهِبَة
(٢٦٣٠)، والشَّرط المذكور لُغَوي اعتبَرَه الشّارع فصار شَرعيّاً؛ لأَنَّ تقديره: إن تَكْفونا
نَقِمْ بینکم.
ثانيهما: حديث ابن عمر في قِصَّة مُزارَعة أهل خَيْبَرَ، ذكره مختصراً، وقد تقدَّم الكلام
عليه في المزارعة (٢٣٢٨).

٤٣٥
باب ٦-٧ / ح ٢٧٢١ - ٢٧٢٢
كتاب الشروط
٦ - باب الشَّروط في المَهْر عند عُقْدة النِّكاح
وقال عمرُ: إنَّ مقاطعَ الحُقُوقِ عندَ الشُّرُوطِ، ولَكَ مَا شَرَطْتَ.
وقال المِسْوَرُ: سمعتُ النبيَّ بِّهَ ذَكَرَ صِهْراً له، فَأَثْنَى عليه في مُصاهَرَتِهِ، فَأَحسَنَ، قال:
((حدَّثْنِي فصَدَقَنِي، ووَعَلَني فوََ لي)).
٢٧٢١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ أبي حَبيبٍ، عن ٣٢٣/٥
أبي الخيرِ، عن عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ ﴾، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((أحقُّ الشَّرُوطِ أن تُوفُوا بها ما
استَحْلَلْتُم به القُرُوجَ)).
[طرفه في: ٥١٥١]
قوله: ((باب الشُّروط في المَهْر عند عُقْدَة النِّكاح) بضمِّ العين المهمَلة من ((عُقّدة)) والمراد
وقت العقد.
قوله: ((وقال عُمر)) أي: ابن الخطّاب: ((إنَّ مقاطع الحُقوق ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن أبي
شَيْبة (٤ /١٩٩ و ٥٧٠/٦ -٥٧١) وسعيد بن منصور (٦٦٢ و٦٦٣) من طريق إسماعيل بن
عُبيد الله بن أبي المهاجر، عن عبد الرحمن بن غَنْم - بفتح المعجَمة وسكون النّون - عنه،
وسيأتي سياقه في النِّكاح (٥١٥١)، وكذلك حديث المِسوَر المعَلَّق وحديث عُقْبَةَ بن عامر
الموصول مع الكلام على جميع ذلك إن شاء الله تعالى.
٧- باب الشُّروط في المُزارعة
٢٧٢٢ - حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا ابنُ عُبَينَةَ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: سمعتُ
حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيَّ، قال: سمعتُ رافعَ بنَ خَدِیج ◌َ﴾، يقول: كنّا أكثرَ الأنصار حَقْلاً، فكنّا نُكْرِي
الأرضَ، فُرُبَّما أخرَجَت هذه ولم تُخْرِجِ ذِهِ، فنُهِينا عن ذلك، ولم نُنْهَ عن الوَرِقِ.
قوله: ((باب الشُّروط في المزارعة)) هذه التَّرجمة أخَصُّ من الماضية قَبلُ بيابٍ.
ثمَّ ذكر فيه حديث رافع بن خَدِيج مختصراً، وقد تقدَّم الكلام عليه مُستَوفَّى في المزارعة
(٢٣٣٩).

٤٣٦
باب ٨-٩ / ح ٢٧٢٣ -٢٧٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
٨- باب ما لا يجوز من الشَّروط في النِّكاح
٢٧٢٣ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثْنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيدٍ، عن
أبي هريرةَ ◌َِّ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((لا يبيعُ حاضِرٌ لبادٍ، ولا تَناجَشُوا، ولا يَزيدَنَّ على بيع
أخيه، ولا يَخْطُبَنَّ على خِطْبَتِهِ، ولا تسألِ المرأةُ طَلَاقَ أُخْتِها لتَسْتَكْفِىَ إناءَها)».
قوله: «باب ما لا يجوز من الشُّروط في النكاح)) ذکر فیه حديث أبي هريرة، وفيه: ((ولا
يَخْطُبنَّ على خطبة أخيه)) وسيأتي الكلام عليه في كتاب النِّكاح (٥١٤٤و ٥١٥٢)، وتقدَّم ما
يتعلَّق به من البيوع في مكانه (٢١٤٠).
قوله: ((طَلاق أُختها)) أي: بالنِّسبة إلى كَونهما يَصيرانِ ضَرَّتَين، أو المراد أُخوَّة الإسلام
لأنّها الغالب.
٩ - باب الشُّروط التي لا تَحِلُّ في الحدود
٢٧٢٤، ٢٧٢٥ - حدَّثنَا قُتَيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا لَيثٌ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن عُبيد الله بنِ
عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعودٍ، عن أبي هريرةَ وزيد بنِ خالدِ الجُهَنِيِّ رضي الله عنهما أنَهما قالا: إنَّ
رجلاً مِن الأعراب أتى رسولَ الله ◌ِِّ، فقال: يا رسولَ الله، أَنْشُدُكَ اللهَ إلَّا قَضَيتَ لي بكتاب الله،
٣٢٤/٥ فقال الخَصْمُ الآخَرُ - وهو / أفقَهُ منه -: نَعَم، فاقضٍ بينَنَا بكتاب الله وأتذَن لي، فقال رسولُ الله
وَّ : (قُلْ)) قال: إنَّ ابني كان عَسِيفاً على هذا، فَزَنَى بامرأتِهِ، وإنّي أُخبِرْتُ أنَّ على ابني الرَّجْمَ،
فافتَدَيتُ منه بمِئَةٍ شاةٍ ووَلِيدةٍ، فسألتُ أهلَ العِلْمِ، فأخبَرَوني أنَّا على ابني جَلْدُ مِئَةٍ وتَغْرِيبُ
عامٍ، وأنَّ على امرأةٍ هذا الرَّجْمَ، فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((والَّذِي نفسي بِيَدِه، لأَقْضِيَنَّ بينكما
بكتاب الله، الوليدةُ والغنمُ رَدٌّ، وعلى ابنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عام، اغْدُ يا أُنَيَسُ إلى امرأةٍ هذا،
فإنِ اعتَرَفَت فارْجُمْها)) قال: فَغَدَا عليها فاعتَرَفَت، فأمَرَ بها رسولُ الله ◌ََّ، فُرُجِمَت.
قوله: ((باب الشُّروط التي لا تَحِلّ في الحدود)» ذكر فيه حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في قِصَّة
العَسيف، وقد تَرجَمَ له في الصُّلح: ((إذا اصطَلَحوا على جَوْر فهو مردود)) (٢٦٩٥ و٢٦٩٦).

٤٣٧
باب ١٠-١١ / ح ٢٧٢٦ - ٢٧٢٧
كتاب الشروط
ويُستَفاد من الحديث أنَّ كلّ شرط وقع في رَفع حَدٍّ من حدود الله فهو باطل، وكلّ صُلح
وَقَع فيه فهو مردود، وسيأتي الكلام عليه في الحدود (٦٨٢٧ و٦٨٢٨) إن شاء الله تعالى.
١٠ - باب ما يجوز من شروط المُكاتَبِ إذا رَضِيَ بالبيع على أن يُعتقَ
٢٧٢٦ - حدَّثنا خَلَادُ بنُ يحيى، حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ أيمَنَ الكِّيُّ، عن أبيه، قال: دَخَلْتُ
على عائشةَ رضي الله عنها، قالت: دَخَلَت عليَّ بَرِيرةُ وهي مُكاتَبةٌ، فقالت: يا أُمَّ المؤمنينَ،
اشتَرِيني فإنَّ أهلي يَبِيعُونَنِي فَأَعتِقِيني، قالت: نعم، قالت: إنَّ أهلي لا يَبِيعُونَني حتَّى يَشْتَرِطُوا
وَلائي، قالت: لا حاجةَ لي فيكِ، فسمعَ ذلك النبيُّ ◌َّ أَو بَلَغَه، فقال: ((ما شَأْنُ بَرِيرةَ؟» فقال:
((اشتَرِيها فأعتِقِيها، ولْيَشْتَرِطُوا ما شاؤوا)) قالت: فاشتَرَيتُها فأعتَقْتُها، واشتَرَطَ أهلُها وَلاءَها،
فقال النبيُّ وََّ: ((الوَلاءُ لِمَن أَعْتَقَ، وإِنِ اشْتَرَطُوا مِئَةَ شَرْطٍ)».
قوله: ((باب ما يجوز من شُروط المكاتَب إذا رَضِيَ بالبيع على أن يُعتَقَ)) ذكر فيه حديث
عائشة في قِصَّة بَرِيرة وقد تقدَّم الكلام عليه مُستَوفَّى في أواخر العِثْق (٢٥٦٠-٢٥٦٥).
١١ - باب الشروط في الطلاق
وقال ابنُ المسيّبِ والحسنُ وعطاءٌ: إن بَدأَ بالطَّلَاقِ أو أخَّرَ فهو أحقُّ بِشَرْطِهِ.
٢٧٢٧ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَدِيٍّ بنِ ثابتٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي
هريرةَ عُ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ وَِّ عن التَّلَقّي، وأن يَبْتَاعَ المهاجِرُ للأعرابيِّ، وأن تَشْتَرِطَ المرأةُ
طَلَاقَ أُخْتِها، وأن يَسْتامَ الرجلُ على سَوْمِ أخِيه، ونَهَى عن النَّجْشِ، وعن النَّصْرِيةِ.
تابَعَه معاذٌ وعبدُ الصَّمَدِ، عن شُعْبةَ.
وقال غُندَرٌ وعبدُ الرَّحمنِ: نُبِيَ.
وقال آدمُ نُهِينا.
وقال النَّضْرُ وحَجّاجُ بنُ منهالٍ: نَهَى.
قوله: ((باب الشُّروط في الطَّلاق)) أي: تعليق الطَّلاق.
٣٢٥/٥

٤٣٨
باب ١١ / ح ٢٧٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال ابن المسيّب والحسن وعطاء: إن بَدَأ)) أي: بهمزةٍ ((أو أخَّرَ فهو أحقّ بشَرْطِهِ))
وَصَلَه عبد الرَّزّاق (١١٢٧٣) عن مَعمَر عن قَتَادة، عن الحسن وابن المسيّب في الرجل
يقول: امرأته طالق، وعبده حُرّ، إن لم يَفعَل كذا، يُقدِّم الطَّلاقَ والعَتاقَ، قالا: إذا فعَلَ
الذي قال فليس عليه طلاق ولا عتاق، وعن ابن جُريج عن عطاء مثلُه (١١٢٧٥)، وزاد:
قلت له: فإنَّ ناساً يقولون: هي تطليقة حين بَدَأ بالطَّلاق، قال: لا، هو أحقّ بشَرْطِه.
وروى ابن أبي شَيْبة (٤٧/٥) من وجه آخر عن قَتَادة عن سعيد بن المسيّب والحسن
في الرجل يَحِلِف بالطَّلاق فيَبدَأ به قالا: له ثُنْيَاهُ إذا وَصَلَه بكلامه، وأشار قَتَادة بذلك إلى
قول شُرَيح وإبراهيم النَّخَعي: إذا بَدَأ بالطَّلاق قَبل يَمينِهِ وَقَع الطَّلَاقُ، بخلاف ما إذا
أخّرَه، وقد خالَفَهم الجمهور في ذلك.
قوله: ((عن أبي حازم)) هو سلمان الأشجَعي، وقد تقدَّم الكلام على حديث أبي هريرة
هذا في البيوع مُفَرَّقاً في مواضعه (٢١٤٠).
والغَرَض منه قوله: ((ولا تَشتَرط المرأة طلاق أُختها))؛ لأَنَّ مفهومه: أنَّها إذا اشتَرَطَت
ذلك فطَلَّقَ أُختَها وقع الطَّلاق لأنَّه لو لم يقع لم يكن للنَّهي عنه معنًى، قاله ابن بَطَّال، ويأتي
الكلام على ما يَتعلَّق منه بالطَّلاق في كتاب النِّكاح (٥١٥٢) إن شاء الله تعالی.
قوله: ((تابَعَه معاذ)) أي: ابن معاذ العَنبَري ((وعبد الصَّمَد)) هو ابن عبد الوارث، والمعنى
أَّهما تابَعا محمد بن عَرعَرة في تصريحه برفعِ الحديث إلى النبي وَّةٍ وإسناد النَّهي إليه صريحاً.
قوله: ((وقال غُندَر وعبد الرحمن)) أي: ابن مَهدي ((نُهِيَ)) يعني أنَّهما رَوَياه أيضاً عن شُعْبة
فأبهَما الفاعِل، وذكره بضمِّ النّون وكسر الهاء.
قوله: ((وقال آدم)) أي: ابن أبي إياس، يعني: عن شُعْبة: ((نُهينا)) أي: ولم يُسَمِّ فاعِل النَّهي
أيضاً.
قوله: ((وقال النَّضْر)) أي: ابن شُمَيلِ ((وحَجّاج بن مِنهال)) يعني: عن شُعْبة أيضاً (نَى))
أي: بفتح النّون والهاء ولم يُسَمّيا فاعِلِ النَّهي أيضاً.

٤٣٩
باب ١١ / ح ٢٧٢٧
كتاب الشروط
وهذه الرِّوايات قد وقعت لنا موصولة: فأمَّا رواية معاذ فوَصَلها مسلم (١٥١٥/ ١٢)
ولفظه: ((أنَّ رسول الله وَّ نَهى عن التَّلقّي)) الحديث.
وأمَّا رواية عبد الصَّمَد فَوَصَلها مسلم أيضاً (١٠/١٥١٥) وقال فيها: ((إنَّ رسول الله وَلآل
فَهَى)) بمِثلِ حديث معاذ، وكذلك أخرجه النَّسائي (٤٤٩١) من طريق حَجّاج بن محمد،
وأبو عَوَانة (٤٨٩٥ و٤٨٩٦) من طريق يحيى بن بُكَيرِ وأبي داود الطَّيالسي، كلَّهم عن شُعْبة،
لكن شكَّ أبو داود هل هو ◌ُهي أو نَھی.
وأمَّا رواية غُندَر فَوَصَلَها مسلم أيضاً (١٢/١٥١٥) قال: حدَّثنا أبو بكر بن نافع
حدَّثنا غُندَر، وقال في روايته: ((ثُبِيَ)) كما عَلَّقَه البخاري، وكذلك أخرجه مسلم من طريق
وهب بن جَرِير، وأبو عَوَانة (٤٨٩٤) من طريق أبي النَّضر، كلاهما عن شُعْبة.
وأمَّا رواية عبد الرحمن بن مَهدي فوَصَلها ... (١)
وأمَّا رواية آدم فُرُوّيناها في نُسخَته روايةَ إبراهيم بن دِيزِيلَ (٢) عنه.
أمَّا رواية النَّضر بن شُمَيلٍ فَوَصَلها إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) (٢٢٦) عنه.
أمَّا رواية حَجّاج بن منهال فَوَصَلها البيهقي (٣١٧/٥) من طريق إسماعيل القاضي
عنه، وقَرَنَها برواية حفص بن عمر عن شُعْبة، وأخرجه أبو عَوَانة (٤٨٩٧) من طريق زيد
ابن أبي أُنيسة عن عَديّ بن ثابت فقال فيه: ((عن النبي ◌َّ)) ولم يَشُكّ.
(١) هنا بياض في الأصلين و(س)، وجاء في هامش طبعة بولاق: بعد قوله: ((فوصلها)) بياض بنسخة معتمدة،
وفي أخرى تركه وحذف هذه الجملة، ولعل المؤلف بيَّض للبحث على من وصل رواية عبد الرحمن،
وعبارة القسطلّاني: قال الحافظ ابن حجر في المقدمة: ورواية آدم وعبد الرحمن والنضر لم أقف عليها؛
أي: موصولة، وقال في ((الفتح)): رواية آدم رويناها في نسخته، وأما رواية النضر فوصلها إسحاق بن
راهويه في «مسنده)) عنه.
(٢) كذا في (أ) على الصواب، وتحرف في (س) إلى: يزيد، وفي (ع) إلى: جبريل. وإبراهيم هذا: هو ابن
الحسين بن علي بن مهران بن دِیزیل الکِسائي، أبو إسحاق الهمداني، روی عن آدم بن أبي إياس
وأبي نعيم وسليمان بن حرب وغيرهم، كان ثقة حافظاً عابداً، انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء))
١٨٥/١٣-١٩٢.

٤٤٠
باب ١٢ -١٣ / ح ٢٧٢٨ -٢٧٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله في هذا المتن: ((وأن يَبتاع المهاجرُ للأعرابي)) المراد بالمهاجر: الحَضَري، وأطلقَ عليه
ذلك على عُرف ذلك الزَّمان، والمعنى أنَّ الأعرابي إذا جاء السُّوق ليبتاع شيئاً لا يَتَوَكَّل له
الحاضر، لئلَّا يَجِرِمَ أهلَ السُّوق نَفعاً ورِفْقاً، وإنَّما له أن يَنصَحه ويشير عليه، ويحتمل أن
يكون المراد بقوله: ((أن يَبتاع)) أن يَبيع، فيوافق الرِّواية الماضية.
٣٢٦/٥
١٢ - باب الشُّروط مع الناس بالقول
٢٧٢٨ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، أنَّ ابنَ جُرَيجِ أخبَرَه، قال: أخبرني يَعْلَى
ابنُ مُسلِمٍ وعَمْرُو بنُ دِينارٍ، عن سعيد بنِ جُبَيٍ، يزيدُ أحدُهما على صاحبِهِ، وغیرُهما قد
سمعتُه يُحدِّثُه، عن سعيد بنِ جُبَيٍ، قال: إنّا لَعندَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: حدَّثْني أُبَيُّ
ابنُ كَعْبٍ قال: قال رسولُ الله ◌ِوَّةِ: ((موسى رسولُ الله ... )) فَذَكَرَ الحديثَ: ﴿ قَالَ أَلَمَّ أَقُلْ
إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢] كانتِ الأولَى نِسْياناً، والوُسْطَى شَرْطاً، والثّالثةُ
عَمْداً: ﴿ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]، ﴿لَقِيَا غُلَمًا
فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف: ٧٤] ﴿فَأَنْطَلَقَا فَوَجَدَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧])).
قَرَأْها ابنُ عبَّاسٍ: ((أمامَهم مَلِكٌ)).
قوله: ((باب الشَّروط مع النّاس بالقولِ)) ذكر فيه طرفاً من حديث ابن عبّاس عن أُبَيّ
ابن كعب في قِصَّة موسى والخَضِر، والمراد منه قوله: «كانت الأُولى نِسياناً، والوُسطى
شرطاً، والثالثة عَمداً)) وأشار بالشَّرطِ إلى قوله: ﴿إِن سَأَلْنُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُّصَحِبْنِى﴾
[الكهف: ٧٦]، والتِزام موسى بذلك، ولم يَكُبا ذلك ولم يُشهِدا أحداً.
وفيه دلالة على العمل بمُقتَضى ما دَلَّ عليه الشَّرط، فإنَّ الخَضِر قال لموسى لمَّا أخلَفَ
الشَّرطَ: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] ولم يُنكِرِ عليه موسى عليه السَّلام ذلك.
١٣ - باب الشُّروط في الوَلاء
٢٧٢٩ - حدَّثنا إسماعيلُ، حذَّثنا مالكٌ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت:
جاءتْني بَرِيرةُ فقالت: كاتَبتُ أهلي على تِسْعِ أواقٍ، في كلِّ عامٍ أُوقِيَّةٌ فَأَعِينيني، فقالت: إن