Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ باب ١٠ / ح ٢٦٥٤ كتاب الشهادات قال الطََّري: أصلُ الزّور: تَّحسينُ الشيءٍ ووَصفُه بخلاف صِفَتِه، حتَّى يُحْيَّلَ لمن سمِعَه أنَّه بخلاف ما هو به، قال: وأَولى الأقوال عندنا أنَّ المراد به مَدحُ مَن لا يَشهَدُ شيئاً من/ ٢٦٢/٥ الباطلِ، والله أعلم. قوله: ((وكِتْمانِ الشَّهادةِ» هو معطوفٌ على شهادة الزّور، أي: وما قيل في كِتْمان الشَّهادة بالحقِّ من الوعيد. قوله: ((لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةَ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾)) والمراد منها قوله: ﴿فَإِنَّهُ ءَائِمٌ قَلْبُهُ﴾. قوله: (﴿تَلْوُرأْ﴾ ألسِنَتَكُم بالشَّهادةِ)) هو تفسيرُ ابن عبَّاس، أخرجه الطَّبَري (٣٢٣/٥) من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه في قوله: ﴿وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُوا﴾، أي: تَلْووا ألسنتكم بالشَّهادة أو تُعرِضوا عنها، ومِن طريق العوفي عن ابن عبّاس في هذه الآية قال: تَلْوي لسانَكَ بغير الحقِّ، وهي اللَّجلَجَةُ، فلا تُقيمُ الشَّهادةَ على وجهِها، والإعراضُ عنها التَّرك. وعن مجاهدٍ من طرقٍ حاصلُها: أنَّه فَسَّرَ اللَّيَّ بالتحريف، والإعراضَ بالتَّركِ. وكأنَّ المصنِّفَ أشار بنَظْم كِثْمان الشَّهادة مع شهادة الزُّورِ إلى هذا الأثر، وإلى أنَّ تحريم شهادة الزّورِ لكونها سبباً لإبطال الحقّ، فكِتْمان الشَّهادة أيضاً سبب لإبطال الحقّ، وإلى الحديث الَّذي أخرجه أحمد (٣٨٧٠) وابن ماجَهْ من حديثٍ ابن مسعود مرفوعاً: ((إنَّ بين يَدَي السَّاعة)) فذكر أشياء ثمَّ قال: ((وظُهور شهادة الزّور، وكِتمان شهادة الحقِّ))(١). ثمَّ ذکر المصنّف حدیثین: أحدهما: قوله: ((عن عُبيد الله بن أبي بَكْر بن أنس عن أنس)) في رواية محمد بن جعفر الآتية في الأدبِ (٥٩٧٧) عن محمد بن جعفر عن شعبة (٢): حدَّثني عُبيد الله بن أبي بكر، سمعتُ أنس بن مالك. قوله: ((سُئِلَ رسول اللهِوََّ عن الكَبَائِرِ)) زاد بَهْزٌ عن شُعْبَةَ عند أحمدَ (١٢٣٧١): ((أو (١) ليس هو عند ابن ماجه، وانظر تمام تخريجه في ((المسند)). (٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: سعید. ٣٢٢ باب ١٠ / ح ٢٦٥٤ فتح الباري بشرح البخاري ذَكَرها)»، وفي رواية محمد بن جعفر: (ذَكَر الكبائر أو سُئِلَ عنها))، وكأنَّ المراد بالكَبائِرِ أكبرُها كما في حديثِ أبي بَكْرةَ الَّذي يَليه، وكذا وقع في بعضِ الطَّرُق عن شُعْبةَ (٦٨٧١) كما سأُبيِّنُه، وليس القَصْد حَصرَ الكَبائِرِ فيما ذكر، وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى في تعريفها والإشارةُ إلى تعيينِها في الكلام على حديث أبي هريرة: ((اجتَنِبوا السَّبع الموبقات)) وهو في آخر كتاب الوصايا (٢٧٦٦). قوله: ((وشهادة الزّورِ)) في رواية محمد بن جعفر: ((قول الزّور، أو قال: شهادةُ الزّورِ)) قال شُعْبة: ((وأكثر ظَنّي أنَّه قال: ((شهادةُ الزُّورِ)). قوله: ((تابَعَه غُندَر)» هو محمد بن جعفر المذكور. قوله: ((وأبو عامِر وبَهزٌ وعبد الصَّمَد)» أمَّا رواية أبي عامر وهو العَقَدي، فَوَصَلَها أبو سعيد النَّقَاش في كتاب ((الشُّهودِ)) وابن مَندَهْ في كتاب ((الإيمان)» (٤٧٣) من طريقِه عن شُعْبةَ بلفظ: ((أكبرُ الكبائر الإشراك بالله)) الحديث، وكذلك أخرجه المصنِّفُ في الدِّیَاتِ (٦٨٧١) عن عَمْرو بن عوف عن شُعْبةَ بلفظ: ((أكبر الكبائر)). وأمَّا رواية بَهْزٍ: وهو ابن أسَد المذكور، فأخرجها أحمد (١٢٣٧١) عنه. وأمَّا رواية عبد الصَّمَد: وهو ابن عبد الوارث، فوَصَلها المؤَلِّفُ في الدّيات (٦٨٧١). ٢٦٥٤ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا بِشْرُ بنُ المفَضَّلِ، حدَّثنا الجُرَيريُّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بَكْرةَ، عن أبيه ◌َ﴾، قال: قال النبيُّ ◌ََّ: ((ألا أُنْبِّكُم بأكثرِ الكبائرِ)) ثلاثاً، قالوا: بَلَى يا رسولَ الله، قال: (الإشراكُ بالله، وعُقُوقُ الوالدَينِ)) وجَلَسَ - وكان مُتَّكِئاً - فقال: ((ألَا وقولُ الزُّورِ)) قال: فما زالَ يُكرِّرُها حتَّى قلنا: لَيْتَهُ سَكَتَ. وقال إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ: حدَّثنا الجُرَيرِيُّ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ. [أطرافه في: ٥٩٧٦، ٦٢٧٣، ٦٢٧٤، ٦٩١٩] قوله: ((حدَّثنا الجُرَيري)) بضمِّ الجيم، وهو سعيد بن إياس، وسمّاه في رواية خالد ٣٢٣ كتاب الشهادات الحذّاء(١) عنه في أوائل الأدب، وقد أخرج البخاري للعبّاس بن فُرُّوخ الجُرَيري، لكنَّه إذا أخرج عنه سمَّه. قوله: ((عن عبد الرَّحمن بن أبي بَكْرةَ)) في رواية إسماعيل ابن عُلِيَّة عن الجُرَيري: ((حدَّثنا عبد الرَّحمن)) وقد علَّقها المصنِّفُ آخر الباب. قوله: ((ألا أُنبِّئُكُم بِأكثِرِ الكبائر؟)) هذا يُقوِّي - إن كان المجلِس مُتَّحِداً - أحدَ الوجهَينِ ممّا شكَّ فيه شُعْبة، هل قال ذلك ابتداءً أو لمَّا سُئِلَ؟ وقد نُظِمَ كلٌّ من العُقوق وشهادة الزُّورِ بالشِّركِ في آيتين: إحداهما: قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، ثانيهما: قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُواْ الرَّحْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ ﴾ [الحج: ٣٠]. قوله: ((ثلاثاً) أي: قال لهم ذلك ثلاث مَرّات، وكَرَّرَه تأكيداً لَيَنْتِهَ السَّامعُ على إحضار فَهْمِه، ووهمَ مَن قال: المرادُ بذلك عدد الكبائر، وقد تَرجَمَ البخاري في العلم: ((مَن أعاد الحديثَ ثلاثاً لِيُفْهَمَ عنه)) وذكر فيه طَرَفاً من هذا الحديث تعليقاً(٢). قوله: ((الإِشْراك بالله)) يحتملُ مُطلَقَ الكُفرِ، ويكون تخصيصُه بالذِّكرِ لغَلَيَتِه في الوجود، ولا سيَّما في بلاد العرب، فذكره تنبيهاً على غيره. ويحتملُ أن يُراد به / خَصُوصيته، إلَّا أنَّه ٢٦٣/٥ يَرِدُ عليه أنَّ بعضَ الكُفرِ أعظَمُ قُبْحاً من الإشراك، وهو التَّعطيلُ؛ لأنَّه نفيٌ مُطلَقٌ، والإشراكُ إثباتٌ مُقَيِّدٌ، فَيَتَرَجَّحُ الاحتمال الأوَّل. قوله: «وُقوق الوالدين» یأتي الكلام عليه في الأدبِ (٥٩٧٦) مع الكلام على الگبائِرِ وضابطِها، وبيان ما قيل في عددها، إن شاء الله تعالى. (١) كذا قال، وهو سبقُ قلم منه رحمه الله، فإن خالداً الراوي عنه هو الطحّان الواسطي، وروايته في الأدب برقم (٥٩٧٦) لكنه لم يسمِّه كما قال، وسمّاه إسماعيل بن إبراهيم - وهو ابن علية - في أول استتابة المرتدين برقم (٦٩١٩). (٢) بين يدي الحديث (٩٤). ٣٢٤ باب ١٠ / ح ٢٦٥٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (وجَلَسَ، وكان مُتَّكِئا)) يُشعِرُ بأنَّه اهْتَمَّ بذلك حتَّى جَلَسَ بعدَ أن كان مُتَّكِئاً، ويفيدُ ذلك تأكيدَ تحريمِه وعِظَمَ قُبحِه، وسببُ الاهتِمامِ بذلك كَونُ قول الزّورِ أو شهادة الزّورِ أسهلَ وقوعاً على الناس، والتَّهاوُنِ بها أكثر، فإنَّ الإشراكَ يَنْبو عنه قلبُ المسلمِ، والعُقوقَ يَصِرِفُ عنه الطَّبع، وأمَّ الزّورُ فالخَوامل عليه كثيرة، كالعَداوة والحَسَدِ وغيرهما، فاحتيجَ إلى الاهتِمامِ بتَعظيمِه، وليس ذلك لعِظَمِها بالنّسبة إلى ما ذُكِرَ معها من الإشراك قطعاً، بل لكَونِ مَفسَدة الزّور مُتعدّية إلى غير الشّاهِدِ، بخلاف الشِّرك، فإنَّ مَفسَدَتَه قاصرةٌ غالباً. قوله: ((ألا وقول الزّورِ)) في رواية خالدٍ عن الجُرَيري: ((ألا وقولُ الزُّور وشهادةُ الزُّورِ))، وفي رواية ابن عُليَّةَ(١): ((شهادة الزّورِ أو قولُ الزّورِ))، وكذا وقع في ((العُمدة)) بالواو. قال ابن دقيق العيد: يحتملُ أن يكون من الخاصِّ بعدَ العامِّ لكن ينبغي أن يُحمَلَ على التَّأكيد، فإنّا لو حَلنا القولَ على الإطلاق لَزِمَ أن تكون الكِذبةُ الواحدةُ مُطلَقاً كبيرةً، وليس كذلك. قال: ولا شكَّ أنَّ عِظَمَ الكذب ومَراتِبَه مُتَقاوِتَةٌ بحَسَبِ تَفاوت مَفاسدِه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيْئَةً أَوْ إِنْمَا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيْئًا فَقَدِ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَّا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١١٢]. قوله: ((فما زالَ يُكرِّرُها حتَّى قلنا: لَيْتَه سَكَتَ)) أي: شَفَقةً عليه وكراهيةً لمَا يُزعِجُه. وفيه ما كانوا عليه من كَثْرة الأدبِ معه ◌َّهِ، والمحَبَّةِ له والشَّفَقةِ عليه. قوله: ((وقال إسماعيل بن إبراهيم)) أي: ابن عُليَّة، وروايتُه موصولة في كتاب استتابة المرتَدّينَ (٦٩١٩). وفي الحديث انقسام الذَّنوب إلى كبيرٍ وأكبَرَ، ويُؤْخَذُ منه ثُبوت الصَّغائر؛ لأنَّ الكبيرةَ بالنِّسبة إليها أكبرُ منها. والاختلافُ في ثبوت الصَّغائر مشهور، وأكثر ما تَمَسَّكَ به مَن قال: (١) رواية إسماعيل ابن علية الآتية برقم (٦٩١٩)، و((العمدة)) التي أشار إليها الحافظ: هي ((عمدة الأحكام)) لعبد الغني المقدسي. ٣٢٥ باب ١١ كتاب الشهادات ليس في الذُّنوب صغيرةٌ، كَونُه نظر إلى عِظَمِ المخالفة لأمر الله وَهِهِ، فالمخالَفةُ بالنّسبة إلى جلال الله كبيرة، لكن لمن أثبَتَ الصَّغائرَ أن يقولَ: وهي بالنّسبة لمَا فوقَها صغيرة، كما دَلَّ عليه حديث الباب، وقد فُهمَ الفَرقُ بين الصَّغيرة والكبيرة من مَدَارك الشَّرعِ، وسَبَقَ في أوائل الصلاة ما يُكَفِّرُ الْخَطايا ما لم تَكُن كبائر، فثبت به أنَّ من الذُّنوب ما يكَفَّرُ بالطاعات، ومنها ما لا يكَفَّرُ، وذلك هو عَينُ المدَّعى، ولهذا قال الغَزالي: إنكارُ الفَرْق بين الكبيرة والصَّغيرة لا يَليقُ بالفقيه. ثمَّ إنَّ مَراتِبَ كلٍّ من الصَّغائرِ والكبائرِ مُتلفٌ بحَسَبِ تفاوت مفاسدِها. وفي الحديث تحريم شهادة الزّورِ، وفي معناها: كلّ ما كان زوراً من تعاطي المرء ما ليس له أهلاً. ١١ - باب شهادة الأعمى ونكاحه وأمرِه وإنكاحه ومُبايعته وقَبُولِه في التَّأَذِين وغيرِهِ، وما يُعرَفُ بالأصواتِ وأجازَ شهادتَه قاسِمٌ والحسنُ وابنُ سِيرِينَ والزُّهْرِيُّ وعطاءٌ. وقال الشَّعْبيُّ: تجوزُ شهادتُه إذا كان عاقِلاً. وقال الحکمُ رُبَّ شيءٍ تجوزُ فيهِ. وقال الزُّهْريُّ: أرأيتَ ابنَ عبَّاسٍ لو شَهِدَ على شهادةٍ، أكنتَ تَرُدُّه؟ وكان ابنُ عبَّاسٍ يَبعَثُ رجلاً إذا غابَتِ الشمسُ أفطَرَ، ويَسْألُ عن الفَجْرِ، فإذا قِيلَ له: طَلَعَ، صَلَّى رَكْعَتَينِ. وقال سليمانُ بنُ يَسَارِ: استَأَذَنتُ على عائشةَ، فَعَرَفَت صوتي، قالت: سليمانُ ادخُلْ، فإِنَّكَ مملوكٌ ما بَقِيَ عليكَ شيءٌ. وأجازَ سَمُرةُ بنُّ جُندُبٍ شهادةَ امرأةٍ مُتَقِّبةٍ. قوله: «باب شهادة الأعمى ونكاحِه وأمره وإنکاچِه ومُبایَعَتِه وقبوله في الَّذینِ وغيره وما ٢٦٤/٥ يُعرَفُ بالأصواتِ)) مالَ المصنِّفُ إلى إجازة شهادة الأعمى، فأشار إلى الاستدلال لذلك بما ٣٢٦ باب ١١ فتح الباري بشرح البخاري ذكر من جواز نِكاحِه ومُبَايَعَتِهِ وقَبُول تأذينه، وهو قولُ مالكِ واللَّيث، سواءٌ عَلِمَ ذلك قبلَ العَمى أو بعدَه. وفصَّلَ الجمهور، فأجازوا ما تَحمَّلَه قبلَ العَمى لا بعدَه، وكذا ما يَتَنَزَّلُ فيه مَنزِلة المبصِر، كأن يُشْهِدَه شخصٌ بشيءٍ ويَتعلَّقَ هو به إلى أن يَشهَدَ به عليه. وعن الحكم: يجوزُ في الشيءِ اليَسير دون الكثير، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا تجوزُ شهادتُه بحالٍ إلَّا فيما طريقُه الاستفاضة، وليس في جميع ما استَدَلَّ به المصنّفُ دَفعٌ للمذهبِ المفَصّلِ، إذ لا مانعَ من ◌َلِ المطلَق على المقيَّد. قوله: ((وأجازَ شهادته قاسمٌ والحسن وابن سيرينَ والزُّهْري وعطاءٌ)) أمَّا قاسمٌ، فأظنُّه أراد ابن محمد بن أبي بكر أحد الفقهاء السَّبعة، وقد روى سعيد بن منصور عن هُشَيمٍ، عن يحيى بن سعيد، هو الأنصاري، قال: سمعتُ الْحَكَمَ بن عُتَيبة - هو بالمثنَّاة والموخَّدة مُصغَّر - يسألُ القاسم بن محمد عن شهادة الأعمى فقال: جائزةٌ. وأمَّا قولُ الحسنِ وابن سيرينَ فَوَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٢٥٩/٦) من طريق أشعَثَ عنهما قالا: شهادةُ الأعمى جائزة. وأمَّا قولُ الزّهري فَوَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٢٥٩/٦) من طريق ابن أبي ذِئب عنه: أنَّه كان ◌ُجیزُ شهادة الأعمى. وأمَّا قولُ عطاءٍ - وهو ابن أبي رباح - فَوَصَلَه الأثرَم من طريق ابن جُرَيج، عنه قال: تجوزُ شهادةُ الأعمى(١). قوله: ((وقال الشَّعْبي: تجوزُ شهادتُه إذا كان عاقلاً)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٢٥٩/٦) عنه ٢٦٥/٥ بمعناه، وليس مُرادُه بقوله: ((عاقلاً)) الاحتراز من الجُنُونِ؛ لأنَّ ذاكَ أمر لا بُدّ/ من الاحترازِ منه، سواء كان أعمى أو بصيراً، وإنَّما مُرادُه أن يكون فَطِناً مُدرِكاً للأُمورِ الدَّقيقة بالقَرائن، ولا شكَّ في تفاؤُتِ الأشخاص في ذلك. (١) ووصله أيضاً عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٥٣٧٣). ٣٢٧ باب ١١ كتاب الشهادات قوله: ((وقال الحَكَمُ: رُبَّ شيءٍ تجوزُ فيه)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة عنه بهذا(١)، وكأنَّه تَوَسَّطَ بين مذهبي الجواز والمنع. قوله: «وقال الزُّهْري: أرأيت ابن عبّاس لو شَهِدَ على شهادةٍ أكنتَ تَرُدُّه؟)» وَصَلَه الگرابيسي في «أدب القضاء)) من طريق ابن أبي ذِئب، عنه. قوله: ((وكانَّ ابن عبّاس يَبعَثُ رجلاً ... )) إلى آخره، وَصَلَه عبد الرَّزّاق (٧٥٩٧) بمعناه من طريق أبي رجاء عنه، ووجه تَعَلُّقِه به كَونُه كان يَعتَمِدُ على خيرٍ غيره، مع أنَّه لا يَرى شخصَه وإنَّما يَسْمعُ صوتَه. قال ابن المنيِّر: لعلَّ البخاري يشيرُ بحديثِ ابن عبّاس إلى جوازٍ شهادة الأعمى على التَّعريف، أي: إذا عَرَفَ أنَّ هذا فلان، فإذا عَرَفَ شَهِدَ، قال: وشهادة التَّعريفِ مُخْتَلَفٌ فيها عند مالك وغيره، وقد جاء عن ابن عبّاس: أنَّه كان لا يَكتَفي برُؤية الشَّمسِ؛ لأنَّها تُواريها الجِبالُ والسَّحَابُ، ويَكتَفي بغَلَبة الظُّلمة على الأُفق الَّذي من جِهَة المشرِق، أخرجه سعيد ابن منصور، عنه. قوله: ((وقال سليمان بن يَسَار: استأذَنتُ على عائشة فعَرَفَت صوتي، فقالت: سليمانُ ادْخُل ... )) إلى آخره، تقدَّم الكلامُ عليه في آخرِ العِثْقِ(٢)، وفيه دليلٌ على أنَّ عائشة كانت ترى تَرْكَ الاحتجاب من العبدِ، سواء كان في مِلكِها أو في مِلكِ غيرها؛ لأنَّه كان مُكاتَبَ مَيمُونة زوج النبي ◌َّ﴾، وأمَّا مَن قال: يحتملُ أنَّه كان مُكاتَباً لعائشة، فمُعارَضٌ للصَّحيحِ من الأخبار بمَحضِ الاحتمال، وهو مردود، وأبعَدَ مَن قال: يُحِمَلُ قوله: ((على عائشة)) بمعنى: من عائشة، أي: استأذَنْتُ عائشةَ في الدُّخولِ على مَيمُونة. قوله: ((وأجازَ سَمُرةٌ بن جُنْدُب شهادة امرأةٍ مُتَقِّبةٍ)) كذا في رواية أبي ذرِّ بالتَّشديد، ولِغيره: بسكونِ النّونِ وتقديمِها على المثنَّة. (١) هو عنده ٦/ ٢٦٠ من طريق يحيى بن سعيد قال: سألت الحكم بن عتيبة والقاسم بن محمد عن الأعمى: تجوز شهادته ويؤم القوم؟ قالا: وما يمنعه أن يؤم القوم ويشهد؟! (٢) بین یدي الحديث رقم (٢٥٦٤). ٣٢٨ باب ١١ / ح ٢٦٥٥ -٢٦٥٧ فتح الباري بشرح البخاري ٢٦٥٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عُبيد بنِ ميمونٍ، أخبرنا عِيسَى بنُ يونسَ، عن هشامِ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: سمعَ النبيُّ نَّه رجلاً يَقرأْ في المسجدِ، فقال: ((رحِمَه الله، لقد أذْكَرَني كذا وكذا آيةً أسقَطْتُهنَّ من سُورةٍ كذا وكذا)». وزادَ عبَّادُ بنُ عبدِ الله، عن عائشةَ: تَهَجَّدَ النبيُّ وَلَه في بيتي، فسمعَ صوتَ عبَّادٍ يُصلّي في المسجدِ، فقال: ((يا عائشةُ، أصوتُ عبَّادٍ هذا؟» قلتُ: نعم، قال: ((اللهمَّ ارْحَمْ عبَّداً». [أطرافه في: ٥٠٣٧، ٥٠٣٨، ٥٠٤٢، ٦٣٣٥] ٢٦٥٦ - حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمَةَ، أخبرنا ابنُ شِهَابٍ، عن سالمٍ بنِ عبدِ الله، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: قال النبيُّ وَّةَ: ((إنَّ بلالاً يُؤَذِّنُ بليلٍ، فَكُلُوا واشرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ - أو قال : - حتَّى تَسْمَعُوا أذانَ ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ)، وكان ابنُ أُمّ مَكْتُومٍ رجلاً أعمَى، لا يُؤَذِّنُ حتَّى يقولَ له النّاسُ: أصبَحْتَ. ٢٦٥٧- حدّثنا زِيادُ بنُ يحيى، حدَّثنا حاتمُ بنُ وَرْدانَ، حدَّثنا أيوبُ، عن عبدِ الله بنِ أبي مُلَيكَةَ، عن المِسْوَرِ بنِ تَخَرَمَةَ رضي الله عنهما، قال: قَدِمَتْ على النبيِّ وَّهِ أَقِيَةٌ، فقال لي أبي مَرَمةُ: انطَلِقٍ بنا إليه، عَسَى أَن يُعْطِيَنا منها شيئاً، فقامَ أبي على الباب، فتكَلَّمَ، فَعَرَفَ النبيُّ ◌َّ صوتَه، فَخَرَجَ النبيُّ ◌َّهِ ومعه قَبَاءٌ، وهو يُرِيهِ تَحاسِنَه، وهو يقول: ((خَبَأْتُ هذالكَ، خَبَأْتُ هذا لكَ)). ثمَّ ذكر المصَنِّفُ في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث عائشة: سمِعَ النبيِ وَّهَ رجلاً يَقرأْ في المسجدِ ... الحديث؛ والغَرَضُ منه اعتماد النبي وُّ على صوتِه من غير أن يَرى شخصَه. قوله: ((وزاد عبَّاد بن عبد الله)) أي: ابن الزُّبَيرِ(١) ((عن عائشة)) وَصَلَه أبو يَعْلى (٤٣٨٨) من طريق محمد بن إسحاق عن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبَير عن أبيه عن عائشة: (١) زاد هنا في (س): ((عن أبيه)) وهو خطأ، وقد جاء على الصواب بدونها في (أ) و(ع)، فيكون الراوي عن عائشة هو عبّاد بن عبد الله، وليس عبد الله بن الزبير، وكذلك وصله الحافظ في ((تغليق التغليق)) ٣٨٨/٣ من طريق أبي يعلى، وفيه: يحيى بن عبّاد عن أبيه، على الصواب. وقد سقطت لفظة ((أبيه)) من المطبوع من ((مسند أبي يعلى))، ففيه: يحيى بن عباد عن عائشة، وهو خطأ واضح. ٣٢٩ باب ١١ / ح ٢٦٥٧ كتاب الشهادات تَهَجَّدَ النبيِ وَِّ في بيتي، وتَهَجَّدَ عبَّاد بن بِشْر في المسجد، فسمعَ رسول الله وَّهِ صوته، فقال: ((يا عائشة، هذا عبَّاد بن بشر؟)) قلت: نعم، فقال: ((اللهمَّ ارحَمْ عبَّداً)). قوله: ((فسمعَ صوتَ عبَّادٍ)) وقوله: ((أصوتُ عبَّادٍ هذا؟)) في رواية أبي يَعْلى: المذكور عبَّادُ ابن بِشْر في الموضعَينِ كما سُقتُه، وبهذا يَزولُ اللَّبسُ عَمَّن يَظُنُّ اتّحادَ المسموعِ صوتُه والراوي عن عائشة، وهما اثنان مُخْتَلِفا النِّسبة والصِّفة، فعبَّاد بن بشر صحابي جليل، وعبَّاد ابن عبد الله بن الزُّبَير تابعي من وسَطِ التابعين، وظاهر الحال أنَّ المبهَمَ في الرِّواية التي قبلَ هذه هو المفسَّرُ في هذه الرِّواية؛ لأنَّ مُقتَضى قوله: ((زاد)) أن يكون المزيد فيه والمزيد عليه حديثاً واحداً، فتَتَّحِدَ القِصَّة. لكن جَزَمَ عبد الغني بن سعيد في ((المبهَمَاتِ)) بأنَّ المبهَمَ في رواية هشام عن أبيه عن عائشة: هو عبد الله بن يزيد الأنصاري، فروى من طريق عَمْرةَ عن عائشة: أنَّ النبي ◌ِّ سمِعَ صوت قارئٍ يَقرأُ، فقال: ((صوتُ مَن هذا؟)) قالوا: عبد الله بن يزيد، قال: ((يَرْحَمّةٌ الله، لقد ذَكَّرَني آيَةً كُنت أُنْسيتُها))، ويُؤيِّدُ ما ذهب إليه مُشابهةُ قِصَّة عَمْرة عن عائشة بقِصَّة عُرْوة عنها، بخلاف قِصَّة عبّاد بن عبد الله عنها، فليس فيه تَعرُّضٌ لِنِسيان الآية، ويحتملُ التَّعَدُّد من جِهَةٍ غيرِ الْجِهَة التي اتَّحَدَت، وهو أن يقال: سمِعَ صوت رجلَينِ فعَرَفَ أحدَهما فقال: ((هذا صوت عبَّادٍ؟))، ولم يَعرِف الآخر فسألَ عنه، والذي لم يَعِرِفه هو الذي تَذَكَّرَ بقراءَتِه الآيةَ التي نَسِيَها، وسيأتي بقيةُ الكلام على شرحِه في كتاب فضائل القرآن (٥٠٣٧) إن شاء الله تعالى. ثانيها: حديث ابن عمر في تأذينٍ بلال وابن أُمّ مَكتُوم، وقد مضى بتمامه وشرحه في الأذان (٦١٧)، والغَرَضُ منه ما تقدَّم من الاعتماد على صوتِ الأعمى. ثالثها: حديث المِسْوَرِ في إعطاءِ / النبي ◌َِّ له القَبَاء، والغَرَضُ منه قوله فيه: فعَرَفَ ٢٦٦/٥ النبيِ وَّ صوتَه، فخَرَجَ ومعه قَباءٌ وهو يُرِيهِ مَحَاسِنَه ويقول: ((خَبَأْتُ لك هذا))، فإنَّ فيه أنَّه اعتمد على صوته قبلَ أن یری شخصه، وسيأتي شرحه في اللباس (٥٨٠٠) إن شاء الله تعالی. ٣٣٠ باب ١٢ / ح ٢٦٥٨ فتح الباري بشرح البخاري واحتَجَّ مَن لم يُجِزِ شهادة الأعمى بأنَّ العُقودَ لا تجوزُ الشَّهادةُ عليها إلَّا باليقين، والأعمى لا يَتَقَّنُ الصَّوت؛ لجوازِ شَبَهِه بصوتٍ غیره. وأجابَ المجيزون بأنَّ مَحَلّ القَبُول عندهم إذا تَحقَّقَ الصَّوت ووُجِدَت القَرائنُ الدّالَّة لذلك، وأمَّا عند الاشتباه فلا يقول به أحد، ومن ذلك جواز نِكاح الأعمى زوجتَه وهو لا يَعرِفُها إلَّا بصوتِها، لكنَّه يَتَكَرَّرُ عليه سماع صوتها حتَّى يقعَ له العلمُ بأنَّها هي، وإلّا فمتى احتَمَلَ عنده احتمالاً قويّاً أنَّها غيرُها لم يجز له الإقدام عليها. وقال الإسماعيلي: ليس في أحاديثِ الباب دلالة على الجوازِ مُطلَقاً؛ لأنَّ نكاح الأعمى يَتعلَّقُ بنفسِه؛ لأنَّه في زوجتِه وأمَتِهِ، وليس لغيره فيه مَدخَلٌ، وأمَّا قِصَّةُ عبَّاد وتَرَمة ففي شيءٍ يَتعلَّقُ بهما لا يَتعلَّقُ بغيرهما، وأمَّ التَّأذينُ فقد قال في بقية الحديث: كان لا يُؤَذِّنُ حَتَّى يقال له: أصبَحتَ. فالاعتماد على الجمع الَّذينَ يُخْبِرِونَه بالوَقتِ. قال: وأمَّا ما ذكره الزُّهري في حقِّ ابن عبّاس فهو تَهويلٌ لا تَقومُ به حُجَّة؛ لأنَّ ابن عبَّاس كان أفقَهَ من أن يَشهَدَ فيما لا تجوزُ فيها شهادتُه، فإنَّه لو شَهِدَ لأبيه أو ابنِه أو مملوكِه لما قُبِلَت شهادتُه، وقد أعاذَه الله من ذلك. ١٢ - باب شهادة النساء وقولِ الله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ٢٦٥٨ - حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، قال: أخبرني زيدٌ، عن عِياضِ بنِ عبدِ الله، عن أبي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َه، عن النبيِّ وَّرَ قال: «أليسَ شهادةُ المرأةِ مثلَ نِصْفٍ شهادةِ الرجلِ؟)) قلنا: بَلَى، قال: ((فذلكَ من نُقْصانِ عَقْلِها)). قوله: ((باب شهادةِ النِّساءِ، وقولِ الله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾)) قال ابن المنذر: أجمَعَ العلماءُ على القولِ بظاهرِ هذه الآية، فأجازوا شهادة النِّساء مع الرِّجال، وخَصَّ الجمهور ذلك بالدُّيون والأموال، وقالوا: لا تجوزُ شهادتُهنَّ في الحدودِ والقِصاص، واختلفوا في النِّكاح والطَّلاق والنَّسَبِ والوَلاء، فمَنَعَها الجمهورُ وأجازَها الكوفيون. ٣٣١ باب ١٢ / ح ٢٦٥٨ كتاب الشهادات قال: واتَّفَقوا على قَبُولِ شهادتِهِنَّ مُفرَداتٍ فيما لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجال، كالحيضِ والولادة والاستهلال وعُيوبِ النِّساء، واختلفوا في الرَّضاعِ كما سيأتي في الباب الَّذي بعدَه. وقال أبو عبيد: أمَّا اتِّفاقُهم على جوازِ شهادتِهِنَّ في الأموال فللآية المذكورة، وأمَّا اتّفاقُهم على مَنعِها في الحدود والقِصاص فلقوله تعالى: ﴿ثُمََّمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّمَ﴾(١) [النور: ٤]، وأمَّا اختلافُهم في النِّكاح ونحوه، فمَن أَحَقَها بالأموال فذلك لما فيها من المهورِ والنَّفقاتِ ونحوِ ذلك، ومَن أَحَقَها بالحدودِ فلأنَّها تكون استحلالاً للفروج، وتحريمُها بها، قال: وهذا هو المختارُ، ويُؤَيِّدُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ثُمَّ سَّاها حدوداً فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والنِّساء لا يُقبَلنَ في الحدود، قال: وكيف يَشْهَدنَ فيما ليس لَنَّ فيه تَصَرُّفُ من عَقدٍ ولا حَلَّ؟! انتهى. وهذا التَّفصيل لا يُنافي الترجمة؛ لأنَّها معقودة لإثباتِ شهادتهِنَّ في الجملة. وقد اختلفوا فيما لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجال، هل يكفي فيه قولُ المرأة وحدَها أم لا؟ فعند الجمهور: لا بُدّ من أربع، وعن مالك وابن أبي ليلى: يكفي شهادة اثنتين، وعن الشَّعبي والثَّوري: تجوزُ شهادتُها وحدَها في ذلك، وهو قولُ الحنفية. ذكر المصنِّفُ حديث أبي سعيد مختصراً، وقد مضى بتمامه في الحيضِ (٣٠٤)، والغَرَض منه قوله ◌َّله: ((أليس شهادةُ المرأة مِثلَ نصفِ شهادة الرجلِ؟». قال المهلَّبُ: ويُستنبَطُ منه التَّفاضل بين الشُّهودِ بِقَدرِ عَقْلِهم وضَبطِهم، فتُقَدَّم/ شهادة ٢٦٧/٥ الفَطِنِ اليَقِظ على الصَّالِحِ البليد، قال: وفي الآية أنَّ الشّاهدَ إذا نَسِيَ الشَّهادة فذَگَّرَه بها رفيقُهُ حتَّى تَذَكَّرَها، أنَّه يجوزُ أن يَشْهَدَ بها. ومن اللَّطائفِ ما حكاه الشّافعي عن أُمِّه: أنَّهَا شَهِدَت عند قاضي مكَّة هي وامرأةٌ أُخرى، فأراد أن يُفرِّقَ بينهما امتحاناً، فقالت له أمُّ الشّافعي: ليس لك ذلك؛ لأنَّ الله تعالى (١) نص الآية: ﴿ وَالَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّةَ﴾ [النور: ٤]، وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ﴾ [النور: ١٣]. ٣٣٢ باب ١٣ / ح ٢٦٥٩ فتح الباري بشرح البخاري يقول: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأَخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ١٣ - باب شهادة الإماء والعبيد وقال أنسٌِّ: شهادةُ العبدِ جائزةٌ إذا كان عَدْلاً. وأجازَه شُرَيحٌ وزُرارةُ بنُ أوْنَى. وقال ابنُ سِيرِينَ: شهادتُه جائزةٌ، إلا العبدَ لسَيِّدِهِ. وأجازَه الحسنُ وإبراهيمُ في الشَّيءِ التّافِهِ. وقال شُرَيحُ: كلُّكُمْ بَنُو عَبِيدٍ وإِماءٍ. ٢٦٥٩ - حدّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جُرَيج، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، عن عُقْبَةَ بنِ الحارثِ (ح) وحدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: سمعتُ ابنَ أبي مُلَيكةً، قال: حدَّثني عُقْبةُ بنُ الحارثِ، أو سمعتُه منه: أَنَّ تَزَوَّجَ أُمَّ يحيى بنتَ أبي إهابٍ، قال: فجاءت أَمَةٌ سَوْداءُ فقالت: قد أرضَعْتُكُما، فَذَكَرْتُ ذلك للنبيِّ وَِّ، فأعرَضَ عَنِّي، قال: فَتَنَخَّيتُ فَذَكَرْتُ ذلك له، قال: ((وكيفَ وقد زَعَمَت أنها قد أرضَعَتْكُما!)) فتَهاه عَنْها. قوله: ((باب شهادةِ الإماءِ والعَبيدِ)) أي: في حال الرِّقّ، وقد ذهب الجمهورُ إلى أنَّها لا تُقبَلُ مُطلَقاً. وقالت طائفة: تُقَبَّلُ مُطلَقاً، وقد نَقَلَ المصنّف بعض ذلك، وهو قولُ أحمد وإسحاق وأبي ثَوْر. وقيل: تُقبَلُ في الشيءِ اليَسِير، وهو قولُ الشَّعبي وشُرَيح والنَّخَعي والحسن. قوله: ((وقال أنسُ: شهادةُ العبدِ جائزة إذا كان عَدْلاً)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٧٧/٦) من رواية المختار بن فُلفُل قال: سألتُ أنساً عن شهادة العَبيد، فقال: جائزة. قوله: ((وأجازَه شُرَيحُ وزُرارةُ بن أوفى)) أمَّا شُرَيح فوَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٧٧/٦) من رواية عامر - وهو الشَّعبي -: أن شُرَيحاً أجازَ شهادة العَبيد. وروى سعيد بن منصور من رواية عّار الدُّهني قال: سمعتُ شُرَيحاً أجازَ شهادة عبدٍ في الشيءِ الْيَسير. ورُوِّيناه في ٣٣٣ باب ١٣ / ح ٢٦٥٩ كتاب الشهادات ((جامع سفيان بن عُيَينة)) عن هشام عن ابن سيرينَ: كان شُرَيح يُجيزُ شهادة العبدِ في الشيء اليَسير إذا كان مَرْضيّاً. وروى ابن أبي شَيْبة (٧٧/٦ -٧٨) أيضاً من طريق أشعَثَ عن الشَّعبي: كان شُرَيح لا يُجيزُ شهادة العبد، فقال علي: لكنَّنَا نُجيزُها، فكان شُرَيح بعدَ ذلك يُجِيزُها إلَّ لسَيِّدِه. وأمَّا قول زرارةَ بن أَوفى - وهو قاضي البصرة - فلم أقف على سنَدِه إليه. قوله: ((وقال ابن سيرينَ: شهادتُه)) أي: العبدِ ((جائزةٌ إِلَّ العبدَ لسَيِّدِه)) وَصَلَه عبد الله بن أحمد بن حنبل في ((المسائلِ)) من طريق يحيى بن عَتِيق عنه، بمعناه. قوله: ((وأجازَه الحسنُ وإبراهيم في الشيءِ التافهِ) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة من رواية منصور عن إبراهيمَ قال: كانوا يُجيزونَها في الشيءِ الخفيفِ. ومن طريق أشعَثَ الْحُمْراني عن الحسنِ نحوه. قوله: ((وقال شُرَيح: كلَّكُم بَنُو عَبيدٍ وإماءٍ)) كذا للأكثر، ولابن السَّكَن: كلَّكُم عَبِيدٌ وإِماء، وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٦/ ٧٧) من طريق عّار الدُّهني: سمعتُ شُرَيحاً شَهِدَ عنده عبدٌ، فأجازَ شهادتَه، فقيل له: إنَّه عبدٌ! فقال: كلُّنا عَبِيدٌ وأُمُّنَا حَوّاء. وأخرجه سعيد بن منصور/ من هذا الوجه نحوَه بلفظ: فقيل له: إنَّه عبدٌ! فقال: کلَّكُم ٢٦٨/٥ بَنُو عَبِيد وبَنُو إماء. ثمَّ أورَدَ المصنِّفُ حديث عُقْبَةَ بن الحارث في قِصَّة الأَمة السَّوداءِ المرضِعة، وسيأتي الكلامُ عليه في الباب الَّذي بعدَه. ووجه الدّلالة منه: أَنَّه وَلَه أمَرَ عُقْبة بفِراق امرأتِه بقولِ الأَمة المذكورة، فلو لم تكُن شهادتُها مقبولة ما عَمِلَ بها، واحتَجّوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قالوا: فإن كان الَّذي في الرِّقِّ رِضاً فهو داخلٌ في ذلك. وأُجيبَ عن الآية بأنَّه تعالى قال في آخرها: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾ والإباء إنَّا يَتأتّى من الأحرار، لاشتغال الرّقيق بحقِّ السَّيِّد، وفي الاستدلال بهذا القَدْرِ نظرٌ. ٣٣٤ باب ١٤ / ح ٢٦٦٠ فتح الباري بشرح البخاري وأجابَ الإسماعيلي عن حديثِ الباب فقال: قد جاء في بعضٍ طرقِه: فجاءت مولاةٌ لأهل مكَّة (١). قال: وهذا اللَّفظُ يُطلَقُ على الحُرَّة التي عليها الولاء، فلا دلالةَ فيه على أنَّها كانت رَقِيقة، وتُعُقِّبَ بأنَّ روايةَ حديث الباب فيه التصريح بأنَّهَا أَمةٌ، فتَعيَّنَ أنَّها ليست بحُرَّة. وقد قال ابن دَقِيق العيد: إن أخَذنا بظاهرِ حديثِ الباب، فلا بُدّ من القولِ بشهادة الأَمَة. وقد سبق إلى الجَزْم بأنَّها كانت أَمةَ أحمد بن حنبل، رواه عنه جماعة كأبي طالب ومُهَنّا وحَرْب وغيرهم، وقد تقدَّم في العلم (٨٨) تسميةُ أُمّ يحيى بنت أبي إهاب، وأنَّهَا غَنِيَّة، بفتح المعجَمة وكسر النّون بعدَها تحتانية مُثقَّلة، ثمَّ وَجَدتُ في النَّسائي أنَّ اسمَها زينب، فلعلَّ غَنِيَّةَ لَقَبُها، أو كان اسمَها فِغُيِّر بزينبَ، كما غُيِر اسمُ غيرها، والأَمَةُ المذكورةُ لم أقف على اسمها. قوله: ((فأعرَضَ عنِّي)) زاد في البيوع (٢٠٥٢) من طريق عبد الله بن أبي حسين عن ابن أبي مُلَيكة: وتَبَسَّمَ النبي اللّ. قوله فيه («فتَنَخَّيتُ فَذَكَرتُ ذلك له)) في رواية النِّكاح (٥١٠٤): فأعرَضَ عنِّي، فأتيتُه من قِبَلِ وجهه فقلت: إنَّها كاذبة، وفي رواية الدّارَ قُطني (٤٣٧٠): ثمَّ سألتُه فأعرَضَ عِنِّي، وقال في الثالثة أو الرَّابعة. ١٤ - باب شهادة المُرضِعة ٢٦٦٠ - حدَّثنا أبو عاصم، عن عمرَ بنِ سعيدٍ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، عن عُقْبَةَ بنِ الحارثِ، قال: تَزَوَّجتُ امرأةٌ، فجاءتِ امرأةٌ فقالت: إنّ قد أرضَعتُكُما، فأتيتُ النبيَّ وَِّ، فقال: ((وكيفَ وقد قيلَ؟ دَعْها عنكَ)) أو نحوه. قوله: ((باب شهادةِ المرضِعةِ) ذكر فيه حديث عُقْبَةَ بن الحارث في قِصَّة المرأة التي أخبرته أنَّهَا أرضَعَته وأرضَعَت امرأته، أخرجه في الباب الَّذي قبلَه، وفي هذا الباب عن أبي عاصم، (١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفة)) ١٩٦/٤ و١٧٥/١٤، والطبراني في ((الكبير)) ١٧/ (٩٧٣). ٣٣٥ باب ١٤ / ح ٢٦٦٠ كتاب الشهادات لكن هنا عن عمر بن سعيد، وفي الَّذي قبلَه عن ابن جُرَيج، كلاهما عن ابن أبي مُلَيكةَ، وكأنَّ لأبي عاصم فيه شيخين، وقد وجَدتُ له فيه ثالثاً ورابعاً، أخرجه الدّارَقُطني (٤٣٧١) من طريق محمد بن يحيى عن أبي عاصم عن أبي عامر الخرّاز ومحمد بن سُلَيمِ، كلاهما عن ابن أبي مُلَيكةَ أيضاً. واحتجَّ به مَن قَبِلَ شهادةَ المرضِعة وحدَها، قال عليّ بن سعد: سمعتُ أحمد يُسألُ عن شهادة المرأة الواحدة في الرَّضاع، قال: تجوزُ على حديثِ عُقْبَةَ بن الحارث. وهو قولُ الأوزاعي، ونُقِلَ عن عثمان وابن عبّاس والزّهري والحسن وإسحاق. وروى عبد الرَّزّاق عن ابن جُرَيج عن ابن شِهَاب قال: فَرَّقَ عثمان بين ناسٍ تَناكَحوا، بقولِ امرأةٍ سوداءَ أنَّها أرضَعَتهم (١). قال ابن شِهَاب: الناسُ يأخُذون بذلك من قولِ عثمان اليومَ، واختارَه أبو عُبيدٍ، إلّا أنَّه قال: إن شَهِدَت المرضِعة وحدَها وَجَبَ على الَّوجِ مُفارَقة المرأة ولا يَجِبُ عليه الحكمُ بذلك، وإن شَهِدَت معها أُخرى وَجَبَ الحكمُ به. واحتُجَّ أيضاً بأنَّه وَله لم يُلزِم عُقْبة بفراق امرأتِه، بل قال له: ((دَعْها عنك))، وفي رواية ابن جُرَيج: ((كيف وقد زَعَمَت؟)) فأشار/ إلى أنَّ ذلك على الشَّزيه. ٢٦٩/٥ وذهب الجمهورُ إلى أنَّه لا يكفي في ذلك شهادة المرضِعة؛ لأنَّها شهادةٌ على فعلٍ نفسِها، وقد أخرج أبو عُبيد من طريق عُمرَ والمغيرة بن شُعْبة وعليّ بن أبي طالب وابن عبَّاس: أنَّهم امتَنَعوا من التَّعْرِقة بين الزَّوجَينِ بذلك، فقال عمرُ: فَرِّق بينهما إن جاءت بيِّنة وإلَّا فخَلِّ بين الرجلِ وامرأتِهِ إِلَّا أن يَتَّها، ولو فُتِحَ هذا البابُ لم تَشَأ امرأةٌ أن تُفرِّقَ بين الَّوجَينِ إلَّا فَعَلَت. وقال الشافعيُّ (٢): تُقبَلَ مع ثلاثِ نِسوَة، شرطَ أن لا تَتَعرَّضَ(٣) لطلبٍ أُجرةٍ، وقيل: لا تُقَبِلُ مُطلَقاً، وقيل: تُقبَلُ في ثُبُوتِ المَحْرَمية دون ثُبوتِ الأُجرة لها على ذلك، قال مالك: (١) ولفظه في المطبوع من ((المصنف)) (١٥٤٣٤): فَرَّق عثمان بين أهل أبيات بشهادة امرأة. (٢) تحرف في (س) إلى: الشعبي، والمثبت من الأصلين، وهو الموافق لما في ((المنهاج)) وشروحه. (٣) زاد هنا في (أ) و(س) لفظة ((نسوة))، والصواب بدونها كما في (ع)، لأن فاعل ((تتعرض)) يعود على المرضعة وليس على النسوة. ٣٣٦ باب ١٤ / ح ٢٦٦٠ فتح الباري بشرح البخاري تُقبِلُ مع أُخرى. وعن أبي حنيفة: لا تُقبَلُ في الرَّضاع شهادةُ النِّساءِ المتمَخِّضات، وعَكسُه الإصْطَخْري من الشّافعية. وأجابَ مَن لم يقبل شهادةَ المرضِعة وحدَها بحَمْل النَّهي في قوله: ((فتَهاه عنها)) على التَّنزيه، ويُجمَلُ الأمر في قوله: ((دَعْها عنك)) على الإرشاد. وفي الحديث جوازُ إعراض المفتي ليتَنَبَّهَ المستَقتي على أنَّ الحكمَ فيما سألَه الكَفّ عنه، وجوازُ تكرار السُّؤال لمن لم يفهم المراد، والسُّؤال عن السَّبَبِ المقتَضي لرفعِ النِّكاح. وقوله في الإسناد الَّذي قبلَه: ((حدَّثني عُقْبة بن الحارث أو سمعتُه منه)) فيه رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ ابن أبي مُلَيكةً لم يسمع من عُقْبة بن الحارث، وقد حكاه ابن عبد البَرّ، ولعلَّ قائلَ ذلك أخَذَه من الرِّواية الآتية في النِّكاح (٥١٠٤) من طريق ابن عُليَّة عن أيوبَ عن ابن أبي مُلَيكةً عن عُبيد بن أبي مريم عن عُقْبة بن الحارث، قال ابن أبي مُلَيكةً: وقد سمعتُه من عُقْبَةَ ولكنّي لحديثِ عُبيدٍ أحفَظُ. وأخرجه أبو داود (٣٦٠٣) من طريق حمّاد عن أيوبَ، ولفظُهُ: ((عن ابن أبي مُلَيكةَ عن عُقْبة بن الحارث. قال: وحدَّثنيه صاحبٌ لي عنه وأنا لحديثِ صاحبي أحفَظُ))، ولم يُسَمِّه، وفيه إشارةٌ إلى التَّرِقة في صيغ الأداء بين الإفراد والجمع، أو بين القَصدِ إلى التحديث وعَدَمِه، فيقول الراوي فيما سمِعَه وحدَه من لفظ الشَّيخ، أو قَصَدَ الشَّيخُ تحديثَه بذلك: ((حدَّثني)) بالإفراد، وفيما عدا ذلك: ((حدَّثُنا)» بالجمع، أو: ((سمعتُ فلاناً يقول))، ووقع عند الدّارَقُطني (٤٣٧٠) من هذا الوجه: ((حدَّثني عُقْبة بن الحارث)) ثمّ قال: ((لم يُحدِّثني ولكنّي سمعتُه يُحدِّثُ))، وهذا يُعيِّن أحد الاحتمالَين، وقد اعتَمَدَ ذلك النَّسائي فيما يرويه عن الحارث بن مِسكينٍ فيقول: ((الحارث ابن مِسكينٍ قراءةً عليه وأنا أسمَعُ))، ولا يقول: ((حدَّثني)) ولا ((أخبرني))؛ لأنَّه لم يَقصِده بالتحديث، وإنَّما كان يسمعُه من غير أن يَشعُرَ به. قوله فيه: ((إنّ قد أرضَعْتُكُم)) زاد الدّارَ قُطني (٤٣٦٩) من طريق أيوبَ عن ابن أبي مُلَيكةَ: ((فَدَخَلَت علينا امرأة سوداء فسألَت، فأبطَأْنا عليها فقالت: تَصَدَّقوا عليَّ، فوالله ٣٣٧ باب ١٥ / ح ٢٦٦١ كتاب الشهادات لقد أرضَعتُكما جميعاً)، زاد البخاري في العلم (٨٨) من طريق عمر بن سعيد عن ابن أبي حسين، عن ابن أبي مُلَيكةَ: ((فقال لها عُقْبة: ما أرضَعِتِني ولا أخبَرَتِني - أي: بذلك - قبلَ التَّزَوُّجِ)) زاد في ((باب إذا شَهِدَ بشيءٍ فقال آخر: ما عَلِمَت ذلك)) (٢٦٤٠) وفي العلم: ((فَرَكِبَ إلى رسولِ الله وَّهِ بالمدينة فسألَه))، وتَرجَمَ عليه ((الرِّحلة في المسألة النازِلة)) وزاد في النِّكاح (٥١٠٤): ((فقالت لي: قد أرضَعتُكُما وهي كاذبة)). قوله: (دَعْها عنك، أو نحوَه)) في رواية النِّكاح: ((دَعْها عنك)) حَسْب، زاد الدّارَ قُطني في رواية أيوبَ في آخره: ((لا خيرَ لك فيها))، وفي الباب الَّذي قبلَه: «فنَهاه عنها»، زاد في الباب المشار إليه من الشَّهادات: ((ففارَقَها ونكَحَت زوجاً غيره)). ١٥ - باب تعديل النِّساء بعضِهنَّ بعضاً ٢٦٦١ - حدَّثنا أبو الرَّبِيع سليمانُ بنُ داود - وأفهَمَني بعضَه أحمدُ - قال: حدّثنا فُلَيحُ بنُ سليمانَ، عن ابنِ شِهَابِ الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَير وسعيد بن المسيّبِ وعَلْقمةَ بنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ/ وعُبيد الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها زوج النبيِّ نَّه حينَ قالَ لها ٢٧٠/٥ أهلُ الإِفْكِ ما قالوا، فبَرَّأَها الله منه. قال الزُّهْريُّ: وكلُّهم حدَّثني طائفةً من حديثِها، وبعضُهم أوْعَى من بعضٍ وأثبَتُ له اقتصاصاً، وقد وَعَيتُ عن كلِّ واحدٍ منهم الحديثَ الَّذي حدَّثْني عن عائشةَ، وبعضُ حديثِهم يُصَدِّقُ بعضاً، زَعَمُوا: أنَّ عائشةَ قالت: كان رسولُ الله ◌ٍَّ إذا أرادَ أن يَخْرُجَ سَفَراً أَقْرَعَ بين أزواجِهِ، فَأَيَّتُهنَّ خَرَجَ سَهْمُها أخرَجَ بها معه، فأقرَعَ بينَنَا في غَزاةٍ غَزاها، فخَرَجَ سَهْمي، فخَرَجْتُ معه بعدَما أُنزِلَ الِحِجَابُ، فأنا أُحَْلُ فِي هَوْدَج وأُنزَلُ فيه، فسِرْنا حتَّى إذا فَرَغَ رسولُ اللهَِّ مِن غَزْوَتِهِ تلكَ، وقَفَلَ ودَنَّوْنا مِن المدينةِ، آذَنَ ليلةً بالرَّحِيلِ، فقُمْتُ حينَ آذَنُوا بالرَّحِيلِ فمَشَيْتُ حتَّى جاوَزْتُ الجيشَ، فلمَّا قَضَيتُ شَأْنِي أقبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ فَلَمَسْتُ صَدْري، فإذا عِقْدٌ لي من جَزْعِ أَظْفارٍ قَدِ انقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فالتَمَسْتُ عِقْدي، فحَبَسَنِ ابْتِغَاؤُهُ، فأقبَلَ الذينَ يَرْحَلُونَ لي، فاحتَمَلُوا هَوْدَجي، فَرَحَلُوه على بعيري الَّذِي كنتُ أركَبُ، وهم يَحْسِبُونَ ٣٣٨ باب ١٥ / ح ٢٦٦١ فتح الباري بشرح البخاري أنّي فيه، وكان النِّساءُ إذ ذاكَ خِفافاً لم يَثْقُلْنَ ولم يَغْشَهِنَّ اللَّحْمُ، وإنَّما يأْكُلْنَ العُلْقَةَ مِن الطَّعام، فلم يَسْتَنكِرِ القومُ حينَ رَفَعُوه ثِقَلَ الهَوْدَج، فاحتَمَلُوه، وكنتُ جاريةً حديثةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الجملَ وسارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدي بعدَما استَمَرَّ الجيشُ، فجِئْتُ مَنْزِلهم وليسَ فيه أحدٌ، فأمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذي كنتُ به، فظتَنْتُ أنَّهم سَيَفْقِدُونَنِي، فَيَرجِعُونَ إليَّ، فَبَينا أنا جالسةٌ غَلَبَتْنِي عَينايَ فِيِمْتُ، وكان صَفْوانُ بنُ المعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثمَّ الذَّكْوانُّ من وراءِ الجيشِ، فأصبَحَ عندَ مَنْزِلي، فَرَأَى سَوادَ إنْسانٍ نائمٍ، فأتاني، وكان يَراني قبلَ الحِجاب، فاستَبِقَظْتُ باستِرْ جاعه حتّى أناخَ راحلتَه، فوَطِئَ يَدَها فَرَكِيتُها، فانطَلَقَ يَقُودُ بِيَ الرّاحلةَ حتَّى أتينا الجيشَ بعدَما نزلُوا مُعَرِّسِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرةِ، فَهَلَكَ مَن هَلَكَ، وكان الَّذِي تَوَلَّى الإنْكَ عبدُ الله بنُ أُبَيِّ ابنُ سَلُولَ. فقَدِمْنا المدينةَ فاشتكَيتُ بها شهراً، يُفِيضُونَ من قولِ أصحاب الإفْكِ، وتَرِيبُني في وجعي أنّي لا أَرَى مِن النبيِّي ◌َّرِ اللَّطْفَ الَّذِي كنتُ أَرَى منه حينَ أمَرَضُ، إِنَّما يَدخُلُ فِيُسَلِّمُ، ثمَّ يقول: ((كيفَ تِيَكُمْ؟) لا أشْعُرُ بشيءٍ من ذلك، حتَّى نَقِهْتُ فخَرَجْتُ أنا وأُمُّ مِسطَحٍ قِيَلَ المناصِعِ مُتَبَرَّزِنا، لا نَخْرُجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبلَ أن نَتَّخِذَ الكُتُفَ قَرِيباً من بُيُوتِنا، وأمرُنا أمُرُ العربِ الأُوَلِ فِي البَرّيَّةِ أو في التنزُّه، فأقبَلْتُ أنا وأُمُّ مِسطَحِ بنتُ أبي رُهْمٍ نَمْشِي، فَعَثَرَت في مِرْطِها فقالت: تَعِسَ مِسطَحٌ! فقلتُ لها: بْسَ ما قلتِ! أتسُبِّنَ رجلاً شَهِدَ بَدْراً؟ فقالت: يا هَنْتَاه! ألم تَسْمَعي ما قالوا؟ فأخبَرْني بقولِ أهلِ الإِفْكِ، فازْدَدْتُ مَرَضاً إلى مَرَضي. فلمَّا رَجَعْتُ إلى بيتي دَخَلَ عليَّ رسولُ اللهِوَّةَ، فَسَلَّمَ فقال: ((كيفَ تِيكُمْ؟) فقلتُ: ائْذَن لي إلى أبَوَيَّ، قالت: وأنا حينَئِذٍ أُرِيدُ أن ٢٧١/٥ أستَيقِنَ الخبّرَ من قِبَلِهما،/ فأذِنَ لي رسولُ اللهِ وَّهِ فأتيتُ أبوَيَّ فقلتُ لأمي: ما يَتَحدَّثُ به النّاس؟ فقالت: يا بُنِيَّةُ، هَوِّني على نفسِكِ الشَّأَنَ، فوالله لَقَلَّما كانتِ امرأةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عندَ رجلٍ يُحِبُّها، ولها ضَرائرُ إلا أكثرْنَ عليها، فقلتُ: سبحانَ الله! ولقد يَتَحدَّثُ النّاسُ بهذا؟ قالت: فِبِتُّ تلكَ اللَّلةَ حتَّى أصبَحْتُ لا يَرْقَأُ لِ دَمْعٌ ولا أكتَحِلُ بنومِ، ثمّ أصبَحْتُ، فِدَعا رسولُ اللهِ وَِّ عليّ بن أبي طالبٍ وأُسامةَ بنَ زيدٍ حينَ استَلْبَثَ الوَحْيُ؛ يستشيرُهما في فِراقِ أهلِهِ، فأمَّا أُسامةُ فأشارَ عليه بالَّذِي يَعْلَمُ في نفسِهِ مِن الوُدِّلهم، فقال أُسامةُ: أهلُكَ يا ٣٣٩ باب ١٥ / ح ٢٦٦١ كتاب الشهادات رسولَ الله، ولا نعلمُ والله إلَّا خيراً، وأمَّا عليُّ بنُ أبي طالبٍ فقال: يا رسولَ الله، لم يُضَيِّقِ الله عليكَ، والنِّساءُ سواها كَثِيرٌ، وسَلِ الجاريةَ تَصْدُفْكَ، فَدَعا رسولُ الله ◌َلَّ برِيرةَ، فقال: ((يا بَرِيرةُ، هل رأيتِ فيها شيئاً يَرِيبُكِ؟)) فقالت بَرِيرةُ: لا والَّذي بَعَثَكَ بالحقِّ، إن رأيتُ منها أمراً أغمِصُه عليها قَطُّ أكثرَ من أنَّها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ، تَنامُ عن العَجِينِ، فتأتي الدّاجِنُ فتَأكُلُه. فقامَ رسولُ الله ◌َّه من يومِه، فاستَعْذَرَ من عبدِ الله بنٍ أَيِّ ابنٍ سَلُولَ، فقال رسولُ الله ◌ِلَّت: ((مَنْ يَعِذِرُني من رجلٍ بَلَغَنِي أَذَاه في أهلي؟ فوالله ما عَلِمتُ على أهلي إلا خيراً، وقد ذَكَرُوا رجلاً ما عَلِمِتُ عليه إلا خيراً، وما كان يَدخُلُ على أهلي إلا معِي))، فقامَ سعدُ بنُ معاذٍ فقال: يا رسولَ الله، أنا والله أعذِرُكَ منه، إن كان مِن الأوْسِ، ضَرَبنا عُنُقَه، وإن كان من إخوانِنا مِن الخَزْرَج أمَرْتَنا ففَعَلْنا فيه أمرَكَ، فقامَ سعدُ بنُ عُبادةَ، وهو سَيِّدُ الخَزْرَج، وكان قبلَ ذلك رجلاً صالحاً ولكنِ احتَمَلَتْه الحَمِيَّةُ، فقال: كذبتَ لَعَمْرُ الله! والله لا تقتلُه ولا تَقْدِرُ على ذلك، فقامَ أُسَيدُ بنُ الحُضَيرِ فقال: كذبتَ لَعَمْرُ الله! والله لنَقتُلَنَّه، فإِنَّكَ مُنافقٌ تُجَادِلُ عن المنافِقِينَ. فثارَ الحَيّانِ الأَوْسُ والخَزْرَجُ، حَتَّى هُّوا، ورسولُ اللهِ وَِّ على المِنْبرِ، فنزلَ فخَفَّضَهم حتَّى سَكَنُوا وسَكَتَ، وبَكَيتُ يومي لا يَرْقَاُ لي دَمْعٌ ولا أكتَحِلُ بنومٍ، فأصبَحَ عندي أَبُوايَ وقد بَكَيتُ لَيْلَتِي ويوماً، حتَّى أظُنُّ أنَّ البُكاءَ فالقُّ كَبِدي. قالت: فَبَيْنا هما جالسانِ عندي وأنا أبكي، إذ استأذنَتِ امرأةٌ مِن الأنصار، فأذِنْتُ لها، فَجَلَسَت تَبْكي معي، فبَيْنا نحنُ كذلك إذ دَخَلَ رسولُ اللهِ وََّ فِجَلَسَ، ولم يجلسْ عندي من يومٍ قِيلَ فيَّ ما قِيلَ قبلَها، وقد مَكَثَ شهراً لا يُوحَى إليه في شَأَني شيءٌ، قالت: فَتَشَهَّدَ ثمّ قال: ((يا عائشةُ، فإنَّه بَلَغَني عنكِ كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسَيُبرِّتُكِ الله، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبْ فاستَغْفِرِي الله وتُوبي إليه، فإنَّ العبدَ إذا اعتَرَفَ بذَنْبِهِ ثمَّ تابَ، تابَ الله علیه)). فلمَّا قَضَى رسولُ اللهِ وَلِّ مِقالتَه، قَلَصَ دَمْعي، حتَّى ما أُحِسُّ منه قَطْرةً، وقلتُ لأبي: أچِبْ عنّي / رسولَ الله ◌َّ؟ قال: والله لا أدري ما أُقُولُ لرسولِ الله، فقلتُ لأمي: أچيپي عنِّ رسولَ الله ٢٧٢/٥ فيما قال؟ قالت: والله ما أدري ما أقُولُ لرسولِ الله، قالت: وأنا جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ، لا أقرأُ ٣٤٠ باب ١٥ / ح ٢٦٦١ فتح الباري بشرح البخاري كَثِيراً مِن القُرْآنِ، فقلتُ: إنّ والله لقد عَلِمْتُ أنَّكُم سمعتُم ما يَتَحدَّثُ به النّاسُ، وَقَرَ في أنفُسِكُم وصَدَّقْتُم به، ولَئِن قلتُ لكم: إنّ بريئةٌ، واللهُ يَعلَمُ إنّ لَبَرِيئَةٌ، لا تُصَدِّقُوني بذلك، ولَيْنِ اعتَرَفْتُ لكم بأمرٍ، واللهُ يَعْلَمُ أنّ بريئةٌ، لتُصَدِّقُنّي، والله ما أجِدُ لي ولَكُم مثلاً إلا أبا يوسفَ إذ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، ثمَّ تَحوَّلْتُ على فِراشي وأنا أرجو أن يُبَرِّنَني الله، ولكن والله ما ظننتُ أن يُنزِلَ في شَأْتِي وَحْياً، ولأنا أحقَرُ في نفسي من أن يُتْكَلَّمَ بالقُرآنِ في أمري، ولكنّي كنتُ أرجو أن يَرَى رسولُ الله ◌َّ في النومِ رُؤْيا تُبُرِّثُّني، فوالله ما رامَ مَجلِسَه ولا خَرَجَ أحدٌ من أهلِ البيتِ، حتَّى أُنزِلَ عليه الوَحْيُّ، فأخَذَه ما كان يأخُذُهُ مِن الْبُرَحاءِ، حتَّى إِنَّه لَيْتَحَذَّرُ منه مِثْلُ الجُمانِ مِن العَرَقِ في يومٍ شاتٍ، فلمَّا سُرِّيَ عن رسولِ الله وَّه وهو يَضْحَكُ، فكان أوَّلَ كلمةٍ تَكَلَّمَ بها أن قال لي: ((يا عائشةُ! احَمَدي اللهَ فقد بَرَّ أكِ الله))، فقالت لي أُمَّي: قُومي إلى رسولِ الله، فقلتُ: لا والله لا أَقُومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ، فأنزلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِأَلِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُرْ﴾ الآيات [النور: ١١]. فلمَّا أنزلَ الله هذا في بَراءَتي، قال أبو بكرِ الصِّدِّيقُ ﴾، وكان يُنفِقُ على مِسطَحِ بنِ أَثَاثَةً لقَرابَتِه منه: والله لا أُنفِقُ على مِسطَح بشيءٍ أبداً، بعدَ ما قال لعائشةَ، فأنزلَ الله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] فقال أبو بكرٍ: بَلَى والله، إنّي لأحِبُّ أن يَغْفِرَ الله لي، فَرَجَعَ إلى مِسطَحِ الَّذي كان يُجْرِي عليه. وكان رسولُ اللهِ وَّهِ يَسْألُ زينبَ بنتَ جَحْشٍ عن أمري، فقال: ((يا زينبُ، ما عَلِمْتِ؟ ما رأيتٍ؟)) فقالت: يا رسولَ الله، أحمي سَمْعي وبَصَري، والله ما عَلِمْتُ عليها إلا خيراً. قالت: وهي التي كانت تُسامِيني، فعَصَمَها الله بالوَرَعِ. قال: وحدَّثنا فُلَيحٌ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ وعبدِ الله بنِ الزُّبَيرِ مثلَه. قال: وحدَّثنا فُلَيِحٌ، عن رَبِيعةَ بنِ أبي عبدِ الَّحمنِ ويحيى بنِ سعيدٍ، عن القاسِمِ بنِ محمَّدٍ ابنِ أبي بکٍ مثلَه. قوله: ((باب تعديلِ النِّساءِ بعضِهنَّ بعضاً)) كذا للأكثر، زاد أبو ذرِّ قبلَه: حديث الإفك،