Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
باب ٢٣ / ح ٢٥٦٣
كتاب العتق - المكاتب
رِجالٍ منكم يقول أحدُهمْ: أعتِقِ يا فلانُ ولي الولاءُ! إنَّما الولاءُ لِمَن أعتَقَ)).
قوله: ((باب استعانة المكاتَب وسُؤاله النّاس)) هو من عَطف الخاصّ على العامّ؛ لأَنَّ
الاستعانة تَقَعُ بالسُّؤال وبغيره، وكأنَّه يشيرُ إلى جواز ذلك؛ لأنَّه وَّهِ أقرَّ بَرِيرة على سؤالها
عائشة في إعانتها على كتابتها، وأمَّا ما أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (١٨٥) من طريق
يحيى بن أبي كثير يَرفَعُه في هذه الآية ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] قال: ((حِرْفَةً، ولا
تُرسِلوهم كَلَّ على الناس)) فهو مُرسَل أو مُعضَل، فلا حُجَّة فیه.
قوله: ((عن هشام)) زاد أبو ذرٍّ: ابن عُرْوة.
قوله: ((فأعِينيني)) كذا للأكثر بصيغَة الأمر للمؤنَّثِ من الإعانة، وفي رواية الكُشْمِيهني:
((فأعيَّتْني)) بصِيغَة الخبر الماضي من الإعياء، والضَّمير للأواقي، وهو مُنَّجِه المعنى، أي:
أعجَزَتني عن تحصيلها. وفي رواية حمّاد بن سَلَمة عن هشام عند ابن خُزَيمةَ وغيره:
((فَأَعتقيني))(١) بصِيغَة الأمر للمؤنَّثِ بالعِثْق، إلَّا أنَّ الثابت في طريق مالك وغيره عن هشام
الأوَّلُ.
قوله: ((فأبَوْا إلَّا أن يكونَ لهم الوَلاء)) زاد مسلم (٨/١٥٠٤) من هذا الوجه: ((فانتَهَرتها)»
وكأنَّ عائشة كانت عَرَفَت الحكم في ذلك.
قوله: ((خُذيها فأعتِقيها واشتَرِطي لهم الوَلاء)) قال ابن عبد البَرِّ وغيره: كذا رواه
أصحاب هشام عن عُرْوة وأصحاب مالك عنه عن هشام، واستشكِلَ صدورُ الإذن منه
وَّ﴾ في البيع على شرطٍ فاسدٍ، واختلفَ العلماء في ذلك: فمنهم مَن أنكَرَ الشَّرط في
الحديث، فروى الخطّابي في ((المعالم)) بسندِه إلى يحيى بن أكثَمَ: أنَّه أنكَرَ ذلك.
وعن الشّافعي في ((الأُمّ)) (١٩/٣) الإشارة إلى تضعيف رواية هشام المصرِّحة بالاشتراط،
الكَونِه انفَرَدَ بها دون أصحاب أبيه، وروايات غيره/ قابلة للتَّويل. وأشار غيره إلى أنَّه ١٩١/٥
(١) ليس في القسم المطبوع من ((صحيح ابن خزيمة))، وهذا الحرف وقع عند البخاري فيما سيأتي برقم
(٢٥٦٥) لكن من رواية عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن عائشة.

١٨٢
باب ٢٣ / ح ٢٥٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
روی بالمعنى الذي وقع له، ولیس کما ظَنَّ.
وأثبَتَ الرِّواية آخرون وقالوا: هشام ثقةٌ حافظٌ، والحديث مُتَّفَقٌ على صِخَّتِه، فلا وجه
لَرَدِّه. ثمَّ اختلفوا في توجيهها: فَزَعَمَ الطَّحَاوي(١) أنَّ المُزَني حدَّثه به عن الشّافعي بلفظ:
((وأشرِطي)) بهمزة قطع بغير تاءِ مُثنّاة، ثمَّ وجَّهَه بأنَّ معناه: أظهَري لهم حكم الوَلاء.
والإشراط: الإظهار، قال أوس بن حُجْر:
(٢)
فأشرَطَ فيها نفسَه وهو مُعصِمٌ
أي: أظھَرَ نفسه، انتھی.
وأنكَرَ غيره الرّواية. والذي في ((مختصر المزني)) و((الأُمّ)) وغيرهما عن الشّافعي كرواية
الجمهور: ((واشتَرِطي)) بصيغَة أمر المؤَنَّث من الشَّرط، ثمَّ حَكَى الطَّحَاوي أيضاً تأويل
الرّواية التي بلفظ: ((اشتَرِطي)) وأنَّ اللّم في قوله: ((اشتَرِطي لهم)) بمعنى ((عَلَى)) كقوله
تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأَتُ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] وهذا هو المشهور عن المَني، وجَزَمَ به عنه الخطَّابي،
وهو صحيحٌ عن الشّافعي، أسنَدَه البيهقي في ((المعرفة)) من طريق أبي حاتمِ الرَّازي عن
حَرمَلة عنه، وحَكَى الخطَّابي عن ابن خُزيمةَ أنَّ قول يحيى بن أكثَم غَلَط، والتَّأويل المنقول
عن المزني لا يَصِحّ.
وقال النَّوَوي: تأويل اللّام بمعنى ((على)) هنا ضعيف، لأنَّه عليه الصلاة والسَّلام أنكَرَ
الاشتراط، ولو كانت بمعنى ((على)) لم يُنكِرِه. فإن قيل: ما أنكَرَ إلَّا إرادة الاشتراط في أوَّل
الأمر، فالجواب أنَّ سياق الحديث يأبى ذلك. وضَعَّفَه أيضاً ابن دقيق العيد وقال: اللّام لا
تدلُّ بوضعها على الاختصاص النافع، بل على مُطلَق الاختصاص، فلا بُدَّ في حَملِها على
(١) في ((شرح مشكل الآثار)) (٤٣٩٣).
(٢) هذا صدر بيت لأوس في رجل تدلّ من رأس جبل بحبل إلى نبعة ليقطعها فيتخذ منها قوساً؛ وعجزه:
وألقى بأسبابٍ له وتوئَّلَا
قال الخطابي في ((غريب الحديث)) ٢/ ٢٥٢: معناه أنه استخف بنفسه واستهان بها فجعلها شرطاً
كشرط المال.

١٨٣
باب ٢٣ / ح ٢٥٦٣
كتاب العتق - المكاتب
ذلك من قَرِينةٍ.
وقال آخرونَ: الأمر في قوله: ((اشتَرِطي)) للإباحة، وهو على جِهَة التَّنبيه على أنَّ ذلك
لا يَنفَعُهم، فوجودُه وعَدَمُه سواءٌ، وكأنَّه يقول: اشتَرِطي أو لا تَشتَرِطي فذلك لا يفيدُهم.
ويُقوِّي هذا التَّأويل قوله في رواية أيمَن الآتية آخر أبواب المكاتَب (٢٥٦٥): ((اشتَريها
ودَعِیھم یَشتَرِطون ما شاؤوا)).
وقيل: كان النبي وَلّ أعلم الناس بأنَّ اشتراط البائع الوَلاءَ باطل، واشتَهرَ ذلك بحيثُ
لا يخفى على أهل بَرِيرة، فلمَّا أرادوا أن يَشتَرِطوا ما تقدَّم لهم العلم ببطلانه أطلقَ الأمرَ
مُريداً به التَّهديد على مَآل الحال كقوله: ﴿ وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥]
وكقولِ موسى: ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنْتُم مُّلْقُونَ﴾ [يونس: ٨٠] أي: فليس ذلك بنافعِكُم، وكأنَّه
يقول: اشتَرِطي لهم فسَيَعلَمون أنَّ ذلك لا يَنفَعُهم، ويُؤْيِّدُه قوله حين خَطَبَهم: ((ما بال
رجال يَشتَرِ طون شُروطاً ... )) إلى آخره، فوَبَّخَهم بهذا القول مُشيراً إلى أنَّه قد تقدَّم منه بيان
حكم الله بإبطاله، إذ لو لم يَتقدَّم بيان ذلك لَبَدأ ببيان الحكم في الخُطبة، لا بتَوبيخِ الفاعِل،
لأنَّه كان يكون باقياً على البراءة الأصلية.
وقيل: الأمر فيه بمعنى الوعيد الذي ظاهره الأمر وباطنه النَّهي، كقوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ
مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].
وقال الشّافعي في ((الأُمّ»: لمَّا كان مَن اشتَرَطَ خلاف ما قضى الله ورسوله عاصياً،
وكانت في المعاصي حدود وآداب، وكان من أدَب العاصينَ أن يُعَطَّل عليهم شروطهم
ليرتَدِعوا عن ذلك ويَرتَدِعَ به غيرهم، كان ذلك من أيسَر الأدب.
وقال غيره: معنى ((اشتَرِطي)): اترُكي ◌ُخَالَفَتهم فيما شَرَطوه ولا تُظهِري نِزاعهم فيما
دَعَوا إليه، مُراعاة لتَنجيزِ العِثْقِ لتَشَوُّفِ الشّارع إليه، وقد يُعبَّرُ عن التَّرك بالفعلِ كقوله
تعالى: ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: نَترُكُهم يفعلون
ذلك، وليس المراد بالإذنِ إباحة الإضرار بالسِّحر، قال ابن دقيق العيد: وهذا وإن كان

١٨٤
باب ٢٣ / ح ٢٥٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
مُحْتَمَلاً، إلّا أنَّه خارج عن الحقيقة من غير دلالة على المجازِ من حيثُ السِّياق.
وقال النَّوَوي: أقوى الأجوبة أنَّ هذا الحكم خاصٌّ بعائشةَ في هذه القَضية، وأنَّ سببه
المبالَغَة في الرُّجوع عن هذا الشَّرط لمخالَفَتِهِ حكم الشَّرع، وهو كفَسخ الحجّ إلى العُمرة كان
خاصّاً بتلك الحِجَّة مُبالَغَة في إزالة ما كانوا عليه من مَنْع العُمرة في أشهُرِ الحجّ.
ويُستفاد منه ارتكاب أخَفِّ المفسَدتين إذا استلزَمَ إزالة أشدّهما، وتُعُقِّبَ بأنَّه استدلال
١٩٢/٥ بمُختَلَفٍ فيه على مُخْتَلَفٍ فيه، وتَعَقَّبَه ابن دقيق العيد بأنَّ التَّخصيص لا/ يَتْبُتُ إلَّا بدليلِ،
ولأنَّ الشّافعي نصَّ على خلاف هذه المقالة.
وقال ابن الجَوْزي: ليس في الحديث أنَّ اشتراط الوَلاء والعِثْق كان مُقارناً للعَقد،
فيُحمَلُ على أنَّه كان سابقاً للعقد، فيكون الأمر بقوله: ((اشتَرِطي)) مُجرَّد الوَعد ولا يَجِبُ
الوَفاءُ به. وتُعُقِّبَ باستبعاد أنَّه ◌ِّرِ يأمرُ شخصاً أن يَعِدَ مع عِلمه بأنَّه لا يَفي بذلك الوعد.
وأغرَبَ ابن حَزْم فقال: كان الحكم ثابتاً بجوازِ اشتراط الولاء لغير المعتق، فوقع الأمرُ
باشتراطه في الوقت الذي كان جائزاً فيه، ثمَّ نُسِخَ ذلك الحكم بخُطبَتِه ◌ِّهِ وبقوله: ((إنّما
الوَلاء لمن أعتَقَ)) ولا يخفى بُعدُ ما قال، وسياق طرق هذا الحديث تَدفَعُ في وجه هذا
الجواب، والله المستعان.
وقال الخطّابي: وجه هذا الحديث أنَّ الولاء لمَّا كان كَلُحمة النَّسَب، والإنسان إذا وُلِدَ
له ولدٌ ثبت له نَسَبه، ولا يَنتَقِل نَسَبه عنه ولو نُسِبَ إلى غيره، فكذلك إذا أعتَقَ عبداً ثبت له
ولاؤُه ولو أراد نَقل ولائه عنه أو أذِنَ في نقله عنه لم يَنْتَقِل، فلم يَعبَأ باشتراطهم الوَلاء،
وقيل: اشتَرِطي ودَعيهم يَشتَرِطون ما شاؤوا ونحو ذلك؛ لأنَّ ذلك غير قادح في العقد،
بل هو بمَنزِلة اللَّغو من الكلام، وأَخَّرَ إعلامهم بذلك ليكون رَدُّه وإبطاله قولاً شَهيراً
يَخْطُبُ به على المِنْبَرَ ظاهراً، إذْ هو أبلَغُ في النَّكير وأوكَدُ في التَّعبير. انتهى، وهو يَؤول إلى أنَّ
الأمر فيه بمعنى الإباحة كما تقدَّم.

١٨٥
باب ٢٣ / ح ٢٥٦٣
كتاب العتق - المكاتب
قوله: ((فقضاءُ الله أحقُّ)) أي: بالاتّباع من الشُّروط المخالفة له.
قوله: ((وشَرْط الله أوثَق)) أي: باتِّباع حدوده التي حَدَّها، وليست المفاعلة هنا على
حَقيقَتها، إذ لا مُشاركة بين الحقّ والباطل، وقد وَرَدَت صيغَة أفعَل لغير التَّفضيل كثيراً،
ويُتَمل أن يقال: وَرَدَ ذلك على ما اعتَقَدوه من الجواز.
قوله: ((ما بالُ رجالٍ)) أي: ما حالهم.
قوله: ((إنَّا الوَلاء لمن أعتَقَ)) يُستَفاد منه أنَّ كلمة ((إنَّما)) للحَصْر، وهو إثبات الحكم
للمذكورِ ونَفْيُه عمَّا عَداه. ولولا ذلك لما لَزِمَ من إثبات الولاء للمُعتِقِ نفيُه عن غيره،
واستُدِلَّ بمفهومِه على أنَّه لا ولاءَ لمن أسلَمَ على يَدَيه رجل، أو وقع بينه وبينه مُحَالَفة،
خلافاً للحنفية، ولا للمُلتَقِط، خلافاً لإسحاق. وسيأتي مَزيد بَسطٍ لذلك في كتاب
الفرائض (٦٧٥١) إن شاء الله تعالى.
ويُستَفادُ من منطوقه إثبات الوَلاء لمن أَعتقَ سائبةً (١) خلافاً لمن قال: يصيرُ ولاؤُه للمسلمينَ
ويَدخُلُ فيمن أَعتَقَ عِتَقُ المسلم للمسلمِ وللكافر، وبالعكسِ ثبوتُ الوَلاء للمُعِقِ.
تنبيه: زاد النَّسائي (٣٤٥١) من طريق جَرِير بن عبد الحميد، عن هشام بن عُرْوة في
آخر هذا الحديث: فخَيَّرَها رسول الله وَ لِّ من(٢) زوجها وكان عبداً، وهذه الزّيادة ستأتي
في النِّكاح(٣) من حديث ابن عبّاس، ويأتي الكلام عليها هناك إن شاء الله تعالى، مع ذكر
الخلاف في زوجها هل كان حُرّاً أو عبداً، وتَسميته، وما اتَّفَقَ له بعد فِراقها.
وفي حديث بَرِيرة هذا من الفوائد - سوى ما سبق وسوى ما سيأتي في الفِّكاح - جواز
كتابة الأَمَة كالعبد، وجواز كتابة المتزوِّجة ولو لم يأذَن الَّوج، وأنَّه ليس له مَنعُها من
كتابتها ولو كانت تُؤَدّي إلى فِراقها منه، كما أنَّه ليس للعبدِ المتزوِّج منع السَّيِّد من عِتق أمَتِهِ
(١) في (س): سابيه، بالهاء في آخره، وهو تصحيف، والمراد بالسائبة هنا: العبد يُعتَق على أن لا ولاء لمن
أعتقه، ويضع ماله حیث شاء.
(٢) تحرف في (س) إلى: بين.
(٣) بل في الطلاق (٥٢٨٠ - ٥٢٨٣).

١٨٦
باب ٢٣ / ح ٢٥٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
التي تحته وإن أدى ذلك إلى بطلان نكاحها.
ويُستنبَطُ من تمكينِها من السَّعي في مال المُكاتبة أنَّه ليس عليها خدمته. وفيه جوازٌ
سعي المكاتبة وسؤالها واكتِسابها وتمكين السَّيِّد لها من ذلك، ولا يخفى أنَّ مَحَلّ الجواز إذا
عُرِفَت چِهَة حِلّ كَسْبها.
وفيه البيان بأنَّ النَّهي الوارد عن كَسْب الأَمَّة محمول على مَن لا يَعِرِفُ وجهَ کَسبها، أو
محمول على غير المكاتبة.
وفيه أنَّ للمُكاتَبِ أن يسألَ من حين الكتابة ولا يُشتَرَطُ في ذلك عَجزه، خلافاً لمن
شَرَطَه.
وفيه جواز السُّؤال لمن احتاجَ إليه من دَينٍ أو غُرمٍ أو نحو ذلك. وفيه أنَّه لا بَأسَ
بتعجيلِ مال الكتابة.
وفيه جواز المساوَمة في البيع وتشديد صاحب السِّلعة فيها، وأنَّ المرأة الرَّشيدة تَتَصَّفُ
لنفسِها في البيع وغیره ولو كانت مُزوَّجةً خلافاً من أَبی ذلك، وسيأتي له مزید في کتاب
الهِبَةِ (٢٥٩٠-٢٥٩٣)، وأنَّ مَن لا يَتَصَرَّفُ بنفسِه فله أن يُقيم غيرَه مقامه في ذلك، وأنَّ
١٩٣/٥ العبد إذا/ أذِنَ السَّيِّد له في التِّجارة، جازَ تَصرُّفُه.
وفيه جوازُ رفع الصَّوت عند إنكار المنكر، وأنَّه لا بَأسَ لمن أراد أن يشتريَ للعِثْق أن
يُظهِرَ ذلك لأصحاب الرَّقَبة ليتَساهلوا له في الثَّمَن ولا يُعَدُّ ذلك من الرّياء. وفيه إنكار
القول الذي لا يوافقُ الشَّرع، وانتهار الرَّسول فيه.
وفيه أنَّ الشيء إذا بيعَ بالنَّقَدِ كانت الرَّغبة فيه أكثر ممّاً لو بيعَ بالنَّسيئة، وأنَّ للمَرِ أن
يقضي عنه دينه برضاه.
وفيه جواز الشِّراء بالنَّسيئة، وأنَّ المكاتب لو عَجَّلَ بعض كتابته قبل المَحِلّ على أن يَضَعَ
عنه سيِّده الباقي لم يُحِبَرَ السَّيِّد على ذلك. وجواز الكتابة على قَدر قيمة العبد وأقلّ منها
وأكثر؛ لأَنَّ بين الثَّمَن المنَجَّزِ والمؤَجَّل فرقاً، ومعَ ذلك فقد بَذَلَت عائشة المؤَجَّل ناجزاً،

١٨٧
باب ٢٣ / ح ٢٥٦٣
كتاب العتق - المكاتب
فدَلَّ على أنَّ قيمتها كانت بالتَّأجيلِ أكثر ممَّا كوتِبَت به وكان أهلها باعوها بذلك.
وفيه أنَّ المراد بالخير في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣]: القوّة على
الكَسب والوَفاء بما وقعت الكتابة عليه، وليس المراد به المال، ويُؤيِّد ذلك أنَّ المال الذي في
يد المكاتَب لسَيِّده فكيف يُكاتِبُه بماله؟ لكن مَن يقول: إنَّ العبد يَملِكُ، لا يَرِدُ عليه هذا،
وقد نُقِلَ عن ابن عبّاس: أنَّ المراد بالخير: المالُ، مع أنَّه يقول: إنَّ العبد لا يَملِك، فنُسِبَ إلى
التَنَاقُض، والذي يَظهَرُ أَنَّه لا يَصِحُّ عنه أحد الأمرَين، واحتَجَّ غيره بأنَّ العبد مال سيِّده،
والمال الذي معه لسَيِّدِه، فکیف یُكاتِبُه بمالهِ؟
وقال آخرون: لا يَصِحُّ تفسير الخير بالمال في الآية؛ لأنَّه لا يقال: فلان لا مال فيه، وإنّما
يقال: لا مالَ له، أو لا مالَ عنده، فكذا إنَّما يقال: فيه وفاء، وفيه أمانةٌ، وفيه حُسنُ مُعاملةٍ،
ونحو ذلك.
وفي الحديث أيضاً جواز كتابة مَن لا حِرفةً له وِفاقاً للجمهور، واختُلِفَ عن مالك
وأحمد، وذلك أنَّ بَرِيرة جاءت تَستَعينُ على كتابتها ولم تَكن قَضَت منها شيئاً، فلو كان لها
مال أو حِرفة لَمَا احتاجَت إلى الاستعانة؛ لأنَّ كتابتها لم تكن حالَّة. وقد وقع عند الطََّري
من طريق أبي الزُّبَير عن عُرْوة: أنَّ عائشة ابتاعت بَرِيرةَ مُكاتَبةً وهي لم تَقضِ من كِتابتها
شيئاً، وتقدّمت الزيادة من وجه آخر.
وفيه جواز أخذ الكتابة من مسألة الناس، والرَّدّ على مَن كَرهَ ذلك وزَعَمَ أنَّه أوساخ
الناس.
وفيه مشروعية مَعونة المكاتبة بالصَّدَقة، وعند المالكية رواية: أنَّه لا يُجْزِئُ عن الفرض.
وفيه جواز الكتابة بقليلِ المال وكثيره، وجواز التَّأقيت في الدُّون في كلّ شَهر مثلاً، كذا من
غير بيان أوَّله أو وسَطه، ولا يكون ذلك مجهولاً؛ لأنَّه يَتبيَّنُ بانقِضاءِ الشَّهر الحلولُ، كذا
قال ابن عبد البَرّ، وفيه نظر، لاحتمال أن يكون قول بَرِيرة: ((في كلّ عام أوقِيّة)) أي: في
غُرَّته مثلاً، وعلى تقدير التَّسليم فيُمكِنُ التَّفْرِقة بين الكتابة والدُّيون، فإنَّ المكاتَب لو عَجَزَ

١٨٨
باب ٢٣ / ح ٢٥٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
حَلَّ لسَيِّدِه ما أخَذَ منه بخلاف الأجنبي.
وقال ابن بَطَّل: لا فرق بين الدُّيون وغيرها، وقِصَّة بَرِيرة محمولة على أنَّ الراوي قَصَّرَ
في بيان تعيين الوقت، وإلَّ يصير الأجَل مجهولاً. وقد نَهى النبيِ وَّ عن السَّلَف إلَّا إلى
أجل معلوم.
وفيه أنَّ العَدّ في الدَّراهم الصِّحاح المعلومة الوزن يَكفي عن الوزن، وأنَّ المعاملة في
ذلك الوقت كانت بالأواقي، والأوقية أربعون درهماً كما تقدَّم في الزكاة.
وزَعَمَ المحِبُّ الطَّبَري: أنَّ أهل المدينة كانوا يتعاملون بالعَدِّ إلى مَقدَم رسول الله وَلـ
المدينة ثمَّ أُمِروا بالوزن، وفيه نظر؛ لأنَّ قِصَّة بَرِيرة مُتأخّرة عن مَقدَمه بنحوٍ من ثَمان
سِنِينَ، لكن يُحْتَمَلُ قول عائشة: ((أعُدُّها لهم عَدَّةً واحدة)) أي: أدفعها لهم، وليس مُرادها
حَقيقة العَدّ، ويُؤيِّده قولها في طريق عَمْرة في الباب الذي يَليه: ((أن أصُبَّ لهم ثمنكِ
صَبَّة واحدة)).
وفيه جواز البيع على شرط العِثْق بخلاف البيع بشرطِ أن لا يَبيعَه لغيره ولا يَهَبَه مثلاً،
وأنَّ من الشُّروط في البيع ما لا يُبطِلُ ولا يَضُرّ البيع.
وفيه جواز بيع المكاتب إذا رَضِيَ وإن لم يكن عاجزاً عن أداء نَجم قد حَلَّ عليه؛ لأَنَّ
بَرِيرة لم تَقُل: إنَّهَا عَجَزَت، ولا استَفْصَلها النبي ◌َّهِ، وسيأتي بَسط ذلك في الباب الذي يَليه.
وفيه جواز مُناجاة المرأة / دون زوجها سِرّاً، إذا كان المناجي مَّن يُؤمَن، وأنَّ الرجل إذا
رأى شاهِدَ الحال يقتضى السُّؤال عن ذلك سألَ وأعان، وأنَّه لا بَأسَ للحاكمِ أن يَجِكُمَ
لزوجته ویَشْهدَ.
١٩٤/٥
وفيه قَبُول خبر المرأة ولو كانت أَمةً، ويُؤخَذُ منه حكمُ العبدِ بطريق الأَوْلى.
وفيه أنَّ عَقْد الكتابة قبل الأداء لا يَستَلزِمُ العِثْقَ، وأنَّ بيع الأَمة ذات الَّوج ليس
بطَلاقٍ.
وفيه البِدَاءة في الخُطبة بالحمدِ والثَّناء، وقول: ((أمَّا بعدُ)) فيها، والقيام فيها، وجواز

١٨٩
باب ٢٣ / ح ٢٥٦٣
كتاب العتق - المكاتب
تعدُّد الشُّروطِ لقوله: ((مئة شرط))، وأنَّ الإيتاءَ الذي أُمَرَ به السَّيِّد ساقط عنه إذا باع
مُكاتَبه للعِثْق.
وفيه أن لا كراهة في السَّجع في الكلام إذا لم يكن عن قصد ولا مُتَكَلَّفاً.
وفيه أنَّ للمُكاتَبِ حالةً فَارَقَ فيها الأحرارَ والعَبيد.
وفيه أنَّه وَّهِ كان يُظهِرُ الأُمور المهمَّة من أُمور الدّينِ ويُعلِنُها ويَخْطُّبُ بها على المِبَرَ
الإشاعتها، ويُراعي مع ذلك قلوب أصحابه، لأنَّه لم يُعيِّن أصحاب بَرِيرة، بل قال: ((ما بال
رجال))، ولأنَّه يُؤْخَذ من ذلك تقرير شرعٍ عامٍّ للمذكورينَ وغيرهم في الصّورة المذكورة
وغيرها، وهذا بخلاف قِصَّة عليّ في خِطبَته بنتَ أبي جهل(١)، فإنَّها كانت خاصَّةً بفاطمةَ
فلذلك عَيَّنَها.
وفيه حِكاية الوقائع لتعريفِ الأحكام، وأنَّ اكتساب المكاتب له لا لسيِّدِه، وجواز
تَصَرُّف المرأة الرَّشيدة في مالها بغير إذنِ زوجِها، ومُراسَلَتها الأجانب في أمر البيع والشّراء
كذلك، وجواز شِراء السِّلعة للرّاغِبِ في شِرائها بأكثر من ثمن مِثْلِها؛ لأنَّ عائشة بَذَلَت ما
قُرِّرَ نَسِيئَةً على جِهَة النَّقد مع اختلاف القيمة بين النَّقْد والنَّسيئة. وفيه جواز استدانة مَن لا
مال له عند حاجته إلیه.
قال ابن بَطَّال: أكثرَ الناس في تخريج الوجوه في حديث بَرِيرة حتَّى بَلَغوها نحو مئة
وجهٍ، وسيأتي الکثیر منها في کتاب النِّکاح(٢).
وقال النَّوَوي: صَنَّفَ فيه ابن خُزَيمةَ وابن جَرِير تصنيفَينِ كبيرَينِ أكثرا فيهما من
استنباط الفوائد منها فذكرا أشیاء.
قلت: ولم أقف على تصنيف ابن خُزَيمةً، ووَقَفت على كلام ابن جَرِير من كتابه
((تهذيب الآثار)) ولخَّصت منه ما تَيسَّرَ بعَوْنِ الله تعالى. وقد بَلَّغَ بعض المتأخِّرينَ الفوائد من
(١) ستأتي برقم (٣١١٠) و(٣٧٢٩) من حديث المسور بن مخرمة.
(٢) انظر (٥٠٩٧) و(٥٢٧٩) و(٥٢٨٤).

١٩٠
باب ٢٤ / ح ٢٥٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
حديث بَرِيرة إلى أربع مئة أكثرها مُستَبعَد مُتَكَلَّف، كما وقع نَظِير ذلك للذي صَنَّفَ في
الكلام على حديث المُجامِع في رمضان، فبَلَغَ به ألف فائدة وفائدة.
٢٤ - باب بيع المكاتَبِ إذا رَضِيَ
وقالت عائشةُ: هو عَبْدٌ ما بَقِيَ عليه شيءٌ.
وقال زيدُ بنُ ثابتٍ: ما بَقِيَ علیه دِرْهَمٌ.
وقال ابنُ عمرَ: هو عَبْدٌ إن عاشَ وإن مات وإن جَنَى ما بَقِيَ عليه شيءٌ.
٢٥٦٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عَمْرةَ بنت
عبدِ الرَّحمنِ: أنَّ بَرِيرةَ جاءت تَسْتَعِينُ عائشةَ أُمَّ المؤمنينَ رضي الله عنها، فقالت لها: إن أحَبَّ
أهلُكِ أن أصُبَّ لهم ثَمَنَكِ صَبَةً واحدةً وَأُعْتِقَكِ فعَلْتُ؟ فَذَكَرَت بَرِيرةُ ذلك لأهلِها، فقالوا:
لا، إلا أن يكونَ الوَلاءُ لَنَا.
قال مالكٌ: قال يحيى: فَزَعَمَت عَمْرةُ: أنَّ عائشةَ ذَكَرَت ذلك لرسولِ الله وَّةِ، فقال:
((اشتَرِيها وأَعْتِقِيها، فإنَّما الولاءُ لِمَن أعتَقَ)».
قوله: ((باب بيع المكاتَب)) في رواية السَّرَخسي والمُستَمْلي: ((المكاتَبة))، والأوَّل أصحُ
لقوله: ((إذا رَضِيَ))، وهذا اختيار منه لأحدِ الأقوال في مسألة بيع المكاتب إذا رَضِيَ بذلك
١٩٥/٥ ولو لم يُعجِّز نفسَه(١)، وهو قول أحمد وربيعة/ والأوزاعي واللَّيث وأبي ثَوْر وأحد قولي
الشّافعي ومالك، واختارَه ابن جَرير (٢) وابن المنذر وغيرهما على تفاصيلَ لهم في ذلك،
ومَنَعَه أبو حنيفة والشّافعي في أصحّ القولَينِ وبعض المالكية، وأجابوا عن قِصَّة بَرِيرة بأنَّها
عَجَّزَت نفسَها، واستَدَلّوا باستعانة بَرِيرة عائشة في ذلك، وليس في استعانتها ما يَستَلِزِمُ
العَجْز، ولا سيما مع القول بجوازٍ كتابة مَن لا مال عنده ولا حِرْفة له.
(١) قوله: ((يُعجِّز نفسَه)) أي: ينسبها إلى العَجْز، والتَّعجيز من المكاتب: أن يعترف بعَجْزه عن أداء بَدَل
الكتابة.
(٢) في (س): ابن جريج، وهو تحريف.

١٩١
باب ٢٤ / ح ٢٥٦٤
كتاب العتق - المكاتب
قال ابن عبد البَرّ: ليس في شيء من طرق حديث بَرِيرة: أنَّهَا عَجَزَت عن أداء النَّجم،
ولا أخبرت بأنَّه قد حَلَّ عليها شيء، ولم يَرِد في شيء من طرقه استفصال النبي وَّ لها عن
شيء من ذلك، ومنهم مَن أوَّلَ قولها: ((كاتَبتُ أهلي)) فقال: معناه: راوَدتهم واتَّفَقت معهم
على هذا القَدْر، ولم يقع العَقد بعدُ، ولذلك بِيعَت، فلا حُجَّة فيه على بيع المكاتَب مُطلَقاً،
وهو خلاف ظاهر سياق الحديث، قاله القُرطُبي.
ويُقوِّي الجواز أيضاً أنَّ الكتابة عِتق بصِفةٍ، فَيَجِبُ أن لا يَعْتِقَ إلَّا بعد أداء جميع
النُّجوم، كما لو قال: أنتَ حُرِّ إن دَخَلت الدّار، فلا يَعْتِقُ إلَّا بعد تمام دخولها، ولِسَيِّده بيعُه
قبل دخولها.
ومن المالكية مَن زَعَمَ أنَّ الذي اشتَرَته عائشة كتابةٌ بَرِيرةَ لا رَقَبتها، وقد تقدَّم رَدُّه،
وقيل: إنَّهم باعوا بَرِيرة بشرطِ العِثْق، وإذا وقع البيع بشرطِ العِثْقِ صَحَّ على أصحّ القولَينِ
عند الشّافعية والمالكية، وعن الحنفية: يَبطُل.
قوله: ((وقالت عائشة: هو عبدٌ ما بَقيّ عليه شيء. وقال زيد بن ثابت: ما بَقيَ عليه
دِرْهَم. وقال ابن عُمر: هو عبدٌ إن عاشَ وإن مات وإن جَنى ما بَقيَ عليه شيءٍ)) أمَّا قول
عائشة فوَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١٤٧/٦) وابن سعد (١٧٤/٥) من طريق عَمْرو بن
ميمون، عن سليمان بن يسار قال: استأذَنتُ على عائشة فرَفَعتُ صوتي، فقالت: سلیمان؟
فقلت: سليمان. فقالت: أَدَّيت ما بَقي عليك من كتابَتِك؟ قلت: نعم إلَّا شيئاً يَسيراً.
قالت: ادخُل، فإنَّك عبد ما بَقيَ عليك شيء، وروى الطَّحَاوي (١١٢/٣) من طريق ابن
أبي ذِئب، عن عمران بن بَشير، عن سالم - هو مولى النَّضريينَ - أنَّه قال لعائشة: ما أراك
إلَّا ستَحتجِبين مِنّي(١)، فقالت: ما لكَ؟ فقال: كاتَبتُ، فقالت: إنَّك عبدٌ ما بَقيَ عليك
شيء.
وأمَّا قول زيد بن ثابت فوَصَلَّه الشّافعي (٨/ ٥٦) وسعيد بن منصور من طريق ابن أبي
نَجيح عن مجاهد: أنَّ زيد بن ثابت قال في المكاتب: هو عبد ما بقيَ عليه درهم.
(١) في المطبوع من ((شرح معاني الآثار)): ما أراك أن لا تستحي مني.

١٩٢
باب ٢٤ / ح ٢٥٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا قول ابن عمر فوَصَلَه مالك (٢/ ٧٨٧) عن نافع: أنَّ عبد الله بن عمر كان يقول
في المكاتب: هو عبد ما بَقِيَ عليه شيء. ووَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٦ /١٤٦) من طريق عُبيد الله
ابن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: المکاتب عبد ما بَقِيَ علیه درهم.
وقد رُوِيَ ذلك مرفوعاً، أخرجه أبو داود (٣٩٢٦) والنَّسائي (ك٥٠٠٧) من طريق
عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جَدّه، وصَحَّحَه الحاكم (٢١٨/٢)، وأخرجه ابن حِبَّان
(٤٣٢١) من وجهٍ آخر عن عبد الله بن عَمْرو في أثناء حديث، وهو قول الجمهور، ويُؤِّدُه
قِصَّةُ بَرِيرة، لكن إنَّما تَتِمُّ الدّلالة منه لو كانت بَرِيرة أدَّت من كِتابتها شيئاً، فقد قَرَّرنا أنَّها لم
تَكُن أدَّت منها شيئاً، وكان فيه خلاف عن السَّلَف: فعن عليّ: إذا أدّى الشَّطر فهو غريمٌ،
وعنه: يَعتقُ منه بقدرٍ ما أدّى، وعن ابن مسعود: لو كاتَبَه على مثّتين وقيمته مئة فأدّى المئة
عَتَقَ، وعن عطاء: إذا أدّى ثلاثة أرباع كتابَته عَتَقَ.
وروى النَّسائي (ك٦٩٨٦) عن ابن عبّاس مرفوعاً: ((المكاتَب يَعْتِقُ منه بقَدرِ ما أدّى))
ورجال إسناده ثِقات، لكن اختُلِفَ في إرساله ووَصِلِه، وحُجَّة الجمهور حديث عائشة،
وهو أقوى، ووجه الدّلالة منه أنَّ بَرِيرة بِيعَت بعد أن كاتَبَت، ولو كان المكاتَب يصيرُ
بنفسِ الكتابة حُرّاً لامتَنعَ بيعُها.
ثمَّ ساق المصنِّف قِصَّة بَرِيرة من رواية يحيى بن سعيد عن عَمْرة بنت عبد الرحمن: ((أنَّ
بَرِيرة جاءت تَستَعينُ عائشة)) وصورة سياقه الإرسال، ولم تَخْتَلِفِ الرُّواة عن مالك في
ذلك، لكن تقدَّم في أبواب المساجد (٤٥٦) من وجهٍ آخرَ عن يحيى بن سعيد عن عَمْرة عن
عائشة، وفي رواية هناك (٤٥٦) عن عَمْرة: ((سمعت عائشة)) فظَهَرَ أنَّه موصول، وقد
وَصَلَه ابن خُزَيمةَ(١) من طريق مُطرِّف عن مالك كذلك.
وقوله: «إلّا أن يكون الوَلاءُ لنا» في رواية الكُشْمِيهني: إلّا أن/ يكون ولاؤك.
١٩٦/٥
وقوله: ((قال مالك: قال يحيى)) هو ابن سعيد، وهو موصول بالإسناد المذكور.
(١) لم نقف عليه في القسم المطبوع من ((صحيحه)).

١٩٣
باب ٢٥ / ح ٢٥٦٥
كتاب العتق - المكاتب
٢٥ - بابٌ إذا قال المُكاتَبُ: اشتَرني وأعتقني، فاشتراه لذلك
٢٥٦٥ - حدّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ أيمَنَ، قال: حدَّثني أبي أيمَنُ قال: دَخَلْتُ
على عائشةَ رضي الله عنها فقلتُ: كنتُ غلاماً لعُتْبَةَ بنِ أبي لَبٍ ومات ووَرِثَنِي بَنُوه، وإنَّهم
باعُوني مِنِ ابنِ أبي عَمْرٍو، واشتَرَطَ بَنُو عُنْبةَ الولاءَ، فقالت: دَخَلَت بَرِيرةُ وهي مُكاتَبةٌ فقالت:
اشتَريني فأعتِقِيني، قالت: نعم، قالت: لا يَبِيعُوني حتَّى يَشْتَرِطُوا ولائي، فقالت: لا حاجةً لي
بذلك، فسمعَ بذلك النبيُّ نَّه ◌ِ أَو بَلَغَه - فَذَكَرَ لعائشةَ، فَذَكَرَت عائشةُ ما قالت لها، فقال:
(اشتَرِيها وأَعْتِقِيها، ودَعِيهم يَشْتَرِطُونَ ما شاؤُوا)) فاشتَرَتْها عائشةُ فأعتَقَتْها، واشترَطَ أهلُها
الولاءَ، فقال النبيُّ وََّ: ((الولاءُ لِمَن أَعتَقَ، وإنِ اشْتَرَطُوا مِئَةَ شَرْطٍ)».
قوله: ((باب إذا قال المكاتَب: اشتَرِني وأعتِقْني، فاشتَراه لذلك)) أي: جازَ.
قوله: ((عن أبيه)) هو أيمَن الحَبَشي المكّ نَزيل المدينة والد عبد الواحد، وهو غير أيمَن
ابن نابل الحَبَشي المكّي نَزيل عَسقَلان، وكلاهما من التابعين، وليس لوالدٍ عبد الواحد في
البخاري سوى خمسة أحاديث: هذا وآخران عن عائشة (٥٩٠ ٢٦٢٨) وحديثان عن
جابر (٤٤٩ و٤١٠١)، وكلّها مُتابعة، ولم يَروِ عنه غیر ولده عبد الواحد.
قوله: ((ووَرِثَنِي بَنوه)) أعرِفُ من أولاد عُتبةَ العبّاس بن عُتبةَ والد الفضل الشّاعر
المشهور، وأبا خِرَاش بن عُتبةَ ذكره الفاكهي في ((كتاب مَكَّة))، وهشام بن عُتبةَ والد أحمد
المذكور في ((تاريخ ابن عساكر)) عن ابن أبي عمران، ويزيد بن عُتبةَ جَدّ عبد الرحمن بن
محمد بن يزيد المذكور عند الفاكهي أيضاً، ولم أرَ لهم ذِكراً في كتاب الزُّبَير في النَّسَب، وعُتبة
ابن أبي لهب له صُحبة دون أخيه عُتَيبة بالتَّصغير، فإنَّه مات كافراً.
قوله: ((من ابن أبي عَمْرو)) في رواية النَّسَفي والكُشْمِيهني: من عبد الله بن أبي عَمْرو،
زاد الكُشْمِيهني: ابن عمر بن عبد الله المخزومي.
قوله فيه: ((اشتَريها فأعتِقيها ودَعيهم يَشْتَرِطوا ما شاؤوا، فاشتَرَتْها عائشة فأعتَقَتْها)» في
هذا دلالة على أنَّ عَقد الكتابة الذي كان عَقَدَ لها مَواليها انفَسَخَ بابتياع عائشة لها، وفیه رَدِّ

١٩٤
باب ٢٥ / ح ٢٥٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
على مَنْ زَعم أنَّ عائشة اشتَرَت منهم الوَلاء، واستَدَلَّ به الأوزاعي على أنَّ المكاتَب لا يُباعُ
إلَّا للعِثْق، وبه قال أحمد وإسحاق، وقد تقدَّم ذِكر اختلاف العلماء في ذلك قريباً، والله
أعلم.
خاتمة: اشتَمَل كتاب العِثْق وما اتَّصل به من المكاتَب على ستَّة وستّينَ حديثاً، المعَلَّق
منها ثلاثة عشر والبقية موصولة، المكرَّر منها فيه وفيما مضى تسعة وأربعون حديثاً،
والخالص سبعة عشر حديثاً، وافَقَه مسلم على تخريجها سوى ثلاثة: حديث أبي هريرة في
عِتق عبده، وحديث أنس في قِصَّة العبّاس، وحديث: ((مَن سيِّدُكُم)).
وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين سبعة آثار، والله أعلم.

١٩٥
باب ١ / ح ٢٥٦٦ - ٢٥٦٧
كتاب الهبة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الهِبَة وفضلها
والتحريضعليها
١٩٧/٥
١ - [باب فضل الهِبة]
٢٥٦٦ - حدَّثنا عاصمُ بنُ عليٍّ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن المقبُريِّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ
يُّه، عن النبيِّ ◌َّةِ قال: ((يا نِساءَ المسلماتِ، لا تَحِقِرَنَّ جارٌ لجارَتِها ولو فِرْسِنَ شاةٍ)).
[طرفه في: ٦٠١٧]
٢٥٦٧ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله الأَوَيسيُّ، حدَّثنا ابنُ أبي حازم، عن أبيه، عن یزیدَ
ابن رُومانَ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّها قالت لعُرْوةَ: ابنَ أُختي، إن كنّا
لَتَنظُرُ إلى الهلال ثمَّ الهلال ثلاثةَ أهِلّةٍ في شهرَينٍ، وما أُوقِدَت في أبياتِ رسولِ اللهِ وَِّ نارٌ،
فقلتُ: يا خالةُ، ما كان يُعيِّئُكُم؟ قالت: الأسوَدَانِ: التَّمْرُ والماءُ، إلا أنَّه قد كان
لرسولِ اللهِ وَّهُ جِيرانٌ مِن الأنصار كانت لهم مَنائُ، و کانوا یَمْنَحُون رسولَ الله ێ من
ألبانِهم فيَسْقِيناهُ.
[طرفاه في: ٦٤٥٨، ٦٤٥٩]
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب الهِبَة وفَضْلها والتَّحْريض عليها)) كذا للجميع، إلَّا
للكُشْمِيهني وابن شَبّويه فقالا: «فيها)) بدل ((عليها)). وأَخَّرَ النَّسَفي البسملة.
والِهِبَة - بكسر الهاء وتخفيف الباء الموخَّدة - تُطلَقُ بالمعنى الأعمّ على أنواع الإبراء،
وهو هِبَة الدَّين مَمَّن هو عليه، والصَّدَقَةُ: وهي هِبَة ما يَتمخَّضُ به طلب ثواب الآخرة،
والهدية: وهي ما يُكرَمُ به الموهوب له، ومَن خَصَّها بالحياة أخرج الوصية، وهي تكون
أيضاً بالأنواعِ الثلاثة.

١٩٦
باب ١ / ح ٢٥٦٦ - ٢٥٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
وتُطلَق الهِبَة بالمعنى الأخَصّ على ما لا يُقصَدُ له بَدَل، وعليه يَنطَبِقُ قولُ مَن عَرَّفَ
الهِبَة بأنَّها تمليك بلا عِوَض، وصنيعُ المصنّف محمول على المعنى الأعمّ، لأنَّه أدخَلَ فيها
الهدايا.
قوله: ((عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة)) كذا للأكثر، وسَقَطَ ((عن أبيه)) من رواية
الأَصِيلي وكَرِيمة، وضَبَّبَ عليه في رواية النَّسَفي، والصواب إثباته. وكذا أخرجه الإسماعيلي
عن محمد بن يحيى، وأبو نُعيم من طريق إسماعيل القاضي، وأبو عَوَانة عن إبراهيم الحَرْبي
كلّهم، عن عاصم بن عليّ شيخ البخاري فيه، ومن طريق شَبَابة وعثمان بن عُمْر وابن
المبارك عند الإسماعيلي.
وأخرجه البخاري في ((الأدب المفرَد)» (١٢٣) عن آدم كلّهم عن ابن أبي ذِئب كذلك،
وكذلك رواه اللَّيث عن سعيد كما سيأتي في كتاب الأدب (٦٠١٧)، وأخرجه التِّرمِذي
(٢١٣٠) من طريق أبي مَعشَر عن سعيد، عن أبي هريرة لم يقل: ((عن أبيه)) وزاد في أوَّله:
(تَهَادَوْا، فإنَّ الهدية تُذهِبُ وَحَرَ الصَّدْر)) الحديث، وقال: غريب، وأبو مَعشَر يُضعَّف.
وقال الطَّرْقي: إِنَّه أخطأ فیه حیثُ لم يقل فیه: ((عن أبيه))، کذا قال! وقد تابَعَه محمد بن
عَجْلان عن سعيد، وأخرجه أبو عَوَانة. نعم مَن زاد فيه: ((عن أبيه)) أحفظُ وأضبطُ،
فروايتهم أولى، والله أعلم.
قوله: ((عن النبي (وَ ل﴾)) في رواية عثمان بن عمر: سمعت رسول الله وُ ل﴾ يقول.
قوله: ((يا نِساءَ المسلماتِ)) قال عِيَاض: الأصحُ الأشهَرُ نصب النِّساء وجَرّ المسلمات على
الإضافة، وهي رواية المشارقة من إضافة الشيء إلى صِفَته: كمسجدِ الجامعِ، وهو عند
١٩٨/٥ الكوفيينَ على ظاهره، وعند البصريينَ/ يُقدِّرون فيه محذوفاً.
وقال السُّهَيلي وغيره: جاء برفع الهمزة على أنَّه مُنادى مُفرَد، ويجوزُ في ((المسلمات))
الرفع صِفة على اللَّفظ على معنى: يا أيُّها النِّساءُ المسلماتُ، والنَّصب صِفةٌ على الموضع،

١٩٧
باب ١ / ح ٢٥٦٦ - ٢٥٦٧
كتاب الهبة
وكسرة التاء علامة النَّصب، ورُوِيَ بنصبِ الهمزة على أنَّه مُنادى مُضاف، وكسرة التاء
للخَفْضِ بالإضافة كقولهم: مسجدُ الجامع، وهو ممَّا أُضيفَ فيه الموصوف إلى الصِّفة في
اللَّفظ، فالبصريون يَتأوَّلونَه على حذف الموصوف وإقامة صِفَته مقامَه، نحو: یا نِساءَ
الأنفُس المسلمات، أو: يا نِساءَ الطَّوائف المؤمنات؛ أي: لا الكافرات، وقيل: تقديره: یا
فاضلات المسلمات، كما يقال: هؤلاءِ رجال القوم، أي: أفاضلهم، والكوفيون يَدَّعون أن
لا حذف فيه ويَكتَفُون باختلاف الألفاظ في المغايرة.
وقال ابن رُشَيد: توجيهه أنَّه خاطَبَ نساءً بأعيانهنَّ، فأقبَلَ بنِدائه عليهنَّ فصَخَّت
الإضافة على معنى المدح لهنَّ، فالمعنى: يا خيِّراتِ المؤمناتِ، كما يقال: رجالُ القوم.
وتُعُقِّبَ بأنَّه لم يَخْصُصهنَّ به لأنَّ غيرَهنَّ يُشاركُهنَّ في الحكم، وأُجيبَ بأنَهَنَّ يُشاركنَهنَّ
بطريق الإلحاق.
وأنكَرَ ابنُ عبد البَرِّ روايةَ الإضافة، ورَدَّه ابنُ السِّيدِ بأنَّها قد صَحَّت نَقلاً وساعدَتها
اللُّغة، فلا معنى للإنكار.
وقال ابن بَطَّال: يُمكِنُ تخريج: ((يا نِساءَ المسلمات)) على تقدير بعيد، وهو أن يُجْعَلَ نَعتاً
لشيءٍ محذوفٍ كأنَّه قال: يا نِساء الأنفُس المسلمات، والمراد بالأنفُسِ الرِّجالُ، ووجهُ بُعدِه
أنَّه يصير مدحاً للرِّجال وهو ◌َّهِ إِنَّمَا خاطَبَ النِّساء، قال: إلَّا أن يُرادَ بالأنفُسِ الرِّجال
والنِّساء معاً، وأطالَ في ذلك، وتَعقَّبَه ابن المنيِّر. وقد رواه الطبراني(١) من حديث عائشة
بلفظ: ((يا نِساءَ المؤمنين)) الحديث.
قوله: ((جارة لجارَتِها)) كذا للأكثر، ولأبي ذرّ ((لجارةٍ)) والمتعلَّقُ محذوفٌ، تقديرُه: هدية
مُهداة.
قوله: ((فِرْسِن)) بكسر الفاء والمهمَلة بينهما راء ساكنة وآخره نون: هو عَظْم قليل
(١) في ((الأوسط)) (٥٩٤١)، وهو عنده في ((الكبير)) ٢٤/ (٥٥٩) و(٥٦٢) من حديث حوّاء الأنصارية بنت
زيد بن السَّكَن بلفظ: ((يا نساء المؤمنات ... )» إلخ.

١٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
اللَّحم، وهو للبعير موضع الحافر للفَرَس، ويُطلَقُ على الشّاة مجازاً، ونونه زائدة، وقيل:
أصلية، وأُشيرَ بذلك إلى المبالَغَة في إهداء الشيء اليسير وقَبُوله لا إلى حقيقة الفِرْسِن، لأنَّه
لم تَجِرِ العادة بإهدائه، أي: لا تَمنعُ جارةٌ من الهدية لجارَتِها الموجودَ عندها لاستقلاله، بل
ينبغي أن تجودَ لها بما تيسَّر وإن كان قليلاً فهو خيرٌ من العَدَم، وذِكرُ الفِرْسِن على سبيل
المبالَغَة.
ويُحْتَمل أن يكون النَّهي إنَّما وقع للمُهدى إليها، وأنَّها لا تحتقِرُ ما يُهدى إليها ولو كان
قليلاً، وحَملُه على الأعمّ من ذلك أَوْلى. وفي حديث عائشة المذكور: ((يا نِساء المؤمنينَ تَهادوا
ولو فِرِسِن شاة، فإنَّه يُنِبِتُ الموَدَّةَ ويُذهِبُ الضَّغائن)).
وفي الحديث الحَضّ على التَّهادي ولو باليَسير؛ لأَنَّ الكثير قد لا يَتِيسَّر كلّ وقت، وإذا
تَواصَلَ اليسير صار كثيراً. وفيه استحباب الموَدَّة وإسقاط التَّكلُّف.
قوله: ((ابن أبي حازم)) هو عبد العزيز.
قوله: ((يزيد بن رومان)) بضمِّ الراء، ورجال الإسناد كلّهم مدنيُّونَ، وفيه ثلاثة من
التابعين في نَسَق، أوَّلهم أبو حازم: وهو سَلَمةُ بن دينار.
قوله: ((ابنَ أُختي)) بالنَّصبِ على النِّداء، وأداة النِّداء محذوفة، ووقع في رواية مسلم
(٢٩٧٢) عن يحيى بن يحيى عن عبد العزيز: والله يا ابن أُختي.
قوله: ((إن كنَّا لَتَنظُر)) هي المخفَّفة من الثَّقيلة وضميرها مُستَتِرٍ، ولذا دخلت اللّام في الخبر.
قوله: ((ثلاثة أهِلَّةٍ)) يجوزُ في ((ثلاثة)) الجرّ والنَّصب.
قوله: ((في شهرَينٍ)) هو باعتبار رُؤية الهلال أوَّل الشَّهر، ثمَّ رُؤيته ثانياً في أوَّل الشَّهر
الثاني، ثمَّ رُؤيته ثالثاً في أوَّل الشَّهر الثالث، فالمذَّة ستّون يوماً، والمرئيُّ ثلاثة أهِلَّة، وسيأتي
في الرِّقاق (٦٤٥٨) من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه بلفظ: ((كان يأتي علينا الشَّهر ما نُوقِدُ
فیه ناراً»، وفي رواية يزيد بن رومان هذه زيادة عليه ولا مُنافاة بينهما، وقد أخرجه ابن

١٩٩
باب ١ / ح ٢٥٦٦ - ٢٥٦٧
كتاب الهبة
ماجَهْ (٤١٤٥) من طريق أبي سَلَمة عن عائشة بلفظ: ((لقد كان يأتي على آلٍ محمد الشّهر ما
◌ُری فی بیتٍ من بیوته الُّخان».
قوله: ((ما يُعيشكُمْ؟)) بضمٌّ أوَّله، يقال: أعاشَه الله عيشَة، وضَبَطَه النَّوَوي بتشديد الياء
التَّحتانية، وفي بعض النُّسَخِ: ((ما يُغنيكُم؟» بسكونِ المعجَمة بعدها نون مكسورة ثمَّ تحتانية
ساكنة، وفي رواية أبي سلمة/ عن عائشة: قلت: فما كان طعامكُم؟
١٩٩/٥
قوله: (الأسوَدان التَّمْر والماء)) هو على التَّغليب، وإلَّا فالماء لا لونَ له، ولذلك قالوا:
الأبيضان: اللَّبَن والماء، وإنَّما أطلقت على النَّمر الأسودَ لأنَّه غالب تمر المدينة، وزَعَمَ
صاحب ((المحكم)) وارتضاه بعض الشُّاح المتأخّرينَ: أنَّ تفسير الأسوَدَينِ بالتَّمرِ والماء
مُدرَج، وإنَّما أرادت الحَرَّةَ واللَّيل، واستَدَلَّ بأنَّ وجود النَّمر والماء يقتضي وصفهم بالسَّعَة،
وسياقها يقتضي وصفَهم بالضِّيق، وكأنَّها بالَغَت في وصف حالهم بالشِّدَّة حتَّى إنَّه لم يكن
عندهم إلَّا اللَّيل والحَرَّة، انتهى.
وما ادَّعاه ليس بطائلٍ، والإدراج لا يَثْبُتُ بالتَّوَهُّم، وقد أشار إلى أنَّ مُستَندَه في ذلك
أنَّ بعضهم دَعَا قوماً وقال لهم: ما عندي إلَّا الأسوَدان، فَرَضُوا بذلك، فقال: ما أردتُ إِلَّا
الخَرَّة واللَّيل؛ وهذا حُجَّةٌ عليه، لأنَّ القوم فَهِموا التَّمر والماء وهو الأصل، وأراد هو
المَزْحَ معهم فألغَزَ لهم بذلك، وقد تَظاهرَت الأخبارُ بالتفسير المذكور، ولا شكَّ أنَّ أمر
العيش نِسْبِيّ، ومَن لا يَجِدُ إلَّ الَّمَرَ أضيقُ حالاً مَّن يَجِدُ الخبزَ مثلاً، ومَن لم يَجِدْ إلَّا الخبزَ
أضيقُ حالاً مَمَّن يَجِدُ اللَّحمَ مثلاً، وهذا أمر لا يَدِفَعُه الِحِسّ، وهو الذي أرادت عائشة،
وسيأتي في الرِّقاق (٦٤٥٨) من طريق هشام عن عُرْوة عن أبيه عنها بلفظ: وما هو إلَّا
الثَّمر والماء؛ وهو أصرَحُ في المقصود لا يقبل الحملَ على الإدراج.
قوله: ((جِيران)) بكسر الجيم، زاد الإسماعيلي من طريق محمد بن الصَّباح عن عبد العزيز:
(نِعمَ الجيران كانوا))، وفي رواية أبي سَلَمة: ((جيران صِدْق)) وسيأتي بعد ستّة أبواب الإشارة
إلى أسمائهم.

٢٠٠
باب ٢ / ح ٢٥٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((مَنائح)) بنونٍ ومُهمَلة جمع مَنِيحة، وهي كعَطِيّة لفظاً ومعنَى، وأصلُها عطيّة
الناقة أو الشّاة، ويقال: لا يقال: مَنيحة إلَّا للنّاقة وتُستَعارُ للشّاة كما تقدَّم في الفِرسِن سواء،
قال إبراهيم الحربي وغيره: يقولون: مَنَحتُك الناقةَ، وأعرتُك النَّخلةَ، وأعمَرتُك الدّارَ،
وأخدَمتُك العبدَ، وكلُّ ذلك هِبَة منافع، وقد تُطلَقُّ المنيحة على هِبَةَ الرَّقَبة، ويأتي مزيد
لذلك بعد أبواب.
وقوله: (يَمنَحونَ)) بفتح أوَّله وثالثه، ويجوزُ ضَمّ أوَّله وكسر ثالثه، أي: يَجَعَلونَها له مِنْحة.
قوله: ((فَيَسْقيناه)) في رواية الإسماعيلي: فَيَسِقِينا منه.
وفي هذا الحديث ما كان فيه الصحابة من التَّقَلَّل من الدنيا في أوَّل الأمر.
وفيه فضل الزُّهد، وإيثار الواجد للمُعدِم، والاشتراك فيما في الأيدي.
وفيه جواز ذِكْر المرء ما كان فيه من الضِّيق بعد أن يُوسِّعَ الله عليه، تَذكيراً بنِعَمِه وليتأسّى
به غيره.
٢ - باب القليل من الهبة
٢٥٦٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شُعْبةَ، عن سليمانَ، عن أبي
حازم، عن أبي هريرةَ عُ، عن النبيِّ نَّه قال: «لو دُعِيتُ إلى ذِراع أو كُراعٍ لَأَجَبتُ، ولو أُهْدِيَ
إليَّ ذِراعٌ أو كُراعٌ لَقَبِلْتُ)).
[طرفه في: ٥١٧٨]
قوله: «باب القليل من الهبة)) ذکر فیه حديث أبي هريرة: «لو دُعیت إلی ذِراع أو گُراع»،
وسيأتي شرحُه في ((باب الوَليمة)) (٥١٦٧) من كتاب النِّكاح إن شاء الله تعالى، ومُناسَبَتَه
للترجمة بطريق الأَولى، لأنَّه إذا كان يُحِيبُ مَن دَعاه على ذلك القَدْر اليسير، فلأن يقبلَه مَمَّن
أحضَرَه إليه أولى.
والكُرَاع من الدّابَّة: ما دون الكعب، وقيل: هو اسم مكان، ولا يَثبُت، ویردُّه حديث