Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
باب ١٥ / ح ٢٦٦١
كتاب الشهادات
ثمَّ قال: باب ... إلى آخره.
قوله: ((حدَّثنا أبو الرَّبيع سليمان بن داود)) هو الَّهْراني العَتَكيّ - بفتح المهمَلة والمثنَّة -
البصري، نزلَ بغداد، اتَّفَقَ البخاري ومسلم (٥٧/٢٧٧٠) على الرِّواية عنه، ومن جُملة ما
اتَّفَقا عليه إخراج هذا الحديث عنه، وفي طبقتِه اثنان كلّ منهما أيضاً أبو الرَّبيع سليمان بن
داود، أحدُهما: الخُتَّلي - بضمِّ المعجَمة وتشديد المثنَّاة المفتوحة، بغداديٌّ ـ انفَرَدَ مسلم
بالرِّواية عنه، والرِّشدِيني - بكسر الراءِ وسكونِ المعجمة - مِصريٌّ لم يُرِّجاله، وروى عنه
أبو داود والنَّسائي.
قوله: ((وأفهَمَني بعضَه أحمدُ، قال: حدَّثنا/ فُلَبِحٌ)) يحتملُ أن يكون أحمد رفيقاً لأبي الرَّبيع ٢٧٣/٥
في الرّواية عن فُلَيح، وأن يكون البخاري ◌َمَلَه عنهما جميعاً على الكيفية المذكورة، ويحتملُ
أن يكون أحمدُ رفيقاً للبخاري في الرِّواية عن أبي الرَّبيع، وهو الأقرَبُ، إذ لو كان المراد
الأوَّلَ لكان يقول: ((قالا: حدَّثنا فُلَيِحٌ)) بالتَّثنية، ولم أرَ ذلك في شيءٍ من الأُصول، ويُؤيِّدُ
الأوَّل أيضاً صنيع البَرَقاني، فإنَّه أخرج الحديثَ في المصافَحة، ومُقتَضاه أنَّ القَدْرَ المذكورَ
عند البخاري عن أحمدَ عن أبي الرَّبيع عن فُلَيحِ، لكن وقع في ((أطراف)) خَلَفٍ: حدَّثنا أبو
ربيع وأفهَمَني بعضَه أحمد بن يونس، فإن كان محفوظاً فلعلَّ لفظ ((قالا)) سقط من الأصلِ
كما جَرَت العادةُ بإسقاطها كثيراً في الأسانيد، فأثبَتَ بعضُهم بدلها ((قال)) بالإفراد. وبما قال
خَلَفٌ جَزَمَ الدِّمياطي.
وأمَّا جَزُمُ المِزّي بأنَّ الَّذي ذكره خَلَفٌ وهمٌّ، فليس هذا الجزمُ بواضح، وزَعَمَ ابن
خَلْفونٍ: أنَّ أحمدَ هذا هو ابن حنبل بناءً على القولِ الثاني، وجَوَّزَ غيرُه أن يكون أحمدَ بن
النَّضِرِ النَّيسابوري، وبه جَزَمَ الذَّهَبِي في (طبقاتِ القُرّاء))، وقد حدَّث به عن أبي الرَّبيعِ
الزَّهْراني مَمَّن يُسمَّى أحمد أيضاً: أبو بكر أحمد بن عَمْرو بن أبي عاصم، وأبو يَعْلى أحمد بن
عليّ بن المثنَّى(١) وغيرهما، وقد ذكرتُ في المقدِّمة طائفة ممَّن روى هذا الحديثَ عن فُلَيح
مَّن تَسَمّى أحمد، وكذلك مَن رواه عن أبي الرَّبيع ◌َمَّن يُسمَّى أحمد أيضاً، فالله أعلم.
(١) هو في ((مسنده)) برقم (٤٩٢٧).

٣٤٢
باب ١٥ / ح ٢٦٦١
فتح الباري بشرح البخاري
ثمَّ ساق المصنِّفُ حديثَ الإفكِ بطولِه من رواية فُلَيح عن الزهري عن مشائخِه، ثمَّ
من رواية فُلَيح عن هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عائشة، وعبد الله بن الزُّبیر قال مِثلَه، ومن
ے
رواية فُلَيحِ عن ربيعة ويحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال مِثلَه، وسيأتي شرحُه
مُستَوفَّى في تفسير سورة النّورِ (٤٧٥٠)، وبيانُ ما زادت رواية كلّ واحد من هؤلاءٍ على
رواية الزُّهري وما نَقَصَت عنها.
وقد أخرجه الإسماعيلي عن جماعةٍ أخبروه به عن أبي الرَّبيع، وزاد في آخره عن فُلَيحِ:
قال: وسمعتُ ناساً من أهلِ العلم يقولونَ: إنَّ أصحابَ الإفكِ جُلِدوا الحدَّ. قلت:
وسيأتي لذلك إسناد آخر في كتاب الاعتصام (٧٣٦٩، ٧٣٧٠) إن شاء الله تعالى.
والغَرَضُ منه هنا سؤاله وَّهِ بَرِيرةَ عن حال عائشة، وجوابُها ببَرَاءَتِها، واعتمادُ النبي ◌َّ
على قولها، حتَّى خَطَبَ فاستَعذَرَ من عبد الله بن أُبَيٍّ. وكذلك سؤالُه من زينب بنت
جَحْش عن حال عائشة وجوابها ببَراءَتِها أيضاً، وقول عائشة في حقٌّ زينب: هي التي كانت
تُسامِيني فَعَصَمَها الله بالوَرَعِ. ففي مجموعِ ذلك مُرادُ الترجمة.
قال ابن بَطَّال: فيه حُجَّة لأبي حنيفة في جوازٍ تعديلِ النِّساء، وبه قال أبو يوسف، ووافقَ
محمد الجمهور.
قال الطَّحَاوي: التَّزكيةُ خبرٌ وليست شهادة، فلا مانعَ من القَبُول، وفي الترجمة الإشارة
إلى قولٍ ثالثٍ وهو أن تُقْبَلَ تَزكيتُهنَّ لبعضِهنَّ لا للرِّجال؛ لأنَّ مَن مَنَعَ ذلك اعتَلَّ بنقصان
المرأة عن مَعرِفة وجوه التَّزكية، لا سيما في حقِّ الرِّجال.
وقال ابن بَطَّال: لو قيل: إنَّه تُقبَلُ تَزكيتُهنَّ بقولٍ حسن وثَناءٍ جميل يكون إبراءً من
سوءٍ، لكان حسناً كما في قِصَّة الإفك، ولا يَلزَمُ منه قَبُول تَزكيتِهِنَّ في شهادةٍ توجِبُ أخذَ
مالٍ، والجمهورُ على جوازٍ قَبُولِهِنَّ مع الرِّجال فيما تجوزُ شهادتُهنَّ فيه.
قوله: «فأَيَّتُهنَّ خَرَجَ سَهْمُها أَخرَج بها معه)) كذا للنَّسَفي ولأبي ذرِّ عن غيرِ الكُشْمِيهني،
وفي رواية الكُشْمِيهني والباقينَ: ((خَرَجَ)) وهو الصوابُ، ولعلَّ الأوَّل ((أُخرِجَ)) بضمّ أوَّلِه
على البناء للمجهول.

٣٤٣
باب ١٦ / ح ٢٦٦٢
كتاب الشهادات
قوله: ((من جَزْع أظْفار)) كذا للأكثر، وفي رواية الكُشْمِيهني: ((ظِفَار)) وهو أصوَبُ،
وسيأتي توضيحه عند شرحِه.
قوله: ((فاستَقَظْت باسترجاعِه حتَّى أناخَ راحلتَه)) كذا للأكثر، وفي رواية الكُشْمِيهني
والنَّسَفي: حينَ أناخَ راحلتَه.
قوله: ((وقد بَكَيت ليلَتي ويوماً)) في رواية الكُشْمِيهني: ((ليلَتين ويوماً))، وفي رواية
النَّسَفي وأبي الوَقْت: ((ليلَتي ويومي)).
وسيأتي بقية ألفاظه عند شرحِه (٤٧٥٠) إن شاء الله تعالى.
١٦ - باب إذا زكّی رجلٌ رجلاً كَفَاه
٢٧٤/٥
وقال أبو جَميلةَ: وَجَدْتُ مَنبُوذاً، فلمَّا رآني عمرُ قال: عَسَى الغُوَيْرُ أبْؤُساً، كأنَّه يَتَّهُمُني،
قال عَرِيفي: إنَّه رجلٌ صالحٌ، قال: كذاكَ اذْهَب وعلينا نَفَقَتُه.
٢٦٦٢- حدَّثنا محمدُ بنُ سَلَام، أخبرنا عبدُ الوهّاب، حدَّثنا خالدٌ الحَذّاءُ، عن
عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بَكْرةَ، عن أبيه، قال: أثْنَى رجلٌ على رجلٍ عندَ النَّبِيِّ ◌َّةِ، فقال: ((وَيَلَكَ!
قَطَعْتَ عُنُقَ صاحبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صاحبِكَ)) مِراراً، ثمّ قال: ((مَن كان منكم مادِحاً أخاه لا
تَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أحسَبُ فلاناً واللهُ حَسِيبُه، ولا أُزَكّي على الله أحداً، أحسَبُه كذا وكذا، إن كان
يَعْلَمُ ذلك منه».
[طرفاه في: ٦١٦٢،٦٠٦١]
قوله: ((باب إذا زَكّى رجل رجلاً كَفاه)» تَرجَمَ في أوائل الشَّهاداتِ ((تعدیل کم یجوزُ»
(٢٦٤٢) فتَوَقَّفَ هناك، وجَزَمَ هنا بالاكتِفاءِ بالواحدِ، وقد قَدَّمت توجيهَه هناك. واختلفَ
السَّلَفُ في اشتراط العدد في التَّزكية، فالمرجَّح عند الشّافعية والمالكية - وهو قولُ محمد بن
الحسن - اشتراطُ اثنَينِ كما في الشَّهادة، واختارَه الطَّحَاوي، واستَئنى كثيرٌ منهم بطانةَ
الحاكم؛ لأنَّه نائبُه فيُنَزَّلُ قوله مَنِزِلة الحكم، وأجازَ الأكثر قَبُول الجَرحِ والتَّعديلِ من
واحدٍ؛ لأنَّه يُنَزَّلُ مَنزِلة الحكم، والحكمُ لا يُشتَرَطُ فيه العدد.

٣٤٤
باب ١٦ / ح ٢٦٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقال أبو عُبيد: لا يُقبَلُ في التَّزكية أقلّ من ثلاثة، واحتَجَّ بحديث قبيصَة الَّذي أخرجه
مسلم (١٠٤٤)، وفيه فيمَن تَحِلُّ له المسألةُ: ((حتَّى يقومَ ثلاثةٌ من ذوي الحِجا فيَشهَدون له))
قال: وإذا كان هذا في حقّ الحاجة فغيرها أولى، وهذا كلّه في الشَّهادة، أمَّ الرِّوايةُ فيُقبَلُ
فيها قول الواحدِ على الصَّحيح؛ لأنَّه إن كان ناقلاً عن غيره فهو من جُملة الأخبار ولا
يُشتَرَطُ العدد فيها، وإن كان من قِبَلِ نفسِه فهو بمَنزِلة الحاكمِ ولا يَتَعَدَّدُ أيضاً.
قوله: ((وقال أبو جَمِيلةَ)) بفتح الجيمِ وكسر الميم، واسمُه: سُنَيْنٌ بمُهمَلة ونونَينِ مُصغَّرٌ،
ووَهِمَ مَن شَدَّدَ التَّحتانية كالدَّاوُودي، وقيل: إنَّها روايةُ الأَصِيلي، قيل: اسمُ أبيه فرقَدُ، قال
ابن سعد: هو سُلَميّ، وقال غيرُهُ: هو ضَمْريّ، وقيل: سَلِيطيّ. وقد ذكره العِجْلي وجماعة
في التابعين. وسيأتي في غَزْوة الفتح (٤٣٠١) ما يدلُّ على صُحبَتِه، وقد ذكره آخرون في
الصحابة، ووقع سياق خبره من طريق مَعمَرٍ عن الزّهري عن أبي جميلة قال: أخبرنا ونَحنُ
مع ابن المسيّب أنَّه أدرَكَ النبي ◌َُّ وخَرَجَ معه عام الفتح. وذكر أبو عمر أنَّه جاء في روايةٍ
أُخرى: ((أنَّه حَجَّ حَجَّة الوَداعِ))، وهو واردٌ على مَن لم يَعِرِفه، فقال: إنَّه مجهولٌ، کابن
المنذِر، ونَقَلَ البيهقي عن الشّافعي نحوَ ذلك.
وفي الرُّواة أبو جَمِيلة آخر، اسمُه مَيسَرة الطَّهَوي، بضمِّ الطاءِ المهمَلة وفتحِ الهاء، وهو
كوفي روى عن عثمان وعليّ، وليست له صحبة اتِّفاقاً، ووهمَ مَن جَعَلَه صاحبَ هذه
القِصَّة، کالکِرْماني.
قوله: ((وَجَدْتُ مَنبُوذً) بفتح الميمِ وسكون النّونِ وضَمِّ الموحّدة وسكون الواوِ بعدَها
مُعجَمة، أي: شخصاً منبوذاً، أي: لَقِيطاً.
قوله: ((قال: عسى الغُوَيرُ أَبْؤُساً) كذا للأَصِيلي ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهني وحدَه، وسَقَطَ
للباقينَ. والغُوَيرُ بالمعجَمة تصغير غارٍ، وأبْؤُساً جمعُ بُؤسٍ: وهو الشِّذَّة، وانتَصَبَ على أنَّه
خبرُ عسى عند مَن يُحِيزُه، أو بإضمار شيء تقديره: عسى أن يكون الغُوَيرُ أبؤُساً، وجَزَمَ به
صاحب ((المغني)). وهو مَثَّلٌ مشهورٌ يقال فيما ظاهرُه السَّلامة ويُخْشَى منه العَطَب، وروى

٣٤٥
باب ١٦ / ح ٢٦٦٢
كتاب الشهادات
الخَلّال في ((عِلَلِه)) عن الزُّهري: أنَّ أهلَ المدينة يَتَمثَّلون به في ذلك كثيراً، وأصله كما قال
الأصمعي: أنَّ ناساً دخلوا غاراً یبیتُون فیه، فانهارَ علیهم فقتلهم، وقيل: وجدوا فيه/ عدوّاً ٢٧٥/٥
لهم فقتلهم، فقيل ذلك لكلِّ مَن دَخَلَ في أمرٍ لا يَعرِفُ عاقبتَه.
وقال ابن الكلبي: الغُوَيرُ مكان معروف فيه ماء لبَني كلبٍ، كان فيه ناس يَقطَعون
الطَّرِيقَ، وكان مَن يَمُرُّ يَتَواصَون بالحِراسة.
وقال ابن الأعرابي: ضَرَبَ عمرُ هذا المثَل للرَّجُلِ يُعَرِّضُ بأنَّه في الأصلِ ولدُه، وهو
يريدُ نفيَه عنه بدعواه أنَّه التَّقَطَه، فهذا معنى قوله: ((كأنَّ يَتَّهمُني)).
وقيل: أوَّلُ مَن تكَلَّمَ به الزَّبَّاءُ - بفتح الزّايٍ وتشديد الموخَّدة والمدِّ - لمَّا قَتَلَت جُذَيمة
الأبرَش، وأراد قَصِير - بفتح القاف وكسر المهمَلة - أن يَقْتَصَّ منها، فتَواطَأْ قَصِير وعَمْرو
ابن أُخت ◌ُذَيمة على أن قَطَعَ عَمْرُو أَنفَ قَصِير، فأظهَرَ أَنَّه هَرَبَ منه إلى الزَّبَّاءِ؛ فأمِنَت
إليه، ثمَّ أرسَلَته تاجراً، فَرَجَعَ إليها بِرِبحٍ كثيرٍ مِراراً، ثمَّ رَجَعَ المرّة الأخيرة ومعه الرِّجالُ في
الأعدال معهم السِّلاح، فنَظَرَت إلى الجمال تَشي روَيداً لِثِقَلِ مَا عليها، فقالت: عَسى
الغُوَيْرُ أبؤساً، أي: لعلَّ الشَّ يأتيكُم من قِبَلِ الغُوَير، وكان قَصِيرٌ أعلمَها أنَّه سلَكَ في هذه
المَرَّة طريق الغُوَيرِ، فلمَّا دَخَلَت الأحمالُ قَصرَها خَرَجَت الرِّجالُ من الأعدال فهلَكَت.
قوله: ((كأنَّه يَتَّهِمُني)) أي: بأن يكون الوَلَد له، وإنَّما أراد نفيَ نَسَبِه عنه لمعنَّى من المعاني،
وأراد مع ذلك أن يَتَولّى هو تربيته، وقيل: اتَّهمَه بأنَّه زَنى بأُمِّه ثمَّ ادَّعاه، وهو بعيدٌ، وما
تقدَّم أولی.
وقد أخرج البيهقي (٢٠٢/٦ و٢٩٨/١٠) هذه القِصَّةَ موصولة من طريق يحيى بن
سعيد الأنصاري عن الزهري عن أبي جميلة: أنَّه خَرَجَ مع النبي ◌َِّ عام الفتح، وأنَّه وَجَدَ
مَنبوذاً في خلافة عمرَ فأخَذَه، قال: فذكر ذلك عَرِيفي لعُمر، فلمَّا رآني عمر قال .. فذكره
وزاد: ما حَمَلَك على أخذِ هذه النَّسَمة؟ قلت: وجَدتُها ضائعة فأخذتها.

٣٤٦
باب ١٦ / ح ٢٦٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقد أخرج مالك في ((الموطَّأ)) (٢/ ٧٣٨) هذه الزّيادة عن الزُّهري أيضاً، وصَدرُ هذا
الخيرِ سيأتي موصولاً في أواخرِ المغازي (٤٣٠١) من وجهٍ آخرَ عن الزُّهري، وفي ذلك رَدّ
على مَن زَعَمَ أنَّ أبا جميلة هذا هو الطُّهَوي؛ لأنَّ الطُّهَوي لم يُدرِك النبيٍِّ ولا عمَرَ،
وأورَدَ ابن الأثير (١) عن البخاري ما ذكرتُه عنه وزاد فيه: وأنَّه التَّقَطَ مَنبوذاً، فذكر القِصَّةَ،
ولم أرَ ذلك في شيءٍ من النُّسَخِ.
قوله: ((فقال له عَريفي: إنَّه رجلٌ صالحٌ)) لم أقف على اسمِ هذا العَريف، إلّا أنَّ الشَّيخَ أبا
حامد ذكر في تعليقه أنَّ اسمَه سِنَان. وفي ((الصحابة)) لابن عبد البَرّ: سِنَان الضَّمْري
استَخلَفَه أبو بكر الصِّدّيقِ مرَّةً على المدينة. فيحتملُ أن يكون هو ذا، فقد قيل: إنَّ أبا جميلة
ضَمْري، والله أعلم. قال ابن بَطَّال: كان عمرُ قَسَّمَ الناسَ وجَعَلَ على كلِّ قبيلة عَرِيفاً يَنظُرُ
عليهم. قلت: فإن كان أبو جميلة سُلَمِيّاً، فيُنظَرُ مَن كان عَرِيف بني سُلَيم في عَهدِ عُمر.
قوله: «قال کذاكَ» زاد مالك في روايته: «قال: نعم».
قوله: ((اذْهَب وعلينا نَفَقَتُه)) في رواية مالك: «فقال عُمر: اذهب فهو حُرُّ، ولَك ولاُه
وعلينا نَفَقَتُه))، وكذلك في رواية البيهقي.
قال ابن بَطَّل: في هذه القِصَّة أنَّ القاضي إذا سألَ في مَجَلِسِ نظره عن أحدٍ، فإنَّه يَتَزِئُ
بقولِ الواحِدِ كما صَنَعَ عُمر. فأمَّا إذا كَلَّفَ المشهودَ له أن يُعَدِّلَ شهودَه فلا يقبلُ أقلّ من اثنين.
قلت: غايَتُهُ أنَّه ◌َلَ القِصَّة على بعض مُخْتَمَلاتِها، وقِصَّة التَّكليف تحتاجُ إلى دليلٍ من
خارج، وفيها جواز الالتقاط، وإن لم يَشْهَد، وأنَّ نَفَقَتَه إذا لم يُعرَف له مالٌ (٢) في بيت المال،
وأنَّ ولاءَه لمُلتَقِطِهِ، وذلك ممَّا اختُلِفَ فيه، وستأتي الإشارة إلى ذلك في كتاب الفرائض(٣)
إن شاء الله تعالى. وقد وجَّهَ بعضُهم معنى قوله: («لك ولاؤُه)) بكَونِه حينَ التَّقَطَه كأنَّه
أعتَقَه من الموت، أو أعتَقَه من أن يَلتَقِطَه غيرُه ويَدَّعي أنَّه مِلكُه.
(١) ((أسد الغابة)) ١/ ٤٨٣ في ترجمة سُنَين أبي جميلة.
(٢) لفظة ((مال)) سقطت من (س).
(٣) بین یدي الحديث (٦٧٥١).

٣٤٧
باب ١٧ / ح ٢٦٦٣
كتاب الشهادات
تنبيه: وقع في ((المطالع)) أنَّ عمرَ لمَّا اتَّهَمَ أبا جميلة شَهِدَ له جماعة بالسَّتِرِ. انتهى، وليس
في قِصَّتِهِ أَنَّ الَّذي شَهِدَ ليس إلَّا عَريفه وحدَه.
وفيه تَنِبُّتُ عمرَ في الأحكام، وأنَّ الحاكمَ إذا تَوَقَّفَ في أمر أحد لم يكن ذلك قادحاً فيه،
ورُجوعُ الحاكمِ إلى قولِ أُمَنائه.
وفيه أنَّ الثَّناءَ على الرجل في وجهه عند الحاجة لا يُكرَه، وإنَّما يُكرَه الإطناب في ذلك،
وهذه النُّکتة تَرجَمَ البخاري عَقِبَ هذا بحديث أبي موسى الذي/ ساقه بمعنی حدیث ٢٧٦/٥
أبي بَكْرةَ الَّذي أورَدَه في هذا الباب فقال: ((ما يُكرَه من الإطناب في المدحِ))، ووجه
احتجاجه بحديث أبي بَكْرَةَ أَنَّه ◌ِ لّه اعتَبَرَ تَزكية الرجل إذا اقتَصَدَ؛ لأنَّه لم يَعِب عليه إلَّا
الإسرافَ والتَّغالي في المدح.
واعتَرَضَه ابن المنيِّر بأنَّ هذا القَدرَ كافٍ في قَبُولِ تَزكيتِهِ، وأمَّا اعتبارُ النِّصاب
فمَسكوتٌ عنه. وجوابُه أنَّ البخاري جَرى على قاعِدَتِه بأنَّ النِّصابَ لو كان شرطاً لَذُكِرَ،
إذ لا يُؤَخَّرُ البيانُ عن وقتِ الحاجة.
قوله: ((أثْنِى رجلٌ على رجلٍ) يحتملُ أن يُفَسَّرَ المُثْنِي بمِحجَن بن الأدرَعِ الأسلَمي،
وحديثُه بذلك عند الطبراني (١٨ / ٢٣٠ و٢٩٦) وأحمد (١٨٩٧٦) وإسحاق، وعند إسحاق
فيه زيادة من وجهٍ آخرَ قد يُفَسَّرُ منها المثنى عليه بأنَّه عبد الله ذو النِّجادينِ(١)، وسيأتي بيانُ
ذلك في كتاب الأدب (٦٠٦١) مع تمام الكلام على حديث أبي بکْرَ إن شاء الله تعالی.
١٧ - باب ما يُكره من الإطناب في المدح وليقل ما يعلم
٢٦٦٣ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ صَبّاح، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ زکریًّا، حدَّثْنا بُرِیدُ بنُ عبدِ الله، عن
أبي بُرْدَةَ، عن أبي موسى ◌َ﴾، قال: سمعَ النبيُّ ◌َّه رجلاً يُثْني على رجلٍ ويُطْرِيه في مَدْحِه،
فقال: ((أهلَكْتُم - أو قَطَعْتُم - ظَهْرَ الرجلِ)).
[طرفه في: ٦٠٦٠]
(١) هو عند أحمد (١٨٩٧١).

٣٤٨
باب ١٨ / ح ٢٦٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب ما يُكْرَه من الإطْناب في المدْحِ ولْيَقُل ما يَعْلَم)) أورَدَ فيه حديثَ أبي موسى:
((سمِعَ النبي ◌ِِّ رجلاً يُثني على رجلٍ)) يُمكِنُ أن يُفَسَّرَ بمَن فُسِّرَ في حديثِ أبي بَكْرَةَ
(٢٦٦٢) بناءً على اتّحاد القِصَّة
قوله: (يُطريه) بِضَمِّ أوَّله، والإطراءُ: مَدح الشَّخصِ بزيادةٍ على ما فيه.
قوله: ((أهلَكْتُم أو قَطَعْتُمْ)) شكٍّ من الراوي، وليس في الحديث ما زاده في الترجمة من
قوله: «ولیقُل ما یَعلَمُ))، وکأنَّه ذهب إلى اتحاد حديثَي أبي بكرَ وأبي موسى، وقد قال في
حديثٍ أبي بَكْرةَ: ((إن كان يَعلَمُ ذلك منه))، والله أعلم.
١٨ - باب بلوغ الصِّبيان وشهادتهم
وقولِ الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُمْ فَلْيَسْتَخْذِنُواْ﴾ [النور: ٥٩].
وقال مُغِيرةُ: احتَلَمْتُ وأنا ابنُ ثِنْتَ عَشْرةَ سنةً.
وبُلُوغُ النِّساءِ إلى الحيضِ، لقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَالَّتِى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَابِكُمْ﴾ إِلى
قولِهِ: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
وقال الحسنُ بنُ صالح: أدرَكْتُ جارةً لنا جَدّةٌ بنتَ إحدَى وعِشْرِينَ سنةً.
٢٦٦٤- حدَّثْنا عُبيدُ الله بنُ سعيدٍ، حذَّثنا أبو أسامةَ، قال: حدَّثني عُبيدُ الله، قال: حدَّثني
نافعٌ، قال: حدَّثني ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله وَعَرَضَه يومَ أُحدٍ وهو ابنُ أربعَ
عَشْرَةَ سنةً، فلم يُحِزْني، ثمَّ عَرَضَني يومَ الخندَقِ وأنا ابنُ خمسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فأجازَني.
قال نافعٌ: فقَدِمْتُ على عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ وهو خَلِيفٌ، فحدَّثْتُهُ الحديثَ، فقال: إنَّ هذا
لَحَدٌّ بين الصَّغِيرِ والكَبيرِ، وكَتَبَ إلى عُمَّاله أن يَفْرِضُوا لِمَن بَلَغَ لخمسَ عَشْرَةَ.
[طرفه في: ٤٠٩٧]
قوله: ((باب بلوغ الصِّبْيان وشهادتهم)) أي: حَدِّ بلوغِهم وحكمٍ شهادتِهِم قبلَ ذلك، فأمَّا
٢٧٧/٥
حَدُّ البلوغ فسأذكُرُه، وأمَّا شهادةُ الصِّبیان فردَّها الجمهورُ، واعتبرها مالكٌ في چِراحاتهم

٣٤٩
باب ١٨ / ح ٢٦٦٤
كتاب الشهادات
بشرطِ أن يُضَبَطَ أوَّل قولهِم قبلَ أن يَتَفَرَّقوا، وقَبِلَ الجمهورُ أخبارهم إذا انضَمَّت إليها
قَرِينة، وقد اعتُرضَ بأنَّه تَرجَمَ بشهادتهم، وليس في حديثَي الباب ما يُصِّحُ بها.
وأُجيبَ بأنَّه مأخوذٌ من الاتّفاق على أنَّ مَن حُكِمَ ببلوغِه قُبِلَت شهادتُه إذا اتَّصَفَ
بشرطِ القَبُول، ويُرشِدُ إليه قول عمر بن عبد العزيز: إنَّه لَحَدٌّ بين الصَّغير والكبير.
قوله: ((وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ اٌلْحُلُمْ فَلْيَسْتَخْذِنُواْ﴾)) في هذه الآية
تعليق الحكمِ بُلوغِ الحُلُمَ، وقد أجمَعَ العلماءُ على أنَّ الاحتلام في الرِّجال والنِّساءِ يَلْزَمُ به
العِبادات والحدود وسائر الأحكام، وهو إنزالُ الماءِ الدّافق، سواء كان بجماعٍ أو غيره،
سواءٌ كان في اليَقَظَة أو المنام، وأجمعوا على أن لا أثرَ للجماع في المنام إلَّا مع الإنزال.
قوله: ((وقال مُغيرة)) هو ابن مِقسَمِ الضَّبّ الكوفي.
قوله: ((وأنا ابن ثِنَتَي عَشْرة سنةً)) جاء مِثْلُه عن عَمْرو بن العاص، فإنَّهم ذكروا أنَّه لم
يكن بينه وبين ابنه عبد الله بن عَمْرو في السِّنِّ سوى اثنَتَي عشرةَ سنةً.
قوله: ((وبلوغ النِّساءِ إلى الحيضِ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾
إلى قوله: ﴿يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾)) هو بقية من الترجمة، ووجه الانتزاع من الآية للترجمة تعليق
الحكم في العِدَّة بالأقراءِ على حصول الحيض، وأمَّا قبلَه وبعدَه فبالأشهُر، فدَلَّ على أنَّ
وجودَ الحيضِ يَنقُلُ الحكم، وقد أجمَعَ العلماءُ على أنَّ الحيضَ بلوغٌ في حقّ النِّساء.
قوله: ((وقال الحسن بن صالح)) هو ابن حَيّ الهَمْداني الفقيه الكوفي، تقدَّم نَسَبه في أوائل
الكتاب، وأثره هذا روّيناه موصولاً في ((المجالَسة)) للدّينَوَري من طريق يحيى بن آدم عنه،
نحوه، وزاد فيه: وأقلّ أوقات الحَمل تِسع سِنِينَ.
وقد ذكر الشّافعي أيضاً أنَّه رأى جَدَّة بنت إحدى وعشرينَ سنة، وأنََّا حاضَت
لاستكمال تسع، ووَضَعَت بنتاً لاستكمال عشر، ووقع لبنتِها مثل ذلك.
واختلفَ العلماء في أقلّ سِنّ تَحيضُ فيه المرأة ويَحَتَلِم فيه الرجل، وهل تَنخَصِر العلامات

٣٥٠
باب ١٨ / ح ٢٦٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
في ذلك أم لا؟ وفي السِّنّ الذي إذا جاوَزَه الغلام ولم يَحتَلِم، والمرأة ولم تَحِض، ◌ُحكم حينئذٍ
بالبلوغ.
فاعتَبَرَ مالك واللَّيث وأحمد وإسحاق وأبو ثور: الإنبات، إلّا أنَّ مالكاً لا يُقيم به الحدّ
للشُّبهَة، واعتبره الشّافعي في الكافر، واختلفَ قولُه في المسلم. وقال أبو حنيفة: سِنّ البلوغ
تسع عشرة أو ثمان عشرة للغلام، وسبع عشرة للجارية، وقال أكثر المالكية: حَدّه فيهما
سبع عشرة أو ثمان عشرة، وقال الشّافعي وأحمد وابن وهب والجمهور: حَدّه فيهما
استكمال خمس عشرة سنة علی ما في حدیث ابن عمر في هذا الباب.
قوله: ((حدَّثنا عُبيد الله بن سعيد)) كذا في جميع الأُصول عُبيد الله بالتَّصغير، وهو أبو
قُدَامَةَ السَّرَخْسي، ووقع بخَطِّ ابن العَتكي الحافظ: عُبيد بن إسماعيل، وبذلك جَزَمَ
البيهقي في ((الخلافيات))، فأخرج الحديث من طريق محمد بن الحسين الخَنعَمي عن عُبيد
ابن إسماعيل، ثمَّ قال: أخرجه البخاري عن عُبيد الله بن إسماعيل. قلت: وهو معروف
بالرّواية عن أبي أُسامة، وقد أخرج النَّسائي (٣٤٣١) هذا الحديث عن أبي قُدامةَ السَّرَخسي
فقال: ((عن يحيى بن سعيد القطَّانُ)) بدل: أبي أُسامة، فهذا يُرجِّح ما قال البيهقي.
قوله: ((أنَّ رسول الله وَِّ عَرَضَه يوم أُحد وهو ابن أربع عَشْرة سنة فلم ◌ُحِزْني» فيه التِفات
أو تجريد، إذ كان السّياق يقتضي أن يقول: فلم يُحِزِه، لكنَّه التَفَتَ، أو جَرَّدَ من نفسه أوَّلاً
٢٧٨/٥ شخصاً فعَبَّرَ/ عنه بالماضي، ثمَّ التَّفَتَ فقال: ((عَرَضَني))، ووقع في رواية يحيى القطَّن عن
عُبيد الله بن عمر كما سيأتي في المغازي (٤٠٩٧): «فلم يُجِزِه))، وفي رواية مسلم (١٨٦٨)
عن ابن نُمَير عن أبيه عن عُبيد الله: عَرَضَني رسول الله وَ ◌ّ يوم أُحد في القتال فلم يُحِزني.
وقوله: ((فلم يُحِزِني)) بضمٍّ أوَّله من الإجازة، وفي رواية ابن إدريس وغيره عن عُبيد الله عند
مسلم: ((فاستَصغَرَني)).
قوله: ((ثُمَّ عَرَضَني يوم الخندق وأنا ابن خمس عَشْرة سنة فأجازَني)) لم تَخْتَلِفِ الرُّواة عن
عُبيد الله بن عمر في ذلك، وهو الاقتصار على ذِكر أُحد والخَندَق، وكذا أخرجه ابن حِبَّان

٣٥١
باب ١٨ / ح ٢٦٦٤
كتاب الشهادات
(٤٧٢٧) من طريق مالك عن نافع، وأخرجه ابن سعد في ((الطَّبقات)) (١٤٣/٤) عن يزيد
ابن هارون عن أبي مَعشَر عن نافع عن ابن عمر، فزاد فيه ذِكر بدر، ولفظه: عُرِضت على
رسول الله ◌َي﴿ يوم بدر وأنا ابن ثلاث عشرة، فرَدَّني، وعُرِضت عليه يوم أُحد .. الحديث،
قال ابن سعد: قال يزيد بن هارون: ينبغي أن يكون في الخَندَق ابن ستّ عشرة سنة. انتهى،
وهو أقدَم مَن نَعرِفه استَشكَلَ قول ابن عمر هذا، وإنَّما بناه على قول ابن إسحاق، وأكثر
أهل السّير أنَّ الخَندَق كانت في سنة خمسٍ من الهجرة، وإن اختلفوا في تعيين شهرها كما
سيأتي في المغازي.
واتَّفَقوا على أنَّ أُحداً كانت في شوّال سنة ثلاث، وإذا كان كذلك جاء ما قال يزيد أنَّه
يكون حينئذٍ ابن ستّ عشرة سنة، لكنَّ البخاري جَنَحَ إلى قول موسى بن عُقْبةَ في المغازي:
أنَّ الخَندَق كانت في شوّال سنة أربع، وقد روى يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) ومن طريقه
البيهقي عن عُرْوة نحو قول موسى بن عُقْبةَ، وعن مالك الجزم بذلك، وعلى هذا لا إشكال.
لكن اتَّفَقَ أهل العلم بالمغازي على أنَّ المشركينَ لمَّا تَوَجَّهوا في أُحد نادَوا المسلمين:
مَوعِدكُم العام المقبل بدر، وأنَّه وَّ خَرَجَ إليها من السَّنة المقبلة في شوّال فلم يَجِد بها أحداً،
وهذه هي التي تُسمّى ((بدر الموعِد)) ولم يقع بها قتال، فَتَعَّنَ ما قال ابن إسحاق: إنَّ الحَندَق
كانت في سنة خمس، فيحتاج حينئذٍ إلى الجواب عن الإشكال، وقد أجابَ عنه البيهقي
وغيره بأنَّ قول ابن عمر: ((عُرِضت يوم أُحد وأنا ابن أربع عشرة)) أي: دَخَلت فيها، وأنَّ
قوله: (عُرِضت يوم الخَندَق وأنا ابن خمس عشرة)) أي: تَجاوَزتها، فألغى الكسر في الأولى
وجَبَرَه في الثانية، وهو شائع مسموع في كلامهم، وبه يَرتَفِع الإشكال المذكور وهو أولى
من التَّرجيح، والله أعلم.
تنبيهان:
الأوَّل: زَعَمَ ابن التِّين أنَّه وَرَدَ في بعض الرِّوايات: أنَّ عَرْضَ ابن عمر كان ببدٍ فلم
يُجِزِه، ثمَّ بأُحدٍ فأجازَه، قال: وفي رواية: عُرِضَ يوم أُحد وهو ابن ثلاث عشرة فلم يُحِزِه،

٣٥٢
باب ١٨ / ح ٢٦٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
وعُرِضَ يوم الخَندَق وهو ابن أربع عشرة سنة فأجازَه، ولا وجود لذلك، وإنَّما وُجِدَ ما
أشرتُ إليه عن ابن سعد، أخرجه البيهقي (٥٥/٦) من وجه آخر عن أبي مَعشَر، وأبو
مَعشَر مع ضعفه لم يخالف ما زاده من ذِكر بدر ما رواه الثِّقات بل يوافقهم.
الثاني: زَعَمَ ابن ناصر أنَّه وقع في ((الجمع)) للحُمَيدي هنا: ((يوم الفتح)) بدل: يوم
الخَندَق، قال ابن ناصر: والسَّابق إلى ذلك أبو (١) مسعود أو خَلَفٌ، فَتَبِعَه شيخنا ولم يَتَدَبَّرِه،
والصواب: ((يوم الخَندَق)) في جميع الرِّوايات، وتَلَقّى ذلك ابن الجَوزي عن ابن ناصر،
وبالَغَ في التَّشنيع على مَن وهمَ في ذلك، وكان الأولى تَرْك ذلك فإنَّ الغَلَط لا يَسلَم منه
أحد.
قوله: «قال نافع: فقَدِمْت علی عُمر» هو موصول بالإسناد المذكور.
قوله: ((إنَّ هذا لَحَدٍّ بين الصَّغير والكبير)) في رواية ابن عُيَينةَ عن عبيد الله بن عمر عند
التِّمِذي: ((فقال: هذا حَدّ ما بين الذُّرّية والمقاتِلة)).
قوله: ((وكَتَبَ إلى عُمَّاله أن يَفرِضوا لمن بَلَغَ خمس عشرةَ)) زاد مسلم في روايته (١٨٦٨/ ٩١):
(ومَن کان دون ذلك فاجعلوه في العیال)».
٢٧٩/٥
وقوله: ((أن يَفرِضوا)) أي: يُقدِّروا لهم رِزقاً في ديوان الجُند، وكانوا يُفرِّقون بين المقاتِلة
وغيرهم في العطاء، وهو الرِّزق الذي يُجمَع في بيت المال ويُفرَّق على مُستَحقّيه.
واستدلَّ بقِصَّة ابن عمر على أنَّ مَن استكمَلَ خمس عشرة سنة أُجريت عليه أحكام/
البالغينَ وإن لم يَحَتَلِم، فيُكلَّف بالعِباداتِ وإقامة الحدود، ويَسْتَحِقّ سهم الغنيمة، ويُقْتَل إن
كان حَربيّاً، ويُفَكّ عنه الحَجْر إن أُونِسَ رُشْدُه، وغير ذلك من الأحكام. وقد عَمِلَ بذلك
عمر بن عبد العزيز وأقرَّه عليه كما رواه نافع.
وأجابَ الطَّحَاوي وابن القَصّار وغيرهما ممَّن لم يأخُذ به: بأنَّ الإجازة المذكورة جاء
التصريح بأنَّها كانت في القتال، وذلك يتعلَّق بالقوّة والجَلَد.
(١) تحرفت في (س) إلى: ابن.

٣٥٣
باب ١٨ / ح ٢٦٦٤
كتاب الشهادات
وأجابَ بعض المالكية بأنَّهَا واقعةٌ عَينٍ فلا عُموم لها، ويحتمل أن يكون صادفَ أنَّه كان
عند تِلكَ السِّنّ قد احتَلَمَ، فلذلك أجازَه. وتَجاسَرَ بعضهم فقال: إنَّما رَدَّه لضَعِفِه لا لسِنِّه،
وإنَّما أجازَه لقوَّتِه لا لبلوغِه. ويردُّ على ذلك ما أخرجه عبد الرَّزّاق (٩٧١٧) عن ابن
جُرَيجٍ، ورواه أبو عَوَانة (٦٤٧٣ و ٧٢٣٥) وابن حِبَّان (٤٧٢٨) في ((صحیحیهما)) من وجه
آخر عن ابن جُرَيجٍ، أخبرني نافع ... فذكر هذا الحديث بلفظ: عُرِضت على النبي ◌َّ يوم
الخَندَق فلم يُجِزِني ولم يَرَنِي بَلَغتُ(١). وهي زيادة صحيحة لا مَطعَن فيها، لجلالة ابن ◌ُرَيجٍ
وتَقَدُّمِه على غيره في حديث نافع، وقد صَرَّحَ فيها بالتحديث فانتفى ما يُشَى من تدليسه،
وقد نصَّ فيها لفظ ابن عمر بقوله: ((ولم يَرَني بَلَغت)) وابن عمر أعلمُ بما روى من غيره،
ولا سيَّما في قِصَّة تَتعَلَّق به.
وفي الحديث أنَّ الإمام يَستَعرِض مَن يَخْرُج معه للقتال قبل أن تَقَع الحرب، فمَن وَجَدَه
أهلاً استصحَبَه وإلَّا رَدَّه، وقد وقع ذلك للنبي وَلّه في بدر وأحد وغيرهما، وستأتي الإشارة
إليه في كتاب المغازي (٤٠٩٧) إن شاء الله تعالى. وعند المالكية والحنفية: لا تتوقّف الإجازة
للقتال على البلوغ، بل للإمام أن يُجيز من الصِّبيان مَن فيه قوَّة ونَجْدة، فرُبَّ مُراهِق أقوى من
بالغ، وحديث ابن عمر حُجَّة عليهم ولا سيّما الزِّيادة التي ذكرتها عن ابن جُرَيجٍ، والله أعلم.
تنبيه: ظاهر التَّرجمة مع سياق الآية أنَّ الولد يُطلَق عليه صبيّ وطفل إلى أن يَبلُغ، وهو
كذلك، وأمَّا ما ذكره بعض أهل اللُّغة وجَزَمَ به غير واحد منهم: أنَّ الولد يقال له: جَنِين،
حتَّى يُوضَع، ثمَّ صبيّ حتَّى يُفطَم، ثمَّ غلام إلى سبع، ثمَّ یافِع إلى عشر، ثمَّ حَزَوَّر إلى خمس
(١) لم يقل أحد منهم في روايته: ((ولم يرني بلغت)) غير ابن حبان، وهي عنده بلفظ: عُرِضت على رسول الله
وَ ل* وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ولم يرني بلغت، ثم عرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة سنة
فأجازني. فلم يذكر اسم أيٍّ من الغزوتين.
أما رواية عبد الرزاق فلم يكمل لفظها ولكنه سمّى الغزوة فقال: يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، ثم
قال: ثم ذكر نحو حديث عبد الله بن عمر. وعلق عليه محقق الكتاب، فقال: قد ساق المصنف لفظ
عبيد الله في الخامس - يعني من الأصل - وفيه زيادة: ((ولم يرني بلغت)) بعد قوله: ((فلم يُجزني)».
قلنا: ورواية أبي عوانة هي عن إسحاق الدبري عن عبد الرزاق بإسناده في ((المصنف))، وليس فيها هذه الزيادة.

٣٥٤
باب ١٩ / ح ٢٦٦٥ -٢٦٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
عشرة ثمَّ قُمُدُّ إلى خمس وعشرين، ثمَّ عَنَطْنَط إلى ثلاثينَ، ثمَّ صُمُلِّ(١) إلى أربعينَ، ثمَّ كَهْل
إلى خمسينَ، ثمَّ شيخ إلى ثمانينَ، ثمَّ هِمّ إذا زاد، فلا يَمنَع إطلاق شيء من ذلك على غيره ممّاً
يُقاربُه تَجُّزاً.
٢٦٦٥ - حذَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا صَفْوانُ بنُ سُلَيمٍ، عن عطاءِ بنِ
يَسارٍ، عن أبي سعيدِ الخُذريِّ ه يَبلُغُ به النبيَّ ◌َّهِ، قال: ((غُسْلُ يومَ الجُمُعةِ واجبٌ على
كلٌّ مُحتَلِمٍ)).
قوله: «عن أبي سعيد» هو الخُدري.
قوله: ((يَبلُغ به النبيَّ وَّ) تقدَّم في الجمعة (٨٧٩) من طريق أُخرى عن صَفْوان بن
سُلَيمٍ بلفظ: أنَّ رسول الله وَ ◌ّل قال.
قوله: ((غُسْل يوم الجمعة)) في رواية أحمد عن سفيان: ((الغُسل يوم الجمعة))، وقد تقدَّم
الحديث ومباحثه في كتاب الجمعة، وفيه إشارة إلى أنَّ البلوغ يَحَصُل بالإنزال، لأنَّه المراد
بالاحتلام هنا. ويُستَفاد مقصود التَّرجمة بالقياس على بقية الأحكام من حيثُ تَعَلُّق
الوجوب بالاحتلام.
١٩ - باب سؤال الحاكم المذَّعي: هل لك بيّنةٌ؟ قبل اليمين
٢٦٦٦، ٢٦٦٧ - حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا أبو معاويةَ، عن الأعمَشِ، عن شَقِيقٍ، عن عبدِ الله ◌ِظُ،
قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن حَلَفَ على يمينٍ وهو فيها فاجِرٌ لِيَقتَطِعَ بها مالَ امِرِئٍ مُسلِمٍ،
لَقِيَ اللهَ وهو عليه غَضْبان)). قال: فقال الأشْعَثُ بنُ قيسٍ: فيَّ والله كان ذلك، كان بيني وبين
رجلٍ مِن اليهودِ أرضٌ، فَجَحَدَني، فقَدَّمْتُه إلى النبيِّ وَّةِ، فقال لي رسولُ الله ◌َّ: ((أَلَكَ بيَّةٌ؟»
قال: قلتُ: لا، قال: فقال اليهوديِّ: ((احلِفْ)) قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إذاً يَحَلِفَ ويذهبَ
٢٨٠/٥ بمالي! قال: فأنزلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ تَمَنََّلِيلًا﴾ إلى آخرِ الآية
[آل عمران: ٧٧].
(١) تحرف في (س) إلى: ممل، بميمين، وفي الأصلين إلى: حمل، وهو خطأ.

٣٥٥
باب ٢٠
كتاب الشهادات
قوله: ((باب سُؤال الحاكم المدَّعي: هل لك بيِّنّة؟ قبل اليمين)) أورَدَ فيه حديث الأشعَث:
كان بيني وبين رجلٍ أرضٌ فجَحَدَني، فقال النبيِ وَهِّ: ((أَلَّكَ بَيِّنة؟)) قلت: لا، قال: ((يَحِلِف))،
وفيه حديث ابن مسعود.
وقوله في التَّرجمة: ((قبل اليمين)) أي: قبل يمين المدَّعى عليه، وهو المطابق للترجمة، ولا
يَصِحّ ◌َملُه على المدّعي؛ بأن يَطلُب منه الحاكم يمين الاستظهار بأنَّ بيِّته شَهِدَت له بحقٌّ،
لأَنَّه ليس في حديث الأشعَث تَعرُّض لذلك، بل فيه ما قد يتَمَسَّك به في أنَّ يمين
الاستظهار غير واجبة، والله أعلم. وسيأتي مباحث حديثَي الأشعَث وابن مسعود في
التفسير(١) والأيمان والنُّدور(٢) إن شاء الله تعالى.
وفي الحديث حُجَّة لمن قال: لا تُعرَض اليمين على المدَّعى عليه إذا اعتَرَفَ المدَّعي أنَّ
له بيِّنة.
٢٠ - باب اليمين على المدَّعى عليه في الأموال والحدود
وقال النبيُّ ◌َِّ: ((شاهداكَ أو يمينُه)).
وقال قُتَيبةُ: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ شُبْرُمةَ: كَلَّمَني أبو الزِّنادِ في شهادةِ الشّاهدِ ویمینِ
المدّعي، فقلتُ: قال الله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ
فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذْكِرَ (٣) إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى﴾
[البقرة: ٢٨٢] قلتُ: إذا كان يُكتَفَى بشهادةِ شاهدٍ ويمينِ المدّعي، فما تحتاجُ أن تُذْكِرَ إحداهما
الأخرَى؟ ما كان يَصْنَعُ بذِكْرٍ هذه الأخرى.
قوله: ((باب اليمين على المدَّعى عليه في الأموال والحدود)) أي: دون المدَّعي، ويَستَلِزِم
ذلك شيئَين: أحدهما: أن لا تجب يمين الاستظهار، والثاني: أن لا يَصِحّ القضاء بشاهدٍ
(١) بین یدي الحدیث (٤٥٤٩).
(٢) بین یدي الحديث (٦٦٥٩).
(٣) هذه قراءة ابن كثير المكي وأبي عمرو البصري من السبعة، وقرأ بقيّتهم ((فتُذكِّر)) بتشديد الكاف.

٣٥٦
باب ٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
واحد ويمين المدَّعي. واستشهاد المصنّف بقِصَّة ابن شُبْرُمةَ يشير إلى أنَّه أراد الثاني. وقوله:
((في الأموال والحدود)) يشير بذلك إلى الَّدّ على الكوفيينَ في تخصيصهم اليمين على المدَّعى
عليه في الأموال دون الحدود، وذهب الشّافعي والجمهور إلى القول بعُمومٍ ذلك في
٢٨١/٥ الأموال والحدود والنِّكاح/ ونحوه، واستئنى مالك النِّكاح والطَّلاق والعَتاق والفِدية،
فقال: لا يَجِب في شيء منها اليمينُ حتَّى يُقيم المدَّعي البيّنة ولو شاهداً واحداً.
قوله: ((وقال النبي ◌َّهر: شاهداكَ أو يمينُهُ)) وَصَلَه في آخرِ الباب من حديث الأشعَث،
والغَرَض منه أنَّه أطلقَ اليمين في جانب المدَّعى عليه ولم يُقِيِّدِه بشيءٍ دون شيء، وارتَفَعَ
((شاهداك)) على أنَّه خبر مُبتَدَأ محذوفٍ تقديره: المثبتُ لك، أو الحُجَّة، أو ما يُثبِت لك،
والمعنى: ما يُثبِت لك شهادة شاهدَيك، أو لك إقامة شاهدَيك، فحُذِفَ المضاف وأُقيم
المضاف إليه مقامه، فأُعرِبَ إعرابه فارَفَعَ، وحُذِفَ الخبر للعلم به. وقد تقدَّم في الرّهن(١)
بلفظ: ((شهودك)) وأنَّه روي بالرفع والنَّصب، وتقدّم توجيهه.
قوله: (وقال قُتَيبة: حَدَّثنا سُفْيان)) هو ابن عُيَينَةَ، ورأيت بخَطِّ القُطْب الحلبيّ: أنَّه رأى
في بعض النُّسَخ ((حدَّثنَا قُتَيبة)) ورَدَّ ذلك مُغَلْطاي بأنَّ البخاري لم يَحَتَجَّ بابن شُبْرُمةَ، وهو
عجيب، فإنَّه أخرج له في الشَّواهد كما سيأتي في كتاب الأدب (٥٩٧١)، وهذا من
الشَّواهد، فإنَّه حكاية واقعة انَّفَقَت له مع ابن عُيَينَةَ ليس فيها حديث مرفوع ◌ُحتَجّ به.
قوله: ((عن ابن شُبْرُمةَ)) بضمِّ المعجَمة والراء بينهما موخَّدة ساكنة، وهو عبد الله بن شُبْرُمةً
ابن الطُّفَيل بن حسَّان الضَّي، قاضي الكوفة للمنصور، مات سنة أربع وأربعينَ ومئة.
قوله: ((كَلَّمَني أبو الزِّناد)) هو قاضي المدينة.
قوله: ((في شهادة الشّاهد ويمين المدّعي)» أي: في القول بجوازِها، وكان مذهب أبي
الزِّناد القضاء بذلك كأهلِ بَلَده، ومذهب ابن شُبْرُمةَ خلافه كأهلِ بلده، فاحتَجَّ عليه أبو
الزّناد بالخبرِ الوارد في ذلك، فاحتَجَّ عليه ابن شُبْرُمةَ بما ذُكِرَ في الآية الكَرِيمة، وإِنَّمَا تَتِمّ له
(١) بل في المساقاة برقم (٢٣٥٦)، وهو في الرهن برقم (٢٥١٥) بلفظ: ((شاهداك أو يمينه)).

٣٥٧
باب ٢٠
كتاب الشهادات
الحُجَّة بذلك على أصل مُتَلَفٍ فيه بين الفريقين، وهو أنَّ الخبر إذا وَرَدَ مُتَضَمِّناً لزيادةٍ على
ما في القرآن، هل يكون نَسخاً، والسُّنَّة لا تَنسَخ القرآن؟ أو لا يكون نسخاً بل زيادة
مُستَقِلَّة بحكم مُستَقِلّ، إذا ثبت سنَدُه وَجَبَ القول به؟ والأوَّل مذهب الكوفيينَ، والثاني
مذهب الحِجازيينَ، ومعَ قطع النَّظَر عن ذلك لا تَنتَهِضُ حُجَّة ابن شُبْرُمةَ؛ لأنَّه يصير
مُعارَضة للنَّصِّ بالرَّأيٍ، وهو غير مُعتَبَرَ به.
وقد أجابَ عنه الإسماعيلي فقال: الحاجة إلى إذكار إحداهما الأخرى إنَّما هو فيما إذا
شَهِدَتا، وإن لم تَشْهَدا قامت مقامهما يمين الطالب ببيان السُّنَّة الثابتة، واليمين ممَّن هي
عليه لو انفَرَدَت ◌َخَلَّت مَحَلّ البيّنة في الأداء والإبراء، فكذلك حَلَّت اليمين هنا مَحَلّ المرأتين
في الاستحقاق بها مُضافةً للشّاهدِ الواحد. قال: ولو لَزِمَ إسقاط القول بالشّاهِدِ واليمين
لأنَّه ليس في القرآن، لَلَزِمَ إسقاط الشّاهد والمرأتين؛ لأنَّها ليستا في السُّنَّة لأنَّه ◌ِِّ قال:
(شاهداك أو یمینه))، انتھی.
وحاصله أنَّه لا يَلزَم من التَّصيص على الشيء نفيُه عما عداه، لكن مُقْتَضى ما بَحَثَه أن
لا يُقضى باليمين مع الشّاهد الواحد إلَّا عند فَقْدِ الشّاهدَينِ أو ما قام مقامَهما من الشّاهد
والمرأتين، وهو وجهٌ للشّافعية، وصحَّحه الحنابلة، ويُؤْيِّده ما رواه الدّارَ قُطني (٤٤٨٨) من
طريق عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جَدّه مرفوعاً: قضى اللهُ ورسوله في الحقّ بشاهدَينٍ،
فإن جاء بشاهدَينٍ أخَذَ حقّه وإن جاء بشاهدٍ واحد حَلَفَ مع شاهده.
وأجابَ بعض الحنفية بأنَّ الزِّيادة على القرآن نَسخٌ، وأخبار الآحاد لا تَنسَخ المتواتر،
ولا تُقْبَل الزّيادة من الأحاديث إلَّا إذا كان الخبر بها مشهوراً.
وأُجيبَ بأنَّ النَّسخ رفعُ الحكم، ولا رَفْعَ هنا، وأيضاً فالناسخ والمنسوخ لا بُدّ أن
يَتَوَارَدا على مَحَلِّ واحد، وهذا غير مُتَحقِّق في الزِّيادة على النَّصّ، وغاية ما فيه أنَّ تسمية
الزِّيادة - كالتَّخصيصِ - نَسخاً اصطِلاحٌ، فلا يَلزَم منه نسخ الكتاب بالسُّنَّة، لكن
تخصيص الكتاب بالسُّنَّة جائز، وكذلك الزِّيادة عليه كما في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ

٣٥٨
باب ٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وأجمعوا على تحريم نِكاح العَمَّة مع بنت أخيها، وسند الإجماع في
ذلك السُّنَّة الثابتة، وكذلك قَطْعِ رِجْل السَّارق في المرّة الثانية، وأمثلة ذلك كثيرة.
وقد أخَذَ مَن رَدّ الحكم بالشّاهدِ واليمين لكَونِه زيادة على القرآن بأحاديث كثيرة في
أحكام كثيرة كلّها زائدة على ما في القرآن، كالوضوءِ بالنبيذ، والوضوءِ من القَهقَهَة ومن
٢٨٢/٥ القَيء، والمضمضة والاستنشاق في الغُسل دون الوضوء، واستبراء المَسْبِيَّة، / وتَرْك قَطْع
مَن سرَقَ ما يُسرع إليه الفَساد، وشهادة المرأة الواحدة في الولادة، ولا قَوَد إلَّا بالسَّيف،
ولا جُمعَةَ إلَّا فِي مِصْرِ جامع، ولا تُقطَع الأيدي في الغَزو، ولا يَرِث الكافر المسلم، ولا
يُؤْكَل الطافي من السَّمَك، ويَرُم كلّ ذي نابٍ من السِّباع ومِخلَب من الطَّر، ولا يُقتَل
الوالد بالوَلَد، ولا يَرِثُ القاتل من القتيل، وغير ذلك من الأمثلة التي تَتَضَمَّن الزِّيادة على
عُموم الکتاب.
وأجابوا بأنَّهَا أحاديثُ شَهِيرة فوَجَبَ العملُ بها لشُهرَتِها، فيقال لهم: وحديث القضاء
بالشّاهدِ واليمين جاء من طرق كثيرة مشهورة، بل ثبت من طرق صحيحة مُتعدِّدة.
فمنها ما أخرجه مسلم (١٧١٢) من حديث ابن عبّاس: أنَّ رسول الله وَّلَ قَضَى بيمينٍ
وشاهد، وقال في ((التمييز))(١): إنَّه حديث صحيح لا يُرتاب في صِحَّته، وقال ابن عبد البَرّ:
لا مَطعَن لأحدٍ في صِخَّته ولا إسناده، وأمَّا قول الطَّحاوي: إنَّ قيس بن سعد لا تُعرَف له
رواية عن عَمْرو بن دينار، لا يَقدَح في صِحَّة الحديث؛ لأَنَّهما تابعیان ثِقَتان مَكِّیان، وقد
سَمِعَ قيس مِن أقدَمَ من عَمْرو، وبمِثلِ هذا لا تُرَدّ الأخبار الصحيحة.
ومنها حديث أبي هريرة: أنَّ النبي ◌َّ قَضَى باليمين مع الشّاهد، وهو عند أصحاب
((السُّنَن))(٢) ورجاله مدنيُّون ثقات، ولا يَضُرّه أنَّ سُهَيل بن أبي صالح نَسِيَه بعد أن حدَّث
(١) تحرف في (س) إلى: اليمين. وكتاب ((التمييز)) هذا للإمام مسلم.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٦١٠) و(٣٦١١)، والترمذي (١٣٤٣)، وابن ماجه (٢٣٦٨)، والنسائي في ((الكبرى))
(٥٩٦٩).

٣٥٩
باب ٢٠
كتاب الشهادات
به ربيعة، لأنَّه كان بعد ذلك يرويه عن ربيعة عن نفسه عن أبيه، وقِصَّته بذلك مشهورة في
((سنن أبي داود)) وغيرها.
ومنها حديث جابر مثل حديث أبي هريرة، أخرجه التِّرمِذي (١٣٤٤) وابن ماجَهْ
(٢٣٦٩)، وصَحَّحَه ابن خُزَيمَةَ وأبو عَوَانة (٦٠٢٢).
وفي الباب عن نحو من عشرينَ من الصحابة، فيها الِحِسَان والضِّعاف، وبدون ذلك
تَثْبُت الشُّهرة، ودعوى نَسخِه مردودة؛ لأَنَّ النَّسخ لا يَتْبُت بالاحتمال.
وأمَّ احتجاج مالك في ((الموطَّا)) بأنَّ اليمين تَتَوجَّه على المدَّعي عند النُّكول ورَدِّ اليمين
بغير حَلِفِ(١)، فإذا حَلَفَ ثبت الحقُّ بغير خلاف، فيكون حَلِف المدّعي ومعه شاهد آخر
أولى، فهو مُتَعَقَّبٌ، ولا يردّ على الحنفية لأنَهم لا يقولون برَدِّ اليمين.
وقال الشّافعي: القضاء بشاهدٍ ويمين لا يُخالف ظاهر القرآن، لأنَّه لم يَمنَع أن يجوز أقلّ
مَّا نصَّ عليه، يعني والمخالف لذلك لا يقول بالمفهوم فضلاً عن مفهوم العدد، والله أعلم.
وقال ابن العربي: أظرفُ ما وجدتُ لهم في رَدّ الحكم بالشّاهدِ واليمين أمران:
أحدهما: أنَّ المراد قضى بيمين المنكِر مع شاهد الطالب، والمراد أنَّ الشّاهد الواحد لا
يكفي في ثُبُوت الحقّ، فَيَجِب اليمين على المدَّعى عليه، فهذا المراد بقوله: قضى بالشّاهِدِ
واليمين. وتَعَقَّبَه ابن العربي بأنَّه جَهْل باللُّغة؛ لأَنَّ المعيّة تَقْتَضى أن تكون من شيئَينِ في
جِهَة واحدة لا في المتضادين.
ثانيهما: حملُه على صورة مخصوصة: وهي أنَّ رجلاً اشترى من آخر عبداً مثلاً، فادَّعى
المشتري أنَّ به عَيباً وأقام شاهداً واحداً، فقال البائع: بعتُه بالبراءة، فيَحلِف المشتري أنَّه ما
اشترى بالبراءة ويردّ العبدَ، وتَعَقَّبَه بنحو ما تقدَّم، ولأنَّها صورة نادرة لا يُحِمَل الخبر عليها.
قلت: وفي كثير من الأحاديث الواردة في ذلك ما يُبطِل هذا التَّأويل، والله أعلم.
(١) وقع هنا في الأصلين: ((خلاف))، والصواب ما أثبتناه من (س)، وانظر ((الموطأ)) ٧٢٥/٢.

٣٦٠
باب ٢٠ / ح ٢٦٦٨ - ٢٦٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
٢٦٦٨- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا نافعُ بنُ عمرَ، عن ابنِ أبي مُلَیکةَ، قال: كَتَبَ ابنُ عبَّاسِ
رضي الله عنهما إليّ: إنَّ النبيَّ ◌َِّ قَضَى باليمينِ على الدَّعَى عليه.
٢٦٧٠،٢٦٦٩ - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، قال:
قال عبدُ الله: مَن حَلَفَ على يمينٍ يَسْتَحِقُّ بها مالاً لَقِيَ اللهَ وهو عليه غَضْبانُ، ثمَّ أنزلَ الله
تصديقَ ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ﴾ إلى ﴿عَذَابٌ أَلِمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]،
ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بنَ قيسٍ خَرَجَ إِلَينا فقال: ما يُحدِّئُكُم أبو عبدِ الرَّحمنِ؟ فحدَّثْناه بما قال، فقال:
صَدَقَ، لَفِيَّ أُنزِلَت، كان بيني وبين رجلٍ خُصُومٌ في شيءٍ، فاختَصَمْنا إلى رسولِ الله ◌ِّهِ،
فقال: ((شاهداكَ أو يمينُه)) فقلتُ له: إنَّه إذاً تَحِلِفُ ولا يُبالي! فقال النبيُّ وَّ: «مَنْ حَلَفَ على
يمينٍ يَسْتَحِقُّ بها مالاً وهو فيها فاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وهو عليه غَضْبانُ))، فأنزلَ الله تصديقَ ذلك، ثمَّ
اقتَرَأْ هذه الآيةَ.
ثمَّ ذكر المصَنِّفُ في الباب ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث ابن عبّاس: ((أنَّ النبي ◌َِّ قضَى باليمين على المدَّعى عليه)) هكذا
أخرجه في الرَّهن (٢٥١٤)، وهنا مختصراً من طريق نافع بن عمر الجُمَحي عن ابن أبي
مُلَيكةَ، وأخرجه في تفسير آلٍ عِمران (٤٥٥٢) من طريق ابن جُرَيجٍ عن ابن أبي مُلَيكةً
مثله، وذكر فيه قِصَّة المرأتين اللَّتين اذَّعَت إحداهما على الأُخرى أنَّهَا جَرَحَتها، وقد أخرجه
الطبراني من رواية سفيان عن نافع بن عمر (١) بلفظ: ((البيِّنة على المدَّعي واليمين على
المدَّعى عليه)) وقال: لم يَروِه عن سفيان إلَّا الفِرْيابي، وأخرجه الإسماعيلي من رواية ابن
جُرَيجٍ بلفظ: ((ولكنَّ البيّنة على الطالب واليمين على المطلوب))، وأخرجه البيهقي (١٠/
٢٥٢) من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن جُرَيجٍ وعثمان بن الأسوَد عن ابن أبي مُلَيكةً
٢٨٣/٥ قال: كُنت قاضياً لابن الزُّبَير على الطائف، فذكر قِصَّة المرأتين، فكَتَبت إلى/ ابن عبّاس،
(١) وقع في (ع) و(س): نافع عن ابن عمر، وهو خطأٌ، فسفيان لا يروي عن نافع مولى ابن عمر، وإنما يروي
عن نافع بن عمر الجمحي، والحديث من طريق سفيان عن نافع بن عمر أخرجه البيهقي أيضاً
٢٥٢/١٠، ولم نقف عليه في المطبوع من معاجم الطبراني.