Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
باب ١٢
كتاب الهبة
قوله: ((يقبل الهديّة ويُثيب عليها)) أي: يُعطي الذي يُهدي له بَدَلها، والمراد بالثَّواب المجازاة،
وأقلُّه ما يُساوي قيمةَ الهديّة.
قوله: ((لم يَذْكُر وكيع وتُحاضِر: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة)) فيه إشارة إلى أنَّ عيسى
ابن يونس تفرَّد بوَصلِه عن هشام، وقد قال التِّرمِذي والبَزّار: لا نَعرِفُه موصولاً إلَّا من
حديث عيسى بن يونس، وقال الآجُرّي: سألت أبا داود عنه فقال: تفرَّد بوَصلِه عيسى بن
يونس، وهو عند الناس مُرسَل. ورواية وكيع وصَلها ابن أبي شَيْبة عنه بلفظ: ((ويُثيب ما
هو خير منها)) ورواية مُحاضر لم أقف عليها بعدُ.
واستَدَلَّ بعض المالكية بهذا الحديث على وجوب الثَّواب على الهديّة إذا أطلقَ الواهب
وكان ممَّن يَطلُب مثلُه الثَّوابَ كالفقير للغَني، بخلاف ما يَهَبُه الأعلى للأدنى، ووجه
الدّلالة منه مواظَبَتَه ◌َّةِ، ومن حيثُ المعنى أنَّ الذي أهدى قَصَدَ أن يُعطى أكثرَ ممَّ أهدى
فلا أقلّ أن يُعَوَّضَ بنَظِير هَديته، وبه قال الشّافعي في القديم، وقال في الجَديد كالحنفية:
الهِبَة للثَّواب باطلة لا تَنعَقِدُ لأنَّهَا بيعٌ بِثَمَنٍ مجهولٍ، ولأنَّ مَوضوع الهِبَة التَّبُّع فلو أبطَلناه
لكان في معنى المعاوضة، وقد فرَّقَ الشَّرع والعُرف بين البيع والهِبَة، فما استَحقَّ العِوَض
أُطلِقَ عليه لفظ البيع بخلاف الهِبَة. وأجابَ بعض المالكية بأنَّ الِبَة لو لم تَقْتَضِ الثَّواب
أصلاً لكانت بمعنى الصَّدَقة، وليس كذلك فإنَّ الأغلَب من حال الذي يُهدي أنَّه يَطلُب
الثَّواب ولا سيَّما إذا كان فقيراً، والله أعلم.
١٢ - باب الهِبَة للولد
وإذا أعطى بعضَ ولده شيئاً لم يَجُزْ
حَتَّى يَعْدِلَ بينهم ويُعطى الآخَرُ مثلَه ولا يُشْهَدُ عليه
وقال النبيُّ ◌َّهَ: ((اعِدِلُوا بين أوْلادِكُمْ فِي العَطِيَّةِ)).
وهل للوالدِ أن يَرجِعَ في عَطِيَّتِهِ؟ وما يأكُلُ من مال ولدِه بالمعرُوفِ ولا يَتَعَدَّى.
واشْتَرَى النبيُّ ◌َّه من عمرَ بعيراً، ثمَّ أعطاه ابنَ عمرَ وقال: «اصْنَع به ما شِئْتَ)).

٢٢٢
باب ١٣/ ح ٢٥٨٦ -٢٥٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
٢١١/٥
٢٥٨٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن مُميد بنِ
عبدِ الرَّحمنِ ومحمَّدٍ بنِ النُّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ، أنَّهما حدَّثاه عن النُّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ: أَنَّ أباه أتى به إلى
رسولِ الله وَ ل﴿ فقال: إنّ نَحَلْتُ ابني هذا غلاماً، فقال: ((أَكُلَّ ولِدِكَ نَحَلْتَ مثلَه؟)) قال: لا،
قال: (فارچِعْهُ)).
[طرفاه في: ٢٥٨٧، ٢٦٥٠]
١٣ - باب الإشهاد في الهبة
٢٥٨٧ - حدَّثنا حامِدُ بنُ عمرَ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن حُصَينٍ، عن عامِرٍ، قال: سمعتُ
التُّعْمانَ بنَ بَشِيرٍ رضي الله عنهما وهو على المِنْبر يقول: أعطاني أبي عَطِيَّةً فقالت عَمْرةُ بنتُ
رواحةً: لا أرضَى حتَّى تُشْهِدَ رسولَ الله وَّةِ، فأتى رسولَ الله ◌ِّهِ فقال: إنّ أعطَيتُ ابني من
عَمْرةَ بنت رواحةَ عَطِيَّةً، فأُمَرَتْني أن أُشْهِدَكَ يا رسولَ الله، قال: «أعطَيتَ سائرَ ولِدِكَ مثلَ
هذا؟ قال: لا، قال: ((فاتَّقُوا الله، واعدِلُوا بين أوْلادِكُمْ)) قال: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِیّتَه.
قوله: ((باب الهِبَة للوَلَدِ، وإذا أعطى بعض ولده شيئاً لم يَحُزْ حتَّى يَعْدِلَ بينهم ويُعْطِى
الآخر مثلَه)) في رواية الكُشْمِيهني: ويُعطي الآخرينَ.
قوله: ((وقال النبي ◌َّ: اعدلوا بين أولادكُم في العَطية)) سيأتي موصولاً في الباب الذي
بعده بدون قوله: ((في العَطيّة)) وهي بالمعنى. وقد أخرجه الطَّحَاوي (٨٦/٤) من طريق
مُغيرة عن الشَّعبي، عن النُّعمان، فذكر هذه الزّيادة ولفظه: ((سَوّوا بين أولادِكُم في العَطيّة
كما تُحِبّون أن يُسَوّوا بينكُم في البِرّ))، ويأتي حديث ابن عبّاس أيضاً في أواخر الباب.
قوله: ((وهل للوالدِ أن يَرجِع في عَطيّته)) يعني: لوَلَدِه «وما يأكُل من مال ولده بالمعروفِ
ولا يَتَعَدّی)).
اشْتَمَلَت هذه التَّرجمة على أربعة أحكام:
الأوَّل: الهِبَة للوَلَد، وإنَّما تَرجَمَ به ليَرَفعَ إشكال مَن يأخُذُ بظاهرٍ الحديث المشهور:
((أنتَ ومالك لأبيك))؛ لأنَّ مال الوَلَد إذا كان لأبيه، فلو وَهَبَ الأب ولده شيئاً كان كأنَّه

٢٢٣
باب ١٣ / ح ٢٥٨٧
كتاب الهبة
وَهَبَ نفسه، ففي التَرجمة إشارة إلى ضَعف الحديث المذكور أو إلى تأويله، وهو حديث
أخرجه ابن ماجَهْ (٢٢٩١) من حديث جابر، قال الدّارَ قُطْني: غريب تفرَّد به عيسى بن
يونس بن أبي إسحاق ويوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق عن ابن المنكَدِر. وقال ابن
القطّان: إسناده صحيح، وقال المنذري: رجاله ثقات.
وله طريق أُخرى عن جابر عند الطبراني في ((الصَّغير)) (٩٤٧) والبيهقي في ((الدَّلائل))
(٣٠٤/٦ -٣٠٥) فيها قِصَّة مُطوَّلة.
وفي الباب عن عائشة في ((صحيح ابن حِبَّان)) (٤١٠)، وعن سَمُرة (٤٥٩٣) وعن
عمر (٢٩٥) كلاهما عند البَزّار، وعن ابن مسعود عند الطبراني (١٠٠١٩)، وعن ابن عمر
عند أبي يَعْلى (٥٧٣١)، فمجموع طرقه لا تَحُطَّه عن القوَّة وجواز الاحتجاج به، فتَعيَّنَ
أويلُه.
الحكم الثاني: العدل بين الأولاد في الهبة، وهي من مسائل الخلاف كما سيأتي. وحديث
الباب عن التُّعمان حُجَّة مَن أوجَبَه.
الثالث: رُجوع الوالد فيما وَهَبَ للوَلَد، وهي خلافية أيضاً، ومنهم مَن فَرَّقَ بين
الصَّدَقة والهِبَة فلا يَرجِع في الصَّدَقة لأنَّه يُراد بها ثوابُ الآخرة، وحديث الباب ظاهر في
الجواز كما سيأتي أيضاً، وكأنَّه أشار إلى حديث: ((لا يَحِلُّ لرجلٍ أنْ يُعطيَ عَطيّةً أو يهبَ
هِبَةً فَيَرجِعَ فيها، إلَّا الوالدَ فيما يُعطي ولدَه)) أخرجه أبو داود (٣٥٣٩) وابن ماجَهْ
(٢٣٧٧) بهذا اللَّفظ من حديث ابن عبّاس وابن عمر ورجاله ثقات.
الرّابع: أَكْل / الوالد من مال الوَلَد بالمعروف، قال ابن المنيِّر: وفي انتزاعه من حديث ٢١٢/٥
الباب خَفاء، ووَجهُه أنَّه لمَّا جازَ للأبِ بالاتّفاق أن يأكُلَ من مال ولِه إذا احتاجَ إليه،
فِلَأَن يَستَرجِعَ ما وهَبَه له بطريق الأولى.
قوله: «واشتَری النبي ێ من عُمر بعیراً، ثمَّ أعطاه ابن عُمر وقال: اصْنَع به ما شِئْت)» هو
طَرَف من حديث تقدَّم موصولاً في البيوع (٢١١٥)، ويأتي أيضاً موصولاً بعد اثني عشر
باباً (٢٦١٠).

٢٢٤
باب ١٣ / ح ٢٥٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن بَطَّل: مُناسَبة حديث ابن عمر للترجمة أنَّه وه ليه لو سألَ عمر أن يَهَب البعير
لابنِهِ عبدِ الله لَبادَرَ إلى ذلك، لكنَّه لو فعَلَ لم يكن عَدلاً بين بني عُمر، فلذلك اشتراه وَيه
منه ثمَّ وهَبَه لعبدِ الله. قال المهلَّب: وفي ذلك دلالة على أنَّه لا تَلزَم المعْدِلة فيما يَبُه غير
الأب لوَلَدِ غيره، وهو كما قال.
قوله: ((عن التُّعْمان بن بشير)) كذا لأكثر أصحاب الزُّهري، وأخرجه النَّسائي (٣٦٧٥)
من طريق الأوزاعي عن ابن شِهَاب: ((أنَّ محمد بن التُّعمان وحُميد بن عبد الرحمن حدَّثاه
عن بَشير بن سعد)) جَعَلَه من مسند بَشير فشَذَّ بذلك، والمحفوظ أنَّه عنهما، عن التُّعمان،
وبَشير والد النُّعمان: هو ابن سعد بن ثَعْلبة بن الجُلاس - بضمِّ الجيم وتخفيف اللّام -
الخَزْرَجي، صَحابي شَهير من أهل بدر وشَهِدَ غيرها، ومات في خلافة أبي بكر سنة ثلاث
عشرة، ويقال: إنَّه أوَّل مَن بايَعَ أبا بكر من الأنصار، وقيل: عاش إلى خلافة عمر.
وقد روى هذا الحديث عن النُّعمان عدد كثير من التابعين، منهم عُرْوة بن الزُّبَير عند
مسلم (١٦٢٣/ ١٢) والنَّسائي (٣٦٧٦) وأبي داود (٣٥٤٣)، وأبو الضُّحى عند النَّسائي
(٣٦٨٥) وابن حِبَّان (٥٠٩٩) وأحمد (١٨٣٥٩) والطَّحَاوي (٨٦/٤)، والمفَضَّل بن المهلَّب
عند أحمد (١٨٤١٩) وأبي داود (٣٥٤٤) والنَّسائي (٣٦٨٧)، وعبد الله بن عُتبةَ بن مسعود
عند أحمد (١٨٤٢٩)، وعَوْن بن عبد الله عند أبي عَوَانة(١)، والشَّعبي في ((الصحيحينِ))(٢)
وأبي داود (٣٥٤٢) وأحمد (١٨٣٦٦) والنَّسائي (٣٦٧٩) وابن ماجَهْ (٢٣٧٥) وابن حِبَّان
(٥١٠٢) وغيرهم، ورواه عن الشَّعبي عدد كثير أيضاً، وسأذكُرُ ما في رواياتهم من الفوائد
الزّائدة على هذه الطَّريق مفصّلاً إن شاء الله تعالى.
قوله: ((أنَّ أباه أتى به إلى رسول الله وَّ)) في رواية الشَّعبي في الباب الذي يليه: أعطاني
أبي عَطيّةً، فقالت عَمْرة بنت رَوَاحة: لا أرضى حتَّى تُشهِدَ رسول الله وَ لِّ، فأتى رسولَ الله
(١) هو عند أبي عوانة برقم (٥٦٧٤) من طريق عون، عن الشعبي، عن النعمان.
(٢) سيأتي في الباب التالي (٢٥٨٧)، وهو عند مسلم (١٦٢٣) (١٣).

٢٢٥
باب ١٣ / ح ٢٥٨٧
كتاب الهبة
وَّ فقال: إنّي أعطَيت ابني من عَمْرة بنت رَوَاحة عَطيّةً، وسيأتي في الشَّهادات (٢٦٥٠)
من طريق أبي حَيَّان عن الشَّعبي سبب سؤالها شهادة رسول الله بِّية، ولفظه عن التُّعمان
قال: سألَت أُمّي أبي بعضَ الموهِبَة لي من ماله، زاد مسلم (١٤/١٦٢٣) والنَّسائي (٣٦٨١)
من هذا الوجه: ((فالْتَوى بها سنةً)) أي: مَطَلَها، وفي رواية ابن حِبَّان من هذا الوجه: بعد
حَولَينِ(١).
ويُجمَعُ بينهما بأنَّ المدَّة كانت سنة وشيئاً فجَبَرَ الكسرَ تارةً وألغى أُخرى، قال: ثمَّ بَدَا
له فوَهَبَها لي، فقالت له: لا أرضى حتَّى تُشهِدَ النبيَّ وَّهِ، قال: فأخَذَ بيدي وأنا غلام،
ولمسلمٍ (١٧/١٦٢٣) من طريق داود بن أبي هند عن الشَّعبي عن النُّعمان: انطَلَقَ بي أبي
يَحمِلني إلى رسول الله لت.
ويُجمَعُ بينهما بأنَّه أخَذَ بيدِه فمَشى معه بعض الطَّريق وحَمَلَه في بعضها لِصِغَرِ سِنّه، أو
عَبَّرَ عن استتباعه إياه بالحَمل، وقد تَبيَّنَ من رواية الباب أنَّ العَطّة كانت غلاماً، وكذا في
رواية ابن حِبَّان المذكورة (٥١٠٢)، وكذا لأبي داود (٣٥٤٢) من طريق إسماعيل بن سالم
عن الشَّعبي، ولمسلم في رواية عُرْوة (١٦٢٣/ ١٢) وحديث جابر (١٦٢٤) معاً، ووقع في
رواية أبي حَريز - بمُهمَلةٍ وراء ثمَّ زاي بوَزنِ عَظيمٍ - عند ابن حِبَّان (٥١٠٧)، والطبراني
(٢١/ ٧٣) عن الشَّعبي: أنَّ الُّعمان خَطَبَ بالكوفة فقال: إنَّ والدي بَشير بن سعد أتى
النبيَّ نَّه فقال: إنَّ عَمْرةَ بنت رواحة نُّفِسَت بغلام، وإنّ سمَّيته النُّعمان، وإنَّهَا أبَتْ أن
تُرَّبِّيَه حتَّى جَعَلتُ له حديقة من أفضل مالٍ هو لي، وإنَّما قالت: أشهِدْ على ذلك
رسول الله وَليه وفيه قوله وَالَ: ((لا أَشهَدُ علی جَورٍ)).
وَمَعَ ابن حِبَّان بين الرِّوايَتين بالحَمْلِ على واقعَتين، إحداهما: عند ولادة النُّعمان
وكانت العَطّة حديقة، والأُخرى: بعد أن كَبِرَ النُّعمان وكانت العَطيّة عبداً، وهو جمع لا
(١) رواية ابن حبان (٥١٠٣) من الوجه المذكور كلفظ مسلم والنسائي، أما اللفظ الآخر فهو عنده (٥١٠٤)
لكن من طريق مغيرة عن الشعبي، وبلفظ: ((بعد حول أو حولين)).

٢٢٦
باب ١٣ / ح ٢٥٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
بأس به، إلّا أنَّه يُعكِّر عليه أنَّه يَبعُدُ أن يَنسى بَشير بن سعد مع جلالَته الحكم في المسألة
٢١٣/٥ حتَّى يَعودَ إلى النبي ◌ََّ، فَيَستَشِهِده على العَطيّة الثانية بعد أن قال/ له في الأولى: ((لا أَشهَدُ
على جَورٍ)) وجَوَّزَ ابن حِبَّان أن يكون بَشير ظَنَّ نَسخ الحكم.
وقال غيره: يحتمل أن يكون حَلَ الأمر الأوَّل على كراهة التَّنزيه، أو ظَنَّ أنَّه لا يَلزَم من
الامتناع في الحديقة الامتناع في العبد؛ لأَنَّ ثمن الحديقة في الأغلب أكثر من ثمن العبد.
ثمَّ ظَهَر لي وجه آخر من الجمع يَسلَمُ من هذا الخَدْش ولا يحتاج إلى جوابٍ: وهو أنَّ
عَمْرة لمَّا امتَنَعَت من تربيته إلَّا أن يَهبَ له شيئاً يُخُصُّه به، وهَبَه الحديقة المذكورة تَطييباً
لخاطرها، ثمَّ بَدا له فارتَجَعَها لأنَّه لم يَقِضها منه أحد غيره، فعاوَدَته عَمْرة في ذلك فمَطَلها
سنة أو سنتين ثمَّ طابَت نفسُه أن يَهَب له بَدَل الحديقة غلاماً ورَضيت عَمْرة بذلك، إلّا أنّها
خَشيت أن يَرَجِعَه أيضاً فقالت له: أشهد على ذلك رسول الله مَّ، تريد بذلك تَثبيت
العَطيّة وأن تأمَنَ من رُجوعه فيها، ويكون مَجَيتُه إلى النبيِ وَّ للإِشهاد مرَّةً واحدة وهي
الأخيرة، وغاية ما فيه أنَّ بعض الرُّواة حَفِظَ ما لم يَحفَظ بعض، أو كان النُّعمان يَقُصُّ بعض
القِصَّة تارة ويَقُصُّ بعضها أُخرى، فسمعَ كلّ ما رواه فاقتَصَرَ عليه، والله أعلم.
وعَمْرة المذكورة هي بنت رواحة بن ثَعْلبة الخَزْرَجية أُخت عبد الله بن رَوَاحة الصحابي
المشهور، ووقع عند أبي عَوَانة (٥٦٧٤) من طريق عَوْن بن عبد الله: أنَّها بنت عبد الله بن
رواحة، والصحيح الأوَّل، وبذلك ذكرها ابن سعد (٣٦١/٨) وغيره وقالوا: كانت مَمَّن
بايَعَ النبي وَلّ من النِّساء، وفيها يقول قيس بن الخَطيم بفتح المعجَمة:
وعَمْرةُ من سَرَوَات النِّساءِ تَنفَعُ بالمِسكِ أَردائُها
قوله: ((إنّ نَحَلْت)) بفتح النّون والمهمَلة، والنِّحلة بكسر النّون وسكون المهمَلة: العطيَّة
بغیر عِوَض.
قوله: ((فقال: أكلَّ ولدك نَحَلْت؟» زاد في رواية أبي حَيّان (١): «فقال: ألكَ ولدٌ سواه؟»
(١) عند البخاري برقم (٢٦٥٠).

٢٢٧
باب ١٣ / ح ٢٥٨٧
كتاب الهبة
قال: نعم، وقال مسلم (١٦٢٣/ ١١) لمَّا رواه من طريق الزُّهري: أمَّا يونس ومَعمَر فقالا:
((أكُلّ بَنيك))، وأمَّا اللَّيث وابن عُيَينةَ فقالا: ((أكلّ ولدك)).
قلت: ولا مُنافاة بينهما لأنَّ لفظ الوَلَد يَشمَلُ ما لو كانوا ذُكوراً، أو إناثاً وذُكوراً، وأمَّا
لفظ البَنِينَ فإن كانوا ذُكوراً فظاهر، وإن كانوا إناثاً وذُكوراً فعلى سبيل التَّغليب؛ ولم یذكُر
ابنُ سعد لبشيرِ والد النُّعمان ولداً غير التُّعمان، وذكر له بنتاً اسمها أُبَيَّة بالموحّدة تصغير
أبي(١).
قوله: ((نَحَلْتَ مِثْله)) في رواية أبي حَيّان عند مسلم (١٤/١٦٢٣): ((فقال: أكلّهم وهَبت
له مِثْلَ هذا؟ قال: لا))، وله من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشَّعبي: ((فقال: أَلَّكَ بَنون
سواه؟ قال: نعم، قال: فكلّهم أعطَيت مثل هذا؟ قال: لا))، وفي رواية ابن القاسم في
((الموطَّت)) للدّارَ قُطني عن مالك: ((قال: لا والله يا رسول الله)).
قوله: ((قال: فارْجِعْه)) ولمسلم (١٦٢٣ / ١٠) من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن شِهَاب
((قال: فاردُده))، وله (١٦٢٣ /١٤) وللنَّسائي (٣٦٧٧) من طريق عُرْوة مثله، وفي رواية
الشَّعْبي في الباب الذي يَليه: «قال: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطيَّتَه، ولمسلمٍ (١٣/١٦٢٣): فَرَدَّ تلك
الصَّدَقة))، زاد في رواية أبي حَيّان في الشَّهادات (٢٦٥٠): ((قال: لا تُشهِدني على جَور))،
ومثله لمسلم (١٦/١٦٢٣) من رواية عاصم عن الشَّعبي، وفي رواية أبي حَريز المذكورة:
«لا أشهَدُ علی جور)).
وقد عَلَّقَ منها البخاري هذا القَدْر في الشَّهادات، ومِثْلُه لمسلمٍ (١٦٢٣/ ١٥) من طريق
إسماعيل عن الشَّعبي، وله (١٦٢٣/ ١٤) في رواية أبي حَيّان: ((فقال: فلا تُشهِدْني إذاً؛ فإنّي
لا أشْهَدُ على جَورٍ)»، وله في رواية المغيرة عن الشَّعْبي: «فإنّ لا أشهَدُ علی جور، لیشھَد علی
هذا غيري))(٢)، وله (١٦٢٣/ ١٧) وللنَّسائي (٦٤٧٤) في رواية داود بن أبي هِند قال:
(١) هكذا في الأصلين و(س): تصغير أبي، ويغلب على ظنِّنا أن الصواب: تأنيث أُبي.
(٢) رواية المغيرة بن مقسم الضبّي عن الشعبي لم يخرجها مسلم، وإنما أخرجها أحمد (١٨٣٧٨)، وأبو داود =

٢٢٨
باب ١٣ / ح ٢٥٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
(فأشهِد على هذا غيري))، وفي حديث جابر(١): ((فليس يَصلُحُ هذا وإنّي لا أشهَدُ إلَّا على
حقٍّ))، ولعبدِ الرَّزّاق (١٦٤٩٦) من طريق طاووسٍ مُرسلاً: ((لا أشهَدُ إلَّا على الحقّ، لا
أَشهَدُ بهذه))، وفي رواية عُرْوة عند النَّسائي (٣٦٧٦): ((فَكَرِهَ أن يَشْهَدَ له)»، وفي رواية
٢١٤/٥ المغيرة عن الشَّعبي عند مسلم: ((اعدلوا بين أولادكم في النِّحَل،/ كما تُحِبّون أن يَعدِلوا
بينكُم في البِرّ))(٢)، وفي رواية مُجالد عن الشَّعبي عند أحمد (١٨٣٦٩ و١٨٣٧٨ و١٨٤١٠):
((إنَّ لبَنيك عليك من الحقّ أن تَعدِلَ بينهم، فلا تُشهِدني على جَور، أيسُرُّك أن يكونوا إليك
في البِرّ سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذا)(٣)، ولأبي داود (٣٥٤٢) من هذا الوجه: ((إنَّ لهم
عليك من الحقّ أن تَعدِلَ بينهم، كما أنَّ لك عليهم من الحقّ أن يَبَرّوك))(٤)، وللنَّسائي
(٣٦٨٥) من طريق أبي الضُّحى: ((ألا سوَّيت بينهم))، وله (٣٦٨٦) ولابن حِبَّان (٥٠٩٨
و٥٠٩٩) من هذا الوجه: ((سَوِّ بينهم)).
واختلاف الألفاظ في هذه القِصَّة الواحدة يَرجِع إلى معنى واحدٍ، وقد تَسَّكَ به مَن
أو جَبَ التَّسويةَ في عَطيّة الأولاد، وبه صَرَّحَ البخاري، وهو قول طاووس والشَّوري وأحمد
وإسحاق، وقال به بعض المالكية. ثمَّ المشهور عن هؤلاءِ أنَّها باطلة.
وعن أحمد: تَصِحّ، ويَجِبُ أن يَرجِعَ. وعنه: يجوزُ التَّفاضُلُ إن كان له سببٌ، كأن يحتاجَ
الوَلَد لزَمانته أو دينه أو نحو ذلك دون الباقينَ. وقال أبو يوسف: تجب التَّسوية إن قَصَدَ
= (٣٥٤٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٠٢٣)، وقرن أحمد وأبو داود بالمغيرة داودَ بن أبي هند وإسماعيلَ
ابن سالم ومجالدَ بن سعيد، وهو عند النسائي دون قوله: (( ليشهد على هذا غيري)).
(١) حديث جابر أخرجه مسلم (١٦٢٤)، وأحمد (١٤٤٩٢)، وأبو داود (٣٥٤٥).
(٢) سبق القول أن رواية المغيرة عن الشعبي لم يخرجها مسلم، وأخرجها بهذا اللفظ ابن حبان (٥١٠٤)،
والبيهقي ١٧٨/٦، وبنحوه أخرجه أحمد (١٨٣٧٨)، وأبو داود (٣٥٤٢).
(٣) قوله: ((أيسرك أن يكونوا ... )) إلخ، هو عنده (١٨٣٦٦) من رواية داود بن أبي هند عن الشعبي وليس
من رواية مجالد.
(٤) وهو عند أحمد أيضاً (١٨٣٦٦) بهذا اللفظ.

٢٢٩
باب ١٣ / ح ٢٥٨٧
كتاب الهبة
بالتَّفضيلِ الإضرار.
وذهب الجمهور إلى أنَّ التَّسوية مُستَحبَّة، فإن فضَّلَ بعضاً صَحَّ وكُرهَ. واستُحِبَّت
المبادرة إلى التَّسوية أو الرُّجوع، فحَمَلوا الأمر على النَّدب والنَّهيَ على التَّنزيه. ومن حُجَّة
مَن أوجَبَه أنَّه مُقدّمة الواجب لأنَّ قَطْع الرَّحِم والعُقوق مُحرَّمان، فما يُؤَدّي إليهما يكون
مُحرَّماً، والتَّفضیل ممّا يُؤَدّي إليهما.
ثمَّ اختلفوا في صِفة التَّسوية، فقال محمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وبعض الشّافعية
والمالكية: العَدل أن يُعطيَ الذَّكَرِ حَظَّيْنِ كالميراث، واحتَجّوا بأنَّه حَظَّها من ذلك المال لو
أبقاه الواهب في يَده حتَّى ماتَ.
وقال غيرهم: لا فرق بين الذَّكَر والأُنثى، وظاهر الأمر بالتَّسوية يَشْهَد لهم، واستأنسوا
بحديثٍ ابن عبّاسِ رَفَعَه: ((سَوُّوا بين أولادكم في العَطيّة، فلو كُنت مُفضِّلاً أحداً لَفَضَّلتُ
النِّساء)) أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي (٦/ ١٧٧) من طريقه، وإسناده حسن(١).
وأجابَ مَن حَمَلَ الأمرَ بالتَّسوية على النَّدب عن حديث النُّعمان بأجوبة:
أحدها: أنَّ الموهوب للنُّعمان كان جميع مال والده ولذلك مَنَعَه، فليس فيه حُجَّة على
مَنع التَّفضيل، حكاه ابن عبد البَرِّ عن مالك. وتَعقَبه بأنَّ كثيراً من طرق حديث التُّعمان
صَرَّحَ بالبَعضيّة.
وقال القُرطبي: ومن أبعَد التَّأويلات أنَّ النَّهي إِنَّما يتناولُ مَن وَهَبَ جمیع ماله لبعضٍ
ولده كما ذهب إليه سُحنون، وكأنَّه لم يسمع في نفس هذا الحديث أنَّ الموهوب کان غلاماً،
وأنَّه وهَبَه له لمَّا سألَته الأُمّ الهِبَةَ من بعض ماله، قال: وهذا يُعلَمُ منه على القطع أنَّه كان له
مالٌ غيره.
ثانيها: أنَّ العَطّة المذكورة لم تُنجَز، وإنَّما جاء بَشير يَستَشير النبيَّ ◌َّ في ذلك فأشار
(١) بل في إسناده سعيد بن يوسف الحمصي الرحبي، قال فيه أحمد: ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف، وقال
مرة: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: ليس له أنكر من حديث ابن عباس: ((ساووا بين أولادكم ... )) إلخ.

٢٣٠
باب ١٣ / ح ٢٥٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
عليه بأن لا تَفْعَلَ، فَتَرَكَ. حَكَاه الطَّحَاوي. وفي أكثر طرق حديث الباب ما يُنابذُه.
ثالثها: أنَّ التُّعمان كان كبيراً ولم يكن قَبَضَ الموهوب، فجازَ لأبيه الرُّجوعُ، ذكره
الطَّحَاوي، وهو خلاف ما في أكثر طرق الحديث أيضاً خصوصاً قوله: ((ارجِعْه)) فإنَّه يدلُّ
على تَقدُّمِ وقوع القَبض، والذي تَضافَرَت عليه الرِّوايات أنَّه كان صغيراً وكان أبوه قابضاً
له لِصِغَره، فَأُمِرَ بَرَدِّ العَطيّة المذكورة بعدما كانت في حكم المقبوض.
رابعها: أنَّ قوله: ((ارجِعْه)) دليل على الصِّحَّة، ولو لم تَصِحَّ الهِبَة لم يَصَِّ الرُّجوع، وإنَّما
أمَرَه بالرُّجوعِ لأنَّ للوالِدِ أن يَرجِعَ فيما وهَبَه لوَلَدِه وإن كان الأفضل خلاف ذلك، لكن
استحباب التَّسوية رُجِّحَ على ذلك فلذلك أمَرَه به، وفي الاحتجاج بذلك نظر، والذي يَظهر
أنَّ معنى قوله: ((ارجِعه)) أي: لا تُمُضِ الهِبَة المذكورة، ولا يَلزَم من ذلك تَقَدُّم صِحَّة الهِبَة.
خامسها: أنَّ قوله: ((أشهِد على هذا غيري)) إذنٌ بالإشهاد على ذلك، وإنَّما امتَنَعَ من
ذلك لكَونِهِ الإمامَ، وكأنَّه قال: لا أشهَدُ لأنَّ الإمام ليس من شأنه أن يَشْهَد وإنَّما من شأنه
أن يَحِكُم، حَكاه الطَّحَاوي أيضاً، وارتضاه ابن القَصّار.
وتُعُقِّبَ بأنَّه لا يَلزَمُ من كَون الإمام ليس من شأنه أن يَشهَد أن يَمْتَنِعَ من تَحمُّلِ
الشَّهادة ولا من أدائها إذا تَعيَّنَت عليه، وقد صَرَّحَ المحتَجُّ بهذا أنَّ الإمام إذا شَهِدَ عند
٢١٥/٥ بعض / نوّابه جازَ، وأمَّا قوله: إنَّ قوله: ((أشهِد)) صيغَةُ إذنٍ فليس كذلك، بل هو للتَّوبيخ
لمَا يدلُّ عليه بقية ألفاظ الحديث، وبذلك صَرَّحَ الجمهور في هذا الموضع. وقال ابن حِبَّان:
قوله: ((أشهِد)) صيغة أمر والمراد به نفي الجواز وهو كقوله لعائشة: ((اشتَرِطي لهم الوَلاء))
انتھی(١).
سادسها: التَّمَسُّك بقوله: ((ألا سوَّيت بينهم)) على أنَّ المراد بالأمر الاستحباب وبالنَّهي
التَّنزيه، وهذا جيِّدٌ لولا وُرودُ تِلك الألفاظ الزّائدة على هذه اللَّفْظَة، ولا سيَّما أنَّ تلك
(١) اللفظ الذي أورده الحافظ عن ابن حبان إنما ساقه عنه بالمعنى ومختصراً، وانظر اللفظ بتمامه في «صحيحه»
بإثر الحديث (٥١٠٤).

٢٣١
باب ١٣ / ح ٢٥٨٧
كتاب الهبة
الرِّواية بعَينِها وَرَدَت بصيغَة الأمر أيضاً حيث قال: ((سَوِّ بينهم)).
سابعها: وقع عند مسلم (١٨/١٦٢٣) عن ابن سيرينَ ما يدلُّ على أنَّ المحفوظ في
حديث النُّعمان: ((قاربوا بين أولادِكُم)) لا: ((سَوُّوا))، وتُعُقِّبَ بأنَّ المخالفينَ لا يوجِبون
المقارَبة كما لا يوجِبون التَّسوية.
ثامنها: في التَّشبيه الواقع في التَّسوية بينهم بالتَّسوية منهم في برّ الوالدينِ قَرِينٌ تدلُّ على
أنَّ الأمر للنَّدب، لكن إطلاق الجَور على عَدَمِ التَّسوية، والمفهوم من قوله: ((لا أشهَدُ إلَّا
على حقّ))(١)، وقد قال في آخر الرّواية التي وقع فيها التَّشبيه: ((قال: فلا إِذاً)).
تاسعها: عمل الخليفتين أبي بكر وعُمر بعد النبيِّ وَّل على عَدَم التَّسوية قَرِينة ظاهرة في
أنَّ الأمر للنَّدب، فأمَّا أبو بكر فرواه ((الموطَّأ)» (٢/ ٧٥٢) بإسنادٍ صحيح عن عائشة أنَّ أبا
بكر قال لها في مَرَض موته: ((إنّ كُنت نَحَلتُك نُحْلاً فلو كنتِ احتَزْتیهِ(٢) لكان لك، وإنّما
هو اليوم للوارثِ))، وأمَّا عمر فذكر الطَّحَاوي وغيره: أنَّه نَحَلَ ابنه عاصاً دون سائر
ولده، وقد أجابَ عُرْوة عن قِصَّة عائشة بأنَّ إخوَتها كانوا راضينَ بذلك، ويُجابُ بمِثلِ
ذلك عن قِصَّة عُمر.
عاشر الأجوبة: أنَّ الإجماع انعَقَدَ على جواز عَطيّة الرجل مالَه لغير ولده، فإذا جازَ له
أن يُخْرِجَ جميع ولده من ماله جازَ له أن يُرِجَ عن ذلك بعضهم، ذكره ابن عبد البَرّ، ولا
يخفى ضَعفُه لأنَّه قياس مع وجود النَّصّ.
وزَعَمَ بعضهم أنَّ معنى قوله: ((لا أشهَدُ على جَوْر)) أي: لا أشهَد على مَيل الأب
لبعضِ الأولاد دون بعض، وفي هذا نظر لا يخفى، ويردُّه قوله في الرِّواية: ((لا أَشهَدُ إلَّا
(١) كذا جاء في الأصلين و(س)، وسياق الكلام يشعر بوجود نقص، ولعل تمامه كما ذكر مصحح طبعة
بولاق: والمفهوم من قوله: ((لا أشهد إلا على حق)) يدل على أن الأمر للوجوب؛ أو نحو ذلك.
(٢) تصحفت في (أ) و(س) إلى: ((اخترتيه))، وما أثبتناه من (ع) وهو الصواب الموافق لما جاء في المطبوع من
((الموطأ)) وغيره. والحِيازة: هي وضع اليد على الشيء والاستيلاء عليه وتملكه، والحيازة والقبض شرط
في تمام الهبة عند الجمهور كما هو مقرر في كتب الفقه.

٢٣٢
باب ١٣ / ح ٢٥٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
على الحقّ)).
وحَكَى ابن التِّين عن الدَّاوُودي: أنَّ بعض المالكية احتَجَّ بالإجماع على خلاف ظاهر
حديث النُّعمان، ثمَّرَدَّه عليه.
واستُدِلَّ به أيضاً على أنَّ للأبِ أن يَرجِعَ فيما وهَبَه لابنِه وكذلك الأُمّ، وهو قول أكثر
الفقهاء، إلّا أنَّ المالكية فرَّقوا بين الأب والأُمّ فقالوا: للأُمِّ أن تَرجِعَ إن كان الأب حَيّاً دون
ما إذا ماتَ، وقَيَّدوا رُجوع الأب بما إذا كان الابن الموهوب له لم يَستَحدِث دَيناً أو يَنكِحِ،
وبذلك قال إسحاق، وقال الشّافعي: للأبِ الرُّجوع مُطلَقاً، وقال أحمد: لا يَحِلَّ لواهبٍ أن
يَرجِعَ فِي هِيَتِهِ مُطلَقاً.
وقال الكوفيونَ: إن كان الموهوب صغيراً لم يكن للأبِ الرُّجوع، وكذا إن كان كبيراً
وقَبَضَها، قالوا: وإن كانت الهِبَة لزوجٍ من زوجته أو بالعكسِ أو الذي رَحِمٍ لم يَجُزُ الرُّجوع
في شيء من ذلك، ووافقَهم إسحاق في ذي الرَّحِم، وقال: للَّوجَة أن تَرجِعَ بخلاف
الَّوج، والاحتجاج لكلِّ واحدٍ من ذلك يَطول.
وحُجَّة الجمهور في استثناء الأب أنَّ الوَلَد ومالَه لأبيه فليس في الحقيقة رُجوعاً، وعلى
تقدير كونه رُجوعاً فربّما اقتَضَته مَصلَحةُ التَّأديب، ونحو ذلك، وسيأتي الكلام على هِبَة
الزَّوجَینِ في الباب بعده.
وفي الحديث أيضاً النَّدب إلى التَّلَفِ بين الإخوَة وتَرك ما يوقِعُ بينهم الشَّحناء أو
يورِثُ العُقوق للآباء.
وأنَّ عَطيّة الأب لابنِهِ الصَّغير في حِجره لا تحتاج إلى قَبْض، وأنَّ الإشهاد فيها يُغني
عن القَبض. وقيل: إن كانت الهِبَة ذَهَباً أو فِضَّة فلا بُدَّ من عَزلها وإفرازها.
وفيه كراهة تَحمُّل الشَّهادة فيما ليس بمُباح، وأنَّ الإشهاد في الهِبَة مشروع وليس بواجبٍ.
وفيه جواز الميل إلى بعض الأولاد والزَّوجات دون/ بعض، وإن وَجَبَت التَّسوية بينهم
٢١٦/٥
في غير ذلك.

٢٣٣
باب ١٤ / ح ٢٥٨٨
كتاب الهبة
وفيه أنَّ للإمام الأعظم أن يَتحمَّلَ الشَّهادة، وتَظهَرُ فائدتها إمَّا ليحكُمَ في ذلك بعِلمِه
عند مَن ◌ُیزُه، أو يُؤَدّیها عند بعض نوّابه.
وفيه مشروعية استفصال الحاكم والمفتي عمّا يحتملُ الاستفصال، لقوله: ((أَلَك ولد
غيره؟)) فلمَّا قال: نعم، قال: ((أفَكلَّهم أعطَيتَ مثله؟)) فلمَّا قال: لا، قال: ((لا أشهَدُ))،
فِيُفْهَمُ منه أنَّه لو قال: نعم، لَشَهِدَ.
وفيه جواز تسمية الهِبَة صدقة، وأنَّ للإمام كلاماً في مَصلَحة الوَلَد، والمبادرة إلى قَبُول
الحقّ، وأمرَ الحاكم والمفتي بتقوى الله في كلّ حال.
وفيه إشارة إلى سوء عاقبة الحِرص والتَّنَطَّع؛ لأَنَّ عَمْرة لو رَضيت بما وهَبَه زوجها
الوَلَدِه لَمَا رَجَعَ فيه، فلمَّا اشْتَدَّ حِرصُها في تثبيت ذلك أفضى إلى بُطلانه.
وقال المهلَّب: فيه أنَّ للإمام أن يردَّ الهِبَةَ والوصيّةَ مَمَّن يُعرَفُ منه هُروباً عن بعض
الوَرَثة، والله أعلم.
١٤ - باب هِبَة الرَّجل لامرأته والمرأة لزوجها
قال إبراهيمُ: جائزةٌ.
وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: لا يَرجِعانِ.
واسْتَأْذَنَ النبيُّ ◌َّهنِساءَه في أن يُمَرَّضَ في بيتِ عائشةَ.
وقال النبيُّ وَّ: ((العائدُ في هِبَتِهِ كالكلبِ يَعُودُ في قَيْئِهِ)).
وقال الزُّهْرِيُّ فيمَن قال لامرأتِهِ: هَبي لي بعضَ صَداقِكِ، أو كلَّه، ثمَّ لم يَمْكُث إلا يَسِيراً
حتَّى طَلَّقَها، فَرَجَعَت فيه، قال: يردُّ إليها إن كان خَلَبَها، وإن كانت أعطَتْه عن طِيبٍ نفسٍ
ليسَ في شيءٍ من أمرِهِ خَدِيعٌ جاز. قال الله تعالى: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾
[النساء: ٤]
٢٥٨٨ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن مَعمٍَّ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني
عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله، قالت عائشةُ رضي الله عنها: لمَّا تَقُلَ النبيُّ نَّهِ فاشتَّ وَجَعُه، استَأَذَنَ

٢٣٤
باب ١٤ / ح ٢٥٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
أَزْواجَه أن يُمَرَّضَ في بيتي، فأذِنَّ له، فخَرَجَ بين رجلَينِ تَخُطَّ رِجْلاه الأرضَ، وكان بین العبَّاسِ
وبين رجلٍ آخَرَ.
فقال عُبيدُ الله: فَذَكَرْتُ لابنِ عبَّاسِ ما قالت عائشةُ، فقال: وهَل تَدْري مَنِ الرجلُ الَّذي
لم تُسمِّ عائشةُ؟ قلتُ: لا، قال: هو عليُّ بنُ أبي طالبٍ.
٢٥٨٩ - حدَّثْنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا ابنُ طاؤُوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ
عَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((العائدُ في هِبَتِهِ كالكلبِ يَقِيُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ».
[أطرافه في: ٢٦٢١، ٢٦٢٢، ٦٩٧٥]
قوله: ((باب هِبَة الرجل لامْرَأْتِه والمرأة لزَوْجِها» أي: هل يجوزُ لأحدٍ منهما الرُّجوع فيها؟
قوله: ((قال إبراهيم)» هو النَّخَعي.
قوله: «جائزة» أي: فلا رُجوعَ فیها.
وهذا الأثر وَصَلَه عبد الرَّزّاق (١٦٥٥٥) عن الثَّوري عن منصور عن إبراهيم قال: ((إذا
وهَبَت له أو وَهَبَ لها فلِكلِّ واحدٍ منهما عَطيّته)). ووَصَلَه الطَّحَاوي (٨٤/٤) من طريق أبي
عَوَانة عن منصور، قال: قال إبراهيم: إذا وَهَبَت المرأة لزوجِها، أو وَهَبَ الرجل لامرأتِه،
فالهِبَة جائزة، وليس لواحدٍ منهما أن يَرجِعَ في هبتِه. ومن طريق أبي حنيفة عن حمّاد عن
إبراهيم: الَّوج والمرأة بمَنزِلة ذي الرَّحِم، إذا وَهَبَ أحدُهما لصاحبِهِ، لم يكن له أن يَرجِعَ.
قوله: ((وقال عُمر بن عبد العزيز: لا يَرجِعان)) وَصَلَه عبد الرَّزّاق أيضاً (١٦٥٥٦) عن
٢١٧/٥ الثَّوري عن عبد الرحمن / بن زياد: أنَّ عمر بن عبد العزيز قال مِثلَ قول إبراهيم.
قوله: ((واستَأْذَنَ النبيِ وَلِّ نِساءَه أن يُمرَّض في بيت عائشة. وقال النبي ◌ُّ: العائد في هِبَتَه
كالكلبِ يَعُودُ في قَيئِه)» أمَّا الحديث الأوَّل فهو موصول في الباب من حديث عائشة، وسيأتي
الكلام عليه في أواخر المغازي (٤٤٤٢).
ووجه دخوله في التَّرجمة أنَّ أزواج النبيِّ وََّ وهَبنَ لها ما استَحقَقنَ من الأيام، ولم يكن

٢٣٥
باب ١٤ / ح ٢٥٨٩
كتاب الهبة
لَهَنَّ في ذلك رُجوع، أي: فيما مضى، وإن كان لَنَّ الرُّجوع في المستقبل.
وأمَّا الحديث الثاني، فهو موصولٌ أيضاً في آخره، ويأتي الكلام عليه بعد خمسة عشرَ باباً
(٢٦٢١ و ٢٦٢٢).
ووجه دخوله في التَّرجمة: أنَّه ذَمَّ العائدَ في هِبَته على الإطلاق، فدَخل فيه الزَّوج
والَّوجَة تَسُّكاً بعُمومِه.
قوله: ((وقال الزُّهْري فيمَن قال لامرأتِه: هَبي لي بعض صَداقك ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن
وَهْب عن يونس بن یزید عنه.
وقوله فيه: ((خَلَبَها)) بفتح المعجَمة واللّام والموخَّدة، أي: خَدَعَها. وروى عبد الرَّزّاق
(١٦٥٥٩) عن معمر عن الزُّهري قال: رأيت القُضاة يُقيلون(١) المرأة فيما وهَبَت لزوجِها،
ولا يُقيلون الَّوج فيما وَهَبَ لامرأتِهِ.
والجمعُ بينهما: أنَّ رواية مَعمَر عنه مَنقولة، ورواية يونس عنه اختيارُه، وهو النَّفصيل
المذكور بين أن يكون خَدَعَها فلها أن تَرجِعَ، أو لا فلا، وهو قول المالكية إن أقامت البيِّنة على
ذلك، وقيل: يُقبَلُ قولها في ذلك مُطلَقاً، وإلى عَدَم الرُّجوع من الجانبينِ مُطلَقاً ذهب الجمهور.
وإلى التَّفصيل الذي نَقَلَه الزُّهري ذهب شُرَيح، فروى عبد الرَّزّاق (١٦٥٥٧) والطَّحَاوي
(٤ / ٨٣) من طريق محمد بن سيرينَ: أنَّ امرأة وهَبَت لزوجِها هِبَة ثمَّ رَجَعَت فيها، فاختَصَما
إلى شُرَيح فقال للَّوج: شاهداك أنَّها وهَبَت لك من غير كُرْهٍ ولا هَوَانٍ، وإلَّا فِيَمِينُها: لقد
وهَبَت لك عن كُرهٍ وهَوان، وعند عبد الرَّزاق (١٦٥٦٢) بسندٍ مُنقَطِع عن عمر أنَّ كَتَبَ:
إِنَّ النِّساء يُعطينَ رَغبةً ورَهبةً، فَأَيُّما امرأه أعطَت زوجها فشاءَت أن تَرجِعَ رَجَعَت.
قال الشّافعي: لا يردُّ شيئاً إذا خالَعَها ولو كان مُضِرّاً بها، لقوله تعالى: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا
فِيَا أَفْئَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وسيأتي مَزيد لذلك في كتاب النِّكاح إن شاء الله تعالى.
(١) قوله: ((يقيلون المرأة)) الإقالة عند الفقهاء: هي فَسْخ ما أُبرم من عقد أو عهد بعد وقوعه، والمراد أنهم يقبلون
تراجع المرأة عن الذي وهبته للزوج، وليس العكس.

٢٣٦
باب ١٥ / ح ٢٥٩٠ -٢٥٩١
فتح الباري بشرح البخاري
١٥ - باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوجٌ
فهو جائرٌ إذا لم تكن سفيهةً، فإذا كانت سفيهةً لم يجز،
وقال الله تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ﴾ [النساء: ٥]
٢٥٩٠ - حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جُرَيج، عن ابنِ أبي مُلَيكةً، عن عبَّادِ بنِ عبدِ الله، عن
أسماءَ رضي الله عنها، قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، ما ليَ مالٌ إلا ما أدخَلَ عليَّ الزُّبَيرُ، فأتصَدَّقُ؟
قال: ((تَصَدَّقي، ولا تُوعِي فُوعَی علیكِ)).
٢٥٩١ - حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ سعيدٍ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ نُمَير، حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن
فاطمةَ، عن أسماءَ، أَنَّ رسولَ الله وَ قال: «أَنفِقي ولا تُحْصِي، فَيُحْصِيَ اللهُ عليكِ، ولا تُوعِي
فيُوعِيَ اللهُ علیكِ».
٢١٨/٥
قوله: ((باب هِبَة المرأة لغير زوجها، وعِثْقها إذا كان لها زوج)) أي: ولو كان لها زوج، فهو
جائز إذا لم تَكُنْ سفيهةً، فإذا كانت سفيهةً لم يَجُز، وقال الله تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ
أَمْوَلَكُمُ﴾)) وبهذا الحكم قال الجمهور، وخالَفَ طاووسِ فمَنَعَ مُطلَقاً، وعن مالك: لا يجوزُ
لها أن تُعطيَ بغير إذنِ زوجِها ولو كانت رَشيدة إلَّا من الثَّلث، وعن اللَّيث: لا يجوزُ مُطلَقاً
إلَّا في الشيءِ التافه.
وأدلَّة الجمهور من الكتاب والسُّنَّة كثيرة، واحتُجَّ لطاووسٍ بحديثٍ عَمْرو بن شعيب
عن أبيه عن جَدّه رَفَعَه: ((لا تجوزُ عَطيّة امرأة في مالها إلَّا بإذنِ زوجها)) أخرجه أبو داود
(٣٥٤٧) والنَّسائي (٢٥٤٠ و٣٧٥٧)، وقال ابن بَطَّال: وأحاديث الباب أصحّ، وحَلها
مالك على الشيء اليسير، وجَعَل حَدَّه الثُّلثَ فما دونَه.
وذکر المصنّفُ منها ثلاثةً أحادیث:
الأول: حديث أسماءَ.
قوله: ((عن ابن أبي مُلَيَكَة)) في رواية حَجّاج عن ابن جُرَيج: ((أخبرني ابن أبي مُلَيكة)) وقد
تقدَّمت في الزكاة (١٤٣٣).

٢٣٧
باب ١٥ / ح ٢٥٩٢
كتاب الهبة
قوله: ((عن عبَّاد بن عبد الله)) أي: ابن الزُّبَير بن العَوّام، وأسماءُ التي روى عنها هي بنت
أبي بكر الصِّدّيق وهي جَدَّته لأبيه، وقد روى أيوب هذا الحديث عن ابن أبي مُلَيكة عن
عائشة(١) بغير واسطة، أخرجه أبو داود (١٦٩٩) والتِّرمِذي (١٩٦٠) وصَحَّحَه والنَّسائي
(ك ٩١٤٨)، وصَرَّحَ أيوب عن ابن أبي مُلَيكة بتحديثٍ عائشة له بذلك، فيُحمَلُ على أنَّه
سمِعَه من عبَّاد عنها، ثمَّ حدَّثته به.
قوله: ((ما لي مالٌ إلَّا ما أدخَلَ عليَّ)) بتشديد الياء، والزُّبَير: هو ابن العَوّام كان زوجها.
قوله: ((فأتصَدَّق؟)) كذا للأكثر بحذف أداة الاستفهام، وللمُستَمْلي بإثباتها.
قوله: ((ولا توعي فيوعيَ الله عليك)) بالنَّصبِ لكَونِه جواب النَّهي، وكذا قوله في
الرّواية الثانية: ((فيُحصِيَ الله عليك)) والمعنى: لا تَجَمَعي في الوِعاء وتَبِخَلي بالنَّفَقة فتُجازَي
بمثلِ ذلك، وقد تقدَّم شرحه مَبسوطاً في أوائل كتاب الزكاة (١٤٣٣).
قوله: ((عن فاطمة)) هي بنت المنذر بن الزُّبَير بن العَوّام، وهي بنت عَمّ هشام بن عُرْوة
الراوي عنها وزوجته، وأسماء هي بنت أبي بكر جَدَّتهما جميعاً لأبويهما.
الثاني: حدیث ميمونةَ.
٢٥٩٢- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرِ، عن اللَّيثِ، عن يزيدَ، عن بُكَيِرٍ، عن كُرَيبٍ مَوْلَى ابنِ
عبَّاسٍ، أنَّ ميمونةَ بنتَ الحارثِ رضي الله عنها أخبَرَتْه: أنَّهَا أعتَقَت وَلِيدَةً ولم تَسْتَأْذِنِ النبيَّ وَِّ،
فلمَّا كان يومُها الَّذِي يَدُورُ عليها فيه قالت: أَشَعَرْتَ يا رسولَ الله أنّي أعتَقْتُ وَلِيدَتي؟ قال:
((أَوَفَعَلْتِ؟)) قالت: نعم، قال: ((أمَا أَنَّكِ لو أعطَيتِها أخوالَكِ، كان أعظَمَ لأجْرِكِ)).
وقال بَكْرُ بنُ مُضَرَ، عن عَمْرٍو، عن بُكَيرٍ، عن كُرَيبٍ: إنَّ ميمونةَ أَعتَفَت.
[طرفه في: ٢٥٩٤]
((عن يزيد)) هو ابن أبي حَبيب، وبُكَير: هو ابن عبد الله بن الأشَجّ، وهذا الإسناد نصفه
(١) كذا قال: عن عائشة، ولعله سبق قلم منه رحمه الله، والا فالحديث عندهم عن أسماء، وأما حديث عائشة
فهو عند الإمام أحمد (٢٥٢٦٧) ولكن من رواية محمد بن شريك عن ابن أبي مليكة عنها.

٢٣٨
باب ١٥ / ح ٢٥٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
الأوَّل مِصريون، ونصفه الآخر مدنيُّونَ، وفيه ثلاثة من التابعين في نَسَق: يزيد وبُكَير
وگُریب.
قوله: ((أنَّها أعتَقَت وليدَة)) أي: جارية، في رواية النَّسائي (ك٤٩١٢) من طريق عطاء بن
يسار عن ميمونة: أنَّها كانت لها جارية سوداء، ولم أقف على اسم هذه الجارية، وبَيَّنَ النَّسائي
٢١٩/٥ (٤٩١٣) من طريق أخرى/ عن الهلالية زوج النبي ◌َّ - وهي ميمونة - في أصل هذه
الحادثة: أنَّها كانت سألَت النبيِ وَلّ خادماً، فأعطاها خادماً فأعتَقَتها.
قوله: ((أمَا)) بتخفيفِ الميم ((أنَّك) بفتح الهمزة(١) ((لو أعطَيتِها أخوالك)) أخوالها كانوا من
بني هلال أيضاً، واسم أُمّها هِند بنت عوف بن زهير بن الحارث، ذكرها ابن سعد.
قوله: ((لو أعطَيتها أخوالك كان أعظَم لأجرِك)) قال ابن بَطَّال: فيه أنَّ هِبَة ذي الرَّحِم
أفضل من العِثْق، ويُؤْيِّدُه ما رواه التِّرمِذي (٦٥٨) والنَّسائي (٢٥٨٢) وأحمد (١٦٢٢٧)
وصَخَّحَه ابن خُزَيمةَ (٢٠٦٧ و٢٣٨٥) وابن حِبَّان (٣٣٤٤) من حديث سلمان بن عامر
الضَّبّي مرفوعاً: ((الصَّدَقة على المسكين صدقةٌ، وعلى ذي الرَّحِم صدقة وصِلة))، لكن لا
يَلْزَمُ من ذلك أن تكون هِبَةُ ذي الرَّحِم أفضل مُطلَقاً لاحتمال أن يكون المسكين محتاجاً
ونفعُه بذلك مُتعدّياً والآخر بالعكس، وقد وقع في رواية النَّسائي المذكورة: ((فقال: أَفَلا
فدَيت بها بنت أخيك من رِعاية الغنم))، فبَيَّنَ الوجه في الأولَوية المذكورة، وهو احتياج
قَرابَتها إلى مَن يَخِدُمُها، وليس في الحديث أيضاً حُجَّة على أنَّ صِلة الرَّحِم أفضل من العِثْق
لأنَّها واقعة عَين، والحقّ أنَّ ذلك يختلفُ باختلاف الأحوال كما قَرَّرته.
ووجه دخول حديث ميمونة في التَّرجمة: أنَّها كانت رَشيدة، وأنَّها أعتَقَت قبل أن
تَسْتأمِرَ النبيَّ ◌َّه فلم يَستَدِرك ذلك عليها بل أرشَدَها إلى ما هو الأَوْلِى، فلو كان لا يَنفُذُ لها
تَصَرُّف في مالها لَأبطَلَه، والله أعلم.
(١) على أن ((أمَا)) بمعنى: حقّاً، وفي الأصل اليونيني: ((إنك)) بكسر الهمزة على أن ((أمَا)) استفتاحية. انظر
((إرشاد الساري)) ٤ / ٣٤٧.

٢٣٩
باب ١٥ / ح ٢٥٩٣
كتاب الهبة
الثالث: حديث عائشة.
٢٥٩٣- حدَّثنا حِبّانُ بنُ موسى، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ،
عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كان رسولُ اللهَ وَّةٍ إذا أرادَ سَفَراً أقرَعَ بين نِسائه، فأَيَّتُهنَّ
خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بها معه، وكان يَقْسِمُ لكلِّ امرأةٍ منهنَّ يومَها وليلَتَها، غيرَ أنَّ سَوْدَةَ بنتَ
زَمْعَةَ وهَبَت يومَها وليلَتَها لعائشةَ زوجِ النبيِّ وَِّ، تَبْتَغي بذلك رِضا رسولِ الله ◌َّ.
[أطرافه في: ٢٦٣٧، ٢٦٦١، ٢٦٨٨، ٢٨٧٩، ٤٠٢٥، ٤١٤١، ٤٦٩٠، ٤٧٤٩، ٤٧٥٠، ٤٧٥٧، ٥٢١٢،
٦٦٧٩،٦٦٦٢، ٧٣٧٠٧٣٦٩، ٧٥٠٠، ٧٥٤٥]
وصدرُه طَرَفٌ من قِصَّة الإفك، وسيأتي شرحها مُستَوفَّى في تفسير سورة النّور (٤٧٥٠).
وقوله: ((وكان يَقْسِم لكلِّ امرأة منهنَّ غير سَوْدَة ... )) إلى آخره، حديث مُستَقِلّ، وقد
تَرجم له في النِّكاح (٥٢١٢)، وأورَدَه مُفرَداً، ويأتي الكلام عليه مُستَوفَّى هناك إن شاء الله
تعالى، وقد تبيَّنَ توجیهه هناك في شرح الباب الذي قبله.
قال ابن بَطَّال: ليس في أحاديث الباب ما يردُّ على مالك لأنَّه يَحِمِلُها على ما زاد على
الُّلث. انتهى، وهو حَملٌ سائغ إن ثبت المدَّعى، وهو أنَّه لا يجوزُ لها تَصَرُّف فيما زاد على
الثُّلث إِلَّ بإذنِ زوجها، لما في ذلك من الجمع بين الأدلَّة، والله أعلم.
قوله: (وقال بَكْر)) هو ابن مُضَر ((عن عَمْرو)) هو ابن الحارث ((عن بُكَير)) هو ابن الأشَجّ
((عن كُرَيب: أنَّ ميمونة أعتَقَتْ)) وقع في رواية المُستَمْلي: ((عَتَقَته)) وهو غَلَط فاحش، فقد
ذكره المصنِّف في الباب الذي يَليه بهذا الإسناد وقال فيه: ((أعتَقَت وليدة لها)) وأراد المصنّف
بهذا التَّعليق شيئين:
أحدهما: موافقة عَمْرو بن الحارث ليزيدَ بن أبي حَبيب على قوله: ((عن كُرَیب))، وقد
خالَفَهما محمد بن إسحاق، فرواه عن بُكَير فقال: ((عن سليمان بن يسار)) بدل: بُكَير،
أخرجه أبو داود (١٦٩٠) والنَّسائي (ك٤٩١١) من طريقه، قال الدّارَ قُطني: ورواية يزيد
وعَمْرو أصحّ.

٢٤٠
باب ١٦ / ح ٢٥٩٤ -٢٥٩٥
فتح الباري بشرح البخاري
ثانيهما: أنَّه عند بكر بن مُضَر عن عَمْرو بصورة الإرسال، قال فيه: عن كُرَيب: أنَّ
ميمونة أعتَقَت؛ فذكر قِصَّةً ما أدرَكَها، لكن قد رواه ابن وَهْب عن عَمْرو بن الحارث فقال
فيه: عن كُرَيب عن ميمونة، أخرجه مسلم (٩٩٩) والنَّسائي (ك٤٩١٠) من طريقه، وطريق
بكر بن مُضَر المعَلَّقَة وَصَلَها البخاري في كتاب ((برّ الوالدَينِ)) له وهو مُفرَد، وسمعناه من
طريق أبي بكر بن دَلّويه عنه قال: حدّثنا عبد الله بن صالح - هو كاتِب اللَّيث - عن بكر بن
مُضَر عنه.
١٦ - باب بمَن يُبدأ بالهدية
٢٥٩٤- وقال بَكْرٌ: عن عَمْرٍو، عن بُكَيرِ، عن كُرَيبٍ مَوْلَى ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ ميمونةَ زوجَ
النبيِّ وَّهِ أَعتَقَت ولِيدةً لها، فقال لها: ((ولو وصَلْتِ بعضَ أخوالكِ كان أعظَمَ لأجْرِكِ)).
٢٥٩٥- حذَّثني محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي عِمْرانَ
٢٢٠/٥ الجَوْنيِّ، عن طَلْحةَ بنِ عبدِ الله / - رجلٍ من بني تَّيْمِ بنِ مُرّةَ - عن عائشةَ رضي الله عنها،
قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ لي جارَينٍ، فإلى أيُّهما أُهْدي؟ قال: ((إلى أَقَرَبِهِما منكِ باباً)).
قوله: ((باب بمَن يُبْدَأ بالهديّةِ)) أي: عند التَّعارُض في أصل الاستحقاق.
قوله: ((وقال بَكْر)) هو ابن مُضَر، وعَمْرو: هو ابن الحارث، وقد مضى التَّنبيه على مَن
وَصَلَه في الباب الذي قبله، وحديث ميمونة فيه الاستواء في صِفةٍ ما من الاستحقاق فيُقدَّمُ
القريب على الغريب، وحديث عائشة المذكور بعده فيه الاستواء في الصِّفات كلِّها فيُقدَّم
الأقرَبُ في الذّات.
قوله: ((عن أبي عِمْران الجَوْني)) هو عبد الملك، والإسناد كلّه بصريون إلَّا عائشة وقد
دَخَلَت البصرة.
قوله: ((عن طَلْحة بن عبد الله رجل من بني تَيْم بن مُرَّة)» في رواية حَجّاج بن منهال عن
شُعْبة كما سيأتي في الأدب (٦٠٢٠): ((سمعت طلحة)) لكنَّه لم يَنسُبْه، وقد أزالَت هذه